تاريخ
في اليمن وطبرستان.. من هم الزيدية؟

لم يكن زيد الشهيد صاحب نهج كلامي ولا فقهي، فلو كان يقول بالعدل والتوحيد ويكافح الجبر والتشبيه، فلأجل أنّه ورثهما عن آبائه (عليهم السّلام)، وإن كان يفتي في مورد أو موارد، فهو يصدر عن الحديث الّذي يرويه عن آبائه.

نعم، جاء بعد زيد مفكّرون وعاة، وهم بين دعاة للمذهب، أو بناة للدولة في اليمن وطبرستان، فساهموا في إرساء مذهب باسم المذهب الزيدي، متفتّحين في الأُصول والعقائد مع المعتزلة، وفي الفقه وكيفيّة الاستنباط مع الحنفيّة، ولكن الصلة بين ما كان عليه زيد الشهيد في الأُصول والفروع وما أرساه هؤلاء في مجالي العقيدة والشريعة منقطعة إلاّ في القليل منهما.

ولا أُغالي إذا قلت: إنّ المذهب الزيدي مذهب ممزوج ومنتزع من مذاهب مختلفة في مجالي العقيدة والشريعة، ساقتهم إلى ذلك الظروف السائدة عليهم، وصار مطبوعاً بطابع مذهب زيد، وإن لم يكن له صلة بزيد إلاّ في القسم القليل.

[اشترك]

ومن ثَمَّ التقت الزيديّة في العدل والتوحيد مع شيعة أهل البيت جميعاً، إذ شعارهم في جميع الظروف والأدوار رفض الجبر والتشبيه، والجميع في التديّن بذينك الأصلين عيال على الإمام عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام)، كما أنّهم التقوا في الأُصول الثلاثة: ـ

1 ـ الوعد والوعيد.

2 ـ المنزلة بين المنزلتين.

3 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ـ مع المعتزلة حيث أدخلوا هذه الأُصول في مذهبهم ورتّبوا عليه:

1 ـ خلود مرتكب الكبيرة في النار إذا مات بلا توبة، وحرمانه من الشفاعة؛ لأنّها للعدول دون الفسّاق.

2 ـ الشفاعة؛ بمعنى ترفيع الدرجة، لا الحطّ من الذنوب.

3 ـ الفاسق في منزلة بين المنزلتين؛ فهو عندهم لا مؤمن ولا كافر بل فاسق.

فاستنتجوا الأمرين الأوّلين من الأصل الأوّل، والثالث من الأصل الثاني.

وأمّا الأصل الثالث، فهو ليس من خصائص الاعتزال، ولا الزيديّة، بل يشاركهم الإماميّة. هذه عقائدهم في الأُصول.

وأمّا الفروع فقد التفّت الزيديّة حول القياس والاستحسان والإجماع، وجعلوا الثالث بما هو هو حجّة، كما قالوا بحجيّة قول الصحابي وفعله، وبذلك صاروا أكثر فِرق الشيعة انفتاحاً على أهل السنّة.

ولكن العلامة الفارقة والنقطة الشاخصة الّتي تميّز هذا المذاهب عمّا سواه من المذاهب، ويسوقهم إلى الانفتاح على الإماميّة والإسماعيليّة، هو القول بإمامة عليّ والحسنين بالنصّ الجليّ أو الخفيّ عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والقول بأنّ تقدّم غيرهم عليهم كان خطأ وباطلاً.

وها نحن نأتي برؤوس عقائدهم الّتي يلتقون في بعضها مع المعتزلة والإماميّة:

1 ـ صفاته سبحانه عين ذاته، خلافاً للأشاعرة.

2 ـ إنّ الله سبحانه لا يُرى ولا تجوز عليه الرؤية.

3 ـ العقل يدرك حسن الأشياء وقبحها.

4 ـ الله سبحانه مريد بإرادة حادثة.

5 ـ إنّه سبحانه متكلّم بكلام، وكلامه سبحانه فعله: وهو الحروف والأصوات.

6 ـ أفعال العباد ليست مخلوقة لله سبحانه.

7 ـ تكليف ما يطاق قبيح، خلافاً للمجبّرة والأشاعرة.

8 ـ المعاصي ليس بقضاء الله.

9 ـ الإمامة تجب شرعاً لا عقلاً، خلافاً للإمامية.

10 ـ النصّ على إمامة زيد والحسنين عند الأكثريّة.

11 ـ القضاء في فدك صحيح، خلافاً للإماميّة.

12 ـ خطأ المتقدّمين على عليّ في الخلافة قطعيّ.

13 ـ خطأ طلحة والزبير وعائشة قطعيّ.

14 ـ توبة الناكثين صحيحة.

15 ـ معاوية بن أبي سفيان فاسق لبغيه لم تثبت توبته.

هذه رؤوس عقائد الزيديّة استخرجناها من كتاب (القلائد في تصحيح الاعتقاد)، المطبوع في مقدّمة البحر الزخّار.(1)

(1) البحر الزخّار: 52 ـ 96

من كتاب المذاهب الإسلامية لسماحة آية الله الشيخ جعفر السبحاني
2026/07/15

ما هي أسباب ثورة زيد بن علي «الشهيد» ضد الأمويين؟

ثار زيد على الحكم الأموي بوحي من عقيدته التي تمثل روح الإسلام وهديه، فقد رأى باطلاً يُحيا، وصادقاً يُكذَّب، وأَثَرَةً بغير تُقى، ورأى جوراً شاملاً، واستبداداً في أمور المسلمين فلم يسعه السكوت. يقول بعض شيعته: خرجتُ معه إلى مكة، فلما كان نصف الليل، واستوت الثريا قال لي:

«أما ترى هذه الثريا؟ أترى أحداً ينالها؟»

«لا».

«والله لوددت أن يدي ملصقة بها، فأقع إلى الأرض أو حيث أقع، فأتقطع قطعة قطعة، وأن الله يصلح بين أمة محمد (صلى الله عليه وآله)...».

[اشترك]

ودل حديثه على مدى نزعته الإصلاحية، وإخلاصه العظيم لأمة جده (صلى الله عليه وآله)، وتفانيه في سبيل الإصلاح العام.

وروى عيسى بن عبد الله عن جده محمد بن عمر بن علي (عليهم السلام) قال: كنت مع زيد بن علي حين بعث بنا هشام إلى يوسف بن عمر، فلما خرجنا من عنده، وسرنا حتى كنا بالقادسية قال زيد: «اعزلوا متاعي عن أمتعتكم». فقال له ابنه: «ما تريد أن تصنع؟» قال: «أريد أن أرجع إلى الكوفة، فوالله لو علمت أن رضا الله (عز وجل) عني في أن أقدح ناراً بيدي حتى إذا اضطرمت رميت نفسي فيها لفعلت! ولكن ما أعلم شيئاً أرضى لله (عز وجل) عني من جهاد بني أمية».

إنه لم يفجر ثورته الكبرى طمعاً بالخلافة والمُلك، وإنما كان يبغي وجه الله والدار الآخرة، وقد رأى أن مناهضة أولئك الظالمين من أعظم ما يقربه إلى الله.

ويَمَّمَ زيد وجهه نحو الكوفة؛ لأنها المركز العام للشيعة، ولأن أهلها طلبوا منه القدوم إليهم ليأخذ منهم البيعة على مناهضة الحكم الأموي والإطاحة به. ويقول المؤرخون إن جماعة من المخلصين لزيد حذروه من القدوم إلى الكوفة، وعذلوه عن الوثوق بالكوفيين لما عُرفوا به من الغدر ونقض العهود، إلا أنه لم يُعنَ بذلك؛ فإنه لم يجد موطناً تتوفر فيه الاستراتيجية للثورة سوى الكوفة، وجعل زيد يتمثل بقول عنترة العبسي:

> بكّرت تخوّفني المنون كأنني ... أصبحتُ عن عرض الحياة بمعزلِ

> فأجبتها إن المنية منهلٌ ... لا بد أن أُسقى بكأس المنهلِ

ودل هذا الشعر على عزمه وتصميمه على الخوض في ميادين الكفاح المسلح، وأنه يسعى بكل جرأة وإقدام ليحتسي كأس المنية، ولا يعيش ذليلاً مضاماً، شأنه شأن جده الإمام الحسين سيد الأحرار والأُباة في الإسلام.

[اشترك]

ولما انتهى زيد إلى الكوفة بادر أهلها إليه، فرحبوا به ترحيباً حاراً، وأسرعوا إليه يبايعونه حتى بلغ عدد المبايعين خمسة عشر ألفاً، وقيل أكثر من ذلك. وبايعه الفقهاء والقضاة وأعلام الفكر والأدب؛ كالأعمش، وسعد بن كدام، وقيس بن الربيع، والحسن بن عمارة وغيرهم. وسُئل أبو حنيفة عن خروج زيد فقال: «ضاهى خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر»، وقال: «لو علمت أن الناس لا يخذلونه كما خذلوا أباه لجاهدت معه؛ لأنه إمام بحق، ولكن أعينه بمال».

أما صيغة البيعة التي أخذها زيد على من بايعه فهي: «إنا ندعوكم إلى كتاب الله، وسنة نبيه، وجهاد الظالمين، والدفع عن المستضعفين، وإعطاء المحرومين، وقَسْم هذا الفيء بين أهله، ورد المظالم، ونصرة أهل الحق...».

وتعطي هذه الصيغة صورة عن المبادئ الأصلية التي ثار من أجلها زيد وهي:

[اشترك]

  1. الدعوة إلى إحياء كتاب الله وسنة نبيه، فقد أقصتهما السياسة الأموية عن واقع الحياة.
  2. جهاد الظالمين من حكام بني أمية الذين ساسوا المسلمين بالظلم والجور، وأرغموهم على ما يكرهون.
  3. الدفاع عن حقوق المستضعفين، وتوفير العطاء للمحرومين، فقد حُرموا من جميع حقوقهم الشرعية طيلة الحكم الأموي.
  4. قسمة الفيء وسائر الحقوق المالية على المسلمين بالسواء، فقد نهبها الأمويون وأنفقوها على ملذاتهم ورغباتهم الخاصة.
  5. نصرة دعاة الحق الذين يُعنَون بشؤون الأمة، ويسهرون على صالحها، وهم الهداة من أهل البيت (عليهم السلام).

لقد ثار زيد من أجل أن يحقق هذه الأهداف العظيمة في ربوع الوطن الإسلامي الكبير، وينقذ الأمة من عسف الأمويين وظلمهم وبطشهم. وبعدما توفرت لزيد القوة العسكرية الهائلة التي يبلغ عددها -فيما يقول بعض المؤرخين- أربعين ألفاً، رأى أن يفجر الثورة، ويزحف بجيوشه لاحتلال الكوفة والإطاحة بالحكم الأموي.

وانطلقت جيوشه من جبانة سالم وهي تهتف بحياة زعيمها العظيم زيد وسقوط الحكم الأموي، وتنادي بشعار الشيعة: «يا منصور أَمِت». ولما رأى زيد الرايات تخفق على رأسه قال: «الحمد لله الذي هداني، والله إني كنت أستحي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أرد الحوض ولم آمُر بمعروف». وخطب في جيوشه فقال لهم: «عليكم بسيرة أمير المؤمنين علي بالبصرة والشام؛ لا تتبعوا مدبراً، ولا تُجْهِزوا على جريح، ولا تفتحوا مغلقاً، والله على ما نقول وكيل».

وبدأت الحرب في ليلة شديدة البرد، لسبعٍ بقين من المحرم سنة (122 هـ)، وجرت مناوشات واصطدام مسلح بين أتباع زيد وبين الجيوش الأموية تحت قيادة والي الكوفة يوسف بن عمر.

الخيانة والغدر

وخان أهل الكوفة بزيد وغدروا به بعدما عاهدوا الله على نصرته والذب عنه، فقد أسلموه عند الوثبة، وتركوه مع القلة من أصحابه في ميدان الجهاد، ولما رأى زيد تخاذلهم راح يقول:

«فعلوها حسينية!».

لقد غدروا به كما غدروا بجده الحسين من قبل، وأيقن زيد بفشل ثورته، واستبان له أن لا ذمة لأهل الكوفة، ولا وفاء لهم، وقد خاض مع أصحابه الحرب في شوارع الكوفة وأزقتها، وأبلى في المعركة بلاءً حسناً، وما رأى الناس قط فارساً أشجع منه.

في ذمة الخلود

وأبدى زيد من البسالة والبطولة ما يفوق حد الوصف، فقد أخذ يلاحق الجيوش وينزل بها أفدح الخسائر، ولم يستطع الجيش الأموي أن يصمد أمام الضربات المتلاحقة التي يصبها عليهم زيد، وكان يحمل عليهم ويتمثل بقول الشاعر:

> أُذلُّ الحياةَ وعِزُّ المماتِ ... وكُلٌّ أراهُ طعاماً وَبيلا

> فإنْ كانَ لا بُدَّ مِنْ واحدٍ ... فسيري إلى الموتِ سيراً جميلا

لقد آثر زيد عز الممات على ذل الحياة كما آثر ذلك آباؤه، فلم يخضع للذل والعبودية، ومات عزيزاً تحت ظلال السيوف والرماح.

ولما جنح الليل، رُمِي زيد بسهم غادر فأصاب جبهته، ووصل إلى دماغه الشريف الذي ما فكر إلا في صالح الإنسان وسعادته. وحلت الكارثة بأصحابه، وهاموا في تيارات مذهلة من الأسى والحزن، وطلبوا له طبيباً، فانتُزِع منه السهم فتُوفِّي من فوره، وقد انطفأت بذلك الشعلة الوهاجة التي كانت تضيء الطريق وتوضح القصد للمسلمين.

لقد استشهد زيد من أجل أن يحقق العدالة الاجتماعية في الأرض، ويحقق للمسلمين الفرص المتكافئة، ويوزع خيرات الأرض على الفقراء والمحرومين الذين كفرت السلطة الأموية بجميع حقوقهم.

ويقول المؤرخون: إن أصحاب زيد حاروا في مواراة جثمانه خوفاً عليه من السلطة التي لا تتورع عن التمثيل الآثم به، وبعد المداولة صمموا على مواراته في نهر هناك، فانطلقوا إلى النهر، فقطعوا ماءه، وحفروا فيه قبراً، وواروا الجسد الطاهر فيه، ثم أجروا الماء، وانصرفوا وهم يذرفون الدموع على القائد العظيم الذي تبنى حقوق المظلومين والمضطهدين.

وكان مع أصحاب زيد أحد عيون السلطة يراقب تحركاتهم، فبادر مسرعاً إلى الكوفة وأخبر حاكمها بموضع الدفن، فأمر بنبش القبر وإخراجه منه فأُخرج، وحُمل إلى قصر الكوفة، وأمر بصلبه منكوساً في سوق الكناسة، وعمدوا إلى احتزاز رأسه الشريف. وأُرسل هدية إلى طاغية الشام هشام بن عبد الملك، وأمر الرجس بوضع الرأس في مجلسه، وأمر جميع من يدخل عليه أن يطأه بحذائه مبالغة في توهينه، وجعلت الدجاج تنقر دماغه، وفي ذلك يقول الشاعر:

> أطردوا الديك عن ذؤابة زيد ... طالما كان لا تطأه الدجاج

> ابن بنت النبي أكرم خلق ... الله زين الوفود والحُجّاج

> حملوا رأسه إلى الشام ركضاً ... بالسرى والبكور والإدلاج

وأمر الطاغية بنصب الرأس الشريف على باب دمشق، ثم أُرسل إلى المدينة، فنُصب عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله) يوماً وليلة، ثم أرسله إلى مصر، كل ذلك لإذاعة الخوف والإرهاب بين الناس، وإعلامهم بقدرة السلطة على سحق أية معارضة تقوم ضدها.

وكتب طاغية دمشق إلى السفاح يوسف بن عمر حاكم الكوفة بأن يُبقي زيداً مصلوباً، ولا ينزله عن خشبته قاصداً بذلك إذلال العلويين والاستهانة بشيعتهم. وقد فاته أن ذلك قد أوقد نار الثورة في نفوسهم، وزادهم عزماً وتصميماً على التضحية في سبيل مبادئهم. وقد افتخر الأمويون بإبقاء جثة زيد مصلوبة، واعتز بذلك وغدٌ من عملائهم وهو الحكيم بن عياش يقول:

> صلبنا لكم زيداً على جذع نخلةٍ ... ولم نَرَ مهدياً على الجذع يُصلَبُ

> وقستم بعثمانَ عليّاً سفاهةً ... وعثمانُ خيرٌ من عليٍّ وأطيبُ

حفنة من التراب في فيه! فإن زيداً إنما صُلب دفاعاً عن حقوق المظلومين والمضطهدين، وصُلب من أجل أن يحقق العدالة الاجتماعية في الأرض، ويقضي على الغبن الاجتماعي والتلاعب بمقدرات الأمة وخيراتها.

ولما بلغ هذا الشعر الإمام أبا عبد الله الصادق، تألم كأشد ما يكون التألم، ورفع يديه بالدعاء قائلاً: «اللهم إن كان عبدك كاذباً فسلط عليه كلبك». واستجاب الله دعاء الإمام فافترسه أسد وهو يدور في سكك الكوفة، ولما انتهى خبره إلى الإمام سجد لله شاكراً وهو يقول: «الحمد لله الذي أنجزنا وعده».

=============

المصادر والمراجع:

[1] مقاتل الطالبيين (ص 129).

[2] تيسير المطالب (ص 108 - 109).

[3] الروض النضير 1 / 75.

[4] مقاتل الطالبيين.

[5] الكامل 5 / 56.

[6] أنساب الأشراف 3 / 203.

[7] الطبري 8 / 273.

[8] عمدة الطالب 2 / ورقة 127 من مصورات مكتبة الحكيم.

[9] الحدائق الوردية 1 / 148.

[10] أنساب الأشراف 3 / 202.

[11] يُراجع في تفصيل الحادث المؤلم إلى: "زيد الشهيد" للمقرم، و"ثورة زيد بن علي" لناجي حسن، وإلى "عقائد الزيدية" للمؤلف.

[12] شرح ابن أبي الحديد.

[13] النزاع والتخاصم (ص 7).

[14] أنساب الأشراف 3 / 292.

[15] الطبري 8 / 77.

[16] عمدة الطالب (ص 258).

[17] السيرة الحلبية 1 / 327.

[18] المصدر: كتاب حياة الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) - دراسة وتحليل للعلامة الشيخ باقر شريف القرشي (رحمه الله).

2026/07/14

أين وكيف مات يزيد بن معاوية؟
خاص لموقع الأئمة الاثني عشر - قال تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين) سورة النحل: 45-46

تكاد تكون نهاية يزيد بن معاوية واحدة من أكثر المواضيع إثارة للجدل والغموض في مدونات، فبينما اتفقت الروايات على تحديد البقعة الجغرافية التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة، انفتحت روايات آخرى على مصراعيها لرصد سيناريوهات مختلفة، لكيفية موته.

[اشترك]

أورده ابن قتيبة الدينوري في كتابه "المعارف" أن فترة ولاية يزيد لم تتجاوز ثلاث سنين وبعض شهور، ليعاجله الموت في بلدة "حوارين" من أعمال دمشق سنة أربع وستين للهجرة، وهو في الثامنة والثلاثين من عمره. وهذا التحديد لقرية "حوارين" الشامية يبدو بمثابة خيط الإجماع التاريخي الذي التقت عنده الروايات، إذ يسجل البلاذري في "أنساب الأشراف" نقلاً عن أبي اليقظان أن يزيد—الذي تولى سنة ستين للهجرة—هلك في تلك البقعة بالذات.

ويقترب اليعقوبي من هذا السياق مؤكداً وفاته في حوارين في شهر صفر من العام نفسه، بينما يشير ابن عبد ربه في "العقد الفريد" إلى موته ودفنه في حوارين خارج حدود دمشق. أما المسعودي في مروجه، فيذهب إلى تحديد أدق للزمن، جاعلاً يوم هلاكه لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستين، عن عمر يناهز ثلاثاً وثلاثين سنة.

المسعودي ينقل عن رجل من قبيلة "عنزة" قوله متهكماً:

يا أيها القبر بحوّارِينا *** ضممت شَرَّ الناس أجمعينا

وعلى النقيض تماماً، يأتي رثاء الشاعر النصراني الأخطل الذي بكى يزيد في قصيدته قائلاً:

مقيم بحوَّارِينَ ليس يَريِمُها *** سقته الغوادي من ثَويٍ ومن قبر

وبين هاتين الصورتين، يقدم ابن حبان تاريخاً مغايراً بنحو شهر، جاعلاً وفاته لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين، وهي الرواية ذاتها التي يدعمها ابن العديم في "زبدة الحلب" مؤكداً أن حوّارين الشام كانت محطته الأخيرة.

[اشترك]

أما في كيفية موته:

في طليعة الروايات ما تفرضه صورة السلوك اليومي ليزيد في كتب المؤرخين، حيث ينقل البلاذري عن شيخ شامي أن سبب الوفاة يعود إلى إفراطه في الشراب، إذ حمل قردة على أتان وهو مخمور، وراح يركض خلفها حتى سقط فاندقت عنقه أو انقطع في جوفه شيء. وفي رواية أخرى يسندها البلاذري إلى ابن عياش، يظهر يزيد خارجاً للصيد سكراناً بحوارين، ممتطياً فرسه وأمامه أتان وحشية عليها قرد، وراح يسوقها منشداً بخيلاء:

أبا خلف، احتل لنفسك حيلة *** فليس عليها إن هلكت ضمان

فسقط مغشياً عليه لتدق عنقه أرضاً.

هذه النهاية المرتبطة بالخمر والرقص يعيد ابن حبان صياغتها برواية تقول إن يزيد سكر ليلة وقام يرقص، فاختل توازنه وسقط على رأسه فتناثر دماغه. وهي ذات الحكاية التي يرويها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن محمد بن أحمد بن مسمع، مؤكداً انشقاق رأسه وبروز دماغه، ليعلق الذهبي على شخصية يزيد واصفاً إياه بأنه كان "ناصبياً، فظاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر".

أما ابن حمدون في تذكرته، فيورد رواية مختلفة للحادثة يرويها أبو عمرو الشيباني، تبتعد عن القردة وتقترب من مجازفة الخيل، ومفادها أن يزيد شرب حتى ثمل، ثم ركب فرساً وصعد بها جبلاً حتى شارف على هوة تفصله عن جبل آخر، فأراد أن يثب بفرسه ليعبر الصدع وقرعها بالسوط، فوثبت الفرس لكنها سقطت في الهوة ليلقى حتفه فوراً.

[اشترك]

وفي كتاب "البداية والنهاية"، يرسم ابن كثير صورة لطقوس يزيد اليومية، مبيناً ولعه بالمعازف والغناء، والكلاب، ومناطحة الكباش، وصراع الدباب والقرود، حتى إنه كان يصبح مخموراً كل يوم، ويربط القرد بحبال على خيل مسرجة ويلبسه قلانس الذهب كالغلمان، ويحزن عليه حزناً شديداً إذا نفق. وينقل ابن كثير أن إحدى الروايات تعزو وفاته إلى قردة كان يلاعبها وينقزها فعضته عضة تسببت في هلاكه.

بالمقابل، تقدم بعض المراجع تفسيراً آخر، إذ ينقل ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" أن يزيد توفي بعد وفاة مسلم بن عقبة بنيّف وسبعين يوماً بسبب إصابته بـ"الذبحة وذات الجنب". وفي لغة العرب، كما يعود بنا ابن منظور في لسان العرب، فإن "الذُّبَحة" وجع شديد يأخذ في الحلق من الدم، أو هي قرحة تسد مجرى النفس حتى تقضي على المريض خنقاً.

و ينقل السيد ابن طاووس في كتابه "اللهوف" عن كتاب لأبي مخنف تفاصيل رحلة الصيد الأخيرة ليزيد. تذكر الرواية أن يزيد خرج في عشرة آلاف فارس للصيد، وابتعد مسيرة يومين عن دمشق، فلاح له غزال (ظبية)، فمنع أصحابه من تتبعه وانطلق خلفها بمفرده من وادٍ إلى وادٍ حتى أضاعها في وادٍ مهول، وأنهكه العطش الشديد. هناك، التقى برجل يحمل صحناً من الماء، فلما سقاه قال له يزيد متباهياً: "لو عرفتَ من أنا لازددتَ من كرامتي"، فسأله الرجل عن هويته، فقال: "أنا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية". عندئذ انتفض الرجل صائحاً: "أنت—والله—قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يا عدو الله؟"، وهمّ بالقبض عليه، فنفر الفرس وسقط يزيد أرضاً بعد أن علقت رجله بالركاب، فجعل الفرس يركض فزعاً ويزيد يرتطم بالصخور والرماد خلفه حتى تمزق جسده إرباً إرباً. ولم يجد ندماؤه العشرة المقربون الذين اقتفوا أثره ليعرفوا خبره سوى فرسه الشاردة وقد علق بالركاب فخذه الممزقة، لتعلو الصيحات في المعسكرين ويعودوا بجريرتهم إلى دمشق.

[اشترك]

وتلتقي هذه النهاية العقابية مع تلك الرؤية التي نقلها مقتل الخوارزمي عن عمر بن عبد العزيز في قوله: "رأيتُ فيما يرى النائم أنَّ القيامة قد قامت—إلى أن قال—ثم مررت على وادٍ من نار فإذا رجل فيه، كلَّما أراد أن يخرج قُمع بمقامع من نار، فقلت من هذا؟ قيل يزيد بن معاوية".

2026/07/14

الإمامة في زمن الانحراف الأموي.. كيف حصّن الإمام السجاد (ع) هوية الأمة؟

وُلد الإمام عليُّ بن الحسين (ع) في المدينة يوم الخامس من شعبان سنة ثمانٍ وثلاثين من الهجرة، وأدرك من حياة جدِّه أمير المؤمنين (ع) سنتين وقام بمسئوليَّة الإمامة بعد استشهاد والدِه الإمام الحسينِ الشهيد (ع) وكان عمرُه الشريف آنذاك اثنين وعشرينَ سنة أو ثلاثاً وعشرينَ سنة، واستُشهد (ع) على يد الوليد بن عبد الملك الخليفةِ الأموي بعد أنْ دسَّ إليه السمَّ بواسطة عاملِه على المدينة، وقيل إنَّ الذي سمَّه هشام بن عبد الملك، وكان ذلك في ملك الوليد بن عبد الملك، سنة خمسٍ وتسعينَ للهجرة وقيل قبل ذلك(1) فكانت مدَّةُ إمامتِه تقتربُ من الخمسة والثلاثين سنة.

[اشترك]

سراجُ الدنيا وجمالُ الإسلام:

كان يكنى بأبي الحسن وأبي محمد، وأمَّا ألقابُه فكثيرة، منها ذو الثفنات إشارةً إلى أثر السجود الذي كان يعلو جبهتَه النيِّرةَ والناصعةَ بالجلال، ويُلقَّب كذلك بسيِّد العابدين، فلم يُؤثَر عن أحدٍ في تاريخ الإسلام بعد أمير المؤمنين  (ع) بلغَ مبلغَه في العبادة والزهدِ والنُسُك، وكذلك كان يُلقب بالأمينِ، والزكيِّ، وزينِ الصالحين والسجَّاد، وهي بعضُ صفاتِه ومحاسنِ خصاله، والتي بلغَ منها مبلغَ الكمال، فكان هو الأجدرَ بها دون عباد الله تعالى، واشهرُ ألقابِه بين المسلمين زينُ العابدين، فكانَ موضعَ تعظيمٍ وإكبار لدى عامَّة المسلمين، فقد قال عنه الصحابيُّ الجليل جابرُ بن عبد الله الأنصاري: "ما رُؤيَ في أولاد الأنبياء مثلُ عليِّ بن الحسين .."(2). وأبَّنه عمرُ بن عبد العزيز الأموي -كما في تاريخ اليعقوبي- بقوله: "ذهب سراجُ الدنيا، وجمالُ الإسلام، وزينُ العابدين"(3) وقال عنه سعيدُ بن المسيَّب أحد كبار التابعين: "هذا الذي لا يسعُ مسلماً أنْ يجهلَه(4) وقال: ما رأيتُ قطُّ أفضلَ من عليِّ بن الحسين، وما رأيتُه قطُّ إلا مقتُّ نفسي"(5) و"وما رأيتُ أورعَ منه"(6).

وروى الشيخُ الصدوق بسنده عن عمران بن سليم قال: كان الزهري -وهو مِن كبار محدِّثي العامَّة- إذا حدَّث عن عليِّ بن الحسين (ع) قال حدَّثني زينُ العابدينَ عليُّ بن الحسين، فقال له سفيان بن عيينة: ولِمَ تقولُ له زينَ العابدين؟ قال: لأنِّى سمعتُ سعيد بن المسيَّب يُحدِّث عن ابن عباس، أنَّ رسولَ الله (ص) قال: "إذا كان يومُ القيامة ينادي منادٍ أين زينُ العابدين فكأنِّي انظر إلى ولدي عليِّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب يخطر بين الصفوف"(7) وأورد هذا الرواية من طريقٍ آخر عن الإمامِ الصادق (ع)(8).

