لم ينظر النبي صلى الله عليه وآله إلى الطفل بوصفه إنسانًا ناقصًا ينتظر أن يكبر حتى يستحق الاحترام، بل عامله باعتباره إنسانًا كامل الكرامة، له مشاعره وحاجاته، وشخصيته التي ينبغي أن تنمو، وعقله الذي يحتاج إلى التوجيه بالحكمة واللين.
ولهذا تكشف السيرة النبوية عن مواقف متعددة لا تكتفي بالعناية بالطفل من الناحية المادية، وإنما تلتفت إلى عالمه النفسي والعاطفي، وتحرص في الوقت نفسه على تربيته على الأخلاق والعبادة وتحمل المسؤولية، بأسلوب يراعي سنّه وقدراته.
ولم تقتصر هذه الرعاية على أبناء المسلمين أو أطفال أسرته صلى الله عليه وآله، بل امتدت إلى الأطفال عمومًا، بما في ذلك الأيتام وأبناء الفقراء، في مواقف تقوم على المواساة وجبر الخاطر وإشعار الطفل بالأمان والانتماء. ومن خلال هذه الممارسة اليومية، أسس النبي ثقافة اجتماعية تجعل الرحمة بالأطفال جزءًا من منظومة الإيمان، وحسن معاملتهم سلوكًا يقود إلى رضا الله تعالى.
لماذا نحتاج إلى استعادة المنهج النبوي في التربية؟
[اشترك]
في أيامنا هذه، تواجه الطفولة تحديات تربوية ونفسية واجتماعية متعددة، تبدو العودة إلى المنهج النبوي في التعامل مع الأطفال أكثر من مجرد استعادة لوقائع من الماضي. إنها محاولة لاستخلاص مبادئ تربوية يمكن أن يستفيد منها الآباء والمربون في بناء علاقة أكثر توازنًا مع الطفل.
ويقوم هذا المنهج، كما تظهره المواقف الواردة في السيرة، على الجمع بين الرحمة والتوجيه، وبين الحب وغرس القيم، وبين احترام شخصية الطفل ومساعدته على النمو وتحمل المسؤولية.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة تعامل النبي الأكرم صلى الله عليه وآله مع الأطفال؛ للكشف عن أبعاده الإنسانية والتربوية، واستلهام المبادئ التي يمكن أن تسهم في بناء شخصية طفل أكثر توازنًا، وتقديم نموذج عملي للأسرة والمربين وكل من يتحمل مسؤولية تنشئة الأجيال.
جاء النبي صلى الله عليه وآله ليعيد تعريف القوة الإنسانية على أساس الرحمة، وينقل التعامل من القسوة إلى الرفق، ومن الجفاء إلى المودة. وفي بيئة كانت تعرف مظاهر قاسية في التعامل مع الأطفال، ومنها حرمانهم من بعض حقوقهم ووأد البنات، كما كان إظهار العاطفة يُنظر إليه لدى بعض الناس باعتباره ضعفًا، قدّم النبي نموذجًا مختلفًا يجعل التعبير عن الحب والرحمة سلوكًا إنسانيًا نبيلًا.
ولم يكن إظهار عاطفته تجاه الأطفال أمرًا يمارسه في الخفاء، بل كان جزءًا من سلوكه أمام الناس، وكأنه يريد أن يحوّل الرحمة من فضيلة فردية إلى ثقافة اجتماعية.
وقد روي عنه صلى الله عليه وآله: «وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ إِذَا أَصْبَحَ مَسَحَ عَلَى رُءُوسِ وُلدِهِ وَوُلدِ وُلدِهِ»(1).
وكان يعلّم المسلمين الشفقة على الأبناء بأفعاله قبل أقواله. فعندما توفي ابنه إبراهيم، بكى النبي صلى الله عليه وآله حتى جرت دموعه على لحيته، فقيل له: يا رسول الله، تنهى عن البكاء وأنت تبكي؟ فقال: «لَيْسَ هَذَا بُكَاءً، وَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ، وَمَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ»(2).
في هذا الموقف تتضح إحدى القواعد الأساسية في التربية، الطفل لا يحتاج إلى مشاعر مكبوتة باسم القوة، وإنما يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بأن التعبير عن الحزن والمحبة أمر طبيعي، وأن الرحمة ليست عيبًا ينبغي إخفاؤه.
قد تبدو الهدية في نظر الكبار شيئًا بسيطًا، لكنها في ذاكرة الطفل قد تحمل معنى أكبر بكثير من قيمتها المادية. فالطفل يتأثر باللفتات الصغيرة التي توصله إلى معنى واضح: هناك من يراه، ويهتم به، ويتذكره.
وفي هذا السياق، تظهر الهدية في المواقف النبوية بوصفها وسيلة لتوثيق العلاقة بالطفل وتنمية الألفة والمودة، لا مجرد وسيلة لإرضائه أو تدليله.
وقد ورد أن النجاشي أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله حلقة فيها خاتم من ذهب وفص حبشي، فأخذها النبي صلى الله عليه وآله بعود، ثم دعا ابنة ابنته أمامة بنت أبي العاص، وقال لها: «تَحَلَّي بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ»(3).
ويكشف هذا الموقف عن معنى تربوي عميق، أن يشعر الطفل بأنه حاضر في دائرة اهتمام الكبار، وأن له مكانة تستحق الالتفات.
لا يستطيع الطفل دائمًا استيعاب العبارات الكبيرة، لكنه يفهم لغة أخرى أكثر مباشرة: ابتسامة صادقة، ولمسة حانية، وقبلة تحمل إليه معنى الحب والأمان.
ولهذا كانت عاطفة النبي صلى الله عليه وآله تجاه الأطفال ظاهرة في سلوكه. فقد روي أنه كان يقبل الحسن والحسين عليهما السلام، فقال الأقرع بن حابس: «إِنَّ لِي عَشَرَةً، مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ قَطُّ»، فقال صلى الله عليه وآله: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ». وفي رواية حفص الفراء، غضب رسول الله صلى الله عليه وآله حتى التمع لونه، وقال للرجل: «إِنْ كَانَ قَدْ نُزِعَتِ الرَّحْمَةُ مِنْ قَلْبِكَ، فَمَا أَصْنَعُ بِكَ؟ مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُعَزِّزْ كَبِيرَنَا، فَلَيْسَ مِنَّا»(4).
وكان من أشهر مواقف السيرة في هذا الباب إكثاره صلى الله عليه وآله من تقبيل سبطيه الإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، وحملهما وضمّهما إليه، وإظهار محبته لهما أمام المسلمين.
وقد روى ابن عباس: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ابْنُهُ إِبْرَاهِيمُ، وَعَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ تَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا، وَتَارَةً يُقَبِّلُ هَذَا»(5).
وفي رواية أخرى ورد: «مَنْ قَبَّلَ وَلَدَهُ كَتَبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ فَرَّحَهُ فَرَّحَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ دُعِيَ بِالْأَبَوَيْنِ، فَيُكْسَيَانِ حُلَّتَيْنِ يُضِيءُ مِنْ نُورِهِمَا وُجُوهُ أَهْلِ الْجَنَّةِ»(6).
وهنا لا تعود القبلة مجرد تعبير عابر عن العاطفة، بل تصبح جزءًا من علاقة تربوية يشعر فيها الطفل بأنه محبوب ومقبول وذو قيمة.
الدخول إلى عالم الطفل
اللعب بالنسبة إلى الطفل ليس مجرد وسيلة لتمضية وقت الفراغ؛ إنه إحدى الوسائل التي يعبّر بها عن مشاعره، وينمي قدراته العقلية والجسدية والاجتماعية. وقد أشار النص الأصلي إلى أن الدراسات التربوية الحديثة أثبتت أهمية اللعب في بناء شخصية الطفل وتنمية مهاراته وتعزيز ثقته بنفسه وإشباع حاجاته النفسية.
وتكشف المواقف النبوية عن إدراك عملي لهذه الحقيقة؛ فلم يكن النبي صلى الله عليه وآله يكتفي بتوجيه الأطفال من موقع الكبار، بل كان يقترب من عالمهم ويشاركهم بعض اهتماماتهم.
يروي يعلى بن مرة: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، دُعِينَا إِلَى طَعَامٍ، فَإِذَا الْحَسَنُ يَلْعَبُ فِي الطَّرِيقِ، فَأَسْرَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ أَمَامَ الْقَوْمِ، ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ مَرَّةً هَهُنَا، وَمَرَّةً هَهُنَا، يُضَاحِكُهُ حَتَّى أَخَذَهُ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ فِي ذَقْنِهِ، وَالْأُخْرَى بَيْنَ رَأْسِهِ، ثُمَّ اعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: حَسَنٌ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّهُ، الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سِبْطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ»(7).
كما روي أنه صلى الله عليه وآله كان يرفع الحسين بن علي عليه السلام فوق قدميه ويداعبه، ويقول: «حَزَقَّةٌ حَزَقَّةٌ، تَرَقَّ عَيْنَ بَقَّةٍ، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ، فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ»(8).
هذه المواقف ترسم صورة واضحة لعلاقة لا تقوم على المسافة بين الكبير والصغير بقدر ما تقوم على القدرة على الاقتراب من عالم الطفل. فالتواصل الحقيقي معه لا يتحقق بالتعالي عليه، وإنما بفهم لغته، ومشاركته بعض اهتماماته، ومنحه الوقت والاهتمام، وإشعاره بأنه ليس هامشًا في عالم الكبار.
بناء الشخصية
تكشف هذه المواقف مجتمعة عن أن التعامل النبوي مع الأطفال لم يكن سلسلة من العواطف المنفصلة، بل كان يحمل تصورًا متكاملًا للطفولة. فالمسح على الرأس، والهدية، والقبلة، واللعب، والحمل والاحتضان، كلها ممارسات تؤدي وظيفة تتجاوز لحظتها المباشرة: إنها تبني لدى الطفل شعورًا بالأمان والانتماء والقيمة.
وفي المقابل، لا تنفصل هذه الرحمة عن التربية على الأخلاق والعبادة وتحمل المسؤولية. فالحب في المنهج النبوي ليس بديلًا عن التربية، كما أن التوجيه ليس مبررًا لإلغاء مشاعر الطفل أو شخصيته.
وهنا تكمن القيمة الأهم في استعادة هذه المواقف اليوم: أن التربية لا تبدأ بالأوامر، بل بالعلاقة؛ ولا تُبنى بالقسوة، بل بالثقة؛ ولا ينجح فيها التوجيه ما لم يشعر الطفل أولًا بأنه محبوب ومحترم ومسموع.
إن الطفل الذي يجد في أسرته ومجتمعه أمانًا ورحمةً واحترامًا، يصبح أكثر استعدادًا لتلقي القيم والتوجيه. ومن هذه النقطة يمكن فهم العناية النبوية بالطفولة باعتبارها تأسيسًا لعلاقة إنسانية تسبق التربية وتمنحها أساسها المتين.
فالرحمة في السيرة النبوية ليست موقفًا عاطفيًا عابرًا، وإنما منهج في التعامل مع الإنسان منذ سنواته الأولى؛ منهج يضع الحب في موضعه الطبيعي، ويجعل احترام الطفل مدخلًا إلى بناء شخصيته، ويحوّل العناية به من شأن خاص بالأسرة إلى مسؤولية أخلاقية واجتماعية أوسع.
الهوامش:
1) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 104 / الصفحة: 99 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
2) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 82 / الصفحة: 76 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
3) سنن إبن ماجة / إبن ماجة / المجلد: 2 / الصفحة: 1202 / الطبع: دار إحياء الكتب العربية _ بيروت.
4) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 282 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
5) مناقب آل أبي طالب / إبن شهر آشوب / المجلد: 3 / الصفحة: 234 / الطبع: المكتبة الحيدرية _ النجف الأشرف.
6) الكافي / محمد بن يعقوب الكليني / المجلد: 6 / الصفحة: 49 / الطبع: دار الكتب الإسلامية – طهران.
7) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 271 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.
8) بحار الأنوار / العلامة المجلسي / المجلد: 43 / الصفحة: 287 / الطبع: مؤسسة الوفاء – بيروت.































