مشروعية زيارة الأربعين: هل مشى الأئمة إلى قبر الإمام الحسين (ع)؟

لا يخفى ان أصل المشي إلى العتبات المقدّسة بصورة عامّة كالمشي إلى مكّة المكرّمة يرجع تاريخه إلى آدم عليه السلام فانّه مشى إلى بيت الله سبحانه سبعين مرّة.

اشترك في قناة «الأئمة الاثنا عشر» على تليجرام

وأمّا زيارة الإمام الحسين (ع) مشياً على الأقدام ، فانّه يعدّ من أفضل القربات إلى الله عزّوجلّ ، كما أكّد ذلك ائمّتنا الأطهار، فانه من أبرز مصاديق هذه الفقرة في دعاء كميل عن أميرالمؤمنين علي (ع) عن الخضر سلام الله عليه (وليت شعري يا سيّدي ومولاي أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة ... وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة ) فمن أوطان التعبّد وأبواب الإيمان : محمّد وآله الطاهرين ، شفعاء الخلق أجمعين .

ثم لمشينا على الأقدام لكلّ المراقد المطهّرة لأئمّتنا الأطهار، ولاسيّما لسيّد الشهداء (ع) وفي خصوص يوم الأربعين ، دلالات واضحة تعلن عن ولائنا الخالص لأهل البيت، وتجديد العهد والبيعة منّا له صغاراً وكباراً قلباً وقالباً، شعوراً وشعاراً، بالجوارح والجوانح، وكلّنا نصرخ ونهتف ليسمع العالم بأجمعه، إنّنا مع أئمّة أهل البيت، معهم معهم لا مع عدوّهم ، أجل مع الغائب منهم ومع الحاضر، ونلبّي صرخة الإمام الحسين (ع) التي ردّت يوم عاشوراء (هل من ناصر ينصرني) فنقول بكلّ وجودنا وحياتنا (لبّيك لبّيك يا حسين) مهما تباعدت الأزمنة والدهور، وإذا قال ولده المهدي المنتظر الطالب بثاره (يا لثارات الحسين) فانا نقول بكل اخلاص وفداء (لبّيك لبّيك يا داعي الله وداعي رسوله) (لبّيك يا حسين ان لم يجبك بدني عند استغاثتك ، ولساني عند استنصارك ، فقد أجابك قلبي وسمعي وعيني وبصري) يا قرّة عيني، عسى ان نؤدّي جزّء لا يتجزء من حقوقهم المهدورة بهذا المشي المليوني من كلّ أرجاء المعمورة، وفي كلّ عام في مثل زيارة الأربعين .

واليكم جملة من الروايات المعتبرة الدالّة على استحباب المشي مؤكّداً بنحو عام وآخر في خصوص زيارة الحسين (ع):

1 ـ روى العيّاشي بسنده عن معاوية العجلي قال: كنت عند أبي جعفر(ع) اذ دخل عليه قادم من خراسان ماشياً، فأخرج رجليه وقد تغلفتا ـ أي تشقّقتا ـ وقال : اما والله ما جاءني من حيث جئت إلّا حبّكم أهل البيت، فقال أبو جعفر(ع): والله لو احبّنا حجر حشره الله معنا، وهل الدين إلّا الحب، ان الله يقول : (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ آللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ آللهُ) وقال : (يحبّون من هاجر اليهم ) وهل الدين إلّا الحبّ[1] .

2 ـ في زيارة أميرالمؤمنين (ع) مشياً: في فرحة الغري عن الإمام الصادق (ع) قال : من زار أميرالمؤمنين (ع) ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة حجّة وعمرة، فان رجع ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة حجتين وعمرتين.