آثاره العلميَّة:

وأمَّا آثاره العلميَّة فقد دوَّن العلماءُ من أبناء الشيعة -وكذلك السنَّة- الكثيرَ ممَّا أُثرَ عن الإمام (ع) من أحاديثَ كان يُلقيها في المسجدِ النبويِّ الشريف كلَّ جمعة، وفي موسم الحجِّ وفي مجلسه العامرِ بالعلماء والروَّاد -وقد كانت أحاديثُه تبيانًا للمعارف الإسلاميَّة حيثُ كان يتصدَّى فيها لتفسيرِ القرآن المجيد والسنَّة الشريفة والتعريف بالعقائد الدينيَّة، والأحكامِ الشرعيَّة ومعالجة ما أشكلَ منها على الناس، هذا بالإضافةِ إلى ما زخرتْ به أحاديثُه من مواعظَ وحكَم، ولهذا وجدَ العقلاءُ وطلبةُ العلم والمحدِّثونَ والزهَّاد ضالَّتهم عند منبرِه وفي مجلسِه.

التعريف بالصحيفة السجاديَّة:

ومن آثاره أيضًاً الصحيفةُ السجَّاديَّة، ورسالةُ الحقوق:

أمَّا الصحيفة السجَّاديَّة فهي مجموعة من الأدعية أملاها أو دوَّنها في مُدوّنةٍ مستقلَّة، وقد وصلت إلينا بطرقٍ متعدِّدة ومتكاثرة، وفيها ما هو معتبرٌ سنداً وهو ما يُوجبُ الاطمئنانَ بصدورها عن مولانا الإمام السجاد (ع)، وكلُّ طرقِها وأسانيدِها تنتهي إلى الإمام الباقر (ع) والشهيد زيد بن عليٍّ السجاد.

هذا وقد اهتمَّ المسلمون بها اهتماماً بالغاً نظراً لما اشتملت عليه من معانٍ سامية وأسلوبٍ بلاغيٍّ بديع قلَّ نظيره في التراث الإسلامي، ولذلك عبَّر عنها العلماءُ بزبور آلِ محمد (ص) وبإنجيل أهل البيت (ع).

وقد اعتنى العلماء جيلاً بعد جيل بالصحيفة عنايةً متميِّزة، فقد تصدَّى العديدُ منهم لشرحها، حتى أُحصيَ من شروحها ثمانية وستون شرحاً، غير الشروح التي كانت لبعض أدعيتها كشرح دعاء مكارم الأخلاق ودعاء الصباح والمساء، وقد تصدَّى آخرون لضبط متونِها، وانبرى آخرونَ لترجمتها إلى اللغة الفارسية والإنجليزيَّة والفرنسية والألمانية والأردو وغيرها، وتصدَّى عددٌ من العلماء للبحث في مصادر الحديث عن أدعيةٍ أخرى للإمام السجاد (ع) لتكون بعد ذلك ملحقاً بالصحيفة السجاديَّة، فهي وإنْ كانت قد اشتملت على أربعة وخمسين دعاءً إلا أنَّ الشيخ الحرَّ العاملي ألحقَ بها عشرة أدعية للإمام السجَّاد استخرجها من الأصول المعتمَدة لدينا، ثم جاء الميرزا حسين النوري صاحب المستدرك على الوسائل ليُضيف إلى الصحيفة أدعيةً أخرى للإمام السجاد (ع) يبلغُ مجموعُها سبعاً وسبعين دعاءً استخرجها جميعاً من الكتب الروائية ثم جاء المحقق السيد محسن الأمين العاملي ليضيف -إلى ما وقف عليه العلماء من أدعية للإمام السجاد (ع)- اثنين وخمسين دعاءً ليُصبح المجموعُ مائةً واثنين وثمانين دعاءً كلُّها مروية عن الإمام السجاد (ع) ومذكورة في مصادر الحديث.

هذا وقد ضمَّن الإمامُ (ع) هذه الأدعية الكثير من المعارف الإسلاميَّة والاعتقادات الدينيَّة. كالتوحيد وأصوله وموجباته ونواقضه والعدل الإلهي وسائر الصفات الذاتية والثبوتيَّة لله جلَّ وعلا ومسائل النبوَّة والإمامة والمعاد، وغيرها من المعارف الدينية المتَّصل منها بالإلهيَّات وبأصول العقيدة والتشريع الإسلامي والمُثُلِ والقيمِ الدينيَّة، كما اشتملت على تبيان أُصول النظام الاجتماعي من منظورٍ ديني، هذا بالإضافة إلى ما تضمَّنته الصحيفة من تركيزٍ على تهذيب النفس والسلوك والوسائل المُفضية لذلك، وكيف يتمُّ التحلّي بمكارم الأخلاق، وما هي السبل التي تُفضي بالإنسان إلى مدارج الكمال، وكيف يتسنَّى له توثيقُ علاقته بمعبودِه. وما هي الآدابُ التي ينبغي أنْ يكونَ عليها المؤمنُ في مختلف أحوالِه وحينما يناجي ربَّه.

ورغم أنَّها جاءت بصيغة الدعاء والمناجاة إلا أنَّها احتفظت بالصبغة البرهانيَّة المتناسبة مع هذه المسائل، ثم إنَّ هذه الأدعية لم تقتصرْ مضامينُها على ما ذكرناه بل إنَّها اشتملت على الكثير من المعالجات النفسية والتربويَّة، والكثيرِ من القِيم والمبادئ الاجتماعيَّة، فكانت بحقٍّ واحةً لصناعة الإنسان الكامل والمجتمع الكامل.

ذلك لأنَّها سبَرت أعماقَ الإنسان لتضع يدَه على مكامِن الداء ثم تصدَّت لوصف الدواء بأسلوب أخَّاذٍ ورائقٍ يفيضُ عذوبةً ويبعثُ في النفسِ عنفوانًا جامحًا ومتمرِّدًا على مباعث الدِّعة والاسترخاء.

تعريفٌ برسالة الحقوق:

وأمَّا رسالةُ الحقوق فهي نتاجٌ غيرُ مسبوق، إذ لم يُؤثَرْ عن أحدٍ من العلماء أو الفلاسفة في الحضارات التي سبقتِ الإسلام أنَّه كَتب رسالةً مستقلَّة في الحقوق، هذا وقد بلْورَ الإمامُ (ع) في هذه الرسالة الرؤيةَ الإسلاميَّة الصافية تِّجاه ما ينبغي أنْ يكون عليه نظْمُ العلائق الاجتماعيَّة، فحدَّد بذلك ما لكلِّ فردٍ وما عليه من حقوقٍ بعد أنْ صنَّف أفراد المجتمع على أساس مواقعِهم الاجتماعيَّة أو ملَكاتهم الشخصيَّة أو وظائفهم الدينيَّة أو علائقهم الإنسانيَّة أو النسَبيَّة، هذا وقد صدَّر رسالته الشريفةَ بتحديد نحْوِ العلاقة بين الإنسان وربِّه ثم أردفَ ذلك بتبيانِ حقِ النفس على الإنسان وحقوقِ جوارحِه عليه.

صحيفةٌ له في الزهد:

وثمة صحيفةٌ أخرى في الزهد مأثورةٌ عن الإمام زين العابدين (ع) أوردَها الشيخُ الكليني في روضة الكافي بسندٍ معتبرٍ عن أبي حمزة الثمالي(9) وكذلك أوردَها الشيخُ المفيد في الأمالي بسندٍ آخر معتبرٍ عن أبي حمزة الثمالي(10) وقد اشتملت هذه الصحيفةُ على مواعظََ وإرشاداتٍ وتذكيرٍ بالآخرة، وتزهيدٍ في الدنيا، وتحذيرٍ من الاغترار بها، والركونِ إلى الطواغيت والظلمة وأَتْبَاعِهُمْ مِنْ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِي هَذِه الدُّنْيَا الْمَائِلُينَ إِلَيْهَا الْمُفْتَتِنُينَ بِهَا، واشتملتْ على الترغيبِ والحثِّ على طاعةِ مَن أوجبَ اللهُ طاعتَهم بَيْنَ يَدَيِ الأُمُورِ كُلِّهَا.

المرحلة التي عايشها كانت حرجة:

وختامًا أودُّ أنْ أشير بنحوٍ مقتضبٍ إلى أنَّ المرحلة التي عايشها الإمامُ (ع) إبَّان إمامتِه كانت دقيقةً وحرجةً جدًا حيثُ لم يعُد النظامُ الأمويُّ يخشى من التعبير عن هويَّته بعد أنْ كشفت أحداثُ كربلاء عن طبيعتها، ولذلك أشاعَ الفسادَ في أرجاء الحواضر الإسلاميَّة، فأظهرَ الناسُ الفسوقَ وتعاطي الخمور، وكانت بيوتاتُ مكة والمدينة تضجُّ بالغناء والرقص، هذا بالإضافة إلى أنَّ المجتمع الإسلاميَّ في هذه المرحلة قد انفتح على شعوبٍ وحضاراتٍ أخرى نتيجة الفتوحاتِ الكثيرة التي وقعت في تلك المرحلة.

من هنا كان دورُ الإمام (ع) يتركَّز في محورين أساسيين:

المحور الأول: تعبئة الأمة من أجل استئصال مادَّة الفساد، أعني النظام الأموي، وقد استعان على ذلك بمجموعةٍ من الأدواتِ والوسائل، منها استعراضُ فاجعةِ كربلاء من أجل فصل الأمَّة معنويًا عن النظام الأمويِّ وتحريضِهم على منابذته وإلهابِ شعورهم بالندم على تقاعسِهم عن نصرة الأمام الحسين (ع). ومنها تشجيعُ الثورات وإعطاؤها الصبغة الشرعية.

المحور الثاني: بذلُ الوسع من أجل تحصينِ الأمَّة عن الانحراف الفكري والخلقي.

وبتعبير آخر: إنَّ الإمام (ع) لم يكن قادرًا على فصْلِ الأمة عن الأجواءِ الموبوءة التي فرضَتْها ظروفُ انحراف الخلافة الإسلاميَّة عن مسارها الصحيح، ولذلك كان دورُه يتركَّز في تمديدِ أمَدِ المقاومةِ للانحراف، فكان دورُه يُشبهُ إلى حدٍّ كبير دورَ العقاقير المضادَّةِ للفيروسات والتي تُساهمُ في إعطاء المريض القدرةَ على المقاومة للمرض. وقد نجحَ الإمامُ (ع) -وكذلك أئمةُ أهل البيت (ع)- في ذلك، حيث تمكَّنوا من إعطاء الأمة والهويَّة الدينيَّة القدرةَ على الصمود أمامَ عواملِ الانهيار التام

 الهوامش:

مقتطف من خطبة الجمعة - الشيخ محمد صنقور 5 من شهر شعبان 1445هـ - الموافق 16 فبراير 2024م

1- لاحظ: بحار الأنوار -المجلسي- ج46 / ص8، ج46 / ص150.

2- بحار الأنوار -المجلسي- ج46 / ص79، الأمالي -الطوسي- ص637.

3- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- ج2 / ص305.

4- وفيات الأعيان -ابن خلكان- ج3 / ص267.

5- تاريخ اليعقوبي -اليعقوبي- ج2 / ص303.

6- تذكرة الحفاظ -الذهبي- ج1 / ص75، سير أعلام النبلاء -الذهبي- ج4 / ص391، تهذيب التهذيب -ابن حجر- ج7 / ص269.

7- علل الشائع -الصدوق- ج1 / ص230، بحار الأنوار -المجلسي- ج46 / ص3.

8- علل الشائع -الصدوق- ج1 / ص230.

9- الكافي -الكليني- ج8 / ص15.

10- الأمالي -المفيد- ص200.

2026/01/25

كم كان عمر الإمام السجاد (ع) يوم الطف بكربلاء؟!

إنَّ المتسالم عليه بين المؤرِّخين والمحدِّثين من الفريقين ممَّن ترجم للإمام زين العابدين (ع) أنَّه ولد في حياة جدِّه الإمام عليِّ بن أبي طالب (ع) وكان استشهاد الإمام أمير المؤمنين (ع) سنة أربعين للهجرة، وذلك يقتضي أنَّ عمر الإمام زين العابدين (ع) يوم كربلاء لا يقلُّ عن عشرين سنة.

[اشترك]

هذا والمشهور بينهم أنّه ولد سنة ثمان وثلاثين للهجرة(1)، وذهب آخرون إلى أنَّه وُلد قبل ذلك(2)، ومقتضاه أنَّ عمره الشريف يوم كربلاء ثلاث وعشرون سنة أو أكثر.

ويُؤكِّد ذلك ما ذكره المؤرِّخون والمحدِّثون من أنَّ الامام محمد بن عليٍّ الباقر (ع) وُلد قبل استشهاد الإمام الحسين (ع) وكان عمره الشريف يوم كربلاء ثلاث سنوات أو أكثر(3)، فكيف يكون عمر الإمام السجاد (ع) يوم كربلاء إحدى عشر سنة والحال أنَّ له حينذاك ولداً يبلغ من العمر ثلاث سنوات؟!

الهوامش:

1- لاحظ الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص137، الكافي للكليني ج1 ص466، تاريخ مواليد الائمة لابن الخشاب البغدادي ص22، المستجاد من الإرشاد ص 161، كشف الغمة للأربلي ج2 ص 286، بحار الأنوار للمجلسي ج 46 ص 7، وفيات الأعيان لابن خلكان ج3 ص 269، العبر في خبر من غبر للذهبي ج1 ص111، وغيرها كثير.

2- لاحظ اعلام الورى للطبرسي ج1 ص480، العدد القوية للحلي ص55، تاريخ الإسلام للذهبي ج6 ص 432، الوافي بالوفيات للصفدي ج20 ص 230 وغيرها كثير.

3- لاحظ الإرشاد للشيخ المفيد ج2 ص158، الكافي للكليني ج1 ص269، تاريخ مواليد الائمة لابن الخشاب البغدادي ص25، المستجاد من الإرشاد ص170، اعلام الورى للطبرسي ج1 ص498، كشف الغمة للأربلي ج2 ص 328، العبر في خبر من غبر للذهبي ج1 ص142، وغيرها كثير.

2026/01/25

بسبب طلاق زوجته.. سلطان مغولي يتحوّل إلى التشيّع!

السلطان المغوليّ اولجايتو خدابنده بن أرغون بن أبغا بن هولاكو بن تولي بن جنكيزخان، يعد ثامن الايلخانات المغول، فلما حكم العراق وخراسان وأذربيجان بعد أخيه محمود غازان وكان سُنيَّ المذهب تحول إلى مذهب الشيعة الإماميَّة، وهذا قد أثار استياء العامة حتى صاروا ينبزونه بالألقاب المسيئة بدافع الحقد والعداء، كـ(خَرْبند) ومعناه بالفارسية: عبد الحمار [١].

وقد وقع خلاف في سبب تشيعه على أقوال:

[اشترك]

القول الأول: أنه كان معتنقاً لمذهب العامة، وفي أحد الأيام طلَّق زوجته ثلاثا، ثم ندم على ذلك وأراد استرجاعها الى عصمته، فجمع فقهاء العامة لإيجاد مخرجٍ له، لكنَّهم لم يجدوا له حلَّا، حتى تتزوَّج غيره، وكان شديد الحبّ لها فلم يرغب أنْ تتزوَّج غيره فطلب حلاً لمشكلته فأشار عليه وزيره إلى أنَّ هناك مذهباً إسلاميَّاً آخر قد يجد فيه تخريجاً شرعيَّاً لما هو فيه، وهو مذهب الشيعة الإمامية وكان آنذاك أكبر علماء الشيعة الإماميَّة هو العلامة الشيخ الحسن بن يوسف بن المطهر الحِليّ الأسديّ (قدس). فطلبه ولما قدم العلَّامة الحِليّ بيَّن له أنَّ الطلاق يقع طلقةً واحدةً ولو تعدَّدت ألفاظه وفق مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وسُرَّ السلطان بذلك فأحبَّ أن يتعرَّف أكثر على المذهب الشيعيّ فدعا الى مناظرةٍ بين علماء المذاهب، فجرت محاورةٌ بين العلَّامة الحِليّ من جهةٍ وبين القاضي نظام الدين بن عبد الملك الشافعيّ وتاج الدين الآويّ، فاقتنع السلطان بما قدَّمه العلَّامة الحِليّ من حجج وأدلة، فأعلن تشيعه كما حكى ذلك المجلسيّ الأول [٢].

القول الثاني: إنَّ السلطان في عام 709هـ ـ 1310م، توجَّه لزيارة مرقد الإمام أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، فرأى مناماً في النجف، فدفعه ذلك إلى البحث عن مذهب التشيّع، فأعجبه وانتمى إليه [٣].

القول الثالث: إن السلطان غازان خان محمود كان سنة 702خـ في بغداد، فاتفق أنَّ سيداً علويَّاً صلى الجمعة مع السنَّة، ثم صلى الظهر منفرداً فقتلوه، فشكى ذووه إلى السلطان، فتألَّم له وغضب من قتل رجلٍ من أولاد الرسول (صلى الله عليه و آله)، لمجرد أنَّه إعاد صلاته، فأخذ يبحث عن المذاهب وكان في أمرائه جماعةٌ متشيعون منهم الأمير طرمطار بن مانجو بخشي، وكان في خدمة السلطان من صغره وله وجهٌ عنده فرغَّبه في مذهب التشيّع فدخل فيه واهتم بالسادة وعمارة مشاهد الأئمة (عليهم السلام) وأسس دار السيادة في إصفهان وكاشان وسيواس روم، وأوقف عليها أملاكاً كثيرة، وكذا في مشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) وقد بقيت بعض آثاره إلى الآن. وأنه بعد أن توفي سنة 703 خلفه أخوه وأعلن تبنيه لمذهب الشيعي [٤].

أقول: أصح الأقوال الثلاثة هو الأول وبعد أنْ تشيَّع السّلطان حظي عنده العلَّامة الحِليّ وساد جدّا [٥]، مما دفعه ذلك إلى أنْ يطلب منه أنْ يؤلّف له كتبا يعرف بها للمسلمين المذهب الّذي حُرِم من حرّيّته الفكريّة، فألف العلَّامة له مجموعة كتبٍ وأهداها إلى خزانة السّلطان فصدر فيها مرسوما إلى جميع البلدان.

وكان من أشهرها كتّاب (منهاج الكرامة في معرفة الإمامة)، قال العلَّامة الحِليّ – في مقدمته -: (فهذه رسالةٌ شريفةٌ، ومقالةٌ لطيفةٌ، اشتملت على أهمّ المطالب في أحكام الدّين، وأشرف مسائل المسلمين، وهي مسألة الإمامة خدمت بها خزانة السّلطان الأعظم، أولجايتو محمّد خدابنده) [٦]، وكتاب (نهج الحق وكشف الصدق)، قال العلَّامة في أوله: (وضعنا هذا الكتاب خشيةً لله، ورجاءً لثوابه، وطلباً للخلاص من أليم عقابه، بكتمان الحق، وترك إرشاد الخلق، وامتثلت فيه مرسوم سلطان وجه الأرض، الباقية دولته إلى يوم النشر والعرض، سلطان السلاطين، وخاقان الخواقين، مالك رقاب العباد وحاكمهم، وحافظ أهل البلاد وراحمهم، المظفر على جميع الأعداء، المنصور من إله السماء، المؤيد بالنفس القدسية، والرياسة الملكية، الواصل بفكره العالي إلى أسنى مراتب العلى، البالغ بحدسه الصائب إلى معرفة الشهب الثواقب، غياث الملة والحق والدين، أولجايتو خدابنده محمد، خلد الله ملكه إلى يوم الدين، وقرن دولته بالبقاء والنصر والتمكين، وجعلت ثواب هذا الكتاب واصلا إليه، أعاد الله تعالى بركاته عليه، بمحمد وآله الطاهرين) [٧].

نكتفي بهذا القدر، والحمد لله أولا وآخرا.

الهوامش

__________

[١] - تاريخ إيران بعد الإسلام ص٤٧٦.

[٢] - روضة المتقين ج٩ ص٣٠.

[٣] - تاريخ اولجاتيو ص١٠٠.

[٤] - خاتمة المستدرك ج٢ ص٤٠٣، ولؤلؤة البحرين ص٢٢٤، ومجالس المؤمنين ج٢ ص٥٧١.

[٥] - البداية والنهاية ج١٤ ص٦٣.

[٦] - منهاج الكرامة ص٣.

[٧] - نهج الحق ص٣٩.

2025/12/11

هل خلق الله حواء من ضلع آدم؟

المسألة: ما مدى صحة ما يقال: ان حواء خلقة من ضلع من أضلاع آدم (ع)؟

الجواب:هذه الدعوى ذهب إليها جمهور المحدِّثين من علماء السنة والكثير من مفسِّريهم، وذلك استناداً لروايات نُسبت للرسول الكريم (ص) وزعم بعضُ مفسِّريهم انَّ ذلك هو مدلول قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾(1) بدعوى انَّ معنى قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هو انَّه تعالى خلق من نفس آدم (ع) زوجته حوراء، فحواء مخلوقة من نفس آدم أي من بعض أعضائه وهو ضلعه الايسر بحسب زعمهم.

[اشترك] 

وقد تصدى أهل البيت (ع) لتكذيب هذه الدعوى ونفي انتسابها للنبي الكريم (ص)، فمِّما ورد عنهم في ذلك ما رواه الصدوق بسندٍ معتبر عن زرارة قال: سئل أبو عبدالله الصادق (ع) عن خلق حواء وقيل له إنَّ أناساً عندنا يقولون: إنَّ الله عزَّ وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى فقال (ع): سبحان الله وتعالى عن ذلك علواً كبيرا، أيقول مَن يقول هذا إنَّ الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ما يخلق لآدم زوجةً من غير ضلعه، وجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلا إلى الكلام، يقول: إنَّ آدم كان ينكح بعضُه بعضا إذا كانت من ضلعه، ما لهؤلاء! حكم الله بيننا وبينهم ثم قال (ع): إنَّ الله تبارك وتعالى لمَّا خلق آدم (ع) من الطين وأمر الملائكة فسجدوا له ألقى عليه السبات -النوم- ثم أبتدع حواء"(2).

وروى العياشي في تفسيره عن عمرو بن أبي المقدام عن أبيه قال: سألت أبا جعفر الباقر (ع) من أيِّ شئٍ خلق الله حواء؟ فقال: أيَّ شئٍ يقول هذا الخلق؟ قلتُ: يقولون: إنَّ الله خلقها من ضلعٍ من أضلاع آدم فقال (ع): كذبوا، كان يُعجزه أن يخلقها من غير ضلعه؟! فقلت: جعلت فداك يا ابن رسول الله (ص) من أيِّ شئ خلقها؟ فقال أخبرني أبي عن آبائه (ع) قال: قال رسول الله (ص): إنَّ الله تبارك وتعالى قبض قبضةً من طين .. ففضلت فضلةً من الطين فخلق منها حواء"(3).

فحواء بمقتضى هذه الرواية خُلقت من نفس الطينة التى خُلق منها آدم (ع) ولم تخُلق من ضلعه، وعلى ذلك تُحمل الروايات التى أفادت انَّ حواء خُلقت من آدم (ع) فمعنى ذلك انَّها خُلقت من ذات الطينة التى خُلق منها آدم (ع) .

وأما الروايات التى اشتملت على دعوى انَّ حواء خُلقت من ضلع آدم (ع) بعد تكونَّه وصيرورته انساناً فهي ساقطة عن الاعتبار سنداً أو جهة.

على انَّه لا يبعد تسُّرب هذه المقولة إلى التراث الاسلامي من أساطير اليهود الذين أظهروا الاسلام وأخذوا يروِّجون لثقافاتهم واسرائيلياتهم تحت غطاء انها مروية عن الرسول الكريم (ص)، والذي يؤيد ذلك هو انَّ دعوى تخلُّق حواء من ضلع آدم (ع) مذكورة في التوراة في سفر التكوين (4).

وأما الاستدلال على الدعوى بقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فهي غير ظاهرة في ان حواء خُلقت من آدم (ع)، وما هي ظاهرة فيه جداً هو انَّ الله تعالى خلق البشر من آدم وهو معنى من قوله تعالى: ﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وخلق من نوع هذه النفس زوجها وهي حواء، فحواء خلقت من ذات النوع والطبيعة التى خُلق منها آدم (ع) فحرف الجر " مِّن" في قوله تعالى " وَخَلَقَ مِنْهَا" بيانية إي لبيان الجنس وليست تبعيضية.

فمعنى حرف الجر في الآية المباركة هو نفسه معنى حرف الجر في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى / ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى / فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى﴾(5) فمعنى قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ هو انه تعالى خلق من طبيعة ونوع هذا المني الذَّكَرَ وَالْأُنثَى.

الهوامش:

1- سورة النساء / 1.

2- علل الشرائع -الشيخ الصدوق- ج 1 ص 17.

3- تفسير العياشي -محمد بن مسعود العياشي- ج 1 ص 216.

4- راجع تفسير المراغي ج7/118.

5- سورة القيامة / 37-39.

2025/10/28

أمهات للمؤمنين.. من أين جاء هذا الوصف لزوجات النبي (ص)؟

المسألة: من الذي لقب عائشه زوجة الرسول الأعظم (ص) بأم المؤمنين؟ ولماذا؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

(أم المؤمنين) وصف أو لقب لكل امراةٍ كانت زوجة للرسول (ص) سواءً ماتت وهي زوجة له (ص) في حياته أو مات هو (ص) وهي على ذمته، والذي وصف زوجاتِ النبي (ص) بأمهات المؤمنين هو القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.

وأما منشأ التوصيف لزوجات النبي (ص) بأمهات المؤمنين فهو التكريم للرسول (ص).

[اشترك]

2025/09/24

أبو تراب والأنزع البطين.. ما سرّ ألقاب أمير المؤمنين علي (ع)؟!

تنقل لنا كتب السير ألقاباً متعددة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، وكل لقب منها يحمل معانٍ عميقة ودلالات خاصة تكشف جانباً من شخصيته ومكانته الاستثنائية. في هذا المقال، نستعرض معانٍ ثلاثة من أشهر ألقابه: "أبي تراب"، و"الأنزع البطين"، و"قائد الغر المحجلين"، مع توضيح خلفياتها التاريخية ودلالاتها الروحية.

[اشترك]

أبو تراب:

من أكثر الألقاب ارتباطاً بأمير المؤمنين علي (ع) هو "أبو تراب"، وقد اشتهر أنه كان من أحب الألقاب إليه. منح النبي محمد (ص) هذا اللقب لعلي (ع) في حادثة شهيرة، تناقلتها المصادر بروايات متعددة:

فقد روى القطب الراوندي في "الخرائج والجرائح" أن رسول الله (ص) رأى علياً نائماً في التراب خلال إحدى الغزوات، فقال: "يا أبا تراب، ألا أحدثك بأشقى الناس؟ أُحيمر ثمود، والذي يضربك على هذا" - ووضع يده على قرنه - "حتى تبلَّ هذا من هذا" - وأشار إلى لحيته.

وفي رواية أخرى نقلها الطبري وابن إسحاق وابن مردويه، قال عمار: "خرجنا مع النبي (ص) في غزوة العشيرة، فلما نزلنا منزلاً نمنا، فما نبَّهنا إلا كلام رسول الله (ص) لعلي: يا أبا تراب، لما رآه ساجداً معفراً وجهه بالتراب. أتعلم من أشقى الناس؟ أشقى الناس اثنان: أُحيمر ثمود الذي عقر الناقة، وأشقاها الذي يخضب هذه" - ووضع يده على لحيته.

الأنزع البطين: منزوع من الشرك!

"الأنزع البطين" من الألقاب التي وصف بها أمير المؤمنين (ع) وتحمل معانٍ عميقة:

"الأنزع" في اللغة يوصف به من انحسر الشعر عن جانبي جبهته. فلكل إنسان نزعتان وناصية: الناصية هي الشعر في مقدم الرأس المحاذي للجبهة، والنزعتان هما الموضعان عن يمين الناصية وشمالها. فمن لم يكن على نزعتيه شعر يُقال له "الأنزع"، ويقابله "الأغم" وهو من كان الشعر بالغاً حد جبينه.

أما "البطين" فتطلق على أكثر من معنى، منها ما أفاده ابن منظور في لسان العرب أنه وصف للرجل العريض البطن وإن لم يكن منتفخ البطن.

وقد ورد أن أمير المؤمنين (ع) كان أنزع الشعر، وهي من الصفات الممدوحة في الرجال، وكانت العرب تتيمن بالأنزع. وكان بطيناً، أي عريض البطن كما أفاد العلامة المجلسي، نظراً لكون جسده (ع) عظيماً، فناسب أن يكون بطنه كذلك، ومتناسب الأعضاء من صفات الكمال الجسدي.

لكن الأهم من الوصف الجسدي، هو المعنى الروحي العميق لهذين الوصفين، فقد ورد في الروايات عن الإمام الرضا (ع) أن منشأ وصف الإمام علي (ع) بـ"الأنزع البطين" هو أنه (ع) منزوع من الشرك، بطين من العلم. فوصفه بـ"البطين" كناية عن كثرة علمه، لا عن ضخامة في البطن.

