




في هذا المطلب تضيق دائرة البحث، فالمطلب السابق كان يهتم بظاهرة البكاء بشكل عام بصـرف النظر عن أسبابه وموارده ، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لم يأخذ وجهة نظر فئة محددة من الناس، أما في هذا المطلب فتخصص الموضوع أكثر وتضيق لأمرين:
فأولاً: نفس الموضوع المبحوث عنه، فبعد أن كان البكاء تكون البكاء على الميت لا عموم البكاء.
وثانياً: أخذ منظور جماعة محددة من البشـر أعني موقف خصوص المسلمين من البكاء على الميت.
وبذلك يكون السؤال الذي يسعى هذا المطلب لجوابه هو: ما موقف المسلمين من البكاء على الميت؟
أـ موقف المذاهب الاربعة
اتفق العامة بمذاهبهم الفقهية الأربعة على جواز البكاء على الميت لكن دون صوت فيما اختلفوا فيما كان بصوت فذهبت المالكية والحنفية للتحريم بينما ذهبت الشافعية والحنابلة للتحليل.
في مبحث البكاء على الميت، يقول الجزيري (المتوفى: 1360هـ): "يحرم البكاء على الميت برفع الصوت والصياح، عند المالكية، والحنفية، وقال الشافعية، والحنابلة: إنه مباح، أما هطل الدموع بدون صياح فإنه مباح باتفاق".
وكذلك لا يجوز الندب؛ وهو عد محاسن الميت بنحو قوله: واجملاه، واسنداه، ونحو ذلك، ومنه ما تفعله النائحة "المعددة" كما لا يجوز صبغ الوجوه، ولطم الخدود، وشق الجيوب، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" رواه البخاري؛ ومسلم.
هذا ولا يعذب الميت ببكاء أهله المحرم عليه، إلا إذا أوصى به، وإذا علم أنه أهله سيبكون عليه بعد الموت، وظن أنهم لو أوصاهم بتركه امتثلوا ونفذوا وصيته، وجب عليه أن يوصيهم بتركه، وإذا لم يوص عذب ببكائهم عليه بعد الموت"([1]).
ب ـ موقف اهل البيت
ما قاله الشافعية والحنابلة وإن كان هو الاقرب لرأي اهل البيت: اذا ما قيس برأي المالكية والحنفية من جهة الحكم بالإباحة بيد أنّهم يحرمون ما زاد على البكاء من نياحة او صياح وما اشبه الأمر الذي لا دليل على حرمته، بل الدليل ناهض على إباحته، وإليك أدلة الإباحة:
أدلة جواز البكاء على الميت
الأول: الأصل فإن كل ما لم يقم دليل على حرمته في الشـريعة المقدسة فهو محكوم بالحلية ولم يدلنا دليل على حرمة البكاء على الميت.
الثاني: السيرة المستمرة المتصلة بزمان المعصومين: ولم يردعوا عنها بوجه فلو كان البكاء على الميت محرما لانتشـرت حرمته ووصلت إلينا متواترة لكثرة الابتلاء بالأموات والبكاء عليهم.
الثالث: الأخبار الواردة في أن النبي صلى الله عليه وآله بكى على إبراهيم وقال "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب" وبكي أيضا على جعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة.
وكذلك بكت الصديقة عليها السلام على رقية بنت رسول الله وعلى أبيها - صلوات الله عليه وآله - وبكى علي بن الحسين عليه السلام على شهداء الطف مدة مديدة بل عدت الصديقة الطاهرة وزين العابدين عليهما السلام من البكائين الخمسة لكثرة بكائهما.
بل ورد الأمر بالبكاء عند وجدان الوجد على الميت في رواية الصيقل فراجع.
نعم: ورد في حسنة معاوية بن وهب عن أبي عبد الله عليه السلام "كل الجزع والبكاء مكروه ما سوى الجزع والبكاء لقتل الحسين عليه السلام".
إلا أنه في مقابل السيرة والأخبار لا بد من تأويل الكراهة فيها بحملها على كون البكاء مكروها عرفيا لعدم مناسبته مع الوقار والعظمة والمنزلة ومن ثمة لم ير بعض الأعاظم (قده) باكيا على ولده المقتول لدى الناس وقالوا: إنه كان يبكي عليه في الخلوات في داره لا أنه مكروه شرعي أو يحمل على أن مجموع الجزع والبكاء مكروه فإن الجزع غير مرغوب فيه شرعا إلا على أبي عبد الله الحسين عليه السلام([2]).
تنبيهات:
الروايات المشار لها في الدليل الثالث متواترة تواتراً معنوياً، قال في الجواهر: "لا ريب في جواز البكاء على الميت نصا وفتوى للأصل، والأخبار التي لا تقصـر عن التواتر معنى".([3]).
ويضاف للأدلة: الإجماع، فقد نص عليه غير واحد من الأعلام، منهم صاحب الحدائق، قال: الظاهر أنه لا خلاف نصا وفتوى في جواز البكاء على الميت قبل الدفن وبعده ([4]).
رواية الصيقل المشار لها أعلاه هي ما رواه الكليني باسناده عن مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ الصَّيْقَلِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: "شَكَوْتُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَجْداً وَجَدْتُهُ عَلَى ابْنٍ لِي هَلَكَ حَتَّى خِفْتُ عَلَى عَقْلِي فَقَالَ إِذَا أَصَابَكَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ فَأَفِضْ مِنْ دُمُوعِكَ فَإِنَّهُ يَسْكُنُ عَنْكَ"([5]).
والخلاصة:
إنّ الأدلة على جواز البكاء على الميت أربعة:
1ـ أصالة الإباحة.
2ـ الاجماع.
3ـ والروايات المتواترة.
4ـ السيرة المتصلة بالأئمة.
الهوامش:
([1])الجزيري - الفقه على المذاهب الأربعة، ج1 ص 484، ط: دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان.
([2]) الخوئي – التنقيح في شرح العروة الوثقى- كتاب الطهارة: ج 9/ ص 342.
([3]) الجواهري – جواهر الكلام ج 4 :ص 365
([4])البحراني - الحدائق الناضرة ، ج ٤ ص ١٦٢
([5]) الكليني – الكافي ج: 3 ص: 250، باب النوادر، ح 3.


النهضة الحسينية ودرء الشبهات
اسعد عبد الله عبد علي
في كل عام تعود من جديد الاثارات للشبهات التي تطرح حول ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، وبعض الاثارات تطرح بدافع السعي للمعرفة وفهم ما جرى وكشف للمبهمات، لكن هناك طرح أخر يقصد منه التشكيك بثورة الإمام الحسين، ويهدف لزعزعة الأيمان بمنطلقاته الثورية، وهذا الطرح يجب أن يرد عليه لإسكاته، وإيقاف مخططه الخبيث، فان عدم الرد عليه يخلق مفسدة كبيرة، وهنا يأتي دور الخطباء والنخبة في عملية تشكيل محور الدفاع عن الثورة، وتوضيح الإشكالات للجماهير، كي يتحول جهد الخبيث الى سراب.
وهناك طرح يقصد منه التذكير، واعتبار أيام محرم موسم سنوي لشرح منطلقات الثورة ورد الإشكاليات التاريخية، بهدف تثقيف الأجيال ونشر الوعي الحسيني. سنتطرق الى أهم الإشكالات بشكل متتابع، وهنا نطرح أشكال سنوي، قد دعمته السلطات من زمن بني أمية الى اليوم لأبعاد تهمة الظلم عنهم ووضع الأمر برقبة الإمام باعتباره ليس ثائرا، الإشكال: عندما خروج الإمام الحسين الى كربلاء ضد سلطة بني أمية وحاكم الشام يزيد، وهو يعلم بأنه مقتول، بحسب إشارات نبوية، أو قراءة للواقع القائم، الا يعتبر ذلك ألقى النفس في التهلكة؟ وهو حرام بنص القران الكريم (ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة)-البقرة-195 ؟، للجواب عن هذا الإشكال نحتاج لعدة وجوه: الحقيقة بحثت عن الجواب في كتاب الأعلام، فوجدت أن رد هذه الإشكالية في اربع مستويات، وهي كالأتي:
أولا: حول الآية الكريمة التي ذكرت بالإشكال، يمكن القول أن الآية خاصة وغير عامة، حيث أن المخاطب بها غير محدد، وبالتالي أن عمومها غير محدد. وقد يقول قائل أن الأشهر بخصوص الآية هو العموم، وأن الضمير يعود الى سائر المسلمين بما فيهم الأئمة (عليهم السلام)، وهذا الكلام يكون صحيحا لو خلي وطبعه، الا أنه توجد في الآية قرائن صادقة عن كون الخطاب لغير المعصومين (عليهم السلام)، فانه تعالى يقول: "وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا أن الله يحب المحسنين"، ومن الواضح أن الأمرين الأول والأخير خاص بغير الأئمة عليهم السلام، بل بغير المعصومين وغير الراسخين في العلم عموما، لأن أمثال هذه المستويات العليا من الإدراك لا تحتاجه، وإنما يعتبر إليها من توضيح الواضحات بل يكون الخطاب بهذه الأمور قبيحا، وحاشا أن يكون كلامه جل وعلا من القبيح. النتيجة: أذن فقد وقع النهي عن التهلكة في سياق الخطاب لغير أهل البيت (ع)، فنعرف من وحدة السياق أن النهي عن التهلكة غير شامل لهم أيضا، وهكذا ينتفي الإشكال.
ثانيا: من الثابت عند الشيعة الأمامية أن المعصومين (عليهم السلام) مسددون بالإلهام من قبل الله سبحانه وتعالى، ولذا لديهم نوعان من التكاليف: ظاهرية وباطنية. التعاليم الباطنية يعرفونها بالإلهام، وهي أهم وأخص من التعاليم الظاهرية، فلا يكون هذا المورد حراما على المعصوم، بل يغدو واجبا بمقتضى الإلهام الإلهي الثابت لديه، فيتقدم نحوه بخطوات ثابتة، ممتثلا أمر الله سبحانه وتعالى، وراجيا ثوابه الجزيل ببذل النفس في هذا السبيل، ولعل في قول السيدة زينب (عليها السلام) بعد مقتل الإمام الحسين (عليه السلام): "ربنا تقبل منا هذا القربان" خير دليل على ذلك. هذا الدليل لرفع الشك عند من شكت قلوبهم بابن بنت رسول الله.
ثالثا: هنا تصور مهم يدفع الإشكال تماما، وهو انه من الممكن ألا يراد من التهلكة المنهي عنها في سياق الآية الكريمة التهلكة الدنيوية، بل المقصود هو الهلاك المعنوي أي الكفر وإلقاء النفس في الباطل والعصيان والانحراف، وهو أمر منهي عنه بضرورة الدين. وبذلك تكون الآية أبعد ما يكون عما يريد الاستدلال بها عليه، بل على العكس تكون حركة الحسين (عليه السلام) مصداقا لها، حيث أن من أهم أهداف حركة الحسين (عليه السلام) التصدي للانحراف عن خط الإسلام الأصيل. فانظر لحجم التضليل الذي يمارسه أعداء أهل البيت والمدافعين عن الباطل في كل عصرا ومصر.
رابعا: لو قلنا بحرمة التهلكة، فإنها إنما تحرم ما دام صدق العنوان موجودا، والمفهوم عرفا وعقلائيا أن التهلكة هي الصعوبة البليغة دون نتيجة صالحة لتعويضها. فإذا طبقنا ذلك على حركة الحسين (عليه السلام)، فلاحظنا نتائجها الدنيوية والأخروية لم تكن تهلكة بأي حال، بل تضحية بسيطة مهما كانت مريرة في سبيل نتائج عظيمة، ومقامات عليا في الدنيا ولآخرة.
خامسا: انه لا يحتمل فقهيا وشرعيا في الدين الإسلامي أن تكون كل تهلكة محرمة، بل الآية الكريمة أن وجد لها أطلاق وشمول فهي مخصصة بكثير من الموارد، مما يستحب أو يجب فيه إلقاء النفس في المصاعب الشديدة أو القتل كالجهاد وكلمة الحق عند سلطان جائر وتسليم المجرم نفسه للقصاص. أذن فليس كل تهلكة محرمة، وثورة الحسين (عليه السلام) أحد هذه الاستثناءات. سبب أخير مهم بسبب ردة الفعل الجماهيرية العنيفة ضد السلطة الأموية بعد انتهاء واقعة كربلاء، فهي لجأت لرواة الحديث والكتاب والشعراء كي تؤثر في المتلقي، ونسبت قتل الأمام بسبب خروجه على التقي النقي يزيد! وعمدت على تكريس هذه الفكرة الخبيثة، والتي بقي والى اليوم يرددها الكثير من الكتاب والمنافقين والنواصب، فاليوم هنالك من يغرد عبر المنابر طعنا بالإمام الحسين، ويدافع عن يزيد! ممن يأخذون دينهم من السلطة. ويحاول هذا الخط التأثير على عقيدة الجماهير وإخضاعهم للسلطة، وهذا الإشكال احد أسلحته لتسفيه وعي الأمة، لان الإيمان بالحسين وشعاراته، يعني قيام ثورة ضد الظلم، وتعرية دين النواصب، وفضح للمخطط القديم للقضاء على الإسلام الأصيل، وهذا ما لا يريده الطغاة في كل عصر ومصر.
*نقلاً عن شبكة النبأ

