هل تشك في زيارة الأربعين؟!

بعد الزيارات المليونية للإمام الحسين عليه السلام كل عام، حاول بعضهم التشكيك في زيارة الأربعين، بأنها لم يثبت استحبابها بخصوصها، أي أنها ليست من الزيارات المخصوصة، كزيارة ليلة القدر، وليلة النصف من شعبان، ويوم عرفة وغيرها.

والكلام يكون في عدة نقاط:

1- أن علماء الطائفة لم يعتنوا بتدوين أسانيد الروايات المتكفلة ببيان الآداب والسنن والمستحبات ونحوها، وإنما كانت عنايتهم بذكر أسانيد الروايات المبيِّنة للأحكام الإلزامية، وهي الواجبات والمحرمات، ولهذا تجد جميع روايات بعض كتب المستحبات مثل (مكارم الأخلاق) للطبرسي بلا أسانيد.

[اشترك]

وقد اختلف علماء الطائفة في طريقة التعامل مع مثل هذه المستحبات والسنن المذكورة في الكتب المعروفة على نحوين:

النحو الأول: أن يؤتى بتلك الآداب والمستحبات بعنوان الاستحباب، اعتمادًا على قاعدة التسامح في أدلة السنن، إذ يكفي في إثبات الاستحبات وجود فتوى أو رواية تدل على هذا المستحب وإن كانت ضعيفة السند.

النحو الثاني: أن يؤتى بتلك الآداب برجاء المطلوبية كما هو مسلك المحقق السيد الخوئي (قدس سره).

وعليه، فإن زيارة الأربعين يؤتى بها بأحد هذين النحوين، وكذا جميع الزيارات والأدعية وغيرها من الآداب والسنن المذكورة في كتاب مفاتيح الجنان وغيره.

2- أنه لا شك في أن زيارة الإمام الحسين عليه السلام مستحبة في جميع الأوقات، في العشرين من صفر وغيره، وعلى ذلك دلت الروايات المتواترة عن أهل بيت العصمة والطهارة.

منها: ما رواه الكليني في الكافي بسنده عَنْ حَنَانٍ عَنْ أَبِيه قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليه السلام: يَا سَدِيرُ تَزُورُ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فِي كُلِّ يَوْمٍ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا، قَالَ: فَمَا أَجْفَاكُمْ! قَالَ: فَتَزُورُونَه فِي كُلِّ جُمْعَةٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَتَزُورُونَه فِي كُلِّ شَهْرٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَتَزُورُونَه فِي كُلِّ سَنَةٍ؟ قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ. قَالَ: يَا سَدِيرُ مَا أَجْفَاكُمْ لِلْحُسَيْنِ عليه السلام! أمَا عَلِمْتَ أَنَّ لِلَّه عَزَّ وجَلَّ أَلْفَيْ أَلْفِ مَلَكٍ شُعْثٌ غُبْرٌ، يَبْكُونَ، ويَزُورُونَ لَا يَفْتُرُونَ، ومَا عَلَيْكَ يَا سَدِيرُ أَنْ تَزُورَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فِي كُلِّ جُمْعَةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، وفِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً، قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، إِنَّ بَيْنَنَا وبَيْنَه فَرَاسِخَ كَثِيرَةً، فَقَالَ لِي: اصْعَدْ فَوْقَ سَطْحِكَ، ثُمَّ تَلْتَفِتُ يَمْنَةً ويَسْرَةً، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ انْحُ نَحْوَ الْقَبْرِ، وتَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّه، السَّلَامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّه وبَرَكَاتُه. تُكْتَبُ لَكَ زَوْرَةٌ، والزَّوْرَةُ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ. قَالَ سَدِيرٌ، فَرُبَّمَا فَعَلْتُ فِي الشَّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً 1.

وبه يتضح أنه إذا لم يثبت استحباب زيارة الإمام الحسين عليه السلام في خصوص العشرين من صفر، فإن الاستحباب ثابت بالعنوان العام.

وكل من زار الإمام الحسين عليه السلام في العشرين من صفر أو غيره فإنه مثاب مأجور حتى لو لم تكن زيارته عليه السلام في ذلك الوقت من الزيارات المخصوصة.

والتشكيك في أن زيارة الإمام الحسين عليه السلام في العشرين من صفر مخصوصة أو غير مخصوصة، ليست له أي فائدة إلا صدّ الشيعة وتثبيطهم عن زيارته عليه السلام.

3- أن الفرق بين الزيارة المخصوصة والزيارة المطلقة أن ثواب الزيارة المخصوصة أكثر، مثل زيارته  في يوم عاشوراء، أو في ليلة النصف من شعبان، أو في ليلة القدر، أو يوم عرفة أو غيرها...

ولكن كل من بلغه ثواب على عمل، فعمله برجاء ذلك الثواب، أعطاه الله ما كان يؤمّله من الثواب، وإن لم يكن الأمر كذلك، وهذا ما دلت عليه الروايات الصحيحة المستفيضة التي سميت: (روايات من بلغ).

- منها: ما رواه الكليني في الكافي في بسند صحيح عن هشام بن سالم عن الصادق عليه السلام قال: من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه، كان له، وإن لم يكن على ما بلغه 2.

فمن بلغه أن في زيارة الأربعين ثواباً عظيماً وهو كذلك، فزار الإمام الحسين عليه السلام في ذلك الوقت برجاء نيل ذلك الثواب، فإن الله بفضله وواسع كرمه يعطيه من الثواب ما كان يؤمّله.

4- أن ثواب الزيارة يختلف من زائر إلى آخر، فمن جاء من البصرة خالص النية عارفًا بحق الإمام، وقد عانى في طريقه ما عانى من التعب والجوع والعطش والفقر والخوف، فهو أكثر ثوابًا ممن لم يعان شيئًا من ذلك، حتى لو كانت زيارة الثاني مخصوصة وزيارة الأول مطلقة.

ثم إن الله تعالى يعطي الزائرين الثواب بفضله ورحمته سواء أكانت الزيارة مخصوصة أم مطلقة، والله واسع الكرم كثير العطاء، فمن أحسن الظن بربه أعطاه الله تعالى أكثر مما أمله.

1. الكافي 4/589.

  • 2. الكافي 2/87.
2026/08/03

شبهة كل عام.. هل زيارة الأربعين غير ثابتة؟!

المسألة: ما هو الدليل على استحباب زيارة الامام الحسين (ع) في يوم الأربعين فإنَّ البعض يقول إنَّ استحباب زيارةِ الأربعين غيرُ ثابت؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

إنَّ استحباب زيارة الامام الحسين (ع) ثابتٌ مطلقاً في تمام أيامِ السنة، وذلك لتواتُر الرواياتِ عن أهل البيتِ (ع) الدالَّةِ صريحاً على ذلك، فاستحبابُ زيارة الحسين (ع) في اليوم المصادفِ ليوم الأربعين من استشهاده داخلٌ في عموم ما دلَّ على استحباب زيارتِه في مُطلقِ أيام السنة، هذا مضافاً إلى ما ورد مِن استحباب زيارته في هذا اليوم بنحو الخصوص فيكون ذلك دليلاً ليس على استحباب زيارتِه في يوم الأربعين وحسب بل على تأكُّد استحبابِها في هذا اليوم.

[اشترك]

والنصُّ الذي يُمكنُ اعتمادُه في ذلك هو ما أوردَه الشيخُ أبو جعفرٍ الطوسي (رحمه الله) في التهذيب قال: "أخبرنا جماعةٌ من أصحابنا عن أبي محمَّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري قال: حدَّثنا محمَّد بن علي بن مَعْمر قال: حدَّثني أبو الحسن عليُّ بن محمد بن مسعدة والحسنُ بن عليٍّ بن فضال عن سعدان بن مسلم عن صفوان بن مهران الجمَّال قال: قال لي مولاي الصادقُ (صلوات الله عليه) في زيارة الأربعين: "تزورُ عند ارتفاعِ النهار وتقولُ: (السلامُ على وليِّ اللهِ وحبيبِه، السلامُ على خليلِ الله ونجيبِه، السلامُ على صفيِّ الله وابن صفيِّه، السلامُ على الحسينِ المظلومِ الشهيدِ، السلام على أسيرِ الكُربات وقتيلِ العبَرات .. وتُصلِّي ركعتين وتدعو بما أحببتَ وتنصرف"(1).

فهذه الرواية موثَّقة من طريق الحسن بن عليِّ بن فضَّال، فمحمَّد بنُ عليِّ بن مَعْمر هو أبو الحسين بن مَعْمر الكوفي ذكره الشيخُ الطوسي في الفهرست وأفاد أنَّ له كتباً منها كتاب قرب الإسناد(2) وذكره في الرجال تحت عنوان محمَّد بن عليِّ بن معمر الكوفي، قال: ويُكنى أبا الحسين صاحب الصبيحي، سمِع منه التلعكبري سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة(3). وعنونه ابنُ النديم البغدادي(4) في فقهاء الشيعة ومحدِّثِيهم وعلمائهم بلفظ (أبو الحسين بن معمّر الكوفي) قائلاً: وله من الكتب كتابُ قرب الإسناد(5) فالرجل إذن من المعاريف، ولم يرد فيه قدحٌ فهو ثقة.

وأمَّا سعدان بن مسلم فهو من المعاريف ومن أصحاب الأصول وهو من مشايخ صفوان بن يحيى البجليِّ الذي لا يروي ولا يُرسِلُ إلا عن ثقة، وقد وثَّقه عليُّ بن ابراهيم القميِّ في تفسيره ضِمن توثيقِه العام لرجال أسناده في التفسير، وأمَّا بقيةُ رجال السند فهم من الثقات الأجلاء، ولذلك فالرواية معتبرةٌ سنداً.

وهي من حيثُ الدلالة صريحةٌ في أنَّ ليوم الأربعين زيارةً خاصَّة يُزارُ بها الإمام الحسينُ (ع) عند ارتفاع النهار، وذلك يقتضي تأكُّد الاستحباب، إذ أنَّ أصلَ الاستحباب ثابتٌ في مطلق أيام السنة فإذا تمَّ النصُّ على يومٍ بالخصوص كيوم عرفة فإنَّ ذلك يكونُ ظاهراً ظهوراً بيِّناً في أنَّ لهذا اليوم خصوصيَّةً يتأكَّدُ بمقتضاها الاستحباب. كما هو الشأنُ في مثل الصوم فإنَّه مستحبٌ في مطلق أيام السنَّة فإذا تمَّ النصُّ على يومٍ مخصوص فإنَّ ذلك يقتضي تأكُّد استحبابِه، وهكذا هو الشأنُ في الصلاة فإنَّها خيرُ موضوعٍ -كما أفاد أهلُ البيت (ع)- فيُستحبُّ الإتيان بها في كلِّ وقت، فإذا تمَّ النصُّ على وقتٍ مخصوصٍ فإنَّ ذلك يكونُ مقتضياً لاستظهار تأكُّد استحبابِ الصلاة فيه.

هذا ويُمكن تأييد تأكُّد الاستحباب لزيارة الحسين (ع) يوم الأربعين بما رواه الشيخُ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في المصباح والتهذيب مرسَلاً عن أبي محمدٍ الحسنِ العسكري (ع) أنَّه قال: "علاماتُ المؤمن خمس: صلاةُ الخمسين، وزيارةُ الأربعين، والتختُّم في اليمين، وتعفيرُ الجبين، والجهرُ ببسم الله الرحمن الرحيم"(6).

الهوامش:

1- تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج6 / ص113-114، مصباح المتهجد -الشيخ الطوسي- ص788-790.

2- الفهرست -الشيخ الطوسي- ص277.

3- الأبواب (رجال الطوسي) -الشيخ الطوسي- ص442.

4- أبو الفرج محمد بن إسحاق النديم الوراق توفي سنة 384ه.

5- فهرست ابن النديم -ابن النديم البغدادي- ص278.

6- تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج6 / ص52، مصباح المتهجد -الشيخ الطوسي- ص788.

2026/07/29

كيف تعدل زيارة الإمام الحسين (ع) ثواب الحج والعمرة؟

روي عن سيدنا ومولانا أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "أدنى ما يثاب به زائر الحسين عليه السلام بشاطئ الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".

أورد الشيخ ابن قولويه القمي في كتابه "كامل الزيارات" أبواباً متعددة ذكر فيها أقساماً من الثواب والأجر الذي يحصل عليه زائر الحسين عليه السلام. وهذه الأبواب اختلفت في تعابيرها وعدد المنازل التي تترتب على زيارة الحسين عليه السلام ومقدار الأجر الذي يصل إلى الزائر. لكن قراءة كل باب تشير إلى عظمة هذه الزيارة وإلى الثواب الكبير الذي يترتب عليها.

[اشترك]

تارةً، ينظر الإنسان إلى هذه الزيارة والعطاء الإلهي مع أنها من الناحية الظاهرية لا تستغرق كثيراً من الأوقات ولا تستهلك كثيراً من الأموال، ومع ذلك تترتب تلك المثوبات العظيمة على مثل هذه الزيارة. وهي في هذا تشبه كثيراً مما ورد من مصادر المدرستين في إثابة الله عز وجل العامل بها، مهما كان ذلك العمل بسيطاً وصغيراً، إثابته الأجر العظيم الكبير؛ كأن يقول الإنسان "لا إله إلا الله"، ويترتب عليه مثلاً من الآثار فله الجنة، وأمثال ذلك.

وهذا قد بُحث في محله؛ أن عطاء الله سبحانه وتعالى لا يقاس بالأعداد كما نقيسه نحن البشر، فنعتبر أن لكل شيء قيمة معينة بحيث إذا زادت زاد الثمن وزاد العطاء نتعجب منه. مثلاً، أنت تذهب لكي تشتري قنينة ماء قيمتها المتعارفة نصف ريال، فلو أعطى المشتري مئة ريال لها، تتعجب، لماذا؟ لأن عندك حسابات معينة أن هذا له ميزانية خاصة وعنده مقدار معين من المال ولا بد أن يصرف بتعادل في هذا المكان وذاك المكان، وإلا انتهت أمواله. بينما الباري سبحانه وتعالى لا تأتي هذه الحسابات عنده.

بالإضافة إلى ذلك، كثير من القضايا لا يُثاب عليها الإنسان بها مباشرة لقيمتها الظاهرية، وإنما لها بما تعبّر. عندنا مثلاً رواية صحيحة على كل المسالك: "من صلى ركعتين قبلهما الله عز وجل لم يعذبه". هذا شيء قد لا يخطر بالبال أصلاً، واحد إذا يصلي ركعتين مقبولتين من الله يعطيه الجنة ولا يعذبه، والرواية معتبرة على كل المسالك. هذا لا ينظر فيه إلى قيمة هاتين الركعتين الظاهرية من أنه تستغرق من الوقت مثلاً أربع دقائق أو من الجهد شيء بسيط أو ما شابه ذلك، وإنما بما هي تعبير عن طاعة الله والخضوع له وما شابه.

دمعة في جوف الليل يريقها الإنسان خوفاً من الله وشوقاً إلى ثوابه تطفئ بحاراً من نيران جهنم. إذا تقيسها بالمقاييس العادية، لا معنى لهذا الكلام، ولكن إذا تقيسها بما تدل عليه، بما هو وراء هذه الدمعة إلى أن خرجت في ذلك الوقت وعن تعبيراتها وخلفياتها سوف تجد أن الأمر طبيعي لا سيما وأن الطرف المعطي هو من لا يختلف عنده الذرة عن المجرة. أنا وأنت وأمثالنا من الخلائق يختلف عندنا الريال عن المليون، لكن الباري سبحانه وتعالى لا يختلف الحال عنده بين ذرة لا ترى بالعين المجردة وبين مجرة كل الكواكب والأفلاك التي نراها وحولنا، هي شيء واحد.

[اشترك]

على كل حال، ضمن هذا الأمر إذا نظرنا إلى ما جاء من الثواب في مثل زيارة الحسين عليه السلام، يكون الأمر أقرب إلى الفهم. سوف نستعرض بعض الروايات الواردة في هذا الباب، ونشير إلى جهة هي مثار جدل لا سيما من قبل مخالفي المذهب والذين أحياناً يريدون أن يثيروا الغبار. فلنقدم بذكر بعض الروايات ثم نجيب على السؤال الذي عادةً ما يطرح من قبل مخالفي المذهب في خصوص زيارة الإمام الحسين عليه السلام.

أما الروايات فمنها هذه الرواية التي ذكرناها عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وهي باعتبار نقلها في كتاب "كامل الزيارات" لابن قولويه. فإذا رأينا روايات مختلفة في الثواب والأجر المترتب على زيارة الحسين، لا يصح أن يسارع الإنسان إلى: "كيف هذا؟ هذه الرواية تقول هكذا من الثواب، وتلك الرواية تقول شيئاً آخر، هذه تقول بكل خطوة ألف حسنة، وتلك تقول غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ورواية ثالثة تقول شيئاً آخر، كيف يصير هذا الاختلاف؟" جوابه: أحد الأجوبة أن هذا راجع إلى قضية المعرفة بالحسين عليه السلام. المعرفة والوعي والاعتقاد يزيد درجة الزائر وأجر الزائر. يعني أن يذهب إنسان زائر إلى الحسين عليه السلام ومعرفته بمقدار عشرة في المئة على سبيل المثال، فقط يعرف أن الحسين عليه السلام إمام معصوم، هذا له ثواب. بينما أنت الآخر الذي تذهب وتعرف الحسين ونسبه ومنزلته ومقامه ولماذا ثار وما جرى عليه من المآسي والفوائد المترتبة على نهضته، أنت هنا عارف بحقه، عارف بإمامته، عارف بولايته، عارف بحرمته. كلما زادت معرفتك زاد ثوابك عن ذاك الذي يعرف فقط أن الحسين عليه السلام إمام مفترض الطاعة، هذا المقدار مطلوب ولكن كلما زاد الإنسان معرفة زاد ثواباً. هنا أيضاً الرواية تقول: "على شاطئ الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته" أدنى شيء يحصل عليه هو "أن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".

الرواية الأخرى عن أبي الصامت قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: "من أتى قبر الحسين ماشياً..."، هذه فيها عنوان المشي فهي تختلف عن الرواية السابقة بجهة من الجهات، تلك مطلقة ماشي، راكب، غير ذلك، هذه مخصصة للماشي هذا الثواب. وأمر المشي لزيارة الحسين عليه السلام مع توفر إمكانية الذهاب بالطائرة والسيارة وغير ذلك، وهذا من الأمور التي شُرِّعت بها زيارة المشي والمشي إلى زيارة الحسين عليه السلام في أيام الأربعين. "من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة".

الرواية الثالثة فيها إشارة أخرى وهي تجهيز الآخرين لزيارة الحسين عليه السلام. قد يكون إنسان ما عنده قدرة، صحته لا تساعده على السفر، أو ليس عنده إمكانية الذهاب؛ شغل أو مانع عائلي إلى غير ذلك من الموانع. فهذا له طريق آخر لكي يحوز على الثواب وهو تجهيز غيره للزيارة. فالرواية عن الصادق عليه السلام وقد سئل: "ما لمن يجهز إليه (يعني إلى زيارة الحسين) ولم يخرج لعلة تصيبه؟" فقال: "يعطيه الله بكل درهم أنفقه مثل أُحد من الحسنات... ويخلف عليه أضعاف ما أنفق، ويصرف عنه من البلاء مما قد نزل ليصيبه ويدفع عنه ويحفظ في ماله". إذا كان مقدراً أن ينزل عليه البلاء الفلاني وهو زوّد أحداً بنفقة زيارة الحسين عليه السلام، من آثار هذا الإنفاق أنه يدفع عنه البلاء المقرر في علم الله عز وجل، ويمحى عنه ذلك البلاء ويكتب له الفرج والرخاء.

نصل الآن إلى الرواية التي هي معركة الكلام عادةً وهي سلسلة من الروايات يجمعها هذا: قال الراوي: سألت أبا عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، ما لمن زار قبر الحسين وصلى عنده ركعتين؟ قال: "كتبت له حجة وعمرة". وفي روايات أخر عشرين حجة، في روايات أخر أكثر من ذلك. مثل هذه المقارنات استغلها بعض المخالفين لكي يشوشوا على شيعة أهل البيت عليهم السلام وتضج كلماتهم وكتبهم ومنتدياتهم: "كيف يصير الحج ركن الله الأكبر بعدين زيارة الحسين تعدل حجة وحجة وحجة؟ شلون يصير هذا؟ كيف يكفي زيارة الحسين عن حج بيت الله الحرام اللي أوجبه الله في كتابه؟".

طبعاً عندما يخاطبون ويدغدغون مشاعر غير العارفين، هم يصنعون هذا لتسوير جماعتهم عن الانسياق إلى شيعة أهل البيت. فهل يمكن أن يُتعقل أن تكون زيارة الحسين عليه السلام وزيارة قبره كافية عن الحج وأفضل من الحج أو لا يمكن ذلك؟ جوابنا على ذلك في نقاط:

النقطة الأولى: أن المقارنة بين زيارة الحسين وأفضليتها وبين الحج غير ناظرة إلى الحج الواجب، وهذا صريح في الروايات وصريح في الفتاوى؛ لا أحد يقول أن زيارة الحسين عليه السلام تكفي عن الحج الواجب، الإنسان المستطيع من كل الجهات يجب عليه أن يذهب إلى الحج. المقارنة ليست بين الزيارة المستحبة وبين الحج الواجب، وإنما بين الزيارة المستحبة استحقاقاً مستحباً مؤكداً وبين الحج المستحب.

نقول في كتب مدرسة الخلفاء ما هو أدنى بمئات المرات جُعل أفضل من الحج. إذا يقعد وراء صلاة الجماعة إلى أن تطلع الشمس، ثم يصلي ركعتين أم خمس دقائق، ثوابها ثواب حجة وعمرة تامة تامة تامة. دراسة بمقدار عشر دقائق تعدل حجة. الرواية الثالثة في صحيح البخاري قال فيها: "إن عمرة في رمضان تقضي حجة معي". العمرة التي هي كلها في مثل بعض الأيام ثلاث ساعات تعادل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، هذا لا مشكلة فيه في كتبكم، لكن زيارة الحسين عليه السلام التي يستغرق أحياناً أوقات طويلة وأموال كثيرة، ويتهدد الإنسان في بعض الحالات بأخطار واضحة، هذا لا ينبغي أن يساوي حجة وعمرة؟ هذا إنما جئنا به لنرفع استنكارهم في هذا الأمر.

الثاني: أن نحن نقول أيضاً: زيارة الحسين عليه السلام بما هي تجديد للعهد معه، هذا العمل هو نوع من أعمال العقائد. أنا أعتقد بالإمام الحسين، أذهب لزيارته لكي أجدد العهد معه وأؤكد الولاء له وأزداد إيماناً بإمامته. هذه العملية هو نوع من العقائد مو أعمال، العلماء يفرقون بين العبادات وبين العقائد، يقولون العقائد هي في مرتبة الأصول؛ الإيمان بالله عز وجل في مرتبة الأصول، الإيمان بنبينا محمد لذكره صلوا عليه.

النص الكامل لمحاضرة بعنوان: (كيف تعدل زيارة الحسين حجات وعمرات؟) لسماحة الشيخ فوزي آل سيف، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

لمشاهدة المحاضرة اضغط هنا

2026/07/13

من هم الكوفيّون الذين شاركوا في قتل الإمام الحسين (ع)؟

دعونا نتأمل في هويات الولاة الذين تعاقبوا على حكم الكوفة؛ لنتبين طبيعة الفئة الحاكمة هناك. فمن خلال دراسة بنية الجهاز الحاكم، والكوادر الإدارية، ومن ثم عامة الناس، سنتمكن من فهم حقيقة من قتل الإمام الحسين (عليه السلام). فهل استوردوا مقاتلين إنكشاريين من خارج الكوفة للقيام بهذه المهمة؟ الواقع أن الذين أقدموا على القتل كانوا من أهل الكوفة أنفسهم، ولكن السؤال الجوهري هو: من هم هؤلاء بدقة؟

[اشترك] 

ولكي تتضح لنا الصورة كاملة، دعونا نستعرض ولاة الكوفة بدءاً من عهد معاوية بن أبي سفيان، وحتى زمن استشهاد أبي عبد الله الحسين (عليه السلام). كان الوالي الأول في هذه السلسلة هو المغيرة بن شعبة الثقفي. وأذكر أنني كنت في زيارة لإحدى الدول العربية، ومررت بشارع يحمل اسم المغيرة بن شعبة، فتعجبت في نفسي متسائلاً بأسف: ألم يجد القائمون على تسمية الشوارع اسماً أفضل من هذا ليطلقوه على شارعهم؟

إذ لو جاء شخص من خارج البيئة الإسلامية واطلع على تاريخ هذا الرجل، لتملكه العجب وتساءل مستنكراً: أتطلقون اسم المغيرة على شوارعكم؟ أمعقول أنه لم يبقَ من الصحابة أحد غير المغيرة لتكرموه بهذا الشكل؟ إن المغيرة ينتمي إلى قبيلة ثقيف، وهي قبيلة تضاهي قريشاً في مساوئها أو ربما تفوقها سوءاً، باستثناء من رحمهم الله تعالى بطبيعة الحال.

كانت قبيلة ثقيف تعيش عقدة تاريخية ونفسية عميقة؛ فبينما كانت قريش توصف بأنها من (الطلقاء)، كانت ثقيف تُعرف بـ (العتقاء)، أي العبيد الذين أعتقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله). والفارق هنا أن الطليق هو من أُرجئ استعباده، وكأن في الأمر وقف تنفيذ لحكم الرق، أما العتيق فهو من ثبتت عبوديته أولاً ثم نال العتق لاحقاً. وقد حدث هذا العتق بعد هجرة النبي (صلى الله عليه وآله).

وفي ظل هذه العقدة النفسية، ارتحل المغيرة بن شعبة مع ثلاثة عشر رجلاً من قومه ثقيف متوجهاً إلى مصر لزيارة حاكمها المقوقس. وهناك حظي الوفد بترحيب وإكرام كبيرين، غير أن المقوقس، بما امتلكه من فراسة ونظر ثاقب، تفرس في المغيرة ولم يبدِ له تقديراً خاصاً أو مكانة تذكر، بل إنه أغدق العطايا والهدايا على مرافقي المغيرة بينما حرمه هو منها بالكامل.

أدى هذا الحرمان إلى تفاقم العقد النفسية في وجدان المغيرة وتأصلها. وهنا تجدر الإشارة إلى حقيقة مهمة: أيها السادة، إياكم أن تصبحوا أنداداً لشخص تحركه العقد النفسية؛ لأنكم ستخسرون أنفسكم حتماً في مواجهته. فالإنسان المعقد لن يتمكن من التحرر من صراعاته الداخلية وعقده النفسية، مهما ترقى في الدرجات وتبوأ أعلى المناصب.

ونتيجة لذلك، غلى في صدر المغيرة مرجل من الغضب العارم والحنق والحسد الشديد تجاه رفاقه. وفي طريق عودتهم، انقض عليهم وذبحهم جميعاً بلا استثناء، مستولياً على كل ما يحملونه من هدايا ثمينة. ولما بات عاجزاً عن العودة إلى موطنه في الطائف بعد هذه الجريمة، شد رحاله مباشرة نحو المدينة المنورة. وحين وصل إليها، ألقى بنفسه بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) معلناً إسلامه بقوله: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وضج المجلس بصلوات الحاضرين.

وقدم المغيرة تلك الغنائم المنهوبة للنبي قائلاً: ها هي ذي أموالي أضعها بين يديك يا رسول الله. فكان رد النبي (صلى الله عليه وآله) حاسماً وواضحاً، حيث قال له: أما إسلامك فنقبله، وأما هذه الأموال فإنها أموال غدر وخيانة ولا حاجة لنا بها. وحينما اقترح المغيرة قائلاً: خذ خمسها يا رسول الله، أجابه النبي بالرفض قائلاً: ولا أخمسها كذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذه الواقعة نضعها برسم من يدعون واهمين أن فريضة الخمس أمر مستحدث، ظهر فقط في زمن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).