وهذا المعنى أكده علماء من أهل السنة أيضاً، فقد قال السبط بن الجوزي: "ويسمى علي (ع) البطين لأنه كان بطيناً من العلم، وكان يقول: لو ثنيت لي الوسادة لذكرت في تفسير بسم الله الرحمن الرحيم حمل بعير، ويسمى الأنزع لأنه كان أنزع من الشرك".

وروى ابن المغازلي الشافعي في المناقب عن رسول الله (ص): "يا علي، إن الله قد غفر لك ولأهلك ولشيعتك ولمحبي شيعتك، فابشر فإنك الأنزع البطين، المنزوع من الشرك البطين من العلم".

قائد الغر المحجلين:

[اشترك]

أما لقب "قائد الغر المحجلين"، فيحمل دلالة على مكانة علي (ع) كقائد للمؤمنين يوم القيامة:

"الغر" جمع لـ"أغر"، وهو وصف في الأصل للفرس الذي يعلو وجهه البياض، ثم استعير هذا الوصف للمؤمن لتنور وجهه بنور الوضوء. فالغرة هي بياض الوجه، ولذلك ناسب أن يوصف المؤمن ببياض الوجه لمداومته على الوضوء الذي هو نور وضياء كما ورد في الروايات.

و"المحجل" وصف للفرس الذي يكون في أسفل يديه وقدميه بياض، واستعير هذا الوصف للمؤمن المداوم على الوضوء. فلأن مواضع الوضوء هي الوجه واليدان والقدمان، ولأن الوضوء نور، فكأنه يضفي على المؤمن ضياءً ونوراً في تلك المواضع.

إذاً، فـ"الغر المحجلين" هم المؤمنون المتوضئون، و"قائد الغر المحجلين" هو وليهم وسيدهم، وهو علي بن أبي طالب (ع).

أمير النحل:

ومن ألقابه الأخرى "أمير النحل"، وقد ذُكرت وجوه متعددة لمنشأ هذا اللقب:

الوجه الأول والأشهر: أن رسول الله (ص) وصف علياً (ع) بـ"يعسوب المؤمنين"، واليعسوب بحسب مدلوله اللغوي هو أمير النحل، وهو ملاذ النحل الذي تجتمع حوله. وقد استعملت العرب لفظ اليعسوب في سيد القوم ورئيسهم والمعظم عندهم. ولأن علياً (ع) كان سيد المؤمنين وإمامهم، عبر عنه الرسول (ص) بيعسوب المؤمنين.

وقد روى الطبري في "ذخائر العقبى" عن أبي ذر قوله: سمعت رسول الله (ص) يقول: "أنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين".

 

الوجه الثاني: ذكره السبط ابن الجوزي في "تذكرة الخواص"، وحاصله أن المؤمنين يتشبهون بالنحل لأن النحل تأكل طيباً وتضع طيباً، وعلي أمير المؤمنين.

الوجه الثالث: ذكره ابن شهراشوب في "مناقب آل أبي طالب" وهو أن النبي (ص) وجه عسكراً إلى قلعة بني ثعل، فحاربهم أهل القلعة حتى نفذت أسلحتهم، فأرسلوا إليهم كوار النحل، فعجز عسكر النبي (ص) عنها، فجاء علي (ع) فذلت له، فلذلك سمي بأمير النحل.

هكذا نرى أن ألقاب أمير المؤمنين علي (ع) ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي رموز تحمل معانٍ عميقة تعكس جوانب مختلفة من شخصيته ومكانته السامية.

2025/08/02

تعرّف على أسماء أمهات المعصومين الأربعة عشر (ع)

‏1- أم النبي الأكرم محمد : آمنة بنت وهب

‏2- أم الإمام أمير المؤمنين : فاطمة بنت أسد

‏3- أم فاطمة الزهراء : خديجة بنت خويلد

‏4- أم الإمام الحسن : فاطمة الزهراء

‏5- أم الإمام الحسين : فاطمة الزهراء

‏6- أم الإمام زين العابدين : شهربانوَيْه "شاه زنان"

[اشترك]

‏7- أم الإمام الباقر : فاطمة بنت الإمام الحسن

‏8- أم الإمام الصادق : فاطمة بنت القاسم "أم فروة"

‏9- أم الإمام الكاظم : حميدة المصفّاة

‏10- أم الإمام الرضا : نجمة أو "تكتُم"

‏11- أم الإمام الجواد : سبيكة النوبية

‏12- أم الإمام الهادي : سُمانة المغربية

‏13- أم الإمام العسكري : حديث أو "سليل"

‏14- أم الإمام المهدي : نرجس بنت يشوعا

‏عليهم جميعاً السلام والرحمة والرضوان ..

2025/07/13

أنفاسه الأخيرة.. كيف اغتالوا الإمام الجواد (ع)؟!

في ليلة من ليالي بغداد المظلمة، وبينما كانت قصور الخلافة العباسية تتلألأ بأنوار المجد الزائف، كان السم يتسرب في عروق شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. لم يكن هذا الشاب مجرد إنسان عادي، بل كان حفيد النبي محمد صلى الله عليه وآله. إنه الإمام محمد الجواد عليه السلام، الذي سيلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتلو القرآن، تاركاً وراءه قصة اغتيال تكشف عن صفحة سوداء من صفحات التاريخ الإسلامي.

[اشترك]

لم تكن وفاة الإمام محمد الجواد طبيعية كما قد يعتقد البعض، بل كانت نتيجة مؤامرة دبرها بعناية المعتصم العباسي، الذي لم يتورع عن اقتراف هذه الجريمة النكراء رغم صلة القربى التي تربطه بالضحية.

تختلف المصادر التاريخية حول الطريقة التي نفذ بها المعتصم جريمته البشعة. تشير إحدى الروايات إلى أن الخليفة العباسي كلف أحد كتاب وزرائه بدعوة الإمام إلى منزله ودس السم له. في البداية اعتذر الإمام عن الحضور، لكن الكاتب ألح عليه بحجة التبرك بزيارته، مدعياً أن أحد الوزراء يشتاق للقائه.

لم يجد الإمام مفراً من إجابة الدعوة، وعندما تناول الطعام أحس بتأثير السم فوراً. طلب دابته للخروج من المنزل، وعندما ألح عليه صاحب البيت بالبقاء، رد الإمام بكلمات نبوية: "خروجي من دارك خير لك".

أما الرواية الثانية فتكشف عن مؤامرة أكثر مكراً ودهاءً، حيث تذكر أن المعتصم أغرى بنت أخيه "أم الفضل"، زوجة الإمام، بالأموال لتقوم بدس السم لزوجها. وبهذا العمل الشنيع، قطع المعتصم أواصر القربى ولم يرع حرمة النبي في أحفاده.

الدوافع الخفية وراء الاغتيال

كانت وراء هذه الجريمة دوافع متعددة تكشف عن طبيعة الصراع السياسي في تلك الحقبة. أولى هذه الدوافع كانت وشاية "أبي داود" التي سممت أذن المعتصم ضد الإمام الجواد عليه السلام.

لكن الدافع الأعمق كان الحسد الذي أكل قلب المعتصم عندما رأى الإكبار والتعظيم الذي يحظى به الإمام عليه السلام بين عامة المسلمين. فقد تحدث الناس بإجماع عن مواهبه وعبقرياته رغم صغر سنه، وتناقلوا قصصاً عن أخلاقه العالية وحلمه وصبره، وبره بالفقراء وإحسانه للمحرومين.

[اشترك]

هذه الصفات النبيلة ملأت الأندية والمحافل بذكرها، مما أثار غيرة المعتصم وحقده، فقرر فرض الإقامة الجبرية على الإمام في بغداد كخطوة أولى، ثم التخطيط لاغتياله كحل نهائي لما اعتبره تهديداً لسلطته.

عندما بدأ السم يتفاعل مع جسد الإمام الشاب، بدأت معاناة مروعة. انتشر السم في جميع أجزاء بدنه وأخذ يعاني آلاماً مبرحة، حتى تقطعت أمعاؤه من شدة الألم. كلفت الحكومة العباسية أحمد بن عيسى بمراقبة حالته والإبلاغ عن تطورات علته.

في الليلة الأخيرة من حياته، أخبر الإمام من كان حوله بقرب وفاته قائلاً: "نحن معشر إذا لم يرض الله لأحدنا الدنيا نقلنا إليه". كانت هذه الكلمات تحمل استسلاماً نبيلاً لقضاء الله، رغم قسوة الظروف التي أحاطت به.

وبينما كان في ريعان الشباب وغضارة العمر، أحس بدنو أجله المحتوم فأخذ يقرأ سوراً من القرآن الكريم. لفظ أنفاسه الأخيرة ولسانه يلهج بذكر الله وتوحيده، وبموته انطفأت شعلة مشرقة من شعل الإمامة والقيادة الواعية في الإسلام.

لقد استشهد الإمام محمد الجواد على يد طاغية عصره المعتصم العباسي، وانطوت برحيله صفحة مضيئة من صفحات الرسالة الإسلامية التي كانت تنير الفكر وترفع منار العلم والفضيلة في الأرض.

2025/05/27

فاطمة المعصومة.. سيدة قمّ وباب من أبواب الجنّة!

تحت سماء المدينة المنورة، وفي بيت تعطرت أركانه بأنفاس الإمامة، ولدت فاطمة المعصومة في اليوم الأول من ذي القعدة عام 183 هجرية. حملت في نسبها شرف الانتماء إلى بيت النبوة، فهي ابنة الإمام موسى بن جعفر الكاظم، سابع أئمة أهل البيت، وشقيقة الإمام علي بن موسى الرضا.

[اشترك]

جمعت الشقيقين أم واحدة، السيدة "تُكْتَم"، التي عُرفت بين نساء زمانها بفضل عقلها الراجح وتمسكها العميق بدينها. ومن دلائل ورعها وشدة انقطاعها لعبادة ربها، أنها لما أنجبت الإمام الرضا، طلبت من يعينها بمرضعة. فلما سُئلت إن كان ذلك لنقص في لبنها، أجابت بصدق: "ما أكذب، ما نقص الدر، ولكن عليّ ورد من صلاتي وتسبيحي، وقد نقص منذ ولدت".

في مثل هذا البيت المفعم بالعبادة والتقوى نشأت فاطمة المعصومة، وتربت على قيم أهل البيت الطاهرين. لم تعمّر طويلاً في هذه الدنيا، إذ انتقلت إلى رحمة ربها في العاشر من ربيع الثاني عام 201 هجرية، عن عمر ناهز 18 عاماً فقط.

نالت لقب "المعصومة" لورعها وتقواها، وذكرها الإمام الصادق في حديث له قبل أن تولد، حين قال: "إن لله حرماً وهو مكة، ألا إن لرسول الله حرماً وهو المدينة، ألا وإن لأمير المؤمنين حرماً وهو الكوفة، ألا وإن قم الكوفة الصغيرة، ألا إن للجنة ثمانية أبواب ثلاثة منها إلى قم تُقبض فيها امرأة من ولدي اسمها فاطمة بنت موسى، وتدخل بشفاعتها شيعتي الجنة بأجمعهم".

 

ازدهرت مدينة قم المقدسة ببركة وجود قبرها الطاهر، وأصبحت من أهم معاقل شيعة أهل البيت منذ زمن بعيد. وتأسست فيها حوزة علمية تُعد اليوم من أكبر وأقوى الحوزات العلمية في العالم الإسلامي، تشع منها أنوار علوم العترة الطاهرة إلى مختلف أنحاء العالم.

2025/04/29

لماذا الدفاع عن معاوية؟!

جمع معاوية من دلائل السوء أنه

1ـ طليق، ومعنى الطليق أنه تمسك بكفره وعدائه للاسلام حتى اللحظة الأخيرة، اللحظة التي لم يعد له فيها من خيار سوى الدخول في الإسلام بعد أن فتح النبي الاكرم ص مكة. وكان مشركو قريش يستحقون القتل كعقوبة عادلة على مافعلوه في حرب الإسلام من جرائم بحق المسلمين طيلة فترة الدعوة، أسوة بالمحاكم التي يقيمها الثوار على النظام الحاكم بعد نجاح ثورتهم واستيلائهم على السلطة ومعاقبة أفراده، ولكن النبي الاكرم ص خاطبهم قائلا (ماترون أني فاعل بكم؟) فقالوا (أخ كريم وابن أخ كريم) فقال لهم (إذهبوا فانتم الطلقاء).

[اشترك]

لقد عفا عنهم النبي ص لانه نبي الرحمة الذي أنزله الله رحمة للعالمين، وإلا فأيما شخص لو كان بدل النبي ص لانزل فيهم القتل بما يستحقون..

2ـ قتله لنخبة من المؤمنين الصالحين وعلى رأسهم حجر بن عدي (رض)..

3ـ تأمير ولده يزيد خليفة على المسلمين وقد قام يزيد خلال مدة حكمه بقتل الحسين ع وأهل بيته واستباحة المدينة في موقعة الحرة، حيث استبيحث ثلاثة أيام  يقتل الجنود الناس ويأخذون المتاع والأموال. وحرقه الكعبة

4ـ وبذلك حول الخلافة الإسلامية الى ملك موروث وأقام الدولة الاموية التي بوسع المدافع عنها أن يقول ماشاء له أن يقول ولكنه لن يستطيع أن ينفي أن أحد أهم أسباب ضعف الدولة الاموية ومن ثم سقوطها هو تولي الوليد بن يزيد الخلافة، وهو رجل لم يعرف قبل توليه الخلافة غير الماخور والمجون، فأفرط في سوء السيرة حتى مع أبناء عمومته من الامويين فثاروا عليه وقتلوه مما أدى الى اشتعال الفتنة في الاسرة الاموية والتناحر على تولي الخلافة..

5ـ حربه مع الامام علي ع في معركة صفين ومن ثم تسببه في مقتل الاف المسلمين.. والملاحظ على مايبرر له، ارتكابه الحرب، من أنه كان طالبا لقتلة عثمان حيث أنه ولي دمه.. هو أن معاوية تباكى على عثمان ورفع راية الثأر له والمطالبة بالقصاص من قتلته.. فعل ذلك في خروجه على علي ع .. ولم يذكر قتلة عثمان بعد ذلك اطلاقا.. لافي التحكيم الذي جرى بين ابي موسى وعمرو بن العاص ولافي صلحه مع الحسن ع ولا في أيام خلافته التي استمرت اكثر من 20عاما ..

[اشترك]

 

وهناك نكون أمام سؤال هام وهو لماذا الدفاع عنه؟

لماذا الإصرار على إخفاء كل تلك المثالب وإبدالها ـ إعلاميا ـ بمفردات واهية ساذجة مثل خال المؤمنين وكاتب الوحي.. ؟!!

بل يمتد هذا الأمر الى تسميته ـ بعد أن حوّل الخلافة الى ملك كملك قيصر وكسرى ـ باسم هو غاية في الغرابة والإبهام وهو "أعظم ملوك الإسلام". والاغرب هو أنه رغم هذا المسمى يحتفظ بلقب الخليفة.. أي أنه تمتد فيه الخلافة التي من المفروض أنها قامت بالشورى وبما عليه الخلفاء السابقين من صفات في مقدمتها التقشف والزهد..      

إن هذا الإصرار الذي نجده اليوم من جهات معينة، يغلب على إسلامها التطرف. ليس لشخص معاوية أو الامويين أنفسهم.. بل للسياسة التي ابتدعها في تبرير انحراف السلطان وتسويغ أفعاله وتثبيت سلطانه ضمن حدود الدائرة الإسلامية..

[اشترك]

 

لقد قدم معاوية فكرة الجبر وما فيها من تبرير للتصرفات المنحرفة الظالمة وإخراجها من مسؤولية العبد الى دائرة الله، وأن وصول أيٍ كان الى السلطة، ظالما كان الحاكم أم عادلا، إنما هو نابع من مشيئة الله، وأن أي رفض أو تمرد على حاكمه، ومن ثم التركيز الشديد على اعتبار الحاكم، مهما كان منه، من أولى الامر الذين أوجب الله طاعتهم ..

إن كان الحاكم عادلا كان بها وإن كان ظالما وفاسدا فلايجوز غير الدعاء له، فإن الخروج عليه يؤدي الى الفتنة وشق عصا المسلمين فهو بذلك يستحق القتل...

إن الدفاع عن معاوية والامويين هو في حقيقته دفاع عن تلك السياسة المنحرفة..

2025/03/17

خديجة (ع).. مؤمنة في زمن الكفر!

في زحمة التاريخ الإسلامي، تبرز شخصية استثنائية امتزجت فيها عظمة الإنسان بسمو الإيمان، وتجلت فيها أرقى صور الوفاء والتضحية. امرأة كانت نموذجاً فريداً للعطاء دون حدود، وللإيمان الصادق دون تردد. إنها السيدة خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين وزوجة النبي محمد (ص)، التي سطرت في تاريخ الدعوة النبوية أروع صفحات البذل والإيثار والصدق.

[اشترك]

إن المتأمل في سيرة هذه المرأة العظيمة لا يمكنه إلا أن يقف مشدوهاً أمام تلك الشخصية الفذة التي تميزت بكمالها الإنساني قبل اقترانها بالنبي (ص)، ثم ازدادت شرفاً وعظمة بزواجها منه، فكانت الزوجة الصالحة والأم الرؤوم والداعمة الرسالية المخلصة. فلنبحر معاً في رحاب سيرتها العطرة لنقتبس من فيض عطائها ونستلهم من عظيم مواقفها.

خديجة: الأنموذج الإنساني الفريد

جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) قوله: "أفضل نساء [أهل] الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون". هذا الحديث يضع السيدة خديجة في مصاف النساء الأكثر تميزاً في تاريخ البشرية، ويؤكد أنها ليست امرأة عادية في التاريخ الإسلامي والإنساني، بل هي القدوة والنموذج الأسمى في الإخلاص والتفاني والجهاد وسعة العقل والحكمة.

لقد حباها الله بمعدن طاهر وروح نقية، هيأتها لتكون عظيمة في عينه تعالى، وأهلتها لتكون الحضن الطاهر المخصوص بالكرامة العظيمة، وهي أن تكون أماً لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، وجدة للحسنين (ع). ولقد كان للأئمة من أهل البيت (ع) فخر عظيم بانتسابهم إليها، كما روي عن الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء حين خاطب القوم المحيطين به قائلاً: "أنشدكم الله، هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد، أول نساء هذه الأمة إسلاماً؟ قالوا: اللهم نعم".

السباقة إلى الإسلام: أول من آمن بالرسالة

منذ أن عرفت محمداً (ص) أدركت خديجة بفطرتها السليمة وبصيرتها الثاقبة أنه ليس شخصاً عادياً، فتزوجت به وأخلصت له. وعندما جاءه الوحي وبدأت الدعوة الإسلامية، كانت السيدة خديجة السباقة إلى الإيمان برسالته دون تردد أو شك.

يروي أمير المؤمنين علي (ع): "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما". وفي هذا دليل على فضلها العظيم وسبقها إلى الإيمان. كما سجل التاريخ أن أول صلاة جماعة في الإسلام ضمت النبي (ص) وعلياً وخديجة، في مشهد رواه عفيف بن عمرو حين كان جالساً مع العباس بن عبد المطلب في مكة قبل ظهور أمر النبي (ص)، فشاهد ثلاثة أشخاص يصلون: شاب وغلام وامرأة. فأخبره العباس أن الشاب هو محمد بن عبد الله، والغلام هو علي بن أبي طالب، والمرأة هي خديجة بنت خويلد، وأن ابن أخيه أخبره أن ربه أمره بهذا الدين، وأنه ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.

[اشترك]

خديجة تخطب رسول الله (ص): قصة زواج غير تقليدية

من المواقف الجريئة والمتميزة في حياة السيدة خديجة أنها هي التي طلبت خطبة النبي (ص)، في خروج عن المألوف الاجتماعي الذي كان سائداً آنذاك. لقد كانت امرأة عاقلة حكيمة، تدرك تماماً أن قرار الزواج مصيري ومشترك، وأن للمرأة دوراً ورأياً فيه.

 

كانت خديجة قبل البعثة تلقب بـ "الطاهرة" لعفتها وطهارتها، وكانت سيدة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال ليعملوا في تجارتها. وعندما بلغها عن محمد (ص) صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج في تجارتها إلى الشام مع غلامها ميسرة. وبعد عودته ونجاح رحلته التجارية، أرسلت إليه قائلة: "إني قد رغبت فيك لقرابتك مني وشرفك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك"، وعرضت عليه الزواج، فخطبها وتزوجها.

ومن المواقف المشرقة في قصة زواجهما أنه عندما خطبها أبو طالب من عمها ورقة بن نوفل وتلجلج عمها في الإجابة، تقدمت هي بكل ثقة وقالت: "يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود فلست أولى بي من نفسي، قد زوجتك يا محمد نفسي، والمهر علي في مالي". هذا الموقف يظهر شخصيتها القوية وإرادتها الحرة واعتزازها بذاتها، مع الحفاظ التام على عفتها وكرامتها.

من أجمل خصالها: صدق الإيمان والعطاء دون حدود

لم يكن إيمان خديجة برسول الله (ص) نابعاً من عصبية لزوجها، بل كان إيماناً عن بصيرة ووعي وإخلاص. فعندما نزل الوحي على النبي (ص) وعاد مرتجفاً إلى بيته، كانت أول المصدقين والمطمئنين له. روت السيدة عائشة أن النبي (ص) كان يثني على خديجة دائماً، وعندما سألته عنها قال: "لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت [بي] إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء".

ومن أبرز خصالها أيضاً العطاء غير المحدود في سبيل الله ونصرة الدين. فقد بذلت مالها وقوتها وراحتها من أجل نصرة الإسلام، وتخلت عن حياة الرفاهية التي كانت تعيشها قبل الإسلام، لتتحمل الأذى والحصار مع رسول الله (ص) في شعب أبي طالب، حتى فارقت الدنيا وهي في الحصار، فدفنها النبي (ص) في الشعب المذكور.

وكان مالها نعم العون لرسول الله (ص) في زمن الشدة والحصار، فقد روي أن النبي (ص) قال: "ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة"، وكان يفك من مالها الغارم والأسير، ويحمل الضعيف، ويعطي في النائبة، ويساعد فقراء أصحابه، ويساعد من أراد منهم الهجرة. وكانت خديجة من أكثر قريش مالاً، حيث كانت تملك طائفة من العير في رحلات قريش التجارية.

[اشترك]

المؤازرة المعنوية: دور لا يقل أهمية

ومن أروع خصال السيدة خديجة أنها كانت المتفانية في مؤازرة رسول الله (ص) معنوياً، وهذا دور لا يقل أهمية عن المؤازرة المادية. كانت تؤنسه وتخفف عنه مصاعب التحدي وآلام التكذيب والظلم الذي كان يتلقاه من قريش. جاء في السيرة النبوية: "وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره... فخفف الله بذلك عن نبيه (ص)، لا يسمع شيئاً [مما] يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس".

هذا الدعم المعنوي والنفسي كان له الأثر الكبير في تثبيت النبي (ص) وتقوية عزيمته، خاصة في بداية الدعوة حين كان التحدي في أشده والمعارضة في أوجها.

رسول الله والوفاء لخديجة: نموذج الحب الخالد

كان موت خديجة ثقيلاً على قلب رسول الله (ص)، فقد غابت الزوجة والعشيرة، وارتحلت المؤازِرة والمناصِرة. وتزامن موتها مع موت عمه أبي طالب، فعظُمت المصيبة عليه وسمى ذلك العام بـ "عام الحزن"، وقال: "ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب".

ومرت السنين على وفاة خديجة، لكنها بقيت حاضرة في قلب رسول الله (ص) وذاكرته، فكان يحن إليها ويثني عليها، ويذكرها بما هي أهله. وكان من مظاهر وفائه لها أنه كان يُكرم صديقاتها ويرسل إليهن الهدايا. روت السيدة عائشة أنها قالت: "دخلت على رسول الله (ص) امرأة، فأتي رسول الله (ص) بطعام فجعل يأكل من الطعام ويضع بين يديها، فقلت يا رسول الله لا تغمر يديك، فقال رسول الله (ص): إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد أو حفظ العهد من الإيمان".

كما روت أيضاً: "ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله (ص) إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن".

وفي البخاري بسنده عن عائشة قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي (ص) ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي (ص) يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد".

[اشترك]

تبقى سيرة السيدة خديجة بنت خويلد (ع) نبراساً يضيء دروب الأجيال، ونموذجاً فريداً للمرأة المسلمة في إيمانها وعطائها وتضحيتها ودعمها لزوجها ودينها. امرأة سابقت الزمن واستشرفت المستقبل بنور البصيرة، فآمنت برسالة الإسلام منذ اللحظات الأولى، وقدمت كل ما تملك من مال وجهد ودعم نفسي ومعنوي لنصرة هذا الدين.

إن سيرتها العطرة تخاطب المرأة المسلمة في كل زمان ومكان، وتدعوها لأن تكون عنصر بناء وعطاء في أسرتها ومجتمعها، وأن تؤدي دورها الرسالي بكل إخلاص وتفان، كما تخاطب الرجل المسلم وتدعوه للاقتداء بالنبي (ص) في وفائه ومحبته وتقديره لزوجته.

المصادر:

  1. الخصال، ص 206.
  2. الأمالي للصدوق، ص 222.
  3. نهج البلاغة، ج 2، ص 157.
  4. الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 30.
  5. الإصابة، ج 8، ص 99.
  6. أسد الغابة، ج 1، ص 16.
  7. تاريخ الطبري، ج 2، ص 34.
  8. الكافي، ج 5، ص 374.
  9. الاستيعاب، ج 4، ص 1824.
  10. الأمالي للشيخ، ص 468.
  11. السيرة النبوية، ج 1، ص 158.
  12. إمتاع الأسماع، ص 1، ص 45.
  13. المعجم الكبير للطبراني، ج 23، ص 14.
  14. البخاري، ج 4، ص 231.
2025/03/11

خديجة (ع).. مؤمنة في زمن الكفر!

في زحمة التاريخ الإسلامي، تبرز شخصية استثنائية امتزجت فيها عظمة الإنسان بسمو الإيمان، وتجلت فيها أرقى صور الوفاء والتضحية. امرأة كانت نموذجاً فريداً للعطاء دون حدود، وللإيمان الصادق دون تردد. إنها السيدة خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين وزوجة النبي محمد (ص)، التي سطرت في تاريخ الدعوة النبوية أروع صفحات البذل والإيثار والصدق.

[اشترك]

إن المتأمل في سيرة هذه المرأة العظيمة لا يمكنه إلا أن يقف مشدوهاً أمام تلك الشخصية الفذة التي تميزت بكمالها الإنساني قبل اقترانها بالنبي (ص)، ثم ازدادت شرفاً وعظمة بزواجها منه، فكانت الزوجة الصالحة والأم الرؤوم والداعمة الرسالية المخلصة. فلنبحر معاً في رحاب سيرتها العطرة لنقتبس من فيض عطائها ونستلهم من عظيم مواقفها.

خديجة: الأنموذج الإنساني الفريد

جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) قوله: "أفضل نساء [أهل] الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون". هذا الحديث يضع السيدة خديجة في مصاف النساء الأكثر تميزاً في تاريخ البشرية، ويؤكد أنها ليست امرأة عادية في التاريخ الإسلامي والإنساني، بل هي القدوة والنموذج الأسمى في الإخلاص والتفاني والجهاد وسعة العقل والحكمة.

لقد حباها الله بمعدن طاهر وروح نقية، هيأتها لتكون عظيمة في عينه تعالى، وأهلتها لتكون الحضن الطاهر المخصوص بالكرامة العظيمة، وهي أن تكون أماً لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، وجدة للحسنين (ع). ولقد كان للأئمة من أهل البيت (ع) فخر عظيم بانتسابهم إليها، كما روي عن الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء حين خاطب القوم المحيطين به قائلاً: "أنشدكم الله، هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد، أول نساء هذه الأمة إسلاماً؟ قالوا: اللهم نعم".

السباقة إلى الإسلام: أول من آمن بالرسالة

منذ أن عرفت محمداً (ص) أدركت خديجة بفطرتها السليمة وبصيرتها الثاقبة أنه ليس شخصاً عادياً، فتزوجت به وأخلصت له. وعندما جاءه الوحي وبدأت الدعوة الإسلامية، كانت السيدة خديجة السباقة إلى الإيمان برسالته دون تردد أو شك.

يروي أمير المؤمنين علي (ع): "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما". وفي هذا دليل على فضلها العظيم وسبقها إلى الإيمان. كما سجل التاريخ أن أول صلاة جماعة في الإسلام ضمت النبي (ص) وعلياً وخديجة، في مشهد رواه عفيف بن عمرو حين كان جالساً مع العباس بن عبد المطلب في مكة قبل ظهور أمر النبي (ص)، فشاهد ثلاثة أشخاص يصلون: شاب وغلام وامرأة. فأخبره العباس أن الشاب هو محمد بن عبد الله، والغلام هو علي بن أبي طالب، والمرأة هي خديجة بنت خويلد، وأن ابن أخيه أخبره أن ربه أمره بهذا الدين، وأنه ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.