البكاء في العلم
في عام 1981، اكتشف الطبيب النفسـي "وليام إتش. فراي الثاني" في ولاية مينيسوتا الأمريكية أن الدموع التي نذرفها عند مشاهدة أفلام حزينة، تحتوي على نسبة أكبر من البروتين، مقارنة بالدموع التي نذرفها كاستجابة تلقائية لشرائح البصل التي تقطع بجوارنا.
وفي دراسة نشـرت عام 1986، توصل أحد علماء النفس إلى أن 94 في المئة من المقالات التي تناولت البكاء في الصحف والمجلات الشهيرة في الولايات المتحدة ذكرت أن البكاء ساعد في تخفيف العديد من التوترات النفسية.
وتوصلت دراسة أخرى أُجريت عام 2008، وشملت نحو 4300 شخص بالغ من 30 دولة، إلى أن معظم هؤلاء الأشخاص حققوا تحسنا في الحالة النفسية والبدنية لديهم بعد مرورهم بنوبة بكاء([1]).
في الفلسفة والأدب
أرسطو: البكاء ينظف العقل.
شيكسبير: أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان.
موسيه: دموع العين اجمل من ابتسامة الشفتين.
كامبل: دموع الجميلة احلى من ابتسامتها.
هاريك: الدموع لغة العين.
فولتير: الدموع لغة الحزن الصامتة.
ديكنز: الدموع تفتح الصدور وتغسل العيون وتلطف الاطباع.
روبرت هاريس: انبل اللغات الدموع.
هانز: الدموع عطية الهية ونعمة دعها تترقرق وتسيل([2]).
في الشعر
الحطيئة:
اذا ما العين فاض الدمع منها
اقول بها قذى وهو البكاء.
الفرزدق:
سابكيك حتى تنفد العين ماءها
ويشفي مني الدمع ما اتوجع
ديك الجن:
ويعذلني السفيه على بكائي
كانّي مبتلى بالحزن وحدي ([3])
البكاء في القرآن
في القرآن الكريم سبع آيات تتحدث عن البكاء لفظاً او معنى، إذا استثنينا قوله تعالى: )وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (([4]) وقد قيل في تأويلها:
(أراد به الضحك والبكاء المتعارف عليهما بين الناس، فهو الذي يجريه ويخلقه).
ويقال: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر.
ويقال: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار.
ويقال: أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه في الدنيا، وأضحك الكافر في الدنيا وأبكاه في الآخرة.
ويقال: أضحكهم في الظاهر، وأبكاهم بقلوبهم.
ويقال: أضحك المؤمن في الآخرة بغفرانه، وأبكى الكافر بهوانه.
ويقال: أضحك قلوب العارفين بالرضا، وأبكى عيونهم بخوف الفراق.
ويقال: أضحكهم برحمته، وأبكى الأعداء بسخطه([5]).
وبالعودة لآيات البكاء: لم يرد في الآيات ذمٌ للبكاء، وعلى العكس وردتْ في مدحه وخصوصاً إذا كان من خشية الله تعالى:
(إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا)([6]).
(وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) ([7]).
(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) ([8]).
(وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ) ([9]).
(تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ( ([10]).
)وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ( ([11]).
)فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ( ([12]).
في السُنة
أ-عند الشيعة:
عنون ثقة الاسلام في الكافي باباً في البكاء واخرج فيه احد عشـر حديثا نورد اثنين معتبرين منها هما السابع والثامن من الباب:
عن إسحاق بن عمار قال: قلت لابي عبد الله 7: أكون أدعو فأشتهي البكاء ولا يجيئني وربما ذكرت بعض من مات من أهلي فأرق وأبكي فهل يجوز ذلك؟ فقال: نعم فتذكرهم فإذا رققت فابك وادع ربك تبارك وتعالى.
وعن عنبسة العابد قال: قال أبوعبد الله عليه السلام: إنْ لم تكن بك بكاء فتباك ([13]).
ب ـ عند أهل السنة والجماعة:
وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله...عد منهم: رجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه).
وفي البخاري أيضاً عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: (قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْرَأْ عَلَيَّ قُلْتُ آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى بَلَغْتُ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا " قَالَ: أَمْسِكْ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ"([14]).
البكّاءون خمسة
روى الصدوق حديثاً بسنده مرفوعاً إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: البكّاءون خمسة:
آدم ويعقوب ويوسف وفاطمة بنت محمد وعلي بن الحسين عليهم السلام.
فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خديه أمثال الأودية.
وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصـره وحتى قيل له تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ.
وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذى به أهل السجن فقالوا له إما أن تبكي الليل وتسكت بالنهار وإما أن تبكي النهار وتسكت بالليل فصالحهم على واحد منهما.
أما فاطمة فبكت على رسول الله صلى الله عليه وآله حتى تأذى بها أهل المدينة فقالوا لها قد آذيتنا بكثرة بكائك فكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضـي حاجتها ثم تنصرف.
وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين عليه السلام عـشرين سنة أو أربعين سنة ما وضع بين يديه طعام إلا بكى حتى قال له مولى له جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون إني ما أذكر مصـرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة([15]).
يتبع...
الهوامش:
([1]) نقلاً عن تقرير كتبه الصحفي العلمي: جيسون جي غولدمان على موقع bbc على الرابط التالي: www.bbc.c) m/arabic/vert-fut-40113246
([2]) منير عبود - موسوعة الامثال والحكم والاقوال العالمية.
([3]) علي القاسمي - معجم الاستشهادات.
([4]) النجم: 43.
([5]) القشيري – تفسير لطائف الإشارات، ج 3 ص 489.
([6]) مريم: 58.
([7]) يوسف: 84.
([8]) الإسراء: 109.
([9]) المائدة: 83.
([10]) التوبة: 92.
([11]) النجم: 60.
([12]) التوبة: 82.
([13]) الكليني – الكافي ج: 2 ص: 483، باب البكاء، ح7 و8.
([14]) البخاري - الجامع الصحيح المسند من حديث رسول الله وسننه وأيامه (صحيح البخاري) الحديث الأول برقم: 620 والثاني: 4216.
([15]) الصدوق – الخصال ج: 1 ص: 272، باب الخمسة، ح 15.

أيمي كامل، شابة بريطانية كانت تعتنق الديانة المسيحية، جاءت إلى كربلاء لزيارة حرمي الإمام الحسين وأخيه العباس عليهما السلام، تابع معنا ماذا حدث معها وكيف وجدت العباس عليه السلام:
المصدر: مركز الكفيل للثقافة والإعلام الدولي







تصوير: قاسم العميدي - عمار الخالدي
المصدر: الموقع الرسمي للعتبة الحسينية المقدسة

يظهر الفيديو آلاف المعزين وهم يحتشدون داخل حرم الإمام الحسين عليه السلام ليلة أمس وهم يهتفون «لبيك يا حسين».

عالم اليوم الذي تسوده الصورة اكثر من اي شيء، اختلط فيه الواقع بالخيال، وذابت المصداقية في وحل التضليل، وتسنمت السياسة عرش الاهتمام الاول عن طريق اليات صنع الواقع وتهميش الحقيقة عبر وسائل الاعلام، وهنا اصبح امتلاك قضية سامية غير كاف لعولمتها بدون تغطية وسائل الاعلام التي امتلكت مفاتيح العقول والقلوب.
زيارة الاربعينية كما يحلو للعراقيين تسميتها، تمثل اكبر تجمع بشري عقائدي بالعالم. اعداد مليونية قل نظيرها تزحف نحو مدينة كربلاء على بعد مئات الكيلومترات قد تصل الى ما يقرب من 500 كيلومتر من اقصى جنوب العراق، في رحلة تمتد على عشرين يوما (من اول صفر حتى العشرين منه)، وينطلقون باعداد غفيرة من محافظات الوسط والجنوب كافة، وسكان العاصمة بغداد وديالى وبعض الاقضية والنواحي الشمالية، يضاف لهم الوافدون من خارج العراق والذين يدخلون من الحدود البرية لدول الجوار او عن طريق النقل الجوي، ليجتمعوا جميعا في كربلاء المقدسة في مشهد قل نظيره في العالم وربما لا يشابهه اي تجمع عالمي من حيث التنظيم والخدمات المجانية.

اذ تمثل مدينة كربلاء المقدسة العاصمة الدينية لغالبية الشعب العراقي، يجتمعون فيها بافراحهم واحزانهم، فضلا عن اجتماعهم التقليدي في نهاية الاسبوع رغبة في كسب الثواب وتجديدا لبيعة الولاء لثورة سيد الشهداء الامام الحسين عليهم السلام. واعظم الزيارات من حيث الاعداد البشرية هي زيارة الاربعينية التي تصادف في العشرين من شهر صفر، ذكرى عودة سبايا الامام الحسين عليه السلام من الشام وزيارتهم قبور شهداء الطف الذين استشدوا في واقعة كربلاء عام 61 هجرية على يد الجيش الاموي بقيادة عمر بن سعد وبامر من يزيد بن معاوية.
ومنذ ذلك التاريخ يواظب الشيعة_ والعراقيون منهم في اغلب الاحيان _ على زيارة الامام الحسين بهذه المناسبة وتعرضوا لابشع انواع المعاملة وانتهاكات حقوقهم من قبل السلطات الحاكمة على مر التاريخ، واستمر الحال الى ان جاءت حقبة ما بعد الحكم الصدامي حيث فسحة الحرية التي منحت للشعب العراقي والشيعة من الدول الاخرى في ممارسة شعائرهم من دون قيود.
وسائل الاعلام الدولية مارست ابشع صور التعتيم الاعلامي خلال سنوات القمع التي كان يمارسها نظام صدام حسين خلال فترة تحالفه مع المحور الغربي، وحتى بعد تحوله الى خصم لدود ادت خلافته العميقة الى الاطاحة به، وبعد عام 2003 استمرت وسائل الاعلام الغربية بنفس طريق التعتيم الاعلامي، او توظيفها بطرق تحرف مسار الزيارة واهدافها النبيلة، وحتى حينما تتناولها فهي تقطع اوصال التاريخ لتقدمها بدون اي جذور ولا اهداف.
وغالبا ما يعترض الكثير من خبراء الاعلام في العراق طوال السنوات الماضية على الطريقة التي يتم تناول الحدث العراقي بشكل عام والزيارات المليونية خصوصا، اذ تبتكر تلك المؤسسات الكبرى طريقة خاصة لتناول الحدث العراقي كجزء من استراتيجياتها في التسويق لقضايا سياسية معينة بما يخدم الاطراف الممولة لها.
في هذا الموسم تم رصد ممارسات لا تتوافق مع المهنية واخلاقيات العمل الصحافي التي ابتكرتها وتروج لها وسائل الاعلام الغربية الكبرى وعلى رأسها وكالة رويترز وقناة بي بي سي البريطانيتين (عينة الرصد لمقالنا)، اذ حاولت الاولى تقزيم الزيارة الى اعداد غير معقولة فيما قامت الاخرى بتوظيفها في اطار سياسي لا يخلو من لغة تحريضية طائفية.
تقزيم الزيارة المليونية
في وكالة رويترز نشرت موضوعا مقتضبا يتحدث عن مئات الالاف يتوافدون الى مدينة كربلاء ونساء يحملن اطفالهن وزوار من ايران وباكستان والبحرين. وخلفية خبرية تذكر بان الزوار كانوا يتعرضون لتفجيرات ارهابية.