وهناك حرب خفية تُشن في هذا الصدد، وسوف أفرد لها حديثاً مفصلاً ومستقلاً إن نشاء الله في الأجل وأبقاني على قيد الحياة في هذا الشهر الشريف. فالمسألة تمتد جذورها منذ ذلك الحين لتشمل حتى سهم السادة؛ إذ يروى أن رجلين من بني عبد المطلب طلبا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يفرض لهما نصيباً من أموال الصدقة الواجبة، فرفض النبي ذلك بحسم قائلاً: لا. ثم وجه أمره إلى وكيله على أموال الخمس بأن يزوجهما، مؤكداً أنه لا يحق لهما أخذ الصدقة والزكاة الواجبة، فزوجهما من أموال الخمس، وتحديداً من سهم السادة.

هذا هو المغيرة بن شعبة، الذي لم تتوقف تجاوزاته عند هذا الحد، بل إنه حاول في معركة صفين أن يراود عمار بن ياسر عن دينه ويفسد عقيدته مستفهماً منه: ما رأيك لو تترك علي بن أبي طالب؟ وكان عمار بن ياسر آنذاك شيخاً كبيراً تجاوز التسعين من عمره، قد أفنى حياته كلها مجاهداً بين يدي الله ورسوله، ليأتي هذا الصغير ويحاول مراودته عن دينه وموقفه. كما عُرف عن المغيرة تجاسره بالنيل من الإمام علي (عليه السلام) والانتقاص منه في خطب الجمعة. هذا هو النموذج الأول لولاة الكوفة، ليتضح لنا طبيعة السلطة هناك.

أما الوالي الثاني الذي تولى حكم الكوفة فهو زياد بن أبيه. وهنا نسأل: ابن من هو؟ إنه يُعرف بنسبته المبهمة (ابن أبيه)، وقد قام معاوية بن أبي سفيان باستلحاقه ونسبته إلى أبيه أبي سفيان في خطوة تخالف أحكام الشريعة الإسلامية الصريحة، إذ يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولد للفراش وللعاهر الحجر.

[اشترك] 

وأشير هنا، من واقع عملي القضائي في المحكمة، إلى أنه حين يتقدم شخص بدعوى لإثبات نسبه أو نفيه، مستنداً إلى رأي سماحة السيد السيستاني في أن فحص الحمض النووي أو الفحص الجيني يورث العلم واليقين، وبذلك تقوم به الحجة وتثبت به البينة القانونية والشرعية؛ أرد على هذا الادعاء قائلاً: نعم يا صاحبي، ولكن قبل أن نعتمد على العلم واليقين المستفاد من هذا الفحص الجيني، لا بد لنا من إثبات حقيقة شرعية تسبقه، وهي ثبوت العلاقة الزوجية. فالقضاء الشرعي لا يبحث عن مجرد الولادة والصلة البيولوجية الطبيعية، بل يبحث بالأساس عن الولادة الشرعية الناتجة عن عقد صحيح. فإذا انتفى وجود الزواج الشرعي، فما الذي ينفعنا من وراء الفحص الجيني؟ حتى وإن كان الشبه البدني ثابتاً، كما كان حال زياد بن أبيه وشبهه الكبير بأبي سفيان.

فهل كان هناك زواج شرعي في حالة زياد؟ الواقع التاريخي يذكر أن أمه تعاقب عليها أربعة من رجال العرب في طهر واحد، وكان من بينهم أبو سفيان. وحسب الأعراف السائدة آنذاك لنساء هذا الصنف، كانت المرأة هي التي تفصل في الأمر وتختار من تنسب إليه المولود؛ فاختارت نسبته إلى أبي سفيان طمعاً في إنفاقه على بناتها، ولم تختر العاص بن وائل السهمي أو غيره من الرجال الآخرين.

عاش زياد بن أبيه في فترة من فترات حياته تحت رعاية عبد الله بن عباس إبان ولايته على البصرة، حيث كان ابن عباس ينيطه ببعض المهام الإدارية، وهو ما مكن زياداً من معرفة الشيعة وخباياهم عن قرب. ولما انقلب عليهم والتحق بالمعسكر الأموي، وظّف هذه المعرفة ضدهم؛ فتتبعهم في كل مكان وتحت كل حجر ومدر، وعمد إلى سمل عيونهم، وصلب أجسادهم، وذبح العلماء والصلحاء منهم، فضلاً عن تهجيرهم، والتنكيل البشع بهم، وقطع أرزاقهم بإيقاف عطاءاتهم المستحقة من بيت مال المسلمين. هذا هو الوالي الثاني الذي سُلط على رقاب أهل الكوفة.

أما الوالي الثالث فهو الضحاك بن قيس الفهري، الذي كان يشغل منصب قائد شرطة معاوية بن أبي سفيان. وهو الشخص الذي زيّن لمعاوية فكرة تولية ابنه يزيد من بعده، وهو الذي أمَّ الناس بالصلاة على جنازة معاوية بعد موته، مصداقاً للآية الكريمة: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. فماذا يتوقع المرء أن يكون حال الكوفة وسياسة إدارتها في ظل وجود والٍ كهذا؟

ويليه الوالي الرابع للكوفة وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان الثقفي. يُعرف هذا الوالي بانتسابه إلى أمه، فيقال له: عبد الرحمن بن أم الحكم. وأم الحكم هذه هي أخت معاوية بن أبي سفيان، وابنة أبي سفيان، وأمها هند بنت عتبة. أما جدتها فهي تلك الشخصية التي لا أحب الخوض في تسمياتها وتفاصيل نسبها حقيقة، لما تحمله من سمعة تاريخية معروفة.

أما جده عثمان الثقفي، فقد كان يحمل راية من رايات المشركين في غزوة حنين. ومن الذي تولى إسقاط تلك الراية وقتل عثمان؟ إنه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومن خلال هذه التفاصيل التاريخية، تتجلى بوضوح السياسة الممنهجة التي اتبعها معاوية في انتقاء نوعية الحكام والولاة على الكوفة تحديداً؛ إذ كان يختارهم بعناية من بين الموتورين الذين يحملون ثارات شخصية، والمعقدين نفسياً، وأبناء الزنا، وفاقدي النسب الشرعي، فضلاً عن اتصافهم بالغدر والحقد والحسد الدفين.

إننا نتحدث عن تولية مستمرة ومتعاقبة لهذه النوعية من الشخصيات على مدى سنوات متلاحقة. ولنا أن نتخيل حجم الحقد المشتعل في نفس الوالي حين يستحضر أن الإمام علياً (عليه السلام) هو من شدخ أنف جده في معركة من المعارك الكبرى وقصم كبرياءه. وفي أي معركة حدث ذلك؟ لقد حدث في معركة حنين التي تراجع فيها الجميع وانهزموا، ولم يثبت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) سوى تسعة أفراد فقط؛ ثمانية منهم من رجالات بني هاشم، والتاسع هو البطل أيمن بن أم أيمن (رحمه الله)، الذي نال شرف الشهادة في ذلك اليوم.

[اشترك] 

وكان العباس، عم النبي، يتميز بصوت جهوري وقوي، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): يا عم، نادِ في الناس لعلهم يرجعون بعد أن ولوا دبرهم هاربين. وكان يرافق العباس بن عبد المطلب في ذلك الموقف ولده الفضل، وهو رجل ظلمته القراءة التاريخية الشائعة وأغفلت ذكره، إذ برز بعض إخوته في المشهد العام على حسابه. وفي تلك اللحظات الحرجة من المعركة، تفوه العباس بكلمة تفتقر إلى الكياسة بحق الإمام علي (عليه السلام)، كان مضمونها الاستفسار بنبرة عتب وتقليل عن غياب علي في ذلك الموضع الحرج، قائلًا إننا فقدنا وجوده اليوم.

عندها صاح به ولده الفضل منبهاً إياه ومصححاً تصوره: حدّق النظر جيداً يا أبتِ وانظر هناك. فأجاب العباس: نعم، إني أرى شيئاً يبرق ويلمع في قلب المعركة. فقال له الفضل: إن هذا اللمعان هو بريق سيف علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يطيح برايات المشركين ويسقطها واحدة تلو الأخرى. وبناءً على هذه الخلفية، يتبين أن الوالي المفروض على الكوفة كان حفيداً لعثمان الثقفي الذي قتل الإمام علي جده بيده.

أما الوالي الأخير في هذه السلسلة فهو: النعمان بن بشير الأنصاري. وحين نتطرق إلى قبيلة الأنصار، فإن مواقفهم التاريخية تستحق كل الشكر والتقدير والثناء، باستثناء بيتين اثنين شذّا عن الإجماع الأنصاري؛ البيت الأول هو بيت بشير بن سعد الأنصاري، وهو والد هذا الوالي النعمان، والبيت الثاني هو بيت أسيد بن حضير. هذان البيتان هما الوحيدان من قبائل الأنصار اللذان انحازا إلى صف معاوية بن أبي سفيان في معركة صفين، بينما وقفت بقية بيوت الأنصار ورجالاتهم قاطبة في خندق الإمام علي (عليه السلام).

وفي المقابل، كان موقف قريش على النقيض تماماً؛ إذ لم يثبت مع الإمام علي من وجوههم سوى خمسة رجال فقط، بينما التحقت الأغلبية الساحقة منهم بمعسكر معاوية، تماشياً مع طبيعة تكتلهم المناهض وضغينتهم المألوفة ضد علي (عليه السلام).

هؤلاء هم الولاة الذين شكلوا سلطة الكوفة وأداروا دفة حكمها. فما هو يا ترى وضع الشيعة هناك؟ انتبهوا جيداً إلى هذا التساؤل: كيف كان حال شيعة الكوفة وإمامهم؟

مقتطف من محاضرة لسماحة الشيخ محمد كنعان، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/06/24

ما حقيقة زواج «القاسم بن الحسن» في كربلاء؟

نص الشبهة: ما حقيقة موضوع زواج أو عقد القاسم؟

الجواب:

نقل السيد هاشم البحراني في كتابه "مدينة المعاجز" ما يلي:

(الرابع والثمانون: العوذة التي ربطها الحسن عليه السلام في كتف ابنه القاسم وأمره أن يعمل بما فيها).

عن الفخري قال: روي أنه لما آل أمر الحسين عليه السلام إلى القتال بكربلاء، وقتل جميع أصحابه، ووقعت النوبة على أولاد أخيه الحسن عليه السلام، جاء القاسم بن الحسن عليهما السلام وقال: يا عم، الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفار. فقال له الحسين عليه السلام: يا بن أخي، أنت من أخي علامة، وأريد أن تبقى لي لأتسلى بك، ولم يعطه إجازة للبراز.

[اشترك]

فجلس القاسم مهموما مغموما باكي العين حزين القلب، وأجاز الحسين عليه السلام إخوته للبراز ولم يجزه، فجلس القاسم متألما ووضع رأسه على ركبتيه، وذكر أن أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن، وقال له: إذا أصابك ألم وهم فعليك بحل العوذة وقراءتها، فافهم معناها واعمل بكل ما تراه مكتوبا فيها. فقال القاسم لنفسه: مضت سنون علي ولم يصبني مثل هذا الألم.

فحل العوذة وفضها ونظر إلى كتابتها وإذا فيها: يا ولدي يا قاسم، أوصيك أنك إذا رأيت عمك الحسين عليه السلام في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء، فلا تترك البراز والجهاد لأعداء الله وأعداء رسوله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلما نهاك عن البراز عاوده ليأذن لك في البراز لتحظى بالسعادة الأبدية.

فقام القاسم من ساعته وأتى إلى الحسين عليه السلام، وعرض ما كتبه أبوه الحسن عليه السلام على عمه الحسين عليهما السلام، فلما قرأ الحسين عليه السلام العوذة، بكى بكاء شديدا ونادى بالويل والثبور وتنفس الصعداء، وقال: يا بن الأخ، هذه الوصية لك من أبيك، وعندي وصية أخرى منه لك ولا بد من إنفاذها.

فأمسك الحسين عليه السلام بيد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عونا وعباسا، وقال لأم القاسم عليه السلام: أليس للقاسم ثياب جدد؟ قالت: لا. فقال لأخته زينب: ائتيني بالصندوق. فأتت به إليه، ووضعه بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن عليه السلام، وألبسه للقاسم، ولف على رأسه عمامة الحسن عليه السلام، وأمسك بيد ابنته التي كانت مسماة للقاسم عليه السلام فعقد له عليها، وأفرد لهما خيمة، وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما.

فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمه ويبكي، إلى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز؟ فرمى بيد زوجته وأراد الخروج من الخيمة، فجذبت ذيل القاسم ومانعته من الخروج وهي تقول له: ما يخطر ببالك؟ وما الذي تريد أن تفعله؟ قال لها: أريد ملاقاة الأعداء فإنهم يطلبون البراز، وإني إلى الميدان عازم وإلى دفع الأعداء جازم. فلزمته الزوجة، فقال لها: خلي ذيلي فإن عرسنا أخرناه إلى الآخرة. فصاحت وناحت وأنت من قلب حزين، ودموعها جارية على خديها، وهي تقول: يا قاسم، أنت تقول إن عرسنا أخرناه إلى الآخرة، وفي القيامة بأي شيء أعرفك؟ وفي أي مكان أراك؟ فأمسك القاسم كمه وضرب على ردنه فقطعها، وقال: يا بنت العم، اعرفيني بهذه الردن المقطوعة. فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم، وبكوا بكاء شديدا، ونادوا بالويل والثبور.

[اشترك] 

قال الراوي: فلما رأى الحسين عليه السلام أن القاسم يريد البراز، قال له: يا ولدي، أتمشي برجلك إلى الموت؟ قال: وكيف يا عم وأنت بين الأعداء وحيد فريد لم تجد محاميا ولا صديقا؟ روحي لروحك الفداء، ونفسي لنفسك الوقاء. ثم إن الحسين عليه السلام شق أزياق القاسم، وقطع عمامته نصفين، ثم أدلاها على وجهه، ثم ألبسه ثيابه بصورة الكفن، وشد سيفه بوسط القاسم وأرسله إلى المعركة.. انتهى ما في مدينة المعاجز.

وقد صار موضوع عرس القاسم وزواجه محلا للنقاش والجدال بين الكتاب والخطباء أكثر مما يستحقه، مع أنه لا يترتب عليه أثر شرعي عملي -بحسب الظاهر- إلا فيما لو نقله أحد جازما به مع عدم ثبوت الكلام عن المعصوم، فإنه قد يدخل في باب الكذب عليه.

ويظهر أن المعركة الأكبر كانت بغير اللغة العربية كما هو واضح من تتبع أسماء الكتب المؤلفة في تأييد وقوع العرس وفي نفيه، فالنصيب الأكبر هو باللغة الأردية، تليها الفارسية، وأقلها اللغة العربية.

وقد تعرض للنفي المحقق السيد المقرم في المقتل فقال: كل ما يذكر في عرس القاسم غير صحيح لعدم بلوغه سن الزواج، ولم يرد به نص صحيح من المؤرخين. والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر جليل في العلم، فلا يمكن لأحد أن يتصور في حقه هذه الخرافة، فثبوتها في كتابه المنتخب (والمعروف بالفخري) مدسوسة في الكتاب، وسيحاكم الطريحي واضعها في كتابه!

كما أن الدكتور الشيخ الوائلي رأى أن الحادثة لا تخلو من إشكالات مختلفة فقال: إن الرواية في موضوع الزواج غير معتبرة، يضاف لذلك أن مسألة الزواج يمكن تصورها على نحوين: النحو الأول هو الزواج بمعنى الدخول، فهذا أركانه غير متوفرة فالقاسم صغير لم يبلغ الحلم يومئذ، والمرأة المروي أنه تزوج بها كانت ذات بعل يوم الطف، والجو الذي كان فيه أهل البيت ليس جو زواج أو فرح. وأما النحو الثاني فهو بمعنى العقد، أي أن الحسين قد عقد للقاسم على إحدى بناته، فيمكن أن يرد هنا سؤال وهو: ما هي الغاية من ذلك؟ والإمام عليه السلام يعلم أن القاسم سيقتل بعد ساعة! بالإضافة إلى إشكالات أخرى (1).

[اشترك]

أقول:

جريان الحادثة بالنحو الذي مر ذكره في نص الفخري، والذي نقله عنه في مدينة المعاجز، أمر بعيد جدا؛ فالمعروف عن عمر القاسم بن الحسن يوم كربلاء أنه لم يبلغ الحلم، أي لم يصل إلى سن الخامسة عشرة، بينما استشهد الإمام الحسن عليه السلام قبل حادثة كربلاء بإحدى عشرة سنة. فلا يحتمل -بحسب الأوضاع العادية- أن يكون الإمام قد أوصى ولده القاسم وحدثه بكل ذلك الحديث وهو في الثالثة من العمر، وأنه قد استوعب ذلك وطوال هذه المدة كان ناسيا للموضوع وللعوذة حتى إذا حصل أمر كربلاء تذكر كل تلك الأمور فانحلت المشكلة! أو أن الحسين عليه السلام كان أيضا غافلا عن وصية الزواج حتى إذا تذكر القاسم أمر العوذة وذكر الحسين بها، تذكر الحسين الوصية الأخرى! خصوصا إذا تم ما نقل من أن الحسين عليه السلام قد أخبر أصحابه بمصارعهم ليلة العاشر، ومن ضمن من أخبرهم كان القاسم أيضا.

وكذا في قول الحسين عليه السلام له -بناء على ما سبق- إنه يريده أن يبقى له ليتسلى به؛ فهل كان الحسين باقيا حتى يتسلى به، أم أنه سيستشهد بعد قليل؟

ثم الطريقة التي دار فيها الحوار بين القاسم وزوجته، فهي في البداية لا تريده أن يخرج وإنما تريد العرس والزواج، بينما المعروف عنها أن الغالب عليها الاستغراق مع الله. وقد أضافت بعض المصادر كلمة (فلا تصلح لرجل)، فلو ثبتت؛ فهل تلك التي لا تصلح لرجل تمنع القاسم عن نصرة الإمام في ذلك اليوم العصيب بدعوى أنها تريد الزواج؟

وكيفية المعرفة في يوم القيامة والآخرة.. هل طريقها الردن (وهو طرف الكم) المقطوع؟ (2)

الهوامش والمصادر:

(1) تجاربي مع المنبر - ص 130.

(2) من قضايا النهضة الحسينية (أسئلة وحوارات): الجزء الأول.

  • نقلاً عن مركز الإشعاع الإسلامي
2026/06/23

من قلب الفجيعة.. لماذا اختار الحسين  (ع) طريق الموت بإرادته؟!

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.

إن من الأمور المهمة جداً التي كشف عنها القرآن الكريم أن الحياة لن يكون لها معنى إلا إذا فُهمت في إطار وسياق الابتلاء والاختبار، وإلا إذا فُهمت بوصفها مسرحاً للابتلاء والاختبار. ولذا قال الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة العنكبوت كما قُرئ عليكم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾؟ يتوهمون هكذا، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، هذه سنة جارية. وأيضاً قال سبحانه وتعالى في مطلع سورة الملك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.

[اشترك] 

كلمة "لِيَبْلُوَكُمْ" هي كلمة مفتاحية، وبتقديري هذه أعظم هدية سماوية ربانية للإنسان أن يُكشف له عن معنى حياته. الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم لم يترك الإنسان هكذا في حيرة من أمره، لا يدري لماذا هو ضيف مؤقت على هذه الأرض، ولماذا وقع عليه ما وقع من مصائب ومحن. الله سبحانه وتعالى أخبره بسر وجوده وذكر في آيات متعددة: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. كل هذه الآيات تشير إلى شيء واحد وهو أن هناك غاية من خلق الإنسان، وأن هذه الغاية لا يمكن أن تُفهم إلا في إطار مفهوم الابتلاء والاختبار.

إن من أسوأ ما مر به الغرب أنهم بعد تركهم الإيمان بالله عز وجل لم يجدوا للحياة معنى، خصوصاً بعد الحرب العالمية الأولى والثانية. في غضون ثلاثين سنة تقريباً، قُتل ما مجموعه عدد يكاد لا يُصدق، ما بين 75 إلى 107 ملايين إنسان، وفي روايات أخرى 45 إلى 50 مليون شخص. ولذا كان وقع الحربين كالزلزال عليهم، وذهب بعض فلاسفة الإلحاد من الوجوديين إلى أن المرء لا بد أن يبحث لحياته عن معنى، لا بد أن يوجده، أن يصنع ويصطنع وثناً أو وهماً يعبده ويبرمج حياته على أساسه. في حين أن الله سبحانه وتعالى اختصر على الإنسان رحلة التيه والضياع الطويلة بكل آلامها وخسائرها، وأخبره بأن الغاية من وجوده على هذه الأرض هي الابتلاء والاختبار، خصوصاً البأساء والضراء للصالحين.

روى الكليني بسند معتبر عن أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه ذُكر عنده البلاء وما يخص الله به المؤمن، فقال: سُئل رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أشد الناس بلاء في الدنيا؟ فقال: "النبيون". تصور، النبيون الذين هم أقرب الناس إلى الله يُفترض أن يكونوا أكثر الناس مرفهين ومنعمين، ولكن أكثر الناس بلاء النبيون، ثم الأمثل فالأمثل. يعني كلما كان الإنسان أقرب إلى مدارج ومراتب الأنبياء كان مبتلى أكثر. ويُبتلى المؤمن على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صح إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قلّ بلاؤه.

[اشترك] 

ولذا يُفترض أن يكون الإنسان عندما يتلقى البلاء، خصوصاً في البأساء والضراء، متجلداً، ولا بد أن يدرك ويعرف الغاية من وقع هذا البلاء عليه حتى يستطيع أن يمتص الصدمة. ولكن البلاء لا يعني دائماً البأساء والضراء والشدة والشر، بل قد يكون البلاء أيضاً بالرخاء والخير والعافية والنعمة. ولذا قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. وفي نهاية المطاف الجميع راجع إلى الله ليُحاسب. وقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾. يتوهم الإنسان أن بلاءه بالخير هو إكرام مطلق. ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يتوهم أن الشدة هي إهانة، وكلا الأمرين غير صحيح.

قصة رسول الحسين وتجلده أمام المحن

في الحقيقة، البلاء بالصعوبات والكروب والشدائد معجون بالنهضة الحسينية من بدايتها وحتى يوم العاشر من شهر محرم. عندما رفع الحسين (عليه السلام) يديه صباح العاشر قائلاً: "اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من هم يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة ويخذل فيه الصديق ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك رغبة مني إليك عمن سواك ففرجته وكشفته، وأنت ولي كل نعمة وصاحب كل حسنة ومنتهى كل رغبة".

لا أريد أن أتحدث عن المصائب التي نزلت على رأس الحسين يوم العاشر من شهر محرم، وإنما عما جرى عليه في الطريق. عندما خرج من مكة وتجاوز نصف الطريق، بدأ مسلسل الأخبار المقلقة والبلاءات الثقيلة تتوالى على قلبه الشريف. كتب أبو مخنف: كان الحسين (عليه السلام) لا يمر بأهل ماء إلا اتبعوه. كانت الاستراحات عند الآبار، وكانت الأعداد تتزايد من خروجه إلى نهايات الجزيرة العربية.

حتى انتهى إلى منطقة زُبالة في شمال الجزيرة العربية قرب الحدود مع العراق، سقط إليه مقتل أخيه من الرضاعة عبد الله بن يقطر. كان الحسين قد أرسله إلى مسلم بن عقيل ليسبقهم ويوصل الخبر لأهل الكوفة. وهو لا يدري أن مسلماً قد استشهد. فتلقاه خيل الحصين بن تميم، وهو قائد عسكري لعبيد الله بن زياد مهمته إغلاق طريق العراق من جهة القادسية. اعتقلوه وسرحوا به إلى عبيد الله بن زياد.

[اشترك] 

فقال له ابن زياد: اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن الكذاب، ثم انزل حتى أرى فيك رأيي. فصعد، فلما أشرف على الناس قال: "أيها الناس، إني رسول الحسين بن فاطمة ابنة رسول الله لتنصروه وتؤازروه على ابن مرجانة وابن سمية الدعي". فأمر به عبيد الله فأُلقي من فوق القصر إلى الأرض فكسرت عظامه وبقي به رمق. فأتاه رجل يقال له عبد الملك بن عمير اللخمي فذبحه. فلما عِيب عليه ذلك قال: إنما أردت أن أريحه. لاحظوا الخسة والدناءة في قبال استقامة عبد الله بن يقطر وشجاعته المنقطعة النظير.

أتى ذلك الخبر حسيناً (عليه السلام) وهو بزُبالة، فأخرج للناس كتاباً قرأه عليهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فإنه قد أتانا خبر فظيع؛ قُتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف ليس عليه منا ذِمام". أخبرهم بذلك لأن بعضهم التحق ظناً منه أن الإمام سيسيطر على الكوفة فينالون المناصب. فتفرق الناس عنه تفرقاً وأخذوا يميناً وشمالاً حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه من المدينة.

هذا الخبر يلفت انتباهنا إلى نباهة عبد الله بن يقطر وكيف حوّل المحنة إلى فرصة لإيصال رسالة الحسين لأهل الكوفة. ومن يدري، لعل حبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وغيرهما خرجوا ببركة هذه الرسالة. كما يلفت انتباهنا تجلد الإمام الحسين ومضيه على الصراط المستقيم رغم البلاءات.

لماذا أكمل الإمام الحسين طريقه؟

تواترت الأخبار بانقلاب الأمور في الكوفة. يروي أبو مخنف عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين أنهما لما قضيا حجهما أسرعا للحاق بالحسين. فلما دَنَوَا منه رأيا رجلاً من الكوفة عدل عن الطريق وتجنب لقاء الحسين. ذهبا إليه، وكان يدعى بكير بن المثعبة من قبيلة أسد، فسألاه عن الكوفة. فأخبرهما أنه لم يخرج حتى رأى مسلماً وهانئاً يُجَرَّان بأرجلهما في السوق.

لحق الأسديان بالحسين في منطقة الثعلبية ليلاً، وقالا له: "إن عندنا خبراً، فإن شئت حدثناك علانيةً وإن شئت سراً". فنظر الحسين إلى أصحابه وقال: "ما دون هؤلاء سر". فأخبراه بما رأى الرجل. فقال الحسين: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، وردد: "رحمة الله عليهما".

[اشترك] 

قالا له: "ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك". فوثب بنو عقيل إخوة مسلم وقالوا: "لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا". فقال الحسين: "لا خير في العيش بعد هؤلاء".

هنا نصل إلى سؤال جوهري: لماذا أكمل الحسين طريقه وكان بإمكانه العودة؟ ألم يسقط تكليفه بعد أن خذله أهل الكوفة؟ الجواب المفتاحي جاء في قول بعض أصحابه: "إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، لو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع". الإمام الحسين علم أنه لو عاد للحجاز، لاتخذ أهل الكوفة ذلك ذريعة ولقالوا: أنت الذي أجهضت النهضة بتراجعك، لو أتيتنا لنصرناك، ملقين بالمسؤولية عليه. أراد الحسين بإكمال المسير أن يلجم أفواه المتخاذلين ويُتِمَّ الحجة عليهم حتى النهاية.

سقاية جيش الحر ومواجهة المصير

دخل الحسين الحدود العراقية ونزل في منطقة شراف وقت السحر، وأمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا تحسباً لانقطاعه. ساروا حتى انتصف النهار، فكبر أحد أصحابه ظناً منه أنه يرى نخلاً. ولكن الأسديين الخبيرين بالمنطقة قالا: "ما رأينا هنا نخلة قط، إنها هوادي الخيل وأعناقها".

أمر الحسين باللجوء إلى جبل ذي حُسُم ليجعلوا ظهورهم إليه ويستقبلوا القوم من وجه واحد. سبقوا جيش الحر بن يزيد الرياحي الذي جاء بألف فارس في حر الظهيرة، وكانوا عطاشى. أمر الحسين فتيانه: "اسقوا القوم وأروهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفاً" لكي لا تهلك. فسقوا الجميع، حتى خيل أعدائهم الذين سيمنعون عنه الماء بعد أيام معدودة.