[اشترك]

خديجة تخطب رسول الله (ص): قصة زواج غير تقليدية

من المواقف الجريئة والمتميزة في حياة السيدة خديجة أنها هي التي طلبت خطبة النبي (ص)، في خروج عن المألوف الاجتماعي الذي كان سائداً آنذاك. لقد كانت امرأة عاقلة حكيمة، تدرك تماماً أن قرار الزواج مصيري ومشترك، وأن للمرأة دوراً ورأياً فيه.

 

كانت خديجة قبل البعثة تلقب بـ "الطاهرة" لعفتها وطهارتها، وكانت سيدة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال ليعملوا في تجارتها. وعندما بلغها عن محمد (ص) صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج في تجارتها إلى الشام مع غلامها ميسرة. وبعد عودته ونجاح رحلته التجارية، أرسلت إليه قائلة: "إني قد رغبت فيك لقرابتك مني وشرفك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك"، وعرضت عليه الزواج، فخطبها وتزوجها.

ومن المواقف المشرقة في قصة زواجهما أنه عندما خطبها أبو طالب من عمها ورقة بن نوفل وتلجلج عمها في الإجابة، تقدمت هي بكل ثقة وقالت: "يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود فلست أولى بي من نفسي، قد زوجتك يا محمد نفسي، والمهر علي في مالي". هذا الموقف يظهر شخصيتها القوية وإرادتها الحرة واعتزازها بذاتها، مع الحفاظ التام على عفتها وكرامتها.

من أجمل خصالها: صدق الإيمان والعطاء دون حدود

لم يكن إيمان خديجة برسول الله (ص) نابعاً من عصبية لزوجها، بل كان إيماناً عن بصيرة ووعي وإخلاص. فعندما نزل الوحي على النبي (ص) وعاد مرتجفاً إلى بيته، كانت أول المصدقين والمطمئنين له. روت السيدة عائشة أن النبي (ص) كان يثني على خديجة دائماً، وعندما سألته عنها قال: "لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت [بي] إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء".

ومن أبرز خصالها أيضاً العطاء غير المحدود في سبيل الله ونصرة الدين. فقد بذلت مالها وقوتها وراحتها من أجل نصرة الإسلام، وتخلت عن حياة الرفاهية التي كانت تعيشها قبل الإسلام، لتتحمل الأذى والحصار مع رسول الله (ص) في شعب أبي طالب، حتى فارقت الدنيا وهي في الحصار، فدفنها النبي (ص) في الشعب المذكور.

وكان مالها نعم العون لرسول الله (ص) في زمن الشدة والحصار، فقد روي أن النبي (ص) قال: "ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة"، وكان يفك من مالها الغارم والأسير، ويحمل الضعيف، ويعطي في النائبة، ويساعد فقراء أصحابه، ويساعد من أراد منهم الهجرة. وكانت خديجة من أكثر قريش مالاً، حيث كانت تملك طائفة من العير في رحلات قريش التجارية.

[اشترك]

المؤازرة المعنوية: دور لا يقل أهمية

ومن أروع خصال السيدة خديجة أنها كانت المتفانية في مؤازرة رسول الله (ص) معنوياً، وهذا دور لا يقل أهمية عن المؤازرة المادية. كانت تؤنسه وتخفف عنه مصاعب التحدي وآلام التكذيب والظلم الذي كان يتلقاه من قريش. جاء في السيرة النبوية: "وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره... فخفف الله بذلك عن نبيه (ص)، لا يسمع شيئاً [مما] يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس".

هذا الدعم المعنوي والنفسي كان له الأثر الكبير في تثبيت النبي (ص) وتقوية عزيمته، خاصة في بداية الدعوة حين كان التحدي في أشده والمعارضة في أوجها.

رسول الله والوفاء لخديجة: نموذج الحب الخالد

كان موت خديجة ثقيلاً على قلب رسول الله (ص)، فقد غابت الزوجة والعشيرة، وارتحلت المؤازِرة والمناصِرة. وتزامن موتها مع موت عمه أبي طالب، فعظُمت المصيبة عليه وسمى ذلك العام بـ "عام الحزن"، وقال: "ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب".

ومرت السنين على وفاة خديجة، لكنها بقيت حاضرة في قلب رسول الله (ص) وذاكرته، فكان يحن إليها ويثني عليها، ويذكرها بما هي أهله. وكان من مظاهر وفائه لها أنه كان يُكرم صديقاتها ويرسل إليهن الهدايا. روت السيدة عائشة أنها قالت: "دخلت على رسول الله (ص) امرأة، فأتي رسول الله (ص) بطعام فجعل يأكل من الطعام ويضع بين يديها، فقلت يا رسول الله لا تغمر يديك، فقال رسول الله (ص): إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد أو حفظ العهد من الإيمان".

كما روت أيضاً: "ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله (ص) إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن".

وفي البخاري بسنده عن عائشة قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي (ص) ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي (ص) يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد".

[اشترك]

تبقى سيرة السيدة خديجة بنت خويلد (ع) نبراساً يضيء دروب الأجيال، ونموذجاً فريداً للمرأة المسلمة في إيمانها وعطائها وتضحيتها ودعمها لزوجها ودينها. امرأة سابقت الزمن واستشرفت المستقبل بنور البصيرة، فآمنت برسالة الإسلام منذ اللحظات الأولى، وقدمت كل ما تملك من مال وجهد ودعم نفسي ومعنوي لنصرة هذا الدين.

إن سيرتها العطرة تخاطب المرأة المسلمة في كل زمان ومكان، وتدعوها لأن تكون عنصر بناء وعطاء في أسرتها ومجتمعها، وأن تؤدي دورها الرسالي بكل إخلاص وتفان، كما تخاطب الرجل المسلم وتدعوه للاقتداء بالنبي (ص) في وفائه ومحبته وتقديره لزوجته.

المصادر:

  1. الخصال، ص 206.
  2. الأمالي للصدوق، ص 222.
  3. نهج البلاغة، ج 2، ص 157.
  4. الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 30.
  5. الإصابة، ج 8، ص 99.
  6. أسد الغابة، ج 1، ص 16.
  7. تاريخ الطبري، ج 2، ص 34.
  8. الكافي، ج 5، ص 374.
  9. الاستيعاب، ج 4، ص 1824.
  10. الأمالي للشيخ، ص 468.
  11. السيرة النبوية، ج 1، ص 158.
  12. إمتاع الأسماع، ص 1، ص 45.
  13. المعجم الكبير للطبراني، ج 23، ص 14.
  14. البخاري، ج 4، ص 231.
2025/03/11

ذكور وإناث: قائمة بأسماء أولاد الإمام علي (ع).. تعرّف عليها

هل للإمام علي (ع) ولد يسمى أبا ذر؟، ومن هم أبناءه (ع)؟

الجواب:

ليس للإمام علي (ع) ولد بهذا الاسم.

وأولاد أمير المؤمنين (ع) كما أفاد الشيخ المفيد (رحمه الله) سبع وعشرون ولداً ذكراً وأنثى وهم:

1- الإمام الحسن (ع).

2- الإمام الحسين (ع).

3- زينب الكبرى.

4- وزينب الصغرى المكناة بأم كلثوم.

5- ومحمد بن الحنفية.

[اشترك]

6- وعمر.

7- ورقية توأمان.

8- والعباس.

9- وجعفر.

10- وعثمان.

11- وعبد الله.

12- ومحمد الأصغر.

13- وعبيد الله.

14- ويحيى.

15- وأم الحسن.

16- ورملة.

17- ونفيسة.

18- وزينب الصغرى.

19- ورقية الصغرى.

20- وأم هاني.

21- وأم الكرام.

22- وجمانة.

23- وأمامة.

24- وأم سلمة.

25- وميمونة.

26- وخديجة.

27- وفاطمة.

فإذا أُضيف إلى هؤلاء الولدُ الذي أسقطته السيدة فاطمة (ع) عدواناً، وهو الذي سمّاه رسول الله (ص) محسناً فمجموع أولاده (ع) ثمانية وعشرون ولداً ذكراً وأنثى.

2025/02/15

لماذا لم يتزوج الإمام علي (ع) في حياة فاطمة (ع)؟

السؤال: يقول علماء الطائفة الحقة بأن أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يتزوج بثانية في حياة السيدة الزهراء (عليها السلام)، إكراماً لها.

 ولكننا نجد بعض الروايات التي تفيد أنه (عليه السلام)، كان يأخذ سهمه من سبي النساء في بعض الحروب، وكان يدخل بها..

ألا ينافي هذا ما يقوله علماء الطائفة الحقة؟!

والسلام عليكم..

[اشترك]

الجواب: قد ذكرنا في إجابة لنا سابقة نشرت في بعض أجزاء كتاب مختصر مفيد: أنه قد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: حرّم الله النساء على علي ما دامت فاطمة حية، لأنها طاهرة لا تحيض(1).

وأما حديث أخذ الإمام علي (عليه السلام) سهمه من الجواري المسبيات في الحروب، فإن الأصل فيه حديث بريدة بن الخصيب الأسلمي.. [وفي بعض النصوص ذكر البراء، بدل بريدة] الذي أرسله خالد بن الوليد للوقيعة بالإمام علي (عليه السلام)، عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بحجة: أن الإمام (عليه السلام) اصطفى جارية من السبي، وقعت في الخمس.

وقد ذكرت الرواية: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قد غضب للإمام علي (عليه السلام)، وصوّب موقفه(2)..

إننا نلاحظ هنا وفي مقام الإجابة على السؤال نقول:

1ـ إن أغلب المصادر لم تشر إلا لمجرد اصطفاء الإمام علي (عليه السلام)، جارية من خمس السبي لنفسه، وظاهر طائفة مما ذكرته المصادر المتقدمة وغيرها من نصوص لهذه الرواية: أن الاعتراض إنما كان منصباً على تصرفه (عليه السلام)، في مال الخمس. وكمثال على ذلك نشير إلى نص الشيخ المفيد (رحمه الله)، الذي ذكر أن بريدة جعل يقرأ كتاب خالد لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والمتضمن للوقيعة في علي (عليه السلام)، ووجه النبي (صلى الله عليه وآله)، يتغير، فقال بريدة: «إنك إن رخصت للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم.

فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ويحك يا بريدة! أحدثت نفاقاً؟! إن علي بن أبي طالب كان له من الفيء ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك الخ..»(3).

فليس في الرواية اشارة إلى أنه (عليه السلام) قد وطأ تلك الجارية، كما تزعم بعض الروايات.

2ـ إن بعض النصوص التي رويت لهذه الحادثة تقول: «فتكلم بريدة في علي عند الرسول، فوقع فيه، فلما فرغ رفع رأسه، فرأى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، غضب غضباً لم يره غضب مثله إلا يوم قريظة والنضير، وقال:

«يا بريدة، أحب علياً فإنه يفعل ما آمره»(4).

3ـ ومع غض النظر عن ذلك، وافتراض صحة الروايتين معاً، نقول: إنه قد يمكن التوفيق والجمع بينهما، وذلك إذا فسرت رواية تحريم النساء على أمير المؤمنين (عليه السلام) مدة حياة السيدة فاطمة (عليها السلام)، بأن المقصود بها تحريم الزواج الدائم بالحرائر منهن. فلا تشمل الرواية التسري بالإماء..

4ـ إن ما ذكروه من أنه (عليه السلام) قد أصاب من الجارية وأنه خرج إليهم ورأسه يقطر، وأخبرهم بما جرى، لم نجده مروياً عن الأئمة  (عليهم السلام)، ولعله قد أضيف من قبل أولئك الذين أرادوا أن يثيروا المشكلة على أساس إثارة حفيظة السيدة الزهراء (عليها السلام)، لاعتقادهم أن ذكر ذلك لها عنه (عليه السلام)، سوف يثير حفيظتها، ويحركها ضده.

ولكن فألهم قد خاب؛ لأنهم لم يعرفوا الإمام علياً ولا السيدة الزهراء (صلوات الله وسلامه عليهم)ا.

وربما تكون هذه التحريكات المغرضة قد حصلت في وقت لاحق، أي بعد أن فشلت محاولاتهم الوقيعة به عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)..

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

الهوامش:

(1) البحار ج43 ص16 و153 وفاطمة بهجة قلب المصطفى ج1 ص159 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص64 ومناقب آل أبي طالب ج3 ص330 ومستدرك الوسائل ج2 ص42 وتهذيب الأحكام ج7 ص475 وبشارة المصطفى ص306 وعوالم العلوم ج11 ص66 و387 وضياء العلوم [مخطوط] ج2 قسم3 ص7 والأمالي للطوسي ج1 ص42.

(2) هذا الحديث رواه عموم أهل السنة في مجاميعهم الحديثية، وفي كتب السيرة، والتراجم، وغير ذلك، فراجع على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

صحيح البخاري كتاب النكاح باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف، وكتاب الخمس، وكتاب المناقب، وصحيح مسلم ج7 ص141 وفي فضائل فاطمة (عليها السلام)، ومسند أحمد ج4 ص328 وحلية الأولياء ج2 ص40 والسنن الكبرى للبيهقي ج7 ص64 والمستدرك على الصحيحين للحاكم ج3 ص158 و159 وغوامض الأسماء المبهمة ص340 و341 وسنن ابن ماجة ج1 ص616 وأسد الغابة ج5 ص521 والجامع الصحيح للترمذي ج5 ص591 و597 ونزل الأبرار ص82 و83 والسيرة الحلبية ج2 ص208 والمناقب لابن شهرآشوب ج1 ص4 وسنن أبي داود ج2 ص326 وتلخيص الشافي ج2 ص276 والغدير ج3 ص216 والبحر الزخار ج6 ص435 وجواهر الأخبار والآثار [بهامش البحر الزخار] للصعدي ، ومصابيح السنة ج2 ص257 وكنز العمال ج15 ص24 ـ 125 و126 و271 والبداية والنهاية ج7 ص344 و345 ومحاضرة الأدباء المجلد الثاني ص234 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج12 ص51 و88 وج4 ص64 ـ 66 وتهذيب التهذيب ج7 ص90 وفتح الباري ج7 ص6 وج9 ص286 ونسب قريش ص87 و312 والمصنف للصنعاني ج7 ص300 و301 و302.

(3) الإرشاد ص160 و161 ط مؤسسة آل البيت وقاموس الرجال ج2 ص173 عنه.

(4) راجع المعجم الأوسط ج5 ص117 وبشارة المصطفى ص146 و147 وتاريخ دمشق ج42 ص291 وفي ط أخرى 195 ومجمع الزوائد ج9 ص129 وخصائص أمير المؤمنين للنسائي هامش ص103 والأمالي للطوسي 250 والبحار ج39 ص282 ونهج السعادة ج5 ص279.

  

 

2025/02/05

في العبادة والمرض.. أسرار الإمام زين العابدين (ع)!

التأسي بشخصية الإمام زين العابدين (عليه السلام)

نريد أن نتناول جزءاً من شخصية زين العابدين (ع). إن عادتي في مناسبات المعصومين أن أبحث عن نقاط التأسي؛ فالوقوف على فضائله والنص على إمامته وكراماته ومعجزاته أمور جيدة ولكن ماذا أفعل أنا في مواجهة هذه السيرة؟

[اشترك]

صلوات المعصومين

أولا: صلاتهم. ولعل البعض قد ألف كتابا في صلاة المعصومين وإذا لم يؤلف؛ فنحن نقترح تأليف كتاب بهذا المضمون. حبذا لو أن إنسانا محققا يجمع لنا صلوات المعصومين، وكيف كانوا يصلون الأئمة جميعا، وحالاتهم حين الصلاة. إن الكثير منها مدونة في كتب الحديث ومنهم إمامنا زين العابدين (ع). وبالمناسبة إن من صور التعويض لإمامنا زين العابدين (ع) أن رزقه الله أولادا كالباقر والصادق (ع)؛ بهما انتشر العلم. صحيح أن السجاد (ع) كان في المدينة يبكي في جوف الليل ولم يأذن له الطاغية بنشر علوم آباءه؛ ولكن هذا الولد الذي كان في كنفه إمام صغير وولده الإمام الصادق نشرا ما نشرا.

صلاة الإمام زين العابدين (عليه السلام)

يروي لنا حفيده الإمام الصادق (ع) كيفية صلاة جده. إن الإمام الصادق (ع) يقول: (كَانَ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ إِذَا حَضَرَتِ اَلصَّلاَةُ اِقْشَعَرَّ جِلْدُهُ وَاِصْفَرَّ لَوْنُهُ وَارْتَعَدَ كَالسَّعَفَةِ)[١]. وهنا لست في مقام إثارة المصيبة، ولكنني أقول: إن الإمام عندما كان يصلي في الأسر كانت هذه حالته أيضا. فما الفرق بين صلاة الإمام قبل كربلاء وفي كربلاء، وبعد كربلاء في الشام؟ كم عز على رب العالمين أن يرى الإمام والأغلال في عنقه وهو هكذا يرتعد من خوف الله وخشيته؟ أو عجبتم أن مطرت السماء دما في هكذا مصيبة؟ بل لو انقلبت الأرض عاليها سافلها لما كان غريبا. ولهذا فقد أصبح من أبواب الحوائج إلى الله عز وجل. وقل من يتوسل بإمامنا زين العابدين (ع) في الشدائد ولا يرى نتيجة. إن هذا الإمام الممتحن له وجاهة عند الله عز وجل، وهذه الوجاهة قل نظيرها.

حال الإمام زين العابدين (عليه السلام) في شهر رمضان

ننا عادة نقول في شهر رمضان: عليكم بصوم الخواص. والبعض يتحير في تفسير هذا الصوم. إن كنت تريد أن تعلم ما هو صوم الخواص؛ فتأمل هذه الرواية. يقول الصادق (ع): (إِذَا كَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلاَّ بِالدُّعَاءِ وَ اَلتَّسْبِيحِ وَ اَلاِسْتِغْفَارِ وَ اَلتَّكْبِيرِ فَإِذَا أَفْطَرَ قَالَ اَللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَفْعَلَ فَعَلْتَ)[٢]؛ أي إن أردت أن تقضي حاجتي فعلت.

حاله في مرضه

قال علي بن الحسين (ع): (مَرِضْتُ مَرَضاً شَدِيداً فَقَالَ لِي أَبِي عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا تَشْتَهِي فَقُلْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ لاَ أَقْتَرِحُ عَلَى اَللَّهِ رَبِّي مَا يُدَبِّرُهُ لِي فَقَالَ لِي أَحْسَنْتَ ضَاهَيْتَ إِبْرَاهِيمَ اَلْخَلِيلَ صَلَوَاتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ جَبْرَئِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ هَلْ مِنْ حَاجَةٍ فَقَالَ لاَ أَقْتَرِحُ عَلَى رَبِّي بَلْ حَسْبِيَ اَللَّهُ وَ نِعْمَ اَلْوَكِيلُ)[٣]؛ إن هذه المقامات هي مقامات الأنبياء وهي ثابتة لموالينا (ع).

علاقته بناقته..!

إن إمامنا زين العابدين (ع) في ساعة الاحتضار يقول لولده الباقر (ع): (قَالَ عَلِيُّ بْنُ اَلْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ لاِبْنِهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ حَضَرَتْهُ اَلْوَفَاةُ إِنَّنِي قَدْ حَجَجْتُ عَلَى نَاقَتِي هَذِهِ عِشْرِينَ حَجَّةً فَلَمْ أَقْرَعْهَا بِسَوْطٍ قَرْعَةً فَإِذَا نَفَقَتْ فَادْفِنْهَا لاَ تَأْكُلْ لَحْمَهَا اَلسِّبَاعُ فَإِنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ قَالَ مَا مِنْ بَعِيرٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ مَوْقِفَ عَرَفَةَ سَبْعَ حِجَجٍ إِلاَّ جَعَلَهُ مِنْ نَعَمِ اَلْجَنَّةِ وَ بَارَكَ فِي نَسْلِهِ)[٤].

إن الجمل أو أي دابة كالحمار أو الحصان يتباطئ في المشي عادة؛ فيقرعونها على ظهرها بالصوت يحدونها على السير. ومن ضرب حماره ليمشي سريعا لا يلام. ولكن الإمام يقول: هذه الناقة هي رفيقتي وصديقتي في أسفار الحج. إن بعيرا يذهب للحج سبعة سنوات يكون في الجنة وله شأن وبارك في نسله؛ فكيف بالمؤمن الذي يدمن الحج؟

الهوامش:

[١] بحار الأنوار  ج٤٦ ص٥٥.

[٢] الکافي  ج٤ ص٨٨.

[٣] بحار الأنوار  ج٧٨ ص٢٠٨.

[٤] بحار الأنوار  ج٩٦ ص٣٨٥.

2025/02/04

ولادة الإمام الحسين (ع).. تفاصيل وكواليس مثيرة عن المولد الاستثنائي!

في السنة الرابعة للهجرة، في الخامس من شعبان، أو لثلاث، أو لأربع، خلون منه، كانت ولادة الإمام الحسين بن علي «عليهما السلام» في المدينة المنورة 1.

[اشترك]

وقيل: ولد في آخر شهر ربيع الأول، سنة ثلاث من الهجرة 2.
وقال قتادة: إنه «عليه السلام» ولد بعد أخيه الحسن بسنة وعشرة أشهر، لخمس سنين وستة أشهر من التاريخ 3.
وقال الجزري تفريعاً على قول قتادة: فولدته لست سنين، وخمسة أشهر ونصف 4.
وقال الدولابي: ولد لأربع سنين وستة أشهر من الهجرة 5.
وقيل: ولد سنة سبع، وليس بشيء 6.
ومن جهة أخرى ؛ فقد قيل: لم يكن بينه وبين أخيه إلا الحمل، والحمل ستة أشهر 7.
وزاد في بعض الروايات قوله: وعشراً 8.
وقيل: كان أصغر من الحسن بسنة 9.
وقول آخر: يفيد أنه كان بين ولادة الحسن وولادة الحسين عشرة أشهر وعشرون يوماً 10.
وفي رواية أخرى: أنها حملت به بعد وضعها الحسن «عليه السلام» بخمسين يوماً 11.
وفي نص آخر: لم يكن بينهما إلا طهر واحد 12.
وقال ابن قتيبة: «حملت به بعد أن وضعت الحسن بشهر واحد واثنين وعشرين يوماً، وأرضعته وهي حامل ثم أرضعتهما جميعاً» 13.
ومن الواضح أنه لا منافاة بين النصوص الأربعة الأخيرة على تقدير كون الحمل به تسعة أشهر، ولكن العسقلاني يقول: «قلت: فإذا كان الحسن ولد في رمضان، وولد الحسين في شعبان، احتمل أن يكون ولدته لتسعة أشهر، ولم تطهر من النفاس إلا بعد شهرين» 6.

[اشترك] 

ونقول: إن في كلامه بعض المناقشة
أولاً: إنه مبني على ما يذهبون إليه، من أن النفاس يمكن أن يكون أربعين يوماً، ويكون شهرين وأكثر وأقل وغير ذلك.
أما على ما هو الثابت من مذهب أهل البيت «عليهم السلام»، ويؤيده الواقع، من أن أكثر النفاس عشرة أيام ولا حد لأقله، فلا معنى لاستمرار نفاسها إلى شهرين.
ثانياً: إنه حتى على ما ذكره ؛ فإن نفاسها يكون خمسين يوماً، إذا كان حملها قد استمر تسعة أشهر، إلا أن يكون كلامه تقريبياً، ولا تحديد فيه.
ثالثاً: قد ورد في الروايات: أنها «صلوات الله وسلامه عليها» لم تر الدم حين الولادة أصلا ً 14.
الحلق، والعقيقة، والتسمية
«ولما ولد «عليه السلام»، أخبر النبي «صلى الله عليه وآله» به، فجاءه، وأخذه، وأذن في أذنه اليمنى، وأقام في أذنه اليسرى، واستبشر به «صلى الله عليه وآله»، وسماه «حسيناً» وعق عنه كبشاً، وفي رواية كبشين، وقال لأمه: احلقي رأسه، وتصدقي بوزنه فضة، وافعلي به كما فعلت بأخيه الحسن».
وزاد البعض: وأعطى القابلة رجل العقيقة، وختنه يوم السابع من ولادته.
وزاد آخرون: أنه «صلى الله عليه وآله» حنكه بريقه، وتفل في فمه، ودعا له، وسماه حسيناً، يوم السابع 15.
وعن عمران بن سليمان، قال: الحسن والحسين من أسماء أهل الجنة، لم يكونا في الجاهلية 16.
لا منافاة بين الروايات
وفي حين نجد بعض الروايات تقول: إن فاطمة «عليها السلام» قد عقت عن الحسنين «عليهما السلام» 17.
فإننا نجد الروايات المتضافرة الأخرى تفيد: أنه «صلى الله عليه وآله» هو الذي عق عنهما «عليهما السلام» 18.
كما أن بعض الروايات تفيد: أن فاطمة «عليها السلام» هي التي حلقت رأسيهما يوم سابعهما، وتصدقت بوزن شعرهما فضة 19.
بينما غيرها يقول: إن النبي «صلى الله عليه وآله» نفسه هو الذي تولى ذلك منهما 20.
ولعله لا منافاة بين جميع ما ذكر، إذ إن الرسول «صلى الله عليه وآله» أمرها بذلك، حسبما صرحت به الروايات، فهي «عليها السلام» قد تولت أمر العقيقة والحلق، والنبي «صلى الله عليه وآله» يكون هو الذي اشترى العقيقة، ودفع الفضة التي تصدقت بها «عليها السلام».
ويمكن أن يكون «صلى الله عليه وآله» قد شارك الصديقة الطاهرة «عليها السلام» في ذبح الكباش وتوزيعها، كما وشاركها في أمر الحلق أيضاً، فصح نسبة الفعل إليه «صلى الله عليه وآله» تارة، وإليها «صلوات الله وسلامه عليها» أخرى 21 والله العالم.

[اشترك] 

اليافعي وثقافته الواسعة
قال اليافعي: «في رمضان منها (أي سنة ثلاث) ولد الحسن رضوان الله عليه.
قلت: ولم أرهم ذكروا تاريخ ولادة أخيه الحسين رضي الله تعالى عنه، والذي يقتضيه ما ذكروا من تاريخ مدة عمرهما، وزمان وفاتهما: أن يكون ولادة الحسين في السنة الخامسة، والله تعالى أعلم.
ثم وقفت على كلام للإمام القرطبي المالكي يذكر فيه: أنه ولد في شهر شعبان في السنة الرابعة.
فعلى هذا ولد الحسين قبل تمام السنة من ولادة الحسن، ومثل هذا غريب في العادة، نادر الوقوع.
ويؤيد هذا ما وقفت عليه بعد ذلك، ومن نقل الواحدي: أن فاطمة رضي الله تعالى عنها علقت بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة والله أعلم» 22.
وإنما ذكرنا كلام اليافعي ـ وهو من أعلام القرن الثامن الهجري ويعبر عنه بـ «الإمام» ـ بطوله، ليقف القارئ على سعة اطلاع هذا الرجل، ومعرفته بتاريخ حفيد رسول الله «صلى الله عليه وآله»، وأحد سبطيه، وسيد شباب أهل الجنة «صلوات الله وسلامه عليه»، مع أنه هو نفسه يذكر تواريخ دقيقة لكثير من الناس الذين لا شأن ولا منزلة لهم إلا من خلال مواقفهم وعداواتهم لأهل البيت «عليهم السلام».
حملته أمه كرهاً
وجاء في رواية عن أبي عبد الله «عليه السلام»: أنه لما أعلم جبرئيل النبي «صلى الله عليه وآله» بأن أمته ستقتل الحسين «عليه السـلام» ـ وذلك قبل أن يولد «عليه السلام» ـ كرهت فاطمة «عليها السلام» حمله. وحينما وضعته كرهت وضعه، لأنها علمت أنه سيقتل وفيه نزلت:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ... ﴾23.
زاد في المناقب: ولم يولد مولود لستة أشهر عاش غير عيسى والحسين.
وفي نصوص أخرى: أنها «عليها السلام» رضيت لما أخبرها بأن الإمامة والولاية في ذريته 24.
وأقول
 لا أستطيع أن أؤكد صحة هذا الخبر، ما دمت أرى أنه لا يناسب فاطمة «عليها السـلام» أن تفكر بهذه الطريقة التي تصب في الاتجـاه الشخصي، وأقول: إن فاطمة ترضى ما يرضاه الله سبحانه لها، ولم تكن لتكره عطيته سبحانه، ولا سيما إذا كانت هذه العطية هي الحسين «عليه السلام» سيد شباب أهل الجنة.
كما أنني أريد أن أحتمل هنا: أن المقصود أيضاً هو التقليل من كرامة الحسين «عليه السلام» نفسه، حتى إن أقرب الناس إليه وهو أمه لم ترض بحمله، ولا بوضعه، وكان وجوده ثقيلاً عليها.
ويمكن أن يناقش في هذه الرواية بأن الآية قد وردت في سورة الأحقاف، وهي مكية 25، والحسين «عليه السلام» إنما ولد في المدينة.
وقد يمكن دفع ذلك بأمرين
الأول: بما ورد في بعض الروايات من أنه «صلى الله عليه وآله» كان إذا نزلت آية يقول لهم ضعوها في المكان الفلاني 26 ويمكن أن تكون هذه الآية نزلت في المدينة، ووضعها الرسول «صلى الله عليه وآله» في سورة مكية، تقدم نزولها، وقد ورد الاستثناء لهذه الآية بخصوصها فراجع المصاحف المطبوعة.
الثاني: إنه يمكن أن يكون قد تكرر نزول هذه الآية بهذه المناسبة، ولذلك نظائر كثيرة 27 فلا إشكال.