في هذا الخبر حاولت الوكالة طمر الحدث بطريقة مروعة، اذ ان الصحفي لديه ما يسمى بـالاسئلة الستة التي يجب على كل صحفي ان يجيب عليها ليعتبر موضوعه مطابقا للقواعد المعمول بها في وسائل الاعلام، وهذه الاسئلة هي من، ماذا، اين، متى، لماذا، كيف، لكنرويترز لم تجيب على هذه الاسئلة.
فالسؤال الاول من يجيب عن الفاعل الاساسي في الحدث او اطرافه الاساسية، وفي حدث زيارة الاربعينية كان الطرف الاساسي هو الزوار والاطراف الاخرى هم اصحاب المواكب الذين يقدمون الخدمة على طول الطريق، والقوات العراقية التي تحمي الزوار، والهيئات الحكومية التي توفر الخدمات الرسمية.
والسؤال ماذا يجيب عن طبيعة الحدث، انفجار، افتتاح مشروع، مسابقة رياضية، وغيرها والحدث الذي تناولته رويترز هو زيارة مليونية يشارك فيها اناس من داخل العراق وخارجه تجمعهم فكرة الولاء الديني.
والسؤال اين يجيب مكان وقوع الحدث والدائرة التي يجري فيها، ومكان الزيارة هو الهدف النهائي للزوار في كربلاء المقدسة.
والسؤال متى، يجيب عن زمان الحدث وهي الفترة الممتدة من بداية شهر صفر وحتى العشرين منه، بالاضافة الى خلفياته السابقة.
والسؤال لماذا، يجيب عن اسباب الحدث، وفي زيارة الاربعينية احد اهم اسبابها هو مواساة اهل البيت وتجديد البيعة، وتاكيد الانتماء لخط اهل البيت عليهم السلام، ليكون بالنهاية احد اهم الطقوس السنوية.
والسؤال كيف يعني طريقة وقوع الحدث وتطور الاحداث فيه، وهي طريقة مجيء الزوار من اقصى جنوب العراق حتى مدينة كربلاء لمسافة تصل لحوالي 500 كيلومتر، وامور اخرى، وبالطبع ما ذكرناه هو المرتكزات الاساسية لهذا الحدث المليوني اذا ما اريد تناوله بطريقة مهنية صحيحة.
وهنا نسال هل خبر رويترز، كان مستوفيا لهذه الشروط؟ الاجابة واضحة ولا تحتاج الى تفسير، فالوكالة العالمية مارست عملية تقزيم الحدث وهو خلاف للمصداقية، ولم تجيب على جميع الاسئلة الصحفية الستة وبعض الاجابات التي اوردها لم تكن كافية ابدا، فكل اجابة منها تحتاج الى عشرات الموضوعات المنفصلة لتوضيح جزء بسيط منها، وهنا مارست رويترز، تعتيما اعلاميا على حدث كبير جدا.
توظيف الزيارة في الصراعات الدولية
لكن ما فعلته البي بي سي قد يكون اسوأ بكثير مما قامت به رويترز فالقناة البريطانية بي بي سي التي يقدسها الكثير من الصحفيين العرب، قامت باخذ جانب واحد من الحدث وابرازه باعتباره هو الكل، وبعد ان حصرت الملايين في خبر صغير، ذكرت بي بي سي في الشريط النصي اسفل التقرير السي جي ما نصه كربلاء تحيي ذكرى (اربعينية الحسين) وسط استنفار امني لتامين اكثر من 2.5 مليون زائر ايراني. والصحفيون يعرفون ان هذا الشريط يمثل خلاصة الحدث واتجاه القناة ازاءه.
هذه التغطية غير المنصفة لاقت ردود افعال غاضبة من قبل الصحفيين العراقيين الذين وجدوا فيها تحريفا للحقائق واقحاما للمارسات الدينية في الصراعات الدولية الكبرى، اذ كتب الصحفي سلام الحسيني على صفحته في فيس بوك، ان قناة بي بي سي تسقط في وحل الانحطاط الاعلامي، وهذا ليس جديدا على من يتلاعب بالمفاهيم لتضليل العالم بالمال الذي توظفه ادارة المخابرات الدولية وكل من له خلاف (...) لفرض الاسقاطات الخبيثة على العراقيين (...) ماذا يعني رقم 2مليون زائر ايراني امام ما يقرب من 20 مليون اخرين؟ لماذا تهتم البي بي سي بالرقم الاول بدل الاخير؟ لمصلحة من تسعى القناة لتحديد هوية الزائر؟.
اذا هي لعبة سياسية كبرى وصراع دولي يريد استخدام كل ما هو عراقي كوقود لحرق خصمه، واذا فقد الحدث العراقي مقومات الصراع يتم تهميشه بكل بساطة مهما حمل من معايير العمل الاعلامي وقيمه الاخبارية، وحينما يتم اعداد عشرات التقارير عن مولود جديد لحيوان الباندا باعتباره حدثا استثنائيا، مقابل تجاهل اناس يجمعون قوت 365 يوما من اجل اطعام غيرهم رغم الفقر والحرمان؛ هنا يصبح عدم الايمان بنظرية المؤامرة هو مؤامرة بحد ذاته او جهلا بمجريات الامور.

زيارة الأربعين وبركات الحسين عليه السلام
لا تحتوي كل الامم والشعوب على نفس القدر من الثروات والهبات الطبيعية، بعضها فقير الى حد اليأس، وبعضها غني الى حد التخمة، لكن هذا ليس مقياس على استقرار الدول وقوتها، فهناك من يوظف النعم الموجودة في بلاده ويسخرها لبناء مستقبل مزدهر حتى لو كانت قليلة، وهناك من يبعثر ثرواته المادية والمعنوية ويصبح العوبة بيد الدول الاخرى.
العراق، قال عنه علماء اسرائيل بأنه: البلاد التي انحاز لها الرب. لأن الله قد وضع فيها نعم كثيرة، مادية ومعنوية، فهو ارض الزراعة والانهار والنفط، والانسان المعطاء. وهو صاحب الارض التي احتوت الانبياء والمرسلين والاولياء واهل بيت النبي الاطهار، والصحابة، والعلماء والمفكرين والادباء.
ومن بين اهم النعم التي حبا الله بها ارض العراق، ان جعلها المكان الذي فجرت فيها ثورة الاصلاح الاسلامية الاولى، عندما هم حفيد النبي محمد (ص)، الامام الحسين (ع)، لإصلاح النظام السياسي الفاسد في عصره، فضحى بحياته، كي يبقى علامة مضيئة في التاريخ.
ان مشهد انجذاب ملايين الناس للطواف حول هذا الرجل، هو مشهد محزن ومفرح في نفس الوقت، محزن لأن هذه البلاد تعاني من مشاكل كبيرة، ومفرح لأن ارض العراق قد تحولت الى مزار، يأتيه الناس من كل فج عميق.
الحكومة العراقية من الممكن ان توسع بركات وجود الامام الحسين على ارضها، عبر آليات مدروسة لا تمس قدسيته كشخصية اسلامية، لكنها تجعل من البلاد التي سالت فيها دماءه نموذجا في التقدم والاستقرار والازدهار، ومن هذه الاليات:
اولا – الهوية الوطنية:
لم نسمع ان هناك بلاد على وجه الارض تقدس تربتها، وتقبلها، وتزداد حسنات من يصلي عليها، الا ارض العراق. اذن، الامام الحسين عليه السلام قد اضفى قدسية على ارض بلادنا.
ومن جهة ثانية لا يوجد في العراق من يبغض هذا الشخص او لا يفتخر بالانتماء اليه، بل ان جميع الاديان والمذاهب والقوميات والملل والنحل، تهفوا قلوبها اليه.
إذا كان الامر كذلك لماذا لا يتم التعامل مع قضية الحسين على انها قضية وطنية. ان التعامل مع القضية الحسينية على انها قضية وطنية عراقية، سيزيد من قدسية ارض العراق، وسيفوت الفرصة على اولئك القائلين بأن الحسين عليه السلام هو يمثل هوية فرعية تهتم بها الدولة دون غيرها.
ثانيا – السياحة الدينية:
ومن بركات الامام الحسين (ع) التي تجهلها النظم السياسية العراقية المتعاقبة، هو السياحة الدينية، فحتى القران الكريم قد ذكر بأن في الحج منافع تجارية، ومن هذا الباب من الممكن ان تشكل وزارة كاملة للسياحة الدينية، مهمتها البحث عن فرص الاستفادة الاقتصادية، بحيث تكون مواسم الزيارة مواسم للخير والنماء، عبر ايجاد آليات وقوانين تدر العملة الصعبة على البلاد، مثل قطاع الفنادق وقطاع الخدمات والنقل، ووسائل الاعلام. وهذه كلها مصادر للدخل القومي فيما لو تم استغلالها من قبل الدولة.
ثالثا – القضاء على الفساد:
من الخطأ حسب وجهة نظر اغلب علماء الدين، النظر الى قضية الحسين على انها صراع بين يزيد والحسين (ع) فحسب. بل هي صراع بين الفساد والاصلاح. اذا تم تنشئة الاجيال العراقية القادمة، على ان مكافحة الفساد اي كان نوعه وعصره هو جزء من الدين وهو اقتداء بالحسين وثورته، فسنخلق ثقافة اصلاحية عامة، تنبذ الفساد وتحرمه وتحترم الاصلاح وتقدسه.
وهذه العملية تحتاج الى اعادة كتابة التاريخ الحسيني، وضخه الى المتلقين عبر وسائل التنشئة المعروفة، من مدارس ووسائل اتصال ومنابر رجال الدين، وغيرها.
اذن، في القضية الحسينية بركات وخير ومنافع للبلاد وخير كثير، لابد من استغلاله لجعل العراق بلدا نموذجيا، يقول الناس عنه يوما لقد من الله عليه بأن زرع في ارضه قطرات دم الحسين، فانبثقت منها ونبتت عليها ومنها: الزراعة والصناعة والاستقرار والامان والقوة والتضحية.