حضرت صلاة الظهر، فخرج الحسين وخطب فيهم قائلاً: "أيها الناس، إنها معذرة إلى الله عز وجل وإليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم أن أَقْدِم علينا فإنه ليس لنا إمام. فإن أعطيتموني عهودكم أقدم مصركم، وإن كنتم لمقدمي كارهين انصرفت عنكم". فسكتوا جميعاً. وصلى الحسين بهم الظهر والحر يصلي خلفه.

خطبة الوداع واستجابة الأنصار

بعد صلاة العصر، خطب الحسين مجدداً مطالباً إياهم بتحديد موقفهم. فقال الحر: "والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر". فأمر الحسين عقبة بن سمعان بإخراج خُرْجين مملوءين بصحف أهل الكوفة ونشرها أمامهم. فقال الحر: "لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أُمرنا ألّا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد". فقال الحسين: "الموت أدنى إليك من ذلك".

[اشترك] 

أمر الحسين أصحابه ونساءه بالركوب والانصراف، فحال جيش الحر بينهم وبين الطريق. فقال الحسين للحر: "ثكلتك أمك ما تريد؟" فقال الحر: "لو غيرك من العرب يقولها لي ما تركت ذكر أمه بالثكل، ولكن والله مالي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما يُقدر عليه". اتفقا أخيراً على أن يأخذ الحسين طريقاً لا تدخله الكوفة ولا ترده للمدينة، حتى يكتب الحر لابن زياد.

في الطريق، خطب الحسين في أصحابه خطبة الوداع قائلاً: "إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون، وإن الدنيا قد تغيرت وتنكرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل. ألا ترون أن الحق لا يُعمل به وأن الباطل لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله مُحِقّاً. فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا بَرَماً".

فقام زهير بن القين وقال: "قد سمعنا مقالتك يا ابن رسول الله، والله لو كانت الدنيا لنا باقية وكنا فيها مُخَلَّدِينَ لآثرنا الخروج معك على الإقامة فيها". فدعا له الحسين بخير.

أم البنين: قمة العطاء والفداء في مدرسة الزهراء

التألق في مواطن البلاء لم يتجلَّ فقط في سلوك الحسين والعباس وإخوانه، بل في سلوك أمهم في المدينة، أم البنين، التي أعدتهم للتضحية. هذه المرأة العظيمة كانت امتداداً للزهراء (عليها السلام). طلب أمير المؤمنين من أخيه عقيل، العالم بأنساب العرب، أن يخطب له امرأة ولدتها الفحول لتنجب له غلاماً شجاعاً ينصر ولده الحسين. فدله على فاطمة بنت حزام.

أنجبت أم البنين العباس وعبد الله وعثمان وجعفراً. وبعد فاجعة كربلاء، فقدت أبناءها الأربعة. كانت تخرج كل يوم إلى البقيع ومعها حفيدها عبيد الله بن العباس، وتندب أولادها والحسين بكلمات تحرق القلوب، فيجتمع أهل المدينة يبكون لبكائها. وكانت ترثيهم قائلة:

إذا العينُ قرَّت في الحياةِ وأنتمُ

تخافون الدنيا فأظلم نورُها

مررتُ على قبر الحسين بكربلاء

ففاض عليه من دموعي غزيرُها

سلامٌ على أهل القبور بكربلاء

وقل لها مني سلامٌ يزورُها

وقد كانت توصي ولدها العباس قائلة: "يا بني، غير الحسين ليس عندي وصية. أوصيك يا عباس يا حامل الراية، لا تشرب من النهر حين تخوض الماء، تذكر الحسين وأخاك وأطفاله ظِماءً. أوصيك يا بني إن سقطت عند المشرعة وتقطعت كفوفك ألّا تعود للوديعة، خوفاً من أن يذوب قلبها من نار الفجيعة، وأنت تعلم أنها بعدك ستكون سَبِيَّةً". فيجيبها العباس: "يا أماه، أما الوديعة فعيوني فداء لخدرها، وروحي وعمري تحت أمرها، ولكن اعذريني إن جاء الشمر لأسرها، فكفاي مقطوعتان وجثتي على الأرض".

[اشترك] 

وعندما دخل بشر بن حذلم إلى المدينة ينعى الحسين، خرجت أم البنين تسأله: "أيها الناعي، أخبرني عن ولدي الحسين". فكان يعزيها بأبنائها واحداً تلو الآخر، وهي تكرر السؤال عن الحسين، حتى أخبرها باستشهاد أبي الفضل العباس، فصاحت: "لقد قطعت نياط قلبي، أخبرني عن الحسين". ولما أخبرها بمقتله، انتحبت ومضت إلى زينب تواسيها في مصابها وتشاركها أحزان الدار التي خلت من أهلها. وصنعت خمسة قبور في البقيع ترثي فيها ليوث العرين قائلة:

لا تدعوني ويك أم البنين

تذكروني بليوث العرين

كانت بنون لي أدعى بهم

واليوم أصبحت ولا من بنين.

اللهم فرج عنا وعن جميع المؤمنين والمؤمنات فرجاً عاجلاً، ولا تفرق بيننا وبين محمد وآل محمد في الدنيا والآخرة. اللهم عجل ظهور مولانا صاحب العصر والزمان، واجعلنا من أنصاره والمستشهدين بين يديه، وتقبل أعمالنا، وإلى أرواح المؤمنين والمؤمنات الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.

النص الكامل لمحاضرة الشيخ الدكتور مرتضى فرج، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/06/23

لماذا لم يستخدم الإمام الحسين (ع) المُعجزة لمنع قتله؟

هذا السؤال يضعنا دائماً أمام مأزق -إن جاز التعبير- وهو بيان التوفيق بين ثبوت مقام الولاية التكوينية للمعصوم (عليه السلام) وتسلطه على عالم الإمكان بإذن الله، وبين خضوعه الظاهري لسطوة الطغاة ووقوع القتل والمصائب عليه.

ولتحقيق هذه المسألة وفق مباني مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وما عليه مشهور المحققين والمتكلمين، ينبغي تفكيك المطلب وراء حجب العاطفة، والنظر إليه من منظار الحكمة الإلهية والسنن الكونية.

حفظ نظام الاختيار وقانون الابتلاء

إن أصل الخلقة في نشأة الدنيا يبتني على كونها دار تكليف ومحل ابتلاء. ولو أن الإمام (عليه السلام) أعمل ولايته التكوينية لشل حركة القتلة، كأن يسلب شمر بن ذي الجوشن قدرته على رفع السيف أو التدخل القسري لمنعه، للزم من ذلك سلب الاختيار من الظالم، وإيقاعه في عجز تكويني يمنعه من اقتراف جريمته.

وهذا التدخل يتنافى مع أصل العدالة الإلهية التي تقتضي ترك العبد مختارا في أفعاله ليصح الثواب والعقاب، وإلا لبطل قانون الامتحان، وانتهت المسألة إلى القول بالجبر الذي أجمعت الطائفة المحقة على بطلانه في عقائدها. فالإمام تركهم في سعة من اختيارهم لتتم الحجة الإلهية عليهم بالغة.

الاطراد في السنن الحاكمة على حركة الأنبياء

[اشترك]

الناظر في أمهات المصادر والنصوص القرآنية يجد أن هذا الامتناع عن إعمال القدرة ليس بدعا من الأمر، بل هو جار على سنن الله التي لا تتبدل في حركة النبوات. فالله جل جلاله لم يسلب النمرود إرادته حين أمر بجمع الحطب لحرق خليل الرحمن (عليه السلام)، بل تركه يمارس طغيانه باختياره التام، ولم يصادر حريته. وكذلك الحال مع فرعون حين طارد الكليم (عليه السلام)، ومع قتلة الأنبياء عبر التاريخ. فالولي المعصوم يواجه سنن التدافع في عالم الأسباب والمسببات كغيره من البشر، ولا تستخدم المعجزة أو الولاية لإلغاء حرية الخصم، لئلا يختل نظام دار الغرور.

التسليم المطلق والفناء في المشيئة

إن ما يفيضه الله تعالى على أوليائه من قدرات ماورائية عظيمة، كالمقام الذي أعطاه لنبيه سليمان (عليه السلام) في تسخير عالم الجن والإنس، إنما هو محكوم بضوابط الحكمة الصارمة، ولا يخرج ململة عن إرادة الحق تبارك وتعالى. المعصوم لا يتصرف بهذه المقامات لدفع أذى دنيوي عن شخصه طلبا للراحة، بل حركته وسكونه تابعان للرضا الإلهي البحت. ولو ساغ شرعا وعقلا استخدام هذه القدرات لقهر الناس وإلجائهم، لكان الأنبياء أولى بإجبار أممهم على الإيمان، ولكن الإيمان القسري لا قيمة له في ميزان السماء.

وعليه يبتني القول بأن امتناع سيد الشهداء (عليه السلام) عن إبادة قتلته تكوينيا، لم يكن لقصور في قدرته المأذونة، بل هو عين الكمال والانقياد لنظام الوجود التشريعي. لقد أفسح المجال للطغاة ليظهروا مكنون بواطنهم طوعا، لتكون شهادته بعد ذلك حجة دامغة لا لبس فيها، ومصداقا تاما لانتصار المظلوم الذي سلم أمره لله، وإسقاطا تكوينيا لكيان الباطل الذي اختار أصحابه طريق الشقاء بملء إرادتهم.

ملاحظة: المقال خاص لموقع الأئمة الاثني عشر، نجيز نسخه، لكن مع ذكر المصدر https://the12imams.net/

 

2026/06/22

بعد انقلاب أهل الكوفة.. لماذا أكمل الإمام الحسين (ع) طريقه؟

تواترت الأخبار بانقلاب الأمور في الكوفة. يروي أبو مخنف عن عبد الله بن سليم والمذري بن المشمعل الأسديين، أنهما لما قضيا حجهما أسرعا للحاق بالحسين (عليه السلام). فلما دَنَوَا منه، رأيا رجلاً من الكوفة عدل عن الطريق وتجنب لقاء الحسين (عليه السلام). ذهبا إليه، وكان يُدعى بكير بن المثعبة من قبيلة أسد، فسألاه عن الكوفة. فأخبرهما أنه لم يخرج حتى رأى مسلماً وهانئاً يُجران بأرجلهما في السوق.

[اشترك]

لحق الأسديان بالحسين (عليه السلام) في منطقة الثعلبية ليلاً، وقالا له: إن عندنا خبراً، فإن شئت حدثناك علانية وإن شئت سراً. فنظر الحسين (عليه السلام) إلى أصحابه وقال: ما دون هؤلاء سر. فأخبراه بما رأى الرجل. فقال الحسين (عليه السلام): إنا لله وإنا إليه راجعون، وردد: رحمة الله عليهما.

قالا له: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك. فوثب بنو عقيل إخوة مسلم وقالوا: لا والله لا نبرح حتى ندرك ثأرنا أو نذوق ما ذاق أخونا. فقال الحسين (عليه السلام): لا خير في العيش بعد هؤلاء.

هنا نصل إلى سؤال جوهري: لماذا أكمل الحسين (عليه السلام) طريقه وكان بإمكانه العودة؟ ألم يسقط تكليفه بعد أن خذله أهل الكوفة؟ الجواب المفتاحي جاء في قول بعض أصحابه: "إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، لو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع". الإمام الحسين (عليه السلام) علم أنه لو عاد إلى الحجاز، لاتخذ أهل الكوفة ذلك ذريعة ولقالوا: أنت الذي أجهضت النهضة بتراجعك، لو أتيتنا لنصرناك، ملقين بالمسؤولية عليه. أراد الحسين (عليه السلام) بإكمال المسير أن يلجم أفواه المتخاذلين، ويُتِمَّ الحجة عليهم حتى النهاية.

مقتطف من محاضرة لسماحة الشيخ الدكتور مرتضى فرج

2026/06/22

خيمة أم البنين.. عن الأمّهات خلف الكواليس!

خاص لـ "موقع الأئمة الاثني عشر": حين تبدأ أيام محرم، تضج الشوارع بالحركة، وترتفع الرايات السوداء على امتداد البصر، وتصدح الحناجر بالرثاء في كل زاوية. هذا هو المشهد الظاهر الذي تلتقطه العيون والعدسات، حيث المواكب الممتدة وسرادق العزاء المشرعة للزائرين والمارة.

لكن خلف كل هذا الاهتمام بالتفاصيل، وخلف أبواب البيوت، ثمة مشهد آخر لا يقل قداسة ولا أثرا.. مشهد يكتب بصمت، وتصنعه أمهات عراقيات نسجن من صبرهن خياما تضاهي في عظمتها وعطائها خيمة أم البنين.

لم تكن السيدة أم البنين عليها السلام حاضرة بجسدها في كربلاء، منعتها المقادير من أن تكون في قلب المعركة، لكنها كانت حاضرة بروحها، بوعيها، وبأبنائها الذين أعدتهم منذ الصغر لتلك اللحظة الفارقة.

هذا النموذج العظيم بدأ منذ لحظة سقوط الأجساد الطاهرة على رمال كربلاء يتجسد في تفاصيل حياة المرأة البسيطة، الأم التي تكبلها ظروف الحياة، أو يمنعها المرض، أو تقيدها مسؤوليات التربية وتدبير شؤون البيت من الخروج والمشاركة المباشرة في المواكب والزيارات.

[اشترك]

هذه المرأة لا تستسلم لغيابها الجسدي عن مجالس العزاء العامة، بل تحيل بيتها الصغير إلى مجلس عزاء لا ينقطع.

في زاوية المطبخ، وبينما تعد الطعام لأسرتها، تتردد على شفتيها مراثي الحزن. دمعتها التي تسقط خفية وهي تستذكر مصاب الحسين عليه السلام، هي ذاتها الدمعة التي تروي بها شجرة العقيدة في بيتها.

إنها تعيش كربلاء في تفاصيلها اليومية، تواسي السيدة زينب عليها السلام بصبرها على شظف العيش، وبمكابدتها لتربية أبنائها، أو بوقوفها سندا لأسرتها في معترك الحياة القاسية.

إن المنبر الحسيني الحقيقي لا يقتصر على الأعواد التي يرتقيها الخطباء، بل يبدأ من حضن الأم. تلك المرأة التي تخيط قميصا أسود لطفلها الصغير، وتمسح بيديها على رأسه وهي تروي له قصة العباس ووفائه، هي التي تضع اللبنة الأولى في بناء شخصية الإنسان الحر.

إنها تغرس في وجدانه أن الحسين ليس مجرد قصة للبكاء، بل هو منهج للحياة، وأن ارتداء السواد هو التزام مبكر بالشرف والأمانة والصدق.

كأس الماء الذي تقدمه الأم لأطفالها وتذكرهم بعطش كربلاء، والشاي الذي تعده لزوجها العائد من مجلس العزاء، وحرصها على اقتطاع جزء بسيط من مصروف البيت المنهك لتساهم في إطعام الزائرين، كل هذه التفاصيل ليست مجرد عادات فلكلورية توارثتها الأجيال. هي ممارسة عملية واعية لاستدامة القضية، وصياغة صامتة تضمن انتقال حرارة هذا العشق من جيل إلى آخر دون أي انقطاع.

وسط زحمة المواكب الكبرى والخدمات، تتجه الأنظار دائما إلى الشارع، وننسى أحيانا أن نوجه بوصلة العرفان إلى هذه القلاع الصامتة. الأمهات اللواتي لا تلتقط صورهن الكاميرات، ولا تذكر أسماؤهن في قوائم الداعمين والمؤسسين، هن في الحقيقة النواة الصلبة التي تحفظ تماسك المجتمع وقوته الإيمانية. صبرهن على تربية الجيل، ومكابدتهن للحفاظ على تماسك الأسرة في وجه العواصف الثقافية والاقتصادية، هو تجسيد حي لرسالة الطف.

إن كل موكب يخرج إلى الشارع، وكل شاب يقف ليخدم الناس، وكل دمعة تسقط في مجالس الرثاء المكتظة، مدينة في وجودها لتلك الخيمة التي نصبت في زاوية بيت بسيط، حيث تجلس أم حنون، ترتب أوراق الحياة، وترفع يديها بالدعاء، لتبقى راية الحسين خفاقة في سماء هذه البلاد.

ملاحظة: نجيز نسخ المقال مع ذكر المصدر https://the12imams.net/

 

2026/06/21

كيف تدمر التربية الاستهلاكية مجتمعاتنا؟

بسم الله الرحمن الرحيم: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.

هناك فرق بين شخصين في هذه الحياة: شخص دخل الحياة وهو يسأل: ماذا أستفيد؟ وشخص دخل الحياة وهو يسأل: ماذا أُعطي؟ وماذا أُقدم؟ هل قيمة الإنسان بما يأخذ أم بما يمنح ويُعطي؟ وما هو المحقق للتوازن بين الأخذ والعطاء؟ في هذه المحاضرة التي تدور حول الأخذ والعطاء، سنطرح مجموعة من الأسئلة لنجيب عنها.

السؤال الأول: هناك شخصيتان في كل مجتمع، شخصية الـ "أنا"، وشخصية الـ "نحن". فكل إنسان يجب أن يسأل نفسه: هل أنا أتمحور وأتمركّز حول الـ "أنا"؟ أو أتمركّز حول الـ "نحن"؟ ما هي شخصيتي؟

[اشترك]

سمات شخصية الـ "أنا" وشخصية الـ "نحن"

هناك فرق شاسع بين الشخصيتين. شخصية الـ "أنا" ترى الآخرين منافسين، لا شركاء. ترى أن النجاح يتحقق بالتفوق على الآخرين، لا بالبناء معهم. تحكمها عقلية الندرة، وتظن أنها عقلية نادرة متميزة على الكل. هذه الشخصية ترى الحياة كعكة تريد أن تنقض عليها وتأخذ منها ما تستطيع؛ سواءً كانت هذه كعكة مناصب، أو ثروات، أو أضواء وإعلام، أو احتكاراً تجارياً ومعرفياً. مبدأها: الحياة كعكة، خذ منها ما تستطيع! هذه الشخصية تكرّس الشره والتنافس لتأخذ أكبر مقدار ممكن. وهي التي يذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}، أي أنتم مشغولون بالتنافس والتكاثر؛ كيف أنمو؟ كيف أتكاثر؟ كيف أمتلك أكبر شيء ممكن؟ ويقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}.

أما شخصية الـ "نحن"، فهي التي تركّز على الفريق، على الجماعة لا على الذات، على من معي، وعلى مجتمعي. سمات هذه الشخصية أنها لا ترى الآخرين منافسين، بل تراهم امتداداً للذات، وشركاء فيها. لا ترى أن النجاح يكون بالتفوق والهيمنة، بل بالنتاج وبالأثر. شخصية الـ "نحن" تفكر دائماً في الهم الاجتماعي وفي الخط العام، وهي المصداق لقوله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، والمصداق لقول الرسول محمد صلى الله عليه وآله: "خير الناس من نفع الناس"، و"الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله".

عليك أن تدرس نفسك: هل أنت مع الـ "أنا"؟ أو أنت مع الـ "نحن"؟ أنت أخبر بسماتك وطباعك؛ هل ترى الحياة تنافساً؟ أم تراها بناءً وتعاوناً؟

[اشترك]

مناشئ الأنانية ودوافعها الطبيعية

نأتي إلى السؤال الثاني: ما هو منشأ شخصية الـ "أنا"؟ وما هو منشأ شخصية الـ "نحن"؟ من أين تُصاب بمرض اسمه الـ "أنا"؟

هناك عدة دوافع تبني شخصية الـ "أنا"، منها:

خوف النقص؛ فالإنسان دائماً يخاف أن ينقص مقداره أو تنقص سمعته.

حب التميز؛ يحب أن يكون إنساناً متميزاً ومتفوقاً.

الحاجة إلى الاعتراف والتقدير والاهتمام.

هذه الدوافع الثلاثة لا يحاربها الدين لأنها دوافع طبيعية موجودة عند كثير من الناس. ولماذا هي طبيعية؟ لأن أقوى غريزة وُلد عليها الإنسان هي غريزة حب الذات، ولا يمكن للإنسان أن يتحرر منها أو ينفك عنها. هذه الغريزة هي التي تجلب لك المنافع وتدفع عنك الأضرار. أيضاً، من الحاجات الأولية في "هرم ماسلو" الحاجة إلى الحب والتقدير. الإنسان بطبعه يحتاج إلى أن يُحب، وإلى أن تُقدَّر جهوده. الدين لا يقاوم هذه الدوافع، إنما يقول: المهم أن لا تتقوقع في ذاتك. من الطبيعي أن تحب ذاتك، لكن المهم في السلوك أن لا يكون نحو تضخيم الذات، بل نحو البناء الفعال.

[اشترك]

التربية الاستهلاكية والأنانية غير المهذبة

المشكلة تكمن في دافعين آخرين: الأنانية غير المهذبة، والتربية الاستهلاكية. الأنانية غير المهذبة تظهر حين يولد طفل وعنده حب لذاته مفرط، دائماً يتعارك مع إخوانه ويحب أن تكون بيده الأمور. هنا، يجب على الأبوين أن يتفرغا لتهذيب هذا الطبع كي لا تكون الأنانية مفرطة عنده.

أما التربية الاستهلاكية، فتحدث حين يولد الطفل بلا مشكلة، لكنه يُربى في الأسرة على أن يكون مستهلكاً لا معطياً، آخذاً لا باذلاً. يُربى على أن يتكل دائماً على الأبوين، ليرتاح وتتوفر له كل الخدمات ليكون الطفل المتميز. هذه تربية خطرة، لأن هذا الطفل إذا كبر سيصبح إنساناً أنانياً بامتياز، لا يفكر إلا في نفسه، وسيكون عبئاً على أسرته قبل مجتمعه، لأنه رُبي على أن يكون "هو هو" وليس غيره. ومن هنا ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: "رحم الله أبوين أعانا ولدهما على برهما، ولعن الله أبوين حملا ولدهما على عقوقهما". أنت الذي تربي ولدك ليكون ناجحاً وباراً بك، وأنت الذي تربيه ليكون أنانياً، فيكون أول من يجحدك ويستنكر جهودك لأنه رُبي على الاستهلاك لا على العطاء.

[اشترك]

خلفيات العطاء ومستوياته

عندما نأتي لشخصية الـ "نحن"، كل واحد منا سيدعي قائلاً: "أنا لا أعيش شخصية الـ أنا، أنا أتمحور حول الـ نحن". لنسأل إذن عن مناشئ وصور شخصية الـ "نحن"، وما هي خلفيات ومستويات العطاء؟

الصورة الأولى: أن يكون العطاء جبلّة وطبعاً، كحاتم الطائي الذي كان كريماً بطبعه لا يقبض بيده شيئاً. هذه جبلة جيدة، لكن الطبع وحده لا يبني مجتمعاً ولا يؤسس حضارة، لأنه قد يتغير ويتلوث بالمصالح والضغوط، فيتحول الكريم إلى بخيل.

الصورة الثانية: أن يكون العطاء متضمناً للأخذ. كيف ذلك؟

الدافع الأول في هذه الصورة هو الراحة النفسية. كثير منا بمجرد أن يُنفق يشعر براحة واستقرار نفسي. الدين لا يمنع من هذه اللذة الروحية كأثر للعطاء، لكن المهم أن لا تكون هذه اللذة هي الهدف والمحرك الأساسي.

الدافع الثاني هو السمعة وحب الظهور، كأن يطلب المتبرع إعلان اسمه ومبلغه على المنبر. الدين لا يمنع ظهور الاسم إذا كان مشجعاً ومحفزاً للآخرين، لكن لا ينبغي أن يكون الهدف الأساسي، وإلا شمله حديث الرسول صلى الله عليه وآله: "ينادى المرائي يوم القيامة: يا غادر، يا فاجر، يا مرائي، ضل سعيك وبطل أجرك".

الدافع الثالث هو طلب الأجر والمثوبة من الله. هذا دافع عظيم ومقدس لأنه يحرر الشخصية الإنسانية من الدوافع الفردانية، ويكرسه القرآن في قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}.

الصورة الثالثة: أن يكون العطاء خصلة أخلاقية يتربى عليها الإنسان، وهي منقبة مدحها القرآن: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}.

الصورة الرابعة وهي الأهم: أن يكون العطاء مسؤولية تضامنية. إذا كنت تشعر أن العطاء مسؤولية اجتماعية، فأنت تعيش أرقى درجات "العطاء الواعي" الذي يبني المجتمعات. وأوضح الأمثلة على ذلك هما الوالدان. لا يوجد من يقدم عطاءً بلا حدود مجانياً كالأم التي وهبت جسدها وطاقتها وليلها ليكبر ولدها، ولذلك كرر الرسول الإيصاء بها ثلاثاً قبل الأب. والمثال الآخر هم المعلمون والعلماء العاملون المخلصون الذين يبتكرون لنفع البشرية، لا لأجل أسمائهم. القرآن يقول: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} والخير هو العطاء، ويقول: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

[اشترك]

محفزات العطاء واكتشاف المواهب

السؤال الثالث: ما هي المحفزات التي تنقلني من الأنانية لأكون إنساناً معطاءً؟

المحفز الأول هو البيئة والعقل الجمعي. إذا عشت في أسرة أو مجتمع معطاء ستكون كذلك، والعكس صحيح. ولذا يوجهنا القرآن لبناء عقل جمعي محفز: {وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}.

المحفز الثاني هو طلب الثواب الإلهي المضاعف، كما في قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...}.

المحفز الثالث، وهو الذي يمسك بشكل مباشر: اكتشاف المواهب والطاقات. أضرب لكم مثالاً بـ "آدم ريفكين"، الذي اعتبرته المجلات صاحب أفضل شبكة علاقات في وادي السيليكون، لا لماله، بل لفلسفته الفريدة بتأسيس "شبكة رواد الأعمال". هذه الشبكة تضم تجاراً ومهندسين ورواد أعمال يهدفون للتدريب والتوجيه وتطوير المشاريع الناشئة عبر خدمة أسماها "خدمة الخمس دقائق"؛ حيث يقدم كل فرد معلومة أو نصيحة مجانية في خمس دقائق. نجحت هذه الشبكة باهراً، وأثبتت أن العطاء الواعي يبني المجتمعات أفضل من الرأسمالية المتوحشة والشره الأناني.

من هذا المثال أطالب الشباب، وهم رصيد المستقبل الذين قال فيهم تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}: ما الذي يمنعكم من تأسيس مؤسسة خيرية شبابية خالصة كشبكة لرواد الأعمال، هدفها التوجيه والتدريب والبحث عن وظائف لتطوير أوضاع جاليتكم؟ مؤسسة لا تنتمي لأي مركز أو نادٍ. عندما تؤسسون ذلك ستكتشفون طاقات ومواهب لا حصر لها، وستتلقون دعماً سخياً من المجتمع. المجتمع الواعي ليس فقط من يتبرع للمسجد أو المأتم أو الفقير، بل هو الذي يكتشف طاقات أبنائه ويفتح أمامها الآفاق.

[اشترك]

دعائم العطاء الناجح

السؤال الرابع: ما هي دعائم العطاء الناجح؟

أولاً: العفو وتجاوز الجراح. كم من مشاريع اجتماعية هدمتها الخصومات؟ مشاريعنا للأسف تبدأ بخمسة أشخاص ثم ينقسمون حتى تذبل وتموت المشاريع! العطاء الناجح يحتاج إلى الصفح: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}.

ثانياً: حمل الهم الاجتماعي. أن لا يفكر الإنسان في جيبه وبطنه ووسادته فقط من الصباح لليل. الرسول صلى الله عليه وآله يقول: "من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم".

ثالثاً: أن لا يكون العطاء إلغاءً للذات ولا احتقاراً لها، بل توسعة لها، بحيث لا تكون مستنزفاً بيد الأنانيين. العطاء يتطلب التوازن، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: "إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه". وعن الإمام الكاظم عليه السلام: "اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة للمعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفون عيوبكم ويخلصون لكم، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم".

