عاشوراء والأربعين
لم يكن ’سياسياً’.. الطف حدث كوني!

الطف حدث كوني

لم تكن السقيفة مؤامرة قام بها اشخاص محدودين لابتزاز الامام علي (ع) حقه في الخلافة، والاستحواذ عليها. بل هي تعبير واقعي عن الطبيعة الانسانية في الصراع بين الخير والشر، فالانسان ملتقى الاضداد يجمع في نفسه الخير والشر بدرجات متفاوتة، حيث يظهر منها حسب الظرف الذي يعيشه، وتكون طبيعة الواقع المعاش هو المحك الحقيقي الذي يظهر مافيه.

[اشترك]  

حين جاء الاسلام دخل فيه الناس طواعية وكرها.. إسلاما واستسلاما. وقد كان فيهم النبي ص كما حدد القران الكريم بقوله (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية26). حيث شاءت الحكمة الالهية في الخلق ان يكون الانسان مختارا، لايتعرض لعامل قسري يحدد اختياره، بل هو في محك دائم يمتحن قدرته ومثابرته على اختيار الحق او ترديه في مهاوي الطمع والرغبة في اختيار الشر.   

إن التصور الذي يقدمه الكثيرون لمهمة النبي محمد (ص) على أنه جاء ليصنع الناس على شاكلة خيّرة صالحة.. وبالتالي فأي قدح بالمسلمين الذين كانوا معه هو قدح في نجاح النبي الاكرم (ص) وقدراته كنبي مرسل.. هو تصور خاطئ. حيث ان مهمته هي جعل الناس امام صورة جلية للحق لاشبهة فيها ولا امكانية للاعتذار إذا ما اختار احدهم الباطل

لهذا فحين انتقل النبي (ص) الى الرفيق الاعلى تاركا في الناس شريعة المحجة البيضاء، وعدد لايحصى من الاحاديث الدالة عمّن يحملهم على تلك المحجة ويدلهم على معالم الطريق. كان اولئك المسلمون على المحك والامتحان الصعب. لقد كان المسلمون طوال فترة الدعوة في ضنك وعوز وخوف فكانوا في ذلك على حال من تلاشي دلائل الشر والطمع، ولكنهم قبيل وفاة النبي (ص) وبعد وفاته، قد تغير بهم الحال وصارت لهم دولة يلوح في افاقهم الاتساع وانهمار المال الوفير الى خزائنها وتتوفر فيها المناصب. هنا تحركت نوازع الشر والطمع. وخير من صور ذلك المنقلب هي الزهراء (ع) في خطبتها إذ تقول "فلما اختار الله لنبيّه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسيكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلّين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم  فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً".   

وعليه فإن حرب الامام علي (ع) في السقيفة ليست مع عصبة متشخصة بل عموم المجتمع الذي استحكم الطمع والرغبة في ابنائه. فمالوا عنه. وهذا ماحدا بالامام (ع) ان يصبر ويسكت عن حقه لانه كإمام معصوم هو النور الذي تحتاجه الناس ولاحاجة له بإمرتهم ماداموا راغبين في المسلك المنحرف.  

غير أن هذا لايعني ان الامام المعصوم يلقي الحبل على الغارب أو يترك الامة تركا مطلقا، حيث أن الانحراف عن جادة الاسلام لها مجال محدود من وجهة نظر الامام، فإن تجاوزوه كان عليه التدخل. وهذا المجال مرهون بالمساس بمادة الاسلام وجوهرها، أن صار الوضع الى مايحيق به الضياع هب المعصوم (ع) للدفاع عنه والمحافظة عليه.. وبالنسبة الى الامام الحسين (ع) فقد واجه مساسا كاد ان يضيع الاسلام ويجعله أثرا بعد عين. وذلك بأن يعتلي عرش الخلافة رجل كيزيد بن معاوية الرجل الذي يكفي في بيان ماهو عليه من الانحلال والفساد، أن اهل المدينة حين وصلت اليهم انباء ماحدث في الطف من قتل الحسين (ع) واهل بيتهم أرسلوا وفدا لملاقاة يزيد والاطلاع على حقيقته، فلما رجع الوفد قالوا لاهل المدينة جئناكم من عند شخص لا دين له، شرّاب للخمر زانِ قاتل للنفس المحترمة، ويلاعب الكلاب.. وليس الامر محصورا بتولى شخص كذاك الخلافة وإنما الامر الجلل الذي كاد ان يودي بالاسلام هو رضوخ الامة لحكمه واستسلامها لإمرته، حيث قد تبددت كل روح في الناس للوقوف بوجه الباطل وضاعت فيهم القدرة على مواجهة الفساد. وهذا ماجعل للطف ميزة متفردة ألا وهي أنها لم تكن حدثا سياسيا محصورا بصدام مسلح بين حاكم منحرف وثائر ينشد الثورة عليه. بين هي حدث تاريخي يحمل في طياته الدرس البليغ والصورة للمثال للاحرار الذين يرفضون الظلم والطغيان والفساد.. أن الكوفة وجيش الشام والغاضرية ويزيد وغيرها من مفردات يرد ذكرها في ثورة الامام الحسين (ع) لم تكن تمثل حقيقة الحدث بل هي مفردات مادية تجلت فيه حركة الامام الحسين الكونية. وتجسدت من خلالها صورة الموقف الاسطوري لتحدي الحق المطلق بالباطل المطلق.. وإلا فإن الحسين (ع) قد ثار على يزيد وحث الناس بكل ما استطاع للثورة على يزيد وقد اعتزله الناس، نجد الناس قد ثاروا على يزيد نفسه في موقعة الحرة والامام السجاد (ع) اعتزلهم ورفض الثورة.

2021/08/28

بعيداً عن التوظيف ’السياسي أو الدعائي’.. هل العزاء الحسيني فعلٌ أم نشاط؟!

العزاء الحسيني فعلٌ أم نشاط؟!

في عالم الدراما يُميّز بين الفعل والنشاط، فمثلاً: وأنت في المطار تنتظر طائرتك أو في عيادة الطبيب ترقب دورك.. تُخرج كتابك المفضّل وتقرأ فيه، فهل أنت تنتظر أم تقرأ؟!.. الانتظار هنا فعلٌ، فيما القراءة نشاط نافع مقترن بذلك الفعل ومصاحبٌ له. فهل العزاء والبكاء على سيد الشهداء كفعل أم كنشاط؟

[اشترك]

واهمٌ من يظنّ أنني أتساءل على غرار ما تطرحه الحركات الإسلاميّة، والأحزاب الدينية التي عادة ما تسعى إلى التوظيف السياسي للعزاء والبكاء، وتسعى أيضاً إلى تحويلها إلى ما يشبه الممارسة الدعائيّة والنشاطات الانتخابيّة، على نحو تغدو فيه القضيّة والهويّة خادمةً لا مخدومة، وتصبح شعائر العزاء والبكاء محض وسيلة لتحقيق غايات سياسية، فمثل هؤلاء نعرف موقفهم، ونحفظ مصطلحاتهم، إنّهم ضد النزعة "الطقوسية و الخرافيّة و الغيَبوية والخياليّة والشعائرية.." وكل ما ينتهي بالياء والتاء باستثناء "نزعتهم السلطويّة" وما يتصل بها!

وعلى الدرجة نفسها من الوهم من يخال أنّ المقال يميل إلى فصل العزاء عن غاياته، ويقطعه عن أهدافه ويتجه نحو افراغه عن المحتوى، و يجرّده من القصديّة، لينتج عنه أنّه عادة لا عبادة، وتقليد اجتماعي، وشأن ثقافيّ.. أبداً، ليس هذا منشوداً، كما أنّ الرأي الأول غير مقصود، وإنّما الشأن كلّ الشأن هو تحكيم الدين، وتغليب الشرع، وذلك يعني أنّ فرضيّات الاجابة ثلاثة، والناس على طرفين، ووسط، فالطرفان: تفريطي وإفراطي، وقد أشير إليهما آنفاً، والوسط هو موقف الشرع.

إنّ البكاء وإقامة العزاء عموماً على سيد الشهداء-فيما يعتقد الشيعة قولاً واحداً- "فعلٌ" عبادي، و"نشاط" شرعي أيضاً فيما لو تحقّق فيه قصد القربة، فهو كسائر العبادات الأخرى: الصلاة والصيام والحج والزكاة.. وله ما لها، وفيه ما فيها.. ومثلما أنّ العبادات في الشرع مطلوبة لنفسها ولغيرها، وهي فعلٌ ونشاط، وطريق وموضوع، ووسيلة وغاية، بحسب اختلاف زاوية النظر، ودرجة الفاعل/العابد، كذاك الأمر في إقامة العزاء وشؤونه الأخرى.

 فالعزاء عبادة في ذاته، ومراسم إحياء عاشوراء "فعلٌ" مطلوب في نفسه.. لكن السؤال: لو نظر إليه باعتباره "نشاطاً" نوعيّا، وممارسة جماعيّة.. فلأيّ فعلٍ هذا النشاط يُطلب، وأي ثمر منه يرقب؟. له جملة آثار وثمار، ومقاصد وأهداف، وفوائد وغايات، وهي وافرة ومتنوعة، نقتصد على ثلاثة جوانب وأبعاد: الشرعي و الأخلاقي، والعقائدي.

 فالمقصد الشرعي يتمثّل في أنّه مصداق للتأسي، وأمثولة للاقتداء، وامتثال  للأمر الشرعي، وتحقيق لمطلوب ديني، وأداءٌ لأمرٍ ندبي، وتطبيق لحكم استحبابي، وهذا واضح.

 كما أنّ البعد الأخلاقي في اعادة استذكار أحداث الفاجعة هو ترسيخ أعمق القيم الأخلاقيّة، والدعوة إلى إحيائها وتأكيدها وإشاعتها؛ ذلك أنّ حدث الطف ليس من قبيل حكايات ألف ليلة وليلة.. وإنّما هو استعارة كاملة لمنظومة قيم- كان البشر وما يزال وسيبقى أحوج ما يكون لها- قوامها: الإيثار مقابل المنفعة، والثبات على المبدأ، مقابل التلوّن المصلحي، ورفض الظلم، مقابل الخنوع، والتعاطف مع المظلوم ونصرته.. وهكذا

وفي الجانب الديني والاعتقادي، أضف إلى أنّ الشعائر الحسينية تعبير صادق لمودة أهل البيت، وأداءٌ لحق ولايتهم علينا.. فهي أيضاً في التحليل الأخير لا تخلو من تقديم خدمة لمشروع اجتماعي/سياسي عالمي عظيم مرتقب، إنّه المشروع المهدوي العظيم، الذي يستحق أن تخاض له اللجج، وتسفك دونه المهج:" وبذل فيك مهجته ليستنقذ عبادك من الجهالة..".. والخدمة المنظورة التي يقدّمها إحياء عاشوراء في سياق المشروع المهدوي العظيم؛ هي ترويض النفوس، وتطهير القلوب، وخلق الاستعدادات، وتهيئة القابليات في البشر، لقبول الحق فيما لو ظهر.

ويمكنني القول: إنّ هذا البعد هو من أهم الأبعاد المغفول عنها، فقضية البشر أمام دعوات الأنبياء والأوصياء على طول التأريخ؛ ليست في غموض الحقّ، وخفاء طريق الهداية.. إنّما قضيّة الناس العصيّة، ومشكلتهم المستعصيّة هي الإرادة والعزيمة، وحاشا لله تبارك وتعالى أن يبخل على أوليائه بكل ما يوضح حقانية طريقهم، ويبرهن على صدق دعوتهم، لكن الشأن كل الشأن هو في الجحود والمكابرة، وتغليب المنفعة على المبدأ مما يحتاج فيه إلى ترويض النفوس على قبول الحق بعد انكشافه وجلائه، وكانت هذه المشكلة واضحاً جدّاً فيمن واجه الإمام الحسين(عليه السلام) في كربلاء، وإنْ من حسنة تُكتب للملعون عمر بن سعد فهي صراحته في هذا السياق، وإقراره بالإثم (أم أصبح مأثوماً بقتل حسين) الكاشف عن إدراكه التام، وعلمه الكامل بحقانية الإمام، لكنّ إرادته حالت دون متابعة علمه.

والخلاصة: العزاء، والبكاء وسائر مراسم إحياء عاشوراء الثابتة هي وسيلة وهدف.. نشاط وفعل.. تماماً كما الصلاة، فمثلما هي خير موضوع وقربان كل تقي.. هي أيضاً تطلب وتؤدّى، وتمتثل وتؤتى؛ لتنهى عن الفحشاء والمنكر!

 

2021/08/26

’عادل العلوي’.. ميّت يوقظ الأحياء من سباتهم!

عادل العلوي.. منبّها!

يميّز الفلاسفة بين التنبيه والبرهان، بأنّ مجرى التنبيه ومورده هو كل ما يذكّر بالقضايا البديهية، وينبّه على المسائل الواضحة، وفي مقابل ذلك: البرهان، فمجره هو إقامة الحجّة على المسائل النظريّة التي يلفّها الغموض، والقضايا الفكريّة التي تفتقر إلى الإثبات؛ لذا قيل: إنّ ابن سينا كان يرمي إلى جامعية كتابه لمّا وضع عنوانه: الإشارات والتنبيهات!

[اشترك]

اكتشفت أنّ حاجة البشر إلى تذكّر الواضحات، والتنبّه للبديهيات-في معظم الأحيان- أكثر من حاجتهم إلى تعلّم ما يجهلونه، واكتساب ما لا يعرفونه.. ولا يقع لنا التنبّه اعتباطاً، ولا يحصل الالتفات جزافاً، وإنّما يأتي من مذكّر ومنبّه وموضّح، وهي ممارسة شاقّة، ومهمّة صعبة حتى قيل: توضيح الواضحات من أشكل المشكلات!

عالم البديهيات عالم مقدّس معرفيّاً، وغالباً ما نتوجس ممن ينكرون شيئاً منه، بينما الواقع أنّ الخشية على البديهيات لا تأتي من طرف المشكك فيها، والمنكر لها فقط.. وإنّما ممن يثبتها ويبرهن عليها أيضاً.. لأنّ ممارسة البرهان ستفترض أنّها في موضع شك.. لذا فالسبيل الوحيد هو توضيحها، و التنبيه عليها، والتذكير بها.

ليس لازماً أن يكون الإنسان حاضر البديهات، ومتوجه الذهن إليها.. فيحدث أن تصيبه الغفلة، ويفقد التركيز فتغيب عنه؛ لذا ذكر علماء المنطق (الانتباه) كواحد أسباب توجه النفس نحو البديهيات. مثلما يصدّر الباحث العلمي رسالته أو أطروحته بالافتراضات (وليس الفرضيات) فينبه  بها دون أن يبرهن عليها، على أنّ بحثه بما انطوى عليه من نتائج مستند إلى هذه المسلّمات.!

ولكل نطاق مسلّماته، كما عند كل فئة وجماعة واضحاتها.. كذا الأمر في الدين وعند المتدينين.. وتقع مهمة التنبيه عليها على الأنبياء والأوصياء ومن بعدهم العلماء (العلماء ورثة الأنبياء). عن أمير البلاغة: فبعث[الله] فيهم رسله، وواتر إليهم أنبياءه؛ ليستأدوهم ميثاق فطرته. ويذكروهم منسي نعمته..ويثيروا لهم دفائن العقول .. وإثارة دفائن العقول لا يخلو من إشارة إلى التنبيه على البديهيات، وأوضح إشارة منه التعبير القرآني بالتذكير: )وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ( [الذاريات : 55].

ومثلما أنّ غياب الواضحات، والذهول عن البديهات له أسبابه، كذا التنبيه عليها والتذكير بها له أساليبه وأشكالها، فمنها: تكرارها، وقد قرأتُ مرّة أنّ أحد الفلاسفة كان ينصح الناس بقراءة عشر بديهيات يومياً.. ومنها: الإلفات إلى نقيضها.. ومنها: اعادة صياغتها بأسلوب مختلف، وطريقة مغايرة، ودونك مثال على ذلك:

فمَن من المؤمنين، والمتدينين لا يعرف أنّ الله تعالى: حرّم أكل التراب والطين، واستثنى منه تربة الحسين فأجازه بمقدار وشروط؟! ومن منّا يجهل وجوب قصر الصلاة، وحرمة إتمامها إلا في مواضع ومنها قبر الحسين؟! وهكذا نعرف جميعاً  كراهة الجزع في المصيبة، ورجحان الصبر عند النائبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) [البقرة : 156] إلا على مصيبة الحسين...وهكذا سائر الاستثناءات الأخرى!

كل هذه قضايا واضحة عند المتدينين، وهي أشبه بالبديهيات الشرعيّة في القضيّة الحسينية.. لكن غاب عنّا أنّ هذه الاستثناءات تعني فيما تعني رفع اليد عن الشريعة، والتنازل عن الأحكام من قبل مشرّعها إكراماً لسيد الشهداء.. لقد غاب عنّا ذلك إلى أن قال المرحوم السيد عادل العلوي منبّهاً: "إنّ الله تنازل عن شريعته لخاطر الإمام الحسين"!، قال ذلك وهو يفسّر هذه الاستثناءات في مقطع فيديو قصير جداً ويترجمها بلغة أخرى، وأسلوب مختلف يعيد إليها دلالتها التكريمية، فرحم الله العلوي عالماً منبّهاً.

2021/08/26

عاشوراء.. مشروع استنقاذ من الموت!

يعرّف الطريحي الجهالة بأنّها موت القوة العاقلة، وفيما يلي ثلاث لقطات وصور من الواقع المعاصر، تحكي  بوضوح هذا الموت:

[اشترك]

(1)

هناك مقطع منشور على اليوتيوب يظهر فيه هولنديان يقومان بتغليف الكتاب المقدس بغلاف القرآن، ويقومان بقراءة بعض الجمل والعبارات منه للناس- وهؤلاء مسيحيون طبعاً- على أنّها من القرآن بينما هي في الواقع من الكتاب المقدّس!

يطلب الشابّان إبداء الرأي في النصوص التي اختاراها، ولقد أحسنا نوعاً ما اختيارها من الكتاب المقدس، فبعضها يتحدث عن العقوبة الشديدة على الشذوذ الجنسي (اللواط) وأنّ فاعله يُقتل، وأخرى تتعلق بوضع المرأة، وهكذا.

كانت جميع الإجابات رافضة بشدّة لمضامين تلكم الجمل. ورغم تنوّع عبارات الرفض والشجب والتي صاحبها دعوة المسلمين إلى ترك هذه الثقافة التي تتصادم مع القيم الغربية السائدة في تلكم المجتمعات..!، لكن الخيط الناظم لتعبيرات الرفض تلك هو أنّها كانت تصدر عن عاطفة مجرّدة عن العقلانيّة.!، ولقد شاهد هذه اللقطة من لقطات الجهالة بعض المسلمين، فاستبشر، وهلّل وكبّر، وحمد الله وأثنى عليه على نعمة العقل. لذا علينا أن نأخذ لقطة أخرى من قوم آخرين.

(2)

 قبل عشر سنين بالضبط -وللقصة شهود أحياء- جرى بيني وبين أحد المسلمين السنّة حوارٌ بشأن الموقف من معاوية بن أبي سفيان، وكان هذا السنّي قد قرّر أن موقفه الشخصي يتبع موقف أمير المؤمنين علي  من معاوية.. فقلتُ له: إذن تأسَ بأمير المؤمنين وقل في قنوت الصلاة: اللهم عليك بمعاوية وأشياعه.. ! فردّ الأخ السني بما يشبه النصّ: يا رجل تقرأ من كتاب نهج البلاغة، وهو كتاب شيعي، وتطلب منّي أن ألعن معاوية؟!!.. لكن سرعان ما صُدم حين عرف أن القنوت صحيحٌ، ومرويٌّ في أقدم المصادر، إنّه المصنّف في الأحاديث والآثار (ج2،ص108) لابن أبي شيبة(ت235هـ).

دعك من حكايتي، وجرّب أن تقول لمن يتيسّر لك التواصل معه من أهل السنة: إنّ قطرة واحدة من الدموع على أهل البيت كفيلة بأنّ يدخل الله صاحبها الجنّة!..

يمكن التنبأ بكل سهولة بردة فعله، ففي أحسن الأحوال سيكتفي بالتشكيك بالمقولة، ويردّها بوصفها من خرافات الشيعة.. وأنّ أهل السنة والجماعة أولى بالحسين(رضي الله عنه) من الشيعة ..! وبعد أن ينتهي من كلامه أخبره أنّك كنت تنقل نقلاً خبراً صحيحاً عن الإمام الحسين(ع) كتاب: فضائل الصحابة( ج2ص675ح1154 ، مؤسسة الرسالة – بيروت ، الطبعة: الأولى، 1403 – 1983 ، تحقيق : د. وصي الله محمد عباس) ولفظه حرفيّاً هو: "مَنْ دَمَعَتَا عَيْنَاهُ فِينَا دَمْعَةً، أَوْ قَطَرَتْ عَيْنَاهُ فِينَا قَطْرَةً، أَثْوَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ ".!

(3)

ربما ظنّ القراء أنني سأضفي العصمة على الشيعة، أو يحسب الشيعة أنفسهم أنّهم جميعاً حالة استثنائية، وليس الأمر كذلك. وهنا أذكّر بحكاية ليست بعيدة، إنّها حكاية جملة " الناس فقراء في الدنيا لا يهم.."، التي وردت على لسان ممثل المرجعية وخطيب الجمعة في كربلاء..، فلقد تناولتها الألسنة والأقلام باستخفاف، وهاجمتها أعداد ليست قليلة من الشيعة، وتمّ تداولها على نطاق واسع بسخرية واستهزاء..!، لكنّي أكاد أجزم أنّ الهجمة ذاتها كانت ستطال الخطيب ومقولته لو أنّه استبدل ألفاظ جملته آنفاً وقال:" لا يضرّكم تضييع شيء من دنياكم بعد حفظكم قائمة دينكم"..!!، فالمضمون واحد، وما من فرق بين التعبيرين.. فما موقف المهاجمين، وما حيلتهم حين يكتشفون أنّ الهجمة كانت على كلمة من كلمات إمامهم  في نهج البلاغة(ج2،ص87)؟!.

والقاسم المشترك فيما بين هذه اللقطات آنفاً أنّها تعبيرات ومظاهر للموت الإنساني الأعظم..كتب الطريحي ما لفظه: الموت يقع بحسب أنواع الحياة: فمنها ما هو بإزاء القوة النامية الموجودة في الحيوان والنبات..ومن أنواع الموت: زوال القوة العاقلة،وهي الجهالة..(انظر-مجمع البحرين،ص223). فالجهالة إذن، موت.. إنّها موت لا يشبه الموت الحيوي وتعطل الأعضاء، بل هي توقف العقل عن الأداء، وهو أعظم جهاز عند الإنسان.. ذلك هو الموت، وتلك هي الجهالة الذي بذل أبو عبد الله الحسين مهجته في سبيل استنقاذنا العباد منه:" وبذل مهجته فيك؛ ليستنقذَ عبادك من الجهالةِ.."، إنّه مشروع الاستنقاذ من الموت الذي لا يشبهه موت!

 

 

2021/08/26

حان وقت السبيّ.. ما حقيقة ’تحيّر السيدة زينب’ عند ركوب الناقة؟

يتردَّد على الألسنة أنَّ مولاتنا السيدة زينب بنت علي عليها السلام نادت في اليوم الحادي عشر من المحرم من يركبني على ظهر ناقتي ويصور أنَّها قد أركبتها فضة بعد محاولات من الإمام زين العابدين (عليه السلام).

والسؤال: هل في كلِّ مرَّة تنزلُ من ناقتها ثم تريد الركوب وهي كثيرة جدًا يتكرَّر لها نفس المشهد أم ماذا، وهل ذكرت في المصادر الموثوقة؟

[اشترك]

إن المصادر المعتبرة في الجملة لم تتصدى لبيان كيفية ركوب نساء أهل البيت على النياق حين المسير بهنَّ من كربلاء إلى الكوفة، ومقدار ما ورد في ذلك هو مثل ما أفاده الشيخ المفيد في الإرشاد قال: " وأقام -عمر بن سعد- بقية يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس، ثم نادى في الناس بالرحيل وتوجَّه إلى الكوفة ومعه بنات الحسين وأخواته، ومن كان معه من النساء والصبيان، وعليُّ بن الحسين فيهم وهو مريض .."(1).

وأفاد السيِّد ابن طاووس في اللهوف: "وأقام بقيَّة يومه واليوم الثاني إلى زوال الشمس ثم رحل بمن تخلَّف عن عيال الحسين (عليه السلام) وحمل نسائه صلوات الله عليه على أحلاس أقتاب الجمال بغير وطاء"(2).

وفي الحدائق الورديَّة قال: "ولما فرغ القوم من قتل الحسين (عليه السّلام) وأصحابه رضي الله عنهم، ساقوا حرم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كما تُساق السبايا حتى بلغوا الكوفة"(3).