عينٌ على الأربعين.. قراءة المثقفين للحدث والصورة
رأى عدد من المثقفين العراقيين والعرب أن المليونية الأربعينية في كربلاء تمثل اليوم صورة حية لتوق الإنسانية إلى الحرية ورفض الظلم، وشغفها بالبطل المصلح والفادي المنادي بحقوقها "الحسين".
وقد سجل استطلاعي لآرائهم جملة من الالتفاتات المهمة والنقاط الجديرة بالقراءة والتأمل.. فإليكموها من أرباب الثقافة كما هي:
الدكتور أحمد راسم النفيس (كاتب وناشط مصري):
إنه مشهد يقترن فيه الوعي والبصيرة مع الشجاعة والتضحية بالنفس وهما أمران إذا اجتمعا لدى الجماهير يشكلان سلاحا لا يقل مضاء عن السلاح النووي بل هما أمضى منه لأن السلاح النووي سلاح تدمير شامل وخراب، في حين أن ثنائي (البصيرة والشجاعة) هما سلاح بناء ونماء.
بعد أربعة عشر قرن من الزمان لم يعد الإمام الحسين وحيدا فريدا في ثلة قليلة من الأهل والأصحاب بل أصبح له جيوش مليونية تهتف: لبيك يا حسين، امض بنا حيث شئت ولو إلى عنان السماء.
بعد أربعة شعر قرن أصبح يوم العاشر من محرم ويوم العشرين من صفر يوما يحيي ذكرى الشاهد والشهيد (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ).
محمد عبد الجبار الشبوط (رئيس شبكة الإعلام العراقي سابقاً):
الطاقة الروحية التي تدفع الناس الى زيارة الأربعين يمكن أن تدفعهم الى نشاطات إيجابية اخرى.. الذاهبون مشيا لزيارة الامام الحسين والقائمون على خدمتهم يجسدون مفهوم "المواطن الفعّال"..
لنترك قليلا ما في نفسي ونفسك من ملاحظات عن ممارسات فردية او جماعية تجري هنا وهناك باسم الامام الحسين في زيارة الأربعين لان استحضار هذه الملاحظات دائما يحمل معه خطر حرمان الناظر من روية المعنى الايجابي او المعاني الإيجابية لزيارة الأربعين.
عملياً. نحن نشهد ولادة وتكون مظاهر اجتماعية بدوافع دينية في هذه المناسبة سنويا. ما نشهده هو ظواهر "اجتماعية- دينية"، وككل الظواهر الاجتماعية فإنها قد تنطوي على سلبيات، تقابلها ايجابيات، وهذا ما يفرض علينا ان ندرسها على هذا الاساس بحثا لا عن السلبيات، وانما عن الايجابيات، لأننا في نهاية المطاف معنيون اجتماعيا ودينيا بالاستفادة من هذا الايجابيات.
يجري سنويا اتساع وتعميق ارتباط الناس بحدث تاريخي فريد ذي دلالات سياسية ودينية واجتماعية عميقة ومهمة مثل: طلب الاصلاح، ومثلي لا يبايع مثله، هيهات منا الذلة، الخ. وهذا امر نافع اجتماعيا.
كما يجري سنويا اتساع ظاهرة التسابق في فعل الخيرات للآخرين، من بذل المال بلا تحفظ من اجل اطعام الناس وإسكانهم وتوفير الخدمات المختلفة وتقديم اسباب الراحة لهم وهم يحثون الخطى مشيا نحو مرقد الامام الحسين.
يجسد هذان الأمران مفهومين في غاية الأهمية وهما: الإيمان بقضية عادلة، والتطوع من اجل الخير العام. ولا يمكن لأي مجتمع ان يتطور ويتقدم بدون هذين الامرين. بل هما افضل ما يمكن ان يقدمه مجتمع ما لنفسه وللعالم من حوله.
ولهذا أقول: إن زيارة الأربعين، بكل ومختلف ما تنطوي عنه من ممارسات وأفعال، تخرج الى العلن افضل من في مجتمع المؤمنين من صفات خيرة، وتفعلها، وتراكمها، ما يشكل طاقة مجتمعية هائلة قادرة على فعل الكثير الكثير لصالح المجتمع ككل. ما عليكم الا استثمار هذه الطاقة بشكل يسهم في بناء حاضر افضل.
بلحسن اليحياوي(أديب وناشط تونسي):
هل يمكن عد خطوات "المشاية" في مسيرة الاربعين؟ خطر هذا السؤال بذهني وانا أطل على جحافل العاشقين الزاحفين نحو قبلة الهوى ومهوى القلوب من شاشة التلفاز. ما المغزى وما المعنى وما الدافع وما كل هذا الجهد المبذول؟ كل هذه الأسئلة لا يجيب عنها إلا أولئك الذين يؤثثون الطريق الى كربلاء بأسمى معاني الجود والسخاء.. نساء رجال أطفال، فأباريق الشاي وصواني الفاكهة وصحون الأرز وقوارير المياه وأصوات الداعين بل المتوسلين بالمشاية في طريق الحسين أن يجلسوا الى موائدهم ويباركوا مجالسهم وفي الطريق أيضا في كل القرى تفتح البيوت أبوابها تحتضن الزائرين.
كل الأسئلة لا يجيب عنها عقل بارد رياضي وإنما يجيب عنها فؤاد يجيش بحب الحسين.. ومن هذا الحسين؟ إنه قبلة الثائرين وجرح ينزف منذ أبد الآبدين وعطش لا يسقيه بكاء الحافين بمرقده ونداء الناظرين الى مسجده ونشيد الواله بذكره وأبيه وأخيه وجده وبنيه.. حسين، حسين، حسين، ولا ينقطع النفس ولا تمل الألسن ولا تكل الأيدي الداقة على الصدور لوعة وعشقا وحبا وولها. أسئلة الحسين لا يمكن للغات الإجابة عنها. أسئلة الحسين ستبقى إلى الأبد.. صرخة في وجه الظلم ولوعة في قلوب العاشقين ووعدا ينير ظلمة الآملين وعهدا على لسان المؤمنين وصورة راسخة أبدا في أذهان ووجدان وعقول الثقلين يؤثثها ملايين الزائرين وشعب الرافدين.
الدكتور علي شمخي (أستاذ جامعي وإعلامي):
هذا الفيض الإسلامي الذي تشهده كربلاء يتدفق من كل بقاع العالم ويحمل مدلولات انسانية بالتضامن مع نداء ابي الأحرار الحسين عليه السلام. وقد أصبحت أربعينية الإمام الحسين سفراً رائعاً لإعلان الولاء للرسالة المحمدية التي لولا دماء الحسين الشهيد ما كان لها ان تتوهج من جديد وتقاوم الطغيان والفساد والظلم.
يكفي أن نقول ونحن نشاهد هذه الحشود المليونية إن الحسين وحد هذه الأمة وهو اليوم رمز إنساني ومنارة للشرق والغرب حاضرا بأفكاره وسيرته حيا يرزق بشهادته في سبيل الله.
محمد الميالي (كاتب وشاعر):
كربلاء بوابة فتح آت.. فتح بعين الله.. بجمال يوسف.. وأسرار فتية الكهف.. وبرد وسلام نار ابراهيم.. وتراتيل عيسى في مهده.. وطوفان نوح.. فتح بين شفرتي ذي الفقار.. وتكبيرة الانتصار فتح بين كفي أبي الفضل وقربة اﻹرواء.. فتح شعاره هيهات منا الذلة.. فتح (لا) الرفض وصلاة الفرض تحت ظلال النبال.. كتب بوريد عبد الله الرضيع الظامئ وختم بدم وريد سيد شباب اهل الجنة الامام الحسين عليه السلام ليخط دستور الحياة الدنيا واﻵخرة على جبين السماء. ها هو من كربلاء من القصر الملكي العالمي يعلن البيان رقم واحد لبسط السلام ما بين مشرق اﻷرض ومغربها. فحق على اهل اﻷرض ان تهتدي بهدى اهل السماء وتستنير بمصباح الهدى وتركب في سفينة النجاة.. الطوفان قادم فويل ﻷعداء اﻹنسانية أينما وجدوا. وطوبى لعشاق الحرية وطلابها. الحسين عليه السلام قادم بفتحه الموعود. والأربعينية المليونية هذه تجسد عالميته الموعودة.
الدكتور عبد عون المسعودي (أستاذ جامعي):
الزيارة الأربعينية تعد من أهم الشعائر الدينية الحسينية المقدسة من حيث آثارها وحجمها وتفاصيلها فهي مناسبة إنسانية يشترك فيها الناس باختلاف دياناتهم وطوائهم معتبرين أن الحسين عليه السلام رمزا ثوريا للتحرر من الطغيان. كما أنها من وجه علم النفس تجعل من الزائر يشعر بأنه متصل مع الله وبالتالي يشعر بالأمان وتجعل من الزائر يشعر بالانتماء لهذا الكم الهائل من الناس وهنا سيتولد لديه الشعور بالقوة والتوافق. وتنمي الكثير من القيم الإيجابية كالكرم والتسامح والمحبة والتضحية من أجل الآخر وغيرها.
الدكتورة إسراء شاكر (أستاذة جامعية):
صورة رغم الألم الذي يعتريك حين تسترجعها في مخيلتك إلا انها تمنحك قوة تنفذ الى العقل والروح.. صورة تعطيك معنى واحد يفنى الجسد وتبقى الروح الحقيقية والمؤمنة والصادقة لتمتد كشجرة اصلها ثابت لتمتد الى سماء الخلد والنور.. صورة رجل أعطى في سبيل الحق ونصرة المظلوم نفسه وأهله فداء.. ظمأ الحسين الذي نرتوي منه الى الآن نهر جار يمدنا بالخير والنماء بحب الله وحب الرسول المصطفى وال بيته الأطهار "عبد الله الطفل الرضيع اول روافده.. والعباس سيله الجارف ووو.. لينتهي مصبه عند العقيلة زينب سلام الله عليها لتكون محيط العلم والحق والنصر بعد السبي والانكسار بوفاة الاهل.. اربعينية الامام الحسين قاموس جامع لكل المفردات التي نحن بحاجة اليها في وقتنا الراهن لننهض بوطنٍ وشعب وارض اندثرت لولا وجود روح الحسين واهله واصحابه فيها.. هذا ما استحضرته في هذه اللحظة واعتذر عن قصر نظر كلماتي فقامة الحسين اكبر واعلى من بصري وبصيرتي.
محمد الدريني (ناشط مصري):
الأربعين العظيمة هذا هو اسم الفيلم العالمي الذى اخترته عنوانا لكلمتي والذى تبلغ تكاليفه(٢٠٠ مليون دولار) للمخرجة الأمريكية كاثرين إيجلو بعدما احتلت فاجعة كربلاء مساحة من ضميرها مثلها مثل فريا ستارك التي قالت: إن مقتل الحسين من القصص التي لا أستطيع قراءتها دون ان ينتابني البكاء.
أما جلهارد كونسلمان فقال في موسوعته تعليقا على فعاليات الاربعين: إن بإمكانها أن تهز العالم فيما لو سلكت طريقها الصحيح. واعتقد ان ذلك سوف يكون من بين ادوات الطالب بدم المقتول ظمآنا في كربلاء ليهز العالم حين تطأطأ له كل الرؤوس.
الدكتور محمد الطائي (أستاذ جامعي):
ربما ستتجاوز كلمتي حدودها لتسجل ما يجيش في صدري اتجاه هذا الحدث العالمي بمقالة تحت عنوان (الزيارة الاربعينية شعيرة أم مشروع حضارة). فأقول: قبل ما يقرب من الف واربعمائة عام وتحديدا في يوم الاربعين لشهادة الامام الحسين عليه السلام، وصلت صعيد كربلاء، قافلة العز والاباء لتسجل المشهد الاخير لأعظم واقعة عرفها التاريخ البشري، وهي تحمل بين انفاسها جبال الالام الاحزان التي كتب الله لها الخلود لتظل حية حاضرة في نفوس الملايين من محبي الامام الحسين عليه السلام عبر التاريخ.. لتكون حاضرة اليوم وهي تتجسد في تلك الحشود المليونية التي عبرت حدود الجغرافية المكانية والزمانية والحضارية.. فالزيارة الاربعينية اصبحت أنموذجا حيا للتلاقح الفكري والالتقاء الحضاري واضحت مثالا حيا للتعايش السلمي وتطبيقا ميدانيا للتكافل الاجتماعي ولا يبالغ المتتبع لأحداث تلك الزيارة اذا قطع بانه لا يوجد انموذج عبر التاريخ يجسد المعاني الانسانية كالزيارة الاربعينية. لذلك ينبغي على عالم اليوم الذي يعد الارهاب الفكري اكثر واخطر ما يهدد الوجود الانساني في وقتنا المعاصر.
اقول يجب عليه ان يوظف هذا التقارب الانساني الراقي في تلك الزيارة المباركة في محاربة الارهاب ومواجهة التطرف والتكفير. لأن ثمار تلك الزيارة المباركة هي الدواء النافع والبلسم الناجع.
جمال أمين (ممثل ومخرج سينمائي):
إن المسيرة اتجاه قبلة الحرية كربلاء هي مسيرة صوب الحق ضد الباطل. أصبح الناس في الكثير من دول العالم ينظرون إليها باهتمام بالغ أنها مسيرة صوب الله صوب الحرية صوب النقاء. إن الحسين هو الحقيقة الوحيدة بكل معنى الكلمة. عندما أرى هذه الملايين وهي تزحف صوب كربلاء أشعر بمدى ما قام به الحسين من ثورة أزلية أبد الدهر.
حميد الهلالي (إعلامي وناشط سياسي):
لحظات عرفانية يعيش بها الانسان المحب لأهل البيت ايام تطهير روحي وتسامي في خلق لا مثيل له يتجسد بهذا العطاء المالي والجسدي والروحي. ان زيارة الاربعين ظاهرة لم تحظ بحقها من الدراسة والبحث.. فهي مجاهدة للنفس كي تجود بأفضل ما لديها من سلوك وخدمة وتواضع وعطاء ومفارقة لكي الأطر السابقة وتسابق على الخدمة تضيع به الرتب والمناصب والالقاب.
انه فيض حب حسيني تجسد بأفضل صوره حينما صدرت فتوى الجهاد الكفائي فتسابق الحسينيون نحو سوح القتال محملين بهذا الولاء والعشق والرغبة بالتضحية. وهذه الزيارة فرصة للتذكير بان هذه الثورة قامت للإصلاح وما أحوجنا اليوم لمقارعة الفاسدين واصلاح شان البلد. فعراق الحسين لا يليق به ان يكون مخربا وهو يزخر بكل هذه الثروات واولها ثروة ثورة الحسين.
منير راضي (كاتب ومخرج مسرحي):
للحسين عليه السلام دروب لا يفقهها إلى المخلصون وفي مقدمة ركبها الإصلاح والتبصر.
فرح صلاح الجراخ (إعلامية):
أثبتت زيارة الأربعين أن حب الحسين عليه السلام منزل من الله. فهذا الجمع الكبير من شيعة آل البيت يأتون من كل بلد ويتحملون المشاق في سبيل رضا الله وحباً بإمامهم الحسين. وأثبتت ان شعب العراق هو الشعب المختار من الله لهذه الخدمة وهي خدمة زوار الحسين عليه السلام وهي معجزة خصها الله بهم فالخيرات تزداد والعطاء يكبر والتضحية تتعاظم فهنيئاً لهم وفخراً لنا بأننا من اتباع الحسين ومن بلد الائمة "العراق".
عدنان السوداني (كاتب ومحلل سياسي):
لابد للإنسان المؤمن أن يستوعب الواقع الذي يعكس في دواخله ابعاد صورة الحشود المليونية التي تمتد على مسافات طويلة تصل الى مئات الكيلومترات والى تلك الخيرات والبركات التي تعكسها صورة جهد الخيرين من محبي أل البيت عليهم السلام والتي لو أوكلت إلى أي دولة لا تستطيع فعل ذلك في ظاهرة تدلل على ماهية وإبعاد العشق الحسيني والتي لو أسأل كل واحد من الذين يدعون العلم والدين لا يستطيعون الإجابة على ذلك ويبقون فاغرين أفواههم في دلالة على عجزهم.. هذه البركات الحسينية تشمل الجميع.. الصغير والكبير، الغني والفقير، المرأة والرجل.. ابن البلد والغريب.. كلهم عشاق الحسين ممن تزداد وتستمر مسيرتهم كل عام..
نهلة غازي(محامية):
هذا اليوم تاريخي قبل أن يكون يوما إسلاميا ويجب الظهور فيه بمظهر القوة والشجاعة و الذكاء امام العالم لأنه ينقل إعلاميا وهو يوم لتجمع المسلمين لأجل هدف معين لا يجب التثقيف له امام البسطاء انه يوم مسير من اجل الغذاء. ولمن يكون عاطلا عن العمل أو هو يوم تسلية. يجب أن يكون هناك توجه لجعله يوما تظهر فيه تجمع رجال المسلمين ووحدتهم الاسلامية لأنه يوم غير طائفي حدوثه حصل قبل وجود مذاهب الاسلامية. أساسه محاربة الظلم وسيبقى.. ويجب ان لا يتحول الى كرنفال انما ذكرى تاريخية تستحق التجمع يعني ذكرى احياء الدولة الاسلامية واستمرارها.
حسنين الحسون (صحفي):
الزيارة الأربعينية ليست مجرد مسير جسدي نحو مكان ما، بل هي ميدان واسع من التجارب الإنسانية في اجمل صورها. الكل يعرف أننا شعب مولع بالتقاليد والاعراف. نخاف على نسائنا حد الموت. نمتلك عزة نفس هائلة. وأنفة شموخ كبيرة.. كلها ذابت في مسيرة الامان. فرغم حجم المساعدة الهائل من الجميع للجميع نرى هناك قدرا كبيرا من الحرية وعدم التدخل في شؤون الاخر.. هكذا رأيت المسير، مسير الامان نحو إمام الامان والطمأنينة.
الدكتور عبد العظيم الجميلي (أستاذ جامعي):
الأربعين تجديد الامضاء على وثيقة مفادها تهذيب الأنفس والاقتداء بنهج القرآن والسنة والائمة الاطهار في الاصلاح والتضحية من اجل مناصرة المظلومين ومحاربة المفسدين واحترام الانسانية.
عادل الصويري ( شاعر):
هذه الزيارة تؤصل قيم التصالح مع الذات عبر كرنفال أنسنة كبير تشهده كربلاء، وكأن القدر أراد لهذه البقعة من الكرة الأرضية أن تكون أيقونة إنعاش للذهنية البشرية، واستيقاظ الأرواح المتحدة مع رمزها الحسيني العظيم الذي صار هوية جمعية، ومقصداً لكل باحث عن قيم التضحية والتسامح.
حسن شاكر الأسدي (صحفي):
زيارة الأربعين أو المشروع الحسيني هو تجمّع سلمي وتظاهرة ضد الفساد في أي مكان من المعمورة وهو ثورة اصلاحية ضد انظمة الظلم والاستبداد اينما كان في العالم ومدرسة لتخريج اجيال تكون قادرة على قيادة المستقبل لتأمين مستقبل آمن للبشرية جمعاء من منطلق الحسين للجميع.
طالب الدراجي (ناقد أدبي):
طوال تاريخ عريق وطويل محفوف بالمخاطر والتضحيات الجسام، وحدها زيارة الأربعين، تمتاز بنشاط يخترق أعتى جدران الظلام وعروش الاستبداد، هذه الزيارة التي تشعل روح المغامرة في أفئدة الموالين، لم يسبق في تاريخ الرحلات أن خاطرت أُمة من الأمم للوصول لمكان ما بمسمى ديني أو كهنوتي أو لاهوتي على امتداد التاريخ كما يفعل أهل هذه الأُمة لزيارتهم قبر الإمام الحسين عليه السلام. لم يحدث أن تعرض لمثل ما تعرض له أهل هذه الأمة بسبب ممارسة طقوس الزيارة، حتى الحج لم تحدث فيه قصص بحجم ما تحدث في قصص زوار الاربعين.
للحسين حرارة في قلوب محبيه لا تنطفئ إلى يوم القيامة، وعلى مدار التاريخ قُطّعت الأذان والأيدي والأرجل، ودُفعت الغرامات وهدمت البيوت ولم يمتنع الشيعة أو يرهبهم احد من ظلام وسلاطين الطاغوت، لأن زيارة الاربعين بالنسبة لهم، تحد وشعيرة دينية تحفظ لهم هويتهم وتعكس انتمائهم وتؤكد جذرهم.
مسلم الركابي(صحفي):
ملحمة إنسانية تجسدها اليوم أربعينية الإمام الحسين عليه السلام فقد اتضحت للعيان الامتدادات الإنسانية لثورة الإمام الحسين في الجذور مما جعل هذه الثورة تكتسب الصفة الإنسانية العالمية بامتياز واستحقاق وهذا ما شاهدناه من مشاهدات يومية في زيارة الأربعين حيث ذابت جميع القوميات والاجناس والجنسيات في بوتقة واحدة وهي تعظيم ثورة الإمام الحسين عليه السلام والتي شعت بأنوارها في نفوس الإنسانية جمعاء وهذا الجمع المبارك من مختلف القوميات والجنسيات كان هو العلامة الفارقة في زيارة اربعينية الإمام الحسين عليه السلام.
نجاح ناجي اللوزة (صحفي):
الحسين عليه السلام نبراس شع على الأمة الإسلامية بنور الهداية وتثبيت أركان الاسلام ودعائم الحق ودرس للبشرية بأن الدم ينتصر على السيف ولتعلم البشرية المعمى العميق لأعظم شعار ألا وهو هيهات منا الذلة.
أمين السلامي (ناشط مدني):
الزيارة الأربعينية دروس كبيرة، صور ومفاهيم صعبة الترجمة.. الشعيرة التي تساهم بشكل فعلي بتهذيب النفوس ففي كل عام نجد ازدياد الوعي.
عبد الرضا الويساوي (إعلامي):
زيارة الأربعين موسم لإنعاش الروح وجلي القلوب وايقاظ الضمائر وفرمتة العقيدة وتثبيت الإيمان. والتوقيع الولائي في قائمة العزاء للحجة المنتظر وجدته فاطمة الزهراء عليهما السلام .
عماد الشرع (إعلامي وناشط مدني):
في كل عام يكسب الزائرون الى ارض ألطف وعند قبر الامام الحسين الرهان.. رهان التمسك والثبات على المحبة والسلام. زيارة الأربعين تكون أعمق وادق في النظرة والمعرفة حينما تعيشها مع الماشين من البصرة او بغداد صوب كربلاء في الطريق تستشعر ذاك الحماس والإيمان والتوجه والبذل والعطاء انه كرنفال العطاء بلا حدود انه تحدي الموت بالحياة فمن كان في قلبه الحسين يعيش ابد الدهر حياً حتى وان نال الشهادة في المشي كل عام الى كربلاء لاشك انك ستحصل على معرفة أناس جدد ورصيد مضاف من الاصدقاء والاحبة من محافظات ومن دول مختلفة.
ميادة السلطاني (صحفية):
هؤلاء الزوار أدهشوا العالم بعشقهم الحسيني دون المبالاة بالحر أو البرد أو الإرهاب لأنهم يؤمنون بحبهم والإيمان بعقيدتهم.
العشق الحسيني تتكسر في وصفه الاقلام وتخرس الالسنة أمام تلك الجماهير الحسينية التي تقطع مئات الكيلومترات حبا بالحسين عليه السلام. ولا ننسى الذين يرسمون في هذه المناسبة صورا في غاية الجود والكرم التي فاقت كل التصورات من خلال المضايف الكبيرة التي تمد من كل المحافظات وصولا إلى كربلاء لأن كلمة خادم الحسين عليه السلام تعني خادم زوار أبو عبد ألله الحسين وهذه الخدمة تنظم تطوعية أو تلقائية دون تدخل أي جهة رسمية ويبقى حب الحسين حاضر في ضمائرنا لأنه رسالة إلهية.
الدكتور فلاح الحسيني (أستاذ جامعي):
زيارة الاربعين تعني اننا مع خط محمد وآله الطاهرين خط الرسالة الخالد خط العقيدة والموقف والمبدأ والوفاء والفداء، الخط الرافض للباطل والانحراف والزيغ والضلال.
زيارة الاربعين ترسيخ للعقائد الحقّة، التوحيد الناصع والنبوة الصادقة والامامة الهادية المعصومة والعدل والمعاد. زيارة الاربعين تجديد العهد مع الله واحبائه بقولنا: نعم لإمامة الحسين وعقيدته وفكره ورأيه واجتهاده ونهضته وتضحيته، و(لا) لأعداء الله ورسوله وأوليائه.
علي الموسوي (إعلامي):
المليونية التي ادهشت العالم اجمع، بعد ان وصل عدد ضيوف الحسين في عاصمته كربلاء، ألى اكثر من 25 مليون شخص، وهو تجمع لم يشهده العالم. إحدى اهم معاجز اربعين الحسين عليه السلام، هي انها تنظم تلقائيا دون تدخل اي جهة رسمية او دولية، فهذه الملايين الهادرة نحو كربلاء الحسين عليه السلام، لم تأخذ إذنا من احد ولم تتلق اوامر من احد، فحب الحسين كامن في نفوس زواره، وهذا الحب هو الذي يدفع الملايين من البشر نحو كربلاء.
اما معجزة المضيف الذي يحتضن كل هذه الملايين الهادرة، ويوفر لهم المأكل والمشرب والمبيت والامان وكل اسباب الراحة من اخر شبر من جنوب العراق الى كربلاء وايضا من الشمال مرورا ببغداد وصولا الى كربلاء والغريب تشاهد المسلم والمسيحي والصابئي والعربي والكردي الكل يجتمع تحت راية واحدة وهنا تبين ان الحسين لجميع الأحرار واصحاب الضمائر الحية.
زهراء الكناني (صحفية):
لا يخفى عن الكثير فضل زيارة الإمام الحسين في الأربعين استناداً لأحاديث أهل البيت وامتداداَ لموقف الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري الذي تزامن مع عودة عائلة الحسين عليه السلام من الشام.
أما من الجانب الفكري فأن زيارة الأربعين تنتج تلاقحا فكريا عن طريق التواصل المعرفي, فالتقاء الحضارات بين المشرق والمغرب هو الركيزة الأساسية, التي بنيت عليها الحضارة من خلال تذكير المجتمع بالمبادئ الحسينية ورفضه للظلم والطاغوت، أما من الناحية الاجتماعية فقد ساد التعايش السلمي بين الزوار من شتى الأماكن من خلال العمل التطوعي الذي نراه في خدمة المواكب دون أدنى تذمر او ملل.