[اشترك]

كيف نبني مجتمعاً معطاءً؟

السؤال الأخير: ما هي خارطة الطريق لبناء مجتمع معطاء؟ هناك عدة خطوات:

الخطوة الأولى: العطاء الصادق. كثير منا يخدم في المراكز والمآتم، لكنه يريد أن يكون هو الواجهة والصدارة، ولا يتنازل لغيره بحجة أنه الأفضل والأوعى. المهم هو نجاح المشروع وليس نجاح شخصيتك لتكون أنت البطل. أي مانع أن تكون جندياً مجهولاً وتبتغي وجه الله كما في قوله: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ}.

الخطوة الثانية: تربية الكوادر. هل نشرك الشباب العاملين في القرارات الأساسية والتخطيط داخل مراكزنا؟ أم نحتكر الإدارة ونعتبرهم مجرد يد منفذة؟ لن ينتقل القرار للشباب إلا إذا احتضناهم وقدمناهم في الخطوط الأمامية. ولنا في الإمام علي عليه السلام أسوة، فقد استفاد من خبرة الكبار كسلمان وعمار وأبي ذر، ولكنه قدم جيل الشباب كمالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر وأعطاهم مسؤوليات كبرى.

الخطوة الأخيرة: الإيثار والتنازل. إذا كنا مخلصين لأهدافنا سنتنازل للآخرين. الإيثار أعظم خصلة، وقد مدح القرآن الإمام علي عليه السلام لمبيته على فراش النبي فادياً إياه بنفسه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}. ويقول تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

[اشترك]

 تجلّي الإيثار في كربلاء

وقد تجلى الإيثار في أروع صوره يوم كربلاء، حيث تسابق أنصار الحسين عليهم السلام دونه يؤثرونه على أنفسهم. أما سمعت سعيد الحنفي يقول ليلة عاشوراء: "يا أبا عبد الله، والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا حفظنا غيبة رسول الله فيك. والله لو أقتل ثم أحيا، ثم أحرق ثم أنشر، سبعين مرة، ما تخليت عن نصرتك يا أبا عبد الله، وإنها لهي والله موتة واحدة ثم الكرامة".

وسيد الأنصار حبيب بن مظاهر الأسدي جسّد أروع مثل للفداء. كان جالساً يوماً مع زوجته أم القاسم ينتظر رسول الحسين عليه السلام. فقالت له زوجته إنها رأت في المنام السيدة فاطمة الزهراء في ثياب سوداء حولها نساء، فسلمت عليها وقبلت يدها وعرّفتها بنفسها، فقالت لها الزهراء: "يا أم القاسم، أبلغي حبيب عني السلام، وقولي له تسلم عليك فاطمة الزهراء وتقول لك: أما آن أن تخضب شيبتك؟". قال لها حبيب: عجيب! فاطمة الزهراء قالت لك هذا الكلام؟ قالت: بلى. قال: إن صدقت رؤياكِ يأتيني رسول الحسين يدعوني لنصرته في كربلاء.

ما هي إلا ساعات وطُرق الباب، وإذا بكتاب من الحسين بن علي: "من الحسين بن علي... إلى أخيه الفقيه حبيب بن مظاهر الأسدي؛ إن شئت السعادة الأبدية، والحياة السرمدية، فبادر إلى نصرتنا فإنا محاصرون بكربلاء، لا ناصر لنا ولا معين". أخذ حبيب الكتاب، قبله ووضعه على رأسه ملبياً نداءه. طلب من خادمه أن يأخذ الجواد وينتظره خارج الكوفة. ولما أبطأ حبيب، خاطب الخادم الجواد قائلاً: "أيها الجواد، لئن لم يأتِ سيدي حبيب لأعلونّ ظهرك ولأذهبنّ أنا إلى كربلاء لنصرة غريب الحسين، واحسيناه واماماه!". سمع حبيب ذلك فصعد جواده وقال للعبد: أنت حر لوجه الله. لكن العبد أبى قائلاً: "لا والله، لا تطاوعني قدمي؛ أنت تذهب إلى الجنة وأنا أرجع إلى النار؟ لا كان ذلك أبداً، خذني معك... أريد أن يختلط دمي الأسود بدم الحسين وآل الحسين. واحسيناه واماماه!".

أخذه حبيب معه وأقبل إلى كربلاء. وما حلا ذيك الشمايل يوم طب كربلاء! طلع عباس البطل وأولاد أخوي استقبلوه. مرحب بيك لشاهد، زينب تقله هلا. ووصل استبشر لبو سكنه وتناول رايته. جاه من زينب سلامه ومد معاه بالحال سال، وأقبل يسلم على الحور وعلى ذيك العيال. قال يا وسفه يا زينب تركبين على الجمال! واحسيناه!

وزع حبيب الأنصار في أماكنهم، فطلبت زينب أن تراهم أمام خيمتها. اصطف الأنصار أمامها، وقال حبيب: السلام عليكم يا مخدرات علي وفاطمة، السلام عليكم آل بيت رسول الله، السلام عليكِ يا زينب الحوراء. قالت: من أنت؟ قال: خادمكم حبيب بن مظاهر، وهؤلاء الأنصار بين يديّ. قالت: يا حبيب، أوصيك بوصية أمي فاطمة الزهراء، أوصيك بهذا الغريب أبا عبد الله! قال: حباً وطاعة.

وتسابق الأنصار نحو المعركة، وما هي إلا ساعة وإذا بهم صرعى على الثرى! الله يساعد زينب العقيلة؛ نظرت إليهم وإذا هم صرعى على الثرى؛ هذا ملقى على اليمين وذاك ملقى على الشمال، ويلي بمسكانهم معولين! هذا السهم بالفاد ثنى، وهذا بالنشاب رماه، وهذا الخيل صدره رضضّه، وهذا وذاك بالإيدين موّزع!

النص الكامل لمحاضرة سماحة آية الله السيد منير الخبّاز، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/06/21

منعه من القتال: ما هو مرض الإمام السجاد (ع) في كربلاء؟

المسألة: ما هي طبيعةُ المرض الذي كان الإمامُ زين العابدين (ع) مُصابًا به في كربلاء؟

الجواب: المُحرَز بل والمقطوع به أنَّ الإمام زين العابدين (ع) كان يوم عاشوراء مُصابًا بمرضٍ عارِض، وكان من الشدَّة بحيثُ منعَه من القتال، فهذا المقدار هو المتسالَم عليه بين المؤرِّخين والمحدِّثين من الفريقين، وأمَّا ما هي طبيعةُ هذا المرض فلم تتصدَّ الروايات لبيانه تفصيلًا، ولعلَّ منشأ ذلك هو عدم ترتُّب فائدةٍ تُذكر على العلم بما هي طبيعة المرض الذي عرَض على الإمام (ع) في كربلاء.

كان الإمام (ع) مبطوناً:

نعم أشارت معتبرة أبي الجارود عرَضًا إلى أنَّ الإمام (ع) كان مبطونًا، فقد أورد الكليني في الكافي بسندٍ معتبر روايةً طويلة عن أبي جعفر الباقر (ع) قال فيها: ".. ثُمَّ إِنَّ حُسَيْنًا حَضَرَه الَّذِي حَضَرَه فَدَعَا ابْنَتَه الْكُبْرَى فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ (ع) فَدَفَعَ إِلَيْهَا كِتَابًا مَلْفُوفًا ووَصِيَّةً ظَاهِرَةً، وكَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (ع) مَبْطُونًا لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّه لِمَا بِه فَدَفَعَتْ فَاطِمَةُ الْكِتَابَ إلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ .."([1]).

وورد أيضًا في كتاب النوادر لعليِّ بن أسباط قال: بعض أصحابه رواه أنَّ أبا جعفرٍ -الباقر- (عليه السلام) قال: كان أبي مبطونًا يوم قُتل أبوه صلواتُ الله عليهما، وكان في الخيمة .."([2]).

[اشترك]

المبطون مَن يشتكي علَّةً في جوفِه:

فالإمام (ع) -بحسب ما أفادته معتبرة أبي الجارود ومرسلة عليِّ بن أسباط- كان مبطونًا، ومعنى أنَّه كان مبطونًا هو أنَّه كان يشتكي من بطنِه أي أنَّه مصابٌ بداءٍ في بطنِه، فالمبطون هو مَن به علَّةٌ في بطنه كما أنَّ المصدور هو من به علَّة في صدره، والمفؤود هو مَن به علَّة في فؤاده([3]).

فالإمام (ع) إذن -بحسب هذا المأثور- كان مصابًا بعلَّة في بطنِه، وأمَّا ما هي طبيعةُ هذه العلَّة فلم تتصدَّ الرواية لبيانه فإنَّ عنوان المبطون يصدقُ على مَن هو مصابٌ في معدته كما يصدقُ على مَن هو مصابٌ بعلَّةٍ في بعض أحشائه كالكبد أو الطحال أو غيرهما، فالعربُ تُطلق عنوان المبطون على كلِّ مَن أُصيب بداءٍ في جوفه، ولذلك تَعتبِر -مثلاً- المبتلى باستسقاء البطن مبطونًا([4]) رغم أنَّ هذا الداء لا ربط له بالمعدة بل هو عبارة عن تجمُّع سوائل في الجوف نتيجة خللٍ في وظائف الكبد أو الكُليتين أو هما معًا.

وعليه فالاستدلال بالرواية على أنَّ الإمام (ع) كان مصابًا في معدتِه بمثل الاسهال لا تصح، فإنَّ الرواية أفادت أنَّه كان مبطونًا والمبطون عنوانٌ واسع لا تتحدَّد به طبيعةُ المرض.

ذكر المفيد أنَّه مُصابٌ بالذرَب:

نعم ذكر الشيخ المفيد (رحمه الله) في الإرشاد وتبعه الطبرسي في إعلام الورى وابن نما الحلِّي وصاحب السرائر([5]) أنَّ الإمام (ع) كان مريضًا بالذرَب -بفتح الراء- وهو كما قيل داءٌ يُصيبُ المعدة وأظهرُ آثاره الإسهال الحاد والمتَّصل وقد يكون عن غير اختيار، ولذلك عرَّفوا الذرَب بقولهم هو: الدَّاءُ الذي يَعْرِضُ للمَعدة فلا تَهْضِمُ الطَّعامَ، ويَفْسُدُ فيها ولا تُمْسِكُه([6]).

مناقشة ما أفاده الشيخ المفيد:

ولم أجد أحدًا من مؤرِّخي الفريقين غير الشيخ المفيد -ومَن تبعه- ذكر أنَّ الإمام (ع) كان مصابًا بالذرَب، والظاهر أنَّ ذلك كان اجتهادًا منه في تفسير معنى المبطون الوارد في معتبرة أبي الجارود والرواية الأخرى، خصوصًا وأنَّ كلمة المبطون تُستعمَل في الاصطلاح الفقهي فيما يُساوق أو يقترب من معنى الذرَب على خلاف ما عليه سعة المدلول اللُّغوي لكلمة المبطون.

ولو كان الأمرُ كذلك وكان قولُ المفيد أنَّ الإمام (ع) مصابٌ بالذرَب اجتهادًا منه في تفسير ما ورد في مثل معتبرة أبي الجارود فإنَّ النتيجة هي أنَّه ليس لدينا في الأخبار ما يصحُّ الاستناد إليه لإثبات دعوى أنَّ الإمام (ع) كان مصابًا بالذرَب لأنَّ ما أفاده الشيخ المفيد (رحمه الله) لم يكن سوى اجتهاد منه في تفسير معنى المبطون.

ولو كان ما أفاده الشيخ المفيد -من دعوى أنَّ الإمام (ع) مصابٌ بالذرب- خبرًا تلقَّاه ولم يكن اجتهادًا فإنَّه يكون ساقطًا عن الحجِّية والاعتبار لكونه خبرًا مرسلًا ليس له في الأخبار وكلمات المؤرِّخين ما يعضدُه فلا يُعتمد في مقابل معتبرة أبي الجارود عن الباقر(ع) ولا يصلح تفسيرًا لها .

المتعيَّن هو ما ورد في معتبرة أبي الجارود:

بل المتعيَّن طرحُ هذا القول والبناء على منافاته للواقع حتى مع قطع النظر عن معتبرة أبي الجارود، وذلك للقطع بأنَّ الإمام زين العابدين (ع) أكرمُ على الله تعالى من أنْ يبتليَه بهذا الداء في هذا الظرف العصيب حيثُ شحَّة الماء أو انعدامه وحصار الأعداء واقتيادهم له من كربلاء إلى الكوفة أسيرًا مكبَّلاً بعد يومٍ من مقتل الحسين (ع) ولك أنْ تتصوَّر الحال والهيئة التي يكون عليها المُصاب بالذرَب والإسهال المتَّصل في مثل هذا الظرف.

إنَّ الإمام زين العابدين (ع) أكرمُ على الله تعالى من أنْ يبتليَه بهذا الداء في مثل هذا الظرف العصيب، والرواياتُ الكثيرة المتصدِّية لبيان صفات المعصوم (ع) وما أكرمه اللهُ تعالى به خيرُ دليلٍ على ما ذكرناه([7])، فلعلَّ الشيخ المفيد (رحمه الله) لم يلتفت إلى لوازم هذه الدعوى أو أنَّه لم يقصد من الذرَب الداءَ الذي من آثاره الاسهال المستمِر، فلعلَّه قصد بعضَ ما يُصيب المعدة من أدواء، وهي كثيرة، ولا يترتَّب على الكثير منها إسهالٌ أو شبهه بل يتمحَّض أثرُها في الشعور بالآلام أو الإعياء والضعف العام في البدن، أو أنَّه (رحمه الله) قصد الذِرْب بكسر الذال وسكون الراء وهو كما أفاد الزبيدي في تاج العروس: دَاءٌ يكونُ في الكَبِدِ بَطِيءُ البُرْءِ ([8])، فلو كان شيءٌ من ذلك هو مرادُه فلا مانع من احتماله وأنَّه هو المقصود من معتبرة أبي الجارود التي أفادت أنَّ الإمام (ع) كان مبطونًا.

[اشترك]

وخلاصة القول: إنَّ الذي نصَّت عليه معتبرة أبي الجارود عن الإمام الباقر (ع) ومرسلة عليِّ بن أسباط عن الإمام الباقر (ع) هو أنَّ الإمام زينَ العابدين (ع) كان أيام كربلاء مبطونًا، والمبطونُ هو مَن يشتكي علَّةً في بطنه، والمراد من البطن هو مطلق الجوف وما اشتمل عليه من أحشاء كما هو مقتضى ما نصَّ عليه اللُّغويون، وعليه فالرواية مجملة من جهة تحديد ما هي طبيعة الداء الذي أُصيب به الإمام (ع) في كربلاء، وأنَّ أقصى ما تدلُّ عليه الرواية هو أنَّه كان يشتكي من علَّةٍ في بطنه.

وأمَّا ما أفاده الشيخ المفيد (رحمه الله) من دعوى أنَّ الإمام (ع) كان مصابًا بالذرَب فإنْ كان يقصدُ أنَّه مصابٌ بالداء الذي يُصيب المعدة ويكون من أثره الإسهال المتَّصل فهو من سهو القلم قطعًا -والعصمةُ لأهلها- وإنْ كان يقصدُ من الذرَب ما يُصيب المعدة من أدواء فيترتَّب عنها آلام أو إعياء أو كان يقصد الداء الذي يُصيب الكبد فلا محذور من احتمال ذلك.

وأمَّا ما قيل من أنَّ المراد من الذرَب هو جراحٌ حادَّة أصيب بها الإمام (ع) لمشاركته في القتال قبل أنْ يرتثَّ فيمنعه ذلك عن مواصلة القتال فهذا القول لايصحُّ،

==========

الهوامش:

[1]- الكافي -الكليني- ج1 / ص290، 291.

[2]- الأصول الستة عشر -تحقيق المحمودي- ص339، بحار الأنوار -المجلسي- ج45 / ص91.

[3]- لسان العرب -ابن منظور- ج9 / ص13، ج13 / ص54، أساس البلاغة -الزمخشري- ص52، غريب الحديث -ابن قتيبة- ج1 / ص100، ترتيب إصلاح المنطق -ابن السكيت- ص342، تاج العروس- الزبيدي- ج18 / ص61.

[4]- النهاية في غريب الحديث والأثر -ابن الأثير- ج1 / ص136، لسان العرب -ابن منظور- ج13 / ص53، تاج العروس- الزبيدي- ج18 / ص61.

[5]- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص114، إعلام الورى -الطبرسي- ج1 / ص470، مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص64، السرائر -ابن ادريس الحلي- ج1 / ص250.

[6]- لسان العرب -ابن منظور- ج1 / ص385، النهاية في غريب الحديث والأثر -ابن الأثير- ج2 / ص156. المسائل في الطب للمتعلمين -حنين بن إسحاق ت: 260ه- ص493، شرح الأسباب والعلامات (شرح نفيس الكرماني 619ه) -نجيب الدين السمرقندي-ج1 / ص696 قال: الذرب: وهو انطلاق البطن المتصل. وقيل: هو أن لا ينهضم الطعام في المعدة والأمعاء ولا يغذو جميع البدن بل يستفرغ من أسفل فقط استفراغا متصلا وهو كثير الرطوبة وذلك بسبب ضعف الماسكة فلا يقدر على حمل الغذاء وامساكه أكثر من هذا القدر من الزمان وهو زمان الهضم. وسمى به لان الذرب في اللغة فساد المعدة، يقال: ذربت معدته إذا فسدت؛ أو لأنه بمعنى الحدة يقال: لسان ذرب وسيف ذرب، أي: حاد فسمى به لحدة البراز وسرعة حركته في الخروج؛ أو لأنه بمعنى عدم البرء يقال: ذرب الجرم، إذا لم يقبل الدواء، فسمى به لصعوبة العلة وعظم الخطر فيها".

[7]- راجع في ذلك مثل صحيحة اسحاق بن غالب عن أبي عبد الله الصادق (ع) الكافي -الكليني- ج1 / ص204، ورواية زرارة عن أبي جعفر الباقر(ع) ج1 / ص388، ومعتبرة علي بن الحسن بن فضال عن الإمام الرضا (ع) من لا يحضره الفقيه -الصدوق- ج4 / ص419، عيون أخبار الرضا (ع) -الصدوق- ج1 / ص192.

[8]- تاج العروس -الزبيدي- ج1 / ص296.

2026/06/20

عاشوراء في هواتفنا.. خدمة الحسين (ع) بضغطة زر!

خاص لـ "موقع الأئمة الاثني عشر": لم تعد ساحة الطف مقتصرة على جغرافيا كربلاء، ولم يعد المنبر الحسيني محصورا في الخشب وزوايا المجالس. لقد تمددت مساحة الخدمة وتطورت أدواتها لتخترق الحدود والمسافات، حتى استقرت في شاشة لا تتجاوز كف اليد.

[اشترك]

الهاتف الذكي الذي نحمله في جيوبنا، والذي اعتدنا أن نتعاطى معه كأداة للترفيه السريع أو استهلاك الوقت، يتحول في منظور الوعي العاشورائي إلى جبهة حقيقية، وميدان اختبار صامت يعكس عمق انتمائنا لأخلاق أهل البيت وتطبيقنا الفعلي لرسالتهم.

نحن نعيش في فضاء رقمي يضج بالصخب والتشظي، حيث تتسابق الكلمات وتتداخل الصور وتضيع الحقائق وسط أمواج من المحتوى العشوائي.

وهنا يبرز تساؤل: كيف يمكن للمستخدم البسيط أن يحول حسابه الشخصي من مجرد رقم في خوارزميات المنصات، إلى موكب وعي، ومنبر إشعاع حسيني مؤثر؟

المنبر الرقمي

إن أولى درجات الخدمة الحسينية في الفضاء الإلكتروني تبدأ من إدراكنا لقيمة الكلمة وثقلها التكويني. الإمام الحسين عليه السلام نهض لإصلاح أمة جده بالكلمة الصادقة والموقف الواضح، ولم يخرج لإحداث ضجيج بلا طائل أو تأجيج صراعات عبثية. عندما نكتب منشورا، أو نشارك مقطعا، أو حتى نضغط على زر الإعجاب، نحن في الواقع نصدر حكما ونتبنى موقفا سيقرأه المئات، وربما الآلاف.

المستخدم الواعي يدرك أن ضغطة الزر هذه إما أن تكون لبنة تبني جدار المجتمع، أو معول هدم ينخر في تماسكه. المشاركة التي تزرع الأمل في نفوس محبطة أثقلتها ظروف الحياة، أو الكلمة التي تصلح ذات البين بين متخاصمين وتطفئ نار الفتنة، أو المنشور الذي يفكك شبهة بأسلوب هادئ ورصين، هي في صميم الخدمة الحسينية. لا يقل أجر وثواب من يطعم العقول بالكلمة الطيبة والمحتوى الهادف، عن أجر من يطعم الأجساد في المواكب، فكلاهما يحيي أمة.

الاعتزال الواعي

من أعظم ما يقدمه المؤمن في أيام عاشوراء، بل وفي كل أيامه، هو ترويض النفس عن الانجرار خلف الجدل العقيم والمهاترات التي تملأ منصات التواصل. هناك بيئات رقمية تعتاش على الاستقطاب، وصناعة الأزمات، واغتيال سمعة الآخرين. الانتماء لمدرسة عاشوراء يفرض علينا أن نكون صمام أمان مجتمعي، لا وقودا لفتن رقمية تحرق الأخضر واليابس.

 

عندما نتجاهل منشورا مسيئا يهدف إلى الاستفزاز واستدراجنا لمستنقع الشتائم، وعندما نتوقف بحزم عن تداول شائعة لم نتحقق من صحتها حفاظا على أعراض الناس وكراماتهم، فنحن نمارس أخلاق كربلاء في أبهى وأصدق صورها. لقد كان الإمام الحسين حريصا على هداية خصومه حتى اللحظة الأخيرة، ولم ينحدر خطابه قط إلى التجريح أو الإسفاف. استحضار هذا الخلق النبيل في تعليقاتنا وردودنا يجعل من حساباتنا الشخصية واحات للسلام النفسي والاجتماعي وسط هذا الضجيج.

صناعة المحتوى

يوفر لنا الهاتف الذكي فرصة ذهبية لنكون وسطاء خير لا يكلفنا الأمر سوى نية صادقة وحركة إصبع. يمكن بضغطة زر أن نساهم في إنجاح حملة لجمع التبرعات لعائلة متعففة، أو ننشر مناشدة لإنقاذ مريض عجزت أسرته عن علاجه، أو نسلط الضوء على مبادرة شبابية بسيطة لتنظيف الشوارع بعد انتهاء مراسم العزاء لتشجيعهم ودعمهم.

إن دمعة الحزن التي نذرفها بصدق في المجالس يجب ألا تتبخر، بل يجب أن تتكثف لتتحول إلى طاقة عمل إيجابية على منصاتنا. المنشور الذي يدعو إلى بر الوالدين، واحترام الجار، والتسامح، وإتقان العمل والحفاظ على المال العام، هو الامتداد الطبيعي والمطلوب لنداء الإصلاح الحسيني.

إن الخدمة الحسينية لم تكن يوما حكرا على من يمتلك إمكانيات مادية أو يقف على المنابر، في هذا العصر، كل واحد منا يمتلك منبره الخاص وموكبه الافتراضي.

شاشتك هي موكبك، ومفرداتك هي زادك الذي تقدمه لعابري السبيل في دروب الإنترنت.

ملاحظة: نجيز نسخ المقال مع ذكر المصدر https://the12imams.net/

2026/06/16

ماهي أفضل الأعمال في شهر رمضان؟

روى الشيخ الصدوق في كتابه عيون أخبار الرضا، عن الإمام الرضا، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم أجمعين، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب الناس ذات يوم معلناً اقتراب شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة. ووصف النبي هذا الشهر بأنه أفضل الشهور عند الله، وأيامه ولياليه وساعاته هي الأفضل على الإطلاق، فهو الوقت الذي دعي فيه المؤمنون إلى ضيافة الله وجعلوا فيه من أهل كرامته.

وتتجلى ميزات هذه الضيافة في أن أنفاس الصائمين تُعد تسبيحاً، ونومهم عبادة، وأعمالهم مقبولة، ودعاءهم مستجاب. لذا، دعا النبي الكريم المسلمين إلى سؤال الله بنيات صادقة وقلوب طاهرة أن يوفقهم لصيامه وتلاوة كتابه، محذراً من أن الشقي الحقيقي هو من يُحرم غفران الله في هذا الشهر العظيم. كما نبه إلى ضرورة تذكر جوع وعطش يوم القيامة من خلال تجربة الجوع والعطش في نهار الصيام.

[اشترك]

دستور الأخلاق والترابط الاجتماعي

لم تقتصر الوصايا النبوية على الجوانب العبادية المحضة، بل امتدت لتشمل صياغة سلوك اجتماعي متكامل؛ حيث حث النبي على التصدق على الفقراء والمساكين، وتوقير الكبار، والرحمة بالصغار، وصلة الأرحام. وإذا كانت هذه التعاليم تمثل جوهر الإسلام طوال العام، فإن التقصير فيها خلال شهر رمضان يعد أمراً غير مقبول، نظراً لمضاعفة الثواب فيه.

وفيما يخص صلة الأرحام، شدد النبي على أهميتها القصوى، فالمؤمن الحقيقي لا يسمح لنفسه أن يكون قاطعاً للرحم حتى وإن كان الطرف الآخر هو المخطئ. وتتعدد وسائل الوصل في عصرنا الحالي لتشمل الزيارة المباشرة، أو الاتصال الهاتفي، أو حتى إرسال رسالة نصية للمباركة بالشهر، فهذه الخطوات البسيطة تبرئ ذمة الإنسان أمام الله وتجعله في زمرة الواصلين، بينما يتحمل الطرف الممتنع مسؤولية القطيعة وحده.

سلاح اللسان وعفة السمع والبصر

وضع النبي يده على أحد أهم مواضع التحدي الأخلاقي بقوله: "واحفظوا ألسنتكم". ويعد شهر رمضان الفرصة المثالية لضبط اللسان والابتعاد عن الفحش والسباب والكلمات النابية التي قد تصدر من البعض في لحظات الغضب أو الجدال، خاصة في النقاشات الحادة. فالمؤمن، وإن كان محافظاً على صلاته وصومه، ملزم باختيار كلماته بعناية فائقة وتجنب كل ما يخدش الحياء أو يؤذي الآخرين.

كما تضمنت الخطبة دعوة لغض الأبصار عما لا يحل النظر إليه، وكف الأسماع عما لا يحل الاستماع إليه. ومن ذلك ضرورة الابتعاد عن الغناء الذي قد يسلب البركة من البيوت ويجلب المشاكل، وفق ما تشير إليه بعض الروايات بأن بيت الغناء لا تُؤمن فيه الفجيعة. ويقع على عاتق الوالدين مسؤولية توجيه الأبناء وتربيتهم على تجنب المحرمات السمعية بالكلمة الطيبة والتدريج، ليكون رمضان فرصة حقيقية لترك الآثام.

التحنن على الأيتام وفلسفة العطاء

أكد النبي على قيمة التحنن على أيتام الناس كضمانة إلهية للرحمة بأيتامنا من بعدنا، فالعمار بيد الله، ولا أحد يضمن بقاءه لأهله وأولاده. إن كفالة اليتيم، سواء كانت كلية أو جزئية، تترك أثراً دنيوياً قبل الأجر الأخروي، حيث يسخر الله للأب الذي رحم أيتام غيره من يرحم ذريته ويحنو عليهم. فالله عز وجل كريم، يعطي العبد أكثر مما قدم، ويجازي الإحسان بإحسان أعظم منه.

ساعات استجابة الدعاء وأثر الصلاة

دعا الرسول الأكرم إلى رفع الأيدي بالدعاء، وتحديداً في أوقات الصلوات؛ لأنها أفضل الساعات التي ينظر الله فيها بالرحمة إلى عباده، فيجيب مناجاتهم ويلبي نداءهم. وقد أقسم الله عز وجل بعزته ألا يعذب المصلين والساجدين، وألا يروعهم بالنار يوم القيامة. وهذا القسم الإلهي يمنح المؤمن طمأنينة كبرى بأن ركوعه وسجوده هما حصنه من عذاب الله.

فضل إطعام الصائمين وجبر الخواطر

فتح النبي باباً عظيماً للثواب من خلال الحث على تفطير الصائمين؛ فمن فطر صائماً مؤمناً كان له ثواب عتق رقبة ومغفرة لذنوبه الماضية. وحينما تساءل البعض عن عدم قدرتهم المادية على توفير وجبات متكاملة، أجاب النبي برحمة: "اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء". فالله يهب هذا الأجر العظيم لمن قدم اليسير إذا كان عاجزاً عن الكثير؛ مما يجعل شهر رمضان فرصة ذهبية للجميع لاستثمار الخير بكل وسيلة ممكنة.

حسن الخلق والرفق بالعمال

ربطت الخطبة النبوية بين حسن الخلق والنجاة يوم القيامة، فمن حسن خلقه في هذا الشهر، ملك جوازاً للمرور على الصراط يوم تزل فيه الأقدام. فالابتسامة في وجوه المؤمنين وضبط النفس عند الغضب هما عملان بسيطان في ظاهرهما، لكن أثرهما الأخروي هائل.

كما دعت الوصايا إلى التخفيف عما "ملكت اليمين"، وهو ما يمكن تطبيقه في عصرنا على العمال المنزليين والسائقين. فتقليل ساعات العمل وتخفيف الأعباء عن هؤلاء الضعفاء خلال شهر رمضان هو سبب لتخفيف الله حساب العبد يوم القيامة. فمن أراد حساباً يسيراً وسهلاً، عليه أن يكون رفيقاً بمن يعملون تحت سلطته وإدارته.

مضاعفة الأجور وقيمة التلاوة

تميزت الخطبة بالتأكيد على مضاعفة الثواب في شهر رمضان؛ فمن أدى فيه فرضاً كان كمن أدى سبعين فريضة في غيره من الشهور. ومن أكثر فيه من الصلاة على محمد وآل محمد، ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين. أما تلاوة القرآن، فلها شأن عظيم، إذ إن تلاوة آية واحدة تعادل ختمة كاملة في بقية الشهور، مما يبرز الكرم الإلهي اللامتناهي في هذا الوقت من العام، حيث يمكن لثوانٍ معدودة من القراءة أن تمنح العبد أجر ختمات طوال.

ذروة العبادة: الورع والترك قبل الفعل

في ختام الخطبة، سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب سؤالاً بحثاً عن الأفضل على الإطلاق: "يا رسول الله، ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟". فأجابه النبي: "يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله".

وهنا يضع النبي القاعدة الذهبية، فبقدر عظمة الصلاة والصدقة والتلاوة، يبقى ترك الذنوب والمعاصي هو الأولوية القصوى والأفضل رتبة. فمن استطاع الإقلاع عن ذنب معين والورع عن محارم الله خلال رمضان، فقد حقق أكبر مكسب ممكن، والجمع بين ترك المعصية والالتزام بالمستحبات هو النور الكامل الذي يخرج به المؤمن من هذا الشهر بصفحة بيضاء.

مقتطف من محاضرة لسماحة السيد حسين شبّر، حررها وقررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/21

موائد فاخرة ومسلسلات: ماذا لو كان هذا «آخر شهر رمضان» في حياتك؟!

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. نحن مقبلون على شهر الله عز وجل، شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وهو شهر التغيير والوصول إلى الله سبحانه وتعالى ومرضاته. في هذه الآية المباركة، يخاطب الله المؤمنين موضحاً أن الهدف الجوهري من صيام شهر رمضان هو بلوغ مرتبة التقوى. وهذا هو المعيار الواضح في حياة المؤمن وسلوكه، فنحن لا نصوم لمجرد الامتناع عن الأكل والشرب، بل نصوم لتزهر التقوى في قلوبنا، وهذا هو المقصد الأسمى من هذا الشهر المبارك.

[اشترك]

الغاية الأسمى: صناعة الإنسان المتقي

ونتحدث هنا عن ثلاث محطات سريعة، المحطة الأولى تتعلق بكون هذا الشهر هو مائدة الله وطاعته ورضوانه، كما جاء في خطبة النبي صلى الله عليه وآله. نحن في هذا الشهر ضيوف على الله سبحانه وتعالى. وفي العرف الاجتماعي، حين يُدعى المرء إلى ضيافة شخصية مرموقة ومهيبة، فإنه يهتم بأدق تفاصيله، من هندامه وملابسه ومظهره. فكيف إذا كانت الضيافة عند ملك الملوك؟

إن شهر رمضان الحقيقي يبدأ حين يتأمل المرء في واقعه قبل دخول الشهر، فينظر في حجابه، وصلاته، ومدى التزامه بصلاة الفجر في وقتها، وكفه عن المعاصي وسماع المحرمات.

المحطة الأولى هي اتخاذ قرار جاد بوقف هذه التجاوزات، فهذا هو جوهر الشهر. أما إذا ظل حال المرء في رمضان كحاله في غيره، في أوقات نومه وصلاته وقضائها، وفي استهتاره بالمحرمات، فهذا في الحقيقة ليس صياماً. لابد أن يكون يومك مختلفاً، كما ورد في الرواية الصحيحة عن الإمام الصادق عليه السلام في الكافي: (ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك).

فقه الضيافة والاستعداد النفسي

يجب أن نتفكر في أن هذا الشهر قد يكون الأخير في حياتنا، فربما لا نوفق للصيام في العام المقبل، بل ربما لا نتم صيام هذا العام، فالأعمار بيد الله. لذا، ينبغي أن يكون هذا الشهر هو العلامة الفارقة، فإما خروج من الظلمات إلى النور، وإما بقاء في التيه، وهذا يعتمد على قرار الإنسان وتعامله مع شهر رمضان.

التهيئة النفسية باختصار تعني ألا يتكبر المرء على أوامر الله. المسألة ليست بتلك التعقيد، فإذا أمر الله بصلة الرحم، فعلى المرء أن يضغط على نفسه ويصل أرحامه، وإذا حرم الأغاني، فعليه أن يتركها. إنها مجرد قرارات وإرادة. ولابد من الاستعداد الخاص لليالي القدر، ليلة التاسع عشر، والحادي والعشرين، والثالث والعشرين، والاهتمام بها يبدأ من الآن. ومن المؤسف أن نرى البعض في ليلة الثالث والعشرين يقضون وقتهم في المجمعات والأسواق، بينما هي ليلة ينبغي للمرء أن يحطم فيها قيود نفسه ويقبل على ربه دون فتور. لابد أن نعرف الحقائق كما هي حتى لا نصدم في مآلنا؛ فليست كل المظاهر تعكس الحقيقة، وليست كل القلوب مفعمة بالرحمة.

المحطة الثانية: الألف ركعة!

أنتقل إلى عمل عبادي هام جداً وردت فيه روايات متعددة بأسانيد كثيرة، وهو صلاة الألف ركعة في شهر رمضان، وهي من سنن النبي صلى الله عليه وآله، حيث كان يقسمها على مدار الثلاثين يوماً وفق الترتيب التالي:

من الليلة الأولى وحتى الليلة العشرين: يُصلي المؤمن كل ليلة عشرين ركعة، فيكون المجموع أربعمائة ركعة. والأفضل -كما ورد عن الفقهاء- أن تُصلى ثماني ركعات بعد صلاة المغرب واثنتا عشرة ركعة بعد صلاة العشاء.

من الليلة الحادية والعشرين وحتى الليلة الثلاثين: يُصلي المؤمن ثلاثين ركعة في كل ليلة، ليصبح المجموع ثلاثمائة ركعة. والأفضل أن تُصلى اثنتا عشرة ركعة بعد المغرب وثماني عشرة ركعة بعد العشاء.

ليالي القدر الثلاث (التاسع عشر، والحادي والعشرين، والثالث والعشرين): يُصلي المؤمن في كل ليلة منها مائة ركعة، فيكون المجموع ثلاثمائة ركعة.

وبهذا يكتمل العدد إلى ألف ركعة خلال الشهر. ويمكن للمصلي أن يكتفي بقراءة سورة الفاتحة فقط، كما يجوز أداؤها من جلوس، وتُصلى ركعتين ركعتين كصلاة الصبح. إن هذا العمل يعكس مدى حب المرء لرسول الله صلى الله عليه وآله وحرصه على إحياء سننه. وهناك أعمال أخرى مفصلة في كتاب مفاتيح الجنان، كالغسل في الليلة الأولى والأدعية المأثورة، يمكن الرجوع إليها.

المحطة الثالثة: صوم الحواس ومصيدة المظاهر

المحطة الأخيرة تعود بنا إلى الغاية: {لعلكم تتقون}. كلمة "كُتب" تشير إلى أمر أساسي ومثبت في اللوح المحفوظ. إن الصيام الحقيقي لا يقتصر على البطن، بل لابد أن تصوم الجوارح كلها، كما في رواية الإمام الصادق عليه السلام: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك).

المشكلة تكمن في أن الكثيرين حصروا مفهوم الصيام في الامتناع عن الأكل والشرب، بينما يقضون نهارهم وليلهم في مشاهدة المسلسلات، والانغماس في والولائم والضحك والترفيه. كيف استطاع الشيطان أن يقنع الإنسان المؤمن -الذي يوالي علياً والأئمة عليهم السلام- بأن هذا هو شهر رمضان؟ الأئمة عليهم السلام يؤكدون صيام الحواس والحواس كلها.

مرارة الواقع وجوهر التبعية

لقد أفرغ العالم المعاصر شهر رمضان من محتواه، وهو أمر مؤلم يستحق البكاء، فكيف نقنع أنفسنا بأن هذا هو الإيمان؟ هل هذا هو الدين الذي بذل الحسين عليه السلام دمه من أجله؟ إن تحويل رمضان إلى شهر للمسلسلات والأكلات المبتكرة والعزائم الكبرى هو نتاج تراكمي لابتعاد الناس عن النهج الحقيقي للإمام علي عليه السلام منذ يوم السقيفة.

لنتساءل بقرار جريء: هل أمير المؤمنين عليه السلام هو إمامنا فعلاً في سلوكنا؟ الإمام الذي كان يطهر عيون وسمع وألسن أتباعه من الحرام. الواقع التاريخي مرير، فالحسين عليه السلام لم يجد معه إلا سبعين أو ثمانين رجلاً، وأمير المؤمنين عليه السلام طاف بيوت المدينة ومعه الزهراء والحسن والحسين عليهم السلام يطلب النصرة فلم يجدها. والإمام الحسن عليه السلام تعرض للخيانة من آلاف المقاتلين.

تُروى قصة عن أحد الأئمة -ولعله الإمام الصادق أو الرضا عليهما السلام- حين جاءه رجل يحثه على الثورة بالسيف مدعياً كثرة الشيعة، فأمر الإمام بإيقاد التنور، ثم قال للرجل: "قم فادخل التنور"، فاعتذر الرجل خوفاً. ثم دخل أحد الخواص -وهو هارون المكي- فسلم وأمره الإمام بالدخول فدخل وجلس وسط النار دون تردد. حينها سأل الإمام الرجل: "كم تجد من هؤلاء عندكم؟"، فقال: "والله ولا واحد". فقال الإمام: "نحن أعلم بالوقت". نحن لا نطلب من الناس إلقاء أنفسهم في النار، بل نطلب منهم ترك الأغاني، وتطهير النظر، والتزام النساء بالحشمة وترك الزينة المحرمة. نحن نفشل في هذه الاختبارات البسيطة، فكيف ندعي الجاهزية لما هو أعظم؟

أختم بتكرار الوصية: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك.. ولا يكن يوم صومك كيوم فطرك).

من محاضرة لسماحة السيد موسى العلي، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

 

2026/02/18

شروط نبوية للخروج من الذنوب في شهر رمضان

يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: (يا جابر، هذا شهر رمضان، من صام نهاره، وقام ورداً من ليله، وعف بطنه وفرجه، وكف لسانه، خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر). حين نستعرض هذه الوصايا، نجد أن النبي الكريم لم يعدد أموراً معجزة، فالصيام والقيام -ولو بجزء يسير من النافلة- وأكل الحلال وكف اللسان، تبدو في ظاهرها ممارسات يسيرة ومتيسرة.

[اشترك]

وهذا ما دفع جابر بن عبد الله للتعليق بذهول قائلاً: (يا رسول الله، ما أحسن هذا الحديث!)، إذ وجد في التزامها فرصة ذهبية للتطهر الشامل من الذنوب بنهاية الشهر. بيد أن رد النبي (صلى الله عليه وآله) كان حازماً لتوضيح عمق المسؤولية، حيث قال: (يا جابر، وما أشد هذه الشروط!).

وبالنظر في هذه الشروط باختصار، نجد أن الصيام في المنظور القرآني يهدف أساساً لتحقيق التقوى، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فالصائم الحقيقي هو من يعيش روح الصوم، حيث يمتنع عن الطعام والشراب في خلوته رغم قدرته عليهما وطول أمد الجوع الذي قد يمتد لاثنتي عشرة ساعة، ليكون الصيام مدرسة لتدريب الإرادة والسيطرة على الغرائز، فمن أحيا هذا الجانب خرج من الشهر متقياً، يفر من الذنب ويقبل على الطاعة بعزم جديد.

أما شرط القيام الوارد في قوله (وقام ورداً من ليله)، فيشير إلى تلك الصلاة التي يشتكي الكثيرون من صعوبة الاستيقاظ لها قبل الفجر. إن التخلي عن اللحاف والفراش والناس نيام لتحقيق الخلوة مع الله هو مجمع الخيرات. وفي يوم القيامة، حيث تتجه الخلائق كلها لطلب شفاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) صاحب الوجاهة العظمى، نجد أن القرآن الكريم يربط مقام النبي المحمود بناشئة الليل في قوله تعالى: {عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا}.

 وفي هذا السياق، يذكر السيد الطباطبائي (قدس) أن أستاذه السيد القاضي وضع يده على كتفه يوماً وقال: (يا سيد، إن أردت خير الدنيا فعليك بصلاة الليل، وإن أردت خير الآخرة فعليك بصلاة الليل). فالذي يقيم الليل تتغير روحانيته ويرتقي في مدارج الورع.

[اشترك]

وينتقل الحديث النبوي إلى عفة البطن والفرج وكف اللسان، وهي المداخل الثلاثة لأغلب الذنوب في عصرنا الحالي. فاللسان يحمل آفات السباب والقذف والنميمة والغيبة والافتراء على الله والاستهزاء بالمؤمنين. أما الفرج، فقد أصبح مستهدفاً من قِبل الاستكبار العالمي الذي يسعى لتلويث الفطرة وتدمير إنسانية الإنسان عبر الإثارات الجنسية الممنهجة. وفيما يخص البطن، فإننا نواجه صعوبة بالغة في ضمان الحلال، سواء في مصدر الكسب أو في نوع الطعام نفسه، في ظل وجود منتجات مشبوهة قد تحتوي على محرمات كشحم الخنزير دون الإفصاح عنها.

إن قدرة الإنسان على قصر طعامه على الحلال والسيطرة على نزواته وغرائزه تعني تحطيم مصائد الشيطان، وبذلك لا يبقى للذنب مكان. وترك الذنب في حد ذاته يعد مكفراً لما سبقه، فكلما ارتقى المؤمن درجة روحية، كُفرت عنه ذنوب الدرجة الأدنى، كما يشير بعض العلماء استناداً لقوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}. فلا يمكن للمرء أن يرتقي وهو لا يزال أسيراً لخطايا مرتبة نازلة، فإذا سيطر على لسانه وبطنه وفرجه، تطهرت نفسه وخرج من ذنوبه مع انقضاء الشهر.

نحن الآن على أعتاب الدخول في ضيافة الله، ونطمح أن يكون خروجنا من الشهر مقترناً بالتطهر التام من الآثام، فلا يتحقق العيد الحقيقي إلا لمن غُفر له وأُعتقت رقبته. لذا، يتعين علينا البدء بعزم صادق، وأن ننتهي بعزيمة أقوى مما انطلقنا بها.

من محاضرة لسماحة الشيخ هاني البنّاء، حررها وقررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/18

وصفة من الإمام الرضا (ع).. كيف تبيّض صحيفتك في شهر رمضان؟

تبرز التحضيرات الرضوية لاستقبال شهر رمضان المبارك كمنهج متكامل يتجاوز المظاهر المادية المعتادة، فبينما ينشغل الناس في بيوتهم بتجهيز المطابخ والمجالس، وتزيين الشوارع بالديكورات والزينات الخاصة بهذا الشهر، وهو أمر جيد وممدوح نسبياً، يوجهنا الإمام الرضا (عليه السلام) إلى ضرورة التجهيز النفسي الذي يرتكز على بناء الذات وتطويرها.

ولعل السائل يبحث عن كيفية هذا البناء، ونجد الإجابة في قول الإمام الرضا (صلوات الله عليه) لأبي الصلت الهروي: (وعليك بالإقبال على ما يعنيك)، إذ ينبغي للمؤمن في هذا الشهر أن ينشغل بما يخص إصلاح شأنه الخاص، بعيداً عن شؤون الآخرين التي لا تنفعه.

[اشترك]

وهنا تبرز مشكلة "هدم الذات"، حيث نجد أشخاصاً يشتكون من تغير أحوالهم الروحية؛ فيتذكر أحدهم كيف كان في مقتبل عمره، حين كان في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، يجد نفسه منساقاً بتلقائية نحو المساجد والمآتم، نافراً من الكذب ومترفعاً عن الكلمات النابية.

ظاهرة هدم الذات وتحولات العمر

يتساءل المرء: لماذا حين تقدم بي العمر وبلغت العشرين أو الخامسة والعشرين، ثقلت قدماي عن صلاة الجماعة وقل إقبالي على الموكب؟ ويستذكر المتحدث مراسم "التسخين" التي كانت تقام في المواكب قديماً قبل الانطلاق، حيث كان الأطفال يشاركون بعشق فطري، يضربون صدورهم بحماس منذ اللطمة الأولى، بينما نجد الكبار يتهيؤون ببطء. إن سبب هذا التراجع هو ما يسمى "هدم الذات"، فبعد أن بنى الإنسان لبناته الأولى في صغره، عاد وهدمها بكبره حين استسهل المعصية التي كان يراها حراماً ومنكراً في صغره.

إن هذا الهدم ينتج عن إهمال بناء النفس والتركيز الحصري على عيوب الآخرين بدلاً من النظر في العيوب الشخصية والنواقص الروحية. فمن المؤسف أن نجد من بلغ الخمسين من عمره ولم يختم القرآن الكريم ولو لمرة واحدة، ولم يسبق له أن قام لصلاة الليل، بينما يقضي أربعاً وعشرين ساعة في تتبع أخبار الناس وفضائحهم وما فعله فلان أو تركه علان، مهتماً بشؤون الغير على حساب نفسه.

إجازة روحية من فضول الأخبار

يدعونا الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا الشهر العظيم لأخذ إجازة من التدخل في شؤون الآخرين؛ فبعد أحد عشر شهراً من الانشغال بالناس، حان الوقت للاهتمام بالنفس فقط، عملاً بقول النبي (صلى الله عليه وآله): (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، ليكون الهدف هو الوقوف بين يدي الله بصفحة بيضاء.

[اشترك]

وهنا تبرز مشكلة أخرى تتطلب دقة في الملاحظة، وهي اندفاع البعض لخدمة الآخرين عبر الأعمال التطوعية في المآتم والمساجد، مع إغفال الحقوق الشخصية والواجبات المنزلية. فقبل التوجه لخدمة المجتمع، يجب على المرء أن يتساءل: هل أديت ما علي من قضاء صلوات فائتة؟ وهل صمت ما فاتني من أيام شهر رمضان؟ وهل تفقدت احتياجات بيتي وأهلي؟ إن إداء ما على المرء تجاه ربه ونفسه يسبق أداءه لما للآخرين.

الخدمة الاجتماعية كرصيد شخصي للنجاة

حين نطرح تساؤلاً جوهرياً: هل نقدم الخير للآخرين أم لأنفسنا؟ نجد أن الحقيقة هي أننا نبني رصيداً خاصاً بنا عند الله. فعندما تساعد فقيراً أو تتوجه للحسينية لتجهيزها وتعليق "السواد" إيذاناً ببدء شهر محرم، فأنت في الحقيقة تسعى لنجاة نفسك أولاً، مستلهماً ذلك من دعاء أمير المؤمنين (عليه السلام): (قوِّ على خدمتك جوارحي)؛ فالمؤمن هو المستفيد الأول من خدمته للناس ليبني له ركيزة يلقى بها ربه يوم القيامة.

أما الانشغال بخدمة الغرباء مع التقصير في حق الله، أو في حق الزوجة والأولاد والأرحام، فهو أمر لا يغني عن المرء شيئاً في الآخرة. وينبغي معاملة الأقربين -في أدنى مستويات التعامل- كالغرباء الذين نسارع لمساعدتهم، فلا يصح إهمالهم بحجة الانشغال بالعمل العام. ويؤكد أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا المبدأ بقوله: (لا تعرض لما لا يعنيك بترك ما يعنيك)؛ فحق الأهل والأولاد وحق الله في العبادة هو ما "يعنينا" بالدرجة الأولى.

ترتيب الأولويات

من الصور المؤلمة أن نجد شخصاً مرابطاً في المأتم لتجهيزه، بينما هو مضيع لفرائض صلاة الفجر أو الظهر، فبأي حجة سيقابل الله غداً؟ هل سيعتذر بتعليق "السواد" في الحسينية؟ إن الحسينية لا تعطل الفرائض، ويمكن لغير المقصر أن يقوم بهذه المهمة. إن المنهج الرضوي القويم يعلمنا ترتيب الأولويات وفق الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}؛ فالبداية تكون بإصلاح العلاقة بينك وبين الله، ثم إصلاح شأن أهلك وعيالك، ثم الانتقال لخدمة الآخرين.

من محاضرة لسماحة الشيخ ياسين الجمري، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

2026/02/17

تُخمة وانتفاخ القولون.. كيف تتجنّب المشاكل الصحية في شهر رمضان؟

كثيراً ما تتحول لحظة ارتفاع أذان صلاة المغرب من فرحة بانتهاء يوم صيام شاق، إلى بداية لمعركة شرسة تدور رحاها داخل أمعاء الصائم، فالمعدة التي ركنت إلى السكون لساعات طويلة، تجد نفسها فجأة أمام طوفان من الطعام والشراب، مما يعرض الجهاز الهضمي لصدمة مفاجئة تتجلى في نوبات من الحرقة وعسر الهضم، تسرق من الصائم روحانية الشهر وتستبدل النشاط بالخمول والمعاناة.

وفي تشخيص دقيق لهذه الحالة، تضع الدكتورة فاطمة النصار، أخصائية أمراض الجهاز الهضمي، يدها على حقيقة مهمة في هذا الشهر، مؤكدة أن "الهجوم المباغت" على الطعام، والإسراف في التهام الوجبات المشبعة بالدهون والتوابل الحارة فور الآذان، هو المتهم الأول في إشعال فتيل الاضطرابات الصحية، والتي تتصدر قائمتها حرقة المعدة المؤلمة، وارتجاع المريء المزعج، وصولاً إلى حالة عسر الهضم التي تكبل الصائم.

[اشترك]

وللخروج من هذا المأزق، ورسم مسار آمن لمائدة رمضانية صحية، تقدم الأخصائية "بروتوكولاً" وقائياً صارماً يضمن سلامة الجهاز الهضمي. تبدأ هذه الاستراتيجية بتهيئة المعدة برفق عبر رشفات من السوائل الدافئة، كطبق شوربة يمهد الطريق لاستقبال الطعام، مع ضرورة اعتماد سياسة التدرج في الأكل لتجنيب المعدة صدمة الامتلاء المفاجئ.

وتشمل الخارطة الصحية إعادة النظر في نوعية "الوقود" الذي يدخل أجسامنا؛ فاللحوم البيضاء كالدواجن والأسماك يجب أن تتسيد المائدة كبديل خفيف عن اللحوم الحمراء الثقيلة، بالتوازي مع تعزيز الحضور النباتي عبر الخضراوات والسلطات الغنية بالألياف والبروتين، والابتعاد قدر الإمكان عن قنابل السعرات الحرارية والحلويات الدسمة التي يفضل تأجيلها أو تجنبها فور الإفطار.

ولا تكتمل هذه المنظومة إلا بإدارة ذكية للسوائل والحركة، إذ يُنصح بشرب ما لا يقل عن لترين من الماء موزعة بذكاء على فترات متقطعة بين الإفطار والسحور، واعتماد وجبات خفيفة صغيرة تملأ الفراغ الزمني بدلاً من الوجبات الكبيرة، مع تخصيص وقت لممارسة تمارين رياضية منزلية خفيفة بعد مرور ساعة أو ساعتين من وجبة الإفطار لتحفيز الحرق.

وفي حال الالتزام بهذا النهج المنضبط، يتحول الصيام من عبء جسدي إلى عملية ترميم شاملة للجهاز الهضمي، حيث تشير الدراسات إلى أن الصيام الصحي كفيل بكنس المشاكل المزمنة، فتختفي الغازات المزعجة، وتهدأ ثورة القولون العصبي، وتستعيد الأمعاء توازن حركتها، مما يخلص الجسم من ثنائية الإسهال والإمساك، ويمنح الصائم جسداً خفيفاً وروحاً صافية.

2026/02/15

هل ستشاهد الدراما الرمضانية؟ احذر عقلك يسجل الكوارث دون علمك!

يوجد في داخل كل إنسان عدو مجهول من جهة، وجندي مجهول من جهة أخرى؛ ففي داخل كل واحد الآن عدو خفي يحاربه ويقارعه، ونحن لا نقصد هنا الشيطان أو إبليس، فذاك له بحث آخر، بل نتحدث عن عدو آخر. كما يوجد جندي داخلي يصارع ويقاتل لأجلك، وهو غير الملائكة التي توحي للإنسان بالخير.

ثنائية العقل: الوعي الظاهر والوعي الباطن

لقد ثبت علمياً أن المخ ليس كتلة واحدة تعمل بانسجام تام دائماً، بل هما في الحقيقة "مخان متدافعان". ولا نقصد هنا التقسيم التشريحي المعروف (المخ، المخيخ، جذع الدماغ) أو الفصوص الأربعة (الجبهي، القذالي، الجداري، الصدغي) التي تتحكم في العمليات الإدراكية؛ بل المقصود -حسب علماء الطب النفسي- وجود مستويين من العمل:

  1. المخ الأول: وهو الذي يتحكم في عمليات الوعي الظاهر.
  2. المخ الثاني (الوعي الباطن): أو ما يسمى بمنطقة "اللاوعي".

[اشترك]

كثيراً ما يصدر المخ قرارات معينة، لكن الوعي الباطن يصدر قرارات مضادة. قد تكون هذه القرارات المضادة في طريق الخير، فيكون هذا هو "الجندي الصالح"، وقد تكون في طريق الشر، فيكون هذا هو "الجندي الطالح" أو العدو المجهول الكامن في النفس.

طبيعة الوعي الباطن: الأرشيف الذي لا ينسى

يمكن تعريف منطقة الوعي الباطن بأنها أرشيف ذهني وخزان ضخم يستوعب الملايين من الصور والمعلومات التي يظن الإنسان أنه نسيها. إن المعلومات التي نتلقاها عبر الوعي الظاهر (كالدراسة مثلاً) تتبخر بنسبة كبيرة (تصل إلى 70-90%) بعد فترة وجيزة، وتترسب في منطقة "اللاوعي".

إن اللاوعي لا يمحو شيئاً؛ فمجرد نظرة واحدة لورقة ما تجعل العين تصورها بالكامل وتخزنها في هذا الأرشيف، حتى لو لم يدرك الوعي الظاهر تفاصيلها. ولو قُدّر للإنسان الوصول إلى منطقة اللاوعي، لتدفقت عليه عشرات الألوف من المعلومات المخزنة كالحاسوب.

تأثير اللاوعي على المشاعر والسلوك

يتحكم اللاوعي في مشاعر الإنسان بشكل كبير. على سبيل المثال، قد يرفض العقل الظاهر الخوف من المقابر أو الأموات لأنهم لا يشكلون خطراً مادياً، لكن اللاوعي يرفض ذلك المنطق ويحتفظ بخوف دفين يمنع الإنسان من البقاء مع ميت ليلاً. هذا التأثير يظهر من خلال "كواشف" ذكرها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: "ما أضمر امرؤ شيئاً إلا وظهر في صفحات وجهه وفلتات لسانه"، ومن كواشفه أيضاً: أحلام اليقظة، وحديث النفس، والأحلام التي تعبر عن المخزون العميق للنفس.

خطورة المخزون الباطني: من النطفة إلى الاحتضار

إن اللاوعي يتدخل في أدق تفاصيل الحياة ومصير الإنسان. فالصور التي يراها الإنسان -حتى لو تاب عنها توبة ظاهرية- تبقى في الأرشيف الذهني. فمن ينظر إلى الحرام (عبر وسائل التواصل أو غيرها)، تتشكل لديه صور تؤثر سلباً حتى على النطفة عند الزواج، والعكس صحيح لمن يملأ نظره بالمشاهد الإيمانية والعبادية.

والأخطر من ذلك هو تأثير هذا المخزون في لحظات الاحتضار، حيث يكون الإنسان في أضعف حالاته والشيطان في أقصى درجات التربص لاغتنام الفرصة الأخيرة. في تلك اللحظات المصيرية، يقفز أرشيف الصور والذكريات (الصالحة أو الطالحة) ليؤثر في خاتمة الإنسان؛ فقد ترجح صورة واحدة كفة الميزان سلباً أو إيجاباً.

مفهوم "الشاكلة" وعلاقتها بالوعي الباطن

في تفسير قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ}، هناك تفسيران:

  1. التفسير القديم: الشاكلة تعني "النية"، فالنية هي المحرك للأفعال خيراً وشراً.
  2. التفسير الحديث: الشاكلة تعني "الوعي الباطن" أو المخزون الذهني. فالإنسان يعمل وفقاً لما اختزنه في عقله الباطن. من سمع كثيراً عن بر الوالدين، يندفع نحوه تلقائياً، ومن امتلأ عقله بغير ذلك، تصرف ببرود تجاههما.

فالشاكلة بهذا المعنى هي الكوابح والقيود الداخلية التي توجه سلوك الفرد، وهي الشخصية التي تبلورت عبر الزمن.

آلية برمجة اللاوعي: التكرار والمخالطة

يتعلم اللاوعي ويتشكل من خلال "التكرار" لا المنطق. لذا يعتمد المضللون على تكرار الأكاذيب حتى يصدقها الناس وتستقر في وعيهم الباطن. ومن هنا جاء النهي القرآني عن مجالسة أهل الباطل أو الفسوق، لأن مخالطتهم تؤدي إلى انطباع سلوكياتهم وصورهم في "اللاوعي" دون أن يشعر الإنسان، مما يكسر قبح المعصية لديه تدريجياً.

شهر رمضان: إعادة برمجة شاملة للوعي

تتجلى الحكمة الإلهية في شهر رمضان المبارك في أنه يتعامل مع كلتا المنطقتين: الوعي الظاهر والوعي الباطن. إذا تعارض "المخان" (الظاهر والباطن) تعثر مسير الإنسان نحو الجنة، كمن يدفع سيارة من جهة ويسحبها آخر من الجهة المعاكسة.

يأتي شهر رمضان ليوحد اتجاه هذين الوعيين من خلال:

  1. العبادات (الوعي الظاهر): قراءة القرآن، الأدعية، الصيام، ومجالس الذكر التي تخاطب العقل والقلب.
  2. الأجواء والمظاهر (الوعي الباطن): تغيير نمط الحياة بالكامل (السحور، الإفطار، الروائح والعطور، اجتماع العائلة، العادات الاجتماعية المحببة كـ"الماجينة" أو "القرقيعان"، الفوانيس). هذه المظاهر تخلق نكهة خاصة وتدخل في عمق اللاوعي منذ الطفولة، ليكون الوعي الباطن مسانداً للوعي الظاهر في التوجه نحو الله.

لذا، يجب الحذر من البرامج والمسلسلات الهابطة التي تحاول تخريب هذه البرمجة الإيمانية وتشتيت الوعي الباطن في هذا الشهر الفضيل.

من محاضرة للسيد مرتضى الشيرازي، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: الشيخ حسين الخشيمي

2026/02/13

هل حديث «لولا الحُجة لساخت الأرض بأهلها» حديث صحيح؟

أولاً: هذا الحديث الشريف رُوِيَ في مصادرنا بعدة أسانيد وعدة متون، وهو حديث ثابت متواتر عن أهل البيت (ع)، على أن كثيراً من أسانيده معتبرة بذاتها.

ويُرْوَى من طُرق عن ..

١- الله (تعالى).

٢- رسول الله (ص).

٣- أمير المؤمنين (ع).

٤- الإمام الحسين (ع).

٥- الإمام الباقر (ع).

٦- الإمام الصادق (ع).

٧- الإمام الكاظم (ع).

٨- الإمام الرضا (ع).

٩- الإمام العسكري (ع).

١٠- الإمام المهدي (ع).

[اشترك]

وممن رواه:

  • الشيخ الصفار في بصائر الدرجات: ج٢ ص٨٦٩ ب١٢ أن الأرض لا تبقى بغير إمام (ع) ولو بقيت لساخت، وأخرج فيه ٨ أحاديث.
  • الشيخ ابن بابويه في الإمامة والتبصرة: ص٢٥ ب أن الأرض لا تخلو من حُجة، أخرج فيه ١٥ حديثاً.
  • الشيخ الكليني في الكافي: ج١ ص٤٣٣ ب٥ أن الأرض لا تخلو من حُجة، أخرج فيه ١٣ حديثاً.
  • الشيخ النعماني في الغيبة: ص١٣٦ ب٨ ما رُوِيَ في أن الله لا يُخلي أرضه بغير حُجة، أخرج فيه ١١ حديثاً.
  • الشيخ الصدوق في علل الشرائع: ج١ ص٢٦١ ب١٥٣ العلة التي من أجلها لا تخلو الأرض من حُجة لله (عز وجل) على خلقه، أخرج فيه ٣٢ حديثاً.
  • الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا (ع): ج١ ص٤٠٥ ب٢٨، أخرج بهذا المعنى ٤ أحاديث.
  • الشيخ الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة: ج١ ص٢٩٧ ب٢١ العلة التي من أجلها يُحتاج إلى الإمام (ع)، أخرج فيه ٢٣ حديثاً.
  • الشيخ الطبري في دلائل الإمامة: ص٤٣٣ ب معرفة أن الله لا يُخلي الأرض من حُجة، أخرج فيه ١٦ حديثاً.

وقد جمع مصادره وأسناده ومتونه العلاَّمة المجلسي في البحار: ج٢٣ ص١-٥٦ ب١ الاضطرار إلى الحُجة وأن الأرض لا تخلو من حُجة، ورَوَى فيه ١١٨ حديثاً.

ثانياً: هذا الحديث الشريف رُوِيَ بعدة ألفاظ، يمكن فرزها إلى فئات متنوعة، تشترك في حقيقة واحدة .. منها

[أ] ما دلَّ على أن عالم التكوين لا ينتظم إلا بالحُجة.

[ب] ما دلَّ على أن عالم التشريع لا ينتظم إلا بالحُجة.

[ج] ما دلَّ على أن عالم الإنسان لا ينتظم إلا بالحُجة.

ويمكن أن نشير إلى شيء من التعليلات الواردة في بعض ألفاظ هذا الحديث، والدالة على وجوب وجود الحُجة في الأرض، وعدم جواز خلوِّها منه .. مثلاً:

١- لبقاء نظام العالم على صلاحه.

٢- لتصلح به الأرض.

٣- ليأمن به العباد من سخط الله وعقابه.

٤- ليُعرف به الله فيُطاع ولا يُعصى.

٥- ليحتجَّ الله به قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق.

٦- لئلاَّ يحتجَّ أحدٌ على الله بعده.

٧- لئلاَّ تبطل حُجج الله وبيِّناته.

٨- ليهدي به الله السعداء ويحتجَّ به على الأشقياء.

٩- ليقيم الله به العدل في الأرض.

١٠- ليدعو الناس إلى سبيل الله.

١١- ليُفزع إليه في معرفة الحلال والحرام.

١٢- لئلاَّ تلتبس على المؤمنين أمورهم.

١٣- ليأمن به المؤمنون من الزيادة والنقصان في الدِّين.

١٤- ليمتاز به الحق عن الباطل.

١٥- ليصلح به أمر الناس.

وهذا الحديث الشريف يُثبت أن للإمام (ع) أدواراً وجودية وتشريعية جمَّة، وما منصِب الحكومة والخلافة الظاهرية بالنسبة إليها إلا كقطرة في محيط، فمن الخطأ الواضح أن يُختزل شأن الإمامة في الموقع الإداري والقيادة السياسية

ثالثاً: لنتبرَّك بسرد نصٍّ صحيح صريح لهذا الحديث، رواه: الصفار في البصائر: ج٢ ب١٢ ص٨٧١ ح١٧٢٢-٨، والصدوق في العلل: ج١ ب١٥٣ ص٢٦٦ ح٢١، وفي العيون: ج١ ب٢٨ ص٤٠٦ ح٢١٦-٤، وفي الكمال: ج١ ب٢١ ص٣٠١ ح٦٢-١٥ ..

بالإسناد، عن سليمان الجعفري، قال: «سألتُ أبا الحسن الرضا (ع) فقلتُ: أتخلو الأرض من حُجة [الله]؟ فقال: لو خلت الأرض ـ طرفة عين ـ من حُجة، لساخت بأهلها!».

2026/01/31

صيف لاهب.. نصائح ذهبية لـ «مشّاية الأربعين»: قبّة الحسين بانتظاركم

تلفح الشمس وجوه الملايين المتدفقين على دروب كربلاء... خطوات متعبة لكنها راسخة، وأقدام مثقلة بالألم لكنها تواصل المسير. هكذا يبدو مشهد زيارة الأربعين، أعظم تجمع بشري سنوي في العالم، حيث يقطع الزائرون مئات الكيلومترات سيراً على الأقدام وسط حرارة قد تلامس الخمسين درجة مئوية وأحياناً تتجاوزها.

[اشترك]

بين هتاف "لبيك يا حسين" ودمعة الوصول إلى الضريح، رحلة تكتنفها التحديات وتحفها المخاطر لمن لم يستعد لها جيداً.

نقدّم إليكم في هذا المقال دليلاً شاملاً يساعدكم على إتمام هذه الرحلة بأمان.

قبل أن تنطلق خطواتك الأولى

لا تغادر منزلك قبل فحص طبي.. هذه النصيحة الذهبية خاصة لأصحاب الأمراض المزمنة. لا تستهن بها مهما كانت ثقتك بقدرتك على التحمل. اطلب من طبيبك خطة دوائية مناسبة لظروف المشي الطويل والحرارة المرتفعة.

حقيبتك يجب أن تكون خفيفة كروحك المتجهة للزيارة. اختر حقيبة ظهر صغيرة واحزم فيها الضروريات فقط:

- ملابس قطنية فاتحة اللون، فضفاضة تسمح للهواء بالتخلل

- حذاء قديم مريح قد اعتادت قدماك عليه (الحذاء الجديد عدو اللحظات الأولى في الطريق)

- قبعة عريضة أو كوفية تقيك لهيب الشمس

- كمامات، مطهر يدين، وكريم واقٍ من الشمس (بعامل حماية لا يقل عن 50)

- مسكنات ألم بسيطة، أقراص تعقيم الماء، وأكياس لمعالجة الجفاف

لا تنسَ وثائقك الشخصية، واحتفظ بصورة منها في مكان منفصل. اكتب على ورقة صغيرة حالتك الصحية وأدويتك الضرورية والحساسية إن وجدت، وأبقها في جيبك الداخلي.

في قلب الطريق: ماء.. ثم ماء.. ثم ماء!

يقول أحد كبار السن ممن يسير هذه الطريق منذ عقود: "الماء رفيقك الأول والأخير". اشرب ببطء وبانتظام، حتى قبل أن يصرخ جسدك عطشاً. احمل معك قنينة ماء صغيرة وأعد ملأها من المواكب الحسينية المنتشرة على طول الطريق.

تجنب المشروبات المثلجة جداً والسكرية المركزة، واستبدلها بالعصائر الطبيعية المخففة. مشروب الليمون بالملح قد يكون منقذاً حقيقياً في لحظات الإرهاق.

اتخذوا من الليل جملاً!

[اشترك]

اجعل الليل صديقك في المسير. ابدأ رحلتك مع بزوغ الفجر، واسترح وقت الظهيرة في المواكب أو المضايف. عاود المسير عصراً أو بعد غروب الشمس.

ضع لنفسك هدفاً يومياً معقولاً - ربما 15 إلى 20 كيلومتراً - وافرح بإنجازه دون أن تقارن نفسك بالآخرين. الزيارة ليست سباقاً، بل رحلة يمتزج فيها التعب بالعبادة.

ساعة مشي وربع ساعة راحة

هذه المعادلة البسيطة قد تحميك من الإجهاد التراكمي. خلال استراحتك، ارفع قدميك قليلاً واستلقِ إن أمكن. افحص قدميك بحثاً عن تقرحات ناشئة وعالجها فوراً بالمراهم المناسبة.

لا تتردد في زيارة الخيام والمفارز الطبية المنتشرة على الطريق عند الشعور بأي أعراض غير طبيعية كالدوار أو الغثيان أو الصداع الشديد.

الغذاء... كيف تأكل في الطريق؟

من نعم هذه الزيارة الخاصة أن الطعام متوفر على مدار الساعة في المواكب الحسينية المتناثرة كالنجوم على طول الطريق. لكن الحذر واجب:

- تناول وجبات صغيرة ومتعددة، فالمعدة الممتلئة تستهلك طاقة هائلة للهضم

- احرص على الفواكه الطازجة والخضروات المغسولة جيداً

- تجنب اللحوم مجهولة المصدر والأطعمة المكشوفة لفترات طويلة

- استعن بالزبادي والألبان لتهدئة المعدة وتعويض الكالسيوم المفقود بالتعرق

الأمان أولاً... وأخيراً

- لا تمشِ وحيداً خاصة في الليل، والتزم بمجموعة ولو صغيرة

- أخبر عائلتك بموقعك كل بضع ساعات

- ضع ثقتك في القوات الأمنية المنتشرة على الطريق، واتبع تعليماتهم

- احفظ نقاط بارزة على الطريق للاستدلال، واحتفظ بأرقام الطوارئ:

  - الدفاع المدني: 115

  - الإسعاف: 122

[اشترك]

متى تتوقف؟

جسدك رسول أمين، فاستمع إليه. توقف فوراً وابحث عن مساعدة طبية إذا شعرت بـ:

- دوار شديد أو صداع لا يستجيب للمسكنات

- تشنجات عضلية متكررة أو آلام صدرية

- ارتفاع درجة حرارة الجسم مع جفاف الجلد

- تسارع شديد في نبضات القلب مع ضيق في التنفس

يقول أحد المسعفين المتطوعين في الطريق: "كل عام ننقذ عشرات الزائرين من ضربات الشمس لأنهم تجاهلوا إشارات أجسادهم المبكرة".

موعد مع القبّة!

يروي أحد الزائرين الذي قطع الطريق عشر مرات: "حين تلوح قبة الإمام الحسين، تنسى كل التعب، وتنهمر الدموع وحدها... تلك اللحظة تستحق كل خطوة مؤلمة على الطريق".

الوصول إلى كربلاء ليس نهاية الرحلة بل بدايتها الحقيقية. خذ وقتك في الزيارة، تأمل في دروسها، واستعد للعودة بروح متجددة.

قال الإمام الصادق (ع): "من زار الحسين عارفاً بحقه غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". هذه المعرفة هي جوهر الزيارة، أما الطريق فهو مجرد جسر للوصول إليها.

فلتكن زيارتك آمنة، وخطواتك ثابتة، ودعواتك مستجابة في رحاب سيد الشهداء.

2025/08/07

المبادئ التربوية في مشاية الأربعين وانعاكسها على الأسرة

مسيرة الأربعين واحدة من أكبر التجمّعات الدينية في العالم، حيث يحتشد الملايين من المؤمنين من مختلف البلدان والثقافات للسير نحو كربلاء إحياءً لذكرى أربعين الإمام الحسين عليه السلام، هذه المسيرة ليست مجرد طقس ديني شعائري فحسب، بل هي مدرسة تربوية متكاملة تترسّخ من خلالها مجموعة من القيم والمبادئ الأخلاقية والروحية والاجتماعية، والتي تترك آثاراً عميقة في سلوك الأفراد، وتنعكس بصورة مباشرة على الأسرة والمجتمع، وهذا ما أكّد عليه الأئمة المعصومين عليهم السلام، فقد روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام: « علامات المؤمن خمس: صلاة إحدى وخمسين، وزيارة الأربعين، والتختم باليمين، وتعفير الجبين، والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم »(1)، فالعمل الذي يعدّ من علامات المؤمن يجب أن يتوفر فيه الأصول الأخلاقية والدينية والعقائدية.

[اشترك]

إنّ مشاية الأربعين توفّر بيئة عملية لتجسيد مفاهيم مثل الصبر، الإيثار، التضحية، التعاون، التواضع، وحسن المعاملة، إذ يُشاهد الزائرون صوراً حية من كرم الضيافة، الخدمة المجانية، وروح الأخوة بين المشاركين، ما يسهم في تعزيز السلوك الإيجابي وترسيخ القيم التربوية لدى الأفراد من مختلف الأعمار، وبما أنّ الأسرة تُعتبر النواة الأولى في تشكيل شخصية الإنسان، فإنّ ما يكتسبه أفرادها من هذه التجربة الروحية والاجتماعية ينعكس بشكل مباشر على تماسكها، أساليب تربيتها، ومستوى الوعي القيمي فيها.

الحجاب والعفاف في شعيرة الأربعين

أبرز المظاهر التي تلفت الأنظار في هذه المسيرة العظيمة، هو التزام النساء بالحجاب والعفاف، ليس فقط كفريضة دينية، بل كتعبير عملي عن الولاء لنهج الإمام الحسين عليه السلام الذي ضحّى بنفسه وأهل بيته من أجل حفظ القيم الإلهية وفي مقدمتها صون الكرامة الإنسانية وحفظ الطهارة الأخلاقية، فقد قال الإمام الحسين عليه السلام لأخيه محمد بن الحنفية في وصيته إليه حين خروجه من المدينة: «هذا ما أوصى به الحسين بن علي الى أخيه محمد بن الحنفية، إن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وان محمدا عبده ورسوله ... واني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما، وانما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله وسلم أريد أن آمر بالمعروف وانهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق، فالله اولى بالحق، ومن رد علي اصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين » (2).

لا يقتصر العفاف على الحجاب فحسب، بل يشمل السلوك والتعامل وطريقة الحديث والنظر والتصرف، ويُلاحظ في مشاية الأربعين حالة من الانضباط الأخلاقي العالي، حيث يُراعى الفصل بين الجنسين، وتحكم العلاقات بآداب الشريعة الإسلامية، هذا العفاف الجماعي يخلق جوًا من الطمأنينة، ويسهم في تهذيب النفس، ويقدّم نموذجًا عمليًا للمرأة المسلمة في كيفية الجمع بين النشاط الاجتماعي والالتزام الديني، وبهذا يمكننا أن نقول إنّ المشاركة النسوية المؤمنة والمحجّبة في مشاية الأربعين تترك أثرًا تربويًا كبيرًا، لا سيما على الأبناء والجيل الناشئ، إذ يتعلم الأطفال من أمهاتهم كيف يكون الحجاب زينًا وكرامة، ويكتسبون مفاهيم الطهر والعفة من البيئة المحيطة بهم. وبالتالي تتحول الأسرة إلى نواة أخلاقية تعكس القيم التي تُجسّد في هذه المناسبة.

الحوار بين أبناء الأمة الإسلامية

في مشاية الأربعين في كلّ سنة نرى الكثير من أبناء باقي المذاهب الإسلامية بل وباقي الأديان يمشون مع الشيعة في هذه المسيرة العظيمة، وعلى الرغم من اختلاف الانتماءات المذهبية والثقافية، فإنّ هذه المسيرة تحوّلت إلى منصة واقعية للحوار الإسلامي حيث تُذوب الخلافات، وتُبنى الجسور بين المذاهب، وتتقارب القلوب تحت راية (الحسين يوحّدنا).

يلتقي الزوار في طريق كربلاء من دول شتى: العراق، إيران، لبنان، البحرين، باكستان، الهند، أفغانستان، سوريا، اليمن، وبلدان الخليج، إضافةً إلى الزوار من الدول الأوروبية والأمريكية، هذا التنوع يخلق فضاءً تلقائيًا للتواصل، حيث يتحدث الناس مع بعضهم، ويتبادلون الطعام، ويبيتون في أماكن واحدة، ويتعاونون في الخدمة، هذا التفاعل العملي يُعدّ من أصدق أشكال الحوار غير الرسمي الذي يزيل الحواجز النفسية، ويقرّب بين الشعوب والمذاهب.

الخدمة المجانية التي يقدّمها الشعب العراقي، لا سيما في مواكب الضيافة، تُعدّ بحد ذاتها رسالة حوار، إذ لا يُسأل الزائر عن مذهبه أو قوميته أو لغته، بل يُقدَّم له الطعام والمأوى بكل حب واحترام، هذا السلوك العملي يُكرّس مبدأ الاحترام المتبادل والكرامة الإنسانية، وهو ما يحتاجه عالمنا الإسلامي بشدة في ظلّ التحديات الطائفية التي تعصف به.

الآثار التربوية لمسيرة الأربعين

لا شك أنّ تربية الجيل الجديد على خط الحسين عليه السلام، لا تكون من خلال التوجيه النظري فقط، بل تتجسد فعليًا عبر المشاركة الواعية في مناسبات كبرى مثل الأربعين، حيث يندمج الطفل أو المراهق في مجتمع يسوده الإيمان، التضحية، الصبر، الخدمة، والوعي الجماعي.

التأثيرات العقائدية

يتعرّف الطفل أو المراهق من خلال المشاركة في مشاية الأربعين عمليًا على مفاهيم أساسية في العقيدة الإسلامية مثل الولاية لأهل البيت عليهم السلام والبرائة من أعدائهم والمعنى الحقيقي للتضحية والشهادة وأهمية الوقوف مع الحق والحقيقية مهما كانت التضحيات والتحديات.

هذه المفاهيم لا تُلقّن بشكل جامد، بل تُكتسب من خلال التجربة الحسية والبيئة العامة، مما يجعلها أكثر ثباتًا في الوجدان، فالطفل الذي يسير مع والديه في أجواء مفعمة بذكر الحسين عليه السلام إنما يُغرس في قلبه حبّ الإمام عليه السلام.

التأثيرات الأخلاقية

مسيرة الأربعين توفّر بيئة أخلاقية نموذجية، حيث يرى الطفل الناس يساعدون بعضهم بلا مقابل وخدمة الزوّار تُقدَّم بروح الكرم والعطاء وكبار السن يُحترمون، والصغار يُدلَّلون والكلمة الطيبة تُتداول، والابتسامة لا تفارق الوجوه، فكلّ هذه المشاهد العظيمة والجميلة تساهم في تربية الأطفال والمراهقين على الإيثار والكرم والإحترام والتواضع والتعامل الحسن مع الآخرين والصدق في العمل والقول، فالمسيرة تتحوّل إلى مختبر أخلاقي حيّ، يغرس في الجيل الجديد سلوكيات نبيلة يصعب أحيانًا تعليمها في المدارس أو المنازل.

التأثيرات الشخصية

المشي في الطريق الطويل إلى كربلاء يعلّم الطفل والمراهق الصبر على التعب والمشقة والانضباط في الوقت والمسير والاعتماد على الذات في بعض المواقف خصوصا المواقف الحرجة والصعبة والاستعداد للمشاركة وتحمل الأعباء.

هذه العوامل تُسهم في بناء شخصية قوية، قادرة على مواجهة الصعوبات، والتفاعل بإيجابية مع التحديات، كما يُلاحظ في بعض الأطفال سلوكًا ناضجًا أثناء المسيرة، مثل حمل الحقائب أو تقديم المساعدة للآخرين، وهو ما يدلّ على تحول داخلي في نضج الشخصية.

وأيضا يمكنهم أن يتعلموا من المواعض التي كانت في واقعة الطف، مثل كلام الحرّ بن يزيد الرياحي، فقد روى الشيخ المفيد: «قالَ له المهاجرُ: إِنّ أمْرَكَ لَمُريبٌ، واللهِّ ما رأيتُ منكَ في موقفٍ قطُّ مثلَ هذا، ولو قيلَ لي: مَنْ أشجعُ أَهلِ الكوفِة ما عَدَوْتُكَ، فما هذا الّذي أرى منكَ؟! فقالَ له الحرُّ: إِنِّي واللّه أُخيِّرُ نفسي بينَ الجنَّةِ والنّارِ، فواللّهِ لا أختارُ على الجنّةِ شيئاً ولو قُطًّعْتُ وحُرِّقْت، ثمّ ضربَ فرسَه فلحِقَ بالحسينِ عليه السلام » (3).

  

التأثيرات الاجتماعية

الأطفال والناشئة يختبرون في الأربعين نوعًا فريدًا من الاندماج الاجتماعي كالتفاعل مع ثقافات ولغات متعددة والشعور بالأمان والانتماء داخل جماعة مؤمنة والمشاركة في أنشطة تطوعية داخل المواكب وتطوير مهارات التواصل الجماعي، كلّ هذه الأمور تعزّز روح المعاونة بينهم والقدرة على بناء العلاقات الإيجابية وتحمل المسؤوليات في البيئة الاجتماعية، فالطفل في هذه البيئة لا يشعر بالانعزال، بل يدرك أنه فرد فعّال ضمن أمة كبرى، ذات هدف مشترك، وهو السير على نهج الإمام الحسين عليه السلام.

التأثيرات النفسية

في زمنٍ يعاني فيه كثير من الأطفال والمراهقين من القلق، العزلة، التشتت الذهني، وضغط التكنولوجيا، تُمثّل مسيرة الأربعين فرصة فريدة للتوازن النفسي عبر الابتعاد عن الشاشات والضوضاء والاتصال بالطبيعة والمسير الهادئ والتفريغ العاطفي من خلال البكاء والزيارة والإحساس بالدعم العائلي والاجتماعي.

هذه العناصر تسهم في تقليل التوتر وارتفاع درجة الطمأنينة الداخلية والتنمية الإيجابية في التفكير وتشجيع الارتباط بالأهداف الكبرى بدل الانشغال بالتفاصيل اليومية.

النتيجة

مسيرة الأربعين ليست مجرد مناسبة دينية، بل هي مدرسة تربوية متكاملة، تُربّي النفوس قبل الأجساد، وتصقل العقول وتطهّر القلوب، خصوصًا في مرحلة الطفولة والمراهقة التي تُعدّ من أهم مراحل بناء الشخصية.

وإذا استطعنا أن نُوظّف هذه الفرصة بالشكل الصحيح، من خلال إشراك الأطفال والناشئة في المسيرة بطريقة مدروسة، فسنُنشئ جيلاً مؤمنًا، مسؤولًا، صبورًا ومتوازنًا نفسيًا، يحمل في قلبه حب الحسين عليه السلام، وفي سلوكه أخلاق الحسين، وفي حياته رسالة الحسين عليه السلام.

الهوامش:

1) بحار الأنوار (للعلامة محمد باقر المجلسي) / المجلد: 98 / الصفحة: 329/ الناشر: مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم/ الطبعة: 1.

2) كتاب الفتوح (لإبن أعثم الكوفي) / المجلد: 5 / الصفحة: 33 / الناشر: دار الطباعة اللبناني – بيروت / الطبعة: 1.

3) الإرشاد (للشيخ المفيد) / المجلد: 2 / الصفحة: 99 / الناشر: مؤسسة آل البيت – قم / الطبعة: 1.

2025/08/05

لماذا نزور الإمام الحسين (ع)؟ هل تعرف الغاية الحقيقية؟!

نقتربُ من أيام موسم الزيارة -زيارة الأربعين لسيد الشهداء (ع)- حيث الزيارةُ لسيِّدِ الشهداء، والوقوفُ عند قبرِه الشريف وتقديمُ التحية لمقامِه السامي وتجديدُ البيعةِ والولاءِ له ولنهجِه الذي مضى عليه واستُشهد في سبيلِه هو من أعظمِ القربات عند اللهِ تعالى وأصدقِ الشعائر التي أمر اللهُ تعالى بتعظيمِها ووعدَ المعظِّمَ لها على لسانِ نبيِّه (ص) وأوليائه الطاهرينَ بأوفرِ الجزاء.

[اشترك]

وأودُّ في المقام أنْ أذكِّر بأنَّ من أهمِّ الغاياتِ التي نشأ عنها الحَضُّ على زيارة سيِّدِ الشهداء وتَعدادِ مناقبِه ومآثرِه وفضائلِه واستحضارِ بطولاته وتضحياتِه والملاحمِ الخالدةِ التي كتبَها بدمِه الزاكي واستشعارِ الحزنِ والأسى في محضرِه على ما أصابَه من عظيمِ المحن والرزايا وأصابَ الصفوةَ من أهلِ بيتِه وأنصاره، إنَّ من أهمِّ الغايات لزيارةِ سيِّدِ الشهداء هو تعميقُ الصلةِ بهِ وبنهجِه والذي هو في جوهرِه تعميقٌ للصلة بالدين ومبادئه وقيمِه وتشريعاتِه، فكلَّما كانتِ الصلةُ بالحسينِ أعمقَ كلَّما كانت العلاقةُ بالدين ومبادئِه وقيمِه أوثق، وكلَّما اقتربنا من الحسينِ أكثر كلَّما كان أثرُ الدينِ على مشاعرِنا وسلوكِنا وأفكارِنا ومواقفِنا أبلغ.

فحينَ لا نجدُ أنَّ زيارتَنا للحسين، والعزاءَ الذي نقيمُه على الحسين، والدموعَ التي نذرفُها حسرةً على ما أصابَ الحسين، حين لا نجدُ أن ذلك يُعمِّق صلتَنا بالدين، ولا نجدُ له تأثيراً على تصحيح نياتِنا وتطهير قلوبنا، وتحسين أخلاقنا، وتقويم علاقاتِنا فإنَّ ثمة خللاً في طبيعة العلاقة بالحسين يتعيَّنُ علينا إصلاحُه.

ولعلَّ ممَّا يُسهِم في إصلاح هذا الخللِ هو الحرصُ على استحضارِ الغايةِ من الزيارة وإقامةِ العزاء، فتكون الغايةُ -وهي تعميق الصلةِ بالحسين المُفضي لتعميقِ الصلة بالدين- حاضرةً في الذاكرةِ والوجدان، ومراقبةُ النفس كي لا تذهلَ عن هذا القصدِ وهذه الغاية، فكلَّما شغلتِ النفسَ شواغلُ أخرى تقتضيها طبيعةُ السعي وضغوطُ الحياة عادتِ النفسُ لتلقينِ القلب بضرورةِ استحضارِ هذه الغاية وتمكينِها منه إلى أنْ تتجذَّر في أعماقِ القلب فلا يقوى شاغلٌ وإنْ تعاظم على أنْ يمنع من حضورِها، حينذاك تصطبغُ مساعينا وأعمالُنا ومواقفُنا وعلاقاتُنا بهذه الغاية، فيُصبح شغلُنا الشاغلُ هو أن نتمثَّل سجايا الحسين ومكارمَ أخلاقِه وأنْ نهتديَ بهديه وأنْ يكونَ هو المعيار الذي نقيس به الصوابَ والخطأ والقبولَ والرفض، والمعيار الذي نعتمدُه في تحديد خياراتِنا وطبيعةِ علاقاتِنا وعلاجِ خلافاتِنا، والمعيار الذي إليه نؤوب وله نرجعُ في مختلفِ شؤونِنا.

2025/08/05

هل استحباب زيارة الأربعين مرتبط بعودة عيال الإمام الحسين (ع ) إلى كربلاء؟!

استحباب الزيارة والحداد يوم الأربعين ثابتٌ على أيِّ تقديرٍ:

الأمر الأول: هو أنَّه لو لم يتمُّ البناء على إمكانيَّة وصول حرم الإمام الحسين (ع) إلى كربلاء يوم الأربعين فإنَّ ذلك لا يعني البناء على عدم استحباب زيارة الإمام الحسين (ع) يوم الأربعين، فإنَّ استحباب زيارته (ع) يوم الأربعين لا ربط له بوصول حرم الحسين (ع) لكربلاء يوم الأربعين، فاستحباب الزيارة يوم الأربعين ثابتٌ لقيام الدليل الخاص وهي الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) والمتصدية للأمر بالزيارة يوم الأربعين مضافاً إلى الروايات العامَّة والمتواترة التي نصَّتْ على الأمر بزيارة الإمام الحسين (ع) مطلقاً وفي عموم أيام السنَّة، فنفيُ وصول حرم الحسين (ع) يوم الأربعين من مقتله الشريف لا ينفي استحباب الزيارة يوم الأربعين.

[اشترك]

وكذلك فإنَّ نفي وصول حرم الحسين (ع) يوم الأربعين لا ينفي استحباب الحِداد وإقامةِ العزاء على الحسين (ع) يوم الأربعين. فإنَّ استحباب إقامة العزاء ثابتٌ مطلقاً بقطع النظر عن وصول حرم الحسين (ع) يوم الأربعين أو عدم وصولِهم في ذلك اليوم أو حتى عدم وصولهم من رأس .

استحباب زيارة الأربعين لا ربط له بزيارة جابر:

الأمر الثاني: إنَّ استحباب زيارة الامام الحسين (ع) يوم الأربعين لم تنشأ عن زيارة جابر بن عبد الله الأنصارى رحمه الله للحسين (ع) يوم الأربعين بل إنَّ الاستحباب ثبت بالدليل الخاص وهو ما ورد في الروايات عن أهل البيت (ع) من الأمر بالزيارة للحسين (ع) يوم الأربعين تماماً كما هو الشأن في استحباب الزيارة للحسين يوم عرفة مثلاً فإنَّ مدركه الأمر بذلك من قِبَل أهل البيت (ع).

المصدر: مقتطف من إجابة لسماحة الشيخ محمد صنقور

2025/07/22

وصايا السيد السيستاني: صفات للشيعي الحقيقي.. هل تنطبق عليك؟!

يقول السيد علي الحسيني السيستاني [دام ظله]: بيان وصاياهم (صلوات الله عليهم) الخاصّة إلى أتباعهم ومحبّيهم، وذلك أنّ لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ـ مضافاً إلى بياناتهم للأحكام وتوصياتهم العامّة للمسلمين وتأكيدهم على أهمّيّة الاهتداء إلى محلّ أهل البيت (عليهم السلام) في هذه الأمّة واصطفائهم منها ـ وصايا خاصّة لمحبّيهم وأتباعهم، فينبغي الاهتمام بإيصالها إليهم حتّى يتأدّبوا بآدابهم وتكون أعرافاً راسخةً في أوساطهم.

وتؤكّد تلك الوصايا على الالتزام العمليّ بتعاليم دينهم والتوادّ بينهم والسعي إلى التحلّي بخصالهم (صلوات الله عليهم) ومكارم أخلاقهم حتّى مع المختلفين في الدين والمذهب فضلاً عن المشتركين فيهما، كقول الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): ((عليك بتقوى الله والورع والاجتهاد وصدق الحديث وأداء الأمانة وحسن الخلق وحسن الجوار وكونوا دعاة إلى الخير بغير ألسنتكم وكونوا زينا ولا تكونوا شينا)) (الكافي ج:2 ص:77).

[اشترك]

وفي الحديث عن جابر الجعفيّ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قل لي: ((يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلّا من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلّا بالتواضع، والتخشّع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء في عشائرهم في الأشياء))، وقال (عليه السلام): ((يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، حسب الرجل أن يقول: أحبّ عليّاً وأتولّاه، ثمّ لا يكون مع ذلك فعالاً، فلو قال إنّي أحبّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فرسول الله خير من علي ثمّ لا يتّبع سيرته ولا يعمل بسنّته ما نفعه حبّه إيّاه شيئاً، فاتّقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر، والله ما يُتقرّب إلى الله تبارك وتعالى إلّا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحد من حجّة، من كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتنا إلّا بالعمل الورع)) (الكافي ج:2 ص:74).

وفي الحديث عن معاوية بن وهب قال: قلت له (عليه السلام): كيف ينبغي لنا أن نصنع فيما بيننا وبين قومنا وبين خلطائنا من الناس ممّن ليسوا على أمرنا؟ قال: ((تنظرون إلى أئمّتكم الذين تقتدون بهم فتصنعون ما يصنعون، فوالله إنّهم ليعودون مرضاهم ويشهدون جنائزهم ويقيمون الشهادة لهم وعليهم ويؤدّون الأمانة إليهم)) (الكافي ج:2 ص:636).

 

المصدر: وصايا المرجعيّة الدينيّة العليا للخطباء والمبلّغين بمناسبة قرب حلول شهر المحرّم الحرام عام 1441هـ  - نقلاً عن الموقع الرسمي لمكتب السيد السيستاني

2025/07/14

الحسين للجميع.. مقولة يستغلها العصاة لتبرير ذنوبهم!

(الحسين للجميع) مقولة تحتمل تفسيرين: أحدهما خاطئ والآخر صحيح

التفسير الخاطئ: ادّعاء بعض العصاة أن الإمام الحسين عليه السلام للجميع، فيقومون بمعاصيهم وتجدهم يخدمون في بعض مواكب العزاء ويُعزّون مع عنادهم واستخفافهم بأحكام الله تعالى. فتظهر من لا تلتزم بالحجاب المفروض في القرآن الكريم وهي تقدّم بعض الطعام أو الشراب للمعزّين.

[اشترك]

يا ترى، هل تفهم تلك أن الإمام الحسين عليه السلام للجميع بهذا المعنى، يعني أنه عليه السلام يقبل منها عزاءها بهذا الشكل؟ أو ذلك الذي تجده قد لا يؤدي الصلاة المفروضة، فهل يفهم هؤلاء أن الإمام الحسين عليه السلام للجميع بهذا المعنى الذي يُصادر أحكام الله تعالى ويُسفّهها ولا يجعل لها مساحة في التقديم على كل شيء؟

هؤلاء وأمثالهم واهمون، فالإمام الحسين عليه السلام لو كان هكذا لقَبِل من يزيد أن يكون هو الخليفة على رقاب المسلمين، ولما خرج ثائراً معلناً بمقولته الشهيرة: “إنّا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحرّمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله”.

فقد رفض إمامنا عليه السلام الفسق بكل أشكاله حينما رفض يزيد الفاسق واصفاً له بهذه الصفة التي وضعها أبو عبد الله الحسين عليه السلام في مقدمة أسباب رفضه ليزيد. فمن كان راتعاً في الفسق بأي شكل من أشكاله فليعلم أنه إلى صف يزيد أقرب منه إلى صف الإمام الحسين عليه السلام.

أقول لكل من يبرر فعله في البقاء على مرتع المعصية بأنه قد يكون عمله في تقديم خدمة للزائرين أو مجاملة لهم: إن نقطة الضوء هذه التي تدّعونها في بعض أعمالكم لا تُزيح ظلاماً دامساً أطبق على قلبٍ يأنس بالمعصية، فانتبهوا وأقلعوا عنها يا أولئك الذين تجدون في خط الحسين ستراً لذنوبكم.

[اشترك]

التفسير الصحيح: أن يكون الإمام الحسين عليه السلام مناراً وهداية وإرشاداً لكل ضالٍ أو مطيع، كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة”.

فالضال يسترشد بهدي الإمام الحسين عليه السلام ليأخذ بيده نحو نور الحق وينجو من حيرة الضلالة، وأما المطيع فيزداد بالإمام الحسين عليه السلام طاعة وتقرّباً إلى الله تعالى، كما ورد في زيارة عاشوراء:

“إِنِّي أَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَإِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِلَى فَاطِمَةَ وَإِلَى الْحَسَنِ وَإِلَيْكَ بِمُوَالاتِكَ وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ قَاتَلَكَ وَنَصَبَ لَكَ الْحَرْبَ وَبِالْبَرَاءَةِ مِمَّنْ أَسَّسَ أَسَاسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ وَأَبْرَأُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِمَّنْ أَسَّسَ أَسَاسَ ذَلِكَ وَبَنَى عَلَيْهِ بُنْيَانَهُ وَجَرَى فِي ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أَشْيَاعِكُمْ، بَرِئْتُ إِلَى اللهِ وَإِلَيْكُمْ مِنْهُمْ، وَأَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ ثُمَّ إِلَيْكُمْ بِمُوَالاتِكُمْ وَمُوَالاةِ وَلِيِّكُمْ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَالنَّاصِبِينَ لَكُمُ الْحَرْبَ وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ أَشْيَاعِهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ…”

2025/07/13

مشاهد قاسية: ما فعله الأمويون بالحسين (ع) وعائلته في كربلاء

النموذج الاول:

محاصرة الحسين (ع) وأصحابه وعائلته ومنعهم من الوصول إلى الماء الذي كان قريباً منهم، فكانوا يمنعون حتى النساء والأطفال ورود الماء، وقد اشتدَّ الحصار عليهم قبل مقتل الحسين بثلاثة أيام وذلك لأنَّ ابن زياد أمر عمر بن سعد بأنْ يُضيَّق على الحسين (ع) وعائلته وأصحابه أشدَّ التضييق ويمنعهم ورود الماء 1.

النموذج الثاني:

لمَّا قُتل أبو عبد الله الحسين (ع) هجمَ المعسكرُ الأموي على مخيَّمه وسلبوا ما فيه من متاع ثم أضرموا النار فيه وسلبوا بناتِ رسول الله (ص) ما كان عليهنَّ من ملاحف.
وأقبل عمر بن سعد إلى النساء فلما رأينه بكين في وجهه فمنع القوم عنهن وقد أخذوا ما عليهنَّ ولم يردُّوا شيئاً فوكَّل جماعةً بحفظهن وعاد إلى خيمته 2.

[اشترك]

النموذج الثالث:

قتلُ الأطفال كعبد الله الرضيع - وقيل اسمه علي - الذي قُتل وهو في حجر أبيه الحسين (ع) أو على ذراعه 3 وكعبد الله بن الحسن (ع) رماه حرملةُ وهو على صدر الحسين (ع) قبل أن يُقتل بقليل ، وكان قد قطع يدَ الطفل رجلٌ قبل أنْ يرميه حرملة بالسهم فيذبحه 4.
وثمة طفلٌ ثالث اسمه محمد بن أبي سعيد بن عقيل خرج بعد مصرع الحسين (ع) مذعوراً فأقبل رجلٌ يركض حتى إذا دنا منه مالَ عليه بالسيف فقتلَه وكانت أمُّه تنظرُ إليه وهي مدهوشة 5.

النموذج الرابع:

بعد أنْ أثخنت الحسينَ الجراحاتُ سقط على وجه الأرض وهو يقول : "...صبراً على قضائك ياربِّ لا إله سواك، ياغياث المستغيثين مالي ربٌّ سواك ولا معبود غيرك ، صبراً على حكمك ياغياث من لا غياث له ، يادائماً لا نفاد له... احكم بيني وبينهم وأنت خيرُ الحاكمين" .
فتواثب عليه المعسكرُ الأموي فضربه زرعةُ بن شريك على كتفِه الأيسر، ورماه الحصينُ في حلقه، وضربه آخرُ على عاتقه ، وطعنه سنانُ بن أنس في ترقوته ثم في بواني صدره ثم رماه بسهمٍ في نحرِه ، وطعنه صالح بن وهب في جنبه، ثم صاح عمرُ بن سعد: انزلوا إليه وأريحوه، فنزل إليه شمر فرفسه وجلس على صدره وقبض على شيبته المقدَّسة وضربه بالسيف اثنتي عشرة ضربة واحتزّ رأسه المقدَّس 6.

النموذج الخامس:

سُلب جسد الحسين (ع) بعد مقتله فاخذ إسحاقُ بن حويه قميصه، وأخذ الأخنس بن مرثد الحضرمي عمامته، وأخذ الأسودُ بن خالد نعليه، وأخذ سيفَه جميعُ بن الخلق الأودي ويقال رجلٌ من بني تميم اسمُه الأسودُ بن حنظلة، وجاء بجدلُ فرأى الخاتم في إصبعه والدماء عليه فقطع إصبعه وأخذ الخاتم، وأخذ قيسُ بن الأشعث قطيفته وكان يجلسُ عليها فسُميَّ قيسُ قطيفه.
وأخذ ثوبَه جعونةُ بن حوية الحضرمي، وأخذ القوسَ والحُلل الرحيلُ بن خيثمه الجعفي وهاني بن شبيب الحضرمي وجريرُ بن مسعود الحضرمي 7.

النموذج السادس:

بعد قتل الحسين (ع) نادى عمرُ بن سعد ألا مَن ينتدب إلى الحسين فيُوطيء الخيل صدرَه وظهرَه فقام عشرةٌ ووطؤا جسدَ الحسين (ع) بخيولهم وأقبل العشرةُ على ابن زياد يقدمُهم أسعد بن مالك يرتجز:

نحن رضخنا الصدر بعد الظهر              بكل يعبوبٍ شديد الأسر 8

النموذج السابع:

[اشترك]

أمر ابنُ سعد بقطع رأس الحسين (ع) ورؤوس مَن كان من أصحاب الحسين (ع) واقتسمتها بعد ذلك القبائلُ لتتقرَّب بها إلى ابن زياد، وبعد ذلك حُملت الرؤوس إلى الكوفة ثم إلى الشام حيثُ كان يزيد بن معاوية وقد تمَّ صلبُ رأس الحسين في الكوفة وكذلك في الشام 9.

النموذج الثامن:

أَسرُ عائلة الحسين (ع) نسائه وأطفاله وكان معهم الإمام عليُّ بن الحسين السجاد (ع) وكان حينئذٍ مريضاً وقد أرادوا قتله لولا عنايةُ الله تعالى.
(وساق القوم حُرَم رسول الله (ع) من كربلاء كما تساق الأسارى) 10.

النموذج التاسع:

بعد مقتل الحسين (ع) أمر عمرُ بن سعد أن يُجهَّز القتلى من معسكره ثم صلَّى عليهم ثمَّ دفنهم ورحلوا وتركوا جسدَ الحسين (ع) ومن قُتل من أصحابه وأهل بيتِه دون تجهيزٍ ودفن وظلَّ الجسدُ الطاهر ومَن كان معه في صحراء كربلاء وهم أشلاء وبلا رؤوس يوماً أو أكثر على اختلاف الروايات حتى قيَّض اللهُ لهم من يدفنُهم 11.

النموذج العاشر:

ذكر الكثيرُ من المؤرِّخين أنَّه لمَّا جيء برأس الحسين (ع) إلى عبيد الله بن زياد أمر بتقويره فقام رجلٌ يقالُ له طارقُ بن المبارك فقوَّره وأخرج لغاديده ونخاعه وما حوله من اللحم.
وفي مرآة الجنان لليافعي الشافعي (وذكروا ما يعظم على الزندقة والفجور، وهو أنَّ عبيد الله بن زياد أمر أنْ يُقوَّر الرأس المشرَّف المكرَّم حتى يُنصَّب في الرمح فتحاما الناس عن ذلك فقامَ من بين الناس رجلٌ يُقال له طارق بن المبارك بل هو ابن المشؤوم المذموم، فقوَّره ونصبه بباب المسجد الجامع وخطب خطبةً لا يحلُّ ذكرها) 12.

النموذج الحادي عشر:

لمَّا حُمل الرأس الشريف إلى ابن زياد وكان في مجلسه العام فوُضع الرأس المقدَّس بين يديه فجعل ينظرُ إليه وهو يبتسم وفي يده قضيبٌ يضربُ به ثنايا الحسين(ع) وينكُت ثناياه به 13.

النموذج الثاني عشر:

أمَر عبيدُ الله بن زياد بحبس عائلة الحسين (ع) وفيهم الإمامُ السجاد (ع) وأمرَ بأنْ يُضيَّقَ عليهم في الحبس فحُبسوا في سجن وطُبِّق عليهم كما في عبارة الشيخ الصدوق.
ثم بعث ابنُ زياد إلى يزيد يستفتيه في شأن الرؤوس وعائلة الحسين (ع) فجاءه الجواب بأنْ يحملَهم إلى الشام 14.

النموذج الثالث عشر:

ذكر الطبري في تاريخه أنَّ عبيد الله أمرَ بنساء الحسين (ع) وصبيانه فجُهِّزن وأمرَ بعليِّ بن الحسين (ع) فغُلَّ بغلٍّ إلى عنقه ثم سرَّح بهم مع محفِّز بن ثعلبة العائذي ومع شمر بن ذي الجوشن فانطلقا بهم حتى قدموا على يزيد...) 15

وقال ابنُ الصباغ المالكي: "وقد جعل ابنُ زياد الغِلَّ في يديه -السجاد- وفي عُنقِه ولم يزالوا سائرين بهم على تلك الحالة إلى أنْ وصلوا الشام" .

وقال ابنُ أعثم الكوفي في كتابه الفتوح: " فسار القوم بحرم رسول الله (ع) من الكوفة إلى بلاد الشام على محامل بغير وطاء من بلدٍ إلى بلد ومِن منزلٍ إلى منزلٍ كما تُساق أُسارى الترك والديلم" 16

النموذج الرابع عشر:

[اشترك]

لمَّا وصلتْ عائلةُ الحسين (ع) إلى الشام تمَّ إيقافُهم على باب الساعات أمام مرأى الناس ، وقد خرج الناس بالدفوف والبوقات مبتهجين وكان يزيدُ في منظرةٍ على جيرون ولمَّا رأى السبايا والرؤوس على أطراف الرماح وقد أشرفوا على ثنيَّة جيرون أنشأ يقول:

لمَّا بدت تلك الحمـول وأشـرقت                   تلك الشموس على ربى جيرونِ

نعب الغرابُ فقلتُ صحْ أو لا تصح              فلـقد قضيتُ من النبيِّ ديوني

ولهذه الأبيات وكذلك تمثُّله بأبيات ابن الزبعري حكم ابنُ الجوزي والقاضي أبو يعلي والتفتزاني والجلال السيوطي بكفرِه ولعنه 17.

النموذج الخامس عشر:

قبل إدخال عائلة الحسين (ع) إلى مجلس يزيد جاؤا لهم بحبالٍ فربطوهم بها، فكان الحبلُ في عنق زين العابدين (ع) إلى زينب وباقي بنات رسول الله (ص) وكلَّما قصَّروا عن المشي ضربوهم حتى أُوقفوا بين يدي يزيد، ولمَّا وُضع الرأس بين يدي يزيد أخذَ ينكتُه بقضيبٍ وتمثَّل بقول الحصين بن حمام:

صبرنا وكان الصبرُ منّا عزيمةً              وأسيافُنا يقطعنَ هاماً ومعصماً

نُفلِّقُ هاماً من رجال أعزَّةٍ                علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

وتمثل كذلك بقول ابن الزبعرى:

لـيت أشياخي ببدرٍ شـهدوا              جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّـوا واستهـلّوا فـرحاً                   ثمَّ قالوا يـا يزيـدُ لا تُشـل

قد قتلنا الـقِرْمَ مـن ساداتِهـم             وعدلنـاه بـبـدرٍ فـاعـتـدل

لعــبتْ هاشمُ بالملك فـلا                 خبرٌ جــاءَ ولا وحـيٌ نــزل 18

النموذج السادس عشر:

أمرَ يزيدُ بإخراج الرأس من مجلسه وصلبَه على باب القصر ثلاثة أيام ، وأمرَ أن تُحبس عائلة الحسين (ع) في خَرِبة لا تقي من حرٍّ ولا بردٍ فإنّا لله وإنا اليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم 19.
هذه بعض النماذج المعبِّرة عن القسوة المفرطة التي مارسها المعسكرُ الأموي مع أهل البيت (ع) ولولا خشيةُ الإطالة لذكرنا الكثير منها وقد اقتصرنا في ذكر المصادر على بعضها ومن أراد التوثُّق مما نقلناه فكتب التاريخ ببابه20.
الهوامش:

  • 1. تاريخ الطبري ? الطبري - ج6 ص234/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج4 ص22.
  • 2. الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج4 ص32/ تاريخ الطبري ? الطبري - ج6 ص260/ سير أعلام النبلاء - الذهبي - ج 3 ص 204/ مقتل الحسين ? المقرم ?ص302 والكثير من المصادر.
  • 3. مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 257/ ينابيع المودة لذوي القربى - القندوزي - ج 3 ص 78/ مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهانى - ص 60.
  • 4. مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهانى - ص 58/ شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي - ج 3 ص 181/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 108/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 256/ المزار - محمد بن المشهدي - ص 490/ مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 52/ إقبال الأعمال - السيد ابن طاووس - ج 3 ص 75.
  • 5. الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 126/ الاختصاص - الشيخ المفيد - ص 83/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 259/ العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 277/ الثقات - ابن حبان - ج 2 ص 309.
  • 6. روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 189/ شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي - ج 3 ص 164/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 112/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 258/ الأخبار الطوال - الدينوري - ص 258/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 346/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 78/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 204/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 199/ كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 118/ إعلام الورى بأعلام الهدى - الشيخ الطبرسي - ج 1 ص 469/ ترجمة الإمام الحسين (ع) - ابن عساكر - ص 340/ الدر النظيم - إبن حاتم العاملي - ص 558/ اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس - ص 74.
  • 7. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 120 و ج 6 ص 244/ تاريخ اليعقوبي - اليعقوبي - ج 2 ص 244/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 346/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 258/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 78/ الأخبار الطوال - الدينوري - ص 302/ ترجمة الإمام الحسين (ع) - من طبقات ابن سعد - ص 78.
  • 8. الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 80/ روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 189/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 113/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 347.
  • 9. مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 218/  شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي - ج 3 ص 252/ مجمع الزوائد - الهيثمي - ج 9 ص 196/ عمدة القاري - العيني - ج 16 ص 241/ مسند أبي يعلى - أبو يعلى الموصلي - ج 5 ص 54/ المعجم الكبير - الطبراني - ج 3 ص 125/ الفايق في غريب الحديث - جار الله الزمخشري - ج 1 ص 363.
  • 10. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 120/ مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (ع) - محمد بن طلحة الشافعي - ص 403/ كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي - ج 2 ص 263/ الفصول المهمة في معرفة الأئمة - ابن الصباغ - ج 2 ص 830.
  • 11. مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 59/ الأخبار الطوال - الدينوري - ص 260/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 348/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 80/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 205.
  • 12. مرآة الجنان - اليافعي الشافعي ? ج1 ص135/ تذكرة الخواص - سبط بن الجوزي ص233/ مقتل الحسين ? الخوارزمي - ج2 ص58 ? 59/ شرح إحقاق الحق - السيد المرعشي - ج 33 ص 701.
  • 13. الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 114/  الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة - السيد على خان المدنى - ص 452/ إعلام الورى بأعلام الهدى - الشيخ الطبرسي - ج 1 ص 471/ عمدة القاري - العيني - ج 16 ص 241/ تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - ج 68 ص 95/ أسد الغابة - ابن الأثير - ج 2 ص 21/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 349/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 81/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 207/ الدر النظيم - إبن حاتم العاملي - ص 560/ كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي - ج 2 ص 275.
  • 14. ألامالي - الشيخ الصدوق - ج 3 ص140/ تاريخ الطبري ? الطبري - ج3 ص339/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير ? ج3 ص298. 
  • 15. تاريخ الطبري ? الطبري- ج3 ص 338.
  • 16. تاريخ الطبري - الطبري - ج3 ص338/ الفصول المهمة ? ابن الصباغ المالكي ? ص193/ كتاب الفتوح ? احمد ابن أعثم الكوفي - ج5 ص147/ اللهوف في قتلى الطفوف ? السيد ابن طاووس - ص208/ الكامل في التاريخ ? ابن الاثير - ج4 ص34/ البداية والنهاية - ابن كثير- ج8 ص191.
  • 17. الصواعق المحرقة- ابن حجر- ص330-331/ وللتفصيل راجع شرح إحقاق الحق - السيد المرعشي - ج 33 ص 615.
  • 18. شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي - ج 3 ص 158/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 8 ص 188/ بلاغات النساء - ابن طيفور - ص 21/ كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 129/ المسترشد - محمد بن جرير الطبري (الشيعي) - ص 511/ الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج 2 ص 34/ الخرائج والجرائح - قطب الدين الراوندي - ج 2 ص 580/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 261.
  • 19. تاريخ الطبري ? الطبري - ج6 ص 267/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج4 ص 35/ تذكرة الخواص ? سبط ابن الجوزي - ص 148/ الصواعق المحرقة ? ابن حجر - ص 116/الفروع - ابن مفلح الحنبلي في فقه الحنابلة - ج3 ص 549/ مجمع الزوائد - ابن حجر - ج9 ص 195/ الفصول المهمة - ابن الصباغ - ص 205/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج8 ص 192/ شرح مقامات الحريري - الشريشي ج1 ص 193.
2025/07/05

كيف بكى النبي (ص) على مصيبة الحسين (ع) قبل وقوع الفاجعة؟!