وهذا يدلّ بوضوح أن الرجوع مشياً كذلك، فان له الأجر المضاعف، ومن باب (كلّهم نور واحد) وفي هذه الفضائل المتعلّقة بأصل الامامة بمنزلة واحدة ، ومن باب (تنقيح المناط الاطمئناني) الذي يفيد الظن المتاخم للعلم الواقعي، ويسمى بالعلم العادي، نجري الحكم في زيارة الإمام الحسين (ع) لوحدة الملاك ، فالذهاب إليه ماشياً له ماله من الأجر والثواب كما في الروايات الشريفة ، والإياب منه كذلك ماشياً له ضعف ما له في الذهاب، فاغتنم الفرصة الذهبيّة والعرفانيّة، ولا تحسّ بالتعب والنصب، فان الحبّ الحسيني يطغى على كل ألم وصعوبة ويسهل كل خطب وهول.

3 ـ عن الإمام الصادق (ع): يا بن مارد من زار جدّي عارفاً بحقّه كتب الله له بكلّ خطوة حجّة مقبولة وعمرة مبرورة، يابن مارد ما يطعم الله النار قدماً غبّرت في زيارة أمير المؤمنين، ماشياً كان أو راكباً، يا بن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب.

بيان: غبرت أي علاها الغبار والتراب في طريقه إلى زيارة أمير المؤمنين، وكذلك إلى قبور الأئمّة المعصومين: ومنهم سيّد الشهداء الإمام الحسين (ع).

4 ـ وروى السيّد عبدالكريم بن طاووس عن صفوان الجمّال قال: لما وافيت مع جعفر الصادق (ع) الكوفة يريد أبا جعفر المنصور قال لي : يا صفوان أنخ الراحلة فهذا قبر جدّي أمير المؤمنين (ع) فأنختها ثمّ نزل فاغتسل وغيّر ثوبه وتحفّى ـ أي مشى حافياً من دون نعل أو حذاء ـ وقال لي : افعل مثلما أفعله ـ فقوله وفعله وتقريره حجّة ـ ثمّ أخذ نحو الذكوة (النجف ) وقال : قصّر خطاك وألقِ ذقنك نحو الأرض ـ أي أطأ رأسك علامة للتواضع والخشوع ـ فانّه يكتب لك بكلّ خطوة مائة حسنة ، ويمحى عنك مائة ألف سيّئة ، ويرفع لك مائة ألف درجة ، وتقضى لك مائة ألف حاجة ، ويكتب لك ثواب كلّ صدّيق وشهيد مات أو قتل . ثمّ مشى ومشيت معه على السكينة والوقار نسبّح ونقدّس ونهلّل إلى أن بلغنا الذكوات (التلول)، فوقف (ع) ونظر يمنة ويسرةً وخطّ بعكازته فقال لي : اطلب فطلبتُ، ثمّ أرسل دموعه على خديه ، وبدء بزيارة جدّه أميرالمؤمنين (ع).

هذا في زيارة أميرالمؤمنين علي (ع)، وكذلك الأمر في زيارة أولاده المعصومين : كزيارة سيّد الشهداء الإمام الحسين بن علي : كما ورد ذلك في الروايات عند الخاصّة والعامّة ، ويذكر العشرات من الأحاديث الشريفة التي تنصّ على فضل واستحباب الزيارة مشياً على الأقدام .

5 ـ منها: عن حمّاد بن ثابت عن عبدالله بن الحسن قال : من زار الحسين (ع) لا يريد به إلّا الله فتفطّرت قدماه في ذهابه إليه، كان كمن تفطّرت قدماه في سبيل الله.

6 ـ ومنها: عن الحسين بن ثويبر بن أبي فاختة عن أبي عبدالله(ع) قال في حديث :

إذا أتيت أبا عبدالله (ع) فاغتسل على شاطئ الفرات، ثمّ ألبس ثيابك الطاهرة، ثمّ امشي حافياً، فانّك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتمجيد والتعظيم لله كثيراً، والصلاة على محمّد وأهل بيته حتّى تصير إلى باب الحائر (باب الحسين (ع)).

