آراء
محشرٌ صغير!

هناك مشاهد لا تستطيع أن تصفها وأنت بعيد عنها وتحتاج أن تدخلها أولًا ثم تخرج منها وفي داخلكإنسان آخر.

كل ما قرأته عن الأربعين قبل أن أمشي إليها كان صحيحًا لكنه بقي كلمات حتى رأيته بعيني فعرفت أنبعض المشاهد لا تُفهم بالقراءة لكنها تُعاش.

في الطريق إلى كربلاء لا يتغير المكان وحده وإنما تتغير علاقتك بالناس وبنفسك وبالحياة.

[اشترك]

تبدأ المسير وأنت تعرف شخصك ومهنتك ومكانتك الاجتماعية ثم تمضي حتى تكتشف أن كل تلك العناوين تذوب شيئًا فشيئًافلا يبقى منك إلا إنسان يمشي بين بشر يشبهونه في الحاجة والرجاء والتعب والدعاء.

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] د

هناك يبدأ شيء خفي بالعمل داخل الإنسان لا علاقة له بالإرهاق ولا بطول الطريق وإنما بانكماش الذات.

ذلك ”الأنا“ الذي اعتاد أن يتصدر المشهد يتراجع رويدًا رويدًا حتى يغدو صاحبه فردًا في بحر لا تعرف العين له شاطئًا.. يشعر الإنسان أنه عاد إلى حجمه الحقيقي.

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام: 94].

وكأن الله يذيق عبده في الدنيا شعورًا يسيرًا من التجرد قبل يوم التجرد الأكبر.

هناك قانون غير مكتوب يحكم الطريق ”لا أحد أكبر من الموجة التي يسير معها“.

كل خطوة تعلم القلب أن الأرض تتسع للجميع وأن الوصول لا يحتاج إلى مزاحمة وأن العبور لا يكون بإقصاء الآخرين.

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].

ثم يحدث أمر آخر.

الوجه الذي لم تره قط يصبح مألوفًا واليد التي تمتد إليك بكوب ماء تترك في قلبك أثرًا أعظم من أناس عرفتهم سنين..

هناك ينكمش حساب الربح والخسارة وتتسع مساحة العطاء حتى تشعر أن الخير ليس فعلًا طارئًا ولكن فطرة كانت تنتظرمن يوقظها.

وفي هذا الامتداد البشري يفقد الإنسان واحدًا من أكثر أوهامه رسوخًا ”وهم السيطرة“.

لقد اعتاد أن ينظم يومه ويختار طريقه ويضبط مواعيده ثم يدخل هذا السيل البشري فتتغير قوانين الحركة كلها.. يتوقف حيثيتوقف الجمع ويمضي حيث يمضي وينتظر كما ينتظر الجميع فيدرك أن الدنيا لا تسير على مقاس رغباته.

أما الصبر هناك فله معنى آخر.

تمضي الساعات ويطول الطريق ويحسب الإنسان أنه بلغ نهاية طاقته ثم ينظر أمامه فلا يرى إلا طريقًا يمتد أكثر فلا يجدجوابًا إلا أن يواصل.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].

وعجيب أمر هذا الطريق.. فكلما أثقل التعب الجسد أحس القلب بخفة لا يعرف مصدرها وكأن لطفًا خفيًا يحمل الأرواح قبلأن تحمل الأقدام أصحابها.

ولذلك ترى كثيرًا من الزائرين يواصلون السير بما بقي في قلوبهم من يقين لا بما بقي في أبدانهم من قوة.

ومن هنا يبدأ الأثر الحقيقي..

تخف قبضة الإنسان على نفسه ويقل تعلُّقه بما اعتاد الدفاع عنه وتصبح راحة الآخرين مقدمة على راحته فيترك مكانه لغيرهويتأخر ليتقدم كبير سن ويتجاوز حقًا صغيرًا حتى لا يضيق على أحد.

﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9].

وهناك يتعلم الإيثار فتبني إنسانًا جديدًا.

ومع هذا الزحام الهائل لا يشعر القلب بالاختناق كما يتوقع ويشعر بشيء من السكينة العجيبة.

كأن الأرواح إذا اجتمعت على غاية واحدة سكنت وإن ضاقت بها الطرق، فلا تسمع في داخلك إلا روحانية تدعوك إلىمراجعة نفسك، وإعادة ترتيب أولوياتك واستحضار حقيقة أنك عابر في هذه الدنيا كما أنت عابر في هذا الطريق.

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].

ولعل أعظم ما يتركه هذا المشهد في النفس أنه يوقظ فيها سؤال المصير.

فإذا كان هذا الحشد العظيم على سعته قد يحتاج الإنسان فيه إلى لحظة صبر أو كلمة لطف أو يد تمتد إليه فكيف بذلك اليومالذي يقف فيه الخلق جميعًا بين يدي الله لا يحمل أحد عن أحد شيئًا ولا يغني قريب عن قريب؟

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ *وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ *وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ *لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37].

ومن هنا جاءت فكرة محشر الأربعين..

وليس المقصود بذلك تشبيه الأربعين بيوم القيامة فشتان بين المشهدين ولا يمكن أن يبلغ اجتماع البشر في الدنيا شيئًا منهول ذلك اليوم وعظمته، وإنما المقصود أن الإنسان قد يعيش في هذه الأيام صورة تربوية مصغرة توقظ قلبه وتذكره بأنه خُلقليقف يومًا بين يدي ربه وأن الدنيا مهما اتسعت ليست إلا طريقًا ينتهي بذلك اللقاء.

إنها ليست محشرًا بالمعنى العقدي وإنما محشر يعلّم الإنسان شيئًا من أدب المحشر ويُذيب شيئًا من الكبر ويكسر شيئًا منتعلقه بنفسه ويُعرّفه أن الناس جميعًا سواء إذا وقفوا في طريقٍ واحد وقصد واحد وغاية واحدة.

ولهذا لا يعود كثير من الزائرين كما ذهبوا.

فليس التغيير الحقيقي في عدد الكيلومترات التي قطعوها ولا في المشقة التي تحملوها هي في تلك المسافة التي قطعوهاداخل أنفسهم.

هناك يتعلم الإنسان أن يبتسم وهو متعب وأن يشكر وهو محتاج وأن يصبر وهو قادر على التذمر وأن يعطي وهو أحوج إلىما يعطي.

وهذا هو الأثر الذي يبقى بعد انقضاء الزيارة إذ تتحول القيم التي عاشها أيامًا معدودة إلى أسلوب حياة في بيته وعملهوعلاقاته ومواقفه.

فإذا عاد الإنسان أكثر تواضعًا وأوسع صدرًا وأرق قلبًا وأقرب إلى الناس فقد حمل معه شيئًا من بركات الطريق، أما إذا عادكما ذهب فقد انتهت الرحلة عند قدميه ولم تبدأ في قلبه.

وهكذا يبقى محشر الأربعين مدرسة في صناعة الإنسان لا في كثرة البشر فحسب.

مدرسة نعيشها وتذكّرنا كل عام بأن ازدحام الدنيا سينتهي وأن الطرق كلها ستُطوى وأن الإنسان لن يحمل معه يوم يلقى ربَّهإلا قلبًا أصلحه وعملًا قدّمه ورحمة زرعها في الناس.

وحينها يدرك أن أعظم ما بلغه في ذلك الطريق لم يكن كربلاء وحدها وادرك نفسه لأن من عرف نفسه في الدنيا كان أقدر علىلقاء ربّه في الآخرة.

2026/08/02

العراقُ كلُّه عشيرةُ الحسين (ع)!

هل سألتَ نفسك يومًا: لماذا يقف العراقيُّ تحت لهيب الشمس أو في برد الليل، وعلى قدميه ساعاتٍ طوالًا، يطبخ للطريق، ويسقي العابر، ويضمّد الجريح، ويدلّ التائه، ويفرش للمتعب فراشًا، ثم يرجوه أن يأكل وكأنّ الآكل هو صاحب الفضل، والخادم هو المحتاج؟

الجواب قريبٌ من القلب، وإن كان عظيمًا في المعنى والدرب.

تخيّل أنَّ والدك أقام في بيتكم مأدبةً لضيفٍ عزيز، له في قلبه منزلة، وفي روحه محبة، وفي نفسه جلالة، ألا يستنفر البيت كله؟

هذا يستقبل عند الباب، وذاك يرتّب السيارات في الرحاب، وثالثٌ يصبُّ القهوة، ورابعٌ يقدّم الشاي والحلوى، وخامسٌ يرشّ ماء الورد والطيب، وسادسٌ يهيّئ للضيف صدر المجلس وأفضل المأكل وألين الفرش وأجمل القول وأصدق البِشر.

لا يخدمون الضيف لأنهم يعرفونه، بل لأنهم يعرفون صاحب الدعوة، ولا يكرمونه لذاته وحده، بل كرامةً لمن دعاه، ومحبةً لمن اصطفاه، ووفاءً لمن استضافه ورعاه.

وهكذا يفعل العراقيون في أربعينية أبي عبدالله الحسين(عليه السلام) .

[اشترك]

فالمشاة في عيونهم ليسوا عابري طريق، بل ضيوف الحسين، والموكب ليس مطعمًا عابرًا، بل بيت عزومةٍ أبوابه مفتوحة، والعراق يوم الأربعين ليس بلادًا متفرقة، بل عشيرةٌ واحدة، كبيرها الحسين، وضيفها زائر الحسين، وشعارها: من قصد حبيبنا، فقد حلَّ في قلوبنا قبل بيوتنا.

ترى الرجل يقف على الطريق ينادي: تفضّل يا زائر، وكأنّه يخشى أن يمضي الضيف دون أن ينال من يده نصيبًا، وترى المرأة تعجن وتخبز وتطبخ، وقد تعبت يداها، لكن قلبها مستريح، وترى الطفل يحمل الماء، والشيخ يمسح الغبار عن وجه الماشي، والطبيب يعالج القدم المتورّمة، والشاب يحمل حقيبة العاجز، وصاحب المنزل يفرش غرفته لغريبٍ لا يعرف اسمه ولا بلده.

ولكنه يعرف شيئًا واحدًا: هذا ضيف الحسين.

وقد جعل الإسلام إكرام الضيف من علامات كمال الإيمان، فقال رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»، وجعل للضيافة حقًّا يمتد ثلاثة أيام، وما زاد عليها فهو صدقة وإحسان.

فإذا كان ضيف البيت يُكرم لحرمة صاحب البيت، فكيف بضيفٍ قطع الفيافي شوقًا إلى سبط رسول الله؟ وكيف بمن حمل قلبه على قدميه، وسار إلى الحسين حبًّا ووفاءً، لا يريد تجارةً ولا رياءً، بل يريد أن يقول عند الضريح: يا أبا عبدالله، لم نكن يوم الطف معك، فجئناك اليوم نمشي إليك، ونجدّد العهد بين يديك.

إنَّ العراقي حين يقدّم الماء لزائر الحسين، لا يرى كأسًا يُسقى، بل يرى عطش كربلاء يُروى، وحين يقدّم الطعام، لا يرى مائدةً تُمدّ، بل يرى امتدادًا لبيت عليٍّ وفاطمة، البيت الذي مدحه القرآن بقوله:

﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ .

وهذه هي كلمة المواكب وإن لم تنطق بها الألسن:

نطعمكم لله، ونخدمكم حبًّا للحسين، فلا نريد منكم مالًا، ولا مدحًا، ولا جزاءً ولا شكرًا، يكفينا أن تمرّوا من أمام بيوتنا، وأن تذكرونا عند حبيبنا، وأن تقولوا له: يا أبا عبد الله، خدمنا قومٌ أحبوك، وأكرمونا لأننا قصدناك.

إنهم لا يقدّمون فضل طعامهم، بل يقدّمون أفضل ما عندهم، ولا ينفقون مما استغنوا عنه فقط، بل قد يدّخر الفقير طوال عامه ليقيم أيامًا مائدةً لزوّار إمامه، وهنا يصبح العطاء أغنى من المال، والخدمة أرفع من الجاه، والتعب ألذّ من الراحة، لأن المحبة إذا صدقت، استصغرت ما بذلت، واستعظمت ما قصّرت.

وقد قال حاتم الطائي، وهو لسان الكرم العربي:

أماويَّ إنَّ المالَ غادٍ ورائحٌ

ويبقى من المالِ الأحاديثُ والذِّكرُ

فالمال يذهب، والطعام ينفد، والقدور تُرفع، والخيام تُطوى، ولكن تبقى حكايةُ يدٍ سقَت عطشانًا، ودارٍ آوت غريبًا، وقلبٍ خدم زائرًا، ابتغاء القرب من الله، ومحبةً لرسوله وأهل بيته.

في الأربعين، لا يسأل العراقي الزائر عن قبيلته، ولا عن وطنه، ولا عن لغته، ولا عن لونه، لأن الحب أسقط الحدود، والحسين جمع القلوب، والطريق وحّد الشعوب، فهذا الضيف إيراني، وذاك خليجي، وثالث لبناني، ورابع باكستاني، وخامس أفريقي أو أوروبي، ولكنهم عند باب الموكب اسمٌ واحد: زوّار أبي عبد الله.

وهذه الضيافة ليست طعامًا فحسب، فمن أزال حجرًا من الطريق فقد خدم، ومن دلّ حائرًا فقد خدم، ومن أسعف مريضًا فقد خدم، ومن حمل طفلًا فقد خدم، ومن غسل ثيابًا أو أصلح حذاءً أو منح مكانًا للراحة فقد خدم، حتى الابتسامة هناك موكب، والكلمة الطيبة مأدبة، والدعاء ضيافة، والدمعة راية.

إنَّها عزومة الحسين الكبرى، صاحبها شهيد وضيوفها ملايين، وموائدها ممتدة من حدود العراق إلى كربلاء، وخَدَمُها شعبٌ كامل يقول بلسان الحال:

يا أبا عبد الله، لم ندرك نصرتك بالسيف، فننصرك بالخدمة، ولم نكن حول خيامك يوم الطف، فنقيم اليوم الخيام لزوّارك، ولم نستطع أن نسقي صغارك يوم العطش، فنسقي اليوم كل من سار إليك، لعلَّ قطرة ماءٍ نقدّمها لمحبّك، تمحو عن قلوبنا حسرة الغياب، وتكتب أسماءنا في سجلّ الوفاء والانتساب.

وهكذا يتقربون بخدمتهم إلى الحسين، وإلى أبيه أمير المؤمنين، وإلى أمه فاطمة الزهراء، وإلى جدّه رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم، ويرجون من الله الأجر والقبول، ومن أهل البيت الدعاء والشفاعة، لا لأن العمل ثمنٌ للجنة، بل لأن المحبة الصادقة لا تعرف السكون، والولاء الذي لا يتحول إلى عطاءٍ يبقى دعوى بلا برهان.

فلا تعجب حين ترى العراق كلّه واقفًا على الطريق، لأن الضيف ضيف الحسين، والحسين سيد الدار، والعراقيون أهله وعشيرته.

إنها ليست موائد على طريق كربلاء، بل قلوبٌ مفروشة على الطريق، وليست قدورًا تغلي بالماء والطعام، بل أرواحٌ تغلي بالشوق والغرام؛ وليست خدمةً تنتهي بانتهاء الأربعين، بل بيعة حبٍّ تتجدد كل عام:

يا حسين، ضيوفك ضيوفنا، ومحبّوك أحبابنا، وطريقك طريقنا، وما بذلناه قليلٌ في حقّك، وإن كثر العناء والعطاء.

2026/07/27

لماذا تُمطر السماء ذهباً على قارات الإلحاد؟!

أستطيع القول إن الإنسان المعاصر يقف اليوم في حيرة ودهشة لا مثيل لهما وهو يحاول فك رموز وطلاسم عصية على الفهم، حيث تتصادم قناعاته العقائدية والروحية مع معطيات واقعه المادي.

هو يقرأ الآيات التي تربط فتح بركات السماء بتقوى القرى وإيمانها، مصداقاً لقوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون)، لكنه يشاهد في المقابل قارات بأكملها شطبت فكرة الإله من دساتيرها، ومع ذلك تتنعم بالرخاء الاقتصادي والاستقرار المعيشي.

[اشترك]

وهو يشاهد منذ سنوات طويلة، بل وقرأ حتى في كتب التاريخ، أن مجتمعات مؤمنة تئن تحت وطأة العوز وضنك العيش، وهي تتلو القرآن صباح مساء.

ولعل بعضكم يعرف من حزم الحقائب استعدادا للهروب نحو الجغرافيا التي يراها مرحومة ومتنعمة، ظناً منه أن تذكرة السفر هي ذاتها تذكرة الخلاص من عقوبات السماء.

إن ما ذكرت من مشاهدات بحاجة إلى فهم عميق للحقيقة التي تطرحها الفلسفة القرآنية، والتي لا تنظر للرزق والرفاهية كمعادلة حسابية صرفة، بل كمنظومة تربوية شديدة التعقيد. فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً بشكل عشوائي، بل تخضع لقوانين تكوينية صارمة أودعها الله تبارك وتعالى في هذا الوجود.

إن المجتمعات الغربية التي تدير ظهرها للغيب، لم تسرق الرخاء خلسة، بل انتزعته بامتثالها لسنن الله المادية في الأرض، من خلال إتقان العمل الجماعي، والإقبال عليه بشغف، وتنظيم المؤسسات، وإرساء قواعد العدالة النسبية بينهم. وهذه كلها أسباب تكوينية من يأخذ بها يحصد ثمارها حتماً، سواء كان في بيئة مؤمنة أو جاحدة، تماما كالشاهق الذي يُرمى منه شخصان أحدهما مؤمن والآخر كافر، فمصيرهما الموت الحتمي لأنهما لم يفهما فكرة الجاذبية. وقد أشار القرآن بوضوح إلى هذا العطاء المطرد بقوله تعالى: (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظوراً).

إن الله تبارك وتعالى لا يبخس جهد عامل. لكن هذا الرخاء المادي المفرط يخبئ خلفه وجها آخر في القاموس القرآني، وهو ما يعرف بـ "سنة الاستدراج".

إن فتح أبواب كل شيء للمنغمسين في الغفلة ليس تكريماً كما يظن بعضنا، بل هو تخدير يسلب من الإنسان ألم الذنب ليعوضه بلذة النعمة، حتى تتكلس فطرته تماماً، وهو ما يصوره النص القرآني بدقة مرعبة: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون).

دققوا في الانهيار النفسي، والتمزق الأسري، ونسب الانتحار المرتفعة في أوساط تلك المجتمعات المرفهة مادياً، والتي لا يمكن فهمها إلا في سياق الآية الكريمة: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا). فالضنك هنا هو ضيق الروح واختناقها وانعدام الغاية، وإن اتسعت القصور وتضخمت الأرصدة البنكية ودامت المناصب.

هنا لابد أن يسقط الوهم الساذج الذي يراود بعض المؤمنين بأن تغيير الجغرافيا كفيل بإعفائهم من التبعات الروحية لذنوبهم، ظناً منهم أنهم قادرون على الإفلات من قبضة التدبير الإلهي، متناسين الحقيقة القرآنية القائلة: (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان). فمن يحمل في صدره عقيدة مؤمنة ويقرر السفر إلى بيئة علمانية أو إلحادية بحثاً عن رزق لم تمحقه العقوبة، يرتكب مغالطة كبرى. فالسنن الإلهية تلاحق القلوب، ولا تعترف بحدود القارات.

إن الإنسان المؤمن في أي بقعة من الأرض يبقى تحت مجهر التربية الإلهية، إذا زلت قدمه، تدخلت العناية الربانية فوراً لتوقظه بعقوبة دنيوية عاجلة، كنقص في مال أو تعسر في حاجة، ليعود إلى سراطه. أما إذا ارتحل وارتكب الخطيئة في مهجره ورأى أن ماله يزداد ولا يعاقب، فتلك هي الكارثة الكبرى، لأن ذلك يعني أن السماء قد سحبت منه حصانة التربية والتطهير، وألقته في بئر الاستدراج المظلم، وتركت قلبه يختنق في بيئة تنكر الغيب، ليعيش غربة الروح التي هي أشد فتكا من فقر المال.

وبالتجربة العملية، لا يمثل الرزق في حقيقته مجرد أرقام، بل هو سكينة واطمئنان تتنزل على القلب، وبركة في العمر والعائلة. وإن حزم الحقائب نحو الأخذ بأسباب العلم والعمل هو أمر محمود ومن سنن إعمار الأرض، ولكن توهم القدرة على الهروب من حاكمية الله وقوانينه الروحية هو محض سراب. فالطريق إلى الرخاء الحقيقي لا يمر عبر الهروب من السماء، بل عبر إصلاح ما أفسدته أيدينا في الأرض، وتطهير النوايا، وإدراك أن مفاتيح الخزائن معلقة بطهارة القلوب قبل أن تكون مرهونة بذكاء العقول والله المستعان.

2026/04/19

يقتل ويدمّر.. لماذا يُمهل الظالم؟!

ليس السؤال عن الظلم جديداً؛ لكن وجعه يتجدد كل يوم.

مشهد يتكرر في كل عصر: ظالم يتمكن، وباطل يعلو، ومظلوم يتألم؛ فتنهض في النفس صرخة صادقة: لماذا يمهل الظالم والله قادر على أخذه في لحظة؟

هذا السؤال لا يجاب عنه بتسكين عاطفي، بل بإعادة بناء الفهم على أساس قرآني دقيق؛ لأن الخطأ ليس في الحدث، بل في زاوية النظر إليه.

أولاً: الإمهال ليس رضا من الله سبحانه؛ بل استدراج لهلاك الظالم

يقرر القرآن قاعدة حاسمة تقتلع هذا الوهم من جذوره:

[اشترك]

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (آل عمران: 178).

فالإمهال هنا ليس تكريماً، بل تراكم للذنب واستيفاء لملف الإدانة. إنه تمديد زمني يمكن الظالم من بلوغ أقصى درجات الطغيان؛ حتى إذا أُخذ، أُخذ بلا شبهة عذر، ولا احتمال دفاع.

وهذا ما عبر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بدقة مذهلة:

"كم من مستدرج بالإحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله سبحانه أحداً بمثل الإملاء له" (نهج البلاغة، الحكمة 175).

فالنعمة التي يراها الناس دليل نجاح، قد تكون في ميزان السنن الإلهية أداة استدراج.

ثانياً: الدنيا ليست محكمة نهائية لعمل الإنسان

الخلل الأكبر في فهم الظاهرة يكمن في تصور أن الدنيا يجب أن تكون ساحة لتحقيق العدالة النهائية، بينما يقرر القرآن غير ذلك:

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ (النحل: 61).

فلو فعل العدل الفوري لانتهى الوجود البشري؛ لأن الظلم ليس صفة فئة معزولة، بل واقع يتسلل إلى كل إنسان بدرجات مختلفة. وعليه؛ فالدنيا ليست دار جزاء تام، بل دار ابتلاء وتمحيص، يترك فيها المجال لحرية الاختيار؛ ليظهر الصادق من المدعي، والمؤمن من المنافق.

ثالثاً: لحظة الأخذ تأتي حين تكتمل الشروط

قد يعطى الظالم من أسباب القوة ما يظنه تمكيناً مطلقاً، لكن القرآن يكشف البعد الأخطر في هذا المشهد:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ (الأنعام: 44).

إنها لحظة الذروة قبل السقوط؛ فحين يبلغ الظالم أقصى درجات الغرور، ويظن أن الأمر قد استقر له، تأتي الضربة التي لا تبقي ولا تذر.

ولهذا لم يسقط فرعون حين ضعف، بل سقط حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.

إنها سنة إلهية: التمكين الظاهري قد يكون مقدمة الانهيار النهائي.

رابعاً: الظلم لا ينشأ في فراغ

من أكثر الأجوبة إيلاماً وأشدها واقعية؛ أن الظلم ليس دائماً فعل فرد، بل نتاج بيئة قابلة له. يقول تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

فحين تسود اللامبالاة، ويبرر الباطل، ويضعف الوعي، ويستبدل الصمت بالموقف؛ تتشكل بيئة تسمح للظالم أن يتمدد. وهنا لا يكون الحديث تبريراً للظلم، بل تشخيصاً لبنيته الاجتماعية.

خامساً: الابتلاء يكشف معادن الناس

وجود الظالم -على قسوته- يؤدي وظيفة كاشفة في ميزان السنن الإلهية؛ ففي ظل الأزمات تتمايز الصفوف:

- يظهر الصادق من المدعي.

- والثابت من المنهار.

- والمؤمن من المنافق.

ولهذا قرر أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة معرفية حاسمة:

"إن دين الله لا يعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله" (ميزان الحكمة، ج1، ص658).

فالأحداث ليست مجرد وقائع، بل محكات للوعي والبصيرة.

سادساً: لا عذاب قبل إقامة الحجة

من تمام العدل الإلهي ألا يؤخذ الظالم إلا بعد أن تقوم عليه الحجة:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15).

فالإمهال إذن جزء من إتمام البيان؛ حتى يسقط الظالم وهو منزوع الأعذار تماماً. إنها عدالة لا تكتفي بالعقوبة، بل تسبقها بإقامة البرهان.

سابعاً: التأخير ليس غفلة؛ بل تقدير دقيق

قد يظن الناظر أن تأخر العقوبة نوع من الإهمال، لكن القرآن ينفي ذلك بشكل قاطع:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ (إبراهيم: 42).

إنه تأخير محسوب، يتراكم فيه الأثر؛ حتى يكون الأخذ أشد وقعاً وأبلغ أثراً.

وفي المقابل، تبقى القاعدة النهائية ثابتة لا تتبدل:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).

الخلاصة: الحقيقة التي تغيب خلف الألم

الظالم ليس منتصراً كما يبدو، بل هو في كثير من الأحيان مؤجل السقوط.

وأخطر ما يفعله الظلم ليس القتل ولا القمع، بل إقناع الناس بأن الباطل دائم، وأن مقاومته عبث؛ فإذا استقر هذا الوهم في النفوس، سقطت قبل أن تهزم.

كلمة أخيرة للباحث والواعظ والخطيب

إن معالجة هذه القضية لا تكون بخطاب عاطفي عابر، بل ببناء وعي عميق يعيد ربط الأحداث بالسنن الإلهية.

فالناس لا تحتاج إلى من يواسيها فحسب، بل إلى من يفسر لها ما يحدث ضمن نظام إلهي دقيق، يربط بين الإمهال، والاستدراج، والابتلاء، والعدل النهائي.

وحين يتحول هذا الفهم إلى يقين؛ يتبدل الألم من عبء خانق إلى وعي بصير، ومن حيرة قاتلة إلى ثبات راسخ.

2026/03/22

معلومات وأسرار عن «كتاب الكافي» ومؤلفه

يتمتع كتاب الكافي الذي هو أحد الكتب الحديثية الأربعة 1 المعروفة بمكانة عالية لدى العلماء و الفقهاء و الحوزات و الأوساط العلمية الشيعية ، و يُعدُّ من أهم المصادر الحديثية المعتمدة لديها ، و السبب في ذلك يعود لأمور نذكر أهمها :

  1. إن كتاب الكافي موسوعة حديثية شاملة لجميع الأبواب و العلوم الإسلامية التي رُويت عن المعصومين ( عليهم السَّلام ) ، و كتاب الكافي مُقَسَّم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي : أصول الكافي ، فروع الكافي ، روضة الكافي ، و تحتوي هذه الأقسام على ستة عشر ألف حديث 2 في العقيدة و الشريعة الإسلامية ، و هذا العدد يفوق ما جاء من الأحاديث في الصحاح الستة جميعها .

[اشترك]

  1. إن مؤلف هذا الكتاب هو الحافظ الكبير و المحدِّث الجليل الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي البغدادي ، و الملقَّب بثقة الإسلام ، المولود سنة : 260 هجرية ، و المتوفى سنة : 329 هجرية ، و هو من أبرز الفقهاء المُحدِّثين الشيعة و عَلَمٌ من أعلامها .
  2. إن المؤلف كان من المعاصرين لسفراء الامام المهدي المنتظر ( عجَّل الله فرَجَه ) في فترة الغيبة الصغرى و التقى بهم و عاشرهم ، حيث كانوا في بغداد و كان هو أيضا يسكن بها ، و كان وفاته في السنة التي توفي فيها آخر نواب الامام المهدي ( عجَّل الله فرَجَه ) و هو علي بن محمد السمري ، و معنى ذلك أنه كان ممن يتمكن من الاتصال بالامام ( عليه السَّلام ) عن طريق سفرائه .
  3. إن إشتمال الكتاب على مصادر الحديث الرئيسية المعروفة بالأصول الأربعمائة التي ألفها أصحاب الأئمة ( عليهم السَّلام ) في زمن المعصومين ( عليهم السَّلام ) يعطي لهذا الكتاب قيمة خاصة ، و قد جهد الكليني ( قدَّس الله نفسه الزَّكية ) من أجل جمع هذه المصادر القيمة و الإطلاع عليها ، و لهذا الغرض فقد تحمَّل أعباء السفر إلى العديد من المدن و البلدان الإسلامية ، فكانت النتيجة هذا الكتاب القيِّم .
  4. إن أحاديث الكتاب تتصل سنداً بالمعصومين ( عليهم السَّلام ) ، فقد حرص المؤلف على ذكر أسناد الحديث ، و هذا ـ كما هو واضح ـ مما يزيد من قيمة الكتاب و منزلته .

كتاب الكافي في تقييم العلماء :

ثم أن العلماء و الفقهاء اهتموا بهذا الكتاب و تعاملوا معه تعاملاً مميَّزاً و رفعوا من شأنه ، و يتَّضح هذا لدى مراجعة كلماتهم ، و إليك بعض ما قالوه في هذا الكتاب :

  1. يقول الشيخ المفيد و هو يمتدح كتاب الكافي : " الكافي هو من أجلّ كتب الشيعة و أكثرها فائدة " .
  2. يقول الشهيد الأول : " كتاب الكافي في الحديث الذي لم يعمل الأصحاب مثله " .
  3. يقول الفيض الكاشاني : " الكافي أشرفها و أوثقها و أتمها و أجمعها لاشتماله على الأصول من بينها و خلوه من الفضول و شينها " .
  4. يقول الشهيد الثاني : " الكتاب الكافي و المنهل العذب الصافي ، و لعمري لم ينسج على منواله ، و منه يعلم قدر منزلته و جلالة حاله " .
  5. يقول العلامة المجلسي : " أضبط الأصول و أجمعها ، و أحسن مؤلفات الفرقة الناجية و أعظمها " .

[اشترك]

الهوامش:

١. الكتب الأربعة هي موسوعات حديثية قيِّمة تتمتع بمكانة رفيعة في الأوساط العلمية الإسلامية بصورة عامة و في الأوساط الإسلامية الشيعية بصورة خاصة ، و تُعتبر من أهم المصادر الحديثية لديها ، و هي :

٢. الكافي : و هو ما ألَّفه الشيخ أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الكُليني ، المُلَقَّب بثقة الإسلام ، المتوفى سنة : 329 هجرية ، و هو من أبرز الفقهاء المُحدِّثين الإماميين و عَلَمٌ من أعلامها ، و كتاب الكافي مُقَسَّم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي : أصول الكافي ، فروع الكافي ، روضة الكافي ، و الكتاب يحتوي على ستة عشر ألف حديث في العقيدة و الشريعة الإسلامية .

٣. من لا يحضره الفقيه : و هو ما ألَّفه الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي المعروف بالشيخ " الصدوق " ، المولود في سنة : 305 هجرية بقم ، و المتوفى سنة : 381 هجرية ، و هذا الكتاب يحتوي على ما يقارب من ستة الآف حديث في الفقه و الأحكام الشرعية .

٤. تهذيب الأحكام : و هو ما ألَّفه الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة ، المولود بخراسان سنة : 385 هجرية ، و المتوفى بالنجف الأشرف سنة : 460 هجرية ، و هذا الكتاب يحتوي على 13590 حديث في الفقه و الأحكام الشرعية .

٥. الإستبصار فيما أختلف من الأخبار : و هو أيضا مما ألَّفه الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة ، المولود بخراسان سنة : 385 هجرية ، و المتوفى بالنجف الأشرف سنة : 460 هجرية ، و هذا الكتاب يحتوي على 5511 حديث .

٦. هناك اختلاف في تحديد عدد أحاديث الكافي يرجع إلى نوع الاحصاء المتخذ في عَدِّ الأحاديث .

قال بعض مشايخنا المتأخرين : أما الكافي فجميع أحاديثه حصرت في ستة عشر ألف حديث و مائة و تسعة و تسعين حديثاً ، و الصحيح فيها خمسة آلاف وإثنان و سبعون حديثاً ، و الحسن مائة و أربعة و أربعون حديثاً ، و الموثق مائة حديث و ألف حديث و ثمانية عشر حديثاً ، و القوي منها إثنان و ثلاثمائة حديثاً ، و الضعيف منها أربعمائة و تسعة آلاف و خمسة و ثمانون حديثاً ، راجع مقدمة موسوعة طبقات الفقهاء : 361 ، للعلامة المحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ، طبعة : مؤسسة الامام الصادق ( عليه السَّلام ) ، سنة : 1418 هجرية ، قم / إيران ، نقلاً عن المحدِّث البحراني ، لؤلؤة البحرين : 395 .