[اشترك] 

رواية أسماء
وأما بالنسبة لرواية أسماء بنت عميس لما جرى حين ولادته وأخيه الحسن «عليهما السلام» وحكم بعض المحققين عليها بأنها غير مستقيمة فقد تقدم في المجلد السادس: أن سبب ذلك هو الاشتباه في قراءة كلماتها.
وإن كان في بعض نصوصها شيء من التهافت الناشئ من خلط الرواة بين بنت عميس وغيرها 28.
وملخص هذه الرواية حسبما جاء في روضة الواعظين
قالت أسماء بنت عميس: قبلت فاطمة بالحسن والحسين «عليهم السلام»، فلما ولد الحسن «عليه السلام» جاء النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: يا أسماء (أي وهي غير بنت عميس) هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة صفراء، فرمى بها النبي «صلى الله عليه وآله» وقال: يا أسماء، ألم أعهد إليكم أن لا تلفوا المولود في خرقة صفراء ؟ فلفته في خرقة بيضاء، ودفعته إليه، فأذن في أذنه اليمنى.
ثم تذكر الرواية تسمية النبي «صلى الله عليه وآله» له، وحلقه رأسه، وتصدقه بزنته ورقاً، وعقه عنه، وطلي رأسه بالخلوق، ثم قال: يا أسماء الدم فعل الجاهلية.
«ولعله لأنهم كانوا في الجاهلية يطلون رأس المولود بالدم، فغيَّر «صلى الله عليه وآله» هذه السنة السيئة».
فلما ولد الحسين، جاء «صلى الله عليه وآله» وقال: يا أسماء «أي وهي غير بنت عميس» هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء، فأذن في أذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعه في حجره، وبكى، فقالت أسماء: قلت فداك أبي وأمي مم بكاؤك ؟
فقال: على ابني هذا.
قلت: إنه ولد الساعة.
قال: يا أسماء، تقتله الفئة الباغية إلى آخر الرواية 29.
فأسماء بنت عميس فيها تروي عن أسماء أخرى، ولعلها بنت يزيد الأنصارية.
أما ما روي عن السجاد «عليه السلام»، من أنه قال: لما حان وقت ولادة فاطمة بعث إليها رسول الله «صلى الله عليه وآله» أسماء بنت عميس وأم أيمن، حتى قرأتا ؟ عليها آية الكرسي والمعوذتين 30.
فهو أيضاً موضع إشكال، لأن بنت عميس كانت مع زوجها جعفر بن أبي طالب في الحبشة، ولم تقدم إلى المدينة إلا عام خيبر.
والظاهر ـ أيضاً ـ: أن كلمة «بنت عميس» مقحمة في هذه الرواية من قبل الرواة أو المؤلفين جرياً على عادتهم وما هو المألوف عندهم، وتكون أسماء هي واحدة أخرى من النساء الصحابيات، بنت يزيد، أو غيرها.
ومما يدل على هذا الإقحام: أننا نجد الدياربكري، راوي الرواية السابقة عن علي بن الحسين «عليه السلام» يروي رواية أخرى عن المحب الطبري، فيقحم فيها من عند نفسه كلمة «بنت عميس» فيقول:
«عن أسماء بنت عميس، قالت: قبلت فاطمة بالحسن ؛ فلم أر لها دماً ؛ فقلت: يا رسول الله إني لم أر لفاطمة دماً في حيض ولا نفاس ؟! فقال «صلى الله عليه وآله»: «أما علمت أن ابنتي طاهرة مطهرة، لا يرى لها دم في طمث، ولا ولادة أخرجه الإمام علي بن موسى الرضا» 29.
فراجعت ذخائر العقبى ص44 فرأيت الرواية نفسها، ولكنها عن أسماء من دون ذكر لعبارة «بنت عميس» فيها.
وهذه هي الرواية الصحيحة، لأن بنت عميس كانت حين ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» في الحبشة، لا في المدينة حسبما ألمحنا إليه آنفاً.
وثمة روايات أخرى عن أسماء بنت عميس 31، والكلام فيها هو الكلام.
أي أننا نحتمل أن يكون لفظ: «بنت عميس» من إقحام الرواة، انطلاقاً مما هو مرتكز في أذهانهم، دون أن يلتفتوا إلى المفارقة المذكورة.

[اشترك] 

التشريف والتكريم
هذا وقد روي عن أبي جعفر «عليه السلام»، قال: لما عرج برسول الله «صلى الله عليه وآله»، نزل بالصلاة عشر ركعات: ركعتين، ركعتين، فلما ولد الحسن والحسين، زاد رسول الله سبع ركعات شكراً لله ؛ فأجاز الله ذلك 32.
وقال ابن شهرآشوب: «من كثرة فضلهما، ومحبة النبي إياهما: أنه جعل نوافل المغرب، وهي أربع ركعات، كل ركعتين منهما عند ولادة كل واحد منهما» 33.
هذا وقد أشرنا في المجلد الرابع من هذا الكتاب في فصل: قضايا وأحداث غير عسكرية إلى موضوع الزيادة في الصلاة فلا نعيد.
ولكننا نشير هنا: إلى أن بعض الروايات تشير إلى أن سبب زيادة الركعتين أمر آخر، وهو إرادة الحفاظ على إتيان الصلاة من قبل المكلفين بصورة معقولة.
وقيل: غير ذلك، فليراجع كتاب الوسائل ج3 باب عدد الفرائض اليومية ونوافلها وجملة من أحكامها.
ولا مانع من كون الداعي إلى ذلك هو كلا الأمرين، كما أن رواية ابن شهرآشوب 34 لا تنافي الرواية التي قبلها، كما لا تنافي سائر الروايات المبينة لسبب جعل النوافل ؛ فإن جعل النافلة عند ولادتهما تشريفاً لهما، لا ينافي أن تكون علة هذا الجعل شيئاً آخر، وذلك ظاهر.
إرضاع الحسين عليه السلام بلبن قثم لا يصح
عن أم الفضل بنت الحارث قالت: رأيت فيما يرى النائم: أن عضواً من أعضاء النبي «صلى الله عليه وآله» في بيتي، فقصصتها على النبي «صلى الله عليه وآله»، فقال: خيراً رأيت، تلد فاطمة غلاماً، فترضعيه بلبن قثم، فولدت فاطمة غلاماً، فسماه حسيناً، فدفعه إلى أم الفضل، فكانت ترضعه بلبن قثم 35.
وفي نص أخر: لم يذكر إرضاعها له بلبن قثم، بل اكتفى بأنه «صلى الله عليه وآله» أخبرها بأنه يكون في حجرها، فكان كذلك، وتفصيل القصة يراجع في مصادرها 36.
ولكننا قد قدمنا في هذا الكتاب، في فصل: شخصيات وأحداث، حينما تحدثنا عن ولادة الإمام الحسن «عليه السلام» ما يلي:
1 ـ إن العباس لم يكن قد هاجر حينئذٍ إلى المدينة، وقد كانت زوجته عنده في مكة، كما هو الظاهر.
2 ـ إننا نجد البعض ينكر أن يكون لقثم صحبة أصلاً.
وأخيراً، فيحتمل أن تكون رواية أم الفضل هذه هي نفس الرواية التي تقدمت في هذا الكتاب في آخر فصل شخصيات وأحداث.
لكن الرواة بسبب عدم نقط الكلمات وتقارب كلمتي الحسن والحسين، قد صحفوا أحدهما بالآخر، ونضيف هنا:
3 ـ إنه قد ورد في بعض الروايات ـ والنص للبحراني ـ أنه: «لم يرضع الحسين «عليه السلام» من فاطمة «عليها السلام»، ولا من أنثى، كان يؤتى به النبي «صلى الله عليه وآله» فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه، اليومين، والثلاثة، فنبت لحم الحسين من لحم رسول الله «صلى الله عليه وآله»، ودمه من دمه» 37.
وفي نص آخر: أنه كان يؤتى بالحسين ؛ فيلقمه لسانه ؛ فيمصه ؛ فيجتزئ به، ولم يرتضع من أنثى 38.
وروي عن أبي عبد الله «عليه السلام»، قال: كان رسول الله «صلى الله عليه وآله» يأتي مراضع فاطمة ؛ فيتفل في أفواههم، ويقول لفاطمة: لا ترضعيهم 39.
وإن كان ربما يقال: إن هذا لا يدل على أنه لم يرضع من أخريات.
وبعد، فقد تقدم: أن الظاهر هو: أن صاحبة القضية المذكورة، وصاحبة المنام المشار إليه، ليست هي أم الفضل، وإنما هي أم أيمن 40، حسبما جاء في بعض الروايات، وأشرنا إليه في جزء سابق حين الكلام حول ولادة الحسن «عليه السلام».

[اشترك] 

أوهام لأبي نعيم
عن هارون عن عبد الله قال: سمعت أبا نعيم يقول: «قتل الحسين على رأس سنة ستين، يوم السبت؛ يوم عاشوراء، وقتل وهو ابن خمس وستين، أو ست وستين».
وفي هذه الرواية وهم من جهتين؛ في القتل، والمولد.
فأما مولد الحسين ؛ فإنه كان بينه وبين أخيه الحسن طهر. وولد الحسن للنصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة.
وأما الوهم في تاريخ موته، فأجمع أهل التاريخ: أنه قتل في المحرم، سنة إحدى وستين، إلا هشام ابن الكلبي، فإنه قال: سنة اثنتين وستين، وهو وهم أيضاً» 41.
ونزيد نحن في توضيح ذلك: أن معنى كلام أبي نعيم هو: أن الإمام الحسين «عليه السلام»، قد ولد قبل الهجرة بست سنين، مع أن علياً قد تزوج بالزهراء «عليهما السلام» بعد الهجرة، وولدت له الحسن «عليه السلام» في سنة ثلاث.
أضف إلى ذلك: أن أبا الفرج يقول: «إن الأصح هو: أنه «عليه السلام» قد استشهد يوم الجمعة، لا يوم السبت» 42.
ويقول عن القول بأنه استشهد يوم الإثنين: إنه: «لا أصل له، ولا حقيقة، ولا وردت فيه رواية» 43.
رواية أخرى لا تصح
قال أبو الفرج: «وروى سفيان الثوري عن جعفر بن محمد: أن الحسين بن علي قتل وله ثمان وخمسون سنة، وأن الحسن كذلك كانت سنوّه يوم مات، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وأبو جعفر محمد بن علي» 44.
قال سفيان: «وقال لي جعفر بن محمد: وأنا بهذا السن في ثمان وخمسين سنة، فتوفي فيها رحمة الله عليه» 45.
قال أبو الفرج: «وهذا وهم، لأن الحسن ولد سنة ثلاث من الهجرة، وتوفي في سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك، وسنه على هذا ثمان وأربعون سنة، أو نحوها» 46.
ونقول:
أولاً: قول أبي الفرج عن الإمام الحسن «عليه السلام»: إنه «توفي سنة إحدى وخمسين، ولا خلاف في ذلك» محل نظر، إذ إن كثيرين يقولون: إنه «عليه السلام» قد توفي في سنة تسع وأربعين، وقيل: في سنة خمسين، وقيل: في سنة ثمان وأربعين، وقيل: غير ذلك 47.
وبالنسبة لسن السجاد والباقر «عليهما السلام»، فهو أيضاً ليس على حسب ما جاء في الرواية، فليراجع البحار والكافي، وغير ذلك من المصادر المشار إليها في الهامش على الفقرة السابقة.
ثانياً: بالنسبة للمدة التي عاشها الإمام الصادق «عليه السلام»، فالمقل يقول: إنه «عليه السلام» قد عاش ثلاثاً وستين سنة، والأكثر على أنه عاش خمساً وستين، وقيل أكثر من ذلك 48.

[اشترك] 

اشتباهات حسابية
وهذه الاشتباهات كثيرة، نذكر منها ما يلي:
1 ـ قال المقدسي: «قتل الحسين «عليه السلام» سنة إحدى وستين من الهجرة، يوم عاشوراء، وهو يوم الجمعة، وكان قد بلغ من السن ثمانياً وخمسين سنة» 49.
وقال في موضع آخر: «قتل يوم عاشوراء سنة اثنتين وستين» 50. والتنافي بين هذين القولين ظاهر.
كما أنه بعد ذكره: أن الحسن «عليه السلام» قد توفي سنة سبع وأربعين 51 ذكر: «أن الحسين «عليه السلام» قد قتل سنة اثنتين وستين، بعد الحسن بسبع عشرة سنة» 50، مع أن ما بين سبع وأربعين واثنتين وستين هو خمس عشرة سنة لا أكثر.
وفي مورد آخر يذكر: أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الحسن بعشرة أشهر أي في السنة الرابعة 50، ثم يذكر: أنه استشهد سنة إحدى وستين وعمره ثمان وخمسون سنة. مع أن عمره يكون سبعاً وخمسين سنة.
إلا أن يكون قد أضاف أشهراً يسيرة على العمر الصحيح، الذي هو سبع وخمسون سنة وأشهر.
كما أنه تارة يذكر: أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الحسن «عليه السلام» بعشرة أشهر وعشرين يوماً، وأن الحسن قد ولد في السنة الثالثة.
وتارة يذكر: أن الحسين «عليه السلام» قد ولد بعد الهجرة بسنتين 52.
2 ـ ويصرح ابن الوردي، وغيره: بأن الحسين «عليه السلام» قد ولد سنة أربع 53 وتوفي سنة إحدى وستين.
ولكنه يغلط بالحساب، فيقول: «والصحيح: أن عمره رضي الله عنه وعنا بهم: خمس وخمسون سنة وأشهر» 54.
3 ـ وقال الحافظ عبد العزيز: ولد في شعبان سنة أربع، وقتل يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، وهو ابن خمس وخمسين سنة وستة أشهر 55.
والخطأ في حساب سني عمره الشريف واضح، والصحيح: أن عمره سبع وخمسون سنة وأشهر.
4 ـ أما الشيخ المفيد «رحمه الله» تعالى، فإنه ذكر أن ولادته «عليه السلام» كانت في شعبان سنة أربع ووفاته في يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وعمره ثمان وخمسون سنة 56.
وقد قدمنا: أن الصواب هو أن عمره سبع وخمسون سنة وأشهر، ولعله «رحمه الله» لم يعتن بهذه الأشهر الباقية، فأطلق حكمه ذاك على سبيل التسامح 57.
الهوامش
1. راجع: إعلام الورى ص215 ونور الأبصار ص125 والفصول المهمة، لابن الصباغ ص156 والإصابة ج1 ص332 والإستيعاب، بهامشه ج1 ص378، وأسد الغابة ج2 ص18 وذخائر العقبى ص118 وكفاية الطالب، وترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص12 و23 و25 و288 و293 و295، وتاريخ بغداد ج1 ص141، وصفة الصفوة ج1 ص762 وروضة الواعظين ص153 ونظم درر السمطين ص194 وتهذيب تاريخ دمشق ج4 ص316 وكشف الغمة ج2 ص215 وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج11 ص256 ـ 259 وج 19 ص181 و361 ـ 363 ومجمع الزوائد ج9 ص164 وتذكرة الخواص ص232، والإرشاد للمفيد ص218، والإتحاف بحب الأشراف ص40 وتاريخ ابن الوردي ج1 ص160 وإسعاف الراغبين، بهامش نور الأبصار ص185 والبحار ج43 ص227 و250 و260 وسيرة المصطفى ص149 وتهذيب الأسماء ج1 ص163 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص76، وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص555 والتنبيه والإشراف ص213 وبهجة المحافل ج1 ص230، وتاريخ الخميس ج1 ص417 و464 ومقاتل الطالبين ص78 وتهذيب التهذيب ج2 ص345 ومروج الذهب ج2 ص289 والجوهرة في نسب علي «عليه السلام» وآله ص38 ونسب قريش لمصعب ص40، ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص143 ونزل الأبرار ص148 وعمدة الطالب ص191 وتاريخ الإسلام للذهبي (المغازي) ص206 والكامل لابن الأثير ج2 ص176.
2. راجع: الإستيعاب بهامش الإصابة ج1 ص378 وإعلام الورى ص215 والكافي ج2 ص385 وتاريخ الخميس ج1 ص464 ويفهم من قول ابن الخشاب، كما في كشف الغمة ج2 ص252.
3. تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص416 وذخائر العقبى ص118 والإستيعاب بهامش الإصابة ج1 ص378 وتاريخ الخميس ج1 ص417 و464 وفيه: بعد الحسن بستة عشر شهراً، وترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص14 ومستدرك الحاكم ج3 ص177 وراجع: تاريخ ابن الوردي ج1 ص233.
4. أسد الغابة ج2 ص18 وراجع: المعارف لابن قتيبة ص158 وكشف الغمة ج2 ص266.
5. ذخائر العقبى ص118.
6. a. b. الإصابة ج1 ص332.
7. إعلام الورى ص215 وذخائر العقبى ص188 عن ابن الدارع، وتاريخ الخميس ج1 ص417 وإحقاق الحق ج11 ص259 وراجع: تفسير البرهان ج4 ص172 ـ 174 وتفسير نور الثقلين ج5 ص11 ـ 12 وفي نزل الأبرار ص148: وفي بعض الروايات ولد بعده بستة أشهر.
8. الكافي ج1 ص385، 386 والبحار ج43 ص247 و258.
9. تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص416 وذخائر العقبى ص120 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق ص25 وإحقاق الحق ج11 ص502.
10. البحار ج43 ص237.
11. الكامل في التاريخ ج2 ص166 وتاريخ الأمم والملوك ج2 ص537 والجوهرة في نسب علي وآله «عليهم السلام» ص38 ونور الأبصار ص125 وتذكرة الخواص ص232 والفصول المهمة لابن الصباغ ص156 وراجع: بهجة المحافل ج1 ص230 والبدء والتاريخ ج5 ص75 وكشف الغمة ج2 ص215 وكفاية الطالب ص416 وذخائر العقبى ص118 وتاريخ الخميس ج1 ص417 و464 وإحقاق الحق ج9 ص362 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق ص23 و295 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص143 ونزل الأبرار ص148 وعمدة الطالب ص191 وكتاب الجامع للقيرواني ص276.
12. تاريخ الخميس ج1 ص417، 464 وتهذيب دمشق ج4 ص416 وإحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص592 وج 9 ص361 ـ 363 وتهذيب التهذيب ج2 ص345 وأسد الغابة ج2 ص18 والإصابة ج1 ص332 والإستيعاب بهامشه ج1 ص378 والبحار ج43 ص247 و258، وترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص13 و295 ومجمع الزوائد ج9 ص185 والمناقب لابن شهر آشوب ج3 ص398 والكافي ج1 ص385 و 386، وتهذيب الأسماء ج1 ص163 وكفاية الطالب ص417 ونظم درر السمطين ص194 وذخائر العقبى ص118 وتفسير نور الثقلين ج5 ص12 وعمدة الطالب ص191 وكتاب الجامع للقيرواني ص276.
13. المعارف ص158.
14. تاريخ الخميس ج1 ص417، لكن الرواية عن أسماء بنت عميس، مع أنها كانت في الحبشة، فلا بد أن تكون هي الأنصارية، وزيدت كلمة «بنت عميس» من قبل الرواة جرياً على ما هو المألوف عندهم، وتبعاً لما ارتكز في أذهانهم.. وراجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص259 عن عمدة الأخبار ص394.
15. راجع فيما تقدم كلاً أو بعضاً المصادر التالية: الفصول المهمة لابن الصباغ ص156 والبحار ج43 ص237 ـ 260 وأسد الغابة ج2 ص18 وروضة الواعظين ص155 ومستدرك الحاكم ج3 ص179 و180 وتلخيصه للذهبي بهامشه، ونور الأبصار ص125 وتذكرة الخواص ص232 والإرشاد للمفيد ص218 والإستيعاب بهامش الإصابة ج1 ص378 ونظم درر السمطين ص208 و194 والإتحاف بحب الأشراف ص40 وذخائر العقبى ص118 ـ 120 وكشف الغمة ج2 ص215 و216 وإعلام الورى ص215 وكفاية الطالب ص417 ومجمع الزوائد ج9 ص185 عن الطبراني وتاريخ الخميس ج1 ص417 و418 وتهذيب تاريخ دمشق ج3 ص316 وإسعاف الراغبين بهامش نور الأبصار ص185 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ص11 ونزل الأبرار ص148 وذكر في تاريخ بغداد ج10 ص151 حديث أنه عق عن الحسنين كبشاً كبشاً وكذا في حلية الأولياء.
وراجع: سنن البيهقي ج9 ص299 و300 وراجع مشكل الآثار ج1 ص456، وراجع بقية المصادر في إحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص260 ـ 264 وج 19 ص182 وج 10 ص490 ـ 530 فقد نقل ذلك عن مصادر كثيرة.
16. الصواعق المحرقة ص190 وتاريخ الخلفاء ص188 والبحار ج43 ص252 عن المناقب، وبهجة المحافل ج1 ص196 وأسد الغابة ج1 ص18 وذخائر العقبى ص119 عن الدولابي، وتاريخ الخميس ج1 ص418 وإحقاق الحق ج10 ص488 ـ 491 وج 19 ص183 عن شرح ثلاثيات مسند أحمد ج2 ص557 وعن حلى الأيام ص218 ومصادر كثيرة أخرى.
17. راجع المصادر المتقدمة في الهامشين السابقين وغيرهما، وذخائر العقبى ص118 وتاريخ الخميس ج1 ص418 والبحار ج43 ص240 و257.
18. راجع جميع المصادر في الهوامش المتقدمة وذخائر العقبى ص119 والبحار ج43 ص439 و257 وإحقاق الحق (الملحقات) ج11 ص261، 262.
19. راجع المصادر في الهوامش المتقدمة، وذخائر العقبى ص119 والبحار ج43 ص340 و256 و257. وإحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص507 ـ 510 وسنن البيهقي ج9 ص299، وصرح في بعض رواياته بأمر النبي «صلى الله عليه وآله» لفاطمة بالحلق ومسند أحمد ج6 ص292 و290 و291.
20. راجع: تاريخ الخميس ج1 ص418 وسنن البيهقي ج9 ص299.
21. راجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص510 و508.
22. مرآة الجنان ج1 ص6 و7.
23. القران الكريم: سورة الأحقاف (46)، الآية: 15، الصفحة: 504.
24. الكافي ج1 ص386 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص50 عن كتاب الأنوار وتفسير البرهان ج4 ص172 و 173 و 174 و البحار ج43 ص246 و 453 وكامل الزيارات ص55 ـ 57 ونور الثقلين ج5 ص11 ـ 14 عن عدة مصادر.
25. الدر المنثور ج6 ص37 عن ابن مردويه.
26. مسند أحمد ج1 ص57 والإتقان ج1 ص61 و 62 وراجع كتابنا: «حقائق هامة حول القرآن الكريم».
27. راجع: الإتقان ج1 ص35 و 36.
28. والرواية موجودة أيضاً في روضة الواعظين ص153 و 154 والنص فيه ظاهر فيما نقول ؛ لأن ظاهرها أن بنت عميس تحدث عن امرأة أخرى اسمها أسماء.
وراجع: إعلام الورى ص218 وذخائر العقبى ص120 وتاريخ الخميس ج1 ص418 وإحقاق الحق (قسم الملحقات) ج10 ص502 والبحار ج43 ص239 وعيون أخبار الرضا ج2 ص26.
29. a. b. تاريخ الخميس ج1 ص417.
30. روضة الواعظين ص153 وراجع البحار ج43 ص239.
31. البحار ج43 ص255 عن كشف الغمة.
32. البحار ج43 ص258 عن الكافي والوسائل ج3 ص35 وليلاحظ هامشه.
33. مناقب آل أبي طالب ج3 ص164.
34. راجع: المناقب ج3 ص395.
35. راجع: تهذيب تاريخ دمشق ج4 ص316 وتاريخ الخميس ج1 ص418، 419 عن الدولابي، والبغوي في معجمه وتذكرة الخواص ص232 وينابيع المودة ص221 و318 وسنن ابن ماجة ج2 ص1293 مع الترديد في الاسم وكفاية الطالب ص419 وذخائر العقبى ص121 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ص10 ومستدرك الحاكم ج3 ص180 وتلخيصه للذهبي والبداية والنهاية ج6 ص230 ومسند أحمد ج6 ص339 وفيه أنها كانت ترضع الحسن والحسين «عليهما السلام»، والإصابة ج4 ص484 وعمدة الطالب ص191.
36. مستدرك الحاكم ج3 ص176 وكشف الغمة ج2 ص219 وإعلام الورى ص218 ونور الأبصار ص126 والفصول المهمة لابن الصباغ ص158 ومقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص159 والبداية والنهاية ج6 ص230 ومشكاة المصابيح ص572، وراجع: إحقاق الحق (الملحقات) ج10 ص397 ـ 204 وج19 ص373 و374 ففيه مصادر أخرى والإرشاد للمفيد ص281 وكفاية الطالب ص418 والفتوح لابن أعثم ج4 ص211.
37. راجع: الكافي ج1 ص386، والمناقب لابن شهرآشوب ج3 ص50 وتفسير البرهان ج4 ص173 و174 وتفسير نور الثقلين ج5 ص14 وراجع: البحار ج43 ص254.
38. راجع: الكافي ج1 ص387، والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص50 والبحار ج43 ص245 و254 وتفسير نور الثقلين ج5 ص12 وتفسير البرهان ج4 ص173 وعلل الشرايع ص206.
39. البحار ج43 ص250.
40. راجع بالإضافة إلى ما قدمناه في المجلد السادس: روضة الواعظين ص154 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص70.
41. راجع فيما تقدم: تاريخ بغداد ج1 ص142 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق، بتحقيق المحمودي ص282.
42. مقاتل الطالبيين ص78.
43. مقاتل الطالبيين ص79 وراجع ترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص281.
44. مقاتل الطالبيين ص79 وراجع الإستيعاب بهامش الإصابة ج1 ص382 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص279وفي هامشه عن الطبراني في المعجم الكبير وليس في رواية الطبراني ذكر للإمام الحسن «عليه السلام» وكذا في مجمع الزوائد ج9 ص198 عن الطبراني أيضاً.
45. الإستيعاب بهامش الإصابة ج1 ص382.
46. مقاتل الطالبيين ص79.
47. راجع: المستدرك للحاكم ج3 ص169 والإصابة ج1 ص331 والإستيعاب بهامشها ج1 ص374 والبدء والتاريخ ج5 ص74 ونظم درر السمطين ص204 و205 وإعلام الورى ص206 والفصول المهمة لابن الصباغ ص151 ونور الأبصار ص123 والإرشاد للمفيد ص211 وروضة الواعظين ص168 والمناقب لابن شهرآشوب ج4 ص29 والمعارف لابن قتيبة ص212 وكفاية الطالب ص415 وأسد الغابة ج2 ص14 وذخائر العقبى ص141 و 142 وتذكرة الخواص ص211 والكافي ج1 ص383 و384 وغير ذلك كثير، والبحار ج44 ص132 ـ 164 ومجمع الزوائد ج9 ص179.
48. راجع: البحار ج47 ص1 حتى ص11.
49. البدء والتاريخ ج6 ص12.
50. a. b. c. المصدر السابق ج5 ص75.
51. المصدر السابق ج5 ص74.
52. البدء والتاريخ ج6 ص20.
53. تاريخ ابن الوردي ج1 ص160 وترجمة الإمام الحسين «عليه السلام» من تاريخ دمشق بتحقيق المحمودي ص293.
54. تاريخ ابن الوردي ج1 ص233 وترجمة الإمام الحسين من تاريخ دمشق ص293.
55. كشف الغمة ج2 ص252.
56. الإرشاد ص218 و 283.
57. الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، العلامة المحقق السيد جعفر مرتضى العاملي، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الخامسة، 2005م. ـ 1425 هـ. ق، الجزء الثامن.

2025/02/02

هل أنجبت زليخا الأولاد بعد زوجها من النبي يوسف (ع)؟

تعد قصة النبي يوسف عليه السلام من أجمل القصص القرآنية التي تحمل في طياتها العديد من العبر. ومن المحطات المهمة في هذه القصة علاقته بزليخا، زوجة عزيز مصر، التي تحولت من قصة مراودة إلى قصة وإيمان.

[اشترك]

وقد أثار زواج يوسف من زليخا بعد توبتها تساؤلات عديدة، ومن أبرزها مسألة إنجابهما للأولاد، فهل أنجبت زليخا الأولاد بعد زوجها من النبي يوسف (ع)؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

روي انَّ زليخا امرأة العزيز تزوجها يوسف (ع) بعد موت زوجها وأنجبت له ولدين وهما أفرائيم وميشا، وقيل انَّها أنجبت له بنتًا أيضًا اسمها رحمة وهي زوجة نبيِّ الله أيوب (ع) وقيل انَّ رحمة زوجة أيوب (ع) كانت بنتًا لأفرائيم بن يوسف، فهي حفيدة ليوسف وليست بنتًا له وروي انَّ زوجة أيوب كانت من بنات ميشا بن يوسف، فهي حفيدة ليوسف (ع) بناءً على هذا القول أيضًا.