7 ـ عن صفوان بن مهران قال: ان أبا عبدالله جعفر بن محمّد (ع) لمّا قدم إلى الحيرة ، قال لي : هل لك في زيارة قبر الحسين وهل تزوره ؟ فقلت : جعلت فداك وكيف لا أزوره في ليلة الجمعة ، وقلت : يابن رسول الله هل تزوره يوم الجمعة حتّى ندرك زيارته ؟ قال : نعم يا صفوان ، فأتينا كربلاء، ونزل الصادق (ع) قرية الغاضريّة على ضفة الفرات فاغتسل ولبس ثياب الطهر، وتوجّه ماشياً نحو قبر جدّه أبي عبدالله الحسين (ع)، وعند وصوله إلى باب الحرم الشريف ، انكبّ على القبر وقال : السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله... إلى آخر الحديث.

فكان الإمام الصادق (ع) ولنا فيه اُسوة حسنة وقدوة صالحة ، من أوائل المشاة لزيارة قبر جدّه سيّد الشهداء(ع) وإنّ في زيارته مشياً من الأجر والثواب ، ومن الأسرار وفتح الأبواب ، وقضاء الحوائج والشفاعة ما لا يعلمه إلّا الله سبحانه وتعالى ، وان اللسان ليعجز، والقلم ليكلّ عن بيانه وإحصائه .

8 ـ عن علي بن ميمون الصائغ عن أبي عبدالله (ع) قال: يا علي زر الحسين ولا تدعه قال: قلت: ما لمن أتاه من الثواب؟ قال: من أتاه كتب الله له بكلّ خطوة حسنة ، ومحا عنه سيّئة ، ورفع له درجة ، فاذا أتاه وكّل الله به ملكين يكتبان ما خرج من (فمّه) من خير، ولا يكتب ما يخرج من فيه من شيء ولا غير ذلك ، فاذا انصرف ودّعوه وقالوا: يا وليّ الله مغفور لك ، أنت من حزب الله وحزب رسوله وحزب أهل بيت رسوله ، والله لا ترى النار بعينك أبداً، ولا تراك ولا تطعمك أبداً.

9 ـ عن سدير الصيرفي قال : كنّا عند أبي جعفر (ع) فذكر فتى قبر الحسين (ع) فقال له أبو جعفر (ع): ما أتاه عبد فخطا خطوة ، إلّا كتب له حسنة وحُطّت عنه سيّئة .

10 ـ عن أبي الصامت قال : سمعت أبا عبدالله (ع) وهو يقول : من أتى قبر الحسين (ع) ماشياً، كتب الله له بكلّ خطوة ألف حسنة ، ومحا عنه ألف سيّئة ، ورفع له ألف درجة ، فاذا أتيت الفرات فاغتسل وعلّق نعليك وامش حافياً، وامش مشي العبد الذليل ، فاذا أتيت باب الحير فكبّر أربعاً ثمّ امش قليلاً، ثمّ كبّر أربعاً، ثمّ ائت رأسه ، فقف عليه فكبّر أربعاً وصلّ عنده واسأل الله حاجتك[2] .

هذه جملة من الروايات المعتبرة الدالّة على فضيلة المشي على الأقدام لزيارة المعصومين، ولا سيّما سيّد شباب أهل الجنة ، ريحانة رسول الله (ص) وسبطه الثاني سيّد الشهداء الإمام الحسين  (ع).

فسّلام الله وسلام ملائكته ورسله وانبيائه وأوصيائه وعباده الصالحين على تلك الأقدام الّتي مشيت باخلاص وبحبّ وولاء إلى حرم سيّد الشهداء أبي عبدالله الحسين (ع). وياليتنا كنا معهم فنفوز فوزآ عظيمآ. اللّهم انّك تعلّم إنا نحبّ ذلك ، فاشركنا في أعمالهم وثوابهم آمين ربّ العالمين.

الهوامش:

[1] القطرة للسيّد المستنبط : 1/332.

[2] البحار: :98 143 عن كامل الزيارات : 133.