وجع واحد تقاسمه جميع الأنبياء والدعاة إلى الله، كان لهم بمثابة اللعنة التي أجهضت كثيراً من مشاريعهم الإنسانية والحضارية لإنقاذ مجتمعاتهم، ذاك هو وجع \الخذلان\ الذي يتشعب منه \قلة الناصر\ و \نقض العهود\.
مع تقدم العصور وتعدد وسائل الشر والخداع، وكثرة مغريات الحياة، يحدث خلل ما يشوّه فطرة الإنسان، ليجعل من قيم الفضيلة في القاع، فتعتلي الرذيلة وأدواتها قمة هرم الحياة، وهنا يزداد وجع الصالحين والدعاة إلى الله، حيث الشعور بالغربة بعد أن فقد أهل الدنيا بوصلة تحديد اتجاه الحق من اتجاه الباطل.
هناك، على صفحات التاريخ العتيقة، يوثّق الصالحون هزائمهم المتكررة، وهم يعيشون تجارب الـ \خذلان\ الذي انتهى بهم إلى قلة الناصر واجبرهم على \القعود\.
تروي لنا هذه الصفحات، ثمة حوادث ومواقف لا مسؤولة تبنتها المجتمعات المحيطة بالأنبياء والأئمة عليهم السلام، مع مقارنة تعكس حجم إخلاص ثلة طيبة من الأصحاب، اقترنت اسماؤهم بالإمام الحسين عليه السلام، وإنها لمفارقة عجيبة أن يجتمع نسيج واحد من ألوان متعددة بإرادة كانت فوق الانتماء، جمعت النصراني والعثماني والهاشمي في هدف واحد، وهو الدفاع عن بقية رسول الله في أرضه آنذاك، فيما يشير القرآن الكريم إلى أن غالبية الرسل والأنبياء كانوا من أبناء جلدة أقوامهم يعرفون جذورهم، إلا أنهم لم يلقوا منهم إلا الخذلان.
يا موسى.. اذهب أنت وربك فقاتلا!
البداية، مع بني إسرائيل، حيث عرفوا مع نبيهم موسى عليه السلام بواحدة من حوادث الخذلان التي كانت سبباً لنزول العذاب الذي طوقهم، وذلك عندما دعاهم إلى تحرير أحدى مدنهم التي غزاها \قومٌ عمالقة\ وصفهم القرآن الكريم بـ \قومٍ جبارين\، ومع أن موسى حاول مراتٍ عدة تشجيعهم وتبشيرهم بنصر حتمي في حال دخلوا مدينتهم فاتحين لا مدبرين؛ إلا أن الخوف والجبن كانا سيدا الموقف، فاطلقوا كلمتهم الشهيرة: \اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون\، حتى انها أصبحت فيما بعد شعاراً للجماعات المتخاذلة والمتنصلة عن مسؤولياتها!.

ومن هنا، عمد قوم موسى إلى جملة من التبريرات بقولهم: \إنا نخاف أن تسبى عيالنا وأطفالنا بعدنا\ وهو ما لم يخفه أصحاب الحسين رضوان الله تعالى عنهم أجمعين، بل راحوا يتسابقون في تقديم أنفسهم وعيالهم فداءً له.
ومع بني إسرائيل أيضا، ويتجدد الموقف اللامسؤول مرة أخرى في غياب موسى عليه السلام، إذ اتبعوا سريعاً \السامري\ في قصة معروفة، تروي قيادة الأخير لحركة مناهضة للتوحيد من خلال دعوتهم لعبادة العجل، ليُفتتن ويحيط الشرك ببني إسرائيل في أسوأ صورة.
معاجز خارقة لم تُقنع قوم عيسى (ع)!
أما مع المسيح عليه السلام، كانت هناك صورة اخرى من صور الخذلان، تجلت في عدم إيمان قومه بنبوته رغم المعاجز الخارقة الكثيرة التي كان يتسلح بها، والتي طالما استخدمها لإثبات صدق صلته بالسماء، ومنها إحياء الموتى ومعالجة الأمراض المستعصية على الطب المتقدم آنذاك، فضلاً عن علمه بالتوراة ومجيئه بالإنجيل ككتاب سماوي جديد، إلا أن عدد الذين آمنوا به (12) شخصاً فقط، وهم الحواريون الذين أعلنوا إيمانهم المطلق بعد أن قال لقومه يطلب النصرة والإعانة: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّـهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّـهِ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (52 آل عمران).
فأي معجزة خارقة هذه التي تقف دون إيمان القوم؟ ويصدق ويؤمن آخرين بقضية إمامهم دون أدنى درجة من الشك أو الريب أمام بارقة السيوف!.