أما العلامة السبحاني فإنه يرى بأن أحاديث الكافي إنما هي : 15508 حديثاً ، و ذكر بأن رأي المشهور هو أن أحاديثه : 16199 ، و علَّل الاختلاف الحاصل في إحصاء أحاديث كتاب الكافي بأنه مبني على عدِّ أجوبة الامام في مجلس واحد على أكثر من سؤال بمنزلة الأحاديث المستقلة ، خصوصاً إذا ـ كانت ـ تحمل أجوبة مختلفة تبعاً لإختلاف الأسئلة الموجَّهة للإمام ، راجع مقدمة موسوعة طبقات الفقهاء : 361 ، للعلامة المحقق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ، طبعة : مؤسسة الامام الصادق ( عليه السَّلام ) ، سنة : 1418 هجرية ، قم / إيران .

2025/09/21

صورة الامام الحسين في زيارة الأربعين!

كل الشكر والامتنان لسماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني على دعوته إنزال صوره الشخصية من واجهات المواكب الحسينية خلال زيارة الأربعين، فهو قرار له بُعده الثقافي والديني، وايضاً؛ التربوي لزائري الامام الحسين، عليه السلام، في اربعينيته.

[اشترك]

مفهوم مشاعر الحب والاحترام لمقام المرجعية الدينية في العراق، وانعكاسه في الصورة الكبيرة المرفوعة على واجهات المواكب الخدمية على طريق المشاة، وفي الحسينيات والهيئات الحسينية، على أن الفضل يعود اليها في حثّ الناس على إحياء شعيرة زيارة الأربعين كأحد علائم المؤمن وفق حديث الإمام العسكري، عليه السلام، إنما المهم لإنجاح هذه الزيارة على الصعيد الثقافي والتربوي، تكريس أهداف الامام الحسين، عليه السلام في نهضته الإصلاحية، وايضاً تكريس الأهداف التي من أجلها ضحى الإمام علي بن الحسين السجاد وعمته العقيلة زينب، وسائر عيال رسول الله، بكل تلك المعاناة والآلام خلال مسيرة السبي، فأين هم من المواكب الحسينية، والزائرين المشاة؟

ربما يكون السؤال مفاجئ ولكنه جدير، فالقضية ليست مادية ملموسة، بأن نرفع الشعارات والكلمات عن الامام الحسين، وندّعي الولاء والحب لأهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وآله، وحتى البعض يعبّر عن هذا الحبّ برفع صور افتراضية للإمام الحسين او أمير المؤمنين، كما نراها على جدران بعض بيوت المؤمنين المحبين، إنما القضية معنوية بامتياز، وإلا من الذي أمر كل هذه الملايين لأن تتوجه سيراً على الاقدام، ولمسافات بعيدة صوب ضريح سيد الشهداء، عليه السلام؟ ومن الذي أمرهم بأن يطبخوا وأن يفتحوا المضايف للمبيت، وتقديم مختلف اشكال الخدمات من أقصى منطقة في جنوب العراق وحتى مدينة كربلاء المقدسة، إنها الصورة المطبوعة في قلوب المؤمنين والموالين للإمام الحسين، عليه السلام.

هذه الصورة هي التي شقّت الطريق منذ حوالي اثني عشر قرناً، ومنذ عهد الدولة العباسية الظالمة التي قطعت الطريق، وقطعت الأيدي والأرجل، وعاقبت وقتلت كل زائر للامام الحسين، وها هم أبناء أولئك الابطال المجاهدين اليوم يواصلون الطريق نفسه، متخذين طريق زيارة الأربعين مدرسة للتغيير والإصلاح، وايضاً، وسيلة سلمية لمواجهة الطغيان والظلم والانحراف.

هذه الصورة الحقيقية التي يجب ان تبقى محفورة في القلوب والنفوس لا غيرها، فمرجع الدِين، وأي شخصية أخرى هو في زيارة الأربعين، كما لو أنه في مناسك حج بيت الله الحرام، يطوف ويسعى ويرمي الجمرات دون أن يميزه مائز عن آلاف  المسلمين الملبين لنداء الله -تعالى-، وفي الطريق الى كربلاء المقدسة، الجميع يلبون نداء الامام الحسين، عليه السلام، “ألا هل من ناصر ينصرني”.

2025/08/05

السيد السيستاني: تغيب الصورة.. ليحضر العهد

في الثالث من آب ٢٠٢٥م، أصدر مكتب المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظله) بيانًا واضحًا يرفض فيه ممارسات بعض الجهات السياسية والخدمية التي ترفع صوره في الأماكن العامة، لا سيما على طرق الزائرين المتجهين إلى كربلاء.

هذا الرفض ليس مجرد موقف توجيهي  أو ردٍّ على تجاوز عابر، بل هو امتداد طبيعي لنهج أصيل، تتجذر جذوره في تعاليم عهد الإمام علي لمالك الأشتر، وتجد أصداءه في أعماق الفكر الإداري المؤسسي الحديث.

[اشترك]

حين كتب الإمام علي عليه السلام عهده التاريخي إلى مالك الأشتر، حاكم مصر، كان يُرسي أسس قيادة لا تستند إلى مظاهر ولا إلى صورة زائفة للهيبة، بل تقوم على جوهر العدالة، والرحمة، والاتصال الصادق. وفي ضوء فلسفة العهد وأخلاقياته، يتضح أن رفع الصور والإطراء العلني المُفرط ليس فقط مخالفة لأخلاقيات القيادة، بل هو بوابة لانحراف البوصلة، وتزييف العلاقة بين الناس وقادة الدين والمجتمع والدولة. إن السيد السيستاني، برفضه لهذا السلوك، إنما يجسّد هذه القيم العلوية في الواقع؛ فهو لا يطلب هيبة تُبنى على الأضواء، بل على المبادئ والمواقف والخدمة الصامتة.

إن السيد السيستاني يشكل نموذجًا حيًا للقيادة القيمية التي بشّر بها الإمام علي ونظّر لها في كتابه "العهد"، لا بالمبادئ والخطاب فقط بل بالممارسة والقدوة والنموذج الحيّ، وهذا أوضح ما يكون في المبادئ الثلاثة الآتية:

- الإخلاص الخفي: فالسيد يرفض أن تتحول صورته إلى رمز سياسي أو وسيلة دعائية، تمامًا كما رفض الإمام علي عليه السلام أن تكون إمامته وسيلة لامتياز أو تفوّق.

- الزهد في السلطة والظهور: فكما لم يكن الإمام عليّ يطلب من الناس أن يروه في كل زاوية، لم يرغب السيستاني أن تُفرض صورته على مسير الزائرين في الطريق إلى الحسين، وكأنها عبء على نواياهم الطاهرة.

- الهيبة من الصدق، لا من الصورة: فقد كتب الإمام في عهده: «وَلْيَكُنْ أَحَبَّ الْأُمُورِ إِلَيْكَ أَوْسَطُهَا فِي الْحَقِّ وَأَعَمُّهَا فِي الْعَدْلِ وَأَجْمَعُهَا لِرِضَى الرَّعِيَّةِ». وهو المبدأ الذي التزم به السيد السيستاني عندما جعل رضى الناس من خلال خدمتهم، لا من خلال حضور صورته.

 

وبعيدًا عن الإطار الديني، نستطيع أن نؤصّل أيضاً لهذا المسلك الصادق في الاتصال من خلال مبادئ الإدارة الحديثة. فقد أشار المفكر الإداري البارز إدوارد ديمينغ (وهو مؤسس علم الجودة وأبرز أعلامه) إلى أن من مبادئ الجودة الحقيقية الامتناع عن رفع الشعارات والصور في مواقع العمل، لأنّها لا تُنتج قيمة، بل تصنع وهمًا بالالتزام. الشعار لا يحل محل الأداء، والصورة لا تضمن الجودة، بل قد تشتّت الانتباه عن العمليات والإجراءات الحقيقية التي تصنع الجودة في الواقع.

إن مبدأ "منع الشعارات" هو أحد المبادئ الأربعة عشر للجودة عند ديمينغ، وهنا يشترك نهج السيد السيستاني مع فكر الجودة عند ديمينغ؛ فكلاهما يُقصي الرمزية الزائفة لصالح المعنى الحقيقي. في منهج السيستاني، كما في منهج الجودة، لا يُبنى الولاء بالإعلانات والشعارات، بل بالنتائج الملموسة على أرض الواقع.

إن هذا الموقف من السيد (دام ظله) هو درسٌ تربويٌ أصيل ، يريد أن يُعَلّم الجميع أن الهيبة لا تحتاج إلى صورة، وأن القيادة الحقيقية تُمارَس في الظل لا من على المنصات. كما أن طريق الحسين عليه السلام لا يُزَيَّن بالصور، بل يُطهَّر بالنية والإخلاص، خاصة في زمن تحوّلت فيه الوجوه إلى علامات تجارية، والصور إلى بدائل عن الحقيقة. في هذا الزمن يأتي هذا البيان ليذكّر بالأصل، ويرسّخ الثقافة الجادّة: ثقافة الظلّ العالي، حيث يكون القائد خادمًا، والصورة مجرّد وهم يُعطّل التبصر بالجوهر.

2025/08/04

أيها الزائر الكريم مَنْ أنت؟ وأين أنت؟ وكيف تكون؟

نعم أسئلة تراود الناس عندما تنظر لهذه الملايين وهي تمشي آلاف الأمتار فتقف متأملةً في هذا المنظر العظيم! وإنها أسئلة تراود مَنْ يسمع عن ذلك الثواب العظيم لزيارة الإمام الحسين! فإذا أردتَ أنْ تعرف مَنْ أنت؟ وأين أنت؟ فعليك أنْ تتأمَّلَ بدقة فيما سأنقله لك من حديث الإمام الصادق لتقرر بعدها (كيف يجب أنْ تكون!) ونسألك الدعاء ونتمنى لك التوفيق والنجاح.

[اشترك]

عن معاوية بن وهب، قال: استأذنت على أبي عبد الله فقيل لي: ادخل، فدخلت، فوجدته في مصلاه في بيته، فجلست حتى قضى صلاته، فسمعته وهو يناجي ربه وهو يقول: ((اللهُمَّ يا مَنْ خَصَّنا بِالكَرامَةِ، وَوَعَدَنا الشَّفَاعَةَ، وَحَمَّلَنا الرِّسالةَ، وجَعَلَنا وَرَثَةَ الأنْبياء، وَخَتَمَ بِنا الأُمَمَ السَّالِفَةَ، وَخَصَّنَا بِالوَصِيَّةِ، وَأَعْطَانا عِلْمَ مَا مَضَى وَعِلْمَ مَا بَقي، وَجَعَلَ أَفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوي إليْنا، ٱغْفِرْ لي وَلإخْواني وَزُوَّارِ قَبْرِ أَبيَ الحُسَيْنِ ٱبْنِ عَليٍّ (صلواتُ اللهِ عليهِمَا) الَّذينَ أَنْفَقُوا أَمْوالَهُم، وَأَشْخَصُوا أَبْدانَهُم، رَغْبَةً في بِرِّنا، وَرَجاءً لِمَا عِنْدَكَ في وُصْلَتِنَا، وَسُروراً أَدْخَلوهُ عَـلى نَبيِّكَ مُحَمَّـدٍ، وَإجابَةً مِنْهُمْ لأمْرِنا، وَغَيْظاً أَدْخَلوهُ عَلى عَدُوِّنا، أَرادوا بِذلكَ رِضْوانَكَ، فَكافِهِمْ عَنَّا بِالرِّضْوان، وَاكْلأهُمْ بِالليلِ وَالنَّهارِ، وَٱخْلفْ عَـلى أَهاليهِم وَأَوْلادِهِم الَّذينَ خلَّفُوا بِأَحْسَنِ الخَلَفِ، وَاصْحَبْهُم، وَٱكْفِهِم شَرَّ كُلِّ جَبَّارٍ عَنيدٍ، وَكُلِّ ضَعيفٍ مِنْ خَلْقِكَ أَوْ شَديدِ، وَشَرَّ شَياطينِ الإنْسِ وَالجِنِّ، وَأعْطِهِمْ أَفْضَلَ ما أَمَّلوا مِنْكَ في رَغْبَتِهِم عَنْ أَوْطانِهِم، وَما آثَرُونا عَلى أَبْنائِهِمْ وَأَهاليهِمْ وَقَرَاباتِهِمْ، اللهُمَّ إنَّ أَعداءَنا عَابُوا عَلَيْهِمْ خُروجَهُمْ، فلَمْ يَنْهَهُمْ ذلكَ عَنِ النُّهوضِ والشخـوصِ إلينا خِلافاً عليهِمْ، فَارْحَمْ تلكَ الوجوهَ التي غيَّرَتْها الشَّمس، وَٱرْحَمْ تِلْكَ الخُدودَ التي تقلَّبَتْ عَلى قَبْر أَبي عَبْدِ اللهِ، وَٱرْحَمْ تِلْكَ الأعْيُنِ التي جَرَتْ دُموعُها رَحْمَـةً لَنا، اللهُمَّ إِنِّي أَسْتودِعُكَ تِلْكَ الأنْفُسَ، وَتِلْكَ الأبْدانَ، حَتَّى تَرويهُمْ منَ الحَـوْضِ يَوْمَ العَطَشِ ... فقال: يا معاوية مَنْ يدعو لزواره في السماء أكثر ممَنْ يدعو لهم في الأرض)...

من توصيات المرجعية الدينية إلى زوار الأربعين:

  • فاللهَ اللهَ في الصلاةِ فإنها -كما جاء في الحديث الشريف- عمود الدين، ومعراج المؤمنين، إنْ قُبِلت قُبِلَ ما سواها، وإنْ رُدَّت رُدَّ ما سواها، وينبغي الالتزام بها في أول وقتها، فإنَّ أحبَّ عباد الله تعالى إليه أسرعُهم استجابة للنداء إليها، ولا ينبغي أنْ يتشاغل المؤمن عنها في أول وقتها بطاعةٍ أخرى، فإنَّها أفضل الطاعات، وقد ورد عنهم (عليهم السلام): ((لا تنالُ شفاعتُنا مستخفًّا بالصلاة))، وقد جاء عن الإمام الحسين (عليه السلام) شدَّة عنايته بالصلاة في يوم عاشوراء، حتى إنَّه قال لمن ذكرها في أول وقتها: ((ذكرتَ الصلاةَ جعلكَ اللهُ من المُصَلِّينَ الذاكرينَ)) فصلَّى في ساحة القتال مع شدَّة الرمي.
  • اللهَ اللهَ في الإخلاصِ فإنَّ قيمة عمل الإنسان وبركته بمقدار إخلاصه لله تعالى، فإنَّ الله لا يتقبَّلُ إلا ما خَلُصَ له، وسلم عن طلب غيره، فعلى الزوار الإكثار من ذكر الله في مسيرتهم، وتحرِّي الإخلاص في كُلِّ خطوةٍ وعملٍ، وليعلموا أنَّ الله تعالى لم يمنَّ على عباده بنعمة مثل الإخلاص له في الاعتقاد والقول والعمل.
  • اللهَ اللهَ في السترِ والحجابِ فإنَّه من أهمِّ ما اعتنى به أهل البيت (عليهم السلام) حتَّى في أشدِّ الظروف قساوة في يوم كربلاء، فكانوا المثل الأعلى في ذلك، ولم يتأذَّوا (عليهم السلام) بشيء من فعال أعدائهم بمثل ما تأذَّوا به من هتك حُرَمهم بين الناس، فعلى الزوار جميعًا ولا سيَّما المؤمنات مراعاة مقتضيات العفاف في تصرفاتهم وملابسهم ومظاهرهم، والتجنب عن أي شيء يخدش ذلك من قبيل الألبسة الضيِّقة والاختلاطات المذمومة والزينة المنهي عنها، بل ينبغي مراعاة أقصى المراتب الميسورة في كُلِّ ذلك تنزيهًا لهذه الشعيرة المقدسة عن الشوائب غير اللائقة.
2025/08/02

المرجعية العليا.. لا ترفع صوتها لكن العالم يسمعها

المرجعية ليست مجرد منصب ديني، ولا مؤسسة فتوى، بل هي عقلٌ متجذّر في الوحي، نابعٌ من تراث أهل البيت (عليهم السلام)، وواعٍ لتحوّلات الزمان وتعقيدات المكان.

[اشترك]

ولهذا، فهي تمثّل منظومة فكرية وروحية متكاملة، تمارس دورها في صياغة الوعي، وتحصين الأمة، وقيادة الفقه والواقع معًا، بعقلٍ يربط بين النص والتاريخ، وبين الثبات والتغيير.

والمثال الأبرز لهذا النموذج النادر، ما نراه ماثلًا في مرجعية السيد السيستاني (دام ظلّه)، هذه القامة الشامخة التي جسّدت الحكمة في أبهى صورها، والبصيرة في أدقّ تجلّياتها، والقيادة في أشدّ امتحاناتها.

يقف المتابع الواعي أمامها مبهوتًا، لا من فرط الهيبة فحسب، بل من عمق التوازن الذي تحمله: بين الثبات والتجديد، بين الانكفاء والتدخّل، بين الصمت الذي يعبّر والكلمة التي تحسم.

إنها مرجعية لا ترفع صوتها، لكنها تُسمِع العالم.

لا تسعى إلى الأضواء، لكنها تقف دائمًا حيث يجب أن تكون.

ولنا أن نفخر بها، لا بوصفها امتدادًا لماضينا فقط، بل لكونها تجسيدًا حيًّا لقدرة الإسلام العاقل أن يحيا، ويُبصر، ويقود.

ومن هنا، فإن على العالم، شرقًا وغربًا، أن يتأمّل هذا النموذج بهدوءٍ وإنصاف، وأن يُعيد قراءة فكر المرجعية الشيعية، لا كظاهرة دينية فحسب، بل كمدرسة عقل وروح، تعيش في صمتها منارات الحكمة، وفي تواضعها أسرار القيادة، وفي صبرها ملامح النُضج الحضاري.

2025/04/22

العتبتان الحسينية والعباسية ومراسم سن التكليف: احتواء للأزمة وتثبيت للأمانة

ينتهج الإسلام أسلوباً وقائياً في معالجة الظواهر الاجتماعية المنحرفة، إضافة الى نهجه الجنائي المعروف بإقامة الحدود، ومن ذلك سعيه لتحصين الشباب من البنات والذكران بسلسلة من الإجراءات كتكليف البنت في بداية سن نضوجها، وتكليفها بالحجاب واجتناب الاختلاط بالأجنبي، وكذلك تكليف الشاب في بداية تحوله الإدراكي، ونضوج قوة نفسية عنده يتمكن معها من لجم شهواته، فيكون مستعداً لامتثال الشريعة.

[اشترك] 

ولم يكن هذا التشريع وهو تعيين سن معين للتكليف من تشريعات الإسلام وحده، فقد سبقته الحضارات القديمة بما يعرف انثروبولوجياً بطقوس العبور، والتي ترمز عادة لبدأ مرحلة جديدة من حياة الإنسان تختلف عن سابقتها. أنظر: "طقوس العبور" أرنولد فان جينيب.

 

ويراد بتلك الطقوس مساعدة الفرد، بتخفيف حدة الأزمات التي تصاحب التحولات الكبرى في حياته أو حياة أسرته عادة. 

 

والتحولات في حياة الإنسان حتمية لا مفر منها، كما يرى فان جينيب، وهي انتقال الإنسان من مرحلة ثابتة لها عالمها، شرائطها، وقيمها الخاصة بها إلى مرحلة أخرى أيضاً ثابتة لها عالمها. 

 

ولعل أوضح مثال على ذلك هو انتقال الفرد من عالم الطفولة إلى عالم النضج، وكل مرحلة من هاتين المرحلتين ثابتة بعالمها، وشرائطها الخاصة، ويستقر عليها الفرد لفترة من الزمن حتى تصبح نمطية، ويسير كل حدث فيها بشكل رتيب تقريباً. 

 

ومرحلة العبور هذه مؤقتة غير مستقرة، مليئة بالفوضى، وكثير من أحداثها لا يسهل فهمها، هي مرحلة أزمة ينفصل فيها الفرد عن عالم المرحلة الأولى الذي استقر عليه لفترة من الزمن.

 

 فينسل من خصائصها شيئاً فشيئاً ويتجرد من قيمها، كي يتمكن من الاندماج بعالم المرحلة الثانية، والتكيف مع خصائصها وتبني قيمها، فالعبور من هذا المنطلق هو مرحلة تدمير من أجل البناء.

 

 ويؤكد عالم الأنثروبولوجيا الاسكتلندي فيكتور تورنر ما طرحه فان جينيب سابقاً بأن الطقوس التي تمارسها الجماعات ما هي إلا وسيلة لتخفيف حدة الأزمات التي تنشأ عن مرحلة العبور، فحفل الزفاف هو طقس اجتماعي يساعد العريسين على العبور بشكل سلس من عالم العزوبية إلى عالم الزوجية والمسؤولية الأسرية.

 

من هنا يأتي دور مؤسسات المجتمع لمساعدة الأفراد في تحولات أطوار حياتهم، فنجد مؤسسة بوزن العتبة الحسينية او نظيرتها العباسية تحرصان على إقامة طقوس واحتفالات البلوغ لكلا الجنسين، في مساهمة منهما لمساعدة الشاب والشابة وأسرهما في فهم أبعاد شخصيتهما في عهدها الجديد، وإدراك حقيقة التكليف وأنه صار مستعداً لتحمل الأمانة التي عجزت عن حملها السموات والأرض، قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا)، الأحزاب: 71 ـ 73.

 

فالأمانة تشير بوضوح الى «شيء يودع عند الغير ليحتفظ عليه ثم يرده إلى من أودعه، فهذه الأمانة المذكورة في الآية شيء ائتمن الله الإِنسان عليه ليحفظ على سلامته واستقامته ثم يرده إليه سبحانه كما أودعه.

ويستفاد من قوله: (ليعذب الله المنافقين والمنافقات) الخ، أنه أمر يترتب على حمله النفاق والشرك والإِيمان، فينقسم حاملوه باختلاف كيفية حملها إلى منافق ومشرك ومؤمن». تفسير الميزان، تفسير سورة الأحزاب، ص70.

 

ثم يقول: «فالمراد بالأمانة الولاية الإِلهية وبعرضها على هذه الأشياء اعتبارها مقيسة إليها والمراد بحملها والإِباء عنه وجود استعدادها وصلاحية التلبس بها وعدمه، وهذا المعنى هو القابل لأن ينطبق على الآية فالسماوات والأرض والجبال على ما فيها من العظمة والشدة والقوة فاقدة لاستعداد حصولها فيها وهو المراد بإبائهن عن حملها وإشفاقهن منها». المصدر نفسه.

2025/04/21

التنظير العشوائي علی وسائل التواصل الاجتماعي!

الظاهر أن أحد أهم أضرار الفضاء الافتراضي وإشكالياته، يتمثل في "تمييع العمق العلمي" ؛ حيث يخلق "وهم المعرفة" وتخيّل "امتلاك العلم" ؛ فيسهل لأي شخص أن يلعب على الناس باستخدام بعض المصطلحات العلمية!

قبل عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يكن نشر مقال حتى في صحيفة متواضعة أمراً سهلاً. لكن الآن، وبفضل هذه الوسائل، أصبح لكل شخص حق التعبير عن رأيه. وهذا بطبيعة الحال،  "جانب إيجابي"  لوجود هذه المنصّات..

[اشترك]

لكن المشكلة تكمن في أن دور وسائل التواصل الاجتماعي لم يُناقش بعد، ولم تتّضح قيمة ما ينشر عليها بشكل كامل لدى مستخدميها.

على سبيل المثال، في السياسة، المجتمع، الدين، الثقافة، والعلوم.. ما هي الطرق التي يمكن أن يستخدمها الناس للتمييز بين الآراء المدعومة علمياً وتلك التي تفتقر إلى الأساس العلمي؟

 في أي مجالات يمكن أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي منصة مفيدة للحوار، وأين ينبغي الحفاظ على حدود المعرفة العلمية والتخصصية؟

 مَن الذي يجب أن نستمع إليه في وسائل التواصل الاجتماعي، وفي أي مسائل ومواضيع؟

من المؤكد أن هناك العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تكون مجالًا للنقاش والتشاور العام، ولا يمكن معالجتها إلا من خلال العقل الجماعي، لكن ماذا عن القضايا العلمية؟

ما هو موقع التخصص عند التعامل مع هذه الوسائل؟ وإلى أين سيصل حال التخصص بعد أن يخيّم الذكاء الاصطناعي على عملية تلقّي المعلومات؟

وخطورة الأمر كبيرة عندما يتعلق الكلام والنقاش وإبداء الرأي بالدين!

ما هو دور "المجتمع العلمي" و "المؤسسة الدينية" في هذا المجال؟

[اشترك]

هل من المناسب إثارة النقاشات العلمية والتخصصية -خاصة ما يتعلق بالمسائل الدينية- في وسائل التواصل الاجتماعي؟

وإذا طُرحت هذه النقاشات، فما هي السبل الكفيلة بمنع سيطرة الشعبوية و الخطابيات الإعلامية على القضايا العلمية؟

إن إحدى الطرق هي الترويج لاحترام المعايير العلمية المعتمدة داخل "المجتمع العلمي" لكل مجال، حتى في وسائل التواصل الاجتماعي؛ فعلى سبيل المثال، لا ينبغي قبول رأي شخص لم يثبت له التخصص بشأن الموضوع العلمي الذي يتحدث عنه!

وإلا، فإن العلم، وخصوصاً العلوم الإنسانية والدينية، ستُسحق تحت وطأة الضغوط الإعلامية، وستقع فريسة لموجات الرأي العام والتنظير العشوائي في الفضاء الافتراضي، من قِبل أشخاص ليس لديهم أي رصيد علمي سوى هذه "التدخلات" الافتراضية!

2025/02/17

جيل بيتا (gen beta) الشيعي!

الفرَص والتحدّيات..

مَن هم جيل بيتا؟

مصطلح "جيل بيتا" يُطلق عالميًا على الجيل الذي يولد منذ بداية عام 2025م.

 هذا الجيل الذي جاء دوره بعد "جيل ألفا" و"جيل Z"، يمتاز بخصائص فريدة؛ كونه ينشأ في عصر تتصدّر فيه التكنولوجيا الحديثة، والذكاء الاصطناعي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والاتصالات السريعة.

يُعرف أبناء هذا الجيل غالبًا بإمكانيتهم للوصول السريع إلى المعلومات، وتفكيرهم النقدي، والوعي بشأن أنواع التغيّرات العالمية.

ما الذي يميّز جيل بيتا عن الأجيال السابقة؟

[اشترك]

  1. النشأة في عالم رقمي بالكامل:

على عكس الأجيال السابقة التي مرّت بمرحلة انتقالية من العالم التناظري(Analog) إلى الرقمي(Digital)، يعيش جيل بيتا بشكل كامل في البيئة الرقمية.. الأمر الذي يجعل حياتهم اليومية، تعليمهم، وتواصلهم و... متأثّرًا بشدّة بالتكنولوجيا المتجدّدة.

  1. رؤى مختلفة:

بسبب وصولهم الواسع إلى كمّية هائلة من أنواع المعلومات، يتمتّع هذا الجيل بوجهات نظر متنوّعة ذات انفتاح كبير تجاه القضايا الاجتماعية، السياسية، والدينية.. الأمر الذي قد يكون إيجابيًا وسلبيًا في آن واحد؛ إذ من المحتمل جدًا أن يسبّب ذلك تعرّض أبناء هذا الجيل للارتباك أو الشك في المبادئ الثابتة والأصول الأساسية للدين!

  1. التركيز على الفردية:

يميل هذا الجيل إلى التركيز على فهم الذات والهوية الشخصية، وقد يظهر أقل التزامًا بالنشاطات الجماعية التقليدية.

قدرات جيل بيتا الشيعي:

  1. إمكانات الإبداع:

يوفّر العالم الرقمي فرَصًا غير مسبوقة لإظهار إبداع هذا الجيل، من إنتاج المحتوى الإسلامي بصبغة شيعية أصيلة عبر عالم الإنترنت إلى تقديم حلول مبتكرة لقضايا المجتمع.

  1. الوعي وحب الاستطلاع:

الوصول إلى مصادر متنوّعة من المعلومات، يجعل هذا الجيل قادرًا على طرح الأسئلة بفعّالية؛ فإن تمّ توجيه هذه الرغبة بشكل صحيح، يمكن أن يؤدّي ذلك إلى فهم أعمق للمعارف الشيعية.

  1. العلاقة مع التكنولوجيا:

استخدام التقنيات الحديثة في نشر الدين، تطوير أسلوب الحياة الدينية، وحل المشاكل الاجتماعية بنشاطات حديثة.. من أهم الفرص الكبيرة التي يمتلكها شباب هذا الجيل لخدمة الشيعة والتشيّع.

تحدّيات جيل بيتا الشيعي:

  1. تهديد الهوية الدينية:

قد يؤدّي التعرّض المستمر للمعلومات والأفكار المتناقضة في الفضاء الإلكتروني إلى أزمة هويّة وابتعاد عن القيَم الدينية.

  1. الاعتماد التام على التكنولوجيا:

الانغماس في العالم الرقمي قد يمنع أو يقلّل الاهتمام بالمعارف والسلوك والشعائر الدينية والقيم الإنسانية العميقة.

  1. الشك في مصادر تلقّي الدين:

بسبب النمو في بيئة مفتوحة متعدّدة الأصوات، قد يثق هذا الجيل بشكل أقل بالمرجعيات المعنوية والفكرية المتعارفة بصورة عامّة، والمؤسّسة الدينية بصورة خاصّة!!

  1. التغيّر السريع في القيَم:

سرعة التغييرات في العالَم الحديث قد تؤدّي إلى تلوّن عجيب في القيَم الأخلاقية والمبادئ الدينية بين أبناء هذا الجيل!

الحلول لإدارة الفرَص والتحدّيات:

  1. خلق مساحة حرّة للحوار الديني:

من خلال توفير بيئة لطرح الأسئلة والشبهات الدينية، والإجابة عليها بلغة مفهِمة مقنِعة؛ لتوجيه هذا الجيل نحو فهم أعمق للدين والمذهب، وإيمان واعٍ، والتزام عن بصيرة.

  1. استخدام أدوات وبرامج الإعلام الحديثة:

إنتاج المحتوى الديني المؤثّر الذي يعتمد على العقائد الشيعية الأصيلة بوسائط؛ مثل: الفيديوهات القصيرة، حلقات البودكاست، الكتب الصوتية المختصرة، الرسومات الحديثة، و ... .

  1. تعزيز نمط صحّي للحياة الرقمية:

تعلّم إدارة الوقت، استخدام التكنولوجيا بشكل هادف، وتحقيق التوازن بين العالَم الافتراضي والواقعي.. يعد من الاحتياجات الأساسية لهذا الجيل.

  1. تقديم نماذج جذّابة:

تقديم نماذج دينية ناجحة تجمع بين الالتزام بالشريعة والعقيدة الشيعية من جهة، والريادة في العالَم الحديث من جهة أخرى، يمكن أن يشجّع جيل بيتا على الاقتداء بها بشكل إيجابي.

كلمة أخيرة:

جيل بيتا، بكل قدراته وتحدّياته، هو صانع مستقبل المجتمع الشيعي!

 إذا استطعنا توجيه هذا الجيل - باستخدام الأدوات الحديثة وما يتناسب مع خصائصه - نحو العقيدة الحقّة والشرع الحنيف، وإذا اهتمّ أهل الحل والعقد - بل كلّ منّا بما يتمكّن منه - بتنمية وعي هذا الجيل، وتحفيزه لتحمّل المسؤولية كفرد مؤمن من أفراد المجتمع الشيعي؛ فسيكون بالإمكان أن نتوقّع نهضة عالمية كبيرة للمجتمع الشيعي مستقبلًا، وإلاّ... .

2025/01/07

السيد السيستاني.. حكيم النجف ورجل كل المراحل وصمام أمان العراقيين الذي تجاوز الطائفية

وُصِف بأنّه زعيم يضبطُ نبضَ العراق، وآخرون اعتبروه صمّام الأمان في البلاد والمنطقة، فيما اعتبره الحبر الأعظم للمسيحيين بأنّه "رجل الله الحكيم على الأرض".

[اشترك]

أوصافٌ ومسمّيات كثيرة اتّسقت جميعها حول شخصية المرجع الديني الأعلى للطائفة الشيعية السيّد علي السيستاني المولود عام (1931) في مدينة مشهد الإيرانية، وتتحقّق في وصف واحد جامع وشامل "أمّةٌ في رجل"؛ وذلك نسبة إلى مواقفه التاريخية من العراق والشعوب الإنسانية المقهورة، والتي نتتبّعها عبرَ موقع (كلمة) الإخباري، منذ تغيير النظام في العراق والإطاحة بالديكتاتورية البعثية عام (2003) وحتى يومنا هذا.

ويمكن أن تنقسم هذه المواقف على ثلاث مراحل تاريخية، الأولى من (2003 – 2005)، وقد شهدت هذه الفترة تغييرات وتحدّيات كبيرة عاصرها السيد السيستاني وضبط نبضها وإيقاعها، من هناك حيث بيته الصغير في مدينة النجف التي يسكنها مجاوراً لمرقد الإمام علي (ع) منذ العام (1951).

أما الفترة الثانية فتمتد من (2006 – 2014)، وتعدّ الفترة الأصعب على العراق، حيث يمكن وصفها بالفترة المظلمة؛ جراء انتشار الجماعات الإرهابية، بدءاً من تنظيم القاعدة الإرهابي وصولاً إلى عصابات داعش الإرهابية، وما تخللت هذه الفترة من أعمال همجية كان يُراد منها إذكاء نار الطائفية في البلد، وخلق حرب أهلية لا تُبقي ولا تذر، ولولا حكمة السيد السيستاني لكان البلد في خبر كان.. كما يقول المراقبون للشأن العراقي.

أما المرحلة الثالثة فتمتد من (2017) وهو عام الانتصار على عصابات داعش والقضاء على فلولها الإرهابية وصولاً إلى عامنا الحالي، وهذه الفترة هي الأخرى مليئة بالتحديات وكذلك المواقف التاريخية المهمة التي لم يغب عنها ذكرُ هذا الرجل الاستثنائيّ.

 

  2003.. ما قبلها وما بعدها

يمثل عام (2003) بالنسبة للعراقيين، العام الأبرز في حياتهم، حيث شهدوا بأنفسهم تكسّر أصنام الديكتاتور البعثي صدام حسين الذي حكم البلدَ لأكثر من ثلاثة عقود، وأدخله وشعبه في أتون حروب تُوصف عادةً بالعبثية و"الجنونية" أيضاً.

ولكنّ السيد السيستاني هذا المرجع الديني الذي تولّى زعامة الحوزة الدينية بعد رحيل أستاذه السيد أبو القاسم الخوئي، كانت له مواقف تسبق هذا العام، وعاصرَ كل هذه الأحداث التي مرّت على الشعب العراقيّ، كما وتعرّض للاعتقال من قبل أجهزة القمع الأمنية التابعة للنظام البعثي المباد.

وكان ظهور السيد السيستاني بقوّةٍ على الساحة العراقية إبان فترة حكم صدام حسين وحزب البعث العربي الاشتراكي، وكان له ثقله الديني والثقافي المؤثّر على الناس، وظهر ذلك أكثر للعالم كله وليس فقط للعراق والمنطقة ما بعد عام سقوط الصنم.

ووفقاً لمدير قسم دراسات الشرق الأوسط في ألمانيا (إيكارد فورتس) فإنّ "السيد السيستاني لم يتدخل في الشأن السياسي ولم يكن يبحث عنه إطلاقاً، خصوصاً وأنه مولود في أسرة شيعية تقليدية ومحافظة تبتعد عن النشاط السياسي".

ولا يعني ذلك أنّه كان بعيداً عن هموم العراقيين، ولكن الظروف لم تكن مؤاتية كما يقول فورتس "في ظل حكم ديكتاتوري وقمعي أقدم على قتل الآلاف من العراقيين ومن بينهم طلبة وأساتذة الحوزة العلمية في النجف"، كما وملأ بهم المقابر الجماعية المنتشرة على طول أرض العراق.

ويُظهر مثل هذا الدور المقتصر فقط على متابعة شؤون طلبة الحوزة العلمية وتثقيف الناس بعقائدهم الدينية، حكمةً وهدوءاً عُرف بهما السيّد السيستاني طوال حياته.

إلا أنّ احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وسقوط الحكم البعثي الديكتاتوري، جعل من السيد السيستاني أن يكون أكثر حزماً ويشرع إلى تشخيص المصلحة السياسية للعراقيين، ومنذ تلك اللحظة ظهرت للعالم شخصية شيعية بارزة تذكّرهم بعلماء شيعة كبار سابقين كانت لهم مواقفهم المشرّفة من الاستعمار الغربي.

وبعد محاولة سلطة التحالف المؤقتة التي شكّلتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق بقيادة الحاكم الأمريكي بول بريمي، إلى فرض هيمنتها على البلد، وتنفيذ خططها التي جاءت بها بعد احتلالها للعراق، جاء موقف المرجع السيستاني بالضد من هذه المحاولات، وذلك منعاً لصياغة حكومة ودستور غريب عن العراق ولا يلبي طموحاتهم، بل وقد يتحوّل إلى قيد في أيديهم لا يُكسر إلى الأبد.

وفي (يونيو/ حزيران 2003) أصدر المرجع السيستاني فتوىً تنصُّ على أن واضعي دستور العراق لابد وأن يتم انتخابهم، وليس تعيينهم، من قِبَل المسؤولين الأميركيين وأعضاء مجلس الحكم العراقي.

كما أصدر في (نوفمبر/ تشرين الثاني 2003) قالَ فيه إنّ "الانتخابات ـ وليس نظام الكتل الإقليمية الذي تصوره سلطات التحالف بقيادة الولايات المتحدة ـ هي الطريقة الصحيحة لاختيار الحكومة العراقية". حيث أكّد على ضرورة الاحتكام لصناديق الاقتراع للانتخابات النيابية التي تقام لأول مرّة بعد سقوط نظام صدام حسين.

وقد أدى هذا التشجيع والإرشاد من قبل المرجع السيستاني إلى إقامة مثل هكذا حدث ديمقراطي شامل على مستوى العراق، ووصلت نسبة المشاركة في المناطق الشيعية وحدهاً أكثر من (70 في المائة). وحينذاك صرّح الحاكم المدني ورئيس سلطة الائتلاف الحاكم المؤقت بول بريمر: إنّ " السيد السيستاني شجع أتباعه على الانخراط في العملية السياسية عقب عام 2003".

كما دعا السيد السيستاني إلى تشكيل جمعية انتقالية للتصديق على دستور مؤقت صاغه مجلس الحكم العراقي وتحديد الشروط التي بموجبها ستبقى القوات الأميركية وقوات الحلفاء في العراق بعد تسليم السيادة في الثامن والعشرين من يونيو/حزيران. وقد تم استيعاب كل آراء السيستاني.

ويعتبر مراقبون للشأن العراقي بأنّ "موقف السيد السيستاني في تلك اللحظات الحرجة ما بعد (2003) صاغها سماحته من خلال نظرية خاصة، جعلت منه قطب بناء الدولة الأكثر ثقةً لدى العامة من الناس، والتوصيات التي خرجت منه كانت مسار عمل".

وفي وصف أدق أُطلق البعضُ على هذه النظرية باسم (نظرية أبناء الأمّة) التي دعت العراقيين إلى تشكيل نظامهم السياسي وفق إرادتهم، عبر دستور ونظام تعدد برلماني، ومشاركة في الانتخابات. وبذلك اتخذت هذه النظرية مساراً مختلفاً عن باقي النظريات السابقة لمراجع الدين الشيعة.

وفي تقرير موسّع كتبه معهد (كلوبال)، أشار إلى أنّ "العراقيين ما بعد (2003) واجهوا موقفاً صعباً للغاية في ظل الغزو الأمريكي، ثم تخلّت بعدها سلطة التحالف المؤقتة عن خططها لعقد انتخابات وفشلت فشلاً ذريعاً في حماية المدنيين، كما عمدت إلى إفراغ البلد من طاقاته وخبرائه وموظّفيه وتحويلهم إلى أشخاص عاطلين عن العمل".

وتابع بأن "الزعيم الديني الشيعي المعتدل آية الله السيستاني حشّد الآلاف من العراقيين للخروج في احتجاجات منظمة ومؤيّدة للديمقراطية، وحثهم على إجراء انتخابات حرة قبل صياغة دستور جديد للبلاد".

وتماشياً للمادة (21) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أكد العراقيون المحتجّون بأن لهم الحق في المشاركة في تشكيل حكومة بلدهم، وأنهم لن يسمحوا بتشكيلها من قبل جهات خارجية تحت أي مسميات كانت".

وأشار إلى أن "الزعيم الديني السيد علي السيستاني فضّل إقامة دولة إسلامية ديمقراطية، تحترم حرية الدين والحريات المدنية والحقوق المشروعة للمواطنين، كما شجّعت النساء على التصويت والمشاركة".

وفي استفتاء وُجّه له، جاء فيه أن سلطات الاحتلال في العراق قررت تشكيل مجلس لكتابة الدستور العراقي الجديد، وأنها ستعين أعضاء هذا المجلس بالمشاورة مع الجهات السياسية والاجتماعية في البلد ، ثم تطرح الدستور الذي يقرّه المجلس للتصويت عليه في استفتاء شعبي عام.

فما كان من السيد السيستاني إلا أستنكر مثل هذا التدخّل وقال في بيان له: إنّ "تلك السلطات لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور ، كما لا ضمان ان يضع هذا المجلس دستوراً يطابق المصالح العليا للشعب العراقي ويعبّر عن هويته الوطنية التي من ركائزها الأساس الدين الإسلامي الحنيف والقيم الاجتماعية النبيلة"، فالمشروع المذكور كما رأى السيد السيستاني "غير مقبول من أساسه، ولابدّ أولاً من إجراء انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخاب من يمثّله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجرى التصويت العام على الدستور الذي يقرّه هذا المجلس".

وحينذاك وجه آية الله السيستاني "المؤمنين كافة إلى المطالبة بتحقيق هذا الأمر المهم والمساهمة في إنجازه على أحسن وجه".

وكتب السيد السيستاني بأنه "يجب أن تكون هناك انتخابات عامة؛ حيث يمكن لكل عراقي مؤهّل اختيار ممثله في الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور".

ويعتبر استخدام السيد السيستاني لعبارة "سلطة الاحتلال" أو "سلطات الاحتلال" البارزةَ والأولى على مستوى العراق، وكانت هذه التسميات بحسب الباحثة (كارولين مرجي صايغ) في كتابها (المرجعية الدينية ـ الموقف الوطني في العراق بعد 2003): "لم تكن حكماً من السيد السيستاني؛ بل مصطلحات استعملها مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، والحاكم الأمريكي بريمير نفسه".

وأعلن حينها أن الأمم المتحدة يجب أن تشرف على الانتخابات السياسية في العراق؛ لضمان الشرعية الديمقراطية لأي هيئة حاكمة منتخبة، ورفض بذلك خطط الأمريكيين وكذلك استخدام العنف لتحقيق الأجندات الغربية.

وبذلك احتلّت المنظمة الأممية مكانة بارزة في خطاباته، إذ كان يوضّح أن أهمية الأمم المتحدة كانت "محورية في إرساء الأمن والاستقرار في العراق إبان المرحلة الانتقالية.

وعندما سُئل السيّد السيستاني عن الجدول الزمني لانسحاب الولايات المتحدة، كان يجيب بأنه "لا يوجد سبب معقول بادئ ذي بدء يدعو للوجود الأمريكي" وبذلك لم يمنح أي شرعية للبقاء مدّة أطول، كما أشارت إلى ذلك الباحثة كارولين صايغ.

ويظهر اهتمام السيد السيستاني بأدوار منظمة الأمم المتحدة ودعوته المستمرة لإرساء ثقافة التعايش السلمي في العراق والمنطقة، من خلال التصريحات والبيانات الصادرة عن المنظمة ذاتها، واعتبرته بأنه رجل سلام.   

وفي كانون الأول (2004)، دعا السيد السيستاني إلى احتجاجات حاشدة بعد رفض الحاكم الأمريكي بول بريمر إجراء الانتخابات العامة بحجّة عدم وجود وقت كافٍ لها، وشهدت أغلب المحافظات العراقية مشاركة مئات الآلاف من المواطنين المحتجّين، الذينَ استجابوا إلى نداء المرجعية، وقد جرى تغطية هذه التظاهرات من قبل وسائل إعلام عديدة بينها قناة الجزيرة  الفضائية.

تقول الباحثة في المعهد العلمي للشرق الأوسط في كلية (كونتيتك) البريطانية (كارولين مرجي صايغ) في مقال لها ترجمه (كلمة): إنّ "الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 غيّر بُنية الدولة العراقية. فبعد أن كانت جمهورية رئاسية في الاسم، ودكتاتورية في الممارسة العملية، أُعيد تشكيل الدولة كديمقراطية برلمانية".

وتابعت بأنّ "المرجع السيستاني قد برز خلال هذه الفترة المهمة في من تاريخ العراق، فقد تصدى للخطاب الطائفي بشكل مباشر، ورفض اعتباره تفسيراً للتاريخ العراقي، كما استنكر مخاطره على حاضر العراق ومستقبله".

وترى صايغ بأنّ "الظروف الصعبة ما بعد (2003) حوّلت آية الله السيستاني ـ غير السياسي ـ إلى أبرز الفاعلين على الساحة، وكان له تفكيره الاستراتيجي الواضح من كل ما يجري في البلد والمنطقة".

وأشارت إلى أن "السيد السيستاني كان يتدخل في اللحظات الصعبة والحرجة التي تمر على العراقيين؛ من أجل وضع البلد على المسار الصحيح".

ولم يتكلّم المرجع السيستاني باسم الطائفة الشيعية في العراق فحسب، وإنما أكّد على ضرورة مشاركة جميع العراقيين من الشمال إلى الجنوب ومن مختلف المكوّنات والطوائف والقوميات في رسم مستقبل البلد، إلى الحدّ الذي دافع فيه طويلاً عن أتباع المذهب السنّي ووصفهم بـ "أنفسنا"، كما دعا مراراً وتكراراً إلى حماية المسيحيين والإيزيديين وبقية الطوائف العراقية الأخرى، ويظهر مثل هذا الموقف التاريخي في السنوات التالية، وخصوصاً بعد احتلال عصابات داعش لثلثي العراق.

كما يشخّص الباحث (شارون أوتيرمان) أدوارَ المرجع السيستاني ما بعد (2003)، في التدخل العاجل لإنهاء المواجهة الدموية التي استمرت ثلاثة أسابيع بين جيش المهدي التابع لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر والقوات العسكرية الأمريكية، ونجح بذلك بعد فشل جهود رئيس الوزراء آنذاك أياد علاوي والحكومة العراقية المؤقتة وغيرهم.

ويقول أوتيرمان عن شخصية المرجع السيستاني: إنه "رجل محترم في العراق ولدى ملايين الشيعة من حول العالم، الذين يلجؤون إليه للإرشاد والتوجيه فيما يتصل بكيفية عيش حياتهم وفقاً للشريعة الإسلامية".

وتابع بأن "السيّد السيستاني أثبت من خلال مواقفه أنه شخصية بالغة الأهمية على الساحة السياسية الوطنية".

ومن المواقف التي لخّصها أوتيرمان خلال فترة الاقتتال بين جيش المهدي والقوات الأمريكية، والتي صاغَ السيد السيستاني خلالها خطّته للسلام تمثلت بــ:

أولاً/ إعلان النجف والكوفة مدينتين خاليتين من الأسلحة.

ثانياً/ انسحاب جميع القوات الأجنبية من النجف.

ثالثاً/ تكليف الشرطة العراقية بمسؤولية الأمن.

رابعاً/ تعويض الحكومة العراقية المؤقتة عن المتضررين من القتال.

رابعاً: الدعوة إلى إجراء إحصاء سكاني استعداداً للانتخابات الوطنية المقرر إجراؤها في يناير/كانون الثاني.

وبعد انتهاء هذه المرحلة، ومن ثم نجاح صياغة دستور عراقي جديد لأوّل مرّة من قبل عراقيين وبعيداً عن التدخلات الخارجية، التي أرادت مسبقاً أن تملي عليهم ما تريده وفقاً لأجنداتها.

 

  (2006 – 2014) الفترة المظلمة

كانت المرحلة الجديدة والصعبة التي مرّ بها العراق، تتمثّل بظهور الجماعات المسلّحة والحرب الطائفية التي أضرت كثيراً بالشعب العراقي، وأصبح المدنيون الأبرياء أهدافاً يومية للهجمات الإرهابية.

وجرى في هذه الفترة الترويج للحركة السلفية الإرهابية، بدءاً من معركة الفلوجة عام (2004) وظهور تنظيم القاعدة في العراق، الذي كان يتبنّى فكرة محاربة القوات الأمريكية المحتلّة للبلد؛ في حين كانت هجماتهُ تستهدف بالدرجة الأولى الأبرياء من الشيعة في مختلف المناطق العراقية وخصوصاً في العاصمة بغداد والذين يختلفون في العقيدة مع متبنيات حركة القاعدة السلفية المتطرّفة، واستمر هذا الأمر حتى العام (2008).

وقد شهد العراق حدثاً إرهابياً وطائفياً كارثياً، تمثّل بالاعتداء على مرقد الإمامين العسكريين (ع) في مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين، وذلك في العام (2006)، وكان لمثل هذا الحدث أن يتحوّل إلى حرب طائفية على مستوى البلاد بين أتباع الطائفتين المسلمتين الشيعية والسنية، وهذا ما أشّره المرجع السيستاني وحذّر منه.

وفي بيان صدر عن مكتبه في مدينة النجف بتاريخ (21 شباط 2006)، أدان المرجع السيستاني الفعلة التي أقدمت عليها الأيادي الآثمة، وارتكاب جريمة وصفها بأنها "مخزية وما أبشعها وأفظعها".

وقال بيان المرجعية: إن "الكلمات قاصرة عن إدانة هذه الجريمة النكراء التي قصد التكفيريون من ورائها إيقاع الفتنة بين أبناء الشعب العراقي؛ ليتيح لهم ذلك الوصول إلى أهدافهم الخبيثة".

وشدّد البيان بأن "الحكومة العراقية مدعوة اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى تحمّل مسؤولياتها الكاملة في وقف مسلسل الأعمال الإجرامية التي تستهدف الأماكن المقدسة، وإذا كانت أجهزتها الأمنية عاجزة عن تأمين الحماية اللازمة فإن المؤمنين قادرون على ذلك بعون الله تبارك وتعالى".

وفي الوقت الذي دعا فيه المؤمنين إلى التعبير عن آلامهم لهذه الجريمة وإدانة انتهاك الحرمات واستباحة المقدّسات بالأساليب السلمية، أكد بأن "لا يبلغ بالمؤمنين مبلغاً يجرّهم إلى اتخاذ ما يؤدي إلى ما يريده الأعداء من فتنة طائفية" حسب قوله.

ولم يرق مثل هذا الموقف من المرجعية الدينية أصحاب الأجندات السياسية الخارجية، فعمدوا إلى تقديم أكثر للجماعات المسلّحة والعصابات الإرهابية، التي حصدت أرواح مئات الآلاف من العراقيين، وإرباك العملية السياسية؛ بهدف إدخال البلد إلى أتون حرب داخلية، ولكنّ السلطة الروحية والحكمة الإلهية للمرجع السيستاني وسياسته الحاذقة، وقفت بوجه مثل هذه المخططات، وتكسرت أمامها أمواج المؤامرات.

 

  السيستاني: أنا خادم لجميع العراقيين

وفي ظل هذه الأجواء المشحونة وتصاعد الطائفية التي تذكيها الأجندات الخارجية، خرجت من المرجع السيستاني كلمات وُصفت بـ "الدرس الكبير لكل العراقيي".

ففي لقاء لسماحته في (تشرين الثاني من عام 2007) مع وفد من علماء السنّة في العراق بينهم رئيس جامعة علماء المسلمين الشيخ خالد الملا، دعا المرجع السيستاني المسلمين السنة والشيعة في العراق إلى الوحدة الكاملة، طالباً من الشيعة الدفاع عن السنة قبل أن يدافعوا هُم عنها، ومن السنة الدفاع عن الشيعة قبل أن يُدافعوا هُم عنها.

وقال السيستاني كلمة مشهورة يتداولها حتى من غير أبناء الطائفة الشيعية، حيث قال في خطابه للشعب العراقي: "أنا خادم للعراقيين وأحبهم جميعاً ولا أفرق بين سني او شيعي او كردي أو مسيحي"، مشدداً على أن "الأحداث الحاصلة في العراق لا تجوز وهي من تدبير أيادٍ تخريبية وإجرامية"، مشيداً بدور مجالس الصحوات في المحافظات للوحدة بين المسلمين. وذلك وفقاً لتقرير نشرته مؤسسة الإمام علي (ع) التابعة للمرجعية في لندن على موقعها الإلكتروني.

وعن هذا اللقاء الذي وُصف بالمهم والخالد، قال ممثل رئيس ديوان الوقف السني في العراق آنذاك، الشيخ محمود الفلاحي في تصريح صحفي: إن "كلمات المرجع السيستاني هذه ستضيء لنا الطريق، وكشفت لنا الكثير من الحقائق، فقد كانوا يُحذرّوننا من الذهاب إلى النجف واللقاء به، ولكننا بعد سماع كلامه الطيّب هذا ازددنا فرحاً".

فيما قال رئيس جماعة علماء المسلمين الشيخ خالد الملا في تصريحاته للصحفيين: إنّ "الكلمات التي قالها السيد السيستاني والتي خرجت من صميم قلبه، تؤكد على حرمة الدم العراقي عامة، وحرمة الدم السني خاصة".

وطالب الملا علماء الدين المسلمين "بإدانة جميع أعمال العنف التي ترتكب ضد العراقيين، وأن يطَّلعوا جيداً على ما يجري في الواقع العراقي"، مُعيداً مطالبتهم "بإدانة واضحة وصريحة لما ترتكبه عصابة القاعدة في العراق، وهي رسالة النجف الأشرف والسيد السيستاني".

وصار أن طال اعتداء ثانٍ مرقد الإمامين العسكريين في سامراء، وكان موقف المرجع السيستاني ذاته لم يتغيّر، خصوصاً تحذيراته من عدم الوقوع في فخ الطائفية.

ودعا السيستاني في هذه المناسبة، إلى الانطلاق من إعادة تعمير المرقد العسكري "لترسيخ الوحدة الوطنية بين أبناء هذا البلد الكريم".

كما شدّد على مراعاة "أقصى درجات الانضباط، ولا يبدر من المؤمنين قول او فعل يسيء الى المواطنين من اخواننا أهل السنة الذين هم براء من تلك الجريمة النكراء ولا يرضون بها أبداً".

وظلّت بعدها جهود المرجعية الدينية وممثليها مستمرّة لدفع أخطار الطائفية والجماعات المسلّحة، وشهدت مدينة كربلاء موجة هائلة لزيارات ممثلي الطائفة السنية من شيوخ العشائر ورجال الدين والأكاديميين، الذين أكّدوا على ضرورة الوحدة الوطنية.

وعمل ممثلا المرجعية السيد أحمد الصافي في العتبة العباسية والشيخ عبد المهدي الكربلائي في العتبة الحسينية، على استقبال وفود أهل السنّة، ضمن برنامج خاص أعدته العتبتان المقدستان حينها.

وانعكست مثل هذه الزيارات على تغيير الصورة النمطية ما بين الشيعة والسنّة، وانطلقت من جوار مرقد الإمام الحسين وأخيه العباس (ع) الدعوات لإعلان الوحدة بين جميع العراقيين.

وبعد زيارته للعتبة الحسينية، صرّح ممثل ديوان الوقف السني في العراق الدكتور محمد الصميدعي قائلاً: إنّ "همنا واحد في بناء النفوس وبالتالي بناء البلاد وتفعيل دور الأخوة، وقد جئنا اليوم (...) من أجل أن نجلس مع إخواننا في كربلاء ونقول لهم إنّ قلوبنا معكم كما إن قلوبكم معنا".

وحول عمليات الإرهاب المستمرة التي تطيح بالعراقيين، أجاب الصميدعي: "لا أعتقد أن الرجل المسلم يرضى بهذه الأعمال التي تطال البلاد وتزهق الأرواح وتيتم الأطفال، وإن هذه الأعمال هي ثقافة دخيلة على العراق وكان لزاماً علينا أن نصبر وان نرد هذا الكيد الكبير بقوتنا ووحدتنا".

ومن هنا دعا الصميدعي إلى "بناء النفوس على الإخوة والمحبة جميعاً، والوقوف سدّاً منيعاً أمام كل إرهابي يريد أن يفرق وحدتنا ويزهق دمائنا".

وفي ظل هذه الأجواء التي نجحت في توحيد الصف العراقي، ذكر وكيل المرجعية الدينية السيّد أحمد الصافي في خطبته الثانية من صلاة الجمعة التي أقيمت في الصحن الحسيني بتاريخ (20 آذار 2009) أن "ما تشهده كربلاء المقدسة من زيارة لبعض الأحبة من محافظاتنا الغربية والشمالية والوسطى هو خير دليل على التلاحم والوحدة الوطنية".

ولفت السيد الصافي إلى أنّ "كثرة الزيارات من الطرفين تزيل اللبس ويتحدث الإخوة في أروقتهم فيما بينهم بشكل مفتوح وواضح ونصل إلى نتيجة مفادها إن هناك سراباً كثيراً كنا نتصوره ماء، فكثير من المشاكل لا أساس لها قد تكون سياسية أكثر مما هي اجتماعية".

وأضاف، أن "السني عندما يزور كربلاء بالنتيجة يزور مدينته والشيعي عندما يزور الموصل أو الانبار بالنتيجة يزور مدينته"، مشدّداً بأنّ "هذا المعنى لابد أن يعزّز ويخرج من الإطار الجماهيري ويرتقي إلى الأداء الحكومي".

 

  اندحار القاعدة وولادة داعش  

بعد أن نجحت جهود المرجعية الدينية في النجف ومن خلال لقاءاتها وبياناتها وخطبها، اندحرت فلول تنظيم القاعدة الإرهابي وانتهت إلى الأبد، إلا أنّ الإرهاب عاد مرّة أخرى بلباس جديد.

فقد شهد عام (2014) وبسبب الأجواء الأمنية المضطربة في سوريا وتصاعد جرائم العصابات المسلّحة، ظهور عصابات داعش في العراق.

وخلال فترة قصيرة جداً، استطاعت العصابات الإرهابية احتلال محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار، وبدأت صفحة جديدة من صفحات الإرهاب.

وفي ظل تصاعد الأحداث الأمنية، وتخوّفات العراقيين من تنامي خطر عصابات داعش الإرهابية التي أراد قضم المزيد من الأراضي، أطلقت المرجعية الدينية حينها فتواها التاريخية والشهيرة التي عُرفت بـ "فتوى الدفاع الكفائي"، ودعت فيها العراقيين المقتدرين على الانخراط في القوات الأمنية وحمل السلاح دفاعاً عن بلادهم وأبناء شعبهم ومقدساتهم.

وكان ذلك من خلال خطبة الجمعة التي ألقاها الشيخ عبد المهدي الكربلائي من الصحن الحسيني في كربلاء بتاريخ (13 حزيران 2014)، وجاء فيها: إن "العراق وشعبه يواجه تحدياً كبيراً وخطراً عظيماً وإن الارهابيين لا يهدفون إلى السيطرة على بعض المحافظات كنينوى وصلاح الدين فقط بل صرحوا بأنهم يستهدفون جميع المحافظات ولا سيما بغداد وكربلاء المقدسة والنجف الأشرف، فهم يستهدفون كل العراقيين وفي جميع مناطقهم، ومن هنا فإن مسؤولية التصدي لهم ومقاتلتهم هي مسؤولية الجميع ولا يختص بطائفةٍ دون أخرى أو بطرفٍ دون آخر".

وبعد توصيات خاصة للقوات الأمنية، قال الكربلائي خلال الخطبة ذاته: "من هنا فان المواطنين الذين يتمكنون من حمل السلاح ومقاتلة الارهابيين دفاعاً عن بلدهم وشعبهم ومقدساتهم عليهم التطوع للانخراط في القوات الأمنية".

وكان هذا الحدث الجديد في العراق، موقفاً تاريخياً يُسجّل للمرجعية الدينية العليا في النجف، وفيما كانت أصابع الاتهام تشير إلى جهات خارجية تدعم الجماعات المسلحة المتمثلة بعصابات داعش الإرهابية، استطاعت هذه الفتوى بحسب ما يقول المراقبون والخبراء من حول العالم: إنها "أفشلت جميع المخططات وكانت أشبه بالصدمة المروعة لهم، كما رسمت معادلة جديدة على مستوى العراق والعالم".

وعن مكانة المرجع السيستاني وفتواه التاريخية، قال وكيله في كربلاء السيد أحمد الصافي خلال استقباله لوفد من مؤسسة آل البيت (ع) في إسبانيا: إنّ "السيد السيستاني مرجعٌ ديني كبير وله ثقله ووزنه في المجتمعَين المحلّي والدولي، فهو فضلاً عن كونه المرجع الدينيّ الأعلى، هو رجلٌ حكيم تعامَلَ مع العراقيين على اختلاف أطيافهم كافة بروح الأبوّة، فكان لهم خيمة دون تمييزٍ بينهم"، مبيناً، أنه "رفض وأدان العمليات الإرهابية كافة والعنف الذي تعرّض له العراقيون منذ عام 2003، وهو أبٌ لكل العراقيّين".

وأشار السيد الصافي إلى أنه "عندما جاء تنظيم القاعدة إلى العراق بعد عام 2003، وبعده تنظيم داعش الذي احتلّ جزءاً كبيراً من أراضي البلاد، وبدأ الخطر يهدّد العاصمة بغداد وكان على أسوارها إضافة إلى المدن المقدّسة، وفي حالةٍ من اليأس والإحباط والخوف من المجهول عاشها العراق في تلك الفترة، جاءت فتوى الدفاع الكفائي لتكون نداء لتوقّف المدّ والزحف الداعشي، ولبثّ المعنويات ورفعها في القوّات الأمنية العراقية، ليلبّيها ملايين العراقيين الذين بدمائهم وبفضل الفتوى أنقذوا العراق".

وبين، أن "أكثر من ثلاثة ملايين عراقي لبّى الفتوى المباركة ودافع عن العراق ومقدّساته، وبالمعركة التي استمرّت ثلاث سنواتٍ استطاع العراقيّون أن يحرّروا كلّ الأراضي من العصابات الإرهابية، وهذا وقت قياسيّ لتحرير الأرض، إذ كان يُقدّر الوقت لتحرير الأراضي العراقية من (10 إلى 30 عاماً) بحسب تقديرات الدول العظمى، لكن فتوى السيد السيستاني واستجابة العراقيّين لها حقّقت النصر و أرجعت الأمور إلى نصابها".

كما وشهد العراق في ظل هذه الظروف لظهور عصابات داعش واحتلالهما لعدد من المناطق، تأسيس (هيئة الحشد الشعبي) التي ضمّت الألوية الأمنية المتشكلة من المتطوعين الملبّين لفتوى المرجع السيستاني بمقاتلة العصابات الإرهابية.

وانطلاقاً من مسؤوليتها الشرعية، فقد أصدرت المرجعية الدينية العديد من التوصيات الخاصة للمقاتلين في مختلف صنوف القوات الأمنية، وأكّدت على ضرورة الوقوف أمام زحف العصابات الإرهابية، كما دعت إلى حماية جميع العراقيين من مختلف الطوائف والأديان، وخصوصاً من المسيحيين والأيزيديين وأبناء الطائفة السنية المسلمة.

أما عن أصداء هذه الفتوى عالمياً، فقد تفاعل العديد من الخبراء والمؤسسات البحثية معها وكذلك الجنرالات والقادة الأمنيين من حول العالم.

وعن هذه الأصداء، يقول الكاتب (لؤي الخطيب) في مقال له باللغة الإنكليزية نشره موقع (هافينغتون): إن "دعوة آية الله السيد السيستاني في عام 2014 للمساعدة في إعادة بناء القوات المسلحة العراقية بعد انهيار الموصل ليس أول تدخل إيجابي حاسم له. على الرغم من أنه لا يميل لإشراك نفسه في سياسة العراق اليومية، ولكنه عندما يتحرك، فانه يتحرك بحسم بما يعود بالنفع على جميع العراقيين".

ويتابع، "كانت دعوته لتشكيل الجمعية الوطنية بعد تغيير النظام عام 2003 مفتاح البدء للعملية السياسية في كتابة الدستور العراقي، كما ساعد في نزع فتيل الفتنة الطائفية بعد تفجير مرقد الإمامين العسكريين في سامراء من قبل تنظيم القاعدة في عام 2006. ولعب دوراً هاماً في تأمين انتقال سلس للسلطة في الانتخابات العامة، وكسر الجمود السياسي في عام 2006 وعام 2014".

وزاد بالقول: إنه "على الرغم من أن السيستاني أبقى بابه مفتوحة لاستقبال كل الناس، الا انه توقف عن لقاء السياسيين العراقيين منذ عام 2011  حيث بدأ العديد من المسؤولين إساءة استخدام استقبال السيد السيستاني لهم لتسويق انفسهم سياسياً".

كما أنّه على العكس مما حاول البعض تصديره عن طريق الإعلام الغربي، بأن "فتوى المرجعية تستهدف السنة"، يقول الصحفي العراقي (سجاد أحمد): إن "الحشد الشعبي بشكل رئيسي يمثل قوة لجميع العراقيين وليس للشيعة فقط، خصوصاً وقد لبى الفتوى رجال القبائل السنية بالإضافة إلى المتطوّعين المسيحيين والأيزيديين".

فيما يقول الكاتب اللبناني رضا زيدان أن "للسيد السيستاني دوره القيادي، وتأثيرٌ كبير لا يخفى على أحد، خصوصاً لناحية المواقف التي صدرت عنه خلال الأزمات والقضايا المصيرية التي واجهها العراق، خلال مرحلة الاحتلال الأميركي أو ما بعد نشوء تنظيم "داعش" في العام 2014".

وتابع بأن فتوى الدفاع الكفائي "شكّلت منعطفاً مهمّاً في تاريخ العراق، إذ كانت سبباً رئيساً للتعبئة الاجتماعيّة والجماهيريّة الواسعة التي تمثلت ليس فقط بالمتطوّعين الّذين تطوّعوا للدّفاع عن المناطق الّتي احتلها "داعش" وساهموا على مدى  سنوات في تحريرها، وإنّما أيضاً بمساهمات الشّعب العراقي والمؤسّسات والمنظّمات المتعدّدة".

ويؤكّد العراقيون، أنّه لولا تلك الفتوى العظيمة التي أطلقها السيد السيستاني، لما تغيّرت معايير المعركة وما كان لمعطيات الحرب أن تتحوّل بدرجةٍ أذهلت العالم، بعد أن رسم أبناء الوطن ملحمةً بطولية قلّ نظيرها.

وأشار زيدان إلى أن الفتوى "وضعت أسساً جديدة لقواعد القتال بعد أن اتّحدت جميع الفصائل التي حاربت "داعش" تحت لواء جامع وهو الحشد الشعبي، الذي ساهم بشكلٍ مباشر في تعزيز الأمن وخلق بيئة اجتماعية داعمة للقوات الأمنية العراقية ولتحقيق الاستقرار وتعزيز القوات الوطنية وتوفير الدعم والإسناد والمعدات الضرورية لها".

كما يقول الصحفي (سجاد جايد): إن "السيد السيستاني يمثل صوت العقل ولم تكن فتواه التاريخية بالجهاد ضد داعش سوى واحدة من العديد من إنجازاته التي حققها على حياته".

ويضيف بأنّ "رجل الدين  الكبير هذا الذي يبلغ من العمر الآن ثلاثة وتسعين عامًا، يبرز بشكل عام لكونه شخصية تتمتع بالنزاهة والأخلاق الفريدة من نوعها عبر عقود من الاضطرابات وتغيير النظام والتحديات شبه المروعة"، موضحاً بأن السيد السيستاني "كان الفاعل الأكثر ثباتًا في العراق في الدفع نحو الاستقرار والتقدم وتقرير المصير. وسوف نتذكره باعتباره صوت العقل في عصر العنف والخوف وعدم اليقين".

أما الكاتب الصحفي (كريستن كنيب) فقد قال في مقال له نشرته وكالة (دويتشه فيلا): إن "مواقف السيد السيستاني خلال فترة داعش وما قبلها وخصوصاً في التصدي للطائفية رشحّته مرتين لنيل جائزة نوبل للسلام، وذلك في عامي (2014 و2015)".

ونجحت جهود المرجع السيستاني في التصدي لعصابات داعش الإرهابية، في إعادة الأمل للعديد من العراقيين وخاصة من أبناء المكونين المسيحي والإيزيدي، حيث أوصى بضرورة رعايتهم والمحافظة على حياتهم، وكذلك شدد على تخليصهم من خطر داعش وتحرير المختطفين.

وبناء هذا الموقف التاريخي والأبوبي من قبل المرجعية الدينية، أثنى المرجع الأعلى للأمّة الأيزيدية في العراق والعالم، على المواقف المشرّفة للمرجع السيستاني في الدفاع عن العراق بكل مكوناته ومنها المكون الأيزيدي، معرباً عن أمله بأن يتقبّل المرجع السيستاني الأيزيديين أبناءً له ويشملهم بعطفه ورعايته.

وجاء في رسالة لمرجع الأيزيديين (الأمير نايف بن داود بن سليمان)، بعثها إلى المرجع السيستاني: "لم نلمس من وقف في الدفاع عنا على مرّ التاريخ مثل ما وقفت المرجعية الدينية العليا معنا خلال احتلال داعش"، مضيفاً، "كيف لنا أن ننسى الفتوى التاريخية التي أطلقها سماحتكم (الأيزيديين أمانة في أعناقنا) و(المختطفات الأيزيديات أخواتنا وبناتنا وعزنا وشرفنا وكرامتنا وهن شرف لكل عراقي شريف وغيور)".

وشدّد بن سليمان في رسالته بأنّ "هذا الموقف النبيل سيبقى خالداً في ذاكرة الزمن، وإن المرجعية الدينية معروفة بمواقفها الإنسانية والوطنية العراقية المخلصة وهي من دافعت عن العراق بكلّ مكوناته".

ولفتَ إلى أنهم "يشعرون بالأمن والأمان تحت ظلّ المرجعية المبارك".

واختتم بن سليمان رسالته بالقول: "نلتمس من المرجع الأعلى أن يقبلنا كأحد أبنائه بعدما شملنا بعطفه ورعايته في أصعب المواقف التي مرّت على المكون الأيزيدي في التاريخ".

 

  عام الانتصار على داعش وما بعده

وبعد ثلاث سنوات من إصدار الفتوى وتلبيتها من قبل المتطوعين العراقيين، استطاع العراق دحر العصابات الإرهابية، وقدّم الكثير من الشهداء والتضحيات من أبناء القوات الأمنية والحشد الشعبي، حتى جاء يوم (14 كانون الأول 2017)، الذي تلا فيه ممثل المرجعية الدينية في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي خطبة النصر على عصابات داعش الإرهابية.

وحملت الخطبة مضامين عالية وأشّرت إلى نقاط مهمة إلى جانب ستة توصيات تخص العراقيين على المستوى الرسمي والشعبي، إلا أنّها ركّزت بالدرجة الأولى على المرحلة ما بعد تحقيق الانتصار.

وذكر المرجعية في هذه الخطبة بأن "النصر على داعش لا يمثل نهاية المعركة مع الارهاب والارهابيين بل ان هذه المعركة ستستمر وتتواصل ما دام أن هناك أناساً قد ضُلّلوا فاعتنقوا الفكر المتطرف الذي لا يقبل صاحبه بالتعايش السلمي مع الآخرين ممن يختلفون معه في الرأي والعقيدة ولا يتورع عن الفتك بالمدنيين الابرياء وسبي الاطفال والنساء وتدمير البلاد للوصول الى اهدافه الخبيثة بل ويتقرب إلى الله تعالى بذلك"، محذرة من "التراخي في التعامل مع هذا الخطر المستمر والتغاضي عن العناصر الارهابية المستترة والخلايا النائمة التي تتربص الفرص للنيل من أمن واستقرار البلد".

وأكدت أيضاً أن "المنظومة الأمنية العراقية لا تزال بحاجة ماسة الى الكثير من الرجال الابطال الذين ساندوا قوات الجيش والشرطة الاتحادية خلال السنوات الماضية وقاتلوا معها في مختلف الجبهات وأبلوا بلاءً حسناً في اكثر المناطق وعورةً واشد الظروف قساوةً وأثبتوا أنهم أهلٌ للمنازلة في الدفاع عن الارض والعرض والمقدسات وحققوا نتائج مذهلة فاجأت الجميع داخلياً ودولياً".

وفي الوقت الذي أكدت فيه على تضحيات الشهداء، شددت المرجعية على رعاية عوائلهم وأبنائهم وتكريم تضحياتهم، فضلاً عن رعاية المقاتلين الجرحى.

وشدّدت المرجعية كذلك بأن "معظم الذين شاركوا في الدفاع الكفائي خلال السنوات الماضية لم يشاركوا فيه لدنياً ينالونها أو مواقع يحظون بها، فقد هبّوا الى جبهات القتال استجابة لنداء المرجعية واداءً للواجب الديني والوطني، دفعهم اليه حبهم للعراق والعراقيين وغيرتهم على اعراض العراقيات من أن تنتهك بأيدي الدواعش وحرصهم على صيانة المقدسات من أن ينالها الارهابيون بسوء، فكانت نواياهم خالصة من أي مكاسب دنيوية، ومن هنا حظوا باحترام بالغ في نفوس الجميع واصبح لهم مكانة سامية في مختلف الاوساط الشعبية لا تدانيها مكانةُ أي حزب او تيار سياسي".

وأكدت المرجعية أيضاً بأن "من الضروري المحافظة على هذه المكانة الرفيعة والسمعة الحسنة وعدم محاولة استغلالها لتحقيق مآرب سياسية يؤدي في النهاية الى أن يحلّ بهذا العنوان المقدس ما حلّ بغيره من العناوين المحترمة نتيجة للأخطاء والخطايا التي ارتكبها من ادّعوها".

في حين رأت المرجعية الدينية بأن هناك معركة أكبر من معركة الدفاع ضد أخطار العصابات الإرهابية، والتي تمثل بالمعركة على الفساد.

وذكرت المرجعية الدينية في التوصية السادسة من خطبة النصر: إن "التحرك بشكل جدي وفعال لمواجهة الفساد والمفسدين يعدّ من اولويات المرحلة المقبلة، فلا بد من مكافحة الفساد المالي والاداري بكل حزم وقوة من خلال تفعيل الاطر القانونية وبخطط عملية وواقعية بعيداً عن الاجراءات الشكلية والاستعراضية".

وأضافت بأن "المعركة ضد الفساد ـ التي تأخرت طويلاً ـ لا تقلّ ضراوة عن معركة الارهاب إن لم تكن أشد وأقسى، والعراقيون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الارهاب قادرون ـ بعون الله ـ على خوض غمار معركة الفساد والانتصار فيها أيضاً إن أحسنوا ادارتها بشكل مهني وحازم".

وظلّت أصداء وتوصيات المرجعية الدينية تتردّد بين الأوساط العراقية، إلا أنّ موجة جديدة ظهرت في العراق من الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية التي ندّدت بالعملية السياسية وفشلها في إدارة مصالح الشعب العراقي.

ونتيجة لذلك، شهد العام (2019) أكبر هذه الموجات من التظاهرات المطالبة بالحقوق المشروعة، وتحسين الوضع الخدمي والاقتصادي والأمني.

وفي شهر تشرين الأول من هذا العام، جُوبهت الاحتجاجات الشعبية في العاصمة بغداد وعدد من المحافظات العراقية، بحملة قمع كبيرة، وهو ما أدانته المرجعية الدينية في النجف.

فقد أكّدت المرجعية ومن خلال خطبة الجمعة في الصحن الحسيني بمدينة كربلاء رفضها "وإدانتها للإعتداءات التي تعرض لها المتظاهرون السلميّون والعديد من عناصر القوات الأمنية، خلال الإحتجاجات التي شهدتها البلاد".

كما وأدانت المرجعية في الوقت ذاته "ما وقع من إحراق وإتلاف بعض المؤسسات الحكومية والممتلكات الخاصة في تلك المظاهرات. وعبّرت عن أملها بأن يعي الجميع التداعيات الخطيرة لاستخدام العنف والعنف المضاد في الحركة الاحتجاجية الجارية في البلد، فيتم التجنب عنه في كل الأحوال".

وفي الأسبوع التالي من هذه الإدانات ضد قمع المتظاهرين والمحتجين الشعبيين، أكّدت المرجعية الدينية أن "الاحتجاجات التي تشهدها البلاد ستشكل انعطافة كبيرة، وأن العراق بعد الاحتجاجات لن يكون كما كان قبلها".

ووفقاً لإحصائيات صادرة عن مصادر طبية، سقط في أرجاء البلاد أكثر من (325 شهيداً) ونحو (15 ألف جريح).

وحينها أكدت المرجعية الدينية وعلى لسان وكيلها السيد أحمد الصافي في خطبة صلاة الجمعة: "إذا كان من بيدهم السلطة يظنون أن بإمكانهم التهرب من استحقاقات الإصلاح الحقيقي بالتسويف والمماطلة، فإنهم واهمون".

وأردف: "لن يكون ما بعد هذه الاحتجاجات كما كان قبلها في كل الأحوال، فليتنبهوا إلى ذلك".

واعتبرت المرجعية الدينية العليا أن "المواطنين لم يخرجوا إلى التظاهرات المطالبة بالإصلاح بهذه الصورة غير المسبوقة، ولم يستمروا عليها طوال هذه المدة بكل ما تطلّب ذلك من تضحيات جسيمة، إلا لأنهم لم يجدوا غيرها طريقاً للخلاص من الفساد".

ودعا إلى الإسراع في إقرار "قانون منصف للانتخابات يعيد ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية، ولا يتحيز للأحزاب والتيارات السياسية".

ولفتت المرجعية العليا أيضاً إلى أنه "رغم مرور مدة زمنية على انطلاق الاحتجاجات، إلا أن شيئاً من مطالب المحتجين لم يتحقّق".

واعتبر أن ذلك "يثير الشكوك في مدى قدرة أو جدية القوى السياسية الحاكمة في تنفيذ مطالب المتظاهرين حتى في حدودها الدنيا".

كما رفضت المرجعية الدينية العليا التدخّل الخارجي بالعراق، مؤكداً أن "معركة الإصلاح التي يخوضها الشعب إنما هي معركة وطنية تخصّه وحده، والعراقيون هم من يتحملون أعباءها الثقيلة".

وإزاء هذا الموقف الصريح من المرجعية الدينية، فقد وصفت قتلى المتظاهرين والمحتجين بأنهم "شهداء".

وقال ممثل المرجعية السيد أحمد الصافي في خطبة لاحقة من عام (2019): إنّ "المرجعية الدينية إذ تترحم على الشهداء الكرام وتواسي ذويهم وتدعو لهم بالصبر والسلوان وللجرحى بالشفاء العاجل، تؤكد مرة أخرى على حرمة الاعتداء على المتظاهرين السلميين ومنعهم من ممارسة حقهم في المطالبة بالإصلاح".

كما دعا بالوقت نفسه المتظاهرين السلميين إلى "طرد المخرّبين من صفوفهم وعدم الإضرار بممتلكات المواطنين".

وبعد عام واحد فقط، وقبل شهر من إحياء الذكرى الأولى لاندلاع التظاهرات في العراق، استقبل المرجع السيستاني في بيته بمدينة النجف، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة جينين هينيس ـ بلاسخارات وذلك بتاريخ (13 أيلول 2020).

وأكد المرجع الأعلى السيد علي السيستاني وفقاً لبيان صدر عن مكتبه، أن "الحكومة الراهنة مدعوة الى الاستمرار والمضي بحزم وقوة في الخطوات التي اتخذتها في سبيل تطبيق العدالة الاجتماعية، والسيطرة على المنافذ الحدودية، وتحسين أداء القوات الأمنية بحيث تتسم بدرجة عالية من الانضباط والمهنية، وفرض هيبة الدولة وسحب السلاح غير المرخص فيه، وعدم السماح بتقسيم مناطق من البلد الى مقاطعات تتحكم بها مجاميع معينة بقوة السلاح تحت عناوين مختلفة بعيداً عن تطبيق القوانين النافذة".

وتابع بأن "الحكومة مدعوة أيضاً الى اتخاذ خطوات جادة واستثنائية لمكافحة الفساد وفتح الملفات الكبرى بهذا الشأن حسب الإجراءات القانونية، بعيداً عن أي انتقائية، لينال كل فاسد جزاءه العادل وتسترجع منه حقوق الشعب مهما كان موقعه وأياً كان داعموه ".

كما شدد بأن "الحكومة مطالبة بالعمل بكل جدية للكشف عن كل من مارسوا اعمالاً إجرامية من قتل أو جرح أو غير ذلك بحق المتظاهرين أو القوات الأمنية أو المواطنين الأبرياء، أو قاموا بالاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة، منذ بدء الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح في العام الماضي، ولا سيما الجهات التي قامت بأعمال الخطف أو تقف وراء عمليات الاغتيال الأخيرة".

وأشار المرجع الأعلى خلال اللقاء إلى أن "اجراء العدالة بحق كل الذين اقترفوا الجرائم المذكورة سيبقى مطلباً ملحاً لا بد من أن يتحقق في يوم من الأيام، وهو الأسلوب الناجع في المنع من تكرارها والردع عن العود الى أمثالها".

ولفت أيضاً إلى أن "الحفاظ على السيادة الوطنية ومنع خرقها وانتهاكها والوقوف بوجه التدخلات الخارجية في شؤون البلد وإبعاد مخاطر التجزئة والتقسيم عنه مسؤولية الجميع، وهو يتطلب موقفاً وطنياً موحداً تجاه عدة قضايا شائكة تمسّ المصالح العليا للعراقيين حاضراً ومستقبلاً، ولا يمكن التوصل اليه في ظل تضارب الأهواء والانسياق وراء المصالح الشخصية أو الحزبية أو المناطقية، فالمطلوب من مختلف الأطراف الارتقاء الى مستوى المسؤولية الوطنية وعدم التفريط لأي ذريعة بسيادة البلد واستقراره واستقلال قراره السياسي".

وقد تمخضّت مثل هذه التوصيات الصادرة عن المرجعية الدينية العليا في النجف، عن إجراء تعديل في قانون الانتخابات العراقية، فضلاً عن إقامتها وتشكيل حكومة جديدة.

كما وفي إزاء ذلك، كان للمرجعية الدينية موقف تاريخي بإصدار ما وصفه العراقيون بـ "فتوى التكافل الكفائي"، وذلك بعد موجة انتشار وباء (كوفيد ـ 19)، إذ حثّ على ضرورة تقديم الدعم اللازم للجهات الصحية من أجل رعاية المرضى والمصابين.

كما واعتبر المرجع الأعلى أن من يموت بهذا الوباء يعدّ "شهيداً"، ولاقت كلماته وتوصياته صدى شعبياً كبيراً إضافة إلى الخدمات الكبيرة التي قدمتها العتبات المقدسة في افتتاح مراكز الشفاء وتقديم الدعم اللازم للمرضى.

وفي تلك الفترة أيضاً، وبدعم من المرجع السيستاني جرى افتتاح مقبرة خاصة للمتوفين بالوباء في مدينة النجف، وذلك من قبل فرقة الإمام علي القتالية، والتي جمعت إلى جانب جثامين الشيعة والسنة جثامين عدد كبير من المسيحيين والإيزيديين وغيرهم.

وبالعودة إلى المشهد السياسي العراقي، وما حصل في البلد بعد التظاهرات الشعبية، رأى العديد من المتتبعين والمراقبين للشأن العراقي أن "توصيات المرجعية الدينية لم تلقَ اهتماماً من قبل الطبقة السياسية الحاكمة، حيث بقي الحال كما هو عليه، أو ازداد سوءاً".

وقرأ المراقبون مثل هذا الموقف في لقاءات وبيانات لاحقة للمرجعية الدينية، ومنها خلال استقبال المرجع الأعلى لرئيس بعثة (يونامي) في العراق محمد الحسّان، والتي أشارَ فيها وفقاً لبيان صدر عن مكتبه بتاريخ (4 تشرين الثاني 2024)، إلى "التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق في الوقت الحاضر وما يعانيه شعبه على أكثر من صعيد".

وقال المرجع الأعلى: إنه "ينبغي للعراقيين - ولا سيما النخب الواعية - أن يأخذوا العِبر من التجارب التي مرّوا بها ويبذلوا قصارى جهدهم في تجاوز اخفاقاتها ويعملوا بجدّ في سبيل تحقيق مستقبل أفضل لبلدهم ينعم فيه الجميع بالأمن والاستقرار والرقي والازدهار، مؤكداً على أن ذلك لا يتسنى من دون إعداد خطط علمية وعملية لإدارة البلد اعتماداً على مبدأ الكفاءة والنزاهة في تسنّم مواقع المسؤولية، ومنع التدخلات الخارجية بمختلف وجوهها، وتحكيم سلطة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد على جميع المستويات".

ونبّه المرجع الأعلى بالقول: "يبدو أن أمام العراقيين مساراً طويلاً الى أن يصلوا الى تحقيق ذلك، أعانهم الله عليه".

المصدر: موقع كلمة الإخباري

2024/12/14

وهم التوقيت: ظهور الإمام المهدي وتطبيق الأحداث على الروايات الشريفة

كان بعض الشيوخ ممَّن قضى ردحاً من عمره في الكتابة عن الإمام المهدي - عليه السلام – وانشغل زمناً من حياته في البحث عن الظهور المقدَّس، سَطَرَ في بعض كتبه القديمة – أنَّ صاحب النفس الزكية الذي يُقتل في ظهر الكوفة هو السيد محمد باقر الصدر – قُدِّس سره – وأنَّ السبعين من الصالحين الذين يُقتلون معه هم قبضة الهدى والذين معهم.

[اشترك]

ثم لمَّا استُشهد السيد محمد باقر الحكيم – قُدِّس سره – هو وثلَّةٌ من المؤمنين تراجع عن ذاك التطبيق، وقال في برنامجٍ تلفازيٍّ: إنَّ المراد بصاحب النَّفس الزكية السيد محمد باقر الحكيم، والصالحون هم المصلُّون الذين استُشهدوا معه.

ولمَّا مات الملك السعودي عبد الله زعم أن السعودية سيعتريها حكمه الصبيان ويتبدَّل كلُّ حاكمٍ خلال شهرٍ أو شهرين، وأنَّ الحوثي سيدخلها ويقبض على ملكها ويربطه إلى سخلتين، وأنَّ الحوثي سيكون اثني عشرياً في آخر المطاف.

وزعموا أن أحمد نجاد هو شعيب بن صالحٍ – وكان ذلك أيام رئاسته – ثم لما انتهت ولايته هو بنفسه انتقد نظام الجمهوريَّة الإسلاميَّة.

واليوم ينظر كثيرٌ من النَّاس لهذه الأحداث التي تجري الآن ويطبّق الروايات عليها.

وقراءة دعاء العهد، أو تلاوة دعاء الندبة خيرٌ من هذه التنظيرات، والتثقيف للظهور المقدَّس وانتظار الفرج خيرٌ من هذه التأويلات،

وهناك مراجع دين وفقهاء مذهب، هم يرشدون النَّاس إذا ما حدثت علامة أو تحقق أمر.

2024/12/04

«ليس عليك هداهم».. الإقناع ليس وظيفتنا!!

يختلفُ النَّاسُ في كثيرٍ من الأمور، واختلاف الناس في الرأي  سجيَّةٌ لا تُنكر، وتفاوتهم في القناعات غير مستغرب، وبعضهم يحاول جاهداً أن يُقنع الآخر برأيه، سواءً كانت هذه المحاولة عن حبٍّ للحقيقة، أم عشقٍ للغلبة، وليس هذا ولا ذاك من وكد المحاور، فليس عليه إقناع الآخر، بل عليه التبليغ فقط "فإنَّما عليك البلاغ المبين".

[اشترك] 

وليس مجرَّد البلاغ كافياً في حدِّ نفسه، بل يجب أن يكون مبيناً إلى حدٍّ يوجب إلقاء الحجَّة على الآخر، فالبيان غير الواضح، أو الواضح ولكن ليس إلى الدرجة التي يكون فيها حجَّةً على الآخر غير مراد.

  أما الإقناع فليس من وظيفة المرء؛ ولو كان وظيفةً للمرء لكان الأنبياءُ – عليهم السلام - مقصرين في وظائفهم، فكم من نبيٍّ ما آمن معه غير قليل،  وحاشاهم من التقصير؛ لذا ينبغي عدم الإلحاح كثيراً في إقناع الآخر "ليس عليك هداهم" ، اقتنع المقابل كان ذلك خيراً، لم يقتنع هو من يتحمل وزر عدمه، هذا كلُّه على فرض كون قناعتك مطابقةً للواقع، مرضيَّةً عند الله تعالى.

2024/11/22

دروس التاريخ في تصريحات السيد السيستاني

في الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر)، شهدت مدينة النجف الأشرف لقاءً جمع المرجع الديني الأعلى في العراق، السيد علي السيستاني، بممثل الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثتها في العراق (يونامي)، السيد محمد الحسان. جاء هذا الاجتماع ليُسلِّط الضوء على قضايا ملحة ذات صلة بالشأن العراقي والإقليمي، مُثيراً بذلك جدلاً واسعاً في الساحات السياسية والإعلامية.

[اشترك]

رغم أن تصريحات سماحة السيد السيستاني لم تأت بجديد على مستوى التوجيهات، فقد حملت أصداءً تُذكّر بمواقفه الراسخة. فقد أكّد على ضرورة التصدي للتدخلات الخارجية وحثَّ على ترسيخ سلطة القانون وحصر السلاح بيد الدولة، مجسداً بذلك حرص المرجعية على استقلال العراق وحماية سيادته من أي تأثيرات خارجية تُعرقل تطوره أو تُهدد أمنه.

إلى جانب ذلك، دعا السيد السيستاني إلى إصلاح داخلي جاد، مطالباً بوضع خطط مدروسة تعتمد على الكفاءة والنزاهة في تولي المسؤوليات. كما لم تخلُ كلماته من التأمل العميق في الوضع الإنساني المأساوي في لبنان وغزة، حيث أعرب عن أسفه لعجز المؤسسات الدولية عن فرض حلول فعالة أو توفير الحماية اللازمة للمدنيين في وجه العدوان المستمر من الكيان الغاصب. هذه العبارات تحمل في طياتها موقفاً مشرفاً من قضايا الأمة ومبادئ إنسانية ثابتة لم تتغير مع تعاقب الأزمنة.

لكن، ما أثار حالة من الجدل حول هذه التصريحات هو التوقيت الحساس الذي صدرت فيه، وسط تصاعد التوترات السياسية والأمنية في العراق والمنطقة. جاءت كلماته لتُحرك المياه الراكدة وتدعو النخب السياسية إلى اتخاذ مواقف حاسمة. وقد رأينا في البرامج الحوارية حالة من الشد والجذب بين أطراف الحوار، وكأننا ننتظر من النخب السياسية الانصياع والطاعة والحرص على تنفيذ توجيهات المرجعية، وكأنهم لم يسمعوها سابقاً وهي تؤكد ذات المضامين.

 وهنا يكمن جوهر المأساة: تجاهل وتهاون السياسيين في الاستجابة، فلا يعودون إلى المرجعية إلا في الأزمات، متوسلين نصرتها وكأنها سفينة النجاة الأخيرة. وكأن حال المرجعية يقول، كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام حين تخاذل القوم عنه: "أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز". شرح النهج، ج1، ص 202.

وما أشبه حالهم ببني إسرائيل، الذين فزعوا الى المرجعية الدينية وقتها (النبي موسى عليه السلام) لتجد لهم حلاً، لما واجهوا خطر الفتنة والاقتتال الداخلي فأمرهم بذبح بقرة، وضرب المقتول ببعضها، فيحكي لنا القرآن واقعاً من الخذلان وقلة الطاعة مشابها ـ إن لم يكن مطابقاً ـ لما نعيشه اليوم، قال تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ۞ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ۞ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ۞ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، البقرة: 72 ـ 75.

فانظر الى انطباق الآيات الكريمة على واقعنا ـ مع الأسف ـ وانظر الى احتياج المرجعية الدينية (موسى عليه السلام) الى معجزة لأثبات صدق كلامها، مما يكشف عن قلة طاعتهم، وقد برهنوا عليها قبلاً برفضهم الدخول في الأرض المقدسة.

كما ان في الآيات ذماً واضحاً لطريقة القوم، الذين طالبوا بدليل على مقالة النبي ولم يكتفوا بحجية قوله التي ثبتت مسبقاً، وهذا ما نراه اليوم من كثيرين، فبعد ثبوت حجية قوله وصدق عصمته بالمعجزات وجب الأخذ بأمره وطاعته، وهذا بنفسه دليل ملزم على الطاعة.

المشهد اليوم يتكرر، فما أكثر الذين يطالبون بأدلة إضافية على صحة ما تقوله المرجعية، رغم وضوح حجيتها وثبوت عدالتها. لقد برهنت المرجعية على صوابية توجهاتها بالأدلة التي لا يمكن لعاقل إنكارها، فليس ثمة مبرر للتخاذل أو التهاون. ينبغي الاستجابة بصدق وتنفيذ التوجيهات بدلاً من الانتظار حتى تعظم الفجائع وتشتد الأزمات.

فمتى يدرك القوم أن الرجوع إليها ليس ضعفاً بل هو خلاص الأمة من عبث العابثين ومكر الماكرين؟

2024/11/09

محاولات لتطويع بيان المرجعية العليا!

أرى بعضا من الأخوة المنظرين في هذا الفضاء يحاولون -وبالقهر- ليّ عنق بيانات المرجعية لتوافق ميولاتهم ورغباتهم، وكأن المرجعية عاجزة عن الإفصاح عن موقفها لينبري لنا هؤلاء فيفصحوا عن مراد كلامها...

[اشترك]

عزيزي... ومنذ أعوام كانت المرجعية بهذا الموقف الذي صدر اليوم، ولن ينفع الفرار إلى الأمام، فحتى متى وإلى متى، تظلون تهيمون على وجوهكم، تذهبون يمينا وشمالا، فتأتون بشيء هو الأبعد عن ظاهر بيانها، وتخلقون زحمة في طريق فهم عبائرها... 

 

إن كان لكم وجهة أنتم مؤدوها فليكن، لكن أن تنصبوا أنفسكم مفسرين لكلام يفهمه الغرب ولا يفهمه العرب، فتلك شنشنة نعرفها من أخزم.

 

ولن أدخل في تفصيل ذلك، فإن تماحك الخصمين بلا طائل مضيعة للوقت، ويكفي أن نلتفت إلى هذه العبارة في بيان المرجعية ( ولكن يبدو أن أمام العراقيين مسارا طويلا إلى أن يصلوا إلى تحقيق ذلك، أعانهم الله عليه) فهي تحكي جانبا من معاناة المرجعية، وغصة تلهج بها، حتى بثتها إلى الأباعد...

2024/11/05

في تغريدة كوهين.. سخرية عدو وغفلة أمّة!

شارك الصحفي الصهيونيّ المعروف "إيدي كوهين"، يومَ السبت الماضي، صورة للحشود الكبيرة التي حضرت حفلاً غنائياً في مصر يوم الجمعة الماضي، وعلّق على حسابه قائلاً: «هذه هي الأجيال التي ستحاربنا وتحارب الغرب حسب عمر المختار، ههههه»، وهو بتعليقه هذا يقصد الاستهزاء بمقولة الثائر الليبي "عمر المختار": «إنّ موتي ليس النهاية؛ سيكون عليكم مواجهة الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فسيكون عمري أطول من عمر شانقي»!

[اشترك]

رغم إننا نعلم مرام وغايات كوهين هذا من وراء منشوراته، فهو يعمل منذ سنوات في نشر الإحباط والسلبية بين صفوف المسلمين، بينما تجده في القنوات الصهيونية الناطقة بالعبرية يحذر قومه من الصراحة والإقرار بالحقائق، فهو يعلم جيداً أن شباب قومه غارق في المخدرات والتفاهة والشذوذ، وأنهم يساقون إلى الجندية مضطرين، وأنهم يتبولون في بناطيلهم خوفاً من الموت، وأنهم يتقدمون عسكرياً فقط بحبل من الغرب، وأن هذا الكيان لا يملك أن يعيش بإمكانياته شهراً واحداً، فالاقتصاد مدمر والواقع مأزوم، والمعونات سبيلهم الوحيد للحياة..   

كما نجده حريصاً على حث المحللين الصهاينة على نشر الإحباط، وضرورة مخاطبة المسلمين بما يدفعهم الى اليأس.

إلا أن هذا لا يشفع للأمة فيما نراه منها من عدم المبالاة وقلة الاهتمام بما يجري على أخوتهم المسلمين في لبنان وفلسطين، فأين نحن وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع قال وما من أهل قرية يبيت [و] فيهم جائع ينظر الله إليهم يوم القيامة». جامع أحاديث الشيعة، ج16، ص100. فإن كان قلة الاهتمام بجوع او عطش الجار مخرجاً عن الإيمان، فما حال من لم يهتم بقتله وهتكه وسلبه!!

الحقيقة أن الأمة تدجنت بعد ما عملته بها القومية والعلمانية من تغيير مفاهيم وتحويل المسلم لمجرد آلة مستهلكة لمنتجات الغرب المادية والثقافية، وما أشد مطابقة هؤلاء مع ما قصه الشاعر اليوناني القديم هوميروس في ملحمة "الأوديسا" وهو يحكي عن البطل أوديسيوس ورفاقه الذين سحرتهم سيرسي وحوّلتهم بسحرها إلى خنازير، وكيف حزن أوديسيوس لذلك، وبذل كل ما بوسعه ليجد الترياق الذي يعيد رفاقه (الخنازير) إلى هيأتهم البشرية ويحررهم من عيشة الخنازير. بيد أن رفاق أوديسيوس، بعد أن اعتادوا حياة الخنازير أبوا أن يأخذوا الترياق، وفرّوا منه، وعندما أمسك بأحد رفاقه الخنازير نهره رفيقه (الخنزير)، وعاتبه على محاولته تحريره ورفاقه من عيشتهم الحيوانية، وأخذ يمتدح العيشة البهيمية، فهي عيشة تتلذذ فيها الخنازير بما لذ وطاب، وتتمرغ في الوحل بلا مسؤولية متى تشاء، وتأكل وتشرب بلا هموم أخلاقية ولا التزامات اجتماعية، وتتلذذ بعلاقات جنسية لا تعرف الحب ولا الواجبات والمسؤوليات الأسرية ولا الروابط الاجتماعية وتعيش في استقرار لا يحمل هموم الحرية والكرامة الإنسانية، بل في استقرار لا يطيق صوت الحرية ومسؤولياتها وعواقبها.

هؤلاء هم الذي وصفهم القرآن بالأنعام، بل هم أضل سبيلاً، في قوله تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، الفرقان: 44. ووصفهم بالقردة والخنازير: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ۚ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ۚ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ)، المائدة: 60.والقرآن الكريم حين وصف بعض الناس بالأنعام أو بالمسخ إلى قردة وخنازير، كان ذلك لتوضيح الانحدار الأخلاقي والروحي الذي قد يصيب الفرد أو المجتمع إذا انسلخ عن قيمه ومبادئه، فأصبح يعيش كالأنعام، همه الشهوة واللذة الفورية، دون النظر إلى الواجبات والمسؤوليات الأوسع التي تقع على عاتقه كفرد في مجتمع أكبر.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الأمة اليوم هو كيف تعود إلى المبادئ التي حث عليها الإسلام، وكيف تستعيد روح الأخوة والتكافل، لتقف متماسكة في وجه كل من يسعى لتفريقها وتثبيط عزيمتها. 

إن استجابة الأمة لا يجب أن تكون في الاستهزاء أو التراجع، بل في العمل الجاد والمستمر لإعادة بناء روابط القوة والوحدة، لأن هذه الروابط هي الضمان الوحيد لمواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.

2024/10/30