هذا وما يقربُ منه -يزيد قليلًا وينقص- هو المقدار الذي بيَّنته الكتب المعتبرة في الجملة لكيفيَّة انتقال نساء أهل البيت من كربلاء إلى الكوفة، فلم أجد في شيءٍ منها تفصيلًا لبيان كيفيَّة الركوب على النياق.

 

ما ورد في بعض الكتب غير المعتبرة:

نعم ورد في بعض كتب المتأخرين(4) أنَّ السيِّدة زينب (ع) والسيِّدة أم كلثوم (ع) توليتا إركاب النساء والأطفال بعد أنْ طلبت السيِّدة زينب من رجال معسكر ابن سعد الابتعاد فابتعدوا، عندها تقدَّمت السيِّدة زينب -ومعها أم كلثوم- وجعلتْ تُنادي كلَّ واحدة من النّساء باسمها، وتُركبها على المحمل، ثم أعانت السيِّدةُ زينب (ع) أختها السيِّدةَ أم كلثوم على الركوب، وبقيت هي لم تجد من يُعينها سوى الإمام زين العابدين (ع) فقام متوكِّئًا على عصا وأتى إلى عمّته، وثنى ركبته، وقال: اركبي، إلا أنَّه لشدَّة ما به من الضعف لم يقوَ على إركابها بل ارتعش وسقط على الأرض، فتحيَّرت السيِّدة زينب (ع) حيثُ لم تجد من يُركبها، فبينما هي كذلك وإذا بجاريةٍ سوداء مسنَّة قد أقبلت إلى زينب، فأركبتها، قال الراوي فسألتُ عنها، فقالوا: هذه فضّة جاريةُ فاطمة الزّهراء (عليها السّلام).

التعليق على ما أورده بعض المتأخرين:

هذا بعض ما أورده بعض المتأخرين دون أن يُحيلَ ما ذكره إلى مصدر معتبر، وتعليقًا على هذا الخبر نقول:

إنَّ ركوب الناقة -للرجال والنساء على حدٍّ سواء- لا يتمُّ عادةً إلا بعد أن تُناخَ الناقة وحينئذٍ يسهلُ ركوبها، وكذلك فإنَّ النزول مِن على الناقة لا يتمُّ إلا بعد أنْ تُناخ الناقة ولذلك لا يشقُّ على المرأة الركوب بنفسها عليها كما لا يشقُّ عليها النزول بنفسِها من عليها دون الحاجة إلى أنْ تستعينَ بغيرها خصوصًا في الظرف الذي لا تجدُ فيه المرأة العربيَّة -المعتادة على التنقُّل بهذه الوسيلة- مَن تَستعينُ به على ذلك، نعم قد تكون المسنَّة والمريض والصغيرة بحاجة للمعونة بمثل الاتكاء، على أنَّ من الممكن بل من المتعارف وضع شيءٍ -حجرٍ أو شبهه- إلى جانب الناقة تصعدُه المرأة ثم تصعدُ منه إلى ظهر الناقة.

فدعوى تحيُّر السيِّدة زينب (ع) حيثُ لم تجد مَن يُعينها على الركوب لا معنى لها سوى غفلة الناقل للخبر عن طبيعة الحياة العربيَّة، ثم إنَّ صاحب الخبر قد ذكر أنَّ السيِّدة زينب (ع) قد أعانت النساء والأطفال على الركوب، فهي إذن ليست من الضعف بحيث لا تقوى على الاستقلال بالركوب خصوصًا وأنَّ السنَّ الذي بلغته لا يحول دون ذلك، فهي لم تصل للعقد السادس من عمرها الشريف، ولو كانت فضَّة خادمةُ السيِّدة فاطمة (ع) معهم لكانت أكبر منها سنًّا بمقدارٍ بيِّنٍ، لعلَّه يصلُ إلى العقدين أو أقلَّ بقليل أو أكثر.

ثم إنَّه لم يتَّضح الوجه في صياغة الخبر بنحوٍ يُوحي أنَّ فضَّة لم تكن معهم وإنَّما ظهرتْ بعد أنْ تحيَّرت السيِّدة زينب (ع)، نعم قد تكون فضَّة معهم وركبت قبل السيِّدة زينب (ع) وحين لم تجدْ السيِّدة زينب (ع) من يُعينُها نزلت وأعانتها على الركوب لكنَّ ذلك خلاف ظاهر الخبر قال ما نصُّه: "وإذا بجاريةٍ مسنّة سوداء قد أقبلت إلى زينب، فأركبتها، فسألتُ عنها. فقالوا: هذه فضَّة جارية فاطمة الزّهراء عليها السّلام".

ولا معنى لذلك إلا افتراض أنَّ فضَّة كانت مشغولة بشأنٍ من الشؤون فحين أقبلت وجدتْ السيِّدة تبحثُ عمَّن يُعينها على الركوب فبادرت إلى ذلك. وأما افتراض أن لا تكون معهم في القافلة ثم أقبلت حين تحيَّرت السيِّدة زينب (ع) فلا وجه له سوى الإعجاز وهو مقبول لو ثبت الخبر.

وأيًّا كان فالصحيح أنَّ النساء قد ركبن بأنفسهنَّ على النياق وأعانت القويَّةُ منهنَّ مَن تضعُفُ عن الاستقلال بالركوب، وكذلك هو الشأن في النزول فإنَّ ذلك لا يشقُّ عليهنَّ في العادة خصوصًا وأنَّه ليس بينهنَّ مَن هي متقدِّمة في السنِّ، ثم إنَّ النياق المعدَّة للركوب والتنقُّل سهلةُ القياد بطبيعتها تستجيب لسائسها فتبرُك للنزول مِن عليها حين يُراد منها ذلك وتظلُّ باركةً إلى أنْ يستويَ راكبُها على ظهرها، فلا تقوم حتى يستحثَّها راكبُها أو سائقها على ذلك.


الهوامش:

1- الإرشاد -المفيد- ج2 / ص114، وقريب منه ما ورد في أنساب الأشراف -البلاذري- ج3 / ص206، تاريخ الطبري -الطبري- ج4 / ص348، مثير الأحزان -ابن نما الحلِّي- ص64.

2- اللهوف -السيد ابن طاووس- ص84.

3- الحدائق الورديَّة- حميد بن أحمد المحلي - ج1 / ص215.

4- معالي السبطين -الحائري- الفصل 12 / المجلس الرابع / ص506.

2021/08/24

هل نُقل ’رأس الحسين’ من الشام إلى كربلاء؟

بعد مقتل سيد الشهداء (عليه السلام) وفصل الأعداء رأسه الشريف عن جسده فهل نُقل إلى الشام فعلاً؟

[اشترك]

إنّ المصادر التأريخية تثبت ذلك:

قـال سـبـط بـن الجـوزي فـي تـذكرة الخواص "...لمـّا أنـفـذ ابـن زيـاد رأس الحـسـيـن عليه السلام إلى يـزيـد بـن مـعـاويـة مـع الأسـارى، مـوثّقين في الحـبـال، مـنـهـم نـسـاء وصـبـيـان وصـبـيـّات مـن بـنـات رسـول اللّه (ص)، عـلى أقـتـاب الجـمـال، مـوثـقـيـن مـكـشـّفات الوجوه والرؤوس! وكلّما نزلوا منزلاً أخرجوا الرأس من صندوق أعـدّوه له، فـوضـعـوه عـلي رمـح وحـرسـوه طـول الليـل إلي وقـت الرحـيـل، ثـمّ يـعـيـدوه إلى الصـنـدوق ويـرحـلوا، فـنـزلوا بـعـض المنازل، وفي ذلك المنزل ديرٌ فيه راهب، فأخرجوا الرأس على عادتهم، ووضعوه على الرمح وحرسه الحرس على عادته، وأسندوا الرمح إلى الدير.

فـلمـّا كـان فـي نـصـف الليل رأى الراهب نوراً من مكان الرأس إلى عنان السماء! فأشرف على القوم وقال: من أنتم؟

قالوا: نحن أصحاب ابن زياد.

قال: وهذا رأس من!؟

قـالوا: رأس الحـسـيـن بـن عـليّ بـن أبـي طـالب، ابـن فـاطـمـة بـنـت رسول اللّه (ص)!

قال: نبيّكم!؟

قالوا: نعم!

قال: بئس القوم أنتم! لو كان للمسيح ولد لاسكنّاه أحداقنا!

ثم قال: هل لكم في شيء؟

قالوا: وما هو؟

قـال: عـنـدي عـشـرة آلاف ديـنـار، تـأخـذونـها وتعطوني الرأس يكون عندي تمام الليلة، وإذا رحلتم تأخذونه!

قالوا: وما يضرّنا!؟

فـنـاولوه الرأس، وناولهم الدنانير، فأخذه الراهب فغسله وطيّبه، وتركه علي فخذه، وقعد يبكي الليل كلّه! فلمّا أسفر الصبح قال: يا رأس! لا أملك إلاّ نفسي، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، وأنّ جدّك محمّداً رسول اللّه، وأُشهد اللّه أنني مولاك وعبدك!

ثمّ خرج عن الدير وما فيه، وصار يخدم أهل البيت!

قـال ابـن هـشـام فـي السـيـرة: ثـمّ إنـهـم أخـذوا الرأس وسـاروا، فـلمـّا قـربـوا مـن دمـشـق قال بعضهم لبعض: تعالوا حتّى نقسم الدنانير لا يراها يزيد فيأخذها منّا!

فـأخـذوا الأكياس وفتحوها، وإذا الدنانير قد تحوّلت خزفاً! وعلى أحد جانبي الدينار مكتوب: (ولا تحسبنّ اللّه غافلاً عمّا يعمل الظالمون) الآية، وعلى الجانب الآخر: (وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقبلون) فرموها في بردى"(1) .

وروى الخـوارزمـي "وروي: أنّ رأس الحسين (ع) لمّا حـُمـل إلى الشـام، جـنَّ عليهم الليل فنزلوا عند رجلٍ من اليهودِ، فلمّا شربوا وسكروا قالوا له: عندنا رأس الحسين!

فقال لهم: أروني إيّاه!

فـأروه إيـّاه بـصـنـدوق، يـسـطـع مـنـه النـور إلى السـماء! فعجب اليهودي، واستودعه منهم فـأودعـوه عـنـده، فـقـال اليـهـودي للرأس ـ وقـد رآه بـذلك الحـال ـ: إشـفـع لي عـنـد جـدّك! فـأنـطـق اللّه الرأس وقال: إنّما شفاعتي للمحمّدييّن، ولستَ بمحمّدي!

فـجـمـع اليـهـودي أقـرباءه، ثمّ أخذ الرأس ووضعه في طست، وصبّ عليه ماء الورد، وطرح فيه الكافور والمسك والعنبر، ثم قال لأولاده وأقربائه: هذا رأس ابن بنت محمّد!

ثـمّ قـال: وا لهـفاه! لم أجد جدّك محمّداً فأُسلم على يديه! ثمّ والهفاه! لم أجدك حيّاً فأُسلم على يديك وأقاتل دونك! فلو أسلمت الآن أ تشفع لي يوم القيامة؟

فأنطق اللّه الرأس، فقال بلسان فصيح: إن أسلمتَ فأنا لك شفيع!

قالها ثلاث مرّات، وسكت، فأسلم الرجل وأقرباؤه!

وقال الخوارزمي: لعلّ هذا الرجل اليهودي كان راهب ((قنسرين)) لأنه أسلم بسبب رأس الحسين (ع)، وجـاء ذكـره فـي الأشـعـار، وأورده الجـوهري والجرجاني في مراثي الحسين كما سيرد عليك في موضعه إن شاء اللّه." (2) .


الهوامش:

 (1) تذکرة الخواص: 236 ـ 237 / وقد روي قطب الدين الراوندي (ره) بسند إلي سليمان بـن مـهـران الاعـمـش هذه القصّة بتفاوت، ولم يذکر مکان وقوعها، وذکر فيها أنّ أمير الرکب کان عـمـر ابـن سـعـد! (راجـع: الخـرائج والجـرائح: 2:577 ـ 580 رقـم 2) وقـد قال الشيخ عباس ‍ القمّي (ره): "أقول: الذي يظهر من التواريخ والسير أنّ عمر بن سعد لم يکن مع القوم في سيرهم الي الشام، فکونه معهم بعيد..". (نفس المهموم: 424).

 (2) مقتل الحسين (ع) للخوارزمي: 2 :115 ـ 116 رقم 49.

2021/08/22

ما حقيقة قتل الشيعة للإمام الحسين (ع)؟!

ما هو ردُّكم على مَنْ يدَّعي أنَّ مَنْ قتل الحسين (ع) هم الشيعة؟

[اشترك]

لم يكن فيمَن ساهم في قتل الحسين (ع) أحدٌ مِن الشيعة، فإنَّ لمفهوم التشيُّع معنىً واضحاً ومحدَّداً ولم يكن هذا المفهوم ينطبق على واحدٍ ممَّن شارك في قتل الحسين (ع) فضلاً عن دعوى أنَّ كلَّ مَنْ شارك في قتلِه كان مِن الشيعة.

فهذه الدعوى تُعدُّ جناية على التاريخ ومجافاة للحقيقة وتضليلاً للرأي العامّ، ولا يخفى على كلِّ مَنْ له أدنى معرفةٍ بوقائع التاريخ أنَّ منشأ هذه الدعوى هو الأضغان الكامنة في القلوب والحيرة في تفسير واقعٍ استعصى على القوم تبريره بما يتناسب والمتبنَّيات التي تمسَّكوا بها وجهدوا مِن أجل الانتصار لها فجنحتْ بهم عن الحقِّ فظهروا في مظهرٍ يأبى كلُّ عاقلٍ أنْ يظهرَ به، فلا لمآربِهم بلغوا ولا بصوابهم احتفظوا، فهُم  النحل: 92. ( ... كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ... ) 1.

فتلك كمائنُ القلوب لا تدعُ لواجدِها سبيلاً لإخفائها، ورغم ذلك فنحن سنجيبُ عن هذه الشبهة وذلك بواسطة إيقاف القارئ الكريم على هويَّة مَنْ شارك في قتل الحسين الشهيد (ع) فنقول إنَّه يمكن تصنيفهم إلى أربع طوائف:

الطائفة الأولى

كانوا مِن الخوارج أو مَن ينحو نحوهم في الاعتقاد بخروج الحسين (ع) عن الإسلام أو أنَّه كان مُخطئاً وعاصياً 2 -والعياذ بالله-، ويتَّضح ذلك مِن ملاحظة كلمات بعض مَنْ شارك في المعسكر الأمويِّ الذي قاتل الحسين (ع) يوم العاشر، ونذكرُ لذلك بعض النماذج:

 

النموذج الأوَّل

ما ذكره ابنُ الأثير في الكامل وذكره آخرون أيضاً أنَّ القوم لمَّا أقبلوا يزحفون نحو الحسين (ع) كان فيهم عبد الله بن حوزة التميمي، فصاح أفيكم حسين؟ وفي الثالثة قال أصحابُ الحسين (ع): هذا الحسين فما تُريد منه؟ قال: يا حسين أبشر بالنار، قال الحسين (ع): كذبتَ بل أقدِمُ على ربٍّ غفورٍ كريم مُطاعٍ شفيع فمَن أنت؟ قال: أنا ابن حوزة فرفع الحسينُ (ع) يديه حتَّى بانَ بياض إبطيه وقال: اللهمَّ حزه إلى النار، فغضب ابنُ حوزة وأقحم الفرس إليه..." 3.

هذا نموذج يُعبِّر عن رأي بعض مَن كان في معسكر عمر بن سعد في الحسين (ع) وأنَّه بنظرهم مستحقٌّ للنار. وليس ثمَّة أحدٌ مِن المسلمين يرى هذا الرأي سوى الخوارج ومَن ينحو نحوهم.

النموذج الثاني

ما ذكره ابنُ كثير في البداية والنهاية قال : "وكان عمرو بن الحجَّاج -وهو مِن القوَّاد في المعسكر الأمويِّ الذي قاتل الحسين (ع) - قال لأصحابه يوم العاشر : "قاتلوا مَن مَرق عن الدين وفارق الجماعة، فصاح الحسينُ (ع) : "ويحك يا عمرو أعليَّ تُحرِّض الناس؟ أنحن مَرقنا مِن الدين وأنت تُقيمُ عليه؟ ستعلمون إذا فارقتْ أرواحُنا أجسادَنا مَن أولى بصليِّ النار" 4.

وهذا النموذج أبلغُ مِن الأوَّل حيثُ صرَّح فيه ابنُ الحجَّاج عن رأيه في الحسين (ع) وأصحابه وأنَّهم مَرقوا مِن الدين، ويبدو أنَّ هذا الشعار كان يستهوي القوم وإلاَّ لما استعمله ابنُ الحجَّاج لتحفيز العزائم، وهو ما يُعبِّر عن أنَّ شريحةً كبيرة في المعسكر الأمويِّ كانت ترى هذا الرأي في الحسين (ع).

النموذج الثالث

ما ذكره الطبريُّ في تاريخه : وروى عن الضحَّاك المشرقي قال: لمَّا أقبلوا نحونا فنظروا إلى النار تضطرمُ في الحطب والقصَب الذي كنَّا ألهبنا فيه النار.. إذ أقبل رجلٌ يركضُ على فرسٍ كامل الأداة.. فنادى بأعلى صوته: "يا حسين استعجلتَ النار في الدنيا قبل نارِ القيامة" فقال الحسين (ع): "مَن هذا كأنَّه شمرُ بن ذي الجوشن فقالوا: نعم أصلحك الله هو هو..." 5.

وهذا النموذج يُعبِّر عمَّا ذكرناه مِن أنَّ رأي بعض مَن شارك في قتل الحسين (ع) هو رأي الخوارج.

النموذج الرابع

وروي عن الضحَّاك بن عبد الله المشرقي قال: "فلمَّا أمسى حسين وأصحابه قاموا الليل كلَّه يُصلُّون ويستغفرون ويدعون ويتضرَّعون قال: فتمرُّ بنا خيلٌ لهم تحرسنا وأنَّ حسيناً ليقرأ : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ... ) 6 فسمعها رجلٌ مِن تلك الخيل التي كانت تحرسُنا فقال: نحن - وربِّ الكعبة- الطيِّبون ميَّزنا منكم..." 7 وهذا النموذج يُعبِّر عن أنَّ بعض مَنْ كان في المعسكر الأموي يرون أنَّهم على صوابٍ في موقفِهم وأنَّهم الطيِّبون وأنَّ مَنْ يواجهونهم هم الخبيثون وهو ما يُعبِّر عن رؤيتهم في قتل الحسين (ع) وأنَّه مِن الطاعات والقُربات.

النموذج الخامس

قال حميد بن مسلم: "... فلمَّا رأى ذلك أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي قال للحسين (ع): يا أبا عبد الله نفسي لك الفداء... وأحبُّ أنْ ألقى ربِّي وقد صلَّيتُ هذه الصلاة التي دنا وقتُها قال: فرفع الحسينُ رأسَه ثمَّ قال: ذكرتَ الصلاة جعلَك الله مِن الذاكرين نعم هذا أوَّل وقتها ثمَّ قال: سلوهم أنْ يكفُّوا عنَّا حتَّى نُصلِّي فقال لهم الحصين بن تميم : إنَّها لا تُقبل فقال له حبيب بن مظاهر: لا تُقبل! زعمتَ الصلاة مِن آل رسول الله لا تُقبل..." 8.

هذا نموذج آخر يُعبِّر عن رأيهم في الحسين (ع) وموقفِه.

النموذج السادس

ما رواه الطبري أنَّ حميد بن مسلم قال: ثمَّ أنَّ عمر بن سعد نهض إليه عشيَّة الخميس لتسعٍ مضينَ مِن المحرَّم ونادى: يا خيلَ الله اركبي وأبشري..." 9.

وهذا النصُّ مِن أبلغ النصوص على ما ندَّعيه، فعمرُ بن سعد وإنْ لم يكن يعتقدُ بما يقول إلاَّ أنَّه استخدم هذا الشعار لتعبئة جيشِه واستنهاض عزائمِهم لمعرفتِه بما انطوت عليه ضمائرُهم مِن اعتقادٍ بأنَّ حرب الحسين (ع) يقعُ في سياق الطاعات والقُربات، وليس مَنْ يعتقد ذلك إلاَّ الخوارج أو مَنْ ينحو نحوهم.

وثمَّة نماذجُ أخرى يقفُ عليها مَن يطَّلع على المصادر التي تصدَّت لبيان تفاصيل مقتل الحسين (ع).

الطائفة الثانية

كانوا ممَّن غرَّتهم الدنيا وطمعوا في الحظوة مِن يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد، وهؤلاء وإنْ كان منهم مَن يعرف مقام الحسين (ع) وأنَّه لا يحلُّ لهم استباحةُ دمه إلاَّ أنَّهم لا يكترثون بذلك، ويمكن الاستشهاد لذلك بمجموعة مِن المواقف التي ذكرها المؤرِّخون:

الموقف الأوَّل

ما ذكره الطبريُّ وابنُ الأثير في الكامل و أحمدُ بن أعثم الكوفي في فتوحه، وغيرهم : "إنَّ عمر بن سعد تقدَّم نحو عسكر الحسين (ع) ورمى بسهم وقال: اشهدوا لي عند الأمير أنِّي أوَّل مَن رمى، ثمَّ رمى الناس..." 10.

هذا الموقف يُعبِّر أبلغ تعبير عن مدى حرص ابن سعدٍ على أنْ يكون في الموقع القريب مِن ابن زياد، وأيُّ شيءٍ يبتغيه ابن سعد مِن ذلك غير الدنيا التي توهَّم أنَّ أزمَّتها بيد ابن زيادٍ وأميره يزيد بن معاوية، فهو يخشى أنْ يتَّهمه ابنُ زياد بالتلكُّؤ ويطمح بأنْ يبلغ أكمل الرضا بموقفِه هذا.

ولذلك بالغ في أنْ يتمثَّل أوامر ابن زياد على أكمل وجه، حيث أمره فيما أمره : "أمَّا بعد... فإنْ قُتل حسينٌ فأوطئ الخيل صدرَه وظهره ولستُ أرى أنَّه يضرُّ بعد الموت ولكن عليَّ قولٌ قلتُه لو قتلتُه لفعلتُ هذا به فإنْ أنتَ فعلتَ هذا به جزيناك جزاءَ السامع المطيع، وإنْ أبيتَ فاعتزل عملنا..." 11.

وقد امتثل ابنُ سعدٍ ذلك، فقد ذكر المؤرِّخون، منهم الطبري وابنُ الأثير : "ونادى ابنُ سعد ألا مَن ينتدب إلى الحسين فيوطئ الخيل صدرَه وظهرَه فقام عشرة... فداسوا بخيولِهم جسدَ الحسين (ع) ثمَّ أمر بقطع رأسه ورؤوس أصحابه وسرَّح بهم إلى ابن زياد..." 12 .

كلُّ ذلك كان حرصاً مِنه على الدنيا وخشيةً مِن زوال حُطامها مِنه. ولقد ذكر المؤرِّخون الحوار الذي دار بين ابن سعد وابن زياد حيث كان قد أمَّره على أربعة آلاف يسير بهم إلى "دستبي" لأنَّ الديلم قد غلبوا عليها وكتب له عهداً بولاية الري وثغر دستبي والديلم، فلمَّا بلغ الحسين (ع) كربلاء أمرَه بأنْ يخرج بالجيش إلى كربلاء فاستعفاه فاستردَّ ابن زياد العهد مِنه واستمهله ليلته... وعند الصباح أتى ابنَ زياد وقال: إنَّك ولَّيتني هذا العمل وسمع به الناس فأنفذني له وابعث إلى الحسين مَن لستُ أغنى في الحرب مِنه، فقال ابنُ زياد لستُ أستأمرك فيمَن أُريد أنْ أبعث فإنْ سرتَ بجندنا وإلاَّ فابعثْ إلينا عهدنا فلمَّا رآه مُلحَّاً قال إنِّي سائر" 13.

الموقف الثاني

ذكره ابن الأثير في الكامل قال: قال مسروقُ بن وائل الحضرمي: "كنتُ في أوَّل الخيل التي تقدَّمتْ لحرب الحسين لعلِّي أُصيب رأسَ الحسين (ع) فأحظى به عند ابنِ زياد..." 14.

الموقف الثالث

ما ذكره الطبري أنَّ خولِّي جاء برأس الحسين (ع) إلى القصر فوجد باب القصر مُغلقاً فأتى منزله فوضعه تحت أُجَّانه، وكانت له زوجة اسمها النوار بنت مالك فقالت له ما الخبر؟ ما عندك؟! قال خولِّي: "جئتُكِ بغنى الدهر، هذا رأسُ الحسين معكِ في الدار..." 15.

الموقف الرابع

ذكر ابنُ عبد البر في الاستيعاب أنَّ خولِّي بن يزيد الأصبحي 16 جاء بالرأس الشريف إلى ابن زياد وقال له:

املأ ركابي فضَّةً أو ذهبـا إنِّي قتلتُ السيِّد المحجَّبــا وذكر ابنُ الأثير أنَّ الذي قال ذلك هو سنان بن أنس 17، وفي كشف الغمَّة 18 وكتاب الفتوح 19 هو بشر بن مالك، وفي بعض المصادر أنَّ القائل هو الشمر 20.

الموقف الخامس

ذكره الخوارزمي في مقتل الحسين (ع) أنَّ الذين وطأوا جسد الحسين (ع) وهم عشرة أقبلوا إلى ابن زياد يقدمُهم أُسيد بن مالك وهو يرتجز:

نحن رضننا الصدرَ بعد الظهر بكلِّ يَعبوبٍ شديد الأسـر 21 فأمر لهم بجائزة يسيرة.

الموقف السادس

ذكره الطبريُّ وجمعٌ مِن المؤرِّخين قال: " ولمَّا قُتل الحسين بن عليٍّ (ع) جيء برأسه وبرؤوس مَن قُتل معه مِن أهل بيته وشيعته وأنصاره إلى عبيد الله بن زياد فجاءت كندة بثلاثة عشر رأساً وصاحبهم شمر بن ذي الجوشن، وجاءت تميمُ بسبعة عشر رأساً وجاءت بنو أسد بستَّة أرؤس، وجاءت مذحج بسبعة أرؤس، وجاء سائر الجيش بسبعة أرؤس فذلك سبعون رأساً..." 22.

تقسيم الرؤوس بهذه الطريقة يُعبِّر عن حرص القبائل التي شاركتْ في قتل الحسين (ع) على أنْ تحظى بالرضا مِن ابن زياد.

وكيف يكون هؤلاء مِن الشيعة؟! هل لأنَّهم مِن الكوفة أو لأنَّهم كانوا في جيش عليٍّ (ع) عندما كان خليفة؟

سيتَّضح فيما سنذكرُه لاحقاً أنَّ أكثريَّة أهل الكوفة لم يكونوا مِن الشيعة آنذاك وأنَّ مشاركة الكثير مِنهم في جيش عليٍّ (ع) منشؤه أنَّ عليَّاً (ع) كان في موقع الخلافة.

الطائفة الثالثة

كانوا ممَّن يحملون ضغناً وحقداً على الحسين (ع) فكانت مشاركتُهم بدافع التشفِّي والانتصار لأضغانٍ كانوا يكتوون بها.

ويمكن الاستشهاد لذلك بمجموعة مِن المواقف تناقلتها كتبُ التأريخ:

النموذج الأوَّل

ما ذكره الطبري وغيرُه أنَّ عليَّ بن الحسين الأكبر لمَّا كان في المعركة أبصره مُرَّة بن منقذ العبدي فقال: "عليَّ آثام العرب إنْ لم أُثكل أباه به فطعنه بالرمح في ظهره وضربه بالسيف على رأسه ففلقَ هامتَه" 23.

هذا الموقف كما تلاحظون يُعبِّر عن مستوى الغيظ الذي يحمله هذا الرجل على الحسين (ع)، فكان الدافع مِن اغتياله لعليٍ الأكبر (ع) هو إدخال الحزن والأسى في قلب الحسين (ع) .

النموذج الثاني

ذكره الطبري وآخرون أنَّ شمر بن ذي الجوشن حمل حتَّى طعن فسطاط الحسين برمحه ونادى عليَّ بالنار حتى أحرقَ هذا البيت على أهله، قال فصاح النساء وخرجن مِن الفسطاط، قال: وصاح به الحسين يا ابن ذي الجوشن أنت تدعو بالنار لتحرق بيتي على أهلي! حرَّقك الله بالنار 24.

ولم يكن عمر بن سعد أحسن حالاً مِن الشمر، فقد أمر كما يذكر الطبري 25 وغيره 26 بإحراق خيم الحسين (ع) فأُحرِقت. ولا أظنُّ أنَّنا بحاجة للتعليق على هذا الموقف فَقَدْ فَقَدَ القومُ صوابَهم فأخذوا يُعبِّرون بأقبح تعبير عمَّا اكتوت به ضمائرهم من الغِلِّ .

النموذج الثالث

ذكر الفتال النيسابوري في روضة الواعضين:"أنَّ الحسين جعل يطلبُ الماء وشمر يقولُ له والله لا ترده أو ترد النار، فقال له رجل: ألا ترى إلى الفرات يا حسين كأنَّه بطون الحيَّات! والله لا تذوقُه أو تموت عطشاً، فقال: الحسين اللهمَّ أمتْه عطشاً" 27.

هذه بعض النماذج المُعبِّرة عمَّا كان يُكنُّه قتلةُ الحسين (ع) مِن حقدٍ بلغ مداه فأفصحتْ عنه قسوةٌ لم يعرفِ التأريخُ لها نظير، فلم تكن بشاعةُ ما ارتكبوه تُكافئ مقدار ما انطوت عليه قلوبُهم، فكلَّما أوغلوا في القسوة وجدوا أنَّ غليلَهم يزداد التهاباً، فعمد بعضُهم إلى أطفالِ الحسين (ع) يذبحونهم ذبحاً 28، وقصد آخرون جسدَه الذي أعياه النزف لينهالوا عليه بسيوفهم وهو صريع 29، فلم يكن لها مِن أثرٍ غير أنَّ وقعها يُبلسم أرواحَهم المهترئة فكان بعضُهم يركله برجله 30، وآخر يقطع إصبعه 31، وثالث يحزُّ معصمَه 31، ورابعٌ يقطع رأسَه 32، وخامسٌ يسلبُ ثيابه 33، وآخرون يوطئون الخيل ظهرَه وصدره 21 ولم يجد بعضُهم غير الحجارة يرضخونَ بها جسدَه 34.

فما وجدوا لكلِّ ذلك رِواءً لغليلهم فقصدوا حرمه وروَّعوا بناته ونساءه بعد أنْ أحرقوا خيامه وسلبوا متاعه، فكانوا يسلبون النساء الملاحفَ من على ظهورهن، ويعدو آخرون بخيولهم خلف أطفال الحسين (ع) ليطأوهم بحوافرها.

فأيُّ منصفٍ يقفُ على كلِّ هذه المشاهد ثمَّ يجرؤ فينسب هؤلاء إلى شيعة الحسين (ع)، هؤلاء لم يكونوا يتديَّنوا بدين كما أفاد الإمام الحسين (ع) حينما قصدوا رحلَه وحالوا بينَه وبين أهلِه: "ويلكم إنْ لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في أمر دنيا كم أحراراً ذوي أحساب..." 35.

الطائفة الرابعة

كانوا ممَّن استبدَّ بهم الخوف مِن بطش يزيد وعُبيد الله بن زياد، ونذكر لذلك بعض الأمثلة:

الأوَّل

ما ذكره الدينوري في الأخبار الطوال قال: إنَّ ابن زياد بعث إلى الحُصين بن نُمير وحجَّار بن أبجر وشمرَ بن ذي الجوشن وشبث بن ربعي وأمرهم بمعاونة ابن سعد فاعتلَّ شبث بالمرض فأرسل إليه أنَّ رسولي يُخبرني بتمارضِك وأخافُ أنْ تكون مِن الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنَّا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنَّا معكم إنَّما نحن مستهزئون ، فإنْ كنت في طاعتنا فأقبِل مسرعاً فأتاه بعد العشاء لئلاَّ ينظر إلى وجهه فلا يجدُ عليه أثر العلَّة ووافقه على ما يريد 36.

الثاني

روى ابنُ سعد في طبقاته وقال: لمَّا سرَّح ابنُ زياد عمرَ بن سعد أمر الناس فعسكروا في النُخيلة، وأمر أنْ لا يتخلَّف أحد منهم وصعد المنبر فقرَّض معاوية... ثمَّ قال فأيَّما رجلٍ وجدناه بعد يومنا هذا متخلِّفاً عن العسكر برئت منه الذمَّة... ثمَّ خرج ابنُ زياد فعسكر... ثمَّ إنَّ ابن زياد استخلف على الكوفة عمرو بن حريث وأمر القعقاع بن سويد بالتطواف بالكوفة فوجد رجلاً مِن همدان قد قدم يطلب ميراثاً له بالكوفة فأتى به ابن زياد فقتلَه فلم يبقَ محتلمٌ إلاَّ خرج إلى العسكر بالنُخيلة 37.

هذا النصُّ ونصوصٌ أخرى كثيرة تُعبِّر عن أنَّ واحداً مِن دوافع المُساهمة في حرب الحسين (ع) هو الهلَع الذي انتاب جمعاً مِن أبناء الكوفة مِن بطش ابن زياد ولم يكن هؤلاء مِن الشيعة بل كانوا ممَّن يطمع في العافية، فلو كانت بجنب الحسين لوقفوا معه، ولأنَّها كانت بجانب عُبيد الله بن زياد آثروا أنْ يقفوا معه طمعاً في العافية رغم يقينَهم بعدم لياقتِه للإمارة ورغم إدراكِهم بجدارة الحسين (ع) للزعامة والرياسة.

فهؤلاء لم يكونوا مِن الشيعة، إذ أنَّ الشيعة هم مَن اعتقدوا إمامة الحسين (ع) وأنَّه مفترض الطاعة مِن الله وأمَّا مجرَّد الميل الذي يكنُّه بعضُهم للحسين (ع) أو اعتقادهم بلياقتِه لإدارة شؤون الحكم فهو لا يُعبِّر عن تشيُّعهم وإلاَّ كان أكثر المسلمين في عصر يزيد بن معاوية مِن الشيعة، وهذا ما لا يلتزمُ به مثيروا هذه الشبهة.

وأمَّا أنَّ كثيراً مِن أبناء الكوفة كانوا قد راسلوا الحسين (ع) ووعدوه بالمؤازرة فهذا وإنْ كان قد وقع إلاَّ أنَّ ذلك لا يُعبِّر عن إيمانهم بإمامة الحسين (ع) بالنحو الذي يؤمنُ به الشيعة، وإنَّما لأنَّهم وجدوا في سياسة معاوية معهم قسوةً وضيقاً ولم يكن بنظرهم أحد قادراً على تخليصهم مِن سطوة بني أميَّة سوى الحسين (ع)، ذلك لأنَّهم قد عرفوا أنَّ الحسين (ع) قد رفض أشدَّ الرفض دعوة معاوية لمبايعة يزيد على ولاية العهد 38 ثمَّ رفض البيعة ليزيد بعد هلاك معاوية وخرج مِن المدينة إلى مكَّة الشريفة مُعلناً رفضَه للبيعة، كما أنَّهم يُدركون التقدير الذي يحظى به الحسين (ع) في قلوب الناس نظراً لقرابتِه مِن رسول الله (ص) ونظراً لسجاياه المتميِّزة، فهذا هو ما برَّر اختياره دون غيره مِن الصحابة، فالحسينُ (ع) بنظرهم أليقُ الناس بمنصب الخلافة مِن بني أميَّة وأنَّه لو استلم الحكم لسار فيهم بالعدل والإحسان.

وذلك لا يُعبِّر عن إيمانهم بإمامته بالمعنى الذي يُؤمن به الشيعة، فالتشيُّع لا يعني الحبَّ للحسين ولأهل البيت (ع) كما لا يعني الإدراك أو الاعتقاد بأنَّ الحسين أليق بالخلافة مِن يزيد ومِن بني أميَّة وإلاَّ لكان أكثر المسلمين شيعة.

نعم التشيُّع يعني الاعتقاد بأنَّ الحسين (ع) هو الإمامُ المفترض الطاعة مِن قبل الله وأنَّه الأليقُ بمنصب الخلافة على الإطلاق بعد أخيه الحسن (ع) وبعد أبيه عليِّ بن أبي طالب (ع)، وأنَّ رسولَ الله (ص) هو الذي أخبر عن الله بأهليَّته وباستحقاقِه لذلك كما أخبر عن أهليَّة واستحقاق أبيه عليِّ بن أبي طالب (ع) وأخيه الإمام الحسن (ع) .

هذا هو معنى التشيُّع وهذا ما يؤمن به الشيعة، ولا يوجد أيُّ نصٍّ تاريخي يُشير إلى أنَّ الذين شاركوا في قتل الحسين (ع) هم ممَّن يؤمنُ بذلك بل إنَّ النصوص التاريخيَّة صريحةٌ في غير ذلك كما اتَّضح بعض ذلك ممَّا بيَّنَّاه.


الهوامش:

1. القران الكريم: سورة النحل (16)، الآية: 92، الصفحة: 277.

2. فيض القدير شرح الجامع الصغير - المناوي - ج 1 ص 265/ درر السمط في خبر السبط - ابن الأبار - ص 42.

3. الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 66 / إكمال الكمال - ابن ماكولا - ج 2 ص 571/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 328/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 196/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 127.

4. البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 197/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 67/ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 45 ص 19/ العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 263.

5. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 97/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 322/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 116.

6. القران الكريم: سورة آل عمران (3)، الآية: 178 و 179، الصفحة: 73.

7. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 99/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 319/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 112/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 95.

8. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 334/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 70/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 142/ أبصار العين في أنصار الحسين (ع) - الشيخ محمد السماوي - ص 120.

9. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 315/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 89/ روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 183/ الكامل - عبد الله بن عدي - ج 6 ص 210/ الإصابة - ابن حجر - ج 1 ص 362/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 190/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 104.

10. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 326/ مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 41/ كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 100/ اللهوف في قتلى الطفوف ? السيد ابن طاووس - ص 60/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 101/ الدر النظيم - إبن حاتم العاملي - ص 554.

11. روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 183/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 88/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 247/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 314/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 56/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 102.

12. الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 80/ روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 189/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 113/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 347/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 202/ الدر النظيم - إبن حاتم العاملي - ص 558.

13. الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 53/ تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - ج 45 ص 50/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 310/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 95.

14. الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 66/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 328/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 126.

15. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 348/ مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهانى - ص 79/ شرح الأخبار - القاضي النعمان المغربي - ج 3 ص 155/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 112/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 217.

16. ذكره صريحا ابن عبد البر في الاستيعاب ج 1 ص 393 وممن صرحوا بذلك كتاب نظم درر السمطين - الزرندي الحنفي - ص 216 و الإكمال في أسماء الرجال - الخطيب التبريزي - ص 44 و تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - ج 14 ص 252 و ابن الاثير في أسد الغابة ج 2 ص 21 و تهذيب الكمال - المزي - ج 6 ص 428 و الطبراني في معجمه الكبير راجع المعجم الكبير - الطبراني - ج 3 ص 117 وكذلك الوافي بالوفيات للصفدي - ج 13 ص 273.و ترجمة الإمام الحسين (ع) - من طبقات ابن سعد - ص 75.

17. مآل ابن الاثير إلى انه خولي بن يزيد وذكر قولاً آخر أنَّه سنان بن انس راجع أسد الغابة - ابن الأثير - ج 2 ص 21 الا انه في الكامل صرّح بأنه سنان بن انس راجع الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 79، واما المناقب لابن شهر آشوب في ج 3 ص 260 صرح بأنه سنان بن انس نقلاً عن الطبري واما الطبري فقد عبّر انه رجل من مدحج راجع تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 293وفي موطن آخر قال انه سنان بن انس تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 347 وهذا عين ما ذكره ابن كثير راجع البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 205.

18. كشف الغمة - ابن أبي الفتح الإربلي - ج 2 ص.262.

19. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 120.

20. نُسب هذا البيت إلى شمر بن ذي الجوشن في كتاب شرح المقامات للشريشي ج1 ص193، ولم ينسب له في أكثر المصادر التاريخية، واحتمل بعض المحققين أن منشأ النسبة هو الاشتباه لخطأٍ وقع من بعض النسّاخ حيث ورد في بعض النصوص التاريخية أن الحسين (ع) قتله شمر بن ذي الجوشن وأجهز عليه خولِّي بن يزيد الاصبحي من حمير حزَّ رأسه وأتى به عُبيد الله بن زياد وقال شمرا: (أوقر ركابي فضة أو ذهبا...) وهو خطأٌ، والصحيح انه قال شعرا أي أن خولِّي قال شعرا، إذ لو كان القائل هو الشمر لكان في موقع الفاعل وهو يقتضي الرفع وليس النصب.

21. a. b. مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 60/ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 45 ص 59/ العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 304/ اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس - ص 80/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 80/ روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 189/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 113/ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 45 ص 59/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 347.

22. مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 259/ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 45 ص 62/ العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 307/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 358/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 92/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 233.

23. مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهانى - ص 76/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 106/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 340/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 163/ الدر النظيم - إبن حاتم العاملي - ص 555.

24. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 334/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 141.

25. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 334.

26. مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 58/ لواعج الأشجان - السيد محسن الأمين - ص 194/.

27. الأمالي - الشيخ الصدوق - ص 221/ روضة الواعظين - الفتال النيسابوري - ص 185/ الثاقب في المناقب - ابن حمزة الطوسي - ص 341.

28. الهداية الكبرى - الحسين بن حمدان الخصيبي - ص 402/ مختصر بصائر الدرجات - الحسن بن سليمان الحلي - ص 187/ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 53 ص 14/ الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 135/ تاريخ اليعقوبي - اليعقوبي - ج 2 ص 244/ بيع المودة لذوي القربى - القندوزي - ج 3 ص 78/ مقاتل الطالبيين - أبو الفرج الأصفهانى - ص 60/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 196.

29. البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 196/ / الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 ص 135.

30. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 119/ العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 299.

31. a. b. كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 6 ص 244/ مثير الأحزان - ابن نما الحلي - ص 58/ مدينة المعاجز - السيد هاشم البحراني - ج 4 ص 78/ العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 301.

32. تاريخ اليعقوبي - اليعقوبي - ج 2 ص 244/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 346/ مناقب آل أبي طالب - ابن شهر آشوب - ج 3 ص 258/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 78/ كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 120.

33. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 346/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 4 ص 78/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 200/.

34. العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 273/ تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 339/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 200/ مقتل الحسين (ع) - أبو مخنف الأزدي - ص 155.

35. تاريخ الطبري - الطبري - ج 4 ص 344/ البداية والنهاية - ابن كثير - ج 8 ص 203/ اللهوف في قتلى الطفوف - السيد ابن طاووس - ص 71.

36. الأخبار الطوال - الدينوري - ص 254/ كتاب الفتوح - أحمد بن أعثم الكوفي - ج 5 ص 89/ بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 44 ص 386/ العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني - ص 237/.

37. الطبقات الكبرى - محمد بن سعد - ج 6 ص 23.

38. فتح الباري - ابن حجر - ج 8 ص 442/ الكامل في التاريخ - ابن الأثير - ج 3 ص 508- 509/ الامامة والسياسة - ابن قتيبة الدينوري، تحقيق الزيني - ج 1 ص 160.

 

2021/08/21

2021/08/21

ما هو مصير رأس الإمام الحسين.. أين دُفن؟

إن لعلمائنا الأعلام قولين مشهورين في دفن رأس الإمام الحسين عليه السلام.

[اشترك]

فأما القول الأول، فهو رجوع الرأس إلى كربلاء المقدسة، وهو الرأي القائل بإلحاق الرأس بالجسد الشريف الذي يذهب إليه كل من: الشيخ الصدوق، والسيد المرتضى، والسيد إبن طاووس ـ قدس الله أسرارهم ـ وغيرهم، عن غير المعصوم، ويفهم من كلام إبن نما الحلي ـ كما سيأتي ذكره ـ اشتهاره لدى الشيعة الإمامية، ونستعرض فيما يلي ما ورد في هذا الموضع.

1-أورد الصدوق (قدس) في الأمالي: ص231: بإسناده عن فاطمة بنت علي، قالت: ثم إن يزيد ـ لعنه الله ـ أمر بنساء الحسين عليه السلام ، فحبسن مع علي بن الحسين عليهما السلام في محبسٍ لا يكنهم من حر ولا قر؛ حتى تقشرت وجوههم، ولم يرفع في بيت المقدس حجر عن وجه الأرض إلا وجد تحته دم عبيط، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء، كأنها الملاحف المعصفرة، إلى أن خرج علي بن الحسين عليهما السلام بالنسوة، ورد رأس الحسين إلى كربلاء.

 2-سئل السيد المرتضى قدس سره: هل ما روي من حمل رأس مولانا الشهيد أبي عبد الله عليه السلام إلى الشام صحيح؟ و ما الوجه في ذلك؟ فأجاب قدس سره: ((هذا أمر قد رواه جميع الرواة والمصنفين في يوم الطف، وأطبقوا عليه، وقد رووا أيضاً أن الرأس أعيد بعد حمله إلى هناك، ودفن مع الجسد بالطف)) [رسائل المرتضى: ج3، ص130].

3-ذكر إبن نما الحلي قدس سره: ((والذي عليه المعول من الأقوال أنه [أي الرأس الشريف] أعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد، ودفن معه)) [ينظر: مثير الأحزان،ص85].

4-ذكر السيد إبن طاووس أن عمل الطائفة على هذا المعنى ـ وهو رد الرأس الشريف إلى الجسد الطاهر في كربلاء، أضف إلى ذلك أنه عد التساؤل عن كيفية ضم الرأس الشريف إلى الجسد فيه نوع من الجهل وسوء الأدب، كالسؤال عن كيفية إحيائه بعد شهادته. [ينظر:اللهوف على قتلى الطفوف، ص114].

وأما القول الثاني، فهو أن الرأس الشريف دفن في النجف الأشرف عند مشهد أمير المؤمنين عليه السلام، ويستدل على ذلك بمجموعةٍ من الروايات الواردة في الكتب المعتبرة، وهي كالتالي:

1-في كتاب الكافي للكليني (ره) (ج4/ص1157)، رقم الحديث (8119) بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام رواية تصرح بأن الرأس الشريف دفن عند مشهد أمير المؤمنين عليه السلام. ورواها إبن قولويه في كامل الزيارات.

2-في كتاب كامل الزيارات (ص86-87): وقد ذكرت فيه جملة من الروايات الدالة بصريحها على أن الرأس قد دفن عند أمير المؤمنين عليه السلام.

3ـ في كتاب تهذيب الأحكام (ج6/ص777)، رقم الحديث (7076): وقد ذكرت فيه روايتان، إحداهما تصرح بدفن الرأس عند أمير المؤمنين عليه السلام أيضاً.

ولذا ترى آراء العلماء في موضع أو مدفن الرأس الشريف متعددةً تبعاً لتعدد المنقول، وهي تؤكد ـ على الأقل ـ أن هذا الموضع هو موضع تقديسٍ واهتمام من قبل الأئمة عليهم السلام والعلماء، وأنه مكان يزار منه الإمام الحسين عليه السلام.

2021/08/20

متى دُفن الإمام الحسين (ع)؟

هل في تاريخ دفن الإمام الحسين (عليه السلام) اختلاف أم أنه دفن في يوم معلوم؟

[اشترك]

هناك آراء ثلاثة في تاريخ دفن الإمام الحسين (عليه السلام)، ذهب بعضهم إلى أنه  (عليه السلام) دفن في اليوم (11) من محرم، وآخرون في اليوم  (12)، وآخرون في اليوم  (13)، والأخير هو المشهور.

اختلف المؤرخون في يوم مدفنه على ثلاثة أقوال:

ا - اليوم الحادي عشر:

وهو مختار جملة من المؤرخين منهم ابن شهر آشوب، والمسعودي والبلاذري وابن كثير والطبري وابن الأثير. وهو الظاهر من الشيخ المفيد في إرشاده ومن تبنى رأيه كما سيأتي في النقطة الثانية، حيث قال: «وأقام - يعني ابن سعد - بقية يومه - يعني اليوم العاشر - واليوم الثاني - يعني اليوم الحادي عشر - إلى زوال الشمس، ثم نادى في الناس بالرحيل وتوجه إلى الكوفة ومعه بنات الحسين وأخواته، ومن كان معه من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين فيهم وهو مريض بالذرب وقد أشفى». وكذلك العلامة الطبرسي في إعلام الورى بأعلام الهدى.

والمعروف... أن بني أسد إنما دفنوا الشهداء يوم رحيل ابن سعد بأهل البيت إلى ابن زياد، أي في اليوم الحادي عشر.

2 - اليوم الثاني عشر، وهو مختار ابن طاووس.

3 - اليوم الثالث عشر، وهو مختار السيد المقرم «ت 1391هـ» في كتاب مقتل الحسين، ولم يذكر مصدر ذلك ومن يتبناه.

قال: «وفي اليوم الثالث عشر من المحرم أقبل زين العابدين لدفن أبيه الشهيد، لأن الإمام لا يلي أمره إلا إمام مثله».

قال الشيخ عباس القمي في ذلك: «ومن المعروف «!» أن الأجساد الطاهرة بقيت ثلاثة أيام مرمية على الأرض دون دفن، ونقل عن بعض الكتب أنها دفنت بعد عاشوراء بيوم واحد، وهذا مستبعد؛ ذلك أن عمر بن سعد كان لا يزال في اليوم الحادي عشر لدفن القتلى من عسكره؛ وكان أهل الغاضرية قد ارتحلوا من نواحي الفرات خوفاً من ابن سعد، وبهذا الاعتبار فهم لا يجرؤون على العودة بهذه السرعة».

ونفى الشيخ الطبسي في كتاب مع الركب الحسيني أن يكون الدفن في اليوم الحادي عشر لأن المسألة بالنسبة إليه إعجازية في حركة الإمام زين العابدين من الكوفة إلى كربلاء انطلاقاً من محاججة الواقفة مع الإمام الرضا... وجاء في كلامه: «إذن خروجه إلى كربلاء بالأمر المعجز لم يكن في اليوم الحادي عشر حتماً، ذلك لأنه لم يدخل المجلس إلا في اليوم الثاني عشر، إذ لم يكن عمر بن سعد قد دخل بعسكره وبالسبايا مدينة الكوفة إلا في نهار اليوم الثاني عشر كما قدمنا قبل ذلك في سياق الأحداث».

ولعل الملاحظ والمشهور هذه الأيام هو الرأي الثالث وهو أنه دفن في اليوم الثالث عشر... ومن هنا قال الطبسي في كتابه مع الركب الحسيني «لكن ظاهر بعض الآثار يدل على أن عملية دفن الأجساد المقدسة حصلت في اليوم الثالث عشر من المحرم...».

الخلاصة:

إنّ المشهور بين الأعلام -بعد فقد النصوص الدالة على تاريخ يوم دفن الإمام الحسين  (عليه السلام) – إنّ يوم الدفن كان في اليوم الثالث عشر من شهر محرم، أي بعد ثلاثة ايام من استشهاده (ع).


الهوامش:

1- من مقالة  (دفن الإمام الحسين... بين شهرة المتقدمين وعقيدة المتأخرين)، للشيخ عباس الموسى، بتصرف.

2- انظر مناقب آل أبي طالب ج4 - ص 112، أنساب الأشراف للبلاذري ج3 - ص 411، مروج الذهب ج3 - ص 63، مرآة الزمان في تواريخ الأعيان - ص 97، البداية والنهاية ج8 - ص 191، وتاريخ الطبري ج 3 - ص 335، الكامل في التاريخ - ابن الاثير ج 3 - 433

 - الإرشاد - الشيخ المفيد - ج 2 - ص 114 3

4- إعلام الورى بأعلام الهدى - ص 290.

5- اللهوف في قتلى الطفوف - 85، بحار الأنوار ج45 - ص 107.

6 - مقتل الحسين - المقرم - ص 319 طبعة الخامسة طبع بيروت ونشر دار الكتاب الإسلامي 1399 هـ وقد ذكر هامش «إثبات الوصية للمسعودي» ولم أعرف مقصده هل يريد التاريخ أم ما جاء بعد التاريخ لأن المسعودي يتبنى الرأي الأول.

7- منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل - ج1 - ص 565.

8 - مع الركب الحسيني «وقائع الطريق من كربلاء إلى الشام» محمد جعفر الطبسي ج5 - ص 143

9 - مع الركب الحسيني «وقائع الطريق من كربلاء إلى الشام» محمد جعفر الطبسي ج5 - ص 144

2021/08/20

دروس من عاشوراء: مواجهة الشبهات السياسية.. لـ ’السيد محمد باقر السيستاني’

إنّ واقعة عاشوراء واقعة ملهمة تعطي عند استحضارها والإمعان فيها دروساً مختلفة عملية لكل مؤمن، بل ولكل إنسان في جميع المعاني الراقية الراشدة والحكيمة والأخلاقية والإيمانية، ومن هذه الدروس:

[اشترك]

١- تبصّر سبيل الحق والرشد في الفتن والشبهات الاجتماعية والسياسية، فقد كان المجتمع آنذاك مبتلى بالشبهة في أمر التعامل مع السلطة القائمة رغم ما كان يمثلها من استبداد واستهتار بالمبادئ الإيمانية والعادلة. فهل تجب المداراة معها حفاظاً على النفس والدم وتجنباً عن محاذير القتال بين المسلمين. أم يجب الوقوف بوجهها والصدام معها. ولقد قدم جمع من قرابة الإمام وغيرهم من الوجوه المشورة للإمام (ع) بالبيعة مع السلطة، إلا أنّ الامام (ع) رأى أنّه لا يصح ذلك منه وهو سيد أهل البيت (عم) وسبط رسول الله (ص) والشخصية الأولى في المجتمع الإسلامي بعد ما بلغ الاستبداد والاستهتار بالدين والعدالة إلى هذا المستوى الفظيع الذي تمثل في تولي يزيد الخلافة مع سلوكياته المستهترة والشائنة المعروفة في التاريخ.

٢- الإيمان بالله سبحانه والدار الآخرة إيماناً مؤكداً يستتبع التسليم والصبر والرضا بقضاء الله سبحانه وقدره وتهون معه كل تضحية وفداء حتى لو اقتضى بذل النفس والولد والقرابة والأزواج وكل ما يملكه المرء، عندما تستوجب الوظيفة الإيمانية اتخاذ موقف يقتضي ذلك، ويمثل هذا الإيمان كلمات الإمام (ع) في ذكر الله تعالى والدار الآخرة دائماً وتهوين كل ما نزل به ما دام أنّه بعين الله سبحانه وفي محضره. وجعلها الغاية من وراء هذه التضحية في سبيل الدين وكذلك تمثل هذا المبدأ في سيرة أقاربه وأصحابه وأهل بيته.

٣- الأخلاق العالية بمختلف أصنافها من الحلم والمروءة والوفاء والصبر والمواساة فمشاهد واقعة كربلاء مليئة بهذه المعاني، ومن مظاهر الحلم الفريدة للغاية تعامل الإمام (ع) مع الحر بن يزيد مع ما صدر منه من قبل من الصدود المؤذي للإمام وأهل بيته وأصحابه، ومن مظاهر الوفاء وفاء المأموم للإمام بالحق في أحلك الظروف وأصعبها كما عبرت عنه كلمات أصحابه (ع) جميعاً. وكذلك وفاء الأخ لأخيه بالحق ولأخته، ووفاء الأخت لأخيها، ووفاء الزوجة لزوجها إلى غير ذلك مما تجلّى في كل مشهد من مشاهد هذه الواقعة.

٤- الكمالات النفسية بأنواعها من قبيل الشجاعة البالغة والعزيمة الأكيدة وعزة النفس والارتقاء عن الأمور الوضيعة والعابرة ورباطة الجأش في الشدائد، وعدم الخضوع للظالمين، وذلك أيضاً ملأ هذه الواقعة وسيرة الإمام وأصحابه وأهل بيته فيها.

٥- وجوه العظة والاعتبار التي تقوي روح الحكمة في داخل الإنسان، وهي كثيرة جداً، منها عموم الابتلاء في هذه الحياة وشموله للأصفياء من عباد الله سبحانه حيث نجد أنّ الله سبحانه ابتلى الإمام (ع) ومن معه وهم صفوة الخلق بأنواع من الابتلاء، مما يجعلهم أسوة للمؤمنين وسائر الناس في الالتفات إلى سنن هذه الحياة وما طبعت عليه من الابتلاء وما ينبغي للمرء من الصبر والتسليم لله سبحانه والقناعة والاستحضار لمواقع النعمة في جميع الأحوال ومختلف صروف الحياة وظروفها، ومن جملتها: غرور هذه الحياة وسرعة زوالها، مما ينبه المرء على أن لا يجعلها غاية ولا ينصب العلو فيها هدفاً، بل يستثمرها على النحو الأمثل للحياة الباقية لينال كرامة الله سبحانه في هذه الحياة وما بعدها. ولقد تعلق أناس ممن قاتل الحسين (ع) طمعاً في دنيا زائلة لم ينالوها فخسروا بذلك الآخرة والدين، وفي ذلك عبرة للمرء في أن لا يهون على نفسه المظالم والمعاصي طمعاً في التوفيق للتوبة أو الحصول على مغنم، وابتلاءات الحياة متماثلة في الأزمان كلها ولكن تختلف صورها.

٦- تكريم الله سبحانه لأوليائه في حياتهم ومماتهم حيث نجد أنّ للإمام (ع) كرامات عديدة في ضمن هذه الواقعة منها استجابة دعائه على بعض من تعرض له (ع) تعرضاً قبيحاً، كما أكرمه بموقفه لله سبحانه بعد مماته بأن جعله إماماً ونبراساً خالداً ومعيناً لا ينضب في طريق الدين والحق والإنسانية وكذلك الحال في أهل بيته (ع) واصحابه.

٧- أهمية الدين والعدل ومراعاة القيم الدينية والإنسانية مثل العدل والصلاح الاجتماعي ورعاية العفاف والحجاب والإيثار وتحمل المرء للمسؤولية والتسليم بالحق وغيرها.

وإنّ الإنسان المؤمن، بل كل إنسان ليجد حقاً في تفاصيل هذه الملحمة مصدراً ملهماً للرشد والحكمة والإيمان والعزيمة والصبر والثقة بالله سبحانه والارتقاء عن المادة وسائر المعاني النبيلة في كل موقف يتعرض له في هذه الحياة ولاسيما المواقف الصعبة .

وقد لاحظنا بالأمس القريب كيف أنّ الشعب العراقي بجميع أصنافهم رجالاً ونساءً من أولاد وآباء وأمهات وأخوات استلهم من هذه الثورة معاني العز والكرامة والثبات والصبر وتأتى له دحر الجماعات المسلحة الضالة التي أرادت قهرهم وتحقيرهم وغصب أموالهم فاستلهموا من ثورة الحسين (ع) ما أحرزوا به صلاحهم وصلاح أهاليهم في هذه الحياة كما نالوا به الدرجات العلى عند الله سبحانه.

2021/08/17

على الدنيا بعدك العفا: قتلوا علي الأكبر.. قطّعوه بالسيوف!

ينقل الخطباء أنَّه عندما سقط عليٌّ الاكبر جاء اليه الامام الحسين (ع) وقال: على الدنيا بعدك العفا ياولدي. ماصحَّة هذه العبارة؟ وما المراد منها لو ثبت صدورها عنه؟

[اشترك]

نعم ذكر أكثرُ المؤرِّخين من الفريقين ممَّن أرَّخ لمقتل الحسين (ع) أنَّ تلك هي الكلمات التي أبَّنَ بها الإمامُ الحسين (ع) ولدَه حين وقفَ على مصرعِه فرآه مضرَّجاً بدمِه.

فمن ذلك ما ورد في زيارة الناحية الخاصَّة بالشهداء المرويَّة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قال: "وأومِ وأشِرْ إلى عليِّ بن الحسين (ع) وقل: السلامُ عليك يا أولَ قتيلٍ من نسل خيرِ سليل، من سُلالة إبراهيم الخليل، صلَّى الله عليك وعلى أبيك، إذ قال فيك: قتل اللهُ قوماً قتلوك، يا بُني ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حرمة الرسول، على الدنيا بعدك العفا"(1).

ومنه: ما أورده الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد قال: "فبصُرَ به مُرَّة بن مُنقذ العبدي فقال: علَيَّ آثام العرب إنْ مرَّ بي يفعل مثل ذلك إنْ لم أثكله أباه، فمرَّ يشتدُّ على الناس كما مرَّ في الأول، فاعترضَه مرَّةُ بن مُنقذ فطعنه فصُرع، واحتواه القوم فقطَّعوه بأسيافهم، فجاء الحسينُ (ع) حتى وقف عليه فقال: "قتل اللهُ قوماً قتلوك يا بُني، ما أجرأهم على الرحمن وعلى انتهاك حُرمة الرسول!" وانهملتْ عيناه بالدموع ثم قال: "على الدنيا بعدك العفاء"(2).

ومنه: ما أورده القاضي النعمان في كتابه شرح الأخبار قال: "فلم يزل كذلك يحملُ فيهم، ويقتلُ منهم حتى أصاب حلقَه سهمٌ رُمي به. ويُقال: بل حمل عليه مُرَّةُ بن منقذ بن النعمان بن عبد القيس، فطعَنه، فأنفذه. فأخذه الحسين (ع) فضمَّه إليه، فجعل يقول له: يا أبَه هذا رسول الله (ص) يقول لي: عجِّلِ القدوم علينا ولم يزلْ كذلك على صدرِه حتى مات. فلمَّا نظر إليه عليه السلام ميتاً قال: ولدي على الدنيا بعدك العفا"(3).

ومنه: ما أورده الطبرسيُّ في كتابه إعلام الورى قال: "فبصُرَ به مرَّةُ بن مُنقِذ العبدي لعنه الله، فطعَنه فصرعه، واحتواه القومُ فقطَّعوه بأسيافهم، فجاء الحسين (ع) حتى وقف عليه فقال: "قتل اللهُ قوماً قتلوك يا بُني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حُرمة الرسول (ص) وانهمَلتْ عيناه بالدموع، ثم قال: على الدنيا بعدك العفاء"(4).

ومنه: ما أورده ابنُ شهراشوب في المناقب: "فطعنَه مُرَّةُ بن مُنقذ العبدي على ظهره غدراً فضربوه بالسيف، فقال الحسين: على الدنيا بعدك العفا، وضمَّه إلى صدرِه وأتى به إلى باب الفسطاط"(5)

ومنه: ما أورده ابنُ طاووس في كتابه اللهوف قال: "وقاتل أعظم القتال فرماه مُنقِذ بن مُرَّة العبدي (لع) بسهمٍ فصرعه فنادى يا أبتاه عليك منِّى السلام هذا جدِّي يُقرئُك السلام ويقولُ لك: عجِّلِ القدوم علينا ثم شهَق شهقةً فمات، فجاء الحسينُ (ع) حتى وقفَ عليه ووضع خدَّه على خدِّه وقال: قتل اللهُ قوماً قتلوك ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول على الدنيا بعدك العفا"(6).

ومنه: ما أورده ابن نما الحلِّي في كتابه مثير الأحزان قال: "فرماهُ مُنقذ بن مرَّة العبدي فصرعه واحتواه القوم فقطَّعوه فوقف (ع) وقال: قتلَ اللهُ قوماً قتلوك، فما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول واستهلَّت عيناهُ بالدموع ثم قال: على الدنيا بعدك العفاء"(7).

هذا بعض ماورد في مصادر الشيعة، وأمَّا ماورد في مصادر العامَّة:

فمنه: ما أورده ابنُ سعد في الطبقات في ترجمة الإمام الحسين (ع) قال: "وأقبل عليه رجلٌ من عبد القيس يُقال له: مُرَّة بن منقذ بن النعمان فطعنَه، فحُمل فوضع قريباً من أبيه، فقال له: قتلوك يا بُني على الدنيا بعدك العفاء، وضمَّه أبوه إليه حتى مات، فجعل الحسينُ يقول: اللهمَّ دعونا لينصُرونا فخذلونا وقتلونا، اللهمَّ فاحبسْ عنهم قطرَ السماء وامنعهم بركاتِ الأرض، فإنْ متَّعتهم إلى حين ففرّقهم شِيَعاً واجعلْهم طرائقَ قِددا، ولا تُرضي الولاة عنهم أبدا "(8).

ومنه: ما أورده ابن الجوزي في المنتظم قال: "فطعنَه مرَّةُ بن مُنقذ فصرعه، واحتوشوه فقطَّعوه بالسيوف، فقال الحسينُ: قتل اللهُ قوماً قتلوك يا بُني، على الدنيا بعدك العفاء"

وأورد هذه الفقرة مثل الخوارزمي في مقتل الحسين، والطبري في تاريخه، وابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق إلا أنَّه قال: الدبار بدل العفا، وأبو الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين وغيرهم (9).

وأمَّا ماهو المراد من قوله (ع): "على الدنيا بعدك العفا" فهو التعبير عن أنَّ عليَّاً الأكبر(ع) كان أعزَّ على نفسِه من نفسِه وأنَّ رؤيتَه لمصرعِه وأشلائه وهي موزَّعة ودمِه الزاكي مسفوحاً أشقُّ على قلبِه من كلِّ ما كان قد انتابَه من عظائم المِحن، بل صار القتلُ الذي ينتظرُه أيسرَ شيءٍ على قلبِه بعد رحيلِ الأكبر، وهذا هو معنى "على الدنيا بعدك العفا" فكلُّ خطيرٍ بعد رحيلِه حقير، وكلُّ عسيرٍ بعد رحيلِه يسير، فجراحاتُ الأكبر والدماءُ النازفةُ منها، ووقْعُ أنَّاته على قلبِ الحسين قد سكَّن كلَّ ألمٍ كان قد اِنتاب قلبَ الحسين وكلَّ ألمٍ سينتابُه، ذلك لأنَّ الجرح يُسكنُه الذي هو آلمُ.

وأمَّا الغايةُ من هذا الذي أفاده في تأبين ولدِه الأكبر فلعلَّه أرادَ منه الإيحاء بأنَّ هذا الذي يحظى من قلبِه بهذا المستوى من التعلُّق والحبِّ قد سخى به في سبيل إعلاء دين الله جل وعلا، فكلُّ نفيسٍ يرخُص في هذا الطريق، فلم يكن رحيلُ الأكبر شهيداً وقعَ قسراً ودون إختيارٍ من الحسين (ع) فقد كان يملِكُ أنْ يصرفَ عنه هذا المصير الدامي لكنَّه لم يفعلْ بل عمِد إلى أنْ يكون هو السابق غيرَه إلى هذا الطريق.


الهوامش: 1- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج 45 ص 65. 2- الإرشاد -الشيخ المفيد- ج 2 ص 106. 3- شرح الأخبار -القاضي النعمان المغربي- ج 3 ص 153. 4- إعلام الورى بأعلام الهدى -الشيخ الطبرسي- ج 1 ص 464. 5- مناقب آل أبي طالب -ابن شهر آشوب- ج 3 ص 257. 6- اللهوف في قتلى الطفوف -السيد ابن طاووس- ص 67. 7- مثير الأحزان -ابن نما الحلي- ص 51. 8- ترجمة الإمام الحسين (ع) -من طبقات ابن سعد- ص 73. 9- تاريخ الطبري -الطبري- ج 4 ص 340, الكامل في التاريخ -ابن الأثير- ج 4 ص 75, تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج 69 ص 169, الخوارزمي ج2 ص27. المنتظم في تاريخ الأمم والملوك - ابن الجوزي- ج5/ 340
2021/08/17

’قتله حتمي’.. لماذا خرج الإمام الحسين بنسائه وأطفاله إلى كربلاء؟

لماذا خرج الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء بنسائه وهو يعلم أنه سيقتل فيها وهو رمي للنفس في التهلكة، وهذا محرم شرعاً؟!

[اشترك]

لقد روى أهل السنة بأسانيد صحيحة أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر عن مقتل ولده الحسين (عليه السلام) في كربلاء ولم يرد منه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهي لولده من الذهاب إلى كربلاء مع علمه بمقتله فيها [راجع: إتحاف الخيرة المهرة للبوصيري ، ح 6755. ومجمع الزوائد للهيثمي 9: 187 و219 وغيرهما].

ورووا أيضاً بشكل متواتر أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال بأن ابنه الحسين (عليه السلام) سيد شباب أهل الجنة [راجع: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني 2: 796] .

فهنا نقول: إما أن يكون خروجه (عليه السلام) لكربلاء مشروعاً واستحق معه منصب السيادة لشباب أهل الجنة بحسب حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المتواتر، أو يكون ما قاله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مخالفاً للشريعة.. ولا شق ثالث في البين!!!

وليختار الطرف الآخر ما يشاء من الشقين!!

أما الإشكال: لماذا خرج الحسين (عليه السلام) لينقذ الأمة من الانحراف مع أن الحسن (عليه السلام) لم يخرج، بل نجده قد صالح ولم يحارب؟!!

الجواب: نفس هذا الإشكال يرد على سلوك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنا وجدنا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد صالح المشركين في فترة ما، وحاربهم في فترة أخرى.. فهل ترى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حين صالح المشركين في فترة ما مع بقائهم على شركهم وضلالهم أنه كان مخطئاً؟!!

إن قلت: نعم. كفرت، وإن قلت: لا. انتفى إشكالك في خروج الحسين وصلح الحسن (عليهما السلام)؛ لأن السلم والحرب يدوران مدار المصالح والمفاسد، وتشخيص المفاسد والمصالح يرجع للظروف التي يعيشها الأنبياء والأئمة (عليهم السلام)، فهم أعرف بالمفاسد والمصالح في زمانهم.

وبلحاظ ما تقدم، لا نجد إشكالاً ناهضاً يمكن للطرف الآخر الاعتراض به على مشروعية الثورة الحسينية ومحاولة تصحيح الخلافة لمغتصبي حقوقهم، بل الأدلة كلها في غير صالحهم، ويمكنكم مراجعة مقال: "الشعائر الحسينية"، على موقعنا حتى تطلعوا على أدلة أكثر مما ذكرناه هنا.

2021/08/17

زرّ الحسين ’عارفاً بحقه’.. كيف فسّرت الروايات ووصايا المرجعية هذه العبارة؟

’عارفاً بحقّه’ في ضوء الرواية.. ووصايا المرجعيّة

تضمّنت الكثير من الأحاديث الواردة بشأن زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) تقييد الجزاء للزائر، وترتّب الأثر على الزيارة من غفران الذنوب، ودخول الجنّة.. بقيد تمثّل بعبارة "عارفاً بحقه".
[اشترك]

وقد أخرج هذه الروايات الشيخ الصدوق في ثواب الأعمال، تحت عنوان: ثواب من زار قبر الحسين(ع). ومن قبله الكليني في الكافي في باب: فضل زيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام)، وحسناً صنع ابن قولويه لمّا وضعها جزءاً من عنوان الباب في كتابه الجليل: كامل الزيارات، فكان العنوان: ثواب من زار الحسين(ع) عارفاً بحقّه. وخرّج فيه سبعة عشر حديثاً !

بالرغم من أنّ هذا التقييد ليس خاصاً بزيارة سيد الشهداء، بل ورد أيضاً في زيارة غيره من الأئمة، فوردتْ في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكذا  في زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) أنّ من زاره عارفاً بحقه وجبت له الجنّة.

تتبعتُ معظم إن لم أقل كلّ- ما قيل في تفسير هذا القيد، وبيان المقصود منه، فوجدتُ معظمها: إمّا تحليلات لا تستند إلى روايات، وإنّما إلى كلمات أهل اللغة، أو بيانات لا تخلو من مناقشة عدم الانسجام مع أصول وقواعد الطائفة الحقّة، وعقائد الفرقة المحقّة - وإن كان بعضها حسناً في نفسه- لكنّه وكما قلتُ: لا يستند إلى بيان روائي خالٍ من المناقشة، بالرغم من أهميّة الموضوع، وكثرة ما ورد فيه مما يستبعد معه عادة عدم تعرّض الأصحاب له، ومراجعة الأئمة بشأنه؛ لذا قمتُ بمراجعة مرة أخرى للأخبار، ودققتُ فيها أكثر فظفرتُ بجملة في حديث فسّرتْ لي العبارة، وشرحت المقصود، وما خلا ذلك فهو هامش عليها.

قبل البيان، ينبغي التنبيه على أمرٍ مهم، وهو أن هذا القيد ليس قيداً توضيحياً، بل هو احترازي، يشهد على ذلك، علاوة على أنّه مقتضى قاعدة احترازيّة القيود، فأنّه قد جاء مكرّراً وبكثرة كاثرة مع تعدد في الصياغة والأسلوب، ومنها مجيئه بأسلوب الشرط: .. ما يثاب به زائر الحسين، إذا عرف بحقه و حرمته و ولايته أن يغفر له..(الكافي،ج4،ص582).

نعود لصلب الموضوع: ما المقصود بقيد" عارفاً بحقه" حسبما يستفاد من الروايات؟

أقول: روى ابن قولويه بإسناد متصل قوي عن الإمام الصادق قال: من زار الحسين (عليه السلام) عارفاً بحقه يأتمّ به، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

محور القضيّة، وجوهرها- فيما أرى- يتمركز في كلمة " يأتم به" عقيب العبارة محل البحث مباشرة" عارفاً بحقه" ما يعني:

أولاً- أنّها شرح لها، وبيان للمقصود منها، فقد جاءت بغير حرف عطف، فلو قال: عارفاً بحقه، و يأتم به لاحتملت الاختلاف والمغايرة بين المعنيين، لكنّها جاءت ملتصقة بها وعقيبها مباشرة، وبهذا يلغى احتمال المغايرة، وإذن، فجملة: يأتم به هي جملة شارحة لقيد: عارفاً بحقّه.

ثانياً- والإئتمام بالإمام يقتضي بالضرورة الاعتقاد بإمامته، والعلم بحجيته، وأنّه إمام مفترض الطاعة، لكن هذا الاعتقاد وإن كان ركناً ركيناً في معرفة حقه، وجزءاً أصيلاً منها، بل هي أقوم ركن، وأهم جزء من أجزاء معرفة حقه؛ ولذا اكتفت بها بعض الأخبار فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) مفسراً العبارة في حق الإمام الرضا، قائلاً: يعلم أنه مفترض الطاعة غريب شهيد. (أمالي الصدوق ص 121)، وفي خبر آخر جاءت على لسان أحد أصحاب الأئمة (محمد بن سليمان) مخاطباً الإمام الجواد: ..عارفا بحقك يعلم أنك حجة الله على خلقه وبابه الذي يؤتى منه..(الكافي،ج4،ص584) بيد أنّها ليست هي المعنى المنشود، ولا تمام المقصود بـ"عارفاً بحقه"

ثالثاً- فإنّ ظاهر هذه اللفظة "يأتمُّ به" هو الاتّباع والاقتداء العملي، علاوة على الاعتقاد القلبي، ما يعني أنّ عبارة "عارفاً بحقّه" تتقوم بركنين: (1-الاعتقاد. 2-والاتباع)، ومن ثمّ فلا يكفي محض الاعتقاد، ومجرّد الزيارة في ترتّب الأثر، من غفران الذنوب جميعاً، ودخول الجنّة...هذا هو الذي يقتضيه المسلك الحقّ في أنّ العمل جزءٌ من الإيمان، وأنّ الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان العقول، أو كما في الحديث المعروف أنّ الإيمان: تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.

رابعاً-أضف لما مرّ، فإنّ من الشواهد المؤيدة للمعنى المختار آنفاً هو ما رواه ابن قولويه عن الرضا(عليه السلام) أنّه قال: من زار الحسين بن علي(عليه السلام) عارفا بحقه كان من محدّثي الله فوق عرشه، ثمّ استشهد الإمام الرضا بقوله تعالى: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.(كامل الزيارات،ص141). وإنّما يتقبّل الله من المتقين.

أخيراً: يصبّ جميع ما تقدّم في نفس الاتجاه الذي يوصي به المرجع الأعلى الخطباء والمبلغين، فمما جاء عنه في هذا السياق قوله في الحكمة الرابعة: تؤكد وصايا أئمة أهل البيت(عليهم السلام) إلى أتباعهم على الالتزام العمليّ بتعاليم دينهم.. [وأضاف السيد المرجع مستشهداً بحديث] جابر الجعفيّ عن أبي جعفر (عليه السلام): "يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلّا من اتّقى الله وأطاعه، وما كانوا يُعرفون يا جابر إلّا بالتواضع، والتخشّع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم، والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس إلّا من خير، وكانوا أمناء في عشائرهم في الأشياء". الكافي ج:2 ص:74. (انظر-وصايا المرجعيّة الدينيّة العليا للخطباء والمبلّغين بمناسبة قرب حلول شهر المحرّم الحرام عام 1441)ـ

2021/08/16

في 6 أمتار فقط.. ما حقيقة دفن ’شهداء كربلاء’ في قبر واحد؟

المساحة الحالية لقبور الشهداء لا تتجاوز 6 أمتار، فكيف استوعبت هذه المساحة أجسادهم الطاهرة؟ وما هو الدليل على ذلك؟

[اشترك]

إن ما يظهر من مجموع كلمات المؤرّخين وأرباب السير والمقاتل أن شهداء كربلاء رضوان الله تعالى عليهم ـ ما عدا الذين لهم قبور خاصّة معلومة، كأبي الفضل العبّاس عليه السلام ـ دفنوا مجتمعين، لا أنّ كل واحد منهم دُفن في قبر خاص.

 ولكن اختُلف في كيفيّة دفنهم مجتمعين، فقيل: حُفرت لهم حفيرة واحدة كبيرة ممّا يلي رجليّ الإمام الحسين عليه السلام وأُلقوا فيها جميعاً وسُوِّي عليهم التراب.

وقيل: حُفرت أكثر من حفيرة، اختصّ الهاشميّون بواحدة منها ممّا يلي رجلي الإمام عليه السلام. [ينظر: الإرشاد ج2 ص114، المنتخب ج1 ص37، بطل العلقمي ج3 ص258، وغيرها].

والقدر المتيقن أنّ دفن الشهداء قد تم بشكل مجموعيّ، وأنّهم دُفنوا ممّا يلي رجليّ الإمام عليه السلام، وأنّ الحائر الحسينيّ محيط بهم، وأنّه لا توجد لهم أجداث على الحقيقة، ولهذا جاء في زياراتهم أن الزائر يزورهم من عند رجليّ الإمام عليه السلام مشيراً إلى الأرض.

هذا هو المقدار المتيقن في كيفية دفن الشهداء مما يُستفاد من النصوص التاريخية.

وأما مساحة مدفنهم رضوان الله عليهم فلا يمكن تحديده بمقدار معيّن، فإنّه كما يحتمل أن تكون الحفيرة عميقة بحيث تسع أجسادهم الطاهرة فلا ضرورة لأن تكون مساحتها كبيرة فيكون الضريح الخاصّ بهم محيطاً بأجسادهم، كذلك يمكن أن يكون هذا الضريح الخاص قد جُعل علامة لموضع دفنهم ليُزاروا فيها مع احتمال أن يكون بعض الشهداء مدفونين خارج الضريح، ولهذا يتحاشى العلماء العارفون العبور من البقعة الكائنة بين ضريح سيد الشهداء عليه السلام وضريح الشهداء رضوان الله عليهم؛ لأنّ هذه البقعة مظنة لأن تكون موضع دفن بعض الشهداء، فيحتاطون في المشي بهذه البقعة احتراماً لأولئك الشهداء الكرام.

قال السيّد محسن الأمين في [المجالس السنية ج1 ص128]: «وحفروا للشهداء من أهل بيته ولأصحابه الذين صرعوا حوله ممّا يلي رجليّ الحسين عليه السلام، فجمعوهم ودفنوهم في حفيرة واحدة، وسووا عليهم التراب، ولذلك يمتنع أهل المعرفة من المرور من جهة رجلي الحسين عليه السلام، خوفاً من المشي فوق قبورهم الشريفة».

2021/08/16

هل نفعت شهادة الإمام الحسين ’التشيع’؟ .. الجواب من السيد محمد باقر السيستاني
لقد أدت شهادة الإمام الحسين (ع) بما مثّله من نبل بالغ ومظلومية عظيمة جداً لأهل البيت (ع) - فضلاً عن تقوية أصل الاسلام واحياء العديد من قيمه ومبادئه -إلى تقوية التشيع في الكوفة وسائر البلاد عدا بلاد الحجاز التي كانت عموماً ثابتة على مدرسة الخلافة لأنها مركز نفوذ المعرضين عن أهل البيت (ع) من أهل الحل والعقد والمتحالفين معهم والمتأثرين بهم.

كان تأثير هذه المظلومية في ذلك على وجوه مختلفة:

الأوّل: إزالة الحواجز الشعورية تجاه الإيمان بأهل البيت (ع)، فقد شهد أهل الكوفة واعية الإمام أمير المؤمنين (ع) في ذكر اصطفاء أهل البيت (ع)، إلا أن الذي كان يعيق القبول بذلك ما ورثوه من الاعتقاد بأهل الحل والعقد من الصحابة الذين أبرموا بيعة أبي بكر في السقيفة ثم بالخلفاء مع حسن ظن عامة الناس بهم.

قد أثرت في تخفيف هذه الحواجز بعض الشيء مظلومية الإمام أمير المؤمنين (ع) بشهادته ثم بسبه على رؤوس الأشهاد حتى في الكوفة التي شهدت سيرته (ع) وكذلك مظلومية الإمام الحسن (ع) حيث تُرك وحيداً لعدم الإيمان بقضية القتال مع معاوية وحصول الشبهة فيه بكونه قتالاً غير ضروري بين طائفتين من المسلمين حتى تبيّن لهم الخطأ الفظيع في هذا الموقف بعد استيلاء معاوية لكن كانت شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) عاملاً انفجارياً كبيراً لإزالة هذه الحواجز ومناشئها من حالة التقليد، وأدت إلى إعادة النظر في تحديد الحق بالرجال، فأوجب امتلاك هذه الواعية لقلوب الناس وخرق قداسة الخلافة وأهل الحل والعقد من الصحابة والعصبية للأسلاف المانعة من الإذعان لهذا الحق.

الثاني: إسماع واعية أهل البيت (عليهم السلام) لكثير من الناس في البلاد الإسلامية المترامية التي لم يكن قد سمع بها أو لم يتلقّها تلقياً جادّاً مثل بلاد خراسان والتي انطلقت منها على أساس التشيع ثورة العباسيين التي أنهت حكم بني أمية بعد عدة عقود من مقتل الحسين (ع).

فقد كان قتل سبط رسول الله (ص) من قبل السلطة على أساس إلزامه بالبيعة وإبائه عنها في قتالٍ غير متكافئ على هذا النحو الفجيع وأسر نسائه وأولاده حدثاً عظيماً بلغ صداه عامة بلاد المسلمين، وطرح ثنائية أهل البيت والسلطة في المجتمع الإسلامي كله، وأثار البحث عند المسلمين عن خلفية هذا الحدث ومضمون خطاب أهل البيت (ع) ـــ والذي كان يتردد فيه مضافاً إلى مبادئ العدل ـــ اصطفاء أهل البيت (ع) وتميزهم في هذه الأمة.

وقد ساعد هذا الحدث على تحري خطابات الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من قبل والأحاديث النبوية في شأن أهل البيت (عليهم السلام) مما ساعد على انتشار التشيع أو إيجاد أرضية قريبة في كثير من الأوساط.

الثالث: أثر سياسي، وهو تضعضع بنيان حكم بني أمية الذين تبنوا عداء الإمام (ع) وأهل البيت (عليهم السلام) على وجه سافر حيث أوجب هذا الحدث سقوط هيبة الدولة الأموية، وإزالة القناع الديني عن هذه السلطة في نفوس كثير من المسلمين، وزيادة الكره تجاههم والمحبة لأهل البيت (عليهم السلام) في المجتمع الإسلامي.

لقد ظن بنو أمية أن التعامل القاسي مع الإمام الحسين (عليه السلام) بأقسى وجه ممكن سوف يؤدي إلى توطيد أساس ملكهم ويكون عبرةً لمن اعتبر من بعد، ويؤدي إلى إزاحة بني هاشم (الذين يعتبرونهم البديل الخطر لهم) عن منافستهم للأبد باستئصال رأسهم وأصلهم، وكان الناس في العراق من قبل يتحدثون حتى في زمان الإمام أمير المؤمنين (ع) كما يدل عليه العديد من خطبه (ع) عن أن الحكم سوف يكون ويستقر لبني أمية إلى الأبد لأنهم خُلقوا للحكم حيث أوتوا سر الحفاظ عليه وديمومته بما يتصفون به من الدهاء والمكر والحيلة مع عدم التورع عن الفجور والغدر والرشا ونحوها من الأدوات.

ولكن أصبح الأمر على خلاف ذلك، فقد كان صوت الإمام الحسين (عليه السلام) المضمخ بدمه ودم قرابته وأنصاره وأسر نسائه ـــ هذا الصوت الذي أبى الإقرار بمشروعية هذه السلطة الأموية على المسلمين ـــ صوتاً مدوياً خرق هيبة حكم الأمويين في المجتمع، ورجا في أثره كثير من الناس أن تكون إزاحة هذا الحكم أمراً ممكناً بالتضحية، ولذلك تتالت الثورات عليها في أوساط الشيعة وغيرهم مثل ثورة أهل المدينة ضد يزيد وثورة أبناء الزبير في مكة والعراق ضد السلطة، حتى انتهى حكمهم على يد ثورة بني العباس بعد سبعين سنة فقط من قتل الحسين (عليه السلام).

2021/08/16

لماذا لُقب العباس (ع) بـ ’سبع القنطرة’؟

السَّبعُ: هوَ الأسدُ، ويُطلقُ على الرَّجلِ الشُّجاعِ، والقنطرةُ: هيَ الجسرُ. فيكونُ معنى (سبعِ القنطرةِ): الرَّجلَ الشُّجاعَ الذي أبدى شجاعةً لا نظيرَ لَها وسجَّلَ موقفاً بطوليّاً عندَ الجسرِ.

[اشترك]

ولكنَّ السُّؤالَ هُنا: ما هوَ الموقفُ الذي ظهرتْ شجاعةُ أبي الفضلِ العبّاسِ فيهِ عندَ ذلكَ الجسرِ بحيثُ لقِّبَ بسبعِ القنطرةِ؟

قالَ المحقِّقُ آيةُ اللهِ الشَّيخُ محمَّد إبراهيم الكلباسيُّ النَّجفيُّ: (وإنَّما عُرِفَ أبو الفضلِ العبّاسُ (ع) بسبعِ القنطرةِ؛ لأنَّهُ - على ما رُوِيَ - قدْ أبدى منْ نفسِهِ في حربِ النَّهروانِ جدارةً عاليةً في حراسةِ القنطرةِ والجسرِ، الِّذي كانَ قدْ أوكلَهُ أبوهُ أميرُ المؤمنينِ (ع) معَ مجموعةٍ منَ الفرسانِ بحفظِهِ يومَ النَّهروانِ منَ الخوارجِ، وسجَّلَ عليْهِ مواقفَ شجاعةً، وبطولاتٍ هاشميَّةً مشرِّفةً، فإنَّهُ لمْ يدَعْ بشجاعتِهِ وبسالتِهِ جيشَ الخوارجِ أنْ يعبروا مِنْ عليْهِ، ولا أنْ يجتازوهُ إلى حيثُ يُريدونَ، بلْ صمدَ أمامَهُمْ بسيفِهِ وصارِمِهِ، وصدَّهمْ عمّا كانوا ينوونَهُ بعزمِهِ وبأسِهِ، ولذلكَ لمّا دخلَ وقتُ الصَّلاةِ، وطلبَ الإمامُ أميرُ المؤمنينَ (ع) ماءً يتوضَّأُ بِهِ، أقبلَ فارسٌ والإمامُ (ع) يتوضَّأُ وقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، لقدْ عبرَ القومُ - ويقصدُ بهمُ الخوارجَ -، وإنَّهمْ عبروا القنطرةَ التي أوكلَ بِها الإمامُ أميرُ المؤمنينَ (ع) ابنَهُ العبّاسَ (ع) معَ مجموعةٍ منَ الفرسانُ. فلمْ يرفعِ الإمامُ أميرُ المؤمنينَ (ع) إليْهِ رأسَهُ، ولمْ يلتفتْ إليْهِ، وذلك وثوقاً منْهُ بشجاعةِ ولدِهِ المقدامِ أبي الفضلِ العبّاسِ (ع) الذي أوكلَهُ بحفظِ القنطرةِ منْ سيطرةِ الأعداءِ، وأمرَهُ بحراستِها منْ عبورِهِمْ عليْها وتجاوُزِهمْ عنْها.

هَذا مضافاً إلى ما أخبرَ بِهِ رسولُ اللهِ (ص) عنِ اللهِ في شأنِ الخوارجِ، وما يؤولُ إليْهِ أمرُهُمْ وفتنتُهُمْ، وما أطلعَهُ (ص) على جزئيّاتِ قضيَّتِهمْ، وكيفيَّةِ مقاتلتِهِمْ لهُ، ومواقعِ نزولِهِمْ وركوبِهِمْ، وسوءِ عواقبِهِمْ، ومَصارِعِهِمْ. على أثرِ ذلكَ كلِّهِ أجابَ الإمامُ أميرُ المؤمنينَ (ع) ذلكَ الفارسَ بقولِهِ: إنَّهمْ ما عَبَروا، ولا يعبرونَهُ، ولا يفلتْ منْهمْ إلّا دونَ العَشَرةِ، ولا يُقتلْ منكمْ إلّا دونَ العَشَرةِ، ثمَّ قالَ (ع) يؤكِّدُ ذلكَ: واللهِ ما كَذِبْتُ ولا كُذِبْتُ.

فتعجَّبَ النّاسُ منْ كلامِ الإمامِ أميرِ المؤمنينَ (ع) لذلكَ الفارسِ، وكانَ هنالكَ معَ الإمامِ رجلٌ وهوَ في شكٍّ منْ أمرِهِ، فقالَ: إنْ صحَّ ما قالَ فلا أحتاجُ بعدَهُ إلى دليلٍ غيرِهِ، فبينَما همْ كذلكَ إذْ أقبلَ فارسٌ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ، القومُ على ما ذكرْتَ، لمْ يعبروا القنطرةَ.

ثمَّ إنَّ الإمامَ أميرَ المؤمنينَ (ع) صلّى بالنّاسِ صلاةَ الظُّهرِ، وأمرَهُمْ بالمسيرِ إليْهمْ وهمْ دونَ القنطرةِ، ثمَّ حملَ (ع) عليْهمْ بأصحابِهِ حَمْلةَ رجلٍ واحدِ، وذلكَ بعدَ أنْ أتمَّ الحجَّة عليْهمْ، واستتابَهمْ ممّا جَنَوْهُ منْ قتلِ عبدِ اللهِ بنِ خبّابٍ، وبقرِ بطنِ زوجتِهِ، وإخراجِ طفلِها وقتلِهِ، فرجعَ منهمْ ثمانيةُ آلافٍ، وبقيَ أربعةُ آلافٍ لمْ يتوبوا، وقالوا لهُ: لنقتلنَّكَ كما قتلناهُ، فحملَ (ع) عليْهمْ، واختلطوا، فلمْ يكنْ إلّا ساعةٌ حتّى قُتِلوا بأجمعِهمْ، ولمْ يفلتْ منْهمْ إلّا تسعةُ أنفسٍ ... كما أنَّهُ لمْ يُقتلْ منْ أصحابِ

الإمامِ أميرِ المؤمنينَ (ع) إلّا تسعةٌ. فكانَ كما أخبرَ بِهِ أميرُ المؤمنينَ (ع) تماماً منْ دونِ زيادةٍ ولا نقصانٍ). [الخصائصُ العبّاسيَّةُ ص156 وما بعدها].

2021/08/16

لماذا خرج الإمام الحسين إلى ’الكوفة’ مع علمه بـ ’الخذلان’ وعدم النصرة؟!

لو كانَ الحسينُ يعلمُ بخذلانِ أهلِ الكوفةِ ويعلمُ المستقبلَ كما تزعمونَ لما سارَ إليهم؟!

[اشترك]

الإجابةُ على هذا السّؤالِ تكونُ منْ خلالِ شقّين:

الأوّل: هل يعلمُ الإمامُ الحسينُ (عليهِ السّلامُ) أمورَ المستقبلِ وأنّ هذا يشكّلُ عقيدةً لنا نحنُ كشيعةٍ إمامية؟!

الثّاني: على فرضِ علمهِ بالمستقبلِ لماذا ذهبَ إلى كربلاءَ وهو يعلمُ خذلانَ أنصارهِ وأنّهُ سيقتلُ هناك؟!

أمّا جوابُ الشّقّ الأوّل، فنقولُ: نعتقدُ نحنُ كشيعةٍ إماميّةٍ أنَّ أئمّتنا (عليهمُ السّلامُ) لا يعلمونَ الغيبَ ولكنّهم متى شاؤوا أنْ يعلموا شيئاً أعلمهم إيّاهُ اللهُ عزّ وجلّ، دلّتْ على ذلكَ رواياتٌ كثيرةٌ متظافرةٌ في مجاميعِنا الحديثيّةِ [انظر : الوافي - للفيضِ الكاشاني - ج 3 ص 590 ، باب: أنّهم لا يعلمونَ الغيبَ إلا أنّهم متى شاؤوا أنْ يَعلموا أعلِموا]

جاءَ في " الكافي " بسندهِ عن عمّارٍ السّاباطي: قالَ: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عليهِ السّلامُ عن الإمامِ يعلمُ الغيبَ فقال لا - ولكن إذا أرادَ أنْ يعلمَ الشّيءَ أعلمهُ اللَّهُ ذلك» .[ الكافي 1: 257]

فهذا العلمُ بالغيبِ عندَ الأئمّةِ (عليهمُ السّلامُ) علمٌ يمنحهُ اللهُ عزّ وجلّ للإمام فيما يتعلّقُ بوظائفِ إمامتهِ ، ولا يقتصرُ الإماميّةُ على هذه الدّعوى من علمِ أئمّتهم ببعضِ المغيّباتِ ، بل هذهِ الدّعوى موجودةٌ عندَ أهلِ السنّةِ أيضاً ، فقد ثبتَ منْ مرويّاتِ أهل السنّةِ أنّ عمرَ بنَ الخطّابِ قد علمَ الغيبَ ونادى ساريةَ بنَ زنيمٍ الذي بعثهُ قائداً على إحدى الجيوشِ لبلادِ فارسَ، فناداهُ وهو في المدينةِ : يا ساريةُ الجبل ، يا ساريةُ الجبل ، فاستندَ ساريةُ إلى الجبلِ وتحقّقَ لهمُ النّصرُ على جيشِ الفرسِ [ انظر : البدايةُ والنّهايةُ لابنِ كثير 7: 147 ، قالَ : هذا إسنادٌ جيّدٌ حسنٌ ... ويقوّي بعضهُ بعضاً ، سلسلةُ الأحاديثِ الصّحيحةِ للألباني 3: 101].

وكذلكَ أخرجَ الألبانيّ في "أرواءِ الغليل" ج6 ص 61 حديثَ إخبارِ أبي بكرٍ بما في بطنِ زوجتهِ وأنّها أنثى، وصحّحهُ.

قالَ ابنُ تيميّةَ في "مجموعِ الفتاوى":  "وأمّا المعجزاتُ التي لغيرِ الأنبياءِ منْ " بابِ الكشفِ والعلمِ " فمثلُ قولِ عمرَ في قصّةِ ساريةَ ، وإخبارِ أبي بكرٍ بأنَّ ببطنِ زوجتهِ أنثى". [ مجموعُ الفتاوى 11: 318 ].

نقولُ: فإذا ثبَتَ هذا العلمُ بالغيبِ لغيرِ الأنبياءِ، حسبَ ابنِ تيميّةَ وابنِ كثيرٍ والألبانيّ فهوَ يثبتُ لغيرهم، فحكمُ الأمثالِ فيما يجوزُ ولا يجوزُ واحدٌ منْ هذهِ الناحيةِ.

أمّا جوابُ الشقِّ الثاني، فنقولُ : العلمُ ببعضِ الأمورِ الغيبيّةِ لا يعني مخالفةَ المحتومِ، فإنّ هناكَ أموراً محتومةً لابدَّ منْ وقوعِها إذا حضرتْ أسبابهُا، وهذا لا يعني تقديرَ وقوعِها على نحوِ الجَبرِ، بلْ هيَ ممّا جرى في علمِ اللهِ سبحانهُ بأنّها ستقعُ حتماً لحضورِ أسبابِها ومسبّباتِها، والتّكليفُ في دارِ الدّنيا - كما هوَ معلومٌ - إنّما يجري وفقَ قانونِ الأسبابِ والمسبّباتِ ، فلو فرضْنا أنّ هناكَ شخصاً سيقتلُ غداً بالرّصاصِ في حادثةٍ معينةٍ، واللهُ سبحانهُ قد أعطى هذا العلمَ بالموتِ للشّخصِ نفسهِ، فهل تراهُ يقدرُ أن يدفعَ الموتَ عنْ نفسهِ إذا حضرتْ كلُّ الأسبابِ لحضورهِ في تلكَ الحادثةِ ومقتلهِ فيها؟!!

إنّ دفعَ الأسبابِ بعدَ حضورِها ليسَ مقدوراً لأحدٍ منَ البشرِ.. وقد أخبرَنا رسولُ اللهِ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم) بأنّ ولدهُ الحسينَ (عليهِ السّلامُ) سيقتلُ في أرضٍ يقالُ لها (كربلاء)، وهذا أمرٌ تظافرَ نقلهُ عنِ الجميعِ، وهو ممّا كانَ يَعلمهُ الحسينُ (عليهِ السّلامُ) أيضاً.. فلماذا لم ينهَ النبيُّ (صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلّم) ولدَهُ الحسينَ (عليهِ السّلامُ) منَ الذّهابِ إلى كربلاءَ حتّى لا يقتلَ فيها؟!!

إنّ التكليفَ الشّرعيَّ للإمامِ الحسينِ (عليهِ السّلامُ) في وقتِها كانَ هوَ الخروجُ لنصرةِ المظلومينَ بعدَ أنِ اجتمّعتْ عندَهُ آلافُ الكتبِ منْ أهلِ الكوفةِ وعشراتُ الألوفِ منَ التّواقيعِ عليها تستنجدُ بهِ للخلاصِ منَ الحكمِ الأمويِّ وطاغيتِهِ يزيدَ.