تتفق المصادر الإسلامية، شيعية وسنية، على أن واقعة استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) كانت نبوءة إلهية أعلمها جبرائيل للنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، مخبرًا إياه بمكان استشهاد سبطه وحبيبه. وقد وثقت الروايات بكاء النبي على مصير الإمام الحسين عليه السلام، ورصدت خصوصية يوم عاشوراء في التراث الإسلامي بأحاديث متواترة.

[اشترك]

إخبار من السماء

تتفق كتب الحديث والرواية، سواء من مؤلفات الشيعة أو مصنفات إخواننا السنة، على أن جبرائيل أوحى إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بنبأ مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) ومكان استشهاده، وذكرت بكاء النبي على مصيبته.

وفي رواية مهمة نقلها أبو الحسن علي بن محمد الماوردي الشافعي في كتابه "أعلام النبوة"، عن عائشة قالت: "دخل الحسين بن علي (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يوحى إليه، فبرك على ظهره وهو منكب ولعب على ظهره. فقال جبرائيل: يا محمد، إن أمتك ستفتن بعدك وتقتل ابنك هذا من بعدك، ومدَّ يده فأتاه بتربة بيضاء، وقال: في هذه الأرض يقتل ابنك - اسمها الطف -."

وتضيف الرواية أن النبي خرج بعد رحيل جبرائيل إلى أصحابه والتربة في يده، وكان بينهم أبو بكر وعمر وعلي وحذيفة وعمار وأبو ذر، وهو يبكي. فسألوه عن سبب بكائه، فأجاب: "أخبرني جبرائيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة، فأخبرني أن فيها مضجعه."

خصوصية عاشوراء

ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) روايات تكشف مكانة يوم عاشوراء وخصوصيته الروحية. فقد روى عبد الله بن سنان قائلاً: "دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) يوم عاشوراء ودموعه تنحدر على عينيه كاللؤلؤ المتساقط. فقلت: ممَّ بكاؤك؟ فقال: أفي غفلة أنت، أما علمت أن الحسين (عليه السلام) أصيب في مثل هذا اليوم؟!"

وعندما سأله الراوي عن صيام هذا اليوم، أجابه الإمام: "صمه من غير تبييت، وأفطره من غير تشميت، ولا تجعله يوم صوم كملاً، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربة من ماء، فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم تجلَّت الهيجاء عن آل رسول الله (صلى الله عليه وآله)."

أعظم مصيبة!

وفي رواية أخرى، سُئل الإمام الصادق: "يا ابن رسول الله، كيف صار يوم عاشوراء يوم مصيبة وغم وحزن وبكاء دون اليوم الذي قبض فيه رسول الله، واليوم الذي ماتت فيه فاطمة، واليوم الذي قتل فيه أمير المؤمنين، واليوم الذي قتل فيه الحسن بالسم؟"

فأجاب الإمام موضحًا: "إن يوم الحسين أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام، وذلك أن أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله عز وجل كانوا خمسة، فلما مضى عنهم النبي (صلى الله عليه وآله) بقي أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين، فكان فيهم للناس عزاء وسلوة."

ويتابع الإمام شارحًا: "فلما مضت فاطمة كان في أمير المؤمنين والحسن والحسين للناس عزاء وسلوة، فلما مضى أمير المؤمنين (عليه السلام) كان للناس في الحسن والحسين عزاء وسلوة، فلما مضى الحسن كان للناس في الحسين عزاء وسلوة، فلما قتل الحسين لم يكن بقي من أصحاب الكساء أحد للناس فيه بعده عزاء وسلوة."

ويختم بالقول: "فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم، فلذلك صار يومه أعظم الأيام مصيبة."

وعن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قال: "من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبته وحزنه وبكائه يجعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره وقرَّت بنا في الجنان عينه."

[اشترك]

ويحذر الإمام من اعتبار هذا اليوم يوم بركة أو ادخار، إذ يقول: "ومن سمَّى يوم عاشوراء يوم بركة وادَّخر لمنزله فيه شيئاً لم يبارك له فيما ادَّخر وحشر يوم القيامة مع يزيد وعبيد الله بن زياد وعمر بن سعد لعنهم الله إلى أسفل درك من النار."

وقد روى الإمام محمد الباقر (عليه السلام) توجيهات خاصة بزيارة الحسين في يوم عاشوراء من قرب أو بعد، قائلاً: "ثم ليندب الحسين (عليه السلام) ويبكيه ويأمر من في داره ممن لا يتقيه بالبكاء عليه، ويقيم في داره المصيبة بإظهار الجزع عليه، وليعزِّ بعضهم بعضاً بمصابهم بالحسين (عليه السلام)."

ويضمن الإمام لمن يفعل ذلك "ثواب ألفي حجة، وألفي عمرة، وألفي غزوة." وعندما سأله الراوي: "أنت الضامن لهم ذلك والزعيم؟!" أجاب: "أنا الضامن والزعيم لمن فعل ذلك."

وعن كيفية التعزية، قال الإمام: "تقول: عظَّم الله أجورنا بمصابنا بالحسين (عليه السلام)، وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه والإمام المهدي من آل محمد."

ويوصي الإمام: "وإن استطعت أن لا تنشر يومك في حاجة فافعل فإنه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة مؤمن، وإن قضيت لم يبارك له فيها ولا يرى فيها رشداً، ولا يدَّخرنَّ أحدكم لمنزله فيه شيئاً فمن ادَّخر في ذلك اليوم شيئاً لم يبارك له فيما ادَّخر ولم يبارك له في أهله."

ويختم الإمام بيان فضل إحياء هذا اليوم قائلاً: "فإذا فعلوا ذلك كتب الله لهم ثواب ألف حجة وألف عمرة وألف غزوة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان له كثواب كل نبي ورسول وصدِّيق وشهيد مات أو قتل منذ خلق الله الدنيا إلى أن تقوم الساعة."

مما تقدم، تظهر المكانة الخاصة ليوم عاشوراء في التراث الإسلامي، والأجر العظيم لمن يحيي ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) بالحزن والبكاء، متذكرًا مصيبته وتضحيته في سبيل الحق والعدل.

2025/07/01

هل الذهاب إلى العمل يوم العاشر حرام؟!

ليس حراما ، ولكن يستفاد من بعض الروايات استحباب ترك السعي في الأمور الدنيوية ، وعدم الانشغال بها واستحباب التفرغ لإحياء الذكرى الحسينية ، فقد روى الشيخ الصدوق في الأمالي 1 عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) ، قال : من ترك السعي في حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة ، ومن كان يوم عاشوراء يوم مصيبة وحزنه وبكائه جعل الله عز وجل يوم القيامة يوم فرحه وسروره ، وقرت بنا في الجنان عينه .

[اشترك]

كما روى شيخ الطائفة الطوسي رحمه الله بسنده 2 عن أبي جعفر عليه السلام في حديث زيارة الحسين عليه السلام يوم عاشوراء من قرب وبعد ... إلى أن قال : قلت : وكيف يعزي بعضنا بعضا ؟ قال : تقول : عظم الله أجورنا بمصابنا بالحسين عليه السلام ، وجعلنا وإياكم من الطالبين بثأره مع وليه الإمام المهدي من آل محمد ، وإن استطعت أن لا تنشر ( لا تنتشر ) يومك في حاجة فافعل ، فإنه يوم نحس لا تقضى فيه حاجة مؤمن ، وإن قضيت لم يبارك له فيها ، ولا يرى فيها رشدا..) .

هذا لو كان عمل الإنسان مملوكا له ، كما هو حال من يعملون في ( الأعمال الحرة ) والتجارة لأنفسهم فإنه يحسن بهم في مثل ذلك اليوم أن يتوجهوا لإحياء الذكرى ، ما لم ينطبق على سعيهم للعمل ذاك عنوان ملزم .

وأما بالنسبة لغيرهم وهم الأكثر ابتلاء ، كالعاملين في مؤسسات مملوكة لأشخاص أو تابعة للحكومات ، فلا يستطيع الشخص الغياب في ذلك اليوم من غير أن يأذن له رب العمل ، وإلا كان غير مالك لأجرة ذلك اليوم في المؤسسات والشركات الأهلية والشخصية ، حيث أن مقتضى عقده معهم أن يعمل في الأيام المتعارفة ، باستثناء التعطيلات الرسمية أو ما أذنوا له في التغيب ، وليس العاشر منها ـ بحسب الفرض ـ وإخلاله بهذا العقد بمقدار ذلك اليوم ، يجعله غير مستحق لأجرته ولا يملكها . فلا بد من استئذان رب العمل أو إخباره عن غيابه ذاك واسترضائه في أمر المال أو إرجاعه عليه .

[اشترك]

وبالنسبة للمؤسسات الحكومية ، فإن الحكومات غير الخاضعة للفقيه ، وإن لم تملك ـ كما هو المشهور بين المعاصرين من الفقهاء ـ فلا ولاية لها مالكية ولا شرعية 3 ، على التعاقد وإعطاء المال ، واستحصال العمل ، إلا أن ذلك لا يسوغ للعامل وهو طرف العقد أن يتملك أجرة في مقابل يوم عمل لم يذهب إليه ، ولم يقم به . ولذا فإنه يشكل أمر تملكه من قبله ، حيث أن الفقهاء قد صرحوا في فتاواهم بأنهم لا يأذنون في الاستلام إلا مع قيام العامل بواجباته بحسب ما ورد في العقد . ولذا لا بد في ذلك من التصدق بذلك المقدار من المال على الفقير المؤمن والأحوط أن يكون بإذن الحاكم الشرعي ( المجتهد ) الذي له ولاية على مجهول المالك 4 .

الهوامش:

  1. ( حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق ( رحمه الله ) ، قال : أخبرنا أحمد بن محمد الهمداني ، عن علي بن الحسن بن علي بن فضال ، عن أبيه عن الرضا عليه السلام ..) والرواية يمكن أن تكون معتبرة ، فإن محمد بن ابراهيم هو الطالقاني وقد روى عنه الصدوق مترضيا عليه ، بناء على أن ترضي مثل الصدوق كاشف عن حسن حال المترضى عنه ـ وإن ناقش في ذلك بعض العلماء ـ ، وأحمد بن محمد بن سعيد الهمداني هو أبو العباس بن عقدة ، قالوا عنه أنه جليل القدر عظيم المنزلة وأمره في الحفظ والجلالة أشهر من أن يذكر توفي سنة 333 هـ . وعلي بن الحسن بن فضال فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم كما ذكر النجاشي ، وأبوه الحسن بن علي ثقة عظيم القدر ، قيل إنه كان فطحيا وعاد عن ذلك ..

ولا نحتاج إلى هذا بعدما كانت الرواية من الروايات الواعدة بالثواب ، وهي مشمولة لقاعدة التسامح في أدلة السنن .

  1. نقله في وسائل الشيعة الحر العاملي ج 14 ص 509 : محمد بن الحسن ، في ( المصباح ) عن محمد بن إسماعيل ، عن صالح بن عقبة عن أبيه ، عن علقمة . والرواية من حيث السند غير تامة ، فإن صالح بن عقبة ( بن قيس بن سمعان ) وإن كان من رجال تفسير علي ابن ابراهيم ـ القسم الأول ـ ويكون ثقة على المبنى ، إلا أنه قد ضعف واتهم بالكذب ، كما عن الخلاصة ، إلا أن يقال أن يونس بن عبد الرحمن والذي هو من أصحاب الاجماع قد روى عنه ، ويكون على المبنى المعروف مقبول الرواية ، وقد يناقش ما ذكر في الخلاصة بأنه معتمد في جرحه ذاك على كتاب ابن الغضائري ، والمعروف عندهم التشكيك في كون كل ما في الكتاب الموجود صحيح النسبة إلى الشيخ ابن الغضائري ( والمسألة بحاجة إلى بحث أكثر ، وللتفصيل مقام لا يتسع له هذا المختصر ) . وابوه عقبة بن قيس أيضا لم يوثق لا بتوثيق عام ولا خاص ، ومثله علقمة ( بن محمد الحضرمي ) .
  2. أمضى بعض المراجع المعاصرين العقود القائمة بين الموظفين وبين الحكومات ، وبناء عليه ترجع المسألة إلى القسم السابق .
  3. من قضايا النهضة الحسينية ، ( أسئلة و حوارات ) ، الجزء الثاني .
2025/07/01

هل تنشر الملائكة قميص الإمام الحسين (ع) في محرّم الحرام؟!

يتداول الكثيرون في مجالس العزاء ومواسم عاشوراء حديثًا منسوبًا للإمام الصادق (عليه السلام) يقول فيه: “إذا هلّ هلال المحرّم نشرت الملائكة قميص الحسين مخضّباً بالدماء، فنراه نحن وشيعتنا بالبصيرة لا بالبصر”.

ما مدى صحة هذا الحديث؟ وما أصوله التاريخية؟

[اشترك]

البحث العلمي يدلنا على عدم وجود هذا النص بصيغته المتداولة في أي من المصادر المعتمدة. سواء كان في كتب الحديث والمصادر التاريخية الموثوقة.

وبحسب إجابة سابقة لسماحة الشيح محمد صنقور فإن هذا النص المنسوب للإمام الصادق (عليه السلام) مأخوذ من كتاب “ثمرات الأعواد” لمؤلفه السيد علي بن الحسين الهاشمي الخطيب، حيث ورد بصيغة مشابهة ضمن سياق حوار منقول: “قيل للصادق (عليه‌ السلام): سيدي جُعلت فداك، إنّ الميت يجلسون له بالنياحة بعد موته أو قتله، وأراكم تجلسون أنتم وشيعتكم من أوّل الشهر بالمأتم والعزاء على الحسين (عليه ‌السلام)!!

فقال (عليه ‌السلام): “يا هذا إذا هلَّ هلالُ محرم نشرت الملائكةُ ثوبَ الحسين (عليه ‌السلام) وهو مخرَّقٌ من ضربِ السيوف، وملطَّخٌ بالدماء، فنراه نحن وشيعتُنا بالبصيرة لا بالبصر، فتنفجرُ دموعنا”.

وتكمن المشكلة في أن مؤلف كتاب “ثمرات الأعواد” من العلماء المتأخرين، إذ وُلد عام 1326هـ، أي بعد قرون طويلة من عصر الإمام الصادق (عليه السلام). والأهم من ذلك، أن المؤلف لم يُشر إلى مصدر هذا النص ولم يوثقه من أي مرجع سابق يمكن التحقق منه.

وبذلك، يصبح من المتعذر علميًا التثبت من صحة نسبة هذا القول للإمام الصادق (عليه السلام).

2025/06/26

هل يمكن لأحد أن يلتقي بالإمام المهدي (ع) اليوم؟!

هل يمكن للإمام الحجة (ع) أن يتصل ببعض الأشخاص في زماننا هذا وأن يعطيهم علوماً مثل تأويل بعض الآيات وكيف يجب التعامل مع من يدعي ذلك؟

الجواب من سماحة الشيخ محمد صنقور:

كل من يدَّعي ذلك فهو كذَّاب مفترٍ كما ورد في التوقيع الشريف الصادر عن الإمام الحجة (ع): "وسيأتي من شيعتي من يدّعي المشاهدة ألا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفترٍ"، والقدر المتيقن من هذا التوقيع الشريف هو ادّعاء الالتقاء المنتظم وأخذ العلوم والتوصيات منه فإن ذلك مقطوع الكذب كما عليه إجماع الطائفة البالغ حد الضرورة المذهبية.

[اشترك] 

2025/05/21

لماذا نحن بحاجة إلى الإمام المهدي (ع)؟!

تتعالى أصوات المظلومين في كل ركن من أركان الأرض، وتزداد الهوة اتساعاً بين الأغنياء والفقراء، ومع هذا يبقى الأمل قائماً في منقذ موعود، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

[اشترك]

إنه الإمام المهدي عجل الله فرجه، الخليفة المستخلف من الله لإتمام مشروع العدل الإلهي.

الحكمة الإلهية في استخلاف المهدي

لم تكن المهدوية فكرة طارئة أو منفصلة عن منظومة الاستخلاف الإلهي، بل هي امتداد طبيعي لخط الإمامة والنبوة. فالله سبحانه وتعالى لم ولن يترك الأرض بلا حجة، كما أكد القرآن الكريم: "ولكل قوم هاد" (الرعد: 7)، وقال تعالى: "إني جاعلك للناس إماماً" (البقرة: 124).

وعندما نتأمل الوعد الإلهي بإظهار دين الحق، نجده واضحاً في قوله تعالى: "هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" (التوبة: 33). ولما كانت هذه الغاية لم تتحقق بعد، كان لابد من وجود المهدي لإكمال هذا المشروع الإلهي العظيم.

الضرورة العقائدية للمهدوية

التاريخ الإسلامي شاهد على موجات متتالية من التحريف والانحراف، وكم من بدعة ظهرت وأدعياء كثر زعموا ما ليس لهم. لذا، كانت الحكمة الإلهية أن يوجد إمامٌ حيٌ يمثل الضمانة لصيانة الدين من التشويه والضياع، مصدراً معصوماً يصحح المسار عند الانحراف.

إن وجود المهدي يمثل استمراراً للحجة الإلهية على الخلق. فبدون إمام، تكون البشرية محرومة من القيادة الشرعية المنصوبة من السماء، وهذا يتعارض مع الغرض الإلهي في تحقيق العدالة الشاملة.

ورغم انقطاع الوحي التشريعي بختم النبوة، فإن الإمامة تحافظ على جوهر الوحي وتفعيله في الواقع، ليس بإضافة وحي جديد، بل بقيادة معصومة تفعّل الوحي الموجود وتحافظ على أصالته.

الحاجة الاجتماعية والتاريخية للمنقذ العالمي

مع وجود اليأس والظلم الذي يجتاح العالم، تمثل فكرة المهدي مشروع أمل للبشرية جمعاء، وليست حكراً على المسلمين. فالملفت أن معظم الأديان تشترك في فكرة "المخلّص المنتظر"، مع اختلافات في التفاصيل والهويات.

العدالة الشاملة التي لم يشهدها التاريخ البشري يوماً، ستتحقق على يد المهدي، الذي سيؤسس حكومة عالمية عادلة قائمة على التوحيد. وفي عالم مليء بالاستغلال والطبقية والصراعات المدمرة، يأتي المهدي ليضع حداً لهذا الفساد، ويعيد بناء النظام الدولي على أسس من التوحيد والعدالة والمساواة.

الغيبة: امتحان وحكمة

قد يسأل البعض: إذا كانت الحاجة للمهدي ماسة كما تقولون، فلماذا هو غائب؟ الجواب أن غيبة الإمام تندرج في إطار الحكمة الإلهية لأسباب منها:

- حفظه من القتل، تماماً كما حفظ الله نبيه موسى ويوسف عليهما السلام.

- امتحان الناس وتمييز المؤمن الصادق من غيره.

- بقاء القيادة الإلهية كقوة كامنة ترعى خط الدين دون ظهور علني، في انتظار اللحظة المناسبة للظهور.

في المحصلة النهائية، استخلف الله الإمام المهدي لحِكم متعددة: حفظ الدين من التحريف، إقامة العدل الشامل، إتمام الحجة على الناس، وتهيئة العالم لنظام إلهي عالمي.

والحاجة للمهدوية ليست نظرية فحسب، بل هي ضرورة عملية لإيجاد مرجعية عليا مستمرة، تقود البشرية نحو الكمال الحقيقي، وتحقق الوعد الإلهي بانتصار الحق على الباطل.

2025/05/10

أدلة علمية وتاريخية: كيف تمكّن الإمام المهدي (ع) أن يعيش لقرون؟!

في حلقة نقاش ساخنة بين مجموعة من الطلاب، ارتفع صوت أحدهم معترضاً: "كيف يُعقل أن يعيش إنسان أكثر من ألف عام؟ هذا مخالف لكل القوانين الطبيعية!" ابتسم الأستاذ وقال: "دعونا نترك جانباً الانفعالات، ولنتأمل في إجابة هذا السؤال بمنهجية علمية وتاريخية، فقد يكون ما تظنه مستحيلاً هو في الحقيقة ممكن الوقوع بل وله نظائر عديدة."

[اشترك]

تُعدّ مسألة طول عمر الإمام المهدي من أكثر التساؤلات إثارة حول العقيدة المهدوية عند الشيعة الاثني عشرية، وقد ركّز عليها المخالفون كثيراً معتبرين إياها نقطة ضعف في هذه العقيدة. ولكن عند التأمل في المصادر العلمية والتاريخية يتضح جلياً عدم صحة هذا الإشكال، ويمكن تناول ذلك من ثلاثة محاور أساسية:

أولاً: الإمكان الذاتي - لا استحالة عقلية

مما لا شك فيه عدم وجود استحالة ذاتية في بقاء الإنسان حياً لمدة طويلة، حيث إن الموت ليس فناءً وإنما هو انتقال للإنسان من عالم إلى آخر، ولا يتوقف ذلك على شيء إلا على مشيئة الله عز وجل كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ (آل عمران: الآية 145).

فبالموت ينتقل العبد من عالم الدنيا إلى عالم البرزخ حينما يشاء الله، وحيث إنه سبحانه وتعالى قادر على كلّ شيء، فلا يَعزّ عليه أن يطيل في عمر شخص ويؤجل انتقاله إلى البرزخ لسنين طالت أم قصرت. وخير شاهد على قدرة الله على ذلك ما نراه من طول العمر في الكائنات الحية الأخرى من حيوان ونبات، حتى أن بعض النباتات تصل أعمارها إلى آلاف السنين.

ثانياً: الإمكان العلمي - الخلود نظرية معاصرة

من الملاحظ أننا نجد البشرية منذ القدم عملت في تقديم حلول لإطالة حياة الإنسان، ولا يزال ذلك دافعاً أساسياً وراء المساعي العلمية عبر التاريخ وحتى عصرنا الحاضر. فنجد الجميع يتحدثون عن إمكان تطويل العمر أو ما تسمى بنظرية الخلود، وإن اختلفوا في الأسباب والأساليب.

وكلما تقدمت العلوم أكثر ازداد القائلون بهذه النظرية أكثر فأكثر، حتى أصبحت في عصرنا نظرية مقبولة لدى الكثير من ذوي الاختصاص. فإن العلم الحديث وبمختلف فروعه أوشك على التسليم بأنّ هناك عوامل مؤثّرة في طول العمر كالوراثة ونمط الحياة وغيرها، وما الشيخوخة إلا ظاهرة عَرَضية تحدث لأسباب إذا تجنبها الإنسان فإن ذلك يمكنه من العمر الطويل أضعاف ما هو عليه الآن.

ثالثاً: الواقع التاريخي - المعمرون عبر العصور

فمما شهد به التاريخ هو وجود المعمرين في مختلف الأمم والأقوام والطبقات البشرية والأدوار التاريخية، مما لا يدع مجالاً للاستغراب في حصول ذلك في الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف. وإليك فيما يلي بعض النماذج:

عند أهل الكتاب

فقد ذكر العهد القديم في سفر التكوين أسماء عديدة ممن عاش في الدنيا لفترات طويلة، منهم:

- متوشالخ ابن إدريس وهو والد لامك وجد نوح، وهو شخص مات وعمره 969 سنة، توفي فقط سبعة أيام قبل الطوفان العظيم، وقد ذكر اسمه في سفر التكوين (سفر التكوين: الإصحاح الخامس 27).

- جاريد: عاش 962 عاماً

- نوح: 950 عاماً

- آدم: 930 عاماً

- شيث: 912 عاماً

- قينان: 910 عاماً

- أنوش: 905 عاماً

- مهلائيل: 895 عاماً

- لامك: 777 عاماً

- أنس الله: 365 عاماً

عند المسلمين

وقد صرحت مصادر عديدة عند المسلمين بطول حياة البعض من البشر من أنبياء وغيرهم:

- نوح عليه السلام: حيث صرح القرآن الكريم بلبثه في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً.

- الخضر عليه السلام: فقد ذهب جماعة من علماء أهل السنة إلى بقائه حياً، بل نسبه الإمام النووي إلى أكثر العلماء (تهذيب الأسماء واللغات ج1 ص176).

- إلياس عليه السلام: فقد صرح غير واحد بحياته منهم الإمام القرطبي في تفسيره بعد تصريحه بحياة الخضر عليه السلام (الجامع لأحكام القرآن ج11 ص29).

- سلمان الفارسي: حيث ذكر أصحاب السير أنه عاش ثلاثمائة وخمسين عاماً، حتى قال عنه ابن الأثير في أسد الغابة: "قال العباس بن يزيد: قال أهل العلم: عاش سلمان ثلاثمائة وخمسين سنة، فأما مائتان وخمسون فلا يشكون فيه. قال أبو نُعَيم: كان سلمان من المعمرين، يقال: إنه أدرك عيسى بن مريم" (أسد الغابة ج2 ص269).

كما ذكر الشيخ الصدوق أسماء عدة منهم في كتاب "كمال الدين"، والعلامة الكراجكي في رسالته الخاصة باسم "البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان"، والعلامة المجلسي في "بحار الأنوار" وغيرهم.

عند المؤرخين

وقد ذكرت كتب التاريخ جمعاً ممن أمدّ الله في عمره، فقد أورد المسعودي من ملوك عاد:

- عاد بن عوص الذي عاش 1200 عاماً

- شديد بن عاد 580 عاماً

- شداد بن عاد 900 عاماً

ومن ثمود:

- عابر 200 عاماً

- جندع 327 عاماً

ومن خزاعة:

- عمرو بن لحي 345 عاماً (مروج الذهب ج2 ص13 فما بعد)

ومن الهند:

- البرهمن الذي عاش 360 عاماً

ومن الصين:

- نسطرطاس 300 عاماً

- عوون 250 عاماً

- عيثنان 400 عاماً

ومن الفرس:

- كيومرث 1000 عاماً

- جمشيد 600 عاماً

- بيوراسب 1000 عاماً

- أفريدون 500 عاماً (مروج الذهب: ج1 ص93 فما بعد)

وعلى من أراد المزيد مراجعة "المعمّرون والوصايا" لأبي حاتم السجستاني و"الآثار الباقية" للبيروني وغيرها من الكتب المدونة في تاريخ الأمم.

وبعد كل ما تقدم، فهل يليق بذي لبّ أن يستنكر على الإمامية اعتقادهم بطول عمر إمامهم المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويجعل ذلك مطعناً من مطاعنه على النظرية المهدوية عند الشيعة الاثني عشرية؟

2025/04/25