وأما انَّ زليخا كانت جدة لأنبياء فقد روي انَّ يوشع بن نون وصيِّ موسى (ع) كان جده أفرائيم بن يوسف وابن زليخا فتكون زليخا جدةً ليوشع النبي وصيُّ موسى (ع).

وروي عن ابن عباس انَّ ثمة ولدًا لأفرائيم كان اسمه يوسف وكان نبيًا فيكون يوسف هذا حفيدًا ليوسف الصديق (ع) ولزليخا.

2025/01/20

ما رأيت إلا جميلاً.. زينب تهزم الألم بـ «الصبر»!

معروف أنّ المرأة تمتاز برقّة المشاعر ، وشفافيّة العواطف ، ممّا يساعدها على القيام بدور الأمومة الحانية ؛ لذلك يكون تأثيرها العاطفي أسرع وأعمق من الرجل غالباً.

[اشترك]

وإذا كانت تلك الحالة تمثّل الاستعداد الأَوّلي في نفس المرأة ، فلا يعني ذلك أنّها تأسُر المرأة وتَقعد بها عن درجات الصمود والصبر العالية ، فبإمكان المرأة حينما تمتلك قوّة الإرادة ونفاذ الوعي وسموّ الهدف ، أنْ تضرب أروع الأمثلة في الصبر والشجاعة أمام المواقف الصعبة القاسية.

وهذا ما أثبتته السيّدة زينب في مواجهتها للآلام والأحداث العنيفة التي صدمتها في باكر حياتها وكانت هي الختم لسنوات عمرها ، لقد أبدت السيّدة زينب تجلّداً وصبراً قياسيّاً في واقعة كربلاء وما أعقبها من مصائب ، وإلّا فكيف استطاعت أن تنظر إلى أخيها الحسين ممزّق الأشلاء يسبح في بُرْكة من الدماء ، وحوله بقيّة رجالات وشباب أسرتها من أخوتها وأبناء إخوتها وأبناء عمومتها وأبنائها ، ثمّ تحتفظ بكامل السيطرة على أعصابها وعواطفها ، لتقول كلمة لا يقولها الإنسان إلّا في حالة التأنّي والثبات والاطمئنان ، وهي قولها : « اللّهمّ تَقَبَّل مِنَّا هَذَا القليل من القربان » (۱).

وأكثر من ذلك فهي تصبّر ابن أخيها الإمام زين العابدين حينما رأتْه مضطرباً بالغ التأثّر عند مروره على جثث القتلى ـ كما مرّ علينا سابقاً ـ.

ويعبّر الشيخ النقدي عن فظيع مصائب السيّدة زينب وعظيم تحمّلها لها بقوله :

 

وبالجملة فإنّ مصائب هذه الحرّة الطاهرة زادت على مصائب أخيها الحسين الشهيد أضعافاً مضاعفة ، فإنّها شاركته في جميع مصائبه ، وانفردت عنه عليها السلام بالمصائب التي رأتها بعد قتله من النَهْب والسَلب والضرب وحرق الخيام ، والأَسْر ، وشَمَاتة الأعداء.

أمّا القتل فإنّ الحسين قُتل ومضى شهيداً إلى روح وريحان ، وجنّة ورضوان ، وكانت زينب في كلّ لحظة من لحظاتها تُقْتَل قَتْلاً معنويّاً بين أولئك الظالمين ، وتذري دماء القلب من جفونها القريحة (۲).

وأيّ مستوى من الصبر عند السيّدة زينب حينما تصف ما رأته من مصائب بأنّه شيء جميل : « والله ما رأيتُ إلّا جميلاً » ردّاً على سؤال ابن زياد لها : كيف رأيتِ صُنْع الله بأخيك ؟

الهوامش

۱. زينب الكبرى : النقدي : ص ٧٥.

۲. زينب الكبرى : النقدي : ص ٩٧.

مقتبس من كتاب : [ المرأة العظيمة السيّدة زينب ] / الصفحة : ۲٦۹ ـ ۲۷۰

2025/01/16

لماذا ولد علي في الكعبة؟!

هناك سؤال يقول: كيف نفسر اختصاص أمير المؤمنين «عليه السلام» ، بكرامة الولادة في الكعبة ، دون رسول الله «صلى الله عليه وآله»؟!

[اشترك]

الجواب: ونقول في جوابه ما يلي :

فأما بالنسبة للنبوة والنبي «صلى الله عليه وآله» ، فإن أدنى شك أو شبهة بها ، وكذلك أدنى ريب في الرسول «صلى الله عليه وآله» يوجب الكفر والخروج من الدين ، كما أن بغض الرسول «صلى الله عليه وآله» بأي مرتبة كان ، يخرج الإنسان من الإسلام واقعاً ، ويلحقه بالكفر ، وتترتب عليه أحكامه في مرحلة الظاهر ، فيحكم عليه بالنجاسة ، وبأنه لا يرث من المسلم ، وبأن زوجته تبين منه ، وتعتد ، وبغير ذلك . .

وأما الإمامة والإمام «عليه السلام» ، فإن الحكمة ، والرحمة الإلهية ، وحب الله تعالى للناس ، ورفقه بهم ، قد اقتضى : أن لا تترتب الأحكام الظاهرية على من أنكر الإمامة ، أو شك فيها ، أو في الإمام «عليه السلام» ، أو قصر في حبه . . ولكن بشرطين . .

أحدهما : أن يكون ذلك الإنكار ، أو الشك ، أو التقصير ناشئاً عن شبهة ، إذ مع اليقين بثبوت النص وفي دلالته ، يكون المنكر أو الشاك مكذباً لرسول الله «صلى الله عليه وآله» ، راداً على الله سبحانه ، ومن كان كذلك فهو كافر جزماً . .

الثاني : أن لا يكون معلناً ببغض الإمام ، ناصباً العداء له ، لأن الناصب حكمه حكم الكافر أيضاً . .

النبي (صلى الله عليه وآله) لا يقتل أحداً ؛ لماذا؟

وبعدما تقدم نقول :

لا ريب في أن قيام الإسلام وحفظه يحتاج إلى جهاد وتضحيات ، وأن في الجهاد قتلاً ويتماً ، ومصائب ومصاعب ، ولم يكن يمكن لرسول الله «صلى الله عليه وآله» أن يتولى بنفسه كسر شوكة الشرك ، وقتل فراعنته وصناديده . . لأن ذلك يوجب أن ينصب الحقد عليه ، وأن تمتلئ نفوس ذوي القتلى ومحبيهم ، ومن يرون أنفسهم في موقع المهزوم ، بغضاً له ، وحنقاً عليه . .

وهذا يؤدي إلى حرمان هؤلاء من فرصة الفوز بالتشرف بالإسلام ، وسيؤثر ذلك على تمكّن بنيهم ، وسائر ذويهم ومحبيهم من ذلك أيضاً . . فقضت الرحمة الإلهية أن يتولى مناجزتهم من هو كنفس الرسول «صلى الله عليه وآله» ، الذي يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ، ألا وهو أمير المؤمنين «عليه السلام» . .

واقتضت هذه الرحمة أيضاً رفع بعض الأحكام الظاهرية ـ دون الواقعية ـ المرتبطة بحبه وبغضه ، وبأمر إمامته «عليه السلام» ، تسهيلاً من الله على الناس ، ورفقاً بهم ـ رفعها ـ عن منكر إمامته «عليه السلام» ، وعن المقصر في حبه ، ولكن بالشرطين المتقدمين وهما : وجود الشبهة وعدم نصب العداء له ، لأنه مع عدم الشبهة يكون من قبيل تعمد تكذيب الرسول «صلى الله عليه وآله» ، ومع نصب العداء يتحقق التمرد والرد على الله سبحانه ، كما قلنا . .

معالجة قضايا الروح والنفس :

ثم إن معالجة قضايا الحب والبغض ، والرضا والغضب ، والإنفعالات النفسية ، تحتاج إلى اتصال بالروح ، وبالوجدان ، وإلى إيقاظ الضمير ، وإثارة العاطفة ، بالإضافة إلى زيادة البصيرة في الدين ، وترسيخ اليقين بحقائقه . .

وهذا بالذات هو ما يتراءى لنا في مفردات السياسة الإلهية ، في معالجة الأحقاد التي علم الله سبحانه أنها سوف تنشأ ، وقد نشأت بالفعل ، كنتيجة لجهاد الإمام علي «عليه السلام» ، في سبيل هذا الدين . .

ونحن نعتقد : أن قضية ولادة الإمام علي «عليه السلام» في جوف الكعبة ، واحدة من مفردات هذه السياسة الربانية ، الحكيمة ، والرائعة . .

ولادة علي عليه السلام في الكعبة صنع الله :

ويمكن توضيح ذلك بأن نقول :

إن ولادته «عليه السلام» ، في الكعبة المشرفة ، أمر صنعه الله تعالى له ، لأنه يريد أن تكون هذه الولادة رحمة للأمة ، وسبباً من أسباب هدايتها . . وهي ليست أمراً صنعه الإمام علي «عليه السلام» لنفسه ، ولا هي مما سعى إليه الآخرون ، ليمكن اتهامهم بأنهم يدبرون لأمر قد لا يكون لهم الحق به ، أو اتهامهم بالسعي لتأييد مفهوم اعتقادي ، أو لواقع سياسي ، أو الانتصار لجهة أو لفريق بعينه ، في صراع ديني ، أو اجتماعي ، أو غيره . .

ويلاحظ : أن الله تعالى قد شق جدار الكعبة لوالدته «عليه السلام» حين دخلت ، وحين خرجت ، بعد أن وضعته في جوف الكعبة الشريفة . .

وقد جرى هذا الصنع الإلهي له «عليه السلام» حيث كان لايزال في طور الخلق والنشوء في هذا العالم الجديد . . ليدل دلالة واضحة على اصطفائه تعالى له ، وعنايته به . .

وذلك من شأنه أن يجعل أمر الإهتداء إلى نور ولايته أيسر ، ويكون الإنسان في إمامته أبصر . .

ويتأكد هذا الأمر بالنسبة لأولئك الذين سوف تترك لمسات ذباب سيفه «ذي الفقار» آثارها في أعناق المستكبرين والطغاة من إخوانهم ، وآبائهم ، وعشائرهم ، أو من لهم بهم صلة أو رابطة من أي نوع . .

الرصيد الوجداني آثار وسمات:

ثم إن هذا الرصيد الوجداني ، قد هيأه الله لهم ليختزنوه في قلوبهم وعقولهم من خلال النصوص القرآنية والنبوية التي تؤكد فضل علي «عليه السلام» وإمامته ، ثم جاء الواقع العملي ليعطيها المزيد من الرسوخ والتجذر في قلوبهم وعقولهم من خلال مشاهداتهم ، ووقوفهم على ما حباه الله به من ألطاف إلهية ، وإحساسهم بعمق وجدانهم بأنه وليد مبارك ، وبأنه من صفوة خلق الله ، ومن عباده المخلصين .

وذلك سيجعلهم يدركون : أنه «عليه السلام» ، لا يريد بما بذله من جهد وجهاد في مسيرة الإسلام ، إلا رضا الله سبحانه ، وإلا حفظ مسيرة الحياة الإنسانية ، على حالة السلامة ، وفي خط الاعتدال . . لأنها مسيرة سيكون جميع الناس ـ بدون استثناء ـ عناصر فاعلة ومؤثرة فيها ، ومتأثرة بها . .

وبذلك يصبح الذين يريدون الكون في موقع المخاصم له «عليه السلام» ، أو المؤلب عليه ، أمام صراع مع النفس ومع الوجدان ، والضمير ، وسيرون أنهم حين يحاربونه إنما يحاربون الله ورسوله . . ويسعون في هدم ما شيده للدين من أركان ، وما أقامه من أجل سعادتهم ، وسلامة حياتهم ، من بنيان . .

ولادة علي عليه السلام في الكعبة لطف بالأمة:

فولادة الإمام علي «عليه السلام» ، في الكعبة المشرفة ، لطف إلهي ، بالأمة بأسرها ، حتى بأولئك الذين وترهم الإسلام ، وهو سبيل هداية لهم ولها ، وسبب انضباط وجداني ، ومعدن خير وصلاح ، ينتج الإيمان ، والعمل الصالح ، ويكف من يستجيب لنداء الوجدان ، عن الإمعان في الطغيان ، والعدوان ، وعن الإنسياق وراء الأهواء ، والعواطف ، من دون تأمل وتدبر . .

وغني عن البيان ، أن مقام الإمام علي «عليه السلام» وفضله ، أعظم وأجل من أن تكون ولادته «عليه السلام» ، في الكعبة سبباً أو منشأً لإعطاء المقام والشرف له . . بل الكعبة هي التي تعتز ، وتزيد قداستها ، وتتأكد حرمتها بولادته فيها صلوات الله وسلامه عليه . .

وأما رسول الله «صلى الله عليه وآله» ، فإن معجزته الظاهرة التي تهدي الناس إلى الله تعالى ، وإلى صفاته ، وإلى النبوة ، وتدلهم على النبي ، وتؤكد صدقه ، وتلزم الناس كلهم بالإيمان به ، وتأخذ بيدهم إلى التسليم باليوم الآخر ـ إن هذه المعجزة ـ هي هذا القرآن العظيم ، الذي يهدي إلى الرشد من أراده ، والذي لا بد أن يدخل هذه الحقائق إلى القلوب والعقول أولاً ، من باب الاستدلال ، والانجذاب الفطري إلى الحق بما هو حق . . من دون تأثر بالعاطفة ، وبعيداً عن احتمالات الإنبهار بأية مؤثرات أخرى مهما كانت . .

إذ إن القضية هي قضية إيمان وكفر ، وحق وباطل ، لا بد لإدراكهما من الكون على حالة من الصفاء والنقاء ، وتفريغ القلب من أي داع آخر ، قد يكون سبباً في التساهل في رصد الحقيقة ، أو في التعامل مع وسائل الحصول عليها ، والوصول إليها . .

فالله لا يريد أن تكون مظاهر الكرامة ، سبباً في إعاقة العقل عن دوره الأصيل في إدراك الحق ، وفي تحديد حدوده ، وتَلَمُّس دقائقه ، وحقائقه والتبيُّن لها إلى حد تصير معه أوضح من الشمس ، وأبين من الأمس . .

ولذلك فإن الله تعالى لم يصنع لرسوله «صلى الله عليه وآله» ، ما يدعوهم إلى تقديسه كشخص ، ولا ربط الناس به قبل بعثته بما هو فرد بعينه ، لا بد لهم من الخضوع والبخوع له ، وتمجيد مقامه ، لأن هذا قد لا يكون هو الأسلوب الأمثل ، ولا الطريقة الفضلى ، في سياسية الهداية الإلهية إلى الأمور الإعتقادية ، التي هي أساس الدين ، والتي تحتاج إلى تفريغ النفس ، وإعطاء الدور ، كل الدور ، للدليل وللبرهان ، وللآيات والبينات ، وإلى أن يكون التعاطي مع الآيات والدلائل بسلامة تامة ، وبوعي كامل ، وتأمل عميق ، وملاحظة دقيقة . .

وهذا هو ما نلاحظه في إثارات الآيات القرآنية لقضايا الإيمان الكبرى ، خصوصاً تلك التي نزلت في الفترة المكية للدعوة . فإنها إثارات جاءت بالغة الدقة ، رائعة في دلالاتها وبياناتها ، التي تضع العقل والفطرة أمام الأمر الواقع الذي لا يمكن القفز عنه ، إلا بتعطيل دورهما ، وإسقاط سلطانهما ، لمصلحة سلطان الهوى ، ونزوات الشهوات ، والغرائز . .

وهذا الذي قلناه ، لا ينسحب ولا يشمل إظهار المعجزات والآيات الدالة على الرسولية ، وعلى النبوة ، فإنها آيات يستطيع العقل أن يتخذ منها وسائل وأدوات ترشده إلى الحق ، وتوصله إليه . . وتضع يده عليه . . وليست هي فوق العقل ، ولا هي من موجبات تعطيله ، أو إضعافه 1 .

المصدر: الصحيح من سيرة الإمام علي عليه السلام أو (المرتضى من سيرة المرتضى) ، السيد جعفر مرتضى العاملي ، المركز الإسلامي للدراسات ، 1429هـ . ـ 2009م . الطبعة الأولى ، الجزء الأول .

2025/01/14

ولادة الإمام علي في جوف الكعبة.. لماذا لم تهزّ قريش هذه الكرامة؟!

إذا كان عليٌّ (ع) قد وُلد في جوف الكعبة وأنَّ جدارها قد انشقَّ لأمِّه فدخلت منه ووضعت في جوف الكعبة عليَّاً (ع) فلماذا لم يُحدِثْ ذلك ثورة وعي وصحوة عند قريش وهم يُشاهدون هذه الكرامة؟

[اشترك]

لقد ظهرت عند ولادة النبيِّ الكريم (ص) وبعده وحين مبعثه وبعده كرامات هي أبلغ من ولادة الإمام عليٍّ (ع) في جوف الكعبة الشريفة ورغم ذلك فإنَّها لم تُحدِث ثورةَ وعيٍ وصحوة عند قريش، ذلك لأنَّهم قد غرقوا في العصبية والجهل وأعماهم الكبرياء والتغطرس عن رؤية الحقِّ أو الاعتراف به.

وعلى أيِّ حال فقد شاع وذاع أمرُ ولادة عليٍّ (ع) في جوف الكعبة ولم يتنكَّر لهذا الحدث من أحدٍ إلا بعد أنْ نشأت المذاهب العقائدية والتي كان يعزُّ على الكثير منها أنْ تُذاع منقبةٌ لعليٍّ (ع) فجهدوا في إخفاء الكثير منها إمعاناً في إضعاف موقعه الديني ومحاولةً منهم لإبراز مَن كان في تلميعه مصلحةٌ لهم، فقد حذَّر معاوية بن أبي سفيان كلَّ مَن يذكر لعليٍّ (ع) منقبة: و"كتب معاوية نسخةً واحدة إلى عمَّاله بعد عام الجماعة أنْ برئت الذمَّة ممَّن روى شيئاً من فضل أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلِّ كورة، وعلى كلِّ منبر يلعنون عليًا ويبرؤون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته .."(1) وكتب إلى عمَّاله في وقتٍ آخر "ولا تتركوا خبراً يرويه أحدٌ من المسلمين في أبي تراب إلا وأتوني بمناقضٍ له في الصحابة مفتعلة فإنَّ هذا أحب إليَّ، وأقرُّ لعيني، وأدحضُ لحجَّة أبي تراب وشيعته .."(2) كما تذكر ذلك النصوص التأريخية، وقد أجاد الفراهيدي حين قال: إنَّ عليَّ بن أبي طالب "كتم أحباؤه فضائله خوفاً وأعداؤه حسداً، وظهر بين الكتمانين ما ملأ الخافقين"(3).

ولابأس في المقام مِن ذكر بعض ما ورد من أنَّ عليَّاً (ع) وُلد في جوف الكعبة:

فمن ذلك: ما رواه الشيخ الطوسي في الأمالي بسنده عن أبي عبدالله الصادق (ع) عن آبائه (ع): قال: "كان العباس بن عبد المطلب ويزيد بن قعنب جالسين ما بين فريق بني هاشم إلى فريق عبد العزى، بإزاء بيت الله الحرام، إذ أتت فاطمة بنت اسد بن هاشم أمُّ أمير المؤمنين(ع)، وكانت حاملةً بأمير المومنين (ع) .. فوقفت بازاء البيت الحرام، وقد أخذها الطلق، فرمتْ بطرفها نحو السماء، ودعت .. لمَّا تكلمت فاطمة بيت أسد ودعتْ .. رأينا البيت قد انفتح من ظهره، ودخلت فاطمةُ فيه، وغابت عن أبصارنا، ثم عادت الفتحة والتزقت باذن الله .. وبقيتْ فاطمة في البيت ثلاثة ايام. قال: وأهل مكة يتحدَّثون بذلك في أفواه السكك، وتتحدَّث المخدرات في خدورهنَّ. قال: فلمَّا كان بعد ثلاثة أيام انفتح البيتُ من الموضع الذي كانت دخلتْ فيه، فخرجت فاطمةُ وعليٌ (ع) على يديها"(4).

وأورد صاحب البحار عن الفتال النيسابوري في "روضة الواعظين" خبراً مختصراً عن عليِّ بن الحسين (ع) قال: "إنَّ فاطمة بنت اسد رضي الله عنها ضربها الطلق، وهي في الطواف، فدخلت الكعبة، فولدت أمير المؤمنين (ع) فيها"(5) قال: وفي آخر خبر موسى بن جعفر (ع) قال: "فولدتْ عليَّاً في الكعبة، طاهراً مطهراً لم يكن فيه كثافة، ووُلد مختوناً مقطوع السرة، ووجهه يضئ كالشمس، فسمَّاه أبو طالب عليَّاً، وحمله النبيُّ (ص) وأتى به إلى البيت"(6).

هذا نزرٌ يسيرٌ ممَّا ورد في مصادرنا، وأمَّا ما ورد في مصادر العامَّة:

فمن ذلك: ما أفاده الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين قال: فقد تواترت الأخبار أنَّ فاطمة بنت أسد ولدتْ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب في جوف الكعبة"(7).

ومنه: مأفاده ابن الصبَّاغ المالكي في الفصول المهمَّة قال: وُلد عليٌّ (ع) بمكة المشرفة بداخل البيت الحرام .. ولم يُولد في البيت الحرام قبله أحدٌ سواه، وهي فضيلة خصَّه الله تعالى بها إجلالاً له وإعلاء لمرتبته وإظهارا لتكرمته"(8)

 

ولولا خشية الإطالة لنقلت الكثير من النصوص التي أوردوه في مصنَّفاتهم، إلا أنه يمكنكم للوقوف على المزيد من مصادر العامَّة التى أوردت هذه المنقبة لعليِّ بن أبي طالب (ع) يمكنكم مراجعة كتاب الغدير للعلامة الأميني (رحمه الله)، فقد ذكر ما يفوق الستة عشر مصنَّفاً من مصنَّفات الحفَّاظ والمحدِّثين من أبناء العامة في الجزء السادس، وكذلك يُمكنكم مراجعة كتاب شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي (رحمه الله) فقد أورد الكثير من كلمات محدِّثي العامَّة ومؤرِّخيهم المعبِّرة عن التسيلم بوقوع هذه الفضيلة لعليٍّ (ع)(9).

الهوامش:

1- شرح نهج البلاغة -لإبن أبي الحديد- ج11 / ص44.

2- شرح نهج البلاغة -لإبن أبي الحديد- ج11 / ص45.

3- شرح إحقاق الحق -السيد المرعشي- ج4 / ص2.

4- الأمالي -الشيخ الطوسي- ص707.

5- روضة الواعظين -الفتال النيسابوري- ص81.

6- الفصول المهمة -ابن الصباغ- ص14.

7- المستدرك -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص483.

8- الفصول المهمة في معرفة الأئمة -ابن الصباغ- ج1 / ص171.

9- إحقاق الحق ج17 / ص364.

2025/01/13

لايمكن لأبي طالب إلا أن يكون مؤمنا!

الطاعن في إيمان سيد البطحاء أبي طالب (رض) بادعائه أنه رضوان الله عليه مات مشركا ولم يؤمن. يدعي، قبالة ذلك، الإيمان الثابت لشخص هو أبو سفيان بن حرب.

[اشترك]

مما يدلل بشكل واضح على الأمر لايعتمد البحث العلمي الذي يتوخى الباحث من ورائه الحقيقة.

 بل هو ادعاء له ماله من خلفيات مغرضة. حيث أن الفارق بين الرجلين في مدار الإيمان والشرك كبير جدا. فيكفي أبا سفيان أنه كان القائد الأعلى لجبهة الشرك المحاربة للاسلام على امتداد الدعوة النبوية الشريفة. ويكفي أبا طالب أنه ما إن توفي (رض) حتى هاجر النبي محمد ص من مكة إذ لم يعد معينا ولاحماية. بمعنى أن الإسلام طوال الفترة المكية كان بحماية ابي طالب (رض).

وبالنسبة إلى إيمان أبي سفيان، فإذا مادققنا النظر في مفاصل التاريخ سننتهي إلى مالا يقبل الشك من أنه محض ادعاء لاواقع له..

إن مشركي قريش ومنهم أبو سفيان، ومنذ بدء الدعوة، أدركوا صدق النبي محمد ص من أنه رسول من عند الله بشواهد كثيرة منها

أن الوليد بن المغيرة حين سمع من النبي الأكرم ص شيئا من القرآن، رجع إلى قومه ووصفه بقوله "والله، إن لقوله الذي يقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته"  فقالوا مانفعل واتفقوا على ان يقولوا هو سحر. أي أنهم أقروا بمعجزة القرآن وأنه ليس من صنع النبي ص ولابد انه من الله ثم قالوا مانفعل أي كيف نعالج هذا الامر الحق الذي أضر بمصالحنا وهدد مكانتنا. وعليه يكون السؤال

مالذي جدّ على أبي سفيان عند فتح مكة ليكون الإسلام الذي ادعاه ايمانا حقا؟!

وهو قد أدرك صدق النبي ص منذ البدء ثم قاد الحرب تلو الحرب للقضاء على الإسلام!

وأما إيمان أبي طالب (رض) فعليها من الشواهد الكثير ومنها:

ـ مساعيه الكبيرة وتحمله الجهد في سبيل نصرة الإسلام وحماية النبي ص

ـ ماكتبه الإمام علي ع لمعاوية في رسالة لمعاوية وفيها:

(ليس أمية كهاشم ، ولا حرب كعبد المطلب ، ولا أبو سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر كالطليق ، ولا الصريح كاللصيق)

        ولندع كل هذا فيما يخص ايمان ابي طالب (رض) الى نقطة فاصلة يستحيل معها الا أن يكون أبو طالب (رض) مؤمنا..

المدعى أن أبا طالب مات على الشرك..

بمعنى أنه كان يعبد الوثن ويقدسه

الثابت ان أبا طالب استمات في الدفاع عن دعوة النبي محمد ص ووفر له الحماية القصوى

دعوة النبي محمد ص قائمة في ركيزتها الأساس على انكار الوثن و تحقيره والانتقاص منه كونه صخرة لايضر ولاينفع.

وعليه فلايمكن لأبي طالب (رض) أن يجمع عبادة الوثن بما تتضمن من تقديس له ومعاونة الدعوة الرامية الى تحقيره والقضاء عليه. حيث لايمكن للأحد أن يقدس ويحقّر في نفس الوقت..

وإذا ماقيل أن أبا طالب نصر النبي ص لحمية الدم والقرابة التي كانت لها فعاليتها الكبيرة في المجتمع الجاهلي. فإن هذا لايضر بالنتيجة المنطقية التي وصلنا اليها في انه لايمكن الجمع بين التحقير والتقديس..

فالجاهلي الذي كان يؤمن أكثر مايؤمن برابطة الدم والعشيرة. لايمكن ان يعين أحدا من افراد عشيرته على الطعن بالعشيرة ورابطة الدم.

 

2025/01/06

كشف المستور: من قتل الإمام الهادي (ع)؟!

كانت شهادة الإمام الهادي (ع) بيد الخليفة العباسي المعتز. وقد نسبت روايةٌ سُمَّهُ الى المعتمد ، ولعل ذلك بسبب أن المعتمد نَفَّذَ أمر أخيه المعتز ، أو جاء إسمه تصحيفاً. والمعتز هو الزبير بن المتوكل ، ويعرف بابن قبيحة. والمعتمد أخوه أحمد بن المتوكل ، ويعرف بابن فتيان ، إسم أمه أيضاً.

[اشترك]

قال المسعودي في مروج الذهب « ٤ / ٨٤ » : « كانت وفاة أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد في خلافة المعتز بالله ، وذلك في يوم الإثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين ومائتين ، وهوابن أربعين سنة ، وقيل ابن اثنتين وأربعين سنة ، وقيل أكثر من ذلك ، وسمع في جنازته جارية تقول : ما ذا لقينا في يوم الإثنين قديماً وحديثاً ! وصلى عليه أحمد بن المتوكل « المعتمد » على الله ، في شارع أبي أحمد ، وفي داره بسامرا ، ودفن هناك ».

وفي تاريخ اليعقوبي « ٢ / ٥٠٠ » : « وتوفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، بسر من رأى ، يوم الأربعاء لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة ٢٥٤ ، وبعث المعتز بأخيه أحمد بن المتوكل ، فصلى عليه في الشارع المعروف بشارع أبي أحمد ، فلما كثر الناس واجتمعوا كثر بكاؤهم وضجتهم ، فرُدَّ النعشُ إلى داره فدفن فيها ، وسنهُ أربعون سنة ، وخلَّفَ من الولد الذكور اثنين : الحسن ، وجعفر ».

وفي دلائل الإمامة / ٤٠٩ : « كانت سِنُوُّ إمامته بقية ملك الواثق ، ثم ملك المتوكل ، ثم أحمد المستعين ، ثم ملك المعتز ، وفي آخر ملكه استشهد ولي الله ، وقد كمل عمره أربعون سنة ، وذلك في يوم الإثنين لثلاث خلون من رجب سنة خمسين ومائتين من الهجرة ، مسموماً ، ويقال إنه قبض الإثنين لثلاث خلون من شهر رجب سنة أربع وخمسين ومائتين من الهجرة. ويقال يوم الإثنين لخمس ليال خلون من جمادى سنة أربع وخمسين ومائتين. ودفن بسر من رأى في داره ».

وفي إعلام الورى « ٢ / ١٠٩ » : « وكانت في أيام إمامته (ع) بقية ملك المعتصم ، ثم ملك الواثق خمس سنين وسبعة أشهر ، ثم ملك المتوكل أربع عشرة سنة ، ثم ملك ابنه المنتصر ستة أشهر ، ثم ملك المستعين وهوأحمد بن محمد بن المعتصم ، سنتين وتسعة أشهر ، ثم ملك المعتز وهوالزبير بن المتوكل ثماني سنين وستة أشهر وفي آخر ملكه استشهد ولي الله علي بن محمد (ع) ودفن في داره بسر من رأى ».

وقال ابن الجوزي في تذكرة الخواص « ١ / ٣٢٤ » : « وكان سنه يوم مات أربعين سنة. وكانت وفاته في أيام المعتز بالله ، ودفن بسر من رأى ، وقيل إنه مات مسموماً ».

وقال الخطيب في تاريخ بغداد « ١٢ / ٥٦ » : « أشخصه جعفر المتوكل على الله من مدينة رسول الله (ص) الى بغداد ، ثم الى سر من رأى ، فقدمها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر ، الى أن توفي ودفن بها في أيام المعتز بالله ».

٤٣٨

وقال ابن شهر آشوب « ٣ / ٥٠٥ » : « وألقابه : النجيب ، المرتضى ، الهادي ، النقي ، العالم ، الفقيه ، الأمين ، المؤتمن ، الطيب ، المتوكل ، العسكري.

ويقال له : أبوالحسن الثالث ، والفقيه العسكري. وكان أطيب الناس بهجة ، وأصدقهم لهجة ، وأملحهم من قريب ، وأكملهم من بعيد ، إذا صمت علته هيبة الوقار ، وإذا تكلم سماه البهاء ، وهومن بيت الرسالة والإمامة ، ومقر الوصية والخلافة ، شعبة من دوحة النبوة منتضاةٌ مرتضاهْ. وثمرةٌ من شجرة الرسالة مجتناةٌ مجتباهْ. ولد بصرياء من المدينة للنصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين .. وقبض بسر من رأى الثالث من رجب سنة أربع وخمسين ومائتين .. وليس عنده إلا ابنه أبومحمد ، وله يومئذ أربعون سنة ، وقيل واحد وأربعون وسبعة أشهر. ومدة مقامه بسر من رأى عشرون سنة ، وتوفي فيها. وقبره في داره. وكان في سني إمامته بقية ملك المعتصم ، ثم الواثق ، والمتوكل ، والمنتصر ، والمستعين ، والمعتز. وفي آخر ملك المعتز استشهد مسموماً ..

وأولاده : الحسن الإمام ، والحسين ، ومحمد ، وجعفر الكذاب ، وابنته علية. بوابه : محمد بن عثمان العمري. ومن ثقاته : أحمد بن حمزة بن اليسع ، وصالح بن محمد الهمداني ، ومحمد بن جزك الجمال ، ويعقوب بن يزيد الكاتب ، وأبوالحسين بن هلال ، وإبراهيم بن إسحاق ، وخيران الخادم ، والنضر بن محمد الهمداني. ومن وكلائه : جعفر بن سهيل الصيقل. ومن أصحابه : داود بن زيد ، وأبوسليم زنكان ، والحسين بن محمد المدائني ، وأحمد بن إسماعيل بن يقطين ، وبشر بن بشار النيسابوري الشاذاني ، وسليمان بن جعفر المروزي ، والفتح بن يزيد الجرجاني ، ومحمد بن سعيد بن كلثوم وكان متكلماً ، ومعاوية بن حكيم الكوفي ، وعلي بن معد بن محمد البغدادي ، وأبوالحسن بن رجا العبرتائي.

ورواة النص عليه جماعة منهم : إسماعيل بن مهران ، وأبوجعفر الأشعري ، والخيراني. والدليل على إمامته : إجماع الإمامية على ذلك ، وطريق النصوص والعصمة ، والطريقان المختلفان من العامة والخاصة ، من نص النبي (ص) على إمامة الاثني عشر ، وطريق الشيعة النصوص على إمامته عن آبائه (ع) ».

مراسم جنازة الإمام (ع)

في الهداية الكبرى / ٢٤٨ : « الحسين بن حمدان قال : حدثني أبوالحسين بن يحيى الخرقي ، وأبومحمد جعفر بن إسماعيل الحسني ، والعباس بن أحمد ، وأحمد بن سندولا ، وأحمد بن صالح ، ومحمد بن منصور الخراساني ، والحسن بن مسعود الفزاري ، وعيسى بن مهدي الجوهري الجنبلاني ، والحسين بن غياث الجنبلاني ، وأحمد بن حسان العجلي الفزاري ، وعبد الحميد بن محمد السراج ، جميعاً في مجالس شتى : أنهم حضروا وقت وفاة أبي الحسن بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق صلوات الله عليهم ، والصلاة بسر من رأى ، فإن السلطان لما عرف خبر وفاته أمر سائر أهل المدينة بالركوب إلى جنازته ، وأن يحمل إلى دار السلطان حتى يصلي عليه ، وحضرت الشيعة وتكلموا وقال علماؤهم : اليوم يَبِينُ فضل سيدنا أبي محمد الحسن بن علي على أخيه جعفر ، ونرى خروجهما مع النعش. قالوا جميعاً : فلما خرج النعش وعليه أبو الحسن ، خرج أبومحمد حافي القدم مكشوف الرأس ، محلل الإزرار خلف النعش ، مشقوق الجيب مُخْضَلَّ اللحية بدموع على عينيه ، يمشي راجلاً خلف النعش ، مرةً عن يمين النعش ومرةً عن شمال النعش ، ولا يتقدم النعش.

وخرج جعفر أخوه خلف النعش بدراريع يسحب ذيولها ، معتمٌّ محبتكُ الإزار ، طلق الوجه ، على حمار يماني ، يتقدم النعش. فلما نظر إليه أهل الدولة وكبراء الناس والشيعة ، ورأوا زي أبي محمد وفعله ، ترجل الناس وخلعوا أخفافهم ، وكشفوا عمائمهم ، ومنهم من شق جيبه ، وحل إزاره ، ولم يمش بالخفاف من الأمراء وأولياء السلطان أحد ، فأكثروا اللعن والسب لجعفر الكذاب ، وركوبه وخلافه على أخيه ...

لما تلا النعش إلى دار السلطان سبق بالخبر إليه ، فأمر بأن يوضع على ساحة الدار على مصطبة عالية كانت على باب الديوان ، وأمر أحمد بن فتيان وهو المعتمد بالخروج إليه والصلاة عليه ، وأقام السلطان في داره للصلاة عليه إلى صلاة العامة ، وأمر السلطان بالإعلان والتكبير ، وخرج المعتمد بخف وعمامة ودراريع فصلى عليه خمس تكبيرات ، وصلى السلطان بصلاتهم ..

وبقي الإمام أبومحمد الحسن بن علي (ع) ثلاثة أيام مردود الأبواب ، يُسمع من داره القراءة والتسبيح والبكاء ، ولا يؤكل في الدار إلا خبز الخشكار والملح ، ويشرب الشربات. وجعفر بغير هذه الصفة ، ويفعل ما يقبح ذكره من الأفعال.

قالوا جميعاً : وسمعنا الناس يقولون : هكذا كنا نحن جميعاً نعلم ما عند سيدنا أبي محمد الحسن من شق جيبه. قالوا جميعاً : فخرج توقيع منه (ع) في اليوم الرابع من المصيبة. بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فممن شق جيبه على الذرية : يعقوب على يوسف حزناً. قال : يا أسفي على يوسف ، فإنه قَدَّ جيبه فشقه ».

وفي الهداية الكبرى / ٣٨٣ : « حدثني أبو الحسن علي بن بلال وجماعة من إخواننا : أنه لما كان في اليوم الرابع من زيارة سيدنا أبي الحسن (ع) أمر المعتز بأن ينفذ إلى أبي محمد من يستركبه إلى المعتز ليعزيه ويسليه ، فركب أبو محمد إلى المعتز ، فلما دخل عليه رحب به وعزاه وأمر فرتب بمرتبة أبيه (ع) وأثبت له رزقه وزاد فيه ، فكان الذي يراه لا يشك إلا أنه في صورة أبيه (ع) ، واجتمعت الشيعة كلها من المهتدين على أبي محمد بعد أبيه ، إلا أصحاب فارس بن ماهَوَيْه ، فإنهم قالوا بإمامة جعفر بن علي العسكري (ع) ».

وفي إثبات الوصية للمسعودى « ١ / ٢٤٢ » : « واعتل أبوالحسن علته التي مضى فيها صلى الله عليه في سنة أربع وخمسين ومائتين ، فأحضر أبا محمد ابنه (ع) فسلم إليه النور والحكمة ومواريث الأنبياء (ع) والسلاح ، وأوصى إليه ، ومضى صلى الله عليه ، وَسِنُّه أربعون سنة.

وكان مولده في رجب سنة أربع عشرة ومائتين من الهجرة ، فأقام مع أبيه (ع) نحو سبع سنين ، وأقام منفرداً بالإمامة ثلاث وثلاثين سنة وشهوراً.

وحدثنا جماعة كل واحد منهم يحكي أنه دخل الدار ، وقد اجتمع فيها جملة بني هاشم من الطالبيين والعباسيين ، واجتمع خلق من الشيعة ، ولم يكن ظهر عندهم أمر أبي محمد (ع) ولا عرف خبره إلا الثقات الذين نص أبوالحسن عندهم عليه ، فحكوا أنهم كانوا في مصيبة وحيرة ، فهم في ذلك إذْ خرج من الدار الداخلة خادمٌ فصاح بخادم آخر : يا رَيَّاشُ خذ هذه الرقعة وامض بها الى دار أمير المؤمنين وأعطها الى فلان وقل له : هذه رقعة الحسن بن علي. فاستشرف الناس لذلك ، ثم فتح من صدر الرواق بابٌ وخرج خادمٌ أسود ، ثم خرج بعده أبومحمد (ع) حاسراً مكشوف الرأس ، مشقوق الثياب ، وعليه مبطنة بيضاء ، وكان وجهه وجه أبيه (ع) لا يخطئ منه شيئاً ، وكان في الدار أولاد المتوكل وبعضهم ولاة العهود ، فلم يبق أحد إلا قام على رجله ، ووثب إليه أبومحمد الموفق فقصده أبومحمد (ع) فعانقه ثم قال له : مرحباً بابن العم. وجلس بين بابي الرواق ، والناس كلهم بين يديه.

وكانت الدار كالسوق بالأحاديث ، فلما خرج وجلس أمسك الناس ، فما كنا نسمع شيئاً إلا العطسة والسعلة ، وخرجت جارية تندب أبا الحسن (ع) فقال أبومحمد : ما هاهنا من يكفي مؤونة هذه الجاهلة؟ فبادر الشيعة إليها ، فدخلت الدار ، ثم خرج خادم فوقف بحذاء أبي محمد (ع) فنهض صلى الله عليه وأخرجت الجنازة ، وخرج يمشي حتى أخرج بها الى الشارع الذي بازاء دار موسى بن بقا ، وقد كان أبومحمد صلى عليه قبل أن يخرج الى الناس ، وصلى عليه لما أخرج المعتمد ، ثم دفن في دار من دوره.

واشتد الحر على أبي محمد (ع) وضغطه الناس في طريقه ومنصرفه من الشارع بعد الصلاة عليه ، فصار في طريقه الى دكان بقال رآه مرشوشاً « مصطبة » فسلم واستأذنه في الجلوس فأذن له وجلس ، ووقف الناس حوله. فبينا نحن كذلك إذ أتاه شابٌّ حسن الوجه نظيف الكسوة ، على بغلة شهباء على سرج ببرذون أبيض ، قد نزل عنه فسأله أن يركبه ، فركب حتى أتى الدار ونزل.

وخرج في تلك العشية الى الناس ، ما كان يَخْرِمُ عن أبي الحسن (ع) حتى لم يفقدوا منه إلا الشخص. وتكلمت الشيعة في شق ثيابه وقال بعضهم : هل رأيتم أحداً من الأئمة شق ثوبه في مثل هذه الحال ؟ فوقَّعَ الى من قال ذلك : يا أحمق ما يدريك ما هذا ، قد شق موسى على هرون. وقام أبومحمد الحسن بن علي مقام أبيه (ع) ».

ملاحظات على شهادة الإمام (ع) ومراسم جنازته

١. شاء الله عز وجل أن يحفظ الإمام الهادي (ع) من المتوكل ، وأفشل محاولاته لقتل الإمام (ع). وأن يُقِرَّ عين وليه الإمام الهادي (ع) فيريه نهاية عدوه المتوكل فسلط عليه غلمانه الأتراك ، فقتلوه وهو سكران ذاهب العقل !

كما شاء عز وجل أن تكون شهادة الإمام (ع) بيد المعتز ، وهو الزبير بن المتوكل وكانت أمه جميلة جداً فسماها المتوكل قبيحة لإبعاد الحسد عنها ، وقد جمعت ثروةً طائلة لكنها بخلت أن تنقذ ابنها من القتل ! وقد صح الحديث بأنه لايقتل الأنبياء والأوصياء (ع) إلا أولاد الحرام ، فقد سئل الصادق (ع) عن قوله تعالى : وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ .. فقيل له : من كان يمنعه ؟ قال : منعه أنه كان لرَشْدَةٍ ، لأن الأنبياء والحجج لايقتلهم إلا أولاد زنا ! « كامل الزيارات / ١٦٣ ».

٢. كانت شهادة الإمام (ع) بعد حرب استمرت سنة بين سامراء وبغداد ، من محرم ٢٥١ الى ٢٥٢ ، بين خليفتين هما : المعتز والمستعين « الطبري : ٧ / ٤٤٥ » وحكم المعتز بعدها نحو ثلاث سنين الى سنة ٢٥٥ ، وأقدم على قتل الإمام (ع) في رجب في سنة ٢٥٤ ، ثم ثار عليه الأتراك وقتلوه في السنة التالية ٢٥٥ ، ونصبوا المهتدي.

فمن هو المستفيد من قتل الإمام الهادي (ع) ، ومن الذي خطط لقتله ؟

الأمر المرجح أن المخطِّط والمنفِّذ هو المعتز ، فقد قتل المستعين مع أنه خلع نفسه وبايعه ، ولعله كان يخاف من تفاقم الثورات العلوية ، وأن يرفع ثائر منها إسم الإمام (ع) فينجذب الناس الى بيعته ويبايعوه !

٣. أمر المعتز أخاه المعتمد أن يقيم للإمام (ع) تشييعاً كبيراً ، وأن تحمل جنازته الى دار الخلافة ليصلي عليها ، قال في الهداية / ٢٤٨ : « فإن السلطان لما عرف خبر وفاته ، أمر سائر أهل المدينة بالركوب إلى جنازته ، وأن يُحمل إلى دار السلطان حتى يصلي عليه ». فصلوا عليه في دار الخليفة ، ثم صلوا عليه في شارع كبير ، ثم صلوا عليه في داره ودفنوه حيث أوصى. « مروج الذهب : ٤ / ٨٤ ، واليعقوبي : ٢ / ٥٠٠ ».

٤. كانت سياسة السلطة القرشية دائماً المبالغة في تشييع الإمام من العترة الطاهرة (ع) ، ولهم في ذلك أغراض ، أولها أن يبعدوا عن أنفسهم جريمة قتله !

بل كانوا يحرصون على الكشف الطبي على جنازته ، وإشهاد كبار القضاة والشهود بأن بدنه سالمٌ وأنه مات حتف أنفه ! حتى لايطالب بنو هاشم بدمه.

واستعملوا هذا الأسلوب مع خلفائهم الذين قتلوهم ، فكانوا يقتلون الخليفة بالتعذيب أو عصر خصيتيه ، ثم يأتون بالشهود فيشهدون أنه مات حتف أنفه !

قال في معالم الخلافة « ٣ / ٣٧١ » : « لما وليَ المعتز لم يمض إلا مدة حتى أُحضر الناس وأخرج المؤيد فقيل : إشهدوا أنه دعي فأجاب وليس به أثر !

ثم مضت أشهر فأحضر الناس وأخرج المستعين ، فقال : إن منيته أتت عليه وها هو لا أثر فيه ، فأشهدوا !

ثم مضت مُدَيْدَة واستخلف المهتدي فأخرج المعتز ميتاً وقيل : إشهدوا أنه قد مات حتف أنفه ولا أثر به ! ثم لم تكمل السنة حتى استخلف المعتمد فأخرج المهتدي ميتاً وقيل : إشهدوا أنه قد مات حتف أنفه من جراحته » !

لكنهم كانوا يسلمون جنازة الخليفة الى أقاربه ، ولايهتمون بالصلاة عليه وتشييعه ، لأنه ليس له جماهير محبة كالإمام (ع) ليكسبها لخليفة الجديد بذلك !

٥. يتضح من أخبار تشييع الإمام (ع) ودفنه ، أنهم كانوا يهتمون بالتشييع والصلاة على الجنازة والدفن. وفي اليوم الثاني يجلس أهل الميت لقبول التعزية. ففي الهداية / ٢٤٩ : « وبقي الإمام أبومحمد الحسن بن علي (ع) ثلاثة أيام مردود الأبواب ، يُسمع من داره القراءة والتسبيح والبكاء ، ولا يؤكل في الدار إلا خبز الخشكار والملح .. قالوا جميعاً : فخرج توقيع منه (ع) في اليوم الرابع من المصيبة.

بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد فممن شق جيبه على الذرية : يعقوب على يوسف حزناً. قال : يا أسفي على يوسف ، فإنه قَدَّ جيبه فشقه ».

٦. اشترى النبي وعترته الطاهرون صلوات الله عليهم ، محال قبورهم الشر ـ يفة على سنة أبيهم إبراهيم (ع) ، فقد نصت التوراة ومصادرنا على أنه اشترى مكان قبره في الخليل من عفرون الحثي ، وكان مزرعة فيها الغار الذي دفن فيه هو وأسرته (ع). واشترى النبي (ص) مكان مسجدة وبيوته وقبره الشر ـ يف ، عندما بركت قربه الناقة : « وسأل عن المربد فأخبر أنه لسهل وسهيل يتيمين لمعاذ بن عفراء ، فأرضاهما معاذ ». « مناقب آل أبي طالب : ١ / ١٦٠ ».

واشترى الإمام الهادي (ع) داره في سامراء ، ثم اشترى دوراً ضمها اليها.

قال في تاريخ بغداد « ١٢ / ٥٧ » : « وفي هذه السنة ، يعني سنة أربع وخمسين ومائتين ، توفي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بسر من رأى ، في داره التي ابتاعها من دليل بن يعقوب النصراني ».

وفي إثبات الوصية للمسعودي « ١ / ٢٤٣ » : « وقد كان أبو محمد صلى عليه قبل أن يخرج الى الناس ، وصلى عليه لما أخرجه المعتمد ، ثم دفن في دار من دوره ».

فهو يدل على أنها كانت دورٌ متعددة متصلة ببعضها ، وتدل عليه نصوص كثيرة وصفت دار أبي الحسن الهادي وأبي محمد العسكري (ع).

منها ما رواه في الإرشاد « ٢ / ٣١٧ » يصف ساحة إحداها ولعلها الدار الأساسية : « عن سعد بن عبد الله عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الأفطس أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن (ع) وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله ، فقالوا قدرنا أن يكون حوله من آل أبي طالب وبني العباس وقريش مائة وخمسون رجلاً سوى مواليه وسائر الناس ».

ومنها قول الخادم كما في الكافي « ١ / ٣٢٩ » : « وكنت أدخل عليهم من غير إذن إذا كان في دار الرجال ، قال : فدخلت عليه يوماً وهو في دار الرجال ».

 

مقتبس من كتاب الإمام علي الهادي عليه السلام

2025/01/04

الإمام علي بن موسى الرضا (ع) وولاية العهد

مثّل أئمة اهل البيت ع مصدر الخطر الأكبر على الخلافات المنحرفة، حتى أننا لنجد أن القائمين على تلك الخلافات من امويين وعباسيين وغيرهم لايهتمون بأعدائهم المباشرين الذين يألبون ويحملون السلاح ضدهم قدر اهتمامهم بالائمة المعصومين ع رغم أنهم ع لم يكونوا يبادروا الى أي نشاط معاد ضد السلطات الحاكمة.  وذلك لاسباب منها

[اشترك]

1. أنهم أصحاب الحق الشرعي في الخلافة

2. تأثيرهم الكبير في الناس، باخلاقهم وعلومهم وغير ذلك من صفات واخلاق تحلوا بها وكانت على مستوى يفوق البشر

وقد دأب الخلفاء المنحرفون على مواجهة خطر المعصومين ع بالعنف والتصفية والقمع، للحفاظ على مابأيديهم من سلطة وملك. حتى وصلت الخلافة الى المأمون العباسي الذي كان يتمتع بمواهب في الذكاء والحنكة السياسية. وانتهى به التفكير في خطر الائمة ع بأن أساليب العنف والقمع غير مجدية ولم تنجح في إزالة الخطر. فعمد الى خطة بديلة اقتضت نقل الامام، الذي عاصر فترة حكمه وهو الامام علي بن موسى الرضا ع من مقر سكناه في المدينة الى مرو حيث كان يقيم المأمون، وعرض ولاية العهد عليه.

لقد أدرك المأمون العباسي أن خطر الائمة المعصومين ع متأت من مكانتهم الاجتماعية لدى الجماهير لما لهم ع صفات ومزايا فاضلة في مقدمتها النزاهة والاستقامة والعدل. ففكر في نقل الامام المعصوم من دائرة العدو الذي يزيده اضطهاد السلطة له مكانة في الناس. الى دائرة الحليف الذي يشارك بالسلطة. ليظهر الامام المعصوم ع امام الناس كنعصر من عناصر حكومة المأمون. ولما اعتقد المأمون أن المنصب العالي في حكومته بما فيه من جاه وسلطة سيكفلان له اغواء الامام وجره الى واقع الانحراف الذي كانت عليه عناصر حكومته. فإنه سيتخلص من خطر الامامة. بمعنى أن خطر الامام متأت من مكانته الاجتماعية المتأتية من سلوكه المثالي. فإذا قضى على سلوكه المثالي أدى ذلك الى القضاء على مكانته الاجتماعية وحينها لن يشكل الامام المعصوم ع أي خطر على الخلافة.

لقد عرض المامون الخلافة نفسها على الامام الرضا ع بغية الوصول الى أكبر حد من الاغراء لجر الامام ع الى شرك الخديعة التي نصبه له. ولكن الامام الرضا ع سأل المأمون سؤالا، حول عرض الخلافة عليه، هدد به الأسس التي قامت عليها شرعية الخلافة العباسية، حيث قال الامام ع له " إذا كانت الخلافة من حقكم انتم العباسيون كونكم الأقرب نسبا للنبي محمد ص ( كما يدعي العباسيون في إضفاء الشرعية على خلافتهم) فكيف تتنازل لي عنها؟؟ وإذا لم تكن من حقكم (أي انكم أيها العباسيون كاذبون) فايضا كيف تتنازل لي عنها.

فاضطر المأمون الى عرض ولاية العهد على الامام الرضا ع ولم يترك للامام ع في هذه حرية القبول أو الرفض. فما كان من الامام ع إلا أن وضع لقبوله ولاية العهد شرطا قضى بها على خطة المأمون وفضح حكمه الفاسد امام العامة. حيث كان الشرط أنه يقبل ولاية العهد شرط ان تكون ولاية صورية يمتنع فيها الامام ع عن ممارسة أي سلطة ويرفض أية صلاحية.. فكان ذلك الشرط، عند معرفة الناس به، بمثابة آية واضحة على موقف الامام الرضا ع الملتزم بجادة الحق ورفضه الانغماس في مرتع الفساد والانحراف.

وهنا وجد المامون العباسي أن بصيرة الامام الرضا ع والتزامه المطلق للحق قد أفشلا خطته فشلا ذريعا. ولكنه قبل بشرط الامام ع ريثما يجد الوسيلة التي تعالج ذلك الفشل.  وذلك عن طريق محاولات شتى أراد بها تشويه الصورة المثالية والمتكاملة التي يتحلى بها الامام الرضا ع مثل اعداده المناضرة المعروفة ووضعه الامام ع امام خيرة علماء عصره، لعل الامام ع يظهر منه جهل في نقطة ما أو يعجز عن حل مسألة معينة، فخرج الامام ع من المناضرة على حالة لاتوصف من غزارة العلم وقوة الحجة وسداد المنطق وتأكد مناضروه من أنه رجل يتعالى على الواقع البشري. ومثل طلبه من الامام ع إنزال المطر بصلاة الاستسقاء فما إن رفع الامام الرضا ع يديه بالدعاء حتى اغرق المطر الأرض.

لقد عاش الامام الرضا ع في مرو صورة ناصعة، عجز المأمون العباسي عن الحاق أي شائبة بها، وكانت تلك الصورة مدعاة لانبهار الناس وايمانهم بأنه واحد من الصفوة التي اختارها الله برحتمه أئمة اطهار.    

2024/12/29

واقعة الجمل.. طمع وخيانة قادا إلى مواجهة دامية!

تغص صفحات التاريخ الإسلامي بمواقف تكشف معادن الرجال، وتميز بين من يطلب الحق ومن يسعى وراء المناصب. وعلى رمال البصرة كُتبت بالدم قصة نكث وخيانة، بدأت بطمع في منصب، وانتهت بمقتل الآلاف.

[اشترك]

قصة تروي كيف تحول المبايعون إلى ناكثين، وكيف تبدلت المواقف حين لاحت في الأفق مطامع السلطة والولاية.

طمع المنصب وبداية النكث:

بعد مقتل عثمان بن عفان، تجمع المسلمون في المدينة المنورة لمبايعة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

كان من بين المبايعين طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام، اللذان سرعان ما كشفا عن طمعهما في المناصب.

تقدما للإمام (عليه السلام) يطلبان الولاية، فكان رده حازماً وواضحاً: "إني لا أشرك في أمانتي إلا من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي".

من المدينة إلى مكة.. رحلة النكث:

حين خاب أملهما في نيل المناصب، دب اليأس في نفسيهما. استأذنا الإمام بحجة العمرة، لكن وجهتهم الحقيقية كانت مختلفة تماماً.

توجها إلى مكة، حيث التقيا بعائشة، التي كانت من أشد المحرضين على قتل عثمان. كانت عباراتها مشهورة ومدوية: "اقتلوا نعثلاً.. قتل الله نعثلاً.. لقد غير سنة رسول الله".

مسار الخيانة.. من مكة إلى البصرة:

خرج الثلاثة من مكة متجهين نحو الشام، لكن مصادفة غيرت مسار التاريخ. في الطريق، التقوا بعبد الله بن عامر، عامل عثمان السابق على البصرة، الذي أقنعهم بالتوجه إلى البصرة بدلاً من الشام، مشيراً إلى ما فيها من موارد وقوة عسكرية.

المواجهة الدامية:

في البصرة، واجههم عثمان بن حنيف، والي الإمام علي (عليه السلام)، في معركة انتهت بأسره وإهانته. حين بلغ الخبر الإمام علياً (عليه السلام)، جهز جيشه وتوجه نحو البصرة. حاول الإمام درء الفتنة ومناشدة طلحة والزبير، لكن الطمع والخيانة كانا أقوى من صوت الحق.

حصاد الدم:

اندلعت المعركة بعنف، لتحصد أرواح ستة عشر ألفاً وسبعمائة وسبعين رجلاً من أصحاب الجمل، وأربعة آلاف من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام). انتهت المعركة بانكسار جيش أصحاب الجمل.

العدل حتى مع الناكثين:

رغم مرارة النكث والخيانة، أظهر الإمام علي (عليه السلام) سماحة الإسلام وعدله. أمر محمد بن أبي بكر بإنزال عائشة في دار آمنة بنت الحارث، وأمر بإعادتها إلى المدينة بأمان.

ثم عاد (عليه السلام) إلى الكوفة، تاركاً درساً في العدل حتى مع المخالفين.

أعداد القتلى:

قُتل في معركة الجمل من جيش الإمام عليّ (عليه السلام) خمسة آلاف‏) تاريخ الطبري: 4/539، العقد الفريد: 3/324، الكامل في التاريخ: 2/346، مروج الذهب: 2/360، البداية والنهاية: 7/245).

وتُجمع النصوص التاريخيّة كلّها على هذا العدد بدون أدنى اختلاف.

ولكن هناك اختلاف كبير بين هذه النصوص حول عدد قتلى جيش الجمل بحيث لا يمكن التعويل كثيراً على أيّ منها.

فقد ذكرت بعض الأخبار التاريخيّة أنّ عدد من قُتل منهم عشرون ألفاً (العقد الفريد:3/324.)، بينما جاء في أخبار اُخرى أنّه قُتل منهم ثلاثة عشر ألفاً (تاريخ الطبري: 4/539.)، وعلى خبرٍ آخر عشرة آلاف‏ (تاريخ الطبري: 4/539، الكامل في التاريخ: 2/346، البداية والنهاية: 7/245.(، أو خمسة آلاف‏( مروج الذهب: 2/360.).

وجاء في نقل سيف بن عمر أنّه قُتل منهم خمسة آلاف، وهو-في العادة-ينقل الأخبار الكاذبة، أو يختلقها من عنده.

وما ذُكر من أنّ عدد قتلى أصحاب الجمل كان عشرة آلاف، وإن لم يأتِ في مصادر تاريخيّة كثيرة، إلإّ أنّ نبوءة الإمام عليّ (عليه السلام) في عدد قتلاهم تؤيّد هذا المعنى.

فقد قال لمّا بلغه خروج عائشة:

))وقد ـ واللَّه - علمتُ أنّها الراكبة الجمل لا تحلّ عقدةً ولا تسير عقبةً ولا تنزل منزلاً إلّا إلى معصية؛ حتى تُورد نفسها ومن معها مورداً يُقتل ثلثهم، ويهرب ثلثهم، ويرجع ثلثهم))‏ (الإرشاد: 1/246.).

وبما أنّ عدد أصحاب الجمل كان ثلاثين ألفاً فيجب أن يكون عدد قتلاهم عشرة آلاف.

وذكر الشيخ المفيد في كتاب الجمل أنّ مجموع القتلى بلغ خمسةً وعشرين ألفاً، فإذا نقص منها خمسة آلاف ممّن قتلوا في جيش الإمام يبقى العدد عشرون ألفاً، وهذا يؤيّد النصّ الوارد في أنّ عدد من قُتل منهم عشرون ألفاً.

وواصل الشيخ المفيد يقول: وروى عبد اللَّه بن الزبير رواية شاذّة أنّهم كانوا خمسة عشر ألفاً. قيل: ويوشك أن يكون قول ابن الزبير أثبت. ولكنّ القول بذلك باطل؛ لبعده عن جميع ما قاله أهل العلم به‏( الجمل: 419.).

وكلام اُمّ ‏أفعى مع عائشة-الذي ورد في عيون الأخبار- يؤيّد صحّة هذا القول.

على أنّه ذكرت بعض المصادر أنّ مجموع قتلى الفريقين كان ثلاثين ألفاً (تاريخ اليعقوبي: 2/183؛ تاريخ الإسلام للذهبي: 3/484.)، فيما ذكرت اُخرى أنّه كان عشرين ألفاً(أنساب الأشراف: 3/59.).

وفي عيون الأخبار: دخلت اُمّ ‏أفعى العبديّة على عائشة [بعد وقعة الجمل‏] فقالت: يا اُمّ‏المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابناً لها صغيراً؟ قالت: وَجَبَت لها النار. قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً؟ قالت: خذوا بيد عدوّة اللَّه(عيون الأخبار لابن قتيبة: 1/202، العقد الفريد: 3/328 وفيه «اُمّ‏ أوفى العبديّة» وراجع أنساب الأشراف.

المصدر: موقع الأئمة الاثني عشر + مركز الأبحاث العقائدية

2024/12/16

 سجين بلا تهمة: كيف أسقط الإمام الكاظم (ع) شرعية العباسيين؟

الإمام موسى بن جعفر (ع) قبسة من موقفه السياسي.. قامت الخلافة الاموية ـ فيما يتعلق بالواجهة الايدلوجية التي تضفي الشرعية على قيام دولتها ونظامها الحاكم ـ على اساس من فكرة الحق الالهي، فالارادة الالهية مطلقة تفعل ماتشاء ومن مظاهر انبساطها هي ان تقدّر ما تشاء من حكام على الرعية بمعزل عن مسألة الصلاح والفساد.

[اشترك]

أي ان كل من اعتلى سدة الحكم ـ صالحا أم طالحا ـ اعتلاها بمشيئة الله، أي الله من جعله على رقاب الناس، إن صالحا فنعمة من الله وإن طالحا فاختبار وامتحان وفي كليهما لايجوز التمرد والثورة عليه لانها ثورة ورفض لمشيئة الله وارادته.

فكانت ثورة الطف الاداة الفاعلة لتهديم هذه الشرعية من الجذور وإلفات نظر الناس الى بطلانها والى ضرورة الثورة على كل مظاهر الانحراف والفساد. فيما اعتمدت الخلافة العباسية على طرح آخر لنفس الغرض وهو إضفاء الشرعية على جهازها الحاكم وتوليه الخلافة، وهذا الطرح قائم على مسألة القرابة، فالأقرب الى رسول الله ص نسبا هو الاحق بالخلافة ولما كان العباسيون هم الاقرب بما يربطهم بالنبي ص من كونهم ابناء عمه، فهم الأحق والخلافة حقهم الشرعي، وهذا ماحطمه الامام الكاظم ع في موقف سجله التاريخ حيث وقف هارون الرشيد امام قبر النبي الاكرم ص وقال" السلام عليك يابن العم" لغرض إسماع الناس بما بينه وبين النبي ص من قربى يختص العباسيون بها، وهنا جاء قول الامام الكاظم ع ليزلزل ذلك البنيان حيث قال بعد انتهاء الرشيد من قوله وامام الملأ الذي حرص الرشيد على إسماعه.

 قال " السلام عليك يا أبه" وهناك يكون الامام الكاظم ع قد خاطب الرشيد والعباسيين والمجتمع الاسلامي في وقته وعموم الامة الاسلامية على مر اجيالها، بأنه على نفس مايعتمده العباسيون من تبرير احقيتهم يكون هو الأحق. ولهذا سجنه الرشيد، وقد جرّ الرشيد على نفسه بسجن الامام الكاظم ع أيما وبال، لما كان يتمتع به الامام ع من شهرة ومكانة اجتماعية كبيرة، فواجه الرشيد بهذا تساؤلا ملحا من العامة عن سبب سجنه لرجل لم تبدر منه بادرة في منازعة الرشيد السلطان ولايشغله غير العبادة وفعل الخير والاحسان ومساعدة الناس.

وهنا كانت ورطة الرشيد، إن لم يرد على تساؤلهم ظهر بمظهر الحاكم الظالم الجائر الذي يسجن شخصا كالكاظم ع بدون سبب وهو في الوقت نفسه لايقدر ان يبيّن لهم السبب الحقيقي حيث تتهاوى شرعية خلافته، لهذا عمدّ الى التشديد على الامام ع وجعله في معاناة لاتحتمل في السجون والطوامير أملا في ان يلتمس الامام ع العفو من الرشيد فتتهاوى مكانته الاجتماعية الفذة وتضمحل هيبته.

وقد ظل يعرض عليه ذلك، وهنا يأتي دور الامام الكاظم ع الريادي حيث رفض وبشكل قاطع ان يطلب صفحا او عفوا من الرشيد ليظل تساؤل العامة عن سبب سجنه زلزالا يهز العرش العباسي. ولما آيس الرشيد من استجابة الامام الكاظم ع لطلب العفو عمد الى سمّه.

ومن جهة أخرى فقد كانت مشكلة الرشيد مع سجن الإمام الكاظم ع والتي عاناها كثيرا، هي تأثير الإمام ع الروحي على سجانيه وجعلهم يتعاطفون معه ويعجبون به حتى انهم كانوا يخاطبون الرشيد طالبين نقله من سجونهم او انهم سيخرجونه بانفسهم حيث وصل الأمر باحدهم أن قال للرشيد انه يدعو حتى لك انت بالخير .. حتى انتهى الأمر بالرشيد أن سلم الإمام ع إلى الفضل بن يحيى البرمكي في أن يحبسه في داره ويضيق عليه إلى أقصى حد ولكن الفضل كغيره لم يصمد أمام تأثير الإمام ع وأخلاقه وسمو روحه فوسع عليه ووفر له أسباب الراحة حتى حدث أن دخل الرشيد غفلة فرأى ما فيه الإمام ع من راحة ودعة فغضب من الفضل وجفا اباه واخاه.. فكان لهذه الجفوة الاثر البالغ في نفس ابيه يحيى البرمكي.. فرضا الرشيد يعني التقلب في النعيم الذي يعيشونه، فسارع إلى الرشيد يسأله عما يمكن أن يفعله ليمحو خطأ ابنه الفضل .. فأخبره الرشيد تلميحا أن ذاك يتم بقتل موسى بن جعفر ع فسارع يحيى ليقوم بالجريمة مع السندي .. ولكن لم تمض الا مدة يسيرة حتى قام الرشيد بما يسمى بنكبة البرامكة حيث لم يبق منهم رجل.

2024/12/14

شرب من ماء الحياة.. هل الخضر لا يزال حيّاً؟!

هل ثبت أن الخضر (ع) شرب من ماء الحياة؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

نعم ورد ذلك في روايات عديدة، وفيها ما هو معتبرٌ سنداً كالتي رواها الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كمال الدين بسندٍ معتبر عن الحسن بن علي بن فضال قال: سمعتُ أبا الحسن علي بن موسى الرضا (ع) يقول: "إنَّ الخضر (ع) شرب من ماء الحياة، فهو حيٌّ لا يموت حتى يُنفخ في الصور، وإنِّه ليأتينا فيسلِّم فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنَّه ليحضر حيث ما ذُكر، فمن ذكره منكم فليسلِّم عليه، وإنَّه ليحضر الموسم كلَّ سنة فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة فيؤمِّن على دعاء المؤمنين، وسيُؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ويصل به وحدته"(1).

الهوامش:

1- كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق- ص 390.

2024/12/07

حجاب الزهراء (ع): هل كانت ترتدي النقاب؟!

هل تُوجد رواية عن أهل البيت (ع) عن كيفيَّة لبس السيدة فاطمة الزهراء (ع) للحجاب؟ يعني هل الزهراء (ع) كانت تسترُ كامل وجهها؟ لأنَّ معظم النساء في مجتمعنا في اعتقادهن أن تغطية الوجه بالكامل هو اقتداء بالسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) وفتاوى معظم المراجع تقول الواجب على المرأة ستر كامل البدن ما عدا الوجه والكفين؟

[اشترك]

نعم لم يكن أحدٌ من الرجال الأجانب يرى وجه فاطمة (ع) وهذا أمر متسالَمٌ عليه عندنا، ويُؤكد ذلك ما ورد حتى في كتب العامة عن الحسن البصري بسندٍ وُصف بالحسن أنَّ رسول الله (ص) سأل عن أيِّ شيء خيرٌ للمرأة ؟ فقالت فاطمة (ع): "أن لا ترى رجلاً ولا يراها". فقال النبيُّ (ص) تعقيباً على كلام فاطمة (ع): صدقت إنَّها بضعةٌ مني" وفي رواية أنَّه ضمها إليه وقال: ذريَّةٌ بعضها من بعض(1).

وورد في طريقٍ آخر أنَّ فاطمة (ع) قالت جواباً لسؤال النبيِّ (ص) "لا يرين الرجال ولا يراهن" فقال النبيُّ (ص): "إنَّ فاطمة بضعةٌ مني"(2).

فإذا كان خيرٌ للمرأة أنْ لا يراها رجل فأجدر مَن يلتزم بهذا الخُلق الرفيع هي السيدة فاطمة (ع) فهي أكمل النساء وأُسوتهن.

وقد ورد في نوادر الرواندي وكتاب الجعفريات بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه (ع) قال: "إنَّ فاطمة بنت رسول الله (ص) استأذن عليها أعمى فحجبتَه، فقال لها النبيُّ (ص) لم حجبته وهو لا يراك، فقالت (ع): يا رسول الله، إن لم يكن يراني فأنا أراه، وهو يشم الريح، فقال النبيُّ (ص): أشهد أنَّك بضعةٌ مني"(3).

فهذه الرواية تُعبِّر عن كمال احتجاب السيدة فاطمة (ع) بحيث أنها تتحاشى عن أنْ يجد الأعمى ريح ثيابها.

وحينما خرجت فاطمة (ع) مضطرةً للذود عن الحقِّ المسلوب أفادت الروايات أنَّها لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمةٍ من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها .. فنيطت دونها ملاءة .."(4).

فرغم أنَّها كانت قد لاثت خمارها على رأسها واشتلمت بجلبابها وكانت ذيول ثيابها تتجاوز أسفل قدميها حتى أنَّها تطأ ذيولها حين كانت تمشي رغم كلِّ ذلك ضُربت دونها ملاءة أي ساتر يحول دون رؤية الرجال لمجلسها.

============

الهوامش:

1- كنز العمال -المتقي الهندي- ج16 / ص601، بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج43 / ص84.

2- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج20 / ص67.

3- جامع أحاديث الشيعة -السيد البروجردي- ج20 / ص299.

4- الاحتجاج -الشيخ الطبرسي- ج1 / ص132.

2024/12/05

هذا ما حدث: اللحظات الأولى للهجوم على دار الزهراء (ع)!

فقد رجع أهل السقيفة إلى المسجد، وطرقوا الباب على علي «عليه السلام»، بعد فراغه من دفن النبي «صلى الله عليه وآله»، وكانت زوجته فاطمة الزهراء «عليها السلام» وراء الباب عند القبر، وكأنها تبكي أباها، وتناجيه، وتودعه بدموعها ، وبكلماتها الأخيرة.

[اشترك]

فسألت : من الطارق ؟!  وإذ بهم يقتحمون عليها الباب بعنف، فعصروها بين الباب والحائط، فصرخت، وأسقطت جنينها.. فسمع علي «عليه السلام» صوتها، فبادر المهاجمين، فهربوا، وخلَّوها رهينة الآلام، والأوجاع قد حصل وكل ذلك في ثوان معدودة .  وانصرف علي «عليه السلام» لإسعاف سيدة النساء، وبقي معها إلى الصباح، وهم مكتنفون باب داره. وجاء أبو بكر في الصباح إلى المسجد، وجلس على المنبر، وصار الناس يبايعونه.

الصحيح من سيرة الإمام علي ( ع )، ج ٩، السيد جعفر مرتضى العاملي، ص ١٤٧

2024/12/05

معركة حُنَين.. كيف حوّل النبي الهزيمة إلى نصر؟!

‏«حنين» منطقة قريبة من الطائف، و بما أنّ الغزوة وقعت هناك فقد سميّت باسم المنطقة ذاتها، و قد عبّر عنها في القرآن ب «يوم حنين» و لها من الأسماء- غزوة أوطاس، و غزوة هوازن أيضا.

[اشترك]

‏أمّا تسميتها بأوطاس، فلأن «أوطاس» أرض قريبة من مكان الغزوة- و أمّا تسميتها بهوازن، فلأن إحدی القبائل التي شاركت في غزوة حنين تدعی بهوازن.

‏أمّا كيف حدثت هذه الغزوة، فبناء علی ما ذهب إليه ابن الأثير في الكامل، أن هوازن لمّا علمت بفتح مكّة، جمع القبيلة رئيسها مالك بن عوف و قال لمن حوله: من الممكن أن يغزونا محمّد بعد فتح مكّة، فقالوا: من الأحسن أن نبدأه قبل أن يغزونا.

‏فلما بلغ ذلك النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم أمر المسلمين أن يتوجهوا إلی أرض هوازن‌

[راجع الكامل لابن الأثير، ج ٢، ص ٢٦١، نقلنا القصة بشي‌ء من الاختصار.]

٢.

‏و بالرغم من عدم الاختلاف بين المؤرخين في شأن هذه الغزوة و المسائل العامّة فيها، إلّا أنّ في جزئياتها روايات متعددة لا يكاد بعضها ينسجم مع الآخر، و ما ننقله هنا فقد اقتضبناه عن مجمع البيان للعلامة الطبرسي، بناء علی روايته القائلة: إنّ رؤساء طائفة هوازن جاءوا إلی مالك بن عوف و اجتمعوا عنده في أخريات شهر رمضان أو شوال في السنة الثامنة للهجرة، و كانوا قد جاءوا بأموالهم و أبنائهم و أزواجهم لئلا يفكر أحدهم بالفرار حال المعركة، و هكذا فقد وردوا منطقة أوطاس.

‏فعقد النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم لواءه، و سلمّه عليّا عليه السلام و أمر حملة الرايات الذين ساهموا في فتح مكّة أن يتوجهوا براياتهم ذاتها مع علي بن أبي طالب إلی حنين، و اطّلع‌ النّبي أن صفوان بن أمية لديه دروع كثيرة، فأرسل النّبي إليه أن أعرنا مائة درع، فقال صفوان: أ تريدونها عارية أم غصبا؟ فقال النّبي: بل عارية نضمنها و نعيدها سالمه إليك، فأعطی صفوان النّبي مائة درع علی أنّها عارية، و تحرك مع النّبي بنفسه إلی حنين.

‏و كان ألفا شخص قد أسلم في فتح مكّة، فأضيف عددهم إلی العشرة آلاف الذين ساهموا في فتح مكّة، و صاروا حوالي اثني عشر ألفا، و تحركوا نحو حنين.

‏فقال مالك بن عوف- و كان رجلا جريئا شهما- لقبيلته: اكسروا أغماد سيوفكم، و اختبئوا في كهوف الجبال و الوديان و بين الأشجار، و اكمنوا لجيش الإسلام، فإذا جاءوكم الغداة «عتمة» فاحملوا عليهم و أبيدوهم.

‏ثمّ أضاف مالك بن عوف قائلا: إن محمّدا لم يواجه حتی الآن رجال حرب شجعانا، ليذوق مرارة الهزيمة!! فلما صلّی النّبي صلاة الغداة «الصبح» بأصحابه أمر أن ينزلوا إلی حنين، ففوجئوا بهجوم هوازن عليهم من كل جانب وصوب، و أصبح المسلمون مرمی لسهامهم، ففرّت طائفة من المقاتلين جديدي الإسلام (بمكّة) من مقدمة الجيش، فكان أن ذهل المسلمون و اضطروا و فرّ الكثير منهم.

‏فخلّی اللّه بين جيش المسلمين و جيش العدو، و ترك الجيشين علی حالهما، و لم يحم المسلمين لغرورهم- مؤقتا- حتی ظهرت آثار الهزيمة فيهم.

‏إلّا أنّ عليّا حامل لواء النّبي بقي يقاتل في عدّة قليلة معه، و كان النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم في (قلب) الجيش و حوله بنو هاشم، و فيهم عمه العباس، و كانوا لا يتجاوزون تسعة أشخاص عاشرهم أيمن ابن أم أيمن.

‏فمرّت مقدمة الجيش في فرارها من المعركة علی النّبي فأمر النّبي عمّه العباس- و كان جهير الصوت- أن يصعد علی تل قريب و ينادي فورا: يا معشر المهاجرين و الأنصار، يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة، إلی أين‌ تفرّون؟ هذا رسول اللّه صلّی اللّه عليه و آله و سلّم.

‏فلمّا سمع المسلمون صوت العباس رجعوا و قالوا: لبيّك لبيّك، و لا سيما الأنصار إذ عادوا مسرعين و حملوا علی العدوّ من كل جانب حملة شديدة، و تقدّموا بأذن اللّه و نصره، بحيث تفرقت هوازن شذر مذر مذعورة، و المسلمون ما زالوا يحملون عليها. فقتل حوالي مائة شخص من هوازن، و غنم المسلمون أموالهم كما أسروا عدّة منهم‌

[مجمع البيان، ج ٥، ص ١٧- ١٩.]

٣.

‏و نقرأ في نهاية هذه الحادثة التأريخية أن ممثلي هوازن جاءوا النّبي و أعلنوا إسلامهم، و أبدی لهم النّبي صفحه و حبّه، كما أسلم مالك بن عوف رئيس القبيلة، فردّ النّبي عليه أموال قبيلته و أسراه، و صيره رئيس المسلمين في قبيلته أيضا.

‏و الحقيقة أنّ السبب المهم في هزيمة المسلمين بادئ الأمر- بالإضافة إلی غرورهم لكثرتهم- هو وجود ألفي شخص ممن أسلم حديثا و كان فيهم جماعة من المنافقين طبعا، و آخرون كانوا قد جاءوا مع النّبي لأخذ الغنائم، و جماعة منهم كانوا بلا هدف، فأثر فرار هؤلاء في بقية الجيش.

‏أمّا السرّ في انتصارهم النهائي فهو وقوف النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم و علي عليه السّلام و جماعة قليلة من الأصحاب، و تذكرهم عهودهم السابقة و إيمانهم باللّه و الركون إلی لطفه الخاص و نصره.

‏ من هم الفارّين‌؟

‏ممّا لا شك فيه أنّ الأكثرية الساحقة فرّب بادئ الأمر من ساحة المعركة، و ما تبقی منهم كانوا عشرة فحسب، و قيل أربعة عشر شخصا، و أقصی ما أوصل عددهم المؤرخون لم يتجاوزوا مائة شخص.

‏و لما كانت الرّوايات المشهورة تصّرح بأن من بين الفارين الخلفاء الثلاثة، فإنّ بعض المفسّرين سعی لأن يعدّ هذا الفرار أمرا طبيعيا.

‏يقول صاحب تفسير المنار ما ملخصه: لما رشق العدوّ المسلمين بسهامه، كان جماعة قد التحقوا بالمسلمين من مكّة، و فيهم المنافقون و ضعاف الإيمان و الطامعون «للغنائم» ففرّ هؤلاء جميعا و تقهقروا إلی الخلف، فاضطرب باقي الجيش طبعا، و حسب العادة- لا خوفا- فقد فرّوا أيضا، و هذا أمر طبيعي عند فرار طائفة فإنّه يتزلزل الباقي منهم فيفر أيضا- ففرارهم لا يعني ترك النّبي و عدم نصرته أو تسليمه بيد عدوه، حتی يستحقوا غضب اللّه!!

[راجع تفسير المنار، و إقرار التفصيل فيه، ج ١، الصفحات ٢٦٢ و ٢٦٣ و ٢٦٥.]

٤ و نحن لا نعلّق علی هذا الكلام، لكن نتركه للقراء ليحكموا فيه حكمهم.

‏كما ينبغي أن نذكر هذه المسألة و هي أنّ «صحيح البخاري» حين يتكلم عن الهزيمة و فرار المسلمين ينقل ما يلي:

‏فإذا عمر بن الخطاب في الناس، و قلت: (الراوي): ما شأن الناس؟ قال: أمر اللّه، ثمّ تراجع الناس إلی رسول اللّه‌

[المصدر السابق.]

٥.

‏غير أننا تجرّدنا من الأحكام المسبقة، و التفتنا إلی القرآن الكريم، وجدناه لا يذم جماعة بعينها، بل يذم جميع الفارين.

‏و لا ندري ما الفرق بين قوله تعالی‌ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ‌ حيث قرأنا هذه العبارة في الآيات محل البحث، و بين عبارة أخری وردت في الآية (١٦) من سورة الأنفال إذ تقول‌ وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلی‌ فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّـهِ‌؟! فبناء علی ذلك لو ضممنا الآيتين بعضهما إلی بعض لعرفنا أنّ المسلمين ارتكبوا خطأ كبيرا يومئذ إلّا القليل منهم، غاية ما في الأمر أنّهم تابوا بعدئذ و رجعوا.

الإيمان و السكينة

‏السكينة في الأصل مأخوذة من السكون، و تعني نوعا من الهدوء أو الاطمئنان الذي يبعد كل نوع من أنواع الشك و الخوف و القلق و الاستيحاش عن الإنسان، و يجعله راسخ القدم بوجه الحوادث الصعبة و الملتوية. و السكينة لها علاقة قربی بالإيمان، أي أنّ السكينة وليدة الإيمان، فالمؤمنون حين يتذكرون قدرة اللّه التي لا غاية لها، و يتصورون لطفه و رحمته يملأ قلوبهم موج الأمل و يغمرهم الرجاء.

‏و ما نراه من تفسير السكينة بالإيمان في بعض الرّوايات‌

[تفسير البرهان، ج ٢، ص ١١٤.]

٦، أو بنسيم الجنّة متمثلا في صورة إنسان‌

[تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ٢٠١.]

٧ كل ذلك ناظر إلی هذا المعنی.

‏و نقرأ في القرآن في الآية (٤) من سورة الفتح قوله تعالی: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ‌.

‏و علی كل حال فهذه الحالة نفسية خارقة للعادة، و موهبة إلهية بحيث يستطيع الإنسان أن يهضم الحوادث الصعبة، و أن يحس في نفسه عالما من الدعة و الاطمئنان برغم كلّ ما يراه.

‏و ممّا يسترعي النظر أن القرآن- في الآيات محل البحث- لا يقول: ثمّ أنزل اللّه سكينته علی رسوله و عليكم، مع أنّ جميع الجمل في الآية تحتوي علی ضمير الخطاب (كم)، بل تقول الآية عَلی‌ رَسُولِهِ وَ عَلَی الْمُؤْمِنِينَ‌ و هي إشارة إلی أن المنافقين و أهل الدنيا و الذين كانوا مع النّبي في المعركة لم ينالوا سهما من السكينة و الاطمئنان، بل كانت السكينة من نصيب المؤمنين فحسب.

‏و نقرأ في بعض الرّوايات أن نسيم الجنّة هذا كان مع أنبياء اللّه و رسله‌، فلذلك كانوا- في الحوادث الصعبة التي يفقد فيها كل إنسان توازنه إزاءها- أصحاب عزم راسخ و سكينة و اطمئنان، و إرادة حديدية لا تقبل التزلزل.

‏و كان نزول السكينة علی النّبي صلّی اللّه عليه و آله و سلّم في معركة حنين- كما ذكرنا آنفا- لرفع الاضطراب الناشئ من فرار أصحابه من المعركة، و إلّا فهو كالجبل الشامخ الركين، و كذلك ابن عمّه علي عليه السلام و قلة من أصحابه (المسلمين).

‏٤- في الآيات محل البحث إشارة إلی أنّ اللّه نصر المسلمين في مواطن كثيرة! هناك كلام كثير بين المؤرخين حول عدد مغازي النّبي و حروبه، التي أسهم فيها صلّی اللّه عليه و آله و سلّم شخصيّا، و قاتل الأعداء، أو حضرها دون أن يقاتل بنفسه، أو الحروب التي وقف فيها المسلمون بوجه أعدائهم و لم يكن الرّسول حاضرا في المعركة.

‏إلّا أنّه يستفاد من بعض الرّوايات التي وصلتنا عن طرق أهل البيت عليهم السّلام أنّها تبلغ الثمانين غزوة.

‏و قد ورد في كتاب (الكافي) أن أحد خلفاء بني العباس كان قد نذر مالا كثيرا إن هو عوفي من مرضه «و يقال أنّه قد سمّ»، فلما عوفي جمع الفقهاء الذين كانوا عنده، فسألهم عن المال الذي يجب أداؤه لإيفاء نذره، فلم يعرفوا للمسألة جوابا. و أخيرا سأل الخليفة العباسي الإمام التاسع محمّد بن علي الجواد عليه السلام‌

‏فقال: «الكثير ثمانون».

‏فلمّا سألوه عن دليله في ذلك استشهد الإمام بالآية لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّـهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ثمّ قال: عددنا حروب النّبي التي انتصر فيها المسلمون علی أعدائهم فكانت ثمانين‌

[تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ١٩٧.]

٨.

‏٥- إن ما ينبغي علی المسلمين أن يعتبروا به و يلزمهم أن يأخذوا منه درسا بليغا، هو أن ينظروا إلی الحوادث التي هي علی شاكلة حادثة حنين، فلا يغتروا بكثرة العدد أو العدد، فالكثرة وحدها لا تغني شيئا، بل المهم في الأمر وجود المؤمنين الراسخين في الإيمان، ذوي الإرادة و التصميم، حتی لو كانوا قلة.

‏كما أنّ طائفة قليلة استطاعت أن تغير هزيمة حنين إلی انتصار علی العدو و كانت الكثيرة بادئ الأمر سبب الهزيمة، لأنّها لم تنصهر بالإيمان تماما.

‏فالمهم أن يتوفر في مثل هذه الحوادث أناس مؤمنون ذوو استقامة و تضحية، لتكون قلوبهم مركزا للسكينة الإلهية، و ليكونوا كالجبال الراسخة بوجه الأعاصير المدمرة.

*مقتطف من تفسير الأمثل

الهوامش:

‏١ لمزيد من الإيضاح يراجع تفسير الآيات ٩- ١٢ من هذا الجزء نفسه.

‏٢ راجع الكامل لابن الأثير، ج ٢، ص ٢٦١، نقلنا القصة بشي‌ء من الاختصار.

‏٣ مجمع البيان، ج ٥، ص ١٧- ١٩.

‏٤ راجع تفسير المنار، و إقرار التفصيل فيه، ج ١، الصفحات ٢٦٢ و ٢٦٣ و ٢٦٥.

‏٥ المصدر السابق.

‏٦ تفسير البرهان، ج ٢، ص ١١٤.

‏٧ تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ٢٠١.

‏٨ تفسير نور الثقلين، ج ٢، ص ١٩٧.

2024/11/25