دموع لا تجف: لماذا يحزن الشيعة على الإمام الحسين (ع)؟

حزن الشيعة له جذور أصيلة:حزن شيعة أهل البيت (وفقهم الله تعالى وأعزّهم) بمناسبة مقتل سيد الشهداء الإمام الحسين (صلوات الله عليه)، وسائر مصائب أهل البيت (عليهم السلام)، وإحياء مراسم العزاء وإقامة شعائره، والإغراق في ذلك وتحري المناسبات له، ليست أموراً اعتباطية جرهم إليها التعصب والشقاق، ولا هي عادات محضة أخذوها عن أسلافهم وجروا عليها تقليداً لهم، كسائر التقاليد والعادات التي تزاولها بعض المجتمعات، والتي ما أنزل الله بها من سلطان. وإنما هي نشاطات لها جذور دينية أصيلة، وقد قامت عليها أدلة محكمة رصينة، أخبتوا لها وتحملوا من أجلها ما تحملوا من مصاعب ومصائب.

فكما ألزمتهم الأدلة القاطعة بالتأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والقبول منه، والتمسك بأهل بيته (صلوات الله عليهم) والائتمام بهم في دينهم، كذلك قد حَمَلهم النبي والأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين) بأقوالهم وسلوكهم على التعامل مع تلك الأحداث الفجيعة بهذا النحو من التعامل.

فقد استفاض عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أحاديث الفريقين أنه أخبر عن ظلامة أهل بيته (صلوات الله عليهم)، ولاسيما الإمام الحسين (عليه السلام)، وذَكَر مصابهم فأكثر من البكاء عليها قبل وقوعها(1). وكذلك الحال في أمير المؤمنين (عليه السلام)(2).

بل بكت الأنبياء (عليهم السلام) على الإمام الحسين (عليه السلام) في أعماق التاريخ(3). وبكته بعد مقتله الأرض والسماء دماً، كما روى ذلك الفريقان(4). بل ورد أن جميع الموجودات قد بكته(5) في تفاصيل لا يسعنا سردها(6).

وقد عُدّ في النصوص من البكائين الصديقة الطاهرة الزهراء (عليها السلام)، لأنها أكثرت من البكاء على أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والإمام زين العابدين (عليه السلام)، لأنه أكثر من البكاء على أبيه الحسين (عليه السلام)(7). وفي الحديث عنه (عليه السلام) أنه قال: «إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني العبرة لذلك»(8).

وفي حديث الإمام الصادق (عليه السلام) عنه (عليه السلام) قال: «وكان جدي إذا ذكره بكى حتى تملأ عيناه لحيته، وحتى يبكي لبكائه رحمة له من رآه»(9).

وفي حديث عمارة المنشد قال: «ما ذكر الحسين بن علي (عليهما السلام) عند أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) فرُئيَ أبو عبد الله ذلك اليوم مبتسماً إلى الليل»(10).

وكان هو وبقية الأئمة (عليهم السلام) يتحرّون المناسبات للحديث عن تلك الفجائع، والبكاء عليها، والحثّ على ذلك، وعلى إقامة المجالس المذكّرة بها. وما أكثر المآتم التي كانوا يقيمونها (عليهم السلام) بأنفسهم حينما يفد الشعراء عليهم ليذكروا مصابهم.

وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «ولقد شققن الجيوب ولطمن الخدود الفاطميات على الحسين بن علي. وعلى مثله تلطم الخدود وتشق الجيوب»(11).

وعنه (عليه السلام): «إن البكاء والجزع مكروه للعبد في كل ما جزع، ماخلا البكاء والجزع على الحسين بن علي (عليهما السلام) فإنه فيه مأجور»(12).

وفي دعائه (عليه السلام) الطويل لزوّار الحسين (عليه السلام): «اللهم إن أعداءنا عابوا عليهم بخروجهم، فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا خلافاً منهم على من خالفنا، فارحم تلك الوجوه التي غيرتها الشمس… وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا…»(13).

وفي حديث مسمع كردين البصري بعد أن وصف حزنه على الحسين (عليه السلام)، قال له أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «رحم الله دمعتك، أما أنك من الذين يعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنا، أما أنك سترى عند موتك حضور آبائي ووصيتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة أفضل، وملك الموت أرق عليك وأشد رحمة لك من الأم الشفيقة على ولدها.

قال: ثم استعبر واستعبرت معه، فقال: الحمد لله الذي فضلنا على خلقه بالرحمة، وخصنا أهل البيت بالرحمة…»(14).

وفي حديث الريان بن شبيب عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال ـ في حديث ـ: «يا ابن شبيب إن سرّك أن تكون معنا في الدرجات العلى من الجنان فاحزن لحزننا، وافرح لفرحنا، وعليك بولايتنا فلو أن رجلاً أحبّ حجراً لحشره الله عزّ وجلّ معه يوم القيامة»(15).

وفي المأثور عنهم (عليهم السلام): «شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، وعجنوا بماء ولايتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا»(16)… إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. وقد خُصصّت كتب كثيرة لجمعه وتبوبيه بنحو يسهل التعرف عليه.

وحقيق بشيعة أهل البيت، بل بالمسلمين عامّة، أن يتعرفوا على الكم الهائل مما ورد في ذلك. ولاسيما بعد أن صار في المتناول وسهل التعرف عليه بسبب حملة الطبع والنشر الحديثة. ليكونوا بذلك على بصيرة من الأمر، وتتجلى لهم هذه الحقيقة، وليعرفوا أنهم لم يؤدوا بعد ولا يؤدون حق ذلك مهما جهدوا.

‏نقلا عن كتاب من وحي الطف المرجع الديني الكبير آية الله السيد محمد سعيد الحكيم

الهوامش:

••••••••••••••••••••••••

(1) انظر: كامل الزيارات ص:١٢٧، مسند أحمد ج:٣ ص:٢٤٢، مجمع الزوائد ج:٩ ص:٨٨١.

(2) كتاب صفين ص:١٤٠.

(3) كامل الزيارات ص:١٣٧.

(4) منها ما أخرجه الطبري وغيره من بكاء السماء على الحسين (عليه السلام)، انظر: جامع البيان للطبري ج:٢٥ ص:١٦٠، الجامع لأحكام القرآن ج:١٦ ص:١٤. ومنها ما عن الزهري أنه لم ترفع حصاة في بيت المقدس إلا ووجد تحتها دم عبيط، قال ابن حجر: رواه الطبراني ورجاله ثقات. مجمع الزوائد ج:٩ ص:١٩٩. ومنها ما جاء في نوح الجن الذي رواه جمع منهم الطبراني في المعجم الكبير ج:٣ ص:٢٢١، وأخرجه في مجمع الزوائد ج:٩ ص:١٩٩ معلقاً عليه بقوله: (ورجاله رجال الصحيح). وعن أبي جناب الكلبي قال: (أتيت كربلاء فقلت لرجل من أشراف العرب بها: بلغني أنكم تسمعون نوح الجن؟ قال: ما تلقى حراً ولا عبداً إلا أخبرك أنه سمع ذاك...)، انظر: البداية والنهاية ج:٨ ص:٢١٧، تهذيب الكمال ج:٦ ص:٤٤١، سير أعلام النبلاء ج:٣ ص:٢١٦، وغيرها.

(5) كامل الزيارات ص:١٧٩.

(6) روى البيهقي بإسناده عن أبي قبيل قال: لما قتل الحسين بن علي (رضي الله عنهما) كسفت الشمس كسفة بدت الكواكب نصف النهار. (السنن الكبرى ج:٣ ص:٣٣٧).

(7) الخصال ص:٣٧٢.

(8) الأمالي للصدوق ص:٤٠٢.

(9) ، (10) كامل الزيارات ص:١٦٨، ٢١٤.

(11) تهذيب الأحكام ج:٨ ص:٣٢٥.

(12) كامل الزيارات ص:٢٠١.

(13) ، (14) كامل الزيارات ص: ٢٢٩، ٢٠٣.

(15) عيون أخبار الرضا ج:٢ ص:٢٦٩.

(16) شجرة طوبى ج:١ ص:٣.