والإمامُ ( عليهِ السّلامُ ) مأمورٌ بالأخذِ بظواهرِ الأمورِ، وليسَ لهُ أنْ يتعاملَ معَ الأحداثِ بما عندهُ من علمٍ غيبيّ بخذلانِ النّاسِ وتقاعسِهم عن نصرتِهِ فيما بعدُ ، فالحجّةُ قد اكتملتْ - ظاهراً- بحضورِ النّاصرِ الأمرُ الذي يحتّمُ عليهِ الاستجابةَ لهم، وفي هذا الجانبِ يقولُ الإمامُ أميرُ المؤمنينَ ( عليهِ السّلامُ ) : "أما والذي فلقَ الحبّةَ وبرأَ النّسمةَ، لولا حضورُ الحاضرِ، وقيامُ الحجّةِ بوجودِ النّاصرِ، وما أخذَ اللهُ على العلماءِ أنْ لا يُقارّوا على كظّةِ ظالمٍ ولا سغَبِ مظلومٍ لألقيتُ حبَلها على غاربِها ولسقيتُ آخرَها بكأسِ أوّلِها". [نهجُ البلاغةِ 1: 36]

 وبلحاظِ ما تقدّمَ نقولُ: إنَّ علمَ أهلِ البيتِ (عليهمُ السّلامُ) بمصرعِهم في مكانٍ ما لا يَعني أنْ يُخالفوا المحتومَ بعدَ حضورِ أسبابهِ، وهذا مطلبٌ يرتبطُ بمسألةِ القضاءِ والقدرِ، ولا بأسَ أنْ نشيرَ إليهِ هنا بشكلٍ موجزٍ فنقول: إنّ القضاءَ على نحوينِ:

 (1) قضاءٌ محتومٌ، وهوَ ما أخبرَنا بهِ الرّسلُ والأنبياءُ، فهذا يحصلُ لا محالةَ؛ لأنَّ اللهَ لا يكذّبُ أنبياءهُ ورسلهُ.

 (2) قضاءٌ موقوفٌ، أي غيرُ محتومٍ، وهوَ خاضعٌ لقانونِ المحوِ والإثباتِ الذي أخبرَنا بهِ سبحانهُ في قولهِ : {يَمحو اللهُ ما يشاءُ ويثبتُ وعندهُ أمُّ الكتابِ } الرّعد :39 ، فهُنا في هذا القضاءِ يَجري التّغييرُ بحسبِ مقتضياتِ عملِ الإنسانِ وأفعالهِ التي تبدّلُ الأقدارَ، كما نصّتْ على ذلكَ الأحاديثُ الشّريفةُ : بأنَّ الدُّعاءَ يردُّ القضاءَ ، والصّدقةَ تدفعُ البلاءَ ، وصلةَ الأرحامِ تزيدُ الأعمارَ ، ونحو ذلكَ [ انظر : سننُ التّرمذيّ 3: 304 ، المستدركُ للحاكم 1: 493، شُعَبُ الايمانِ للبيهقيّ 3: 214].

2021/08/16

وعد إلهي.. ما أهمية الإخبار بمقتل الإمام الحسين (ع) قبل وقوعه؟

الوعد والإنباء بمقتل سيد الشهداء-أهميّته، ومشكلته.

"الْمَوْعُودِ بِشَهادَتِهِ قَبْلَ اْستِهْلالِهِ وَ وِلادَتِهِ"

كلّما مررتُ بهذا المقطع –وهو جزء من دعاء يوم ولادة سيد الشهداء (3 شعبان) - وقرأتُه كأنّي أقرأه أول مرّة، فأجول الخاطر متأملاً في معناه، وأُعمل العقل متدبراً في فحواه.

[اشترك]

والأمر  يستحق، فالمقام يقول: ثمّة وعد من الله للحسين قبل أن يوجد على الأرض بأنّه مقتول مستشهد لا محالة!!، وهذا مع الاغماض عن الجانب الأدبي و البلاغي في الجملة أعني الاستعارة في قوله: قبل استهلاله !

والمضمون آنفاً إخبار غيبيٌّ، وإنباءٌ عن حدثٍ مستقبليٌّ، على نحو تفصيليٌّ لا إجمالي، ولا أتحدث هنا عن المقطع أعلاه فقط، وإنّما عن مجموع ما أخبر به الوحي عن الواقعة قبل وقوعها، وتفاصيل حكتها النصوص عن تراجيديا كربلاء قبل حدوثها، وهي متواترة تواتراً معنوياً أو اجمالياً جزماً.  وخبر نعي النبي للحسين وبكاؤه عليه عند ولادته وبعدها أمرٌ معروف.

ليس هذا فقط، فلقد حدّثتْ تلك النصوص –وهي تعرب عن العلم الإلهي الأزلي – عن معظم ما يرتبط بالواقعة الأليمة و كيفيّتها، كما أخبرتْ عن مكان الفاجعة، وزمانها، وحدّدتْ هويّة القاتل وصفاً وانتماءً واسماً إلى غير ذلك من التفاصيل، ونؤكد مرّة أخرى على التواتر الإجمالي –كحدّ أدنى- لهذه الإخبارات التي تناقلها المسلمون قاطبة.

فيما يخصّ تحديد مكان القتل، جاء الإنباء صريحاً بأنّها كربلاء، وفي بعضها: أرض الطف، وفي آخر: أرض بابل، وفي رابع: أرض العراق.. وفيما يتعلق بزمان الواقعة روي عن النبي: يقتل حسين على رأس ستين من مُهاجَري. أما أنّ أمتي ستقتله، وفي حديث آخر: طائفة من أمتي، وفي ثالث بقية الفئة الباغية من بني أميّة..و في رابع يحدد القاتل وصفاً بالإسم: يزيد.(للتفصيل ينظر:الصحيح من مقتل سيد الشهداء،ص205، وما بعدها)

ويثار هنا سؤالٌ وإشكال:

فالسؤال: يتعلق بمغزى وأهميّة هذا نحو من الإخبار عن الحوادث الجسام قبل وقوعها،  وأمره هينٌ، وجوابه سهلٌ، إذ تبرز أهمية هذا النوع من الإخبار في أمرين:

فأولاً- أنّه أحد براهين صدق الوحي حتى اعتبره العلماء دليلاً مستقلاً على وحيانيّة القرآن وصدقيّة النبوّة الخاتمة. يقول السيد الخوئي: أخبر القرآن الكريم في عدة من آياته عن أمور مهمة ، تتعلق بما يأتي من الانباء والحوادث ، وقد كان في جميع ما أخبر به صادقا ، لم يخالف الواقع في شيءٍ منها . ولا شك في أن هذا من الاخبار بالغيب ، ولا سبيل اليه غير طريق الوحي والنبوة ..وراح الخوئي يسرد جملة من الشواهد القرآنية على ذلك(انظر-البيان،ص68)

وثانياً- إنّه ويبصّر الأمة ويكشف لها عن وظيفتها في التعامل مع الأحداث، فإنّ خبر الغيب، والإنباء عن المستقبل يمكن تقسيمه إلى قسمين: فقسم هو محض خبر، لا يستدعي موقفاً ولا يتعلق به تكليف ولا ينطوي على حثّ ازاء الحدث المخبر عنه، ومن هذا القبيل: إخبار القرآن الكريم في سورة النبأ عن أنّ أبا لهبٍ وزوجته لن يؤمنا وسيدخلان النار.والقسم الآخر، هو ليس إنباءً مجرّداً، ولا خبراً محضاً، وإنّما هو إخبار  يتطلب موقفاً، ويحدّد تكليفاً، وعلى هذا النحو وقع الإخبار عن قضيّة سيد الشهداء، فقد أخرج أبو نعيم في(دلائل النبوّة) تحت عنوان: إِخْبَارُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ...حديث أَنَسِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ ابْنِي هَذَا يُقْتَلُ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَنْصُرْهُ قَالَ: فَقُتِلَ أَنَسٌ مَعَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ(دلائل النبوّة،ص554).

وإمّا الإشكال الذي يمكن أن ينثار نتيجة هذا الإخبار، فهو أنّه ناءً على هذا الإنباء التفصيلي عن هذه الظلامة بمكانها وزمانها، وطرفيها: يزيد الظالم، والحسين المظلوم، فهل يمكن للطرفين تغيير مسار الأحداث، ويقلبا المعادلة بحيث لا يقع ما وقع في كربلاء؟! لا شك أنّ الجواب بالإيجاب يعني عدم مطابقة الإخبار الإلهي ومن ثمّ عدم مطابقة العلم الإلهي للواقع، وهذا كما ترى،! كما أنّ الجواب بالنفي لا يقل محذوراً عن سابقه، فهو ينفي الإختيار ويرفع التكليف عن الإنسان!

وما يزيد الطين بلّة، والمريض علّة: أنّ ما نحن فيه، أعني عبارة (الموعود بالشهادة قبل الولادة) ليس إنباءً وحسب، بل إنباءٌ ووعدٌ..و الأصل في وعد الله تعالى أنّه حتمٌ لازم، وقضاء من الله واقع؛ من حيث أنّه أنّه تبارك و تعالى لا يخلف الميعاد، وعلاوة على تصريح بعض النصوص في كونه قضاءً، مثل قوله: "وقد مضى القضاء مني فيه[الحسين] بالشهادة.." (كامل الزيارات،ص348).

وحل الإشكاليّة يتلخص بما روي من حديث قدسي عن الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم بمشيئتي كنتَ أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاءُ.(الكافي،ج1ص152) ويتبين مرماه في أمرين:

أولاً- إنّ أحد الفوارق الجوهريّة - وعادة ما يُغفل عنها- بين الموجودات المتزمنة المحكومة بالوقت والأين، والواقعة بالضرورة في أفق الزمان، ومن أوضح أمثلة الزمانيّات هي الحوادث والوقائع، ومنها واقعة كربلاء( سنة: 61هـ)، وجميع موجودات عالمنا -بما في ذلك نحن- هي موجودات متزمنة؛ لذا يتم من جهتها و بلحاظها تقسيم الزمن وتجزئته إلى ماض، وحاضر، ومستقبل، وتبعاً لذلك طبعاً: تقسيم الأحداث إلى أحداث وقعت في الماضي، وأحداث معاصرة تقع في الحاضر، وأحداث مستقبلية، وأما الله تبارك وتعالى، فكما هو منزه عن المكان، منزّه عن الزمان أيضاً، ومن ثمّ فنسبة الزمان والزمانيات (الحوادث) إليه متساوية، لا ماض فيها ولا حاضر ولا مستقبل، وإخباره إنما يكون عمّا هو واقع وكائن، ولا يجري ما يجري، ولايقع ما يقع، إلا بسبب وعلّة، والعلم الإلهي الذي يكشف عنه الإنباء عن الحوادث قبل وقوعه إنّما يتعلق بأسباب  الحوادث، وعلل الوقائع، كما يخبر المتنبأ الجوي عن حالة الطقس ودرجات الحرارة، وهطول الإمطار قبل حدوثها نظراً لأجتماع أسبابها، وتظافر عللها.

ثانياً- وإنّ أحد أجزاء تلك العلّة التامة لصدور الأفعال والحوادث هي اختيار الإنسان لها، ووقوع إرادته عليها، فالخيار الإنساني، وإرادة الفعل من بني البشر هي أحد أجزاء العلّة التامّة التي يستحيل وقوع الحدث من دونها، وهي أيضاً أحد متعلقات العلم والمشيئة والقضاء الإلهيّة، فقد قضى الله تعالى قضاءً حتماً، وأراد إرادة تكوينية لا تختلف ولا تتخلف أن تتعلق مشيئته وعلمه وقضاؤه بالفعل الصادر من الإنسان  بصدور الفعل الاختياري من الإنسان بقيد الاختيار والحرية، ومثل هذا العلم يوَكّد الاختيار، قال العلاّمة الطباطبائي:إنّ العلم الاَزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه، فهو متعلّق بالاَفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية".(انظر-إلهيات السبحاني،ص216)، غاية الأمر هنا أنّه تعالى كشف للناس عن هذا العلم المتعلق بالحدث قبل وقوعه(واقعة الطف هنا مثالاً) الصادر عن الذوات لا من حيث هي ذوات وفقط، كما الشمس والاشراق، إنّما الصادر عن الذوات المختارة.

2021/08/16

سمعت نشيج النبي.. أربع حقائق: في البكاء والعزاء الحسيني!

من دون تطويل، وبلا مقدمات: دونك أربع مرويّات، بل حقائق ومسلّمات، ثبتت عند أهل السنة بطرق صحيحة، وألفاظ صريحة، في البكاء والعزاء، على الحسين سيد الشهداء:

[اشترك]

 الحقيقة الأولى: [من قطرتْ عيناه في أهل البيت فله الجنة]!

  • روى هذه الحقيقة أحمد ابن حنبل(المتوفى: 241هـ) في فضائل الصحابة بإسناد صحيح، قال: "حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْرَائِيلَ قَالَ: رَأَيْتُ فِي كِتَابِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بِخَطِّ يَدِهِ: نا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قثنا الرَّبِيعُ بْنُ مُنْذِرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ يَقُولُ:

مَنْ دَمَعَتَا عَيْنَاهُ فِينَا دَمْعَةً، أَوْ قَطَرَتْ عَيْنَاهُ فِينَا قَطْرَةً، أَثْوَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ "

  • توثيق الحقيقة الأولى: فضائل الصحابة ج2ص675ح1154، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة: الأولى، 1403 – 1983، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس .
  •  الحقيقة الثانية: [النبي يضع التراب على رأسه ولحيته حزناً على الحسين].
  • روى الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين عن " سلمى قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ، وَهِيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ يَبْكِي وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا»
  • توثيق الحقيقة الثانية: ثبّتَ هذه الحقيقة: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري (المتوفى: 405هـ) في المستدرك على الصحيحين ج 4ص20 حديث: 6764 الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة: الأولى، 1411 هـ – 1990 م، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا.
  • الحقيقة الثالثة: [ نشيج رسول الله على سيد الشهداء ]
  • عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَالِسًا ذَاتَ يَوْمٍ فِي بَيْتِي قَالَ: " لَا يَدْخُلُ عَلَيَّ أَحَدٌ ". فَانْتَظَرْتُ فَدَخَلَ الْحُسَيْنُ، فَسَمِعْتُ نَشِيجَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْكِي، فَاطَّلَعْتُ فَإِذَا حُسَيْنٌ فِي حِجْرِهِ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ حِينَ دَخَلَ، فَقَالَ: " إِنَّ جِبْرِيلَ – عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مَعَنَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ: أَتُحِبُّهُ؟ قُلْتُ: أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَنَعَمْ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلَ هَذَا بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا: كَرْبَلَاءُ، فَتَنَاوَلَ جِبْرِيلُ مِنْ تُرْبَتِهَا ". فَأَرَاهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا أُحِيطُ بِحُسَيْنٍ حِينَ قُتِلَ قَالَ: مَا اسْمُ هَذِهِ الْأَرْضِ؟ قَالُوا: كَرْبَلَاءُ، فَقَالَ: صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ; كَرْبٌ وَبَلَاءٌ»
  • توثيق الحقيقة الثالثة: أخرج هذه الحقيقة، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807هـ) في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج 9 ص189: حديث رقم: (15116)، مكتبة القدسي- القاهرة، سنة النشر: 1414 هـ، 1994 م، تحقيق: حسام الدين القدسي، وأعقبه الهيثمي بالقول: وَفِي رِوَايَةٍ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; أَرْضُ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِأَسَانِيدَ، وَرِجَالُ أَحَدِهَا ثِقَاتٌ .
  • الحقيقة الرابعة: [ آيات كونية وبكاء الأرض والسماء والجن]
  • وفيما يلي خمسة آثار صحيحة نقلها الهيثمي في مجمع الزوائد :

1ـ عن الزهري قال: لم ترفع حصاة ببيت المقدس إلا وجد تحتها دم عبيط .

2ـ وعنه أيضاً قال: ما رفع بالشام حجر يوم قتل الحسين بن علي إلا عن دم ‏.‏

3ـ عن أم حكيم قالت ‏:‏ قتل الحسين وأنا يومئذ جويرية فمكثت السماء أياماً مثل العلقة‏.‏

4ـ وعن أبي قبيل قال‏:‏ لما قتل الحسين بن علي انكسفت الشمس كسفة حتى بدت الكواكب نصف النهار حتى ظننا أنها هي .

5ـ عن أم سلمة وميمونة أيضاً قالتا ‏:‏ سمعت الجن تنوح على الحسين بن علي.

توثيق الحقيقة الأخيرة: المصدر السابق: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: ج9ص196، حديث رقم: 15159 وما بعده .

 

 

2021/08/13

مجلس حسيني.. الليلة الثانية: ’حركة الجندر’.. هل تولد الأنثى امرأةً أم تكتسب ذلك من المجتمع؟!

هل تولد الانثى امرأةً؟ أم أن اتصاف الانسان بصفات الرجل أو المرأة هو مكتسب من الثقافة الاجتماعية فحسب؟

[اشترك]

وما هي أوجه الالتقاء الافتراق بين الرؤيتين النسوية والإسلامية؟

وهل الأفكار النسوية تسهم في رسم مجتمع مستقر؟ أم أنّ لها آثار سلبية على بناء الأسرة والمجتمع؟

المزيد من التفاصيل في الفيديو أدناه:

2021/08/11

2021/08/11

2021/08/10

هل تقول الروايات للشيعة: إفعلوا ما شئتم.. ثمّ زوروا الحسين وينتهي كلّ شيء؟!

يشاع بين الناس من داخل الوسط الإيماني وخارجه تساؤلٌ إشكالي، مفاده:إنّ الأحاديث التي يرويها الشيعة بشأن زيارة الحسين، والبكاء عليه؛ تستلزم تهوين الذنوب، وتفتح باب التمادي على أحكام الله تعالى، وتقتضي عدم الاكتراث بالمعاصي، وتفتح شهية العصاة، وتجرؤهم على أفعالهم، وتزرع في نفوسهم الاستخفاف بالذنوب، والاستهانة بالمعاصي، والاستخفاف بالموبقات، ولكأنّها تقول: افعلوا ما شئتم ثمّ زوروا أو ابكوا الحسين وينتهي كل شيء!!، فهل يعقل أنّ  مجرّد الدمعة أو الزيارة تدخل الانسان الجنة ؟!

[اشترك]

وجواباً عن ذلك، هنا ستة تعليقات:

أولاً- هذه الأحاديث الصحيحة، والنصوص الثابتة عن النبي وأهل بيته(صلوات الله عليهم أجمعين) لم يروها الشيعة فقط، وهي ليست خاصّة بهم، ولا من متفرداتهم، بل نقلها المسلمون طُرّاً بما فيهم أهل السنة والجماعة أيضاً..وعلى سبيل المثال دون الحصر: روى أحمد ابن حنبل(المتوفى: 241هـ) في فضائل الصحابة بإسناد متصل صحيح عن الإمام الحسين(عليه السلام) أنّه كان يقول: " مَنْ دَمَعَتَا عَيْنَاهُ فِينَا دَمْعَةً، أَوْ قَطَرَتْ عَيْنَاهُ فِينَا قَطْرَةً، أَثْوَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ "(فضائل الصحابة ج2ص675ح1154 ، مؤسسة الرسالة – بيروت ، الطبعة: الأولى، 1403 – 1983 ، تحقيق : د. وصي الله محمد عباس ).

ثانياً- ينقض على هذا الطرح بنصوص قطعيّة مشابهة، سواء من السنة النبويّةكـقوله(صلى الله عليه وآله) : " مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قُلْتُ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ قَالَ وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ " .بل و بآيات قرآنية مشابهة من قبيل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } [النساء : 48]

ثالثاً- على أنّ أحاديث الزيارة ترهن ترتّب الأثر، وتقيّد الزيارة بعبارة " عارفاً بحقه"  وقد ورد في الحديث ما يوضّح المقصود، فقد روى ابن قولويه بسنده عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: "من زار الحسين(عليه السلام) عارفا بحقه: يأتم به؛ غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". وظاهر قوله: "يأتمُّ به" هو اتباعه سلام الله عليه، والاقتداء به، و عدم كفاية الاعتقاد والزيارة وحسب في ترتيب الأثر، وهذا هو المسلك الحقّ في أنّ العمل جزءٌ من الإيمان، وأنّ الإيمان قول مقول، وعمل معمول، وعرفان العقول، أو كما في الحديث المعروف: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.

رابعاً- إنّ الإخبار عن دخول الجنة، أو استحقاقها؛ لا ينفي وقوع العذاب قبله، على أنّ للعذاب أنواع، فمنه مثلاً: عذاب الحسرة، ولهذا ذكر القران من اسماء يوم القيامة " يوم الحسرة " لتحسر الكافر على كفره والمسيء على اساءته والمحسن لقلة بضاعته واحسانه . و كما أنّ للجنة درجات ، فللعذاب والنار دركات .

خامساً- إنّ البكاء والزيارة أمر اقتضائي للجزاء وترتّب الأثر(كدخول الجنة) لا علة تامة له ، بمعنى أنّ تأثير البكاء على الإمام الحسين في دخول الجنة كتأثير الوقود في المحرك ، وتأثير النار في إحراق الورقة، فلا يتم كلّ ذلك مالم تتوفر الشروط وتنتفي الموانع، بل حتى لو قبلنا أنّ البكاء علة تامة كافية لدخول الجنة فلن يترتب اللازم المذكور في الإشكال، أعني لا يترتب عليه الاستهانة بالمعاصي؛ لسبب واضح، وهو عدم ضمان العاصي لحياته حين المعصية وبعدها قبل البكاء !

سادساً- وأمّا الكلام عن عدم معقوليّة هذه الأحاديث فينجرّ في الحقيقة إلى جميع ما ورد عن الشارع المقدس بخصوص الجزاء على العمل، فهي جميعاً لا تخضع لمعيار المساواة بين عمل الانسان في الدنيا مهما بلغ، وبين الجنة التي عرضها السموات والارض وفيها ما لاعين رات ولا اذن سمعت ولا خطر على بال احد ، ولهذا ندعو " اللهم لا تعاملنا بعدلك ".أضف إلى ذلك: اختلاف الهبات باختلاف كمال الواهب ومقامه، وترتقي وتتضاعف إلى أن نصل إلى أجود الأكرمين، وأكرم الأجودين، وعندها: نفقد معيار المقايسة بين الثواب و العمل، وينظر للعطايا بالقياس إلى المعطي ويلحظ فيه كرم الواهب، و وجود المعطي، وكما يقال في المثل : إنّ الهدايا على مقدار مُهديها، وفي غير أكثر من آية يؤكد القرآن ما نقول من أنّ الجزاء الإلهي عطاء غير محدود يفوق العمل بما لا يتناهى عمل الإنسان : منها : قوله تعالى : (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [البقرة : 261]

2021/08/10

مجلس حسيني.. الليلة الأولى: سيرة الزهراء (ع).. هل كانت تعيش علاقة زوجية مضطربة؟!

هل ما يعتقد به المسلمون من عظمة الزهراء (ع) من الاساطير ونسج الخيال؟ أم هو واقع متجذر في كتب التاريخ؟

[اشترك]

هل حاول بعض المؤرخين دس أخبارٍ لتشويه صورة الزهراء (ع)؟ أم كانوا ينقلون التاريخ بأمانة كما وقع؟

هل كانت الزهراء (ع) تعيش علاقة زوجية مضطربة؟ أم أنها كانت أنموذجاً يحتذى به؟

الجواب ومواضيع أخرى في الفيديو أدناه لسماحة آية الله السيد منير الخباز حفظه الله:

2021/08/10

الجريُّ المقدّس.. ما الدليل على مشروعية «ركضة طويريج»؟
يُعتبرُ العزاءُ المعروفُ بـ (عزاءِ طويريج) أو (ركضةِ طويريج) إحدى مظاهرِ التعزيةِ في يومِ عاشوراء.

وهيَ عبارةٌ عَن موكبٍ حُسينيّ ضخمٍ أو مواكبَ صغيرةٍ تنطلقُ نحوَ مرقدِ سيّدِ الشّهداءِ سلامُ اللهِ عليه بحالةٍ خاصّةٍ منَ النّداءِ واللطمِ والبكاء.. وخروجُ مواكبِ العزاءِ في الطرقاتِ ليسَ حادثاً في القرونِ الأخيرةِ، بل بزغَت شمسُها مِن عهدٍ يناهزُ الألفَ سنةٍ، في زمانِ الدّولةِ البويهيّةِ، ففي سنةِ [352هـ] أمرَ مُعزُّ الدّولةِ النّاسَ بخروجِ مواكبِ العزاءِ والندبةِ على سيّدِ الشّهداءِ عليه السّلام [ينظرُ: الكاملُ في التاريخِ ج8 ص549].

وقد كانَ ذلكَ بمرأى ومسمعٍ مِن كبارِ الفقهاءِ والعلماءِ ببغداد.. بل قد يُستفادُ أنّ خروجَ المواكبِ في حالةِ نوحٍ ولطمٍ وهتافٍ بالهرولةِ والعدوِ نحوَ الحائرِ المُقدّسِ ـ وهيَ تشبهُ عزاءَ طويريج ـ كانَ موجوداً قبلَ ألفِ سنةٍ، فقد ذكرَ العلّامةُ الشّيخُ محمّد الحسين كاشفُ الغطاءِ في [الآياتِ البيّناتِ ص18]: « وحسبُك ما شاعَ وأخذَ بمجامعِ الأسماعِ: مِن أنّ السيّدَ الرّضيّ وردَ لزيارةِ جدِّه الحُسينِ عليه السّلام يومَ عاشوراء في بعضِ السّنينِ، فرأى جماعةً منَ الأعرابِ يَعدُونَ، وهُم ينوحونَ ويلطمونَ مُتهافتينَ، للهجومِ على الحائرِ الحسينيّ، فدخلَ في زُمرتِهم، وأنشأ في ذلكَ الحالِ على البديهةِ قصيدتَه الغرّاءَ المشهورةَ التي يقولُ في براعتِها: (كربلا لا زلتِ كرباً وبلا * ما لقيَ عندَكِ آلُ المُصطفى)». 

ثمّ ليسَ في هذهِ التّعزيةِ ولا غيرِها منَ التّعازي والشّعائرِ التي جرَت عليها سيرةُ الإماميّةِ غلوٌّ وتجاوزٌ للحدِّ؛ إذ واقعةُ الطّفِّ وما جرى فيها مِن فجائعَ قد خرقَت النواميسَ الطبيعيّةَ والغرائزَ البشريّةَ، وما رأت عينُ الدّهرِ ولا ترى واقعةً مثلَها أبداً، واقعةٌ بكَت لها السّماءُ والأرضُ وما فيهما وجميعُ ما خلقَ اللهُ تعالى، وقد دلَّت الرّواياتُ والأخبارُ أنّ السّماءَ أمطرَت دماً وتراباً أحمر، واسودت وأظلمَت واحمرت الشّمسُ وانكسفت، وتحوّلَ الورسُ رماداً والزّعفرانُ ناراً واللّحمُ علقماً والذّهبُ نحاساً، وتفجّرَت الأرضُ والحيطانُ دماً، وما رُفعَ حجرٌ إلّا وُجدَ تحتَه دمٌ عبيطٌ، وانقلب التّرابُ والحصى دماً، وبكَت الملائكةُ والجنُّ والوحوشُ والحيتانُ والطيرُ والشّمسُ والقمرُ والنّجومُ، بل بكى وفجعَ بهِ أشرفُ الخلقِ أجمعينَ خاتمُ الأنبياءِ صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وأميرُ المؤمنينَ عليه السّلامُ والسيّدةُ الزّهراءُ عليها السّلام وسائرُ أهلِ البيتِ عليهم السّلام. 

وقد نطقَت الأدلّةُ الشّرعيّةُ بجوازِ بل استحباب البُكاءِ والندبةِ على سيّدِ الشّهداءِ عليهِ السّلام، وبأن الجزعَ على كلِّ أحدٍ مكروهٌ إلّا على سيّدِ الشّهداءِ عليه السّلام، وغيرِ ذلكَ منَ الشّعائرِ الحُسينيّةِ المرسومةِ لدى الإماميّةِ، وقد كتبَ جملةٌ منَ الأعلامِ رضوانُ اللهِ عليهم كتباً ورسائلَ في الشعائرِ الحسينيّةِ، وذكروا براهينَها وأدلّتَها، فمَن شاءَ التّفصيلَ فيمكنُه مراجعتُها. 

ومنَ الواضحِ أنّه معَ قيامِ الأدلّةِ على جوازِ الفعلِ أو رجحانِه في الشّرعِ، لا معنى لأن يُقالَ عنهُ بأنّهُ تجاوزٌ للحدِّ؛ لأنَّ المُرادَ منَ الحدِّ هوَ الحدُّ الشّرعيُّ الذي يقبحُ تجاوزُه، بينَما معَ قيامِ الدّليلِ الشّرعيّ على جوازِ الفعلِ فلا يكونُ الفعلُ تجاوزاً لفرضِ مشروعيّتِه. 

إذن: التّعازي والشعائرُ الحُسينيّةُ المُتعارفةُ لدى الشّيعةِ ـ ومِن ضمنِها عزاءُ طويريج ـ، لها أدلّةٌ علميّةٌ وبراهينُ قويمةٌ، إستندَ لها الفقهاءُ رضوانُ اللهِ عليهم للحُكمِ بالجوازِ والرّجحانِ.. وحينئذٍ لا معنى لأن يُقالَ بأنّ فيها غلوّاً وتجاوزاً للحدِّ؛ لفرضِ مشروعيّتِه بالدّليلِ.

2021/08/05

حشود ومواكب: من عجائب موسم الأربعين!

من عجائب موسم أربعينية ١٤٤٢ الذي يأتي وسط تحديات الجائحة العالمية أمرين:

١. تزايد حجم الزائرين القادمين من خارج كربلاء غير المحسوس كالأعوام القليلة السابقة.. مما جعل الزيارة سهلة نوعاً ما على الجميع.

ولولا ان ما بين يدي من أرقام عليها وثائق وأدلة، لشككت فيها.

فخلال ١٢ يوما من أصل ٢٠ يوما هي عمر الموسم - وليس ١٥ من اصل ٢١ يوما كالعام الماضي- سجلت منظومة العد الالكتروني في العتبة العباسية المقدسة أرقام عدد الزائرين العراقيين هذا العام، وهو اكثر من السابق بحوالي 1,553,308 زوار!!!

وانخفض عدد العرب والاجانب الى بضعة آلاف، وربما بضعة مئات فقط في هذا الموسم..

فعدد العراقيين القادمين الى كربلاء في موسم اربعينية عام ١٤٤١ حوالي 13,000,000 زائر.

وعدد العرب والاجانب في موسم عام ١٤٤١ (بضمنهم الايرانيين بحسب الأرقام الدقيقة الرسمية لوزارة الخارجية العراقية وبحسب التصريحات الحكومية الإيرانية) هو:

2,229,955 زائراً.

فلو كان هذا العام فيه نفس عدد العرب والاجانب للعام الماضي -- وكان متوقعاًً زيادة عددهم- لأصبح عدد الزوار الذين دخلوا كربلاء هو:

16,783,263 زائراً

طبعاً، هذا عدا عن أعداد الزائرين في باقي ايام صفر قبل ٩ صفر، وعدا عن زوار كربلاء!!!

اذاً... ما زال موسم الاربعين يزداد كل عام، وهو خلاف معظم التوقعات، ولم يتأثر عدداً بالجائحة، بل ان ما حصل كان أكبر تجربة في العالم بعد يوم عاشوراء في كربلاء، لكسر قواعد العدوى خصوصاً بعد قلة عدد الاصابات، وعدم حصول ما توقعته الجهات الصحية..

وربما هو اكبر تجمع لتحقيق مناعة جماعية او ما يسمى طبياً (مناعة القطيع)، بعد ان أصبح الوباء أمراً واقعا.

٢. بسبب الجائحة العالمية، انتفض المؤمنون تلبية لنداء المرجعية في فتوى التكافل الاجتماعي، فتبرعوا أفراداً ومواكب وجماعات بمواد غذائية وغيرها، ومليارات الدنانير منذ بدء الجائحة، مما قلل مواردهم التي يجمعونهم كل عام استعداداً لموسم الاربعين، وبان الامر في مواكب كثيرة، من حيث عدد السرادقات او مبلغ الصرف، واعرف بعضها.

ولكن العجيب في هذا الموسم، ورغم ازدياد الزائرين وقلة الموارد، ان توزيع الطعام، كان أكثر من حساباتهم في كربلاء!! رغم تدبير أهل الموكب وحسن ادارتهم التي أذهلت العالم.

حتى وصل الامر ببعض المواكب ان يطرقوا دور المواطنين ليوزعوا عليهم ما زاد في مواكبهم.

2020/10/12

لماذا يؤكد الأئمة على زيارة الإمام الحسين (ع)؟

​من الواضح البيّن انّ في زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وعترته الطاهرة: بل في زيارة كلّ الأنبياء والأوصياء ومن يلوذ بهم، مقاصد وأهداف مقدّسة، فان المؤمن العاقل يندفع في حركاته وسكناته من منطلقات ايمانيّة وولائيّة تدعمها الأدلّة القاطعة والبراهين الساطعة من كتاب الله والأحاديث الشريفة المعتبرة، والعقل السليم والفطرة الموحدة، فلم يصدر من العبد المؤمن فعلاً وقولاً من دون نوايا صادقة وعقلانيّة، بل من وراء الأعمال الصالحة، العلم النافع والمعرفة المتكاملة، فزيارته للقبور من الصالحين والصالحات كقبور الأنبياء والأوصياء:  إنّما من ورائها فوائد مقصودة وعوائد مستهدفة.

فمن أبرزها، اجمالاً وكرؤوس أقلام لمن أراد الانطلاق منها في البيان والتبيين اللفظي والكتبي، فهي كما يلي:

1 ـ توحيد الله في ذاته وصفاته وأفعاله ومعرفته في أسمائه وصفاته الجلاليّة والجماليّة.

2 ـ تجديد العهد مع الإمام 7: فانّه ورد في الحديث الشريف عن الإمام الرضا 7 قال:  «إنّ لكلّ إمامٍ عهد في عنق أوليائه وشيعته وانّ من تمام الوفاء بالعهد وحسن الأداء زيارة قبورهم ».

3 ـ تربية الانسان بصالح العمال ومرضي الأفعال، كما كان المزور في حياته، فيتعلم منه كيف يعيش وكيف يموت.

4 ـ تحصيل الثواب الاخروي والدنيوي فان ذلك من سعادته، فيحصل على سعادته من خلال ما يترتّب على زيارته من الآثار المعنويّة والماديّة، الأُخرويّة والدنيويّة، كما ورد في زيارة الأئمّة: «وجبت له الجنّة ».

«كان في جواري يوم القيامة » «أخلّصه من أهوالها وشدائدها حتّى أصيّره معي في درجتي » «تعدل حجّة مع رسول الله مبرورة » «خرج من ذنوبه كيوم ولدته اُمّه ».

5 ـ اجتناب الفواحش والمعاصي والآثام والقبائح في الأفعال والصفات، ما ظهر منها وما بطن، والورع عن محارم الله فان الزيارة تعطى للزائر المخلص نوعآ من الحصانة والوقاية.

6 ـ تعالي الروح الانسانيّة ووصولها لقمّة الكمال المودع في وجوده، وتبلورها بصبغة الله (وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ آللهِ صِبْغَةً ).

7 ـ رعاية حقوق المؤمنين والمؤمنات، وحفظ المواثيق والتعهدات، والقيام بالواجبات والمسؤوليات على مستوى العلم والمعرفة.

8 ـ التحفيز والاندفاع نحو القيم والمُثل وروح التضحية والشهادة والفداء والجهاد في سبيل الله عزّوجلّ.

9 ـ العلاقة الروحيّة والارتباط الوثيق والحميم بين الزائر وبين المزور من أولياء الله، والاستمداد الروحي والمعنوي والروحاني عند قبورهم من أرواحهم الطاهرة باذن الله سبحانه، كما أحبّ الله ذلك.  (وابتغوا إليه الوسيلة).

10 ـ الاقتداء والتأسّي بهدي المزور، وإنّه النموذج الأوّل في السيرة الطيبة بموضوعيةً وعمق من حياته وسيرته.

11 ـ تسليط الضوء العرفاني على المقاصد والأهداف السامية التي حملها المزور في حياته في مجالات الحياة الفردية والاجتماعية، العلمية والعمليّة (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ آللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا آللهَ وَآلْيَوْمَ آلاْخِرَ وَذَكَرَ آللهَ كَثِيراً)[1].

12 ـ تعظيم وتكريم أولياء الله سبحانه، فان الزيارة شعيرة من شعائر الله (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ آللهَ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى آلْقُلُوبِ )[2] فيتفا عل الزائر مع مزوره في حياته الجهادية والعبادية «اَشْهَدُ اَنـَّك اَقَمْتَ الصَّلوةَ، وَ آتَيْتَ الزَّكوةَ، وَاَمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَيْتَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَبَدْتَ اللهَ مُخْلِصاً، وَجاهَدْتَ فِى اللهِ حَقَّ جِهادِهِ حَتّى اَتيك الْيَقيüنُ » ـ أي الموت، فكانوا سبباً في هداية الناس، والزائر بزيارته يشكر امامه المزور، فمن يزور الرسول الأكرم محمّد صلى الله عليه وآله وكذلك العترة الطاهرة، فانّه ينزل في ساحة ملك عظيم لا يحلّ فيه إلّا الطيّبون والطاهرون والمقرّبون، كالملائكة والأنبياء والمرسلين وعباد الله الصالحين.

13 ـ كسب الطهارة المعنويّة والروحيّة بالابتعاد عن المعاصي والآثام والصفات الذميمة، فان في زيارة المعصومين تأثير خاصّ على روح الانسان وطهارته وسلامته بغفران ذنوبه وتبديل حسنات وحسناته جنات عاليات، فيكون بعد الزيارة كيوم ولدته امّه، أي كالطفل المعصوم الذي لم يذنب، ومن ثم يستأنف العمل، ويكسب الفضائل والمكارم والاخلاق الفاضلة، ويتوجّه إلى الله سبحانه بالدعاء والصلاة وتلاوة القرآن الكريم والبكاء والزيارة، فيحل في عرصات من طهّرهم الله تطهيراً، وأذهب عنهم الرجس، فيتوب العبد الزائر ويستغفر ربّه ويعاهد رسوله ووصيه أن يكون على نهجه وخطاه ويبتعد عن الذنوب وارتكاب الموبقات والفواحش، بل ويجتنب عن اللغو ويعرض حتى عن المكروهات والمباحات.

قال الله تعالى:  (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوك فَاسْتَغْفَرَوا آللهَ وَآسْتَغْفَرَ لَهُمُ آلرَّسُولُ لَوَجَدُوا آللهَ تَوَّاباً رَحِيماً)[3].

14 ـ القرب من الله عزوجل فان الزيارات من أفضل القربات، فتكون أرضية مساعدة على نحو الاقتضائية لدخول الجنّة «وجبت له الجنّة » فيقرب من الله سبحانه بالتحلية من الرذائل والذنوب، والتحلّية بالفضائل ومرضى الأفعال والأقوال، فتتجلّى فيه صفات الله وأخلاقه، ويتحلّى بأسماء الله الحسنى، ويكون مرآة لجلال الله وجماله، وهذا لمن يطلب الكمال والجمال والخير الذي أودعه الله في فطرته، فانه خلق على ذلك مفطوراً، فانه يتقرّب بزيارته إلى ربّه، وانّه في الواقع

يزوره في عرشه «فإنّكم وسيلتي إلى الله وبحبّكم وبقربكم أرجو نجاة من الله» «وأتقرّب إلى الله بموالاتكم ».

فهؤلاء المعصومون: جعلهم الله سبحانه في الوسيلة التي يبتغيها الانسان المؤمن للوصول إلى ربّه في سيره وسلوكه، فانّهم: وسائط الفيض الأقدس والمقدّس.

15 ـ تعدّ الزيارة من أكبر آيات الولاء والمحبّة والمودّة لأهل البيت: سواء في حياتهم أو في مماتهم بزيارة قبورهم المقدّسة، وهذا من مصاديق قوله تعالى: (قُل لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ آلْمَوَدَّةَ فِي آلْقُرْبَى)[4] فمن أجل تحكيمه أو احر المودّة

بين الامة والأئمّة كان التركيز البليغ في مدرسة أهل البيت: على زيارة قبورهم حتّى عدّ ذلك من تمام الوفاء بعهد الامامة ـ كما مرّ ـ وبذلك يفوز المؤمن بسعادة الدارين.  فزيارة الرسول الأعظم وأهل بيته مما عليه الاصول العامّة والخاصّة وكذلك النصوص المعتبرة والأدلّة القاطعة من إصالة (تكريم الرسول) وإصالة (مودّة أهل البيت: ) فليس من البدع الّتي يتذرع بها اتباع المدرسة الاُموية في تكفير المسلمين قاطبة بزيارتهم قبور الصالحين والصالحين كما رحجان زيارة القبور ثابت في محلّه عند جميع المذاهب الإسلاميّة.


الهوامش:

[1]  الأحزاب (33): 21.

[2] الحجّ (22): 32.

[3] النساء (4): صلى الله عليه وآله4.

[4] الشورى (42): 23.

2020/10/06

زيارة الأربعين فوق الشكوك والشبهات

​لا ريب في رجحان الزيارة الأربعينية في نفسها كما لاريب في أهميتها شرعًا، وذلك من خلال بيان عدة نقاط ترتبط بأهمية هذه الزيارة:

النقطة الأولى: إحياء أمر آل محمد

إن الزيارة المليونية اتصفت بعناوين جليلة، واكتسبت أوصافًا كبيرة أخرجتها عن كونها كسائر الزيارات المستحبة الأخرى، فقد اتسمت هذه الزيارة بما تضمنته من زحف الملايين من المسلمين لزيارة الحسين عليه السلام بتحولها مظهرًا من مظاهر عظمة الإمام الحسين وإعلانًا عالميًا لمبادئه وأهداف نهضته المباركة، فأصبحت - مضافًا لرجحانها في نفسها - من العناوين المؤكدة في الرجحان التي لا خلاف فيها.

وذلك بلحاظ أنها من أوضح مصاديق إحياء أمر آل محمد - صلوات الله عليهم - والذي ورد فيه في الحديث المعتبر: ”أحيوا أمرنا، رحم الله من أحيا أمرنا“.

النقطة الثانية: عظمة المذهب

إن الزيارة الشريفة أضحت معلمًا من معالم مذهب أهل البيت - صلوات الله عليهم -، وسمة من سمات عزته وشموخه، فإن الباحث عن الحقيقة والمتأمل المنصف من أي ملة كان إذا رأى الملايين تترابط بشكل منظم كأنها أسرة واحدة، تعيش شؤونها وهمومها، وتبذل وتضحي بأقصى ما عندها من الوقت والجهد والمال تجاه بعضها البعض، وتتفقد أحوال الفقير وتسعف المحتاج وترفد اليتيم تفانيًا في حب آل محمد - صلوات الله عليهم -، والذين نادى القرآن بضرورة مودتهم وخدمة أتباعهم، وجميع تلك الصور من البذل عطاء من دون مقابل، فكان ذلك حاكيًا عن عظمة مذهب أهل البيت - صلوات الله عليهم -.

فإن المذهب الذي يستطيع بتعاليمه أن يربي أبناءه على هذه القيم والفضائل وبكل سلاسة وروح مطواعية، ويحولهم خلال أيام إلى مجتمع مترابط متآزر، هو مذهب ينبع من معين الحق تعالى، ومن كنز الفضيلة دوحة المصطفى محمد، والمرتضى أمير المؤمنين، والأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين.

النقطة الثالثة: فرصة للوعظ والتبليغ

إن الزيارة المليونية العظيمة فرصة ثمينة لكثير من آلاف المؤمنين الوافدين من خارج العراق للقاء المراجع والعلماء، وتوجيه قضاياهم الشرعية، والاستقاء من نمير الحوزة العلمية، كما أنها مهرجان حسيني عظيم يجلب الإخوة من أهل السنة، والكثير من أهل الديانات الأخرى كالمسيحيين والصابئة وغيرهم.

النقطة الرابعة: حث الأحاديث المتواترة على الزيارة

إن هذه المسيرة الراجلة لم تحدث صدفة وبدون تخطيط، بل إن التتبع التاريخي لها يشهد بأنها انطلقت منذ زمان أهل البيت - صلوات الله عليه - بعد مصرع الإمام الحسين عليه السلام بفترة وجيزة، وكان الراجلون الحفاة أفرادًا قلائل من أنحاء الكوفة وأريافها، لكنها توسعت بمرأى ومسمع من الأئمة الطاهرين - صلوات الله عليهم -، وحظيت منهم بالإمضاء والدعم.

فإن الملاحظ للأحاديث المتواترة الواردة في الحث على زيارة الإمام الحسين عليه السلام يكتشف من خلال التركيز فيها على الزيارة بأشكالها وصورها أنها ناظرة لتلك المسيرات الزاحفة نحو قبر سيد الشهداء - صلوات الله عليه -، وهي ما أشار إليه الحديث الوارد عن الإمام العسكري عليه السلام بقوله: ”وزيارة الأربعين“ التي هي يوم معهود مشهور لدى الإمامية منذ تلك الأعصار، كما أشار إليه القرطبي في التذكرة في أحوال الموتى وامور الآخرة المتوفى عام 671 هـ وهو من مؤرخين أهل السنة وغيره.

وقد استمرت سيرة العلماء وفقهاء الحوزة العلمية بعد عصر الغيبة إلى يومنا هذا على دعم المسيرة والحث الشديد عليها، ومنهم المراجع المعاصرون كالسيد السيستاني والسيد الحكيم والشيخ الوحيد والشيخ الفياض - دامت ظلالهم الشريفة -.

النقطة الخامسة:

إن تضعيف الزيارة والتشكيك في قيمتها مع كونها وجهًا بارزًا من وجوه كيان التشيع بعيد

عن الصواب كما ان هذه الاشكالات لا أهمية لها بعد المفروغية عن محبوبية الزيارة في نفسها بالعناوين والملاكات المختلفة خصوصًا وقد اتسمت هذه الزيارة العظيمة بما أخرجها عن كونها زيارة مستحبة مثل سائر الزيارات في سائر الأيام إلى درجة المسيرة المعبرة عن عظمة الأئمة - صلوات الله عليهم - وترويج قيمهم وفضائلهم وإحياء أمرهم.

فإن الفقيه كل الفقيه كما يصرح سيدنا الأستاذ السيستاني دامت بركاته من يتأمل في كل قضية وظاهرة بمختلف عناوينها وملابساتها وآثارها الفعلية والمستقبلية، إذ الفقاهة المقصودة في النصوص الشريفة نحو قوله عز وجل: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ)، وما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: ”لوددت أن أصحابي ضُربت رؤوسهم بالسياط حتى يتفقهوا“، ليست هي عبارة عن معرفة الحلال والحرام، وإنما هي الإحاطة بدقائق الفقه واكتشاف سائر النكات المختزنة في روايات أهل البيت عليهم السلام، والقدرة على ربط التعاليم الواردة في أحاديثهم مع الأهداف العليا للدين المتلقاة عنهم، وتوجيهها بإطارها، وقراءة كل حدث من خلال النصوص والمرتكزات وسائر الملابسات المكتنفة بها.

 

2020/10/06

الجدل السنوي: ما الدليل على استحباب زيارة الأربعين؟!
ما هو الدليل على استحباب زيارة الامام الحسين (ع) في يوم الأربعين فإنَّ البعض يقول إنَّ استحباب زيارةِ الأربعين غيرُ ثابت؟

[اشترك]

إنَّ استحباب زيارة الامام الحسين (ع) ثابتٌ مطلقاً في تمام أيامِ السنة، وذلك لتواتُر الرواياتِ عن أهل البيتِ (ع) الدالَّةِ صريحاً على ذلك، فاستحبابُ زيارة الحسين (ع) في اليوم المصادفِ ليوم الأربعين من استشهاده داخلٌ في عموم ما دلَّ على استحباب زيارتِه في مُطلقِ أيام السنة، هذا مضافاً إلى ما ورد مِن استحباب زيارته في هذا اليوم بنحو الخصوص فيكون ذلك دليلاً ليس على استحباب زيارتِه في يوم الأربعين وحسب بل على تأكُّد استحبابِها في هذا اليوم.

والنصُّ الذي يُمكنُ اعتمادُه في ذلك هو ما أوردَه الشيخُ أبو جعفرٍ الطوسي (رحمه الله) في التهذيب قال: "أخبرنا جماعةٌ من أصحابنا عن أبي محمَّد هارون بن موسى بن أحمد التلعكبري قال: حدَّثنا محمَّد بن علي بن مَعْمر قال: حدَّثني أبو الحسن عليُّ بن محمد بن مسعدة والحسنُ بن عليٍّ بن فضال عن سعدان بن مسلم عن صفوان بن مهران الجمَّال قال: قال لي مولاي الصادقُ (صلوات الله عليه) في زيارة الأربعين: "تزورُ عند ارتفاعِ النهار وتقولُ: (السلامُ على وليِّ اللهِ وحبيبِه، السلامُ على خليلِ الله ونجيبِه، السلامُ على صفيِّ الله وابن صفيِّه، السلامُ على الحسينِ المظلومِ الشهيدِ، السلام على أسيرِ الكُربات وقتيلِ العبَرات .. وتُصلِّي ركعتين وتدعو بما أحببتَ وتنصرف"(1).

فهذه الرواية موثَّقة من طريق الحسن بن عليِّ بن فضَّال، فمحمَّد بنُ عليِّ بن مَعْمر هو أبو الحسين بن مَعْمر الكوفي ذكره الشيخُ الطوسي في الفهرست وأفاد أنَّ له كتباً منها كتاب قرب الإسناد(2) وذكره في الرجال تحت عنوان محمَّد بن عليِّ بن معمر الكوفي، قال: ويُكنى أبا الحسين صاحب الصبيحي، سمِع منه التلعكبري سنة تسع وعشرين وثلاثمائة، وله منه إجازة(3). وعنونه ابنُ النديم البغدادي (4) في فقهاء الشيعة ومحدِّثِيهم وعلمائهم بلفظ (أبو الحسين بن معمّر الكوفي) قائلاً: وله من الكتب كتابُ قرب الإسناد (5) فالرجل إذن من المعاريف ولم يرد فيه قدحٌ فهو ثقة.

وأمَّا سعدان بن مسلم فهو من المعاريف ومن أصحاب الأصول وهو من مشايخ صفوان بن يحيى البجليِّ الذي لا يروي ولا يُرسِلُ إلا عن ثقة، وقد وثَّقه عليُّ بن ابراهيم القميِّ في تفسيره ضِمن توثيقِه العام لرجال أسناده في التفسير، وأمَّا بقيةُ رجال السند فهم من الثقات الأجلاء، ولذلك فالرواية معتبرةٌ سنداً.

وهي من حيثُ الدلالة صريحةٌ في أنَّ ليوم الأربعين زيارةً خاصَّة يُزارُ بها الإمام الحسينُ (ع) عند ارتفاع النهار، وذلك يقتضي تأكُّد الاستحباب، إذ أنَّ أصلَ الاستحباب ثابتٌ في مطلق أيام السنة فإذا تمَّ النصُّ على يومٍ بالخصوص كيوم عرفة فإنَّ ذلك يكونُ ظاهراً ظهوراً بيِّناً في أنَّ لهذا اليوم خصوصيَّةً يتأكَّدُ بمقتضاها الاستحباب. كما هو الشأنُ في مثل الصوم فإنَّه مستحبٌ في مطلق أيام السنَّة فإذا تمَّ النصُّ على يومٍ مخصوص فإنَّ ذلك يقتضي تأكُّد استحبابِه، وهكذا هو الشأنُ في الصلاة فإنَّها خيرُ موضوعٍ -كما أفاد أهلُ البيت(ع)- فيُستحبُّ الإتيان بها في كلِّ وقت، فإذا تمَّ النصُّ على وقتٍ مخصوصٍ فإنَّ ذلك يكونُ مقتضياً لاستظهار تأكُّد استحبابِ الصلاة فيه.

هذا ويُمكن تأييد تأكُّد الاستحباب لزيارة الحسين (ع) يوم الأربعين بما رواه الشيخُ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في المصباح والتهذيب مرسَلاً عن أبي محمدٍ الحسنِ العسكري (ع) أنَّه قال: "علاماتُ المؤمن خمس: صلاةُ الخمسين، وزيارةُ الأربعين، والتختُّم في اليمين، وتعفيرُ الجبين، والجهرُ ببسم الله الرحمن الرحيم"(6).


الهوامش: 1- تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج6 ص113-114، مصباح المتهجد -الشيخ الطوسي- ص788-790. 2- الفهرست -الشيخ الطوسي- ص277. 3- الأبواب (رجال الطوسي) -الشيخ الطوسي- ص442. 4- توفي سنة 438. 5- فهرست ابن النديم -ابن النديم البغدادي- ص278. 6- تهذيب الأحكام -الشيخ الطوسي- ج6 ص52، مصباح المتهجد -الشيخ الطوسي- ص788.
2020/10/04

مشروعية زيارة الأربعين: هل مشى الأئمة إلى قبر الإمام الحسين (ع)؟
لا يخفى ان أصل المشي إلى العتبات المقدّسة بصورة عامّة كالمشي إلى مكّة المكرّمة يرجع تاريخه إلى آدم عليه السلام فانّه مشى إلى بيت الله سبحانه سبعين مرّة.

وأمّا زيارة الإمام الحسين (ع) مشياً على الأقدام ، فانّه يعدّ من أفضل القربات إلى الله عزّوجلّ ، كما أكّد ذلك ائمّتنا الأطهار، فانه من أبرز مصاديق هذه الفقرة في دعاء كميل عن أميرالمؤمنين علي (ع) عن الخضر سلام الله عليه (وليت شعري يا سيّدي ومولاي أتسلّط النار على وجوه خرّت لعظمتك ساجدة ... وعلى جوارح سعت إلى أوطان تعبّدك طائعة ) فمن أوطان التعبّد وأبواب الإيمان : محمّد وآله الطاهرين ، شفعاء الخلق أجمعين .

ثم لمشينا على الأقدام لكلّ المراقد المطهّرة لأئمّتنا الأطهار، ولاسيّما لسيّد الشهداء (ع) وفي خصوص يوم الأربعين ، دلالات واضحة تعلن عن ولائنا الخالص لأهل البيت، وتجديد العهد والبيعة منّا له صغاراً وكباراً قلباً وقالباً، شعوراً وشعاراً، بالجوارح والجوانح، وكلّنا نصرخ ونهتف ليسمع العالم بأجمعه، إنّنا مع أئمّة أهل البيت، معهم معهم لا مع عدوّهم ، أجل مع الغائب منهم ومع الحاضر، ونلبّي صرخة الإمام الحسين (ع) التي ردّت يوم عاشوراء (هل من ناصر ينصرني) فنقول بكلّ وجودنا وحياتنا (لبّيك لبّيك يا حسين) مهما تباعدت الأزمنة والدهور، وإذا قال ولده المهدي المنتظر الطالب بثاره (يا لثارات الحسين) فانا نقول بكل اخلاص وفداء (لبّيك لبّيك يا داعي الله وداعي رسوله) (لبّيك يا حسين ان لم يجبك بدني عند استغاثتك ، ولساني عند استنصارك ، فقد أجابك قلبي وسمعي وعيني وبصري) يا قرّة عيني، عسى ان نؤدّي جزّء لا يتجزء من حقوقهم المهدورة بهذا المشي المليوني من كلّ أرجاء المعمورة، وفي كلّ عام في مثل زيارة الأربعين .

واليكم جملة من الروايات المعتبرة الدالّة على استحباب المشي مؤكّداً بنحو عام وآخر في خصوص زيارة الحسين (ع):

1 ـ روى العيّاشي بسنده عن معاوية العجلي قال: كنت عند أبي جعفر(ع) اذ دخل عليه قادم من خراسان ماشياً، فأخرج رجليه وقد تغلفتا ـ أي تشقّقتا ـ وقال : اما والله ما جاءني من حيث جئت إلّا حبّكم أهل البيت، فقال أبو جعفر(ع): والله لو احبّنا حجر حشره الله معنا، وهل الدين إلّا الحب، ان الله يقول : (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ آللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ آللهُ) وقال : (يحبّون من هاجر اليهم ) وهل الدين إلّا الحبّ[1] .

2 ـ في زيارة أميرالمؤمنين (ع) مشياً: في فرحة الغري عن الإمام الصادق (ع) قال : من زار أميرالمؤمنين (ع) ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة حجّة وعمرة، فان رجع ماشياً كتب الله له بكلّ خطوة حجتين وعمرتين.

وهذا يدلّ بوضوح أن الرجوع مشياً كذلك، فان له الأجر المضاعف، ومن باب (كلّهم نور واحد) وفي هذه الفضائل المتعلّقة بأصل الامامة بمنزلة واحدة ، ومن باب (تنقيح المناط الاطمئناني) الذي يفيد الظن المتاخم للعلم الواقعي، ويسمى بالعلم العادي، نجري الحكم في زيارة الإمام الحسين (ع) لوحدة الملاك ، فالذهاب إليه ماشياً له ماله من الأجر والثواب كما في الروايات الشريفة ، والإياب منه كذلك ماشياً له ضعف ما له في الذهاب، فاغتنم الفرصة الذهبيّة والعرفانيّة، ولا تحسّ بالتعب والنصب، فان الحبّ الحسيني يطغى على كل ألم وصعوبة ويسهل كل خطب وهول.

3 ـ عن الإمام الصادق (ع): يا بن مارد من زار جدّي عارفاً بحقّه كتب الله له بكلّ خطوة حجّة مقبولة وعمرة مبرورة، يابن مارد ما يطعم الله النار قدماً غبّرت في زيارة أمير المؤمنين، ماشياً كان أو راكباً، يا بن مارد اكتب هذا الحديث بماء الذهب.

بيان: غبرت أي علاها الغبار والتراب في طريقه إلى زيارة أمير المؤمنين، وكذلك إلى قبور الأئمّة المعصومين: ومنهم سيّد الشهداء الإمام الحسين (ع).

4 ـ وروى السيّد عبدالكريم بن طاووس عن صفوان الجمّال قال: لما وافيت مع جعفر الصادق (ع) الكوفة يريد أبا جعفر المنصور قال لي : يا صفوان أنخ الراحلة فهذا قبر جدّي أمير المؤمنين (ع) فأنختها ثمّ نزل فاغتسل وغيّر ثوبه وتحفّى ـ أي مشى حافياً من دون نعل أو حذاء ـ وقال لي : افعل مثلما أفعله ـ فقوله وفعله وتقريره حجّة ـ ثمّ أخذ نحو الذكوة (النجف ) وقال : قصّر خطاك وألقِ ذقنك نحو الأرض ـ أي أطأ رأسك علامة للتواضع والخشوع ـ فانّه يكتب لك بكلّ خطوة مائة حسنة ، ويمحى عنك مائة ألف سيّئة ، ويرفع لك مائة ألف درجة ، وتقضى لك مائة ألف حاجة ، ويكتب لك ثواب كلّ صدّيق وشهيد مات أو قتل . ثمّ مشى ومشيت معه على السكينة والوقار نسبّح ونقدّس ونهلّل إلى أن بلغنا الذكوات (التلول)، فوقف (ع) ونظر يمنة ويسرةً وخطّ بعكازته فقال لي : اطلب فطلبتُ، ثمّ أرسل دموعه على خديه ، وبدء بزيارة جدّه أميرالمؤمنين (ع).

هذا في زيارة أميرالمؤمنين علي (ع)، وكذلك الأمر في زيارة أولاده المعصومين : كزيارة سيّد الشهداء الإمام الحسين بن علي : كما ورد ذلك في الروايات عند الخاصّة والعامّة ، ويذكر العشرات من الأحاديث الشريفة التي تنصّ على فضل واستحباب الزيارة مشياً على الأقدام .

5 ـ منها: عن حمّاد بن ثابت عن عبدالله بن الحسن قال : من زار الحسين (ع) لا يريد به إلّا الله فتفطّرت قدماه في ذهابه إليه، كان كمن تفطّرت قدماه في سبيل الله.

6 ـ ومنها: عن الحسين بن ثويبر بن أبي فاختة عن أبي عبدالله(ع) قال في حديث :

إذا أتيت أبا عبدالله (ع) فاغتسل على شاطئ الفرات، ثمّ ألبس ثيابك الطاهرة، ثمّ امشي حافياً، فانّك في حرم من حرم الله وحرم رسوله ، وعليك بالتكبير والتهليل والتمجيد والتعظيم لله كثيراً، والصلاة على محمّد وأهل بيته حتّى تصير إلى باب الحائر (باب الحسين (ع)).

7 ـ عن صفوان بن مهران قال: ان أبا عبدالله جعفر بن محمّد (ع) لمّا قدم إلى الحيرة ، قال لي : هل لك في زيارة قبر الحسين وهل تزوره ؟ فقلت : جعلت فداك وكيف لا أزوره في ليلة الجمعة ، وقلت : يابن رسول الله هل تزوره يوم الجمعة حتّى ندرك زيارته ؟ قال : نعم يا صفوان ، فأتينا كربلاء، ونزل الصادق (ع) قرية الغاضريّة على ضفة الفرات فاغتسل ولبس ثياب الطهر، وتوجّه ماشياً نحو قبر جدّه أبي عبدالله الحسين (ع)، وعند وصوله إلى باب الحرم الشريف ، انكبّ على القبر وقال : السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله... إلى آخر الحديث.

فكان الإمام الصادق (ع) ولنا فيه اُسوة حسنة وقدوة صالحة ، من أوائل المشاة لزيارة قبر جدّه سيّد الشهداء(ع) وإنّ في زيارته مشياً من الأجر والثواب ، ومن الأسرار وفتح الأبواب ، وقضاء الحوائج والشفاعة ما لا يعلمه إلّا الله سبحانه وتعالى ، وان اللسان ليعجز، والقلم ليكلّ عن بيانه وإحصائه .

8 ـ عن علي بن ميمون الصائغ عن أبي عبدالله (ع) قال: يا علي زر الحسين ولا تدعه قال: قلت: ما لمن أتاه من الثواب؟ قال: من أتاه كتب الله له بكلّ خطوة حسنة ، ومحا عنه سيّئة ، ورفع له درجة ، فاذا أتاه وكّل الله به ملكين يكتبان ما خرج من (فمّه) من خير، ولا يكتب ما يخرج من فيه من شيء ولا غير ذلك ، فاذا انصرف ودّعوه وقالوا: يا وليّ الله مغفور لك ، أنت من حزب الله وحزب رسوله وحزب أهل بيت رسوله ، والله لا ترى النار بعينك أبداً، ولا تراك ولا تطعمك أبداً.

9 ـ عن سدير الصيرفي قال : كنّا عند أبي جعفر (ع) فذكر فتى قبر الحسين (ع) فقال له أبو جعفر (ع): ما أتاه عبد فخطا خطوة ، إلّا كتب له حسنة وحُطّت عنه سيّئة .

10 ـ عن أبي الصامت قال : سمعت أبا عبدالله (ع) وهو يقول : من أتى قبر الحسين (ع) ماشياً، كتب الله له بكلّ خطوة ألف حسنة ، ومحا عنه ألف سيّئة ، ورفع له ألف درجة ، فاذا أتيت الفرات فاغتسل وعلّق نعليك وامش حافياً، وامش مشي العبد الذليل ، فاذا أتيت باب الحير فكبّر أربعاً ثمّ امش قليلاً، ثمّ كبّر أربعاً، ثمّ ائت رأسه ، فقف عليه فكبّر أربعاً وصلّ عنده واسأل الله حاجتك[2] .

هذه جملة من الروايات المعتبرة الدالّة على فضيلة المشي على الأقدام لزيارة المعصومين، ولا سيّما سيّد شباب أهل الجنة ، ريحانة رسول الله (ص) وسبطه الثاني سيّد الشهداء الإمام الحسين  (ع).

فسّلام الله وسلام ملائكته ورسله وانبيائه وأوصيائه وعباده الصالحين على تلك الأقدام الّتي مشيت باخلاص وبحبّ وولاء إلى حرم سيّد الشهداء أبي عبدالله الحسين (ع). وياليتنا كنا معهم فنفوز فوزآ عظيمآ. اللّهم انّك تعلّم إنا نحبّ ذلك ، فاشركنا في أعمالهم وثوابهم آمين ربّ العالمين.


الهوامش: [1] القطرة للسيّد المستنبط : 1/332. [2] البحار: :98 143 عن كامل الزيارات : 133.
2020/10/03

يشكو العطش: هل وضع «الأكبر» لسانه على لسان الحسين؟
ما صحَّة ما يُنقل في مقتل الأكبر (ع) أنَّه حين رجع إلى الحسين (ع) يشكو العطش قال له: ضعْ لسانك على لساني؟

أورد ذلك الخوارزمي في كتابه مقتل الحسين (ع) قال: "ثمّ رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحاتٌ كثيرة فقال: يا أبت! العطش قد قتلني وثقل الحديد قد أجهدني، فهل إلى شربةٍ من ماء سبيلٌ أتقوّى بها على الأعداء؟ فبكى الحسينُ (عليه السلام) وقال: يا بُنَيَّ! عَزَّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى عَليٍّ وَعَلى أَبيكَ، أَنْ تَدْعُوهُمْ فَلا يُجيبوُنَكَ، وَتَسْتَغيثَ بِهِمْ فَلا يُغيثُونَكَ، يا بُنَيَّ! هاتِ لِسانَكَ. فأخذ لسانَه، فمصّه، ودفع إليه خاتمه وقال له: خُذْ هذَا الْخاتَمَ في فيكَ وَارْجِعْ إلى قِتالِ عَدُوِّكَ، فَإِنّي أَرْجوُ أَنْ لا تُمْسي حَتّى يَسقيَكَ جَدُّكَ بِكَأسِهِ الأَوْفى، شَرْبَةً لا تَظْمَأُ بَعْدَها أَبَدًا"(1).

تفرُّد الخوارزمي بنقل الزيادة:

ولم أجد غيرَه -ممَّن تصدَّى لبيان تفاصيل مقتل عليِّ بن الحسين الأكبر(ع)- مَن ذكر ذلك، وهو ما يمنع مِن الوثوق بصحَّة ما أورده خصوصًا وأنَّ غيره قد تصدَّى لبيان الواقعة -كالشيخ الصدوق والقاضي النعمان في شرح الأخبار، وابن أعثم في الفتوح، وابن شهراشوب، وابن نما الحلِّي والسيد ابن طاووس(2)– إلا أنَّهم لم يذكروا سوى أنَّ الإمام الحسين (ع) قد أجابه بقوله: "صبرا يا بُني، يسقيك جدُّك بالكأس الأوفى"(3) أو ما يقربُ من هذا المعنى.

فعدمُ ذكرِهم للخصوصيَّة الزائدة في الواقعة وهي مصُّ اللسان والخاتم التي ذكرها الخوارزمي -رغم أنَّها الأكثرُ إثارةً في الواقعة ورغم عدم وجود ما يقتضي الإغفال لذكرها- يسلبُ الوثوق بصدق هذا المقدار من الواقعة المذكورة.

والمُلفت أنَّ النصَّ الذي نقلَه ابنُ نما الحلِّي والسيِّدُ ابن طاووس للواقعة يُطابق تقريبًا ما نقله الخوارزمي إلا أنَّهما لم ينقلا الخصوصيَّة الزائدة التي ذكرها الخوارزمي، فإمَّا أنْ يكونا قد نقلا الواقعة عن الخوارزمي فعدم نقلهما لهذه الخصوصيَّة الزائدة لا يخلو إمَّا لعدم ورودها في النسخة التي وصلتهما أو لعدم وثوقهما بصحَّتها وعلى كلا التقديرين يكون ذلك معزِّزًا للارتياب في صحَّة هذه الزيادة، وإمَّا أنْ يكون الجميع قد نقل الواقعة عن مصدرٍ واحد والأقرب أنَّه الفتوح لابن أعثم لتقارب ألفاظ النص، وهو خالٍ من الزيادة المذكورة، أو أنَّهم قد نقلوا من مصدرٍ آخر مشترك بين الجميع، فلماذا لم يذكر ابنُ نما والسيِّدُ ابن طاووس هذه الزيادة رغم أنَّها الأكثر إثارة، ورغم أنَّ الدواعي مقتضية للنقل، فعدمُ النقل لا يخلو إمَّا لعدم الوجود أو لعدم الوثوق.

ما هو الغرض من وضع لسانه على لسانه:

ثم إنَّه لم يتَّضح الغرضُ من وضع لسانِه على لسانه وإعطائه الخاتم ليضعَه في فمِه، فهل هو لغرض إطفاء عطش الأكبر (ع) من طريق الإعجاز؟ لو كان ذلك هو الغرض لارتوى عليٌّ الأكبر (ع) دون ريب، فالحسينُ (ع) أكرمُ مَن على وجه الأرض على الله تعالى إلا أنَّ من المُحرَز أنَّ الإمام الحسين (ع) لو فعلَ ذلك مع ابنه الأكبر لفعلَه مع القاسم وعبد الله وعون وجعفر وعبد الرحمن ومحمد وغيرهم من الشهداء خصوصًا مَن كان منهم في مقتبلِ العمر، فجميعُ هؤلاء الكِرام قد أخذَ العطشُ منهم مأخذًا عظيمًا، ولو كان قد فعلَ ذلك لتناقلته الرواة لتوافر الدواعي لنقلِه وانتفاء الموانع، فكيف لم يصلْ من ذلك عينٌ ولا أثر.

ولو كان الغرضُ من وضعِ لسانِه على لسانه هو تسلية الأكبر (ع) أو إقناعه بأنَّ الحسين (ع) مثله عطشان فإنَّ هذا الاحتمال في غاية البُعد، فإنَّ ذلك لو كان هو الغرض فما معنى إعطائه الخاتم ليضعَه في فمه؟!

على أنَّ توهُّم احتياج الأكبر لذلك ليقتنعَ أنَّ الحسين (ع) مثله عطشان وأنَّه لا سبيل إلى شيءٍ من الماء، توهُّمُ ذلك لا يخلو من إساءةٍ لمقام عليٍّ الأكبر (ع) الموصوف في الزيارة الناحية بأنَّه حجَّةُ الله وأمينُه(4) وبأنَّه الأشبهُ برسول الله (ص) سَمتًا كما في رواية الصدوق(5) وبأنَّه الأشبه برسوله (ص) في أخلاقه ومنطقه(6)، إنَّ مَن يحظى بهذا المقام السامي لا يحتاج للإذعان بالحالة التي عليها الحسين (ع) لغير الملاحظة لشاهد الحال.

الوجه في شكاية العطش للحسين (ع):

وأمَّا قوله لأبيه: العطش فهو من بثِّ الشجون الذي يتَّفق صدورُه من العطشان تلقائيًا، فلم يكن غرضُه من ذلك هو الطلب الجِّدي للماء من أبيه (ع) لعلمِه أنَّ ذلك غيرُ متاح. أو أنَّه أحبَّ أنْ يَسمعَ من أبيه المتَّصل بعالم الغيب بشارةً تُهوِّنُ عليه ما يجدُ، وتُحفِّزه وتشدُّ من عزمِه، فإنَّ المجاهدَ القادم على الموتِ المحتوم يُعجبُه السماع للحديث عن العاقبة الخيِّرة التي تنتظرُه.

ولعلَّه لذلك كان الإمام الحسين (ع) يُكثر من مخاطبة المجاهدين بمثل هذه البشائر كقوله (ع) –وهو الذي لا يُحجبُ له دعاء ولا تُردُّ له شفاعة- كقوله (ع) لابن المهاصر الكندي: "اللهمَّ سدِّد رميتَه واجعل ثوابَه الجنَّة"(7).

وكقوله (ع) لعمرو بن قرظة الأنصاري والذي كان يتلقَّى السهام بيده ومهجته كي لا تصل إلى الحسين (ع) فحين أثخنته الجراح قال: أوَفيتُ يابنَ رسول الله فقال (ع): "نعم أَنْتَ أَمامي فِي الْجَنَّةِ، فَاقْرَأْ رَسُولَ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) عَنّي السَّلامَ، وَأَعْلِمْهُ أَنّي فِي الأَثر"(8).

وكقوله (ع): لحنظلة الشبامي وقد خاطب الحسين بقوله: "أفلا نروحُ إلى ربِّنا ونلحقُ بإخواننا" فقال (ع): "بلى رُحْ إلى ما هو خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، وإلى ملكٍ لا يَبلى"(9).

وكقوله (ع): للحرِّ بن يزيد ودمُه يشخب: "بخٍ بخٍ يا حرُّ، أنت حرٌّ كما سُمِّيت في الدنيا والآخرة"(10).

وكتلاوته (ع) عند مصرع مسلم بن عوسجة لقوله تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)(11)(12).


الهوامش: 1- مقتل الحسين - الخوارزمي - ج 1/ ص 35. 2- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 226. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص188، الفتوح – ابن أعثم- ج5/ ص 115، مناقب آل أبي طالب- ابن شهراشوب- ج3/ 257، شرح الأخبار- القاضي النعمان المغربي- ج3 / 153، مقاتل الطالبيين – أبو الفرج الأصفهاني- ص77، مثير الأحزان – ابن نما الحلِّي- ص 51، اللهوف – السيد ابن طاووس – ص 67. 3- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 226. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص188. 4- جامع أحاديث الشيعة – البروجردي- ج12/ ص 495، بحار الأنوار- المجلسي- ج45 / ص 65. 5- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 226. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص188. 6- الفتوح – ابن أعثم- ج5 / ص 114، مثير الأحزان – ابن نما الحلي- ص 51/ اللهوف – السيد ابن طاووس- ص 67. 7- تاريخ الطبري -الطبري- ج4/ ص340 / التاريخ – ابن الأثير- ج4/ ص 73. 8- مثير الأحزان – ابن نما الحلي- ص 45/ اللهوف – السيد ابن طاووس- ص 64. 9- اللهوف – السيد ابن طاووس- ص66، مثير الأحزان – ابن نما الحلي- ص48 مع اختلاف يسير، تاريخ الطبري- الطبري- ج4/ ص338. 10- الأمالي – الشيخ الصدوق- ص 223. روضة الواعظين – الفتال النيسابوري- ص202. أنساب الأشراف - البلاذري-قريب من النص المذكور ج12/ 159، الفتوح - ابن أعثم- ج5/ 102 11- سورة الأحزاب / 23. 12- الإرشاد – المفيد- ج2/ ص 103، المزار، زيارة الناحية المشهدي- ص 492، مثير الأحزان – ابن نما الحلِّي- ص 47.
2020/10/01