خاتم الأنبياء: ما أوذي نبيٌ مثلما أوذيت
أما الأمة التي تحدث عنها القرآن الكريم قائلاُ: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ} (110 آل عمران)، فهي الأخرى شاطرت من سبقها من الأقوام في مواقف مشابهة ولا تقل خطورة عما يحدث مع موسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام، وهذا ما ظهر واضحاً في العديد من الحوادث، ومنها ما جرى في معركة \الخندق\ حيث أصاب المسلمين حالة من الخوف والهلع أمام \عمر بن عبد ود\ عندما أخذ يجول بفرسه أمام جيش المسلمين داعياً إياهم إلى المبارزة دون ان يتلقى الرجل أدنى استجابة منهم!.
ولم يجرؤ على مبارزته، وقتها، إلا علي بن أبي طالب عليه السلام، الذي طلب الإذن من النبي صلى الله عليه وآله، مراتٍ عدة لما رأى منهم شدة الرعب، ولعل عدم إعطاء النبي صلى الله عليه وآله الإذن لعلي بالمبارزة كان يستهدف بيان التخاذل الشديد في معركة تاريخية فاصلة آنذاك.
ويمضي النبي صلى الله عليه وآله مبلغاً لرسالته وسط تضييق وتنكيل قومه المتواصل، فمن رميه بالحجارة، إلى نثر التراب على رأسه الشريف وهو ساجد يصلي ولجّهم في أذيته حتى قال: \ما أوذي نبي مثلما ما أوذيت\ وقال أيضاً بعد أن توفى عمه أبو طالب واستضعفه المشركون: \اللهم إني أشكو إليك من ضعف قوتي وقلة حيلتي وناصري...\.
علي (ع) يشكو خذلان أهل الكوفة
بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، تبدأ مرحلة شديدة الخطورة، كشفت زيف وكذب الكثير من المتلونين الذين أظهروا ارتدادهم بعد وفاته، فنُصب العداء لعلي بن أبي طالب وحُرب بقوة على خلافة النبي، واستمرت هذه الحرب حتى بعد أن أصبح رابع خلفاء الدولة الراشدة، حيث اصطف القوم مع معاوية بن أبي سفيان، ونشوب حرب \صفين\ حيث قال علي ابن ابي طالب عليه السلام على إثرها مخاطباً اهل الكوفة: \قاتلكم الله، لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غيظاً، وجرعتموني نغب التهمام أنفاساً، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان..\.
وللإمام الحسن (ع) نصيب أيضاً!
ويتكرر المشهد ذاته مع سبط رسول الله الإمام الحسن عليه السلام، حيث أدى فقد الأنصار والخذلان إلى التنازل عن حق خلافة المسلمين لمعاوية بن أبي سفيان، وتعرضه للكثير من محاولات الاغتيال التي كان يدبرها معاوية بمكرٍ ودهاءٍ شديدين.
وتصل مرحلة الانحطاط بالمجتمع المحيط بالإمام عليه السلام إلى اتهامه شخصياً بـ \خذلان\ الشيعة وإذلالهم، حتى ينقل أن احدهم كان يسلم عليه قائلاً: \السلام على مذل المؤمنين\! .
ويخاطبه أحدهم معترضاً على ذلك ويقول: \..... أذللت رقابنا، وجعلتنا معشر الشيعة عبيدا بتسليمك الأمر لهذا الطاغية ـ أي معاوية ـ ... \.
وكان الإمام الحسين يجيب حول هذا الموضوع قائلا: \والله ما سلمت الأمر إليه إلا أني لم أجد أنصارا، ولو وجدت أنصارا لقاتلته ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيني وبينه \.
ثم يبين الإمام الحسن عليه السلام تخاذل أهل الكوفة بقوله: \ولكني عرفت أهل الكوفة وبلوتهم، ولا يصلح لي منهم ما كان فاسدا، إنهم لا وفاء لهم ولا ذمة في قول ولا فعل، إنهم لمختلفون ويقولون لنا: إن قلوبهم معنا، وإن سيوفهم لمشهورة علينا \.
وحقاً، إنه عليه السلام لو فكر حينها بمحاربة معاوية بن أبي سفيان لقتله قومه واهدوا رأسه لمعاوية!

أوفى الأصحاب
إزاء ما تقدم من حوادث، تنبري ثلة من الرجال النبلاء الصادقين، قدموا أرواحهم وعيالهم يوم عاشوراء دون الحسين عليه السلام، ليتجلى الوفاء بالعهد مع الحسين وصحبه في أبهى صوره، عندما راح يتسابق الواحد منهم تلو الآخر للشهادة بين يديه.
لقد انفرد الحسين عليه السلام بهذه النخبة من الأصحاب حيث ويؤكد هذه الحقيقة بقوله: \فإني لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي\.

نلاحظ في الخطاب الحسيني أنّه ركَّز على بيان المنطلقات الإيمانية له، وحاول جهد إمكانه أن يُقنع بها الآخر، فقد كان خطابه حافلاً بذلك، وكلماته مشهورة، ومنها ـ مثالاً لا حصراً: «فلمّا مات الحسن بن علي ازداد البلاء والفتنة، فلم يبقَ لله وليّ إلّا خائف على نفسه، أو مقتول، أو طريد، أو شريد. فلمّا كان قبل موت معاوية بسنتين حجَّ الحسين بن علي (عليه السلام) وعبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عباس معه. وقد جمع الحسين بن علي (عليه السلام) بني هاشم، رجالهم ونساءهم، ومواليهم، وشيعتهم، مَن حجّ منهم ومَن لم يحج، ومن الأنصار ممَّن يعرفونه، وأهل بيته، ثمّ لم يدَع أحداً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) ومن أبنائهم والتابعين، ومن الأنصار المعروفين بالصلاح والنُّسك إلّا جمعهم، فاجتمع عليه بمنى أكثر من ألف رجل، والحسين (عليه السلام) في سرادقه، عامّتهم التابعون وأبناء الصحابة، فقام الحسين (عليه السلام) فيهم خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أمّا بعد: فإنّ الطاغية قد صنع بنا وبشيعتنا ما قد علمتم ورأيتم وشهدتم وبلغكم، وإنّي أُريد أن أسألكم عن أشياء، فإن صدقت فصدّقوني، وإن كذبت فكذّبوني، اسمعوا مقالتي، واكتموا قولي، ثمّ ارجعوا إلى أمصاركم وقبائلكم مَن أمنتموه ووثقتم به، فادعوهم إلى ما تعلمون؛ فإنّي أخاف أن يندرس هذا الحق ويذهب، والله متمّ نوره ولو كره الكافرون. فما ترك الحسين شيئاً أنزل الله فيهم من القرآن إلّا قاله وفسّره، ولا شيئاً قاله الرسول في أبيه وأُمّه وأهل بيته إلّا رواه، وكل ذلك يقول الصحابة: اللّهم نعم، قد سمعناه وشهدناه. ويقول التابعون: اللّهم قد حدَّثنا مَن نصدِّقه ونأتمنه. حتى لم يترك شيئاً إلّا قاله، ثمّ قال: أنشدكم بالله إلّا رجعتم وحدَّثتم به مَن تثقون به. ثمّ نزل وتفرَّق النّاس على ذلك»[1].
وفي هذا النص عبرة لنا في شدّة اهتمامه (عليه السلام) بإيصال الحقّ والمحافظة عليه من الاندراس، ومواجهة عملية التجهيل المركّب الواسعة التي تقوم بها أجهزة إعلام الدولة التكفيرية الأُموية القمعية التي تُعظِّم الحاكم بالجور (الخليفة)، وتوظّف معالم الدين لخدمة سلطته المعادية لله وللرسول والمؤمنين.
وأيضاً بيان الحقّ في مرجعية أهل البيت (عليهم السلام) في تعريف الإسلام للنّاس، وأنّ أيّ حذف لهم عن مقامهم الذي نصّبهم الله فيه فهو تشويه للدين وإضلال للمؤمنين.
كما قد حفلت كلماته التي وصلتنا بتعاريف إسلامية للمفاهيم التالية:
1ـ الحياة والموت: عند انتشار الباطل وضياع المقاييس: «فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة، ولا الحياة مع الظالمين إلّا برماً»[2].
2ـ الدنيا: فقد رُوي عنه: «عِبادَ الله، اتّقُوا الله وكونوا من الدّنيا عَلى حَذَر، فإنّ الدنيا لو بقيت لأحدٍ وبقي عليها أحدٌ، كانت الأنبياء أحقّ بالبقاء، وأَوْلى بالرضا، وأرضى بالقضاء، غير أنّ الله تعالى خلق الدنيا للبلاء، وخلق أهلها للفناء، فجديدها بالٍ، ونعيمها مضمحل، وسرورها مُكْفَهِر، والمنزل بُلغَة، والدَّار قُلعَة»[3].
3ـ الفتح (النصر): فقد رُوي أنّه أرسل إلى أخيه محمد بن الحنفية: «بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى بني هاشم، أمّا بعد: فإنّه مَن أُلحقَ بي منكم استُشهِد معي، ومَن تخلَّف لم يبلغ الفتح، والسّلام»[4].
---------------------
[1]- الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: ج2، ص18 ـ19. وقد وردت الرواية مفصَّلة في كتاب سليم بن قيس الكوفي: ص320.
[2]- الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأُمم والملوك: ج4، ص305.
[3]- ابن عساكر، علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق: ج41، ص218.
[4]- الصفّار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات: ص502.

لا يخفى على احد في عالمنا اليوم ما تشهده الساحة الدولية من موجات إرهاب حولت حياة العديد من الشعوب الى جحيم، بما عكفت عليه المنظمات الارهابية من تجسيد لصور مهولة من القتل والعنف والذبح الذي لا يفرق بين رجل وامرأة وطفل، ومما يؤسف له ان هذه المنظمات انطلقت في مشروعها الارهابي بجلباب الدين الإسلامي، فحملت الاسلام شعارا وجعلت من فقهه واحكامه ومنهجه مادة لفتاوي القتل والعدوان وأساسا لمتبناها الفكري ومشروعها السياسي في إقامة دولة اسلامية تنفذ ـ حسب زعمهم ـ حكم الله على الأرض، وقد نمّ عن هذه المنظمات ـ بطبيعة الحال ـ وما قامت به من اعمال اجرامية بشعة استياء الملايين من بني البشر، كما أمتد ذلك الاستياء الى الاسلام نفسه عند الكثيرين في العالم بعد أن تعرفوا على الاسلام من خلال هذا النشاط الإرهابي، وتأكد لهم أن آيات الجهاد الموجودة في القرآن وما يحمله الفكر الاسلامي من مفاهيم كمطلقية الله وحاكمية الخطاب الديني على الناس، هي أسباب فعلية للقتل وإلغاء الاخر وعدم التسامح.

ولما كانت هذه الموجات الارهابية قد نبعت بما بات أوضح من الشمس في رابعة النهارـ من جهات وقوى عالمية ذات أغراض سياسية تستهدف الاسلام وشعوبه. لم تعد للذابّين عن الدين الاسلامي والمدافعين عنه من وسيلة للدفاع سوى الاعتماد على حقيقة ان هذا الخط الارهابي بكل ما يحمل من فتاوى ومبان فكرية لا يمثل غير انحراف كبير عن الخط الاسلامي الحق.
ولهذا كان الحسين عليه السلام وشعائره في المقدمة عند متبني الارهاب ومموليه من حيث العداء والعمل على القضاء عليه, لأن ثورة الحسين عليه السلام مشروع عملاق لتأكيد الانحراف عن الخط الاسلامي
ويأتي تأكيد الثورة الحسينية على الانحراف من خلال عدة نقاط:
1- تأكيد الامامة المنصوص عليها من قبل السماء على أنها الاساس في قيادة الأمة, وان الخلافة المزعومة لاتمثل غير انحراف في المشروع الرسالي الهادف الى اصلاح البشرية, حيث أعلن الحسين عليه السلام في احدى أدوار ثورته عن ذلك بقوله ( إنا أهل بيت النبوَّة ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة ومهبط الوحي، بنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق شارب للخمر قاتل للنفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله).
2- التأكيد على كون الاصلاح هو الغاية من ثورته وذلك بقوله (ماخرجت أشرا ولابطرا وإنما خرجت طلبا للاصلاح في أمة جدي) ولاشك أن الاصلاح مقترن بعملية الانحراف
3- الاشارة الى حقيقة أنه عليه السلام لايثور ضد انحراف محدد بشخص يزيد بن معاوية وحكومته بل إن ثورته على واقع منحرف صنعته الخلافات السابقة على خلافة يزيد حيث يقول الامام الحسين عليه السلام ( ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ولا الحياة مع الظالمين إلا برما. إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون) .
4- مما دار في عرصة كربلاء من مشاهد الارهاب حين تعرض الحسين عليه السلام واهل بيته واصحابه من رجال واطفال للقتل والذبح والتمثيل بجثثهم, وحيث أن هؤلاء هم حملة دعوى الاصلاح ضد الانحراف من خلال رفضهم البطولي لمظاهر الفساد واللاانسانية, سننتهي الى أن ثورة الحسين عليه السلام قد عكست مشهدا مهما له دلالته في أن المدافعين عن الاسلام الحق كانوا ضحية الارهاب والعنف.

وهنا نصل الى حقيقة مفادها:
1- إن السبب في سعي الجهات المسؤولة عن الارهاب والتي تهدف لإظهار العنف والقتل على انه جزء من حقيقة الاسلام لطمس معالم ذكر الحسين عليه السلام هو كي تمحو كل ما يوضح حقيقة الاسلام البعيد عن العنف والقتل.
2- إن السبب في محاربة النواصب للشعائر الحسينية سيما المسيرة الاربعينية كون هذه الشعائر الوسيلة الفعالة في التذكير بما جرى من أمر ابن رسول الله (صلى الله عليه واله) حين رفض المسار المنحرف عن الاسلام الحق واستشهد في سبيل اصلاحه.
3- المسيرة الاربعينية على وجه الخصوص لها دورها الاعلامي الفعال في نقل صورة نابضة بالمحبة والسلام، فهي ـ كما هو واضح للعيان ـ مسيرة سلمية يشارك فيها الملايين من محبي آل البيت عليهم السلام، ليحكوا عن الامام الحسين عليه السلام الذي وقف في ساحة المعركة ولسان حاله يقول ( اذا كان دين محمد لايستقيم إلا بقتلي فياسيوف خذيني), وليحكوا عن الامام الحسين عليه السلام الذي أحاطت به فرقة صغيرة من العسكر قادر هو على التغلب عليها وهذه الفرقة تريد أن تحمله الى جيش لايطيق مواجهته، فاقترح عليه نفر من أصحابه أن يقاتلوا الفرقة الصغيرة فاجابهم عليه السلام قائلا ( ماكنت لأبدأهم بقتال), ويحكوا عنه عليه السلام حين حمل رضيعه لأعدائه، من جنود الخلافة المنحرفة، طالبا له منهم شربة ماء فكان جوابهم ان ذبحوه في حضنه.
4- وعليه فهي همسة في إذن الذين لاينفكون عن تسليط الضوء على ما تشهده المسيرة الاربعينية من بعض المشاهد السلبية والصور الخاطئة من المشاركين. إن المشاركة المحضة من الناس لها تأثيرها الفعال في التحشيد لهذه المسيرة وبالتالي تعزيز الدور الاعلامي الذي بينته للمسيرة، فيجب العمل على معالجة هذه المظاهر الخاطئة ونشر الثقافة الكفيلة بذلك، بدل التنكيل بمثل هذه المشروع الاسلامي العملاق.

في عام 61 للهجرة، وفي نصف يوم فقط، اختزل الإمام الحسين عليه السلام ومن معه، من ولده وأصحابه، مسافة قرون على ولادة القيم الإنسانية بما تحويه من إصرار وثبات، واستدعاها آنذاك على صحراء كربلاء، ليكتب بخط عريض: موت في عز خير من حياة في ذل.
نعم، الجانب المميز والمشرق من بدايات حياة الإمام الحسين، عليه السلام، لم يكن قصيراً، إلا أن سويعات الطف احتلت مساحة أوسع، بل كانت أبلغ تأثيراً في نفوس المجتمعات الإنسانية على تنوعها، لأنها لم تكن أوقاتاً اعتيادية، بل كانت كل لحظة من لحظاتها ترسم مشهداً تراجيدياً مؤلماً.

وكأن لحظتي الموت والولادة امتزجتا معاً في الحسين ناهضاً ومظلوماً ومنتصراً! فبطولاته ومواقفه الإنسانية يوم عاشوراء لاتزال بعد كل هذه القرون محط اهتمام البشر عموماً، أما على نحو الخصوص، فإن نسبة كبيرة من اتباع الحسين، عليه السلام، في يومنا هذا، يحفظون رواية المقتل بتفاصيلها عن ظهر قلب.
مضافاً إلى كل هذا، فإن ثمة حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً، كما يعبر عنها النبي محمد، صلى الله عليه وآله، مثلت شعلة الانفجار العاطفي الذي تسبب بامتداد المراسيم بشكل واسع منذ اليوم الأول لشهر محرم الحرام حيث يتوافد الملايين من المسلمين غالبيتهم من الشيعة لأداء مراسم الزيارة والعزاء.
وهنا ينهض سؤال، اذا كان مصرع الحسين عليه السلام، والمشهد المأساوي الذي جرى عليه، وحالة التعاطف الكبيرة التي تسيطر على أتباعه، هي من يقف وراء زيارة مرقده في العاشر من محرم الحرام؛ إذاً لأي سبب يعودون إليه في أربعينيته، وتحديداً في الـ 20 من صفر في ممارسة تعرف بـ زيارة الأربعين؟.
سمة الإيمان
في واحدة من الروايات الأشهر حول زيارة الأربعين، تظهر أهمية التواجد عند قبر الإمام الحسين، عليه السلام، في العشرين من صفر، وهي بمثابة المعيار في تحديد صفة محورية بالنسبة للإنسان المسلم وهي الإيمان.
حيث يذكر الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، في هذه الرواية: علامات المؤمن خمس صلاة إحدى وخمسين وزيارة الأربعين والجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والتختم باليمين وتعفير الجبين، وبطبيعة الإنسان أنى كان انتماؤه، السعي إلى نيل الدرجات الأعلى، سواء كان على المستوى الديني أو الاجتماعي أو الوظيفي غيرها من باقي التوجهات ومفاصل الحياة التي يراها مهمة بالنسبة له.
وهكذا فإن المسلم الشيعي يسعى عبر هذه الممارسة الدينية (الأربعين) إلى نيل هذه السمة -الإيمان- كونها درجة عالية لا يمكن الوصول إليها بسهولة، وفي عرض المشي الموسمي إلى قبر الحسين فرصة للفوز به.
التفاعل الكوني
إلى جانب ذلك، هناك جملة من الروايات التي تحدثت عن تفاعل كوني (أربعيني) مع مصيبة الإمام الحسين، عليه السلام، فعن الإمام الباقر، عليه السلام، الذي شهد تلك الحادثة المفجعة وهو في مقتبل العمر، إنه قال: إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً تطلع حمراء وتغرب حمراء.....

وفي رواية أخرى ينقل زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: إنّ السماء بكت على الحسين عليه السلام أربعين صباحاً بالدم، والأرض بكت عليه أربعين صباحاً بالسواد، والشمس بكت عليه أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، والملائكة بكت عليه أربعين صباحاً، وما اختضبت امرأة منا ولا اكتحلت حتى أتانا رأس عبيد الله بن زياد وما زلنا في عبرة من بعده.
والإنسان كأحد أجزاء هذا الكون؛ حتماً سوف ينال نصيبه من هذا التأثير والتفاعل الذي اجتاح معالم الطبيعة، فعندما تبكي السماء والأرض والشمس والقمر وسائر المخلوقات لمقتل الإمام الحسين عليه السلام، أربعين صباحاً او يوماً؛ فمن الطبيعي أن يلاحقه هذا التأثير الذي يظهر على شكل ممارسات مختلفة في زيارة الأربعين أو عاشوراء، والتي يصفها النبي بـ \الحرارة التي لا تبرد\ كما أشرنا في بداية المقال.
ختاماً، إن لزيارة الأربعين التي تزداد مع كل عام اتساعاً وتفاعلاً وتأثيراً، محفزات إنسانية قبل أن تكون شرعية أو اعتقادية، فهذه الأمواج البشرية الهائلة إنما هي تجسيد على الأرض لفطرة الإنسان التي تتألم لوجع المظلوم وتسعى لمواساته.

شخصية تشغل حيزا واسعا في التراث الشيعي، لما سطرته من صور إن توّجت برائعة كربلاء وما كان منه (عليه السلام) يومها من بسالة وبطولة ووفاء، فلن يسع المتأمل فيها حينئذ إلا أن يردد ما جاء في كتاب الله {حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا}.
وإننا في دائرة هذه الشخصية الفذة إزاء محورين:
المحور المليودرامي: المتمثل بالقوة والشجاعة التي جسدها يوم الطف حين نازل الابطال وصال بين الحشود، كأنه جيش تجمع في رجل، حتى وصل المشرعة مخترقا صفوف الحرس الذين وقفوا لحراستها وقد تجاوزوا الاربعمائة ألف، ووفاؤه الفذ مع أخيه الحسين عليه السلام والعقيلة زينب عليها السلام، إضافة الى لوحة الاطفال والظمأ وفناءه في سبيل جلب الماء إليهم.
وغني عن الذكر أن هذا المحور طالما كان المادة التي اعتمدها اصحاب المنابر في محاضراتهم، بيانا لسماته ومآثره عليه السلام واستدرارا للعاطفة والدمعة. وهو جهد لا يملك المرء غير الثناء عليه واعتباره الوسيلة الخلاقة في حفظ تراث ال البيت عليهم السلام وتخليد ذكرهم. ولكن رغم هذا فإن مع المنبر ثمة إشكال مفاده الاقتصار على هذا المحور في التعريف بالعباس عليه السلام، فلا يغدو عليه السلام للمتلقي غير الفارس البطل والاخ الوفي والكفيل الغيور، حتى نجد الكثيرين ممن هم خارج المذهب ناهيك عن اعداءه، وهم يسارعون الى تفسير هذا التعريف والإجلال، على أنه ناتج للوعي الجمعي وما فيه من تحفز لخلق الشخصية البطولية الخارقة.

المحور الاخر: وفيه نجد جانبا انسانيا متكاملا في شخصية العباس عليه السلام وهو ما أدى الى ظهور سمات المحور الاول في شخصيته العظيمة، ولتكون تلك السمات مبنية على قاعدة صلبة من التكامل والنضج والوعي، أي أن تلك السمات هي انعكاس لبناء روحي متين ووعي عال.
ويتبيّن هذا في نقطتين:
الاولى: لقد شاء الله أن يكون الكائن الانساني ملتقى الاضداد وحلبة صراع لهما، فيكون فيه ـ دون غيره من المخلوقات ـ العقل والغريزة، الحكمة والشهوة، وبإحاطة واعية للخير والشر والخطأ والصح وإرادة حرة، ليكون تغليبه العقل والحكمة بعد ذلك تساميا حقيقيا له، ويستحق الثناء والثواب، فالملائكة وكونهم لم يودعوا غير العقل لا يستحقون ثناء او ثوابا في التزامهم جادة الصواب والفضيلة.
ولما كانت الشهوة والغريزة عناصر لها ـ في واقع الطبيعة البشرية ـ القوة والقدرة الكبيرة في التأثير على الانسان واختياره، كان تغليب العقل والحكمة أمرا ليس بالهين، ويحتاج الى رياضة روحية صعبة يجاهد فيها الانسان نفسه كي يكون قادرا على تملك زمام شهوته وغرائزه وكبح جماحها، وعليه فإن العباس عليه السلام في موقفه الخالد والاسطوري حين امتنع عن شرب الماء وكبده كالجمر من شدة الظمأ يكون نموذجا أعلى في مجاهدة النفس والوصول بها الى قدرة كاملة ليس في مجال العطش بل عموم تغليب العقل على الشهوة، وعلى الناس أن لا تتعامل مع موقف العباس عليه السلام في رفض الماء على أنه مشهد مؤثر يدل على عظمة أخ الحسين عليه السلام، بل مدرسة عظيمة في الجهاد الاكبر يتعلم فيها ذو المنصب كيف يعف عن الخوض في المال العام بالباطل ويتعلم العامل والموظف كيف لا يتكاسلان في إداء العمل، والمثقف والفنان وكل شرائح الوجود الانساني كيف لا ينكصون الى الذات ويؤثِرون على أنفسهم لخلق المجتمع البشري المتكامل.

النقطة الثانية: الشرائع السماوية طرق لاحبة أرادها الله (رحمة منه ولطفا) لإيصال الانسان الى حالة الكمال في مختلف شؤونه وجوانبه، وجعل المعصومين عليهم السلام للناس نماذج متكاملة في تجسيد مفردات الشرائع، فعلى الناس حينئذ أن يسعوا جاهدين للامتثال والاقتداء والتسليم لهؤلاء المعصومين عليهم السلام كي يبلغوا الكمال والسعادة التي تريدها لهم الشريعة السماوية.
وفي هذا الصدد يطالعنا العباس عليه السلام في علاقته بأخيه الامام المعصوم الحسين عليه السلام بكل ما جسده فيها من إكبار وإجلال له ومن طاعة وتسليم مطلق وتفان يبلغ حد الفناء والاستشهاد.. يطالعنا في هذه العلاقة بصورة متكاملة عن الشكل الصحيح والمستوى المطلوب لعلاقة الانسان بالمعصوم، فهذه العلاقة لم تكن علاقة أخ بأخيه تقوم على احترام وتقدير بالغين، بل علاقة قائمة على وعي عال وفهم متكامل لدور الانسان تجاه المعصوم عليه السلام.
وعليه فالعباس عليه السلام قد أحرز مقامه المتسامي بما مثله من تجسيد للإنسان الكامل الذي خلقت كماله الحالة النموذجية لاتباع المعصوم عليه السلام.

لماذا اصطحب الإمام الحسين، عليه السلام، النساء والأطفال معه في مسيره ونهضته المباركة؟ ألم يكن يعلم بالمأساة التي سوف تجري على عياله؟ وهل يعقل أن يعرض الإمام الحسين عليه السلام نساؤه وعياله للخطر؟
تكمن الإجابة عن هذا التساؤل هو في معرفة أسباب خروجه، إذ قال، عليه السلام، مبيناً السبب عندما اعترضه أخوه ابن الحنفية واستفهمه حول حمل تلك النساء معه في هذه الرحلة الشاقة المليئة بالمخاطر بقوله: "شاء الله أن يراهن سبايا".
ومن هنا، فلا بد من بيان هذه العبارة الشريفة التي صدرت من المعصوم (عليه السلام) وقبل بيانها لا بد من المرور على بعض التوضيحات:
المراد من المشيئة الإلهية
المشيئة ابتداء العزم على الفعل، وأما الإرادة فهي العزم على الفعل أو الترك بعد تصور الغاية المترتبة عليه من خير، أو نفع أو لذة ونحو ذلك، وهي أخص من المشيئة، لأن المشيئة ابتداء العزم على الفعل فنسبتها إلى الإرادة نسبة الضعف إلى القوة، والظن إلى الجزم، فإنك ربما شئت شيئاً ولا تريده لمانع عقلي أو شرعي. وأما الإرادة فمتى حصلت صدر الفعل لا محالة ([1]).
المشيئة التشريعية والمشيئة التكوينية
وتنقسم المشيئة الى قسمين هما المشيئة التشريعية والمشيئة التكوينية وسيتضح من خلال بيانهما معنى قول الإمام الحسين (عليه السلام): «قد شاء الله أن يراني قتيلاً، وقد شاء الله أن يراهن سبايا».
فمن المعلوم أن المولى عز اسمه شاء أن يخلق الدنيا ويجعلها دار اختبار للإنسان من خلال ابتلائه وامتحانه، وكذلك شاء تعالى أن يجعل في هذه الدنيا الأنبياء والرسل والأئمة، وشاءت قدرته أن يجعل هذا الانسان مركباً من العقل والغريزة وهذه الامور كلها هي من المشيئة التكوينية.
وأما المشيئة التشريعية:
فهي كون الله تبارك وتعالى شاء أن لا يعبد معه أحد بل تكون العبادة خالصة له وحده لا شريك له، وأوجب الايمان برسله وأنبيائه كافة، واقتضت مشيئته تعالى أن عباده يطيعون هؤلاء الأنبياء والرسل، وشاء أن فرض عليهم العبادات والمعاملات وشاء أن لا يظلم الإنسان أخاه الإنسان وغير هذه الامور المذكورة من التشريعات الإلهية وكلها ضمن مشيئته سبحانه.
إلا أننا نجد أن الخلط قد يحصل بين هذين القسمين ولعل السبب في هذا الخلط راجع الى إيجاد المبرر والعذر لتبرير ما يقترفه الانسان من ذنوب ومعاصٍ وتعدٍ لحدود الله تعالى، فعلى سبيل المثال؛ قد يقتل شخص شخصاً آخر وغرضه من هذا الفعل هو السرقة ثم يعتذر عن هذا الفعل بقوله: لو لم يشاء الله لم تزهق نفسه على يدي ولم أكن قاتلاً في حين أن الإنسان القاتل هو الذي شاء قتل أخيه بعد أن أطاع شهواته الشيطانية؛ فالموت هنا: مشيئة تكوينية، لكن طريقة الموت وهو القتل مشيئة تشريعية بمعنى: أن الله تعالى شاء حرمة القتل ونهى عنه وحذر منه وعاقب عليه لكن القاتل بيده شاء ذلك.
ومن هذا المنطلق نلاحظ ن القرآن الكريم لم يغفل عن هذا التقسيم بل تعرض له في قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ([2]).
وفي بيان هذه المسألة يقول العلامة الطباطبائي رحمه الله، وقوله تعالى: (...قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ...) جوابهم للدعوة إلى الانفاق، وإنما أظهر القائل ـ الذين كفروا ـ ومقتضى المقام الإضمار للإشارة إلى أن كفرهم بالحق وإعراضهم عنه باتباع الشهوات هو الذي دعاهم إلى الاعتذار بمثل هذا العذر المبني على الاعراض عما تدعو إليه الفطرة من الشفقة على خلق الله وإصلاح ما فسد في المجتمع كما أن الاظهار في قوله: (الذين آمنوا) للإشارة إلى أن قائل (أنفقوا مما رزقكم الله) هم الذين آمنوا.
وفي قولهم: (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) إشعار بأن المؤمنين إنما قالوا لهم: (أنفقوا مما رزقكم الله) بعنوان أنه مما يشاؤه الله ويريده حكما دينيا فردوه بأن إرادة الله لا تتخلف عن مراده فلو شاء أن يطعمهم أطعمهم أي وسع في رزقهم وجعلهم أغنياء.
وهذه مغالطة منهم، فقد خلطوا فيه بين الإرادة التشريعية المبنية على الابتلاء والامتحان وهداية العباد إلى ما فيه صلاح حالهم في دنياهم وآخرتهم، ومن الجائز أن تتخلف عن المراد بالعصيان، وبين الإرادة التكوينية التي لا تتخلف عن المراد.
ومن المعلوم أن مشيئة الله وإرادته المتعلقة بإطعام الفقراء والانفاق عليهم من المشيئة التشريعية دون التكوينية فتخلفها في مورد الفقراء إنما يدل على عصيان الذين كفروا وتمردهم عما أمروا به لا على عدم تعلق الإرادة به وكذب مدعيه.
وهذه مغالطة بنوا عليها جل ما افتعلوه من سنن الوثنية وقد حكى الله سبحانه ذلك عنهم في قوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ([3]).
وقوله تعالى: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْء ...) ([4]).
وقوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ...) ([5]).
وقوله عزّ وجل: (...إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). من تمام قول الذين كفروا يخاطبون به المؤمنين أي إنكم في ضلال مبين في دعواكم أن الله أمرنا بالإنفاق وشاء منا ذلك) ([6]).
فمن خلال هذا البيان يتضح أن الله عز وجل حينما شاء أن يرى مخدرات بيت الوحي سبايا فهذه المشيئة تكوينية، كي يرى صبرهن وتجلدهن في ذاته تعالى ـ أي ضمن إطار المشيئة التشريعية ـ ومن ناحية أخرى فالله تعالى وضمن المشيئة التشريعية إبتلى هذه الامة بولاية أهل البيت ( عليه السلام ) فكان ما أقدم عليه الجيش السفياني هو انتهاك للمشيئة التشريعية باعتبار أن الله تعالى لم يرتضِ الظلم و قتل النفس المحرمة، فيكون ما قاسوه من سبي وتشريد وقتل هو من من أعظم الانتهاكات التشريعية لما يترتب على ذلك من تعد على الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) وجميع الرسالات والتشريعات الإلهية.
---------
*مقتطف من كتاب سفيرة الحسين (ع) – عن شعبة البحوث والدراسات
([1]) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري: ص35.
(([2] سورة يس: 47.
([3]) النحل: 35.
(([4] الأنعام: 148.
([5]) الزخرف: 20.
[6]) الميزان في تفسير القران: ج17، ص47.

منذ اكثر من عشرة أيام وطريق العشق الحسيني الابدي ينبري من قلوب سالكيه ليرسم لوحة المسير الزينبي، لكن رواده عشاق الحسين يحملون في خواطرهم ويستشعرون مع خطوات المسير كل تلك الخواطر والسلوكيات التي تخللت مسير الحوراء زينب (عليها السلام) من كربلاء الى الشام ومن الشام الى كربلاء، وها نحن نشاهد بل العالم كله يشاهد، هذا السيل الجارف الذي يحمل ذلك العشق الذي لا ينتهي لسببين أثنين: أولهما وعد النبي (صلى الله عليه وآله) لابنته الزهراء (عليها السلام) حيث قال لها:{ يا فاطمة! إنّ نساء أُمّتي يبكون على نساء أهل بيتي، ورجالهم يبكون على رجال أهل بيتي، ويجدّدون العزاء جيلاً بعد جيل في كلّ سنة، فإذا كان القيامة تشفعين أنت للنساء وأنا أشفع للرجال، وكلّ من بكى منهم على مصاب الحسين أخذنا بيده وأدخلناه الجنّة}.
والامر الاخر، قول سيدة المسير زينب بنت علي (عليهما السلام) حيث قالت لولد أخيها الامام السجاد (عليه السلام): {سينصب بهذا الطف علم كلما اجتهد ائمة الجور على محو اثره فلا يزداد الا علوا وارتفاعا}.
فكان أولئك الزاحفون نحو قبلة الاحرار ومحط رحال العشاق حقيقة هم مصداق وعد النبي (صلى الله عليه وآله) وعهد زينب (عليها السلام) فها هم يأتون لزيارة الاربعين المقدسة.
وها نحن بل العالم كله يرى بأم عينه تلك العجوز وذلك الشيخ تلك الطفلة وذلك الطفل تلك المرأة وذلك الرجل وهم يسيرون مع كل ذلك البعد للطريق الذي يتخلله التعب والعناء والبرد والحر حسب تغير اجواء الليل والنهار لكنهم لم يروا في طريقهم إلا حقيقة واحدة وهي حقيقة الوصول الى أرض حملت على اكفها جسد حفيد رسول الله (صلى الله عليه وآله) الامام الحسين (عليه السلام) أننا لو سألناهم لوجدنا من القصص ما لم تسمعها اذن سامع ولشاهدنا من معاجزهم ما لم ترى عين باصر، ابن يحمل امه مع مرضها وهي مصابة بمرض تسبب بقلع جزء من جسدها أو زوج ترك زوجته وهي بأيام ولادتها لرجع وأبنه يبصر النور ماذا نقص وماذا نقول عن سائر على ساق ليس لها قدم تسندها أو متكئاً على عربة علها تعينه على مسيره.
ثم لم ننسى أولئك الذين سهروا الليل وبذل المال والجهد لراحتهم انهم أعدوا بيوت العشق الحسيني مواكب الركب الزينبي أبوا إلا ان يملئوا طريق الحسين منازل للراحة والمبيت والاطعام أبوا ان لا تعاد غصة ألم سبي زينب والعيال وما لاقوه من جوع وعطش، وقفوا ليقولوا لها لم يعطش لكِ سيدتي طفلا ولا يجوع لكِ سيدتي يتيماً عاهدوها ان يفرشوا طريق سير محبيها بكل ما يسهل لهم غاية وصولهم فرشوا الطرقات واخلوا الدور ليكون نزالها سائري طريق الولاية.
أما ما يقدمه أهم طرفا في القضية بل اساس القضية رجال السواتر وحماة المقدسات إذ لولا وقفتهم على سواتر العزة لما تمكن اهلنا من الحث بمسيرهم ولما تمكن خادميهم من الوقوف لخدمتهم انهم رجال الله من الحشد المقدس والقوى الامنية ورجال الاتحادية والجيش العراقي الغيور .
فكربلاء تفتح ذراعيها لقاصديها وها هي تستقبل زائريها وعشاقها بكل لهفة وذلة خدمة فنحن لهم خدم قائمون ليصلوا ويستنشقون من عطر معشوقهم حبيب قلوبهم الامام الحسين الشهيد (عليه السلام).

حاول بنو أمية (لعنهم الله) بكل ما يملكون من تجبر وطغيان إركاع الثورة الحسينية بإركاع رموزها وما انفكوا يقرعون طبول الغدر والخيانة ليجتمع الناس حولهم بغية ردع الثورة وقهر الثوار ولكن مشيئة الله كانت هي الأقوى لإعلاء كلمة الحق ونصرة الدين وفضح الباطل ومن الرموز التي حاول الأمويون قهرها وإطفاء نورها هو شخص السيدة زينب (عليها السلام).
فقد حاولوا جاهدين إخضاعها أمام تلك المصائب التي توالت عليها والمحنة التي عانتها بعد مقتل أخيها الحسين (عليه السلام) ليقتلوا بذلك آخر نفس في البيت الهاشمي. وليخمدوا صوت الحق ويطمسوا معالم الