نقاش

لماذا نسعى في ’طلب الرزق’ إذا كان الله متكفل به؟!

قال تعالى: (إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير)، تدل الآية الكريمة على أن الضرر كالفقر والمرض، وكذا الخير كالمال والصحة من فعل الله تبارك وتعالى، فلماذا يسعى الإنسان إذن ويطلب ما الله تعالى متكفل به؟

[اشترك]

لأن الإجابة تحتاج إلى تفصيل، نذكر خلاصة الإجابة أولا ومن ثم نفصل الإجابة بالمقدار الذي يتيحه المقام.

فخلاصة الإجابة أن الآية ليست في مقام نفي إرادة الإنسان ومسؤوليته عما يصيبه من شر أو خير، وإنما الآية في مقام إثبات أن كل ما في الوجود محكوم بإرادة الله وأمره، صحيح أن الله مكن الإنسان من فعل ما يشاء إلا أن هذا التمكين لا يخرج الإنسان عن سلطة الله وهيمنته، فبتوفيق الله وتسديده يرفع الإنسان عن نفسه الضرر، أما إذا خذله الله وأوكله إلى نفسه لاستحال عليه ذلك، فالإنسان لا يملك من نفسه نفعا ولا ضرا وإنما يملكهما بما مكنه الله منهما، ولذلك لا يمكن أن يستغني الإنسان عن السعي لأن كل ما يصيبه معلق بهذا السعي.

أما التفصيل فعلى النحو التالي:

قال تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير)، وقال تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون)، وقال تعالى: (قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون). وقال تعالى: (ما أصابك من حسنة فمن الله ۖ وما أصابك من سيئة فمن نفسك)

نصت هذه الآيات على أربع حقائق مهمة، وعلى أساسها تقوم علاقة المخلوق بالخالق، وأي اختلال في فهمها يؤدي إلى اختلال حياة الإنسان وتخبطه فيها.

1- إن الله هو الخالق والمهيمن على كل شيء، (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير) وبهذا استحق العبادة، لكونه مالك كل خير ودافع كل ضر.

2- ما يصيب الإنسان من خير وشر يقع ضمن هدف الابتلاء والتمييز بين العباد، (ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) فكل ما يصيب الإنسان إما أن يقربه من الله أو يبعده عنه.

3- كل شيء يتعلق به الإنسان دون الله بهدف جلب الخير أو دفع الضر لا يجدي نفعا، فليس هناك مالك لهما غير الله تعالى، (إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته)، فإن كان هناك من يملك النفع والضر من دون الله فهو أولى باللجوء إليه وطلب ذلك منه.

4- ما يفعله الله بالعباد خير محض سواء في دنياهم أو ما يجدونه في آخرتهم، وعليه ما يصيب الإنسان من سوء فهو من فعله واختياره، (ما أصابك من حسنة فمن الله ۖ وما أصابك من سيئة فمن نفسك)، فالإنسان هو المسؤول عن كل ما يصيبه من سوء وبيده وحده تغيير حاله من حال إلى حال، (إن الله لا يغير ما بقوم حتىٰ يغيروا ما بأنفسهم).

وإذا انطلقنا من المسلمة في النقطة الثانية يمكننا أن نقول أن تقلب الإنسان بين الخير والشر هو السبيل الوحيد للكشف عن معدنه وحقيقته، فكما يقال عند الامتحان يكرم المرء أو يهان، فلابد للإنسان من فتنة وابتلاء، والفتنة في اللغة مأخوذة من فتنة الذهب بالنار لإخراج الشوائب منه، وعليه لا يمكن أن نتصور فلسفة وجود الإنسان في الحياة ما لم يكن هناك ابتلاء وفتنة تؤهل الإنسان لدخول الجنة.

وإذا كان هذا واضحا يمكننا الرجوع إلى النقطة الأولى، والذي يقودنا إلى ذلك هو السؤال القائل، بعد أن سلمنا بأن الخير والشر، أو النفع والضر، لابد من وجودهما في الحياة ومن دونهما تفقد حياة الإنسان حكمتها وغايتها، فما هو مصدرهما ومن يتحكم بهما؟

من المؤكد أن خالق الحياة ومدبرها هو المالك لكل شيء، ومن المستحيل أن يخرج أي شيء عن هيمنته وسلطانه، قال تعالى: (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون)، فإذا افترضنا وجود جهة أخرى غير الله تعالى هي التي تملك ذلك فمن الطبيعي أن يلجأ لها الإنسان لجلب الخير ودفع الضر، وهذا ما يفسر لنا انحراف بعض الأمم عن عبادة الله، فكل من عبد شيئا غير الله لم يعبده إلا بعد أن تصور أنه يملك نفعه وضره، ففي سورة يس بعد أن عددت الآيات النعم التي خص الله بها الإنسان مثل قوله تعالى: (ولهم فيها منافع ومشارب ۖ أفلا يشكرون) تأتي الآية بعدها مباشرة لتكشف سبب ضلال من يعبد غير الله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) أي كانوا يتصورون أنها قادرة على نصرتهم، وبالتالي بيدها نفعهم وضرهم، إلا أن الآية التي جاءت بعدها أبطلت ذلك بالقول: (لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون)، وعليه لا سبيل أمام الإنسان العاقل إلا طلب ذلك ممن بيده النفع والضر وهو الله تعالى، فهو المالك الحقيقي لكل ما يرجوه الإنسان في حياته.

 

وكل ذلك يكشف عن معرفة الإنسان بأنه لا يملك من نفسه نفعا ولا ضرا، وأن هناك مالكا آخر لهما غيره، والمغرور وحده من يدعي أنه مالك للخير والشر والقادر عليهما، ومثل هذا لا يلتفت إلى قوله، وفي النتيجة إن الآية التي سأل عنها السائل لا تثبت شيئا آخر غير الذي يجده الإنسان في عمق شعوره ووجدانه، وهو حاجته لمن يملك نفعه وضره لكونه غير مالك لهما.

وإذا اتضح ذلك نعود إلى النقطة الرابعة، ونسأل عن دور الإنسان في هذه المعادلة، وهنا لابد أن نفترض مجموعة من الاحتمالات:

الاحتمال الأول: أن يكون الإنسان مجبورا على كل شيء، فكل ما يصيبه من خير أو شر ليس إلا قدرا محتوما عليه من الله، وكل ما يصدر عنه من فعل لا يكون نابعا من إرادته واختياره، وهذا الاحتمال هو الذي تصور السائل حدوثه.

الاحتمال الثاني: أن يكون للإنسان مطلق التصرف فهو وحده الذي يتحكم في كل شيء شاء الله أو لم يشأ، فإن كسب خيرا فمن نفسه وبجهده وكده، وإن أصابه سوء فمن فعله واختياره، وليس لله أي هيمنة عليه.

الاحتمال الثالث: أن يكون الإنسان مسؤولا عن فعله لكونه نابعا عن إرادته واختياره، وفي نفس الوقت غير مفوض في ذلك لوجود إرادة أخرى غير إرادته وهي إرادة الله تعالى، وعليه ما يصيب الإنسان أو ما يصدر عنه من الله ومن نفسه، فما يكون خيرا فمن الله وما يكون شرا فمن نفسه.

مع أن الاحتمال الثالث شائك وقد يكون غير مفهوم من النظرة الأولية، إلا أنه حتى وإن لم نرفع ما فيه من غموض نجده أولى من الاحتمالين السابقين؛ وذلك لأن الاحتمال الأول يصادر حرية الإنسان وإرادته، وهذا خلاف ما يشهده الإنسان بوجدانه. والاحتمال الثاني يصادر إرادة الله وحكمته، وهذا مخالف لكون الله هو الخالق والمهيمن، فكيف يكون هو الخالق وفي نفس الوقت منزوع الإرادة عن خلقه؟ أما الاحتمال الثالث فهو الاحتمال الوحيد الذي يحافظ على إرادة الإنسان وفي نفس الوقت لا يصادر إرادة الله، وحتى لو افترضنا أننا لم نفهم كيفية الانسجام بين إرادة الإنسان وإرادة الله يبقى هو الاحتمال الأقرب من الجهة التي ذكرناها.

أما كيف نفهم فعل العبد بين إرادة الله وإرادته الخاصة؟ فإن ذلك ما تميز به مذهب أهل البيت (عليهم السلام) فأكثر المدارس الإسلامية إما تورطت في الجبر بشكل صريح أو مبطن، وإما تورطت في التفويض بشكل ظاهر أو مخفي، ولم يتصوروا وجود منزلة ثالثة تقع بين الجبر والتفويض، وهذا ما نبه له الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) بقولهم لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين أمرين، ولا يمكن تفصيل معنى ذلك في هذا المقام وإنما نشير إليه باختصار، ومن أراد التفصيل هناك مقال منشور على صفحة الموقع بعنوان الجبر والاختيار يمكن مراجعته.

 

فمن المؤكد أن الله مكن الإنسان من الاختيار وأقدره على المعصية والطاعة، فلا يكون بذلك مجبورا لصدور الفعل عن اختياره، وفي المقابل لا يملك الإنسان القدرة والاختيار من نفسه وبذاته وإنما أمرها بيد الله فهو الذي يفيضها عليه، وبذلك لا يكون مفوضا في فعله طالما لم يكن مفوضا في أصل امتلاكه للقدرة والاستطاعة والاختيار، وهكذا في اللحظة التي يكون فيها الإنسان فاعلا مختارا لا يكون مستغنيا عما يمده به الله من قدرة تمكنه من الفعل، فالإنسان مالك لما ملكه الله بدون تفويض منه، وبذلك يصبح الإنسان في أشد الحاجة إليه من أجل دوام لطفه وإنعامه وتفضله، ويكون ذلك لحظة بلحظة، وثانية بثانية، فقوله: (إياك نعْبد وإياك نسْتعين)، أثبات للأمر بين الأمرين، فإياك نعبد نفي للجبر، لكونه هو الذي اختار العبادة، وإياك نستعين نفي للتفويض لكونه لا يتمكن من العبادة بدون عون الله وتوفيقه. ويبقى هناك سؤالان، الأول: كيف يكون فعل الخير من الله وفعل الشر من الإنسان؟ والسؤال الثاني: ما علاقة فعل الإنسان بما يقع عليه من خير وشر؟

بالنسبة للسؤال الأول: فالإنسان قادر على فعل الخير والشر بما أقدره الله على ذلك، وحينها يصبح مسؤولا عن فعله، فإن كان شرا يعود إليه وحده طالما كان قادرا على تركه، صحيح أنه فعل ذلك بالقدرة التي مكنه الله منها، إلا أن الله حين منحه إياها اشترط عليه أن لا يفعل بها إلا الخير، حيث حذره من الشر ونهاه عنه ووعده بالعقوبة إن هو خالف أمره، أما إذا فعل بها الخير فيكون ذلك من الله لكونه هو الذي أقدره على ذلك وحببه إليه وحثه على فعله ووعده بالثواب إذا قام به، ففي الرواية عن الإمام الرضا (عليه السلام) قال: (فالقائل بالجبر كافر والقائل بالتفويض مشرك. فقلت له: يا بن رسول الله فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به وترك ما نهوا عنه. فقلت له: فهل لله عز وجل مشيئة وإرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله، ومشيئته فيها الأمر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها، وإرادته ومشيئته في المعاصي النهي عنها، والسخط لها، والخذلان عليها).

أما بالنسبة للسؤال الثاني: ما علاقة اختيار الإنسان بما يصيبه من خير أو شر؟ وهل كون الله هو النافع الضار يعني أن إرادة الإنسان لا علاقة لها بذلك؟

من المؤكد أن كل شيء في الوجود معلق بالأسباب والمسببات، ولا يمكن أن نتصور وجود شيء خارج إطار السنن التي أقام الله عليها نظام الخلقة، والإنسان يقوم بفعله وفقا لهذه السنن والأسباب، فقد يقوم بشيء يكون سببا في نزول الضرر عليه، فمثلا قد يعرض نفسه للبرودة الشديدة فيصاب بمرض، وبذلك يكون مسؤولا عما أصابه من ضرر حتى وإن كانت الأسباب هي من فعل الله تعالى، صحيح أن بعض الشرور تصيب الإنسان من غير أن يكون هو المتسبب فيها بشكل مباشر، إلا أنها لا تكون نازلة من السماء وإنما حدثت بفعل إنسان آخر، وحتى لو فرضنا أنها عقوبة نازلة من السماء فإنها لا تنزل عبطا وإنما لفعل فعله الإنسان استحق تلك العقوبة، وعليه البشرية بشكل عام هي المسؤولة عما يصيب العالم من فقر وجوع ومرض وكل الكوارث التي تصيبه، وهي أيضا المسؤولة عن رفع كل ذلك من خلال تغيير منهجها في الحياة وتبديل نمط سلوكها، فالفقر والمرض والغنى والعافية كلها تخضع لمعادلات وضعها الله كقوانين، وإرادة الإنسان مسؤولة بشكل مباشر عن كل ما يصيب الإنسان، فظلم الحاكم وفساد الأنظمة والمطامع والأنانيات الحاكمة على النفوس وغير ذلك كله مسؤول عما يصيب البشرية، فلماذا نحمل الله المسؤولية وهو سخر للإنسان كل ما في الوجود وأمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وحذرهم من حسابه وعقابه؟

وعليه فقوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) فإن الآية تثبت أن كل ما يقع في الوجود وكل ما يجري على الإنسان من خير أو شر هو محكوم بما قدره الله من سنن على هذا الوجود، والإنسان في حياته وسعيه حتما معرض لما ينفعه أو ما يضره، وحينها لا يمكنه أن يعتمد على ذاته وقدراته الخاصة وإنما بحاجة إلى تسديد الله وتوفيقه، فمثلا لو هم العبد الى فعل شيء وكان في ذلك الشيء ضرره وهو لا يعلم، فهو بين عدة احتمالات، فإما أن يصرف الله عزيمته عن ذلك الفعل، فبعد أن كان متحمسا يفقد الرغبة تماما عن فعله، وهذا يجده كل واحد منا في نفسه، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (عرفت آلله سبحانه بفسخ العزائم، وحل آلعقود، ونقض آلهمم)، وإما أنه يسعى بجد لتحقيقه ولكنه يفشل في ذلك، مثلا من كان ينوي السفر إلى مكان وكان في ذلك السفر مكروه يصيبه وهو لا يعلم، فمع تصميمه وسعيه إلا أن الله لا يوفقه للقيام بذلك السفر، وكم من الأعمال يعزم على فعلها الإنسان ولكنه يفشل في القيام بها، وغير ذلك من الطرق التي يصرف الله بها المكروه عن عبده، أما من خذله الله وأوكله إلى نفسه فلا يسلم من الوقوع في الضرر، وفي حال وقوع الضرر على الإنسان لا يمكنه أيضا الخلاص منه إلا بتوفيق آخر من الله تعالى، ومن هنا لا يمكن أن يدفع الإنسان الضرر عن نفسه إلا إذا أعانه الله على ذلك، ولا يفهم بأن التوفيق والخذلان أمر اعتباطي وإنما له علاقة بمجمل فعل الإنسان وتوجهه في الحياة، فمثلا قد يدفع الله المكروه عن إنسان بسبب بره لوالديه، وقد يخذله بسبب عقوقه لهما،

وعنه (صلى الله عليه وآله): الصدقة تمنع سبعين نوعا من أنواع البلاء، أهونها الجذام والبرص)، وهكذا تتداخل أسباب حسية ومعنوية في مجمل حياة الإنسان وتحدد ما يمكن أن يصيبه من خير أو شر، وفي حال وقوع الشر بالإنسان فما تزال الفرصة متاحة أمامه من جديد، وذلك من خلال الرجوع إلى الله وطلب العون منه لرفع ما وقع عليه من ضرر، وبذلك يكون الشر والخير سببا في رجوع العبد إلى الله وبذلك يتحقق ابتلاؤه وامتحانه في الحياة كما يترتب على ذلك جزاؤه يوم القيامة.

2022/03/27
هل سفر ’مراجع الدين’ إلى لندن لتلقي العلاج حرام؟!

هناك إشكالية تطرح باستمرار، وهي لماذا اغلب مراجع الدين يذهبون إلى لندن للعلاج بينما البلاد الإسلامية والعربية لديها أجهزة طبية متطورة وحديثة وأطباء على مستوى عالٍ؟

[اشترك]

يجب عدم الالتفات إلى الإشكالات السخيفة التي لا تصدر إلا من عقول مريضة، فالاستجابة لها والتفاعل معها يعطي صاحبها أهمية، وهذا لا يعني أننا لا نسمح بالنقد الموضوعي والإشكال العلمي، بل على العكس تماماً لعلمنا بأن النقد البناء والاشكالات التي تبحث عن نقاط الخلل في الأفكار مفيدة جداً لتطوير واقعنا الفكري والمعرفي.

[اشترك]

أما إطلاق الكلام على عواهنه وإصدار التهم والافتراءات فإنها لا تعبر إلا عن نفسية حاقدة تبحث فقط عن السخرية والازدراء، فلو اخذنا هذا السؤال مثالاً: فحتى نعتبره إشكالاً لابد أن يبين صاحبه مجموعة من الأمور، أولاً: لابد من تقديم إحصائية علمية يثبت فيها أن معظم مراجع الشيعة يتعالجون في لندن.

ثانياً: لابد من بيان المحذور الشرعي والعقلي في حال ثبوت النقطة الأولى.

ثالثاً: اثبات أن سفرهم إلى لندن يدل على رغبتهم في السفر إلى تلك البلاد أو العيش فيها مما جعلهم يتحججون بالمرض لتحقيق ذلك.

وكل ذلك غير واضح حتى نعترف بكونه إشكالاً، فبالنسبة للنقطة الأولى فإن العكس هو الصحيح فأن معظم مراجع الشيعة يتعالجون في أوطانهم وهناك بعض الحالات النادرة جداً التي استوجبت العلاج خارج الوطن، فلو رصدنا في المئة سنة الأخيرة أسماء مراجع الشيعة في العراق وايران ومن ثم بحثنا عن من تعالج منهم في أوروبا لوجدنا القليل النادر الذي لا يمثل حتى نسبة واحد في المائة، وعليه فإن التعميم القائم على ملاحظات محدودة يعد من أكبر المغالطات المنطقية، أما بالنسبة للنقطة الثانية، فنحن لا نجد أي محظور عقلي أو شرعي إذا تعالج المرجع في لندن، فلو كان العلاج في الغرب حرام فهو حرام على الجميع وليس على المراجع وحدهم، فلا وجود لأحكام شرعية خاصة بالمراجع دون غيرهم، فهل يمكن التسليم بحرمة ذلك على الجميع؟ أما بالنسبة للنقطة الثالثة، فماذا تمثل لندن أو غيرها من العواصم الغربية بالنسبة للمراجع؟ فلو أرادوا السفر إليها أو العيش فيها فبإمكانهم فعل ذلك وليس هناك مانعاً من أن يكون مرجعاً وهو يعيش في أوربا، فلو كانوا يبحثون عن الحياة ويهتمون بملذاتها لما اختاروا السفر إلى لندن وهم في هذه الأعمار المتقدمة وفي حالة من المرض والعجز، وعليه لا تمثل أوروبا أي هوى في نفوسهم ولذا اختاروا الزهد والتقشف في مسكنهم وملبسهم ومأكلهم وحالهم جميعاً يدل على ذلك.

2022/03/09
كاستحالة رمي نفسك في ’النار’.. لن ينحرف ’المرجع الديني’!

هل يمكن أن ينحرف المرجع الديني؟ وما هو موقف المؤمنين في مثل هذه الحالة؟

[اشترك]

كل ما ليس بمعصوم يجوز في حقه الانحراف، فعلى مستوى الإمكان لا مانع عقلاً ولا شرعاً أن ينحرف الفقيه الذي وصل إلى مستوى من العلم والفقاهة حتى أصبح مرجعاً لغيره.

وقد صرح القرآن الكريم بذلك في قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) فالآية تؤكد بشكل واضح إمكانية انحراف من وصل إلى درجة من العلم، حيث ضربت الآية مثلاً بمن كان له علم بآيات الله إلا أنه انسلخ منها واتبع هواه، الأمر الذي يدل على خطورة هوى النفس على الإنسان إذا لم يعمل على مخالفة هواه بشكل دائم ومستمر، وقد جاء في تفسير هذه الآية الكثير من روايات الشيعة والسنة التي تؤكد بأن هذا الرجل يقال له (بلعم بن باعورا) من بني إسرائيل وقد كان في زمن نبي الله موسى (عليه السلام) حيث كان عالماً بآيات الله إلى درجة كان عنده أسم الله الأعظم كما صرحت بعض الروايات، إلا أنه انحرف وجحد بآيات الله وأتبع الشيطان، فكان مثله كمثل الكلب، فكما أن الكلب يلهث حتى وإن لم يكن في حالة من الجهد والتعب، فكذلك هو حال من عرف الحق واتبع هواه لن يجد إلا الخذلان والضياع، وقد أشار الأمام الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية إلى أن ذلك مثال جاري على كل من عرف الحق وتركه من اجل الهوى، حيث قال (عليه السلام): أنَّ الأصل في ذلك بلعم ثم ضربه الله مثلاً لكلَّ مؤثرٍ هواه على هدى الله من أهل القبلة).

وعليه بحسب الإمكان العقلي والعملي ليس محالاً أن ينحرف المرجع الديني، ولكنه مستبعد صدور ذلك منهم؛ فالذي وطن نفسه على طاعة الله واجتناب الهوى لا يتوقع منه مثل هذا الانحراف، فهناك محال عقلي ومحال عادي والانحراف في حق المرجع محال عادي، فمثلاً عندما نقول محال أن يرمي العاقل بنفسه في النار نقصد المحال العادي لأن حصول ذلك عقلاً ليس محالاً، وكذلك نقول محال أن يمسك العاقل بيده التيار الكهربائي مع أنه ممكن عقلاً، وكذلك الحال بالنسبة للانحراف في حق المراجع فمع أنه ليس محالاً عقلياً ولكنه محال في العادة، حيث لم يصل مراجع الشيعة إلى هذا المستوى من العلم والفقاهة والعبادة إلا بتوطين أنفسهم على الحق واجتناب الهوى، فمسيرتهم العلمية والعبادية والأخلاقية خير شاهد على ذلك، وعليه في العادة يستبعد وقوع ذلك منهم كما يشهد على ذلك تاريخ المرجعية الشيعية.

أما في حال حصول ذلك الانحراف بحيث أصبح أمراً واضحاً وقطعياً فحينها يجب تركه والابتعاد عنه وتحذير الناس منه، وفي نفس الوقت لا يجوز اتخاذ ذلك مبرر في تسقيط العلماء بالراي والهوى، أو لمجرد الاختلاف معهم في مسألة من المسائل، ففي الحديث القدسي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب.

2022/02/20
ما معنى «صلى الله عليه وآله»؟
قيل إن الجذر اللغوي لكلمة صلاة هو (ص، ل، ي) وهو يعني الاتصال بين شيئيين، ولذا قيل للفرس الذي يأتي ثانياً في السباق بالمصلي إي الذي يأتي متصلاً مع الفرس الأول.

وعلى ذلك يمكن أن يحمل جذر الكلمة مفهومي الصلة والتصلية في نفس الوقت، فيقال تصلاه النار إذا مسته واتصلت به، وإذا اعتمدنا كون الصلاة مأخوذة من الصلة فحينها تصبح الصلاة من العبد صلة عبادية، ومن الله صلة رحمة ومغفرة ومنها قوله تعالى: (اولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ) وعلى ذلك تكون صلاة الله على النبي بمعنى رحمة الله وعنايته ومغفرته وتزكيته للنبي، وقد ورد بهذا التفسير عدة روايات.

وقد اشتهر كون الصلاة في اللغة تعني الدعاء، وهو معنى صحيح إلا أن الأصح بحسب جذر الكلمة أن يكون الدعاء هو أحد مصاديق الصلاة وليس تمام المعنى؛ وذلك لأن الدعاء ليس هو الصلة الوحيدة بين العبد والرب، وقد جاء في القرآن الصلاة بمعنى مطلق الدين والعبادة، قال تعالى: (يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا) أي أن دينك وعبادتك تمنعنا من عبادة ما كان يبعد آباءنا؟

وبما أن الصلاة في اللغة نحو من الصلة التي يظهر فيها التعظيم والمحبة، فكل من يخبر أو يظهر محبة للغير يكون قد صلى عليه، ومن هنا كان الدعاء من أشهر معاني الصلاة؛ لأنّ الدعاء لشخص هو تعبير عن محبته وإرادة الخير له، فأصل الصلاة من الثناء الجميل وإبراز الخير للغير، ولهذا تشمل الصلاة في اللغة التحية، فلو حيّيت شخصاً قالت العرب بأنك صلّيت عليه، ولو مدحت شخصاً قالت العرب بأنك صلّيت عليه؛ لأنه يعتبر نوعاً من إظهار التعظيم والمحبة له، وعلى ذلك تكون صلاة الله على النبي بمعنى أن الله يظهر عظمة النبي ومحبته ولذلك دعاء المؤمنين لفعل ذلك بتمجيده وتعظيمه ومحبته، ومن هنا كان الدعاء للنبي مصداق لظهار المحبة والتعظيم له.

وهذب البعض إلى أن أصل الصلاة في اللغة يعني الانعطاف، فصلى عليه أي أنعطف نحوه، وقد ذهب العلامة الطباطبائي إلى هذا المعنى بقوله: (أن أصل الصلاة الانعطاف فصلاته تعالى انعطافه عليه بالرحمة انعطافا مطلقا لم يقيد في الآية بشيء دون شيء وكذلك صلاة الملائكة عليه انعطاف عليه بالتزكية والاستغفار وهي من المؤمنين الدعاء بالرحمة) فالله ينعطف نحو العباد بالرحمة والمحبة والعناية واللطف بهم، وينعطف العباد نحو بعضهم بالتعاون والمحبة والسلام والدعاء والمدح والثناء، وبذلك أظهرت الآية انعطاف الله للنبي ثم امرت المؤمنين بفعل ذلك.

ومن كل ذلك يتضح أن الصلاة هي صلة وانعطاف فيه تعظيم وإظهار للمحبة، وعليه تكون الصلاة على النبي في قبال من يؤذي النبي ولذا جاءت الآيات على النحو التالي (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا).

2022/02/14
روايات تهدد الزاني بـ «كما تدين تدان».. هل يؤخذ البريء بجريرة غيره؟!

ما صحة الحديث القائل بأن الزنى دَين وما هو ذنب البنت أو الأخت إذا كان الأب أو الأخ منحرفاً فتكون التبعات على زوجته أو بنته أو أخته يرجى بيان ذلك.

[اشترك]

هناك بعض الروايات التي تشير إلى المضمون الذي قصده السائل، مثل رواية الكافي التي جاء فيها: (عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ أَوْ رَجُلٍ عَنْ شَرِيفٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: لَمَّا أَقَامَ الْعَالِمُ الْجِدَارَ أَوْحَى اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى إلى مُوسَى (ع) أَنِّي مُجَازِي الأَبْنَاءِ بِسَعْيِ الآبَاءِ إِنْ خَيْراً فَخَيْرٌ وإِنْ شَرّاً فَشَرٌّ، لَا تَزْنُوا فَتَزْنِيَ نِسَاؤُكُمْ ومَنْ وَطِئَ فِرَاشَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وُطِئَ فِرَاشُه كَمَا تَدِينُ تُدَانُ) وقد ضعّفت هذه الرواية لعدم وثاقة شريف بن سابق، كما أن الرواية فيها تردد بين شريف بن سابق، وبين كونها عن رجل عن شريف بن سابق ولذلك فهي بحكم المرسلة، وكذلك ضعفت من جهة الفضل بن أبي قرة الذي روى الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث لم تثبت روايته عن الإمام الصادق (عليه السلام).

وجاء في الكافي أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (تَزَوَّجُوا إلى آلِ فُلَانٍ فَإِنَّهُمْ عَفُّوا فَعَفَّتْ نِسَاؤُهُمْ، ولَا تَزَوَّجُوا إلى آلِ فُلَانٍ فَإِنَّهُمْ بَغَوْا فَبَغَتْ نِسَاؤُهُمْ، وقَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ أَنَا اللَّه قَاتِلُ الْقَاتِلِينَ ومُفْقِرُ الزَّانِينَ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَزْنُوا فَتَزْنِيَ نِسَاؤُكُمْ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ). وقد ضعفت هذه الرواية ايضاً لوجود عبد الله الدهقان الذي ضعفه النجاشي، وهناك رواية أخرى في الكافي بنفس المضمون وهي مرسلة.

وقد روى الصدوق في من لا يحضره الفقيه عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (كان فيما أوحى اللَّه عزَّ وجل إلى موسى: يا موسى بن عمران من زنى زُنيَ به ولو في العقِبِ من بعدِه، يا موسى عِفَّ يعفَّ أهلُك، يا موسى بن عمران إنْ أردتَ أنْ يكثُر خيرُ أهلِ بيتِك فإيَّاك والزنا، يا بن عمران كما تَدين تُدان) وقد ضعفت الرواية لاشتمال السند على الحكم بن مسكين وهو مجهول.

وعليه فإن هذه الروايات من حيث السند فيها إشكال ونقاش، أما من حيث المتن والدلالة، فإن الملاحظة الأولية تقودنا إلى ما ذهب إليه السائل إذ كيف يؤخذ البريء بجريرة غيره؟ فإن كان الرجل هو الذي قام بفعل الزنا، فما شأن ارحامه من النساء؟ ومن هنا إذا كان معنى الرواية منحصر في ترتيب أثر الذنب على من لم يصدر عنه الذنب فلا يمكن قبولها لمخالفة ذلك لصريح القرآن، حيث قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى)، وقوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)، حيث تحصر الآيات تبعات الذنب في من أرتكب الذنب دون سواه، فكل نفس لها ما كسبت من عمل أن خيرا فخير وإن شرا فشر، قال تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)، ومن هنا إذا أمكن تأويل الرواية وحملها على المعنى الذي لا يتصادم مع القرآن وصحيح العقل فبها وإلا فوجب علينا إيكال علمها لأهل البيت (عليهم السلام) حيث لا يجوز ردها وتكذيبها.

ويجب في تأويل هذه الروايات الالتفات إلى أنها لا تعمل على إلغاء حرية الإنسان واختياره، فالإشكال الذي يجعلنا نتوقف في قبول المعنى الظاهري، هو كون هذا المعنى يوحي بمصادر حرية الإنسان واختياره، فكأنما زنا الزاني هو الذي يوجب وقوع الزنا في نساء أهل بيته بدون اختيار منهن، أي أن زنا الزاني هو العلة التامة في حدوث ذلك، وهذا لا يمكن قبوله، أما إذا كان زنا الزاني هو الذي يهي الأجواء التي تساعد على شيوع الزنا في اسرته وأهل بيته، فحينها لا اشكال مترتب على هذا المعنى، بل يصبح وقوع الزنا في أهل بيته نتاج طبيعي ومتوقع، فمثلاً لو أن هناك إنسان يلاحق اعراض الناس ويشيع أجواء الفساد والانحراف ولا يحسن تربية بناته لكونه نموذج غير مؤهل لذلك، فلو قلنا أن مثل هذا الإنسان سوف يجلب الزنا إلى نسائه وأهل بيته لا نكون مخطئين بذلك، وعليه عندما يشيع الزنا في مجتمع من المجتمعات فإنه قد يشمل الجميع، ولذلك حذرت الروايات من الزنا لكونه من الظواهر السلبية التي لا تقف عند حد معين وإنما تشمل الجميع بما فيهم اسرة الزاني نفسه.

وعليه يمكن فهم هذه الروايات على أنها تردع من الزنا بشكل مشدد، فجريمة الزنا لا تقف عند حد الزناة فقط، وإنما تتمدد لتصبح ظاهرة في المجتمع، فالزاني والزانية يعملان في العادة على توسيع دائرة المتورطين في الزنا، وهكذا يتسع الزنا حتى يصبح ظاهرة اجتماعية وحينها يصعب على الزاني أن يحمي اسرته وأهل بيته، ولذا ختمت الروايات بقولها كما دين تدان.

وكذلك يمكن فهم هذه الروايات إذا نظرنا لها من الزاوية المعاكسة وهي أن الذي يعمل على حفظ أعراض الناس سيوفقه الله لحفظ اعراضه، وإذا صدق هذا وهو أمر مسلم به عند كل مؤمن يصدق العكس أيضاً، وعليه فإن الروايات تؤكد على ضرورة إشاعة المعروف والنهي عن المنكر لأن الخير والشر يعم، فإذا اشيع المنكر فإن أضراره سوف تشمل الجميع. والله العالم.

2022/02/13
هل يمكن للتكنولوجيا المتطورة أن ترصد حركة «الجن»؟!

بما أنّه ليس من الممكن رؤية الجن بالعين بسبب لطافتها وأنّها أكثر ضوءاً من أبصارنا.. إذن هل يمكن رصدها بالأجهزة المتطورة والدقيقة؟

[اشترك]

لا يخفى أنّه يمكن أن ترصد الأجهزة المتطوّرة والدقيقة بعض الأشياء التي لا يدركها الإنسان بحواسّه الظاهرة، سواء كانت أصوات خفيّة، أو روائح لطيفة، أو صوراً مرئيّة، لا تتمكّن حواسّ الإنسان من إدراكها ورصدها.

بل هذا واقع ومتحقّق فعلاً، فإنّ الكاميرات الحراريّة يمكنها رصد درجات الحرارة المتطرّفة التي لا يدركها الإنسان، كما أنّ الكاميرات الطيفيّة قادرة على التقاط الأشعّة فوق البنفسجيّة والأشعّة تحت الحمراء، وغيرها من الأجهزة، كأجهزة قياس الموجهات الكهرومغناطيسيّة والمسجّلات الصوتيّة عالية الحساسيّة وأجهزة التقاط الحركة الدقيقة وغيرها.

ويعدّ الجنّ من جملة الأشياء التي لا يمكن رصدها بالحواسّ الظاهرة، ولا مانع ـ عقلاً وعلماً ـ من أن يتمّ تصنيع أجهزة متطوّرة لرصدها، سواء رصد حركتها أو صوتها أو حرارتها أو صورتها، ولكن هل توصّل العلم البشريّ إلى هذه التقنيات فعلاً؟ أو هل سيصل لها مستقبلاً؟ الله العالم.

2022/02/09
الصدقة تدفع البلاء.. هل تشمل هذه القاعدة ’صدقة الكافر’؟

الظاهر من الروايات التي جاءت في استحباب الصدقات وما يترتب عليها من أثار في الدنيا والآخرة جاءت كخطاب للمؤمنين، مثل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الصدقة لتطفئ عن أهلها حر القبور، وإنما يستظل المؤمن يوم القيامة في ظل صدقته).

[اشترك]

 وقوله (صلى الله عليه وآله): (إن الصدقة لتطفئ غضب الرب). وقول الإمام علي (عليه السلام): (الصدقة جنة من النار). وفي نفس هذا السياق جاءت روايات دفع الصدقة للبلاء، مثل قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (الصدقة تدفع البلاء، وهي أنجح دواء، وتدفع القضاء وقد ابرم إبراما، ولا يذهب بالأدواء إلا الدعاء والصدقة). وقوله (صلى الله عليه وآله): (الصدقة تمنع سبعين نوعا من أنواع البلاء، أهونها الجذام والبرص)، وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (البر والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في العمر، ويدفعان عن صاحبهما سبعين ميتة سوء).

وعلى هذا النحو لا يمكننا الجزم بأن ذلك يشمل صدقة الكافر أيضاً؛ لأن لسان تلك النصوص خاص بالمؤمنين وحدهم، وبالتالي لا يمكن تعميمها لتشمل الكافر أيضاً، فعندما يكون الكلام في مقام نسبة أمر معين لله وللرسول وللأئمة يجب التقيد بلسان النصوص، وما جاءت به نصوص الصدقة خاص بالمؤمنين دون غيرهم، بمعنى لا يمكننا أن نقول إن نصوص الإسلام بشرت الكافر المتصدق بدفع البلاء كما بشرت المؤمن، فلا سبيل لنا لذلك طالما لم نجد ذلك في النصوص.

 فلو افترضنا أن التأمل والاجتهاد يقودنا إلى القول بأن الروايات تتحدث عن الصدقة بوصفها سبب لدفع البلاء، وبالتالي هي قاعدة عامة حالها حال كل الأسباب التي يتوسل بها المؤمن والكافر، فحتى لو صح هذا الاجتهاد إلا أن ثبوته لا يخولنا للحديث عنه بلسان الله ورسوله، لأنه يظل اجتهاد له علاقة بتنقيح المناط، الأمر الذي لا يمكن الجزم به، فلعل المناط ليس مجرد دفع الصدقة، وإنما المناط هو دفع الصدقة مع قصد القربى، وحينها يستحيل على الكافر تحقيق شروط هذا السبب.

وفي الخلاصة إذا وقفنا عند ظاهر النصوص فهي خاصة بالمؤمنين، إلا أن ذلك لا يمنع أن يدفع الله البلاء في الواقع عن الجميع بصداقاتهم حتى وإن لم يكنوا مؤمنين، فالأمر علمه عند الله تعالى.

2022/02/02
السقوط في الوهم: الإمام علي لم يقل: إن لي شيطاناً يعتريني!

هل صحيحٌ أنّ الإمامَ عليّ (عليهِ السلام) قال: إنّ لي شيطاناً يعتريني؟

 [اشترك]

المعروفُ عندَ الفريقين ـ سنّةً وشيعة ـ أنّ هذهِ المقولة (إنَّ لي شيطاناً يعتريني) صدرَت مِن أبي بكرٍ بنِ أبي قحافة وهو يخطبُ على المنبرِ بعدَما تقمّصَ الخلافة، وجاءَتِ المصادرُ مُتّفقةً على ذلك، روى الحافظُ عبدُ الرزّاقِ الصنعانيّ في [المُصنّف ج11 ص336] أنّ أبا بكرٍ خطبَ فقال: «أما واللهِ ما أنا بخيرِكم، ولقد كنتُ لمقامي هذا كارهاً، ولوددتُ لو أنّ فيكُم مَن يكفيني، فتظنّونَ أنّي أعملُ فيكم سنّةَ رسولِ الله (صلّى اللهُ عليه [وآله] وسلم) إذاً لا أقوم لها، إنّ رسولَ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ [وآله] وسلم) كانَ يُعصَم بالوحي، وكانَ معهُ ملكٌ، وإنّ لي شيطاناً يعتريني، فإذا غضبتُ فاجتنبوني، لا أوثرُ في أشعارِكم ولا أبشارِكم، ألا فراعوني، فإن استقمتُ فأعينوني، وإن زغتُ فقوّموني ». 

وينظرُ مِن مصادرِ المُخالفين: الطبقاتُ الكُبرى لابنِ سعد ج3 ص212، تاريخُ الطبري ج2 ص460، تاريخُ دمشق ج30 ص303، فوائدُ ابنِ ماسي ص102، شرحُ نهجِ البلاغة ج6 ص20، المنتظمُ في تاريخِ الأمم ج4 ص69، البدايةُ والنهاية ج6 ص334، وغيرُها. 

وقد استدلّ علماؤنا الأبرارُ (أنارَ اللهُ برهانَهم) ـ تبعاً لأئمّتنا المعصومينَ (عليهم السلام) ـ بهذهِ الخُطبة على بطلانِ خلافةِ أبي بكرٍ وعدمِ صحّتها، وذكروها في كتبِهم الكلاميّةِ ضمنَ الأمورِ التي تسلبُ عنهُ مؤهّلاتِ الإمامة، نوردُ في المقامِ كلامَ السيّدِ المُرتضى علمِ الهُدى في [الشافي في الإمامةِ ج4 ص121]، فإنّه قالَ بعدَ ذكرها: (يدلُّ على أنّه لا يصلحُ للإمامةِ مِن وجهين: 

أحدُهما: أنّ هذه صفةُ مَن ليسَ بمعصوم، ولا يأمنُ الغلط َعلى نفسِه، ومَن يحتاجُ إلى تقويمِ رعيّتِه له إذا واقعَ المعصية، وقد بينّا أنّ الإمامَ لا بدّ أن يكونَ معصوماً مُسدّداً موفّقاً. 

والوجهُ الآخر: أنّ هذهِ صفةُ مَن لا يملكُ نفسَه، ولا يضبطُ غضبَه، ومَن هو في نهايةِ الطيشِ والحدّة، والخرقِ والعجلة، ولا خلافَ أنّ الإمامَ يجبُ أن يكونَ منزّهاً عن هذهِ الأوصاف، غيرُ حاصلٍ عليها)، انتهى. 

وينظر أيضاً: الإيضاحُ ص129، المسترشدُ ص240، الفصولُ المُختارة ص123، كشفُ المُراد ص507، منهاجُ الكرامة ص99، نهجُ الحقّ ص264، الصراطُ المُستقيم ج1 ص79، إحقاقُ الحقّ ص219، نورُ الأفهام ج1 ص424، دلائلُ الصدق ج7 ص25، وغيرُها. 

ـ وأمّا نسبةُ هذه المقولةِ لأميرِ المؤمنينَ (عليهِ السلام) فهوَ وهمٌ وسهوٌ، إذ لا تصحُّ نسبتُها له (عليهِ السلام) بالمرّة، ولا جاءَت بالمصادرِ، والإمامُ عندَنا مؤيّدٌ مُسدّد، معصومٌ مُطهّرٌ بنصِّ آيةِ التطهير، فلا سبيلَ للشيطانِ عليه كما هوَ واضح.

2022/01/24
ما حقيقة تلبّس ’الجن’ بالإنسان؟ وهل يؤثر على جنين الحامل؟

هل يوجد دليل على تلبس الجن بالإنس؟

وهل يؤثر خروج الحامل في الخسوف على الجنين ويسبب التشوهات؟

[اشترك]

لقد أشار القرآن إلى مس الجن للإنس، يقول تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ).

وجاء في كتاب "اختيار معرفة الرجال" المسمّى برجال الكشي للشيخ الطوسي (رحمه الله): "عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعه يقول: خدم أبو خالد الكابلي علي بن الحسين عليهما السلام دهرا من عمره.

ثم إنه أراد أن ينصرف إلى أهله فأتى علي بن الحسين عليه السلام فشكى إليه شده شوقه إلى والديه، فقال: يا أبا خالد يقدم غدا رجلا من أهل الشام له قدر ومال كثير وقد أصاب بنتا له عارض من أهل الأرض، ويريدون أن يطلبوا معالجا يعالجها، فإذا أنت سمعت قدومه: فأته وقل له أنا أعالجها لك علي انني أشترط عليك أني أعالجها على ديتها عشرة آلاف درهم فلا تطمئن إليهم وسيعطونك ما تطلب منهم.

فلما أصبحوا قدم الرجل ومن معه وكان رجلا من عظماء أهل الشام في المال والمقدرة، فقال: أما من معالج يعالج بنت هذا الرجل؟ فقال هل أبو خالد: أنا أعالجها على عشرة آلاف درهم، فان أنتم وفيتم وفيت لكم على ألا يعود إليها أبدا، فشرطوا ان يعطوه عشرة آلاف درهم .

ثم أقبل إلى علي بن الحسين عليه السلام فأخبره الخبر، فقال: أني لأعلم: أنهم سيغدرون بك ولا يفون لك انطلق يا أبا خالد فخذ بإذن الجارية اليسرى ثم قل يا خبيث يقول لك علي بن الحسين أخرج من هذه الجارية ولا تقعد .

ففعل أبو خالد ما أمره وخرج منها فأفاقت الجارية، فطلب أبو خالد الذي شرطوا له فلم يعطوه، فرجع مغتما كئيبا، قال له علي بن الحسين عليه السلام مالي أراك كئيبا يا أبا خالد؟ انهم يغدرون بك دعهم فإنهم سيعودون اليك، فإذا لقوك فقل لهم لست أعالجها حتى تضعوا المال على يدي علي بن الحسين عليه السلام فعادوا إلى أبي خالد يلتمسون مداواتها، فقال لهم اني لا أعالجها حتى تضعوا ألما ل على يدي علي بن الحسين فرجع أبو خالد إلى الجارية وأخذ بأذنها اليسرى ثم قال: يا خبيث يقول لك علي بن الحسين عليهما السلام أخرج من هذه الجارية ولا تعرض لها الا بسبيل خير، فإنك ان عدت أحرقتك بنار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة، فخرج منها ولم يعد إليها، ودفع المال إلى أبي خالد فخرج إلى بلاده ". [ اختيار معرفة الرجال 1: 338]

ويمكن الاستعانة بقراءة القرآن للتخلص من مس الجن، كآية الكرسي والقلاقل الأربعة.

أمّا بخصوص خروج المرأة الحامل في الخسوف، فيجوز للمرأة النظر إلى خسوف القمر أو الخروج عنده ولا ضرر في ذلك، لا شرعا ولا عقلا ولا صحة، بل هذه الدعوى من الأساطير والبدع التي لا أساس لها.

2022/01/20
هل يوجد في زماننا من يتصل بـ ’الملائكة’؟!

كان أصحاب الكهف (عليهم السلام) في زمن لا يوجد فيه أنبياء، يعني لا يوجد معصوم ولا أحد متصل مع السماء.. فلو كانوا في وقتنا هذا كيف كنت أعرف بأنهم نزل عليهم الملائكة؟ كيف أميز بين الكذب بلباس الدين وبين الصادق؟ وهل هناك في هذا الزمان أشخاص مثلهم ينزل عليهم الملائكة دون الإمام الزمان (عجل الله فرجه)؟

[اشترك]

أولاً: قامت البراهين على أنّ الأرض لا تخلو من الحجّة الإلهيّة ـ سواء ظاهرة أو مستورة ـ؛ إذ لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها، وهي تشمل الأنبياء والرسل والأوصياء والأئمّة (عليهم السلام)، فلا يوجد زمان ينقطع فيه الاتّصال مع السماء. وأمّا زمان الفترة بين النبي عيسى (عليه السلام) ونبيّنا الأعظم (صلى الله عليه وآله) فقد أفاد الشيخ الصدوق في [كمال الدين ص659]: أنّه لم يكن بينهما رسول ولا نبيّ ولا وصيّ ظاهر مشهور كمَن كان قبله، ولكن كان بينهما أنبياء وأئمّة مستورون خائفون، منهم خالد بن سنان العبسيّ، وقد تواطئت الأخبار واشتهرت عند العام والخاص أنّه نبيّ، وأنّ ابنته محياة أدركت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: هذه ابنة نبيّ ضيّعه قومه.

وثانياً: هناك كلام في تحديد زمان أصحاب الكهف فيما لو كانوا قبل زمن النبي عيسى (عليه السلام) أم بعده، ويستفاد من بعض الأخبار أنّهم كانوا قبله، فقد نقل قطب الدين الروانديّ في [قصص الأنبياء ص255] بالإسناد عن ابن عباس، قال: «لما كان في عهد خلافة عمر أتاه قوم من أحبار اليهود، فسألوه.. فنكس عمر رأسه فقال: يا أبا الحسن، ما أرى جوابهم إلّا عندك، فقال لهم عليّ (عليه السلام): إنّ لي عليكم شريطة إذا أنا أخبرتكم بما في التوراة دخلتم في ديننا، قالوا: نعم..» إلى أن قال (عليه السلام) في جواب السؤال عن أصحاب الكهف: «.. فأقبل تلميخا حتّى دخل الكهف، فلمّا نظروا إليه اعتنقوه وقالوا: الحمد لله الذي نجّاك من دقيوس، قال تلميخا: دعوني عنكم وعن دقيوسكم، كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، قال تلميخا: بل لبثتم ثلاثمائة وتسع سنين، وقد مات دقيوس وانقرض قرن بعد قرن، وبعث الله نبيّاً يقال له: المسيح عيسى بن مريم، ورفعه الله إليه، وقد أقبل إلينا الملك والناس معه...»، ثمّ قال (عليه السلام): «يا يهودي، أيوافق هذا ما في توراتكم؟ قال: ما زدت حرفاً ولا نقصت حرفاً، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)».

وهذا الخبر ظاهر في أنّ زمان أصحاب الكهف قبل زمان بعثة النبي عيسى (عليه السلام)، سيّما مع ذكر أمرهم بكتب اليهود واهتمام أحبارهم بحكايتهم، فلو كان أصحاب الكهف بعده ومعتنقين للشريعة العيسوية لما اهتمّ اليهود بحفظ خبرهم وأمرهم؛ لمباينتهم لهم.

وثالثاً: نزول الملائكة على أصحاب الكهف ـ بمعنى اتّصالهم بهم والتواصل معهم وتلقي المعارف منهم ـ ليس واضحاً؛ إذ ما جاء في القرآن الكريم إشارة إلى ذلك، كما لم يُعثر على حديث يدلّ على ذلك، فالأمر رهن الإثبات. ونفس السؤال يفترض في صدره عدم اتّصال أحد في زمانهم بالسماء فكيف يفترض بعدها نزولها عليهم؛ إذ جاء في السؤال: (كان أصحاب الكهف (عليهم السلام) في زمن لا يوجد فيه أنبياء، يعني لا يوجد معصوم ولا أحد متصل مع السماء.. فلو كانوا في وقتنا هذا كيف كنت أعرف بأنهم نزل عليهم الملائكة؟). نعم، الثابت صيانة الملائكة لهم وحفظهم وتقلبيهم، يقول تعالى: (وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ) ولكن هذا المعنى لا يفيد في المقام.

ورابعاً: الاتصال مع السماء كقناة رسمية معتبرة لتلقي المعارف والتكاليف منحصرة بالحجة الإلهية المعصومة، وبقية الله الأعظم الإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو المتّصل مع السماء في زماننا، ولم يثبت أنّ أحداً غيره من الأمة متّصل بالسماء.

وخامساً: إن تمييز الصادقين من الكاذبين بلسان الدين يكون بمعرفة الدين وحدوده ومعارفه ومحكماته؛ إذ بدون معرفة الدين لا يمكن تمييز الصادق من الكاذب في الدين، وقد أوضح ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) للحارث عند فتنة الجمل وخروج عائشة مع طلحة والزبير: «إنّ الحقّ والباطل لا يُعرفان بالناس، ولكن اعرف الحقَّ تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف مَن أتاه»، وقال (عليه السلام): «إنّ الحقَّ لا يُعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله».

2022/01/19
’حمام’ و ’دجاج’ في البيوت.. ما علاقتهما بـ ’الشياطين’؟!
هل يستحب تربية الطيور في المنزل؟ وهل صحيح أنها تدفع البلاء عن أهل المنزل، من باب أنَّ البلاء يقع عليها بدلاً عن ساكني المنزل؟

[اشترك]

ورد في العديد من الروايات ما يظهرُ منها الترغيب في اتِّخاذ بعض الطيور -كالحمام- في المنزل لغرض الأنس بها، وكذلك ليدفع بها الهوام وهي الدواب كالديدان الضارَّة والحشرات المؤذية، ويظهرُ من بعض الروايات أنَّ وجودها في المنزل نافعٌ لدفع بعض أنواع البلاء.

فمِن الروايات الواردة في ذلك: صحيحة حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: إِنَّ أَصْلَ حَمَامِ الْحَرَمِ بَقِيَّةُ حَمَامٍ كَانَ لإِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (ع) اتَّخَذَهَا كَانَ يَأْنَسُ بِهَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): يُسْتَحَبُّ أَنْ تَتَّخِذَ طَيْراً مَقْصُوصاً تَأْنَسُ بِه مَخَافَةَ الْهَوَامِّ"(1).

أقول: الظاهر أنَّ المراد من الاستحباب هو الإرشاد إلى حُسن اتِّخاذها ومحبوبيته، وذلك بقرينة بيان أنَّ الترغيب في اتِّخاذ الطير نشأ عن كونه مؤنساً وصالحاً لدفع الهوام لأنَّه يأكلها أو يقتلها. ويظهر من الرواية أنَّ الترغيب لا يختصُّ بنوعٍ خاصٍّ من الطيور وإنْ كان القدر المتيقن من الرواية هي الحمام.

ومنه: صحيحة مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: "الْحَمَامُ مِنْ طُيُورِ الأَنْبِيَاءِ(ع)"(2).

أقول: والظاهر أنَّ المراد من الرواية هو أنَّ الأنبياء (ع) كانوا يتَّخذون الحمام في بيوتهم، ويُؤيد ذلك ما ورد في رواية أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): "الْحَمَامُ طَيْرٌ مِنْ طُيُورِ الأَنْبِيَاءِ (ع) الَّتِي كَانُوا يُمْسِكُونَ فِي بُيُوتِهِمْ ولَيْسَ مِنْ بَيْتٍ فِيه حَمَامٌ إِلَّا لَمْ تُصِبْ أَهْلَ ذَلِكَ الْبَيْتِ آفَةٌ مِنَ الْجِنِّ .. قَالَ فَرَأَيْتُ فِي بُيُوتِ أَبِي عَبْدِ اللَّه ع حَمَاماً لِابْنِه إِسْمَاعِيلَ (3).

أقول: ويظهر من الرواية أنَّ الحمام ليست هي النوع الوحيد من الطيور التي كانت تتَّخذها الأنبياء (ع) في بيوتهم.

ولعلَّ المراد من الآفة التي تكون من الجنِّ هي مثل ما ينشأ عن وساوس الشياطين وهواجسهم فقد ينشأ عنها الاستيحاش أو الخوف والفزع والذي قد يُفضي لدى الضعفاء إلى الجنون أو الابتلاء ببعض الأمراض أو العاهات، ولعلَّ ممَّا يُؤيد ذلك ما ورد في رواية يَحْيَى الأَزْرَقِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّه (ع) يَقُولُ: إِنَّ حَفِيفَ أَجْنِحَةِ الْحَمَامِ لَتَطْرُدُ الشَّيَاطِينَ"(4). وأورد ذات الرواية الشيخ الصدوق في الفقيه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: "إنَّ حفيف أجنحة الحمام ليطرد الشياطين"(5).

ومنه: رواية عَبْدِ اللَّه بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) قَالَ: "شَكَا رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّه (ص) الْوَحْشَةَ فَأَمَرَه أَنْ يَتَّخِذَ فِي بَيْتِه زَوْجَ حَمَامٍ"(6).

ومنه: رواية زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ: ذُكِرَتِ الْحَمَامُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فَقَالَ: اتَّخِذُوهَا فِي مَنَازِلِكُمْ فَإِنَّهَا مَحْبُوبَةٌ لَحِقَتْهَا دَعْوَةُ نُوحٍ (ع) وهِيَ آنَسُ شَيْءٍ فِي الْبُيُوتِ"(7).

ومنه: رواية سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ رَفَعَه قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (ع): إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ يَدْفَعُ بِالْحَمَامِ عَنْ هَدَّةِ الدَّارِ"(8).

أقول: لعلَّ المراد من هدَّة الدار هو الكناية عن النازلة المهلكة، لأنَّ الهدَّة لغةً تعني الهدم الشديد، هذا وقد ذكر صاحب البحار (رحمه الله) أنَّ الرواية وردت في بعض النُسَخ بهذا اللفظ: "إِنَّ اللَّه عَزَّ وجَلَّ يَدْفَعُ بِالْحَمَامِ عَنْ هَذه الدَّارِ" وأفاد أنَّ ذلك هو الأظهر(9). وكذلك هي في الوسائل للحرِّ العاملي(10).

ومنه: رواية محمد بن كرامة، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) أنَّه رأى في منزله زوجَ حمام، أمَّا الذكر فإنَّه كان أخضر به شيءٌ من السمر، وأمَّا الاثني فسوداء، ورأيتُه يفتُّ لهما الخبز وهو على الخِوان، ويقول: إنَّهما ليتحرَّكان من الليل فيؤنساني، وما مِن انتفاضةٍ ينتفضانها من الليل إلا دفع اللهُ بها مَن دخل البيت من الأرواح"(11).

أقول: الظاهر أنَّ المراد من الأرواح هي الشياطين، ولا غرابة في أنْ يدفع اللهُ تعالى بأضعف خلقِه شرورَ الشياطين، وأمَّا كيف يدفعُ الله تعالى بها الشياطين فلا علم لنا بذلك، فالكون مليء بالأسرار التي لا يدَّعي الإحاطةَ بها إلا أحمق معتدٌّ بنفسه، فإنَّ لله تعالى في خلقِه شؤون.

ومنه: رواية عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ صَالِحٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّه (ع) فَرَأَيْتُ عَلَى فِرَاشِه ثَلَاثَ حَمَامَاتٍ خُضْرٍ قَدْ ذَرَقْنَ عَلَى الْفِرَاشِ فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ هَؤُلَاءِ الْحَمَامُ تَقْذَرُ الْفِرَاشَ فَقَالَ: لَا، إِنَّه يُسْتَحَبُّ أَنْ تُسْكَنَ فِي الْبَيْتِ"(12).

أقول: معنى نفي تقذيرها للفراش هو أنَّ ذرقها أي فضلاتها ليست نجسة، والظاهر أنَّ المراد من الاستحباب هو الرجحان والإرشاد إلى محبوبيّة اتِّخاذها في البيت، فليس المراد -ظاهراً- من الاستحباب هو الاستحباب المصطلح.

ومنه: رواية الحسين بن علوان عن الإمام جعفر (ع) عن أبيه (ع) قال: "كانوا يُحبُّون أنْ يكون في البيت الشيء الداجن، مثل الحمام أو الدجاج أو العَناق .."(13).

أقول: الداجن مفرد دواجن وهي الحيوانات الأليفة التي تألفُ البيوت وتأنس بها وبأهلها، من دجن بالمكان وأدجن إذا أقام به وألِفَه، ويُقال المداجنة حسن المخالطة (14) فالدواجن هي مطلق الحيوانات الأليفة كالشياه والحمام وشبهها والدجاج.

والعَناق على وزن سَحاب بفتح العين هي الأُنثى من أَولاد الماعز والغنم من حين الولادة إِلى أن تبلغ سنة، وجمعها عُنوق وأعنُق (15)، والرواية تدلُّ على الترغيب في اتِّخاذ مطلق الداجن من الطيور والحيوان، ولا يبعد أنَّ المراد من الداجن في المقام خاصٌّ بمأكول اللحم.

ثم إنَّ الترغيب في اتِّخاذ الحمام وكذلك غيرها من الحيوانات الداجنة لا يعني الترغيب في اللَّعب واللهو بها فإنَّ ذلك مكروه أو لا أقلَّ من أنَّه مرجوح، وقد نصَّت على ذلك بعض الروايات الواردة عن أهل البيت (ع) فالترغيبُ إنَّما هو في اتِّخاذها في المنزل للأنس بها أو ليأنس بها الأطفال، وكذلك للغايات الأخرى التي أشارت إليها الروايات.

الهوامش: [1]- الكافي -الكليني- ج6 / ص546. [2]- الكافي -الكليني- ج6 / ص546. [3]- الكافي -الكليني- ج6 / ص547. [4]- الكافي -الكليني- ج6 / ص547 [5]- من لا يحضره الفقيه ج3 / ص350. [6]- الكافي -الكليني- ج6 / ص546. [7]- الكافي -الكليني- ج6 / ص547. [8]- الكافي -الكليني- ج6 / ص547. [9]- بحار الأنوار- المجلسي- ج62 / ص19. [10]- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج11 / ص517. [11]- وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج11 / ص520. [12]- الكافي -الكليني- ج6 / ص547 [13]- قرب الاسناد -الحميري القمي- ص93، وسائل الشيعة -الحر العاملي- ج11 / ص524. [14]- لاحظ الصحاح -الجوهري- ج5 / ص2111، أساس البلاغة -الزمخشري- ص264، النهاية في غريب الحديث -ابن الأثير- ج2 / ص102. [15]- لاحظ لسان العرب -ابن منظور- ج10 / ص275، تاج العروس -الزبيدي- ج13 / ص361.
2022/01/19
هل تحدّث الأئمة (ع) عن ’الجن والملائكة’؟

هل هناك تفسير لآل البيت عليهم السلام، وهل سألهم أحد عن الجنّ والملائكة؟

[اشترك]

الجواب:

أمّا الشقّ الأوّل من السؤال، فالمعروف بين أهل العلم أن هناك تفاسير لمدرسة أهل البيت، نقلت أقوال أئمّة أهل البيت عليهم السلام في تفسير الآيات القرآنيّة، فمنها:

1- تفسير القميّ للمحدّث الثقة الشهير، وهو عليّ بن إبراهيم بن هاشم القميّ، وكتابه مطبوع متداول.

2- تفسير العياشيّ، للمحدّث الشهير الثقة محمّد بن مسعود العياشيّ، وكتابه مطبوع متداولٌ.

3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (ع) وهو مطبوعٌ متداول، وقد رواه الشيخ الصدوق (ره) عن شيخه أبي الحسن محمّد بن القاسم الاسترآباديّ.

وأمّا ما يتعلّ بالشقّ الثاني من السؤال، فنشير إلى بعض الروايات التي وقفنا عليها بصدد ذلك، فقد أورد العياشي في تفسيره (1/33): عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن إبليس أكان من الملائكة أو كان يلي شيئا من أمر السماء؟ فقال: لم يكن من الملائكة وكانت الملائكة ترى أنه منها، وكان الله يعلم أنه ليس منها ولم يكن يلي شيئا من أمر السماء ولا كرامة فأتيت الطيار فأخبرته بما سمعت فأنكر وقال: كيف لا يكون من الملائكة والله يقول للملائكة: "اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس" فدخل عليه الطيار فسأله وأنا عنده فقال له: جعلت فداك قول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا " في غير مكان في مخاطبة المؤمنين أيدخل في هذه المنافقون؟ قال: نعم يدخل في هذه المنافقون والضلال وكل من أقر بالدعوة الظاهرة.

وهناك روايات يستدل منها على أنّ بعض الجن كان من أتباع الأنبياء السابقين وأن توبته جرت على يدي نوح وانه كان مع إبراهيم وموسى وهود وصالح وانه قرأ الكتب كلها ويطلب تعلم شيئاً من القرآن وقوله انه لا يطيع إلا نبياً او وصي نبي (بحار الأنوار 60/ 83ـ 84). وفي رواية اخرى (ان موسى علمني التوراة وان عيسى علمني الأنجيل فعلمني القرآن، فعلمه) (بحار الانوار 60/ 302). وفي خبر آخر: (ان احد الجنيين يقول اني لم أزل مؤمناً بالله ورسوله ومصدقاً وكنت اعرف التوراة والأنجيل وكنت أرجو أن أرى محمداً...) (بحار الأنوار 60/ 128ـ 130).

2022/01/15
مطّلع على نوايا الإنسان.. هل يعلم ’الشيطان’ الغيب؟!

لا يخفى أنّ إطلاق عالم الغيب بمعنى العلم من غير تعليم واستفادة منحصرٌ بالله تعالى، روى الشيخ الصفّار في [بصائر الدرجات ص335]، والشيخ الكلينيّ في [الكافي ج1 ص257] عن عمّار الساباطيّ، قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإمام يعلم الغيب؟ فقال: لا، ولكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك»، وورد في [نهج البلاغة ج2 ص11]: «فقال له بعض أصحابه: لقد أُعطيت يا أمير المؤمنين علم الغيب، فضحك (عليه السلام) وقال للرجل ـ وكان كلبياً ـ: يا أخا كلب، ليس هو بعلم غيب، وإنّما هو تعلّم من ذي علم».

[اشترك]

ولا يخفى أنّ (علم الغيب) بهذا المعنى لا يصحّ إسناده لغير الله تبارك وتعالى؛ لأنّ المخلوق فقير محتاج إلى الله سبحانه وتعالى في كلّ شيء، وإنّما يعلم بما يبلغ سمعه وبصره وعقله بما أودعه الله فيه من القوى التي توهّله لتلقي ما يصل لسمعه وبصره، ولو سلب الله منه هذه القوى فلن يكون مؤهلاً للتعلّم.

وأمّا الغيب بمعنى ما استتر وتوارى، وهي ضدّ الشهادة والحضور والظهور، فما لا تناله الحواس الظاهرة والباطنة هي غيب، وما تناله وتدركه هي شهادة، مثلاً: الأحداث التي حصلت في الزمان الماضي تُعدّ غيباً بالنسبة لنا مع أنّها كانت شهادة بالنسبة لمَن شهدها وحضرها وعايشها، يقول الله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) [آل عمران: 44]، فحادثة اجتماع بني إسرائيل لتكفّل السيّدة مريم (عليها السلام) هي غيبٌ بالنسبة لنا، مع أنّها شهادة بالنسبة لهم.

إذن: كون الشيء غيباً يدور مدار عدم حضوره عند مَن يُسند إليه العلم به، فما غاب عنّي فهو غيب بالنسبة لي وإن كان شهادة بالنسبة لك، وما غاب عنك فهو غيب بالنسبة إليك وإن كان شهادة لي، فرُبّ غيبٍ لشخص شهادةٌ لغيره. ومن الواضح أنّ علم الغيب بهذا المعنى يجوز إسناده للمخلوق.

وحينئذ يظهر: أنّ إطلاع الشيطان على خواطر الإنسان ونياته يعد اطلاعاً على ما يدركه بقوته وسلطنته ويشاهده ويحضره، فهذه تعدّ شهادة بالنسبة له وإن كانت غيباً بالنسبة لغيره، كما أنّ الملائكة تتطلع على النيات والخواطر ويكتبوها، واطلاعهم ليس على شيء غائب عنهم بل على شيء حاضر عندهم وإن كانت تعدّ غيباً بالنسبة لغيرهم.

2022/01/13
خلو القرآن من أسماء الأئمة: التصريح لا يحل المشكلة دائماً

إنّ أكثر البشر على مرّ التأريخ كانوا في مواجهة الأنبياء والمصلحين، وها هو القرآن الكريم يخبر عن الأكثرية بأنهم: لا يؤمنون، وأكثرهم الفاسقون، ولا يعقلون، ولا يعلمون، وللحق كارهون...الخ.

فهل يمكن لعاقل يؤمن بالله تعالى ان يعزو سبب ذلك إلى تقصير أنبياء الله في إقامة الحجة أو إلى قصور في بيانهم؟!

حاشا لله

فأين الخلل اذاً؟

إنّ أهم عامل لإيمان الأقلية هو خضوعهم وتسليمهم للحق بعد وضوحه وعلى نقيض ذلك هو ما أدى بالأكثرية إلى معارضة انبياء الله وحججه، حيث الاستكبار وعدم البخوع والخضوع والانقياد للحق باختصار هو: المنهج الإبليسي (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ)([1]).

لذا فإنّ مجرد تضمّن القرآن أسماء أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لا يحل المشكلة فكم من قضية للقرآن فيها رأي وللآخرين رأيٌ آخر مخالف، خذ لذلك الأمثلة التالية:

يورد القرآن أصل الإمامة فيذكرها بالنص "إماماً" كما في آية الإمامة الإبراهيمية، ومع ذلك تجد الآخرين لهم رأي آخر فيفسروا الإمامة هنا بالنبوة أو الرسالة وكأنّ الله تعالى لم يستعمل مفردتي النبوة والرسالة في كتابه الكريم أو غفل عن ذلك ـ نعوذ بالله!

[ذات صلة]

قال محمد رشيد علي رضا في تفسير (إماماً) الواردة في الآية: الْإِمَامَةَ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الرِّسَالَةِ وَهِيَ لَا تُنَالُ بِكَسْبِ الْكَاسِبِ ([2]).

أيضاً يحكم بعضٌ بشركية الأسماء المشتملة على كلمة (عبد) المضافة لغير الله تعالى كـ (عبد الحسين، وعبد الرسول...والخ) مع استعمالها القرآني الصريح في قوله تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ}([3])، باعتبار لفظ العبد تعني الخادم.

يقول عبد الله الجبرين في سياق حديثه عن الشرك: "وأنواعه ثلاثة، الأول: اعتقاد شريك لله تعالى في الألوهية... ويدخل في هذا النوع من يسمي ولده أو يتسمى باسم يدل على التعبد لغير الله تعالى"، كمن يتسمى بـ "عبد الرسول"، أو "عبد الحسين"، أو غير ذلك([4]).

وكذا الحال بالنسبة لزواج المتعة فمع وروده صريحاً في القرآن الكريم: {فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}([5])، إلا إنك تجد الأكثرية لا تؤمن بمشروعيته اليوم تحت ذرائع واهية، هذا نزر يسير من الأمثلة ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا المقام.

ومما يشهد أيضاً على إن ذكر الأسماء لا يحل المشكلة هو تقمص غير صاحب الاسم وادعائه له وببابك شواهد مدعي المهدوية مع أن اسمه وأسم ابيه الشريف وردا في السنة.

ومن هنا يعتقد الشيعة ان إمامة الإمام لا تثبت بمجرد النص المشتمل على اسم الإمام، بل لا بد أن يرافق النص تعيين الإمام وتشخيصه من قبل من ثبتت إمامته جزما، وقد وقع ذلك في أئمة اهل البيت (عليهم السلام) بدءاً بالنبي (صلى الله عليه وآله) ونصه وتشخيصه لأمير المؤمنين (عليه السلام) وتعيينه في واقعة الغدير حين رفع يده، وانتهاءً بالإمام العسكري مع الإمام المهدي (صلوات الله عليهم أجمعين).

يقول الشيخ المفيد: واتفقت الإمامية على أن الإمامة لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلا بالنص على عينه ([6]).

يتبع...

من كتاب: "خلو القرآن الكريم من أسماء الأئمة.. معالجة جذرية لمشكلة متجددة" – صادر عن شعبة البحوث والدراسات في قسم الشؤون الدينية – العتبة الحسينية المقدسة

-----------------------------

([1]) سورة البقرة: 34.

([2]) تفسير المنار: 1/374.

([3]) سورة النور: 32.

([4]) تسهيل العقيدة الإسلامية: 161.

([5]) سورة النساء: 24.

([6]) أوائل المقالات: 40.

2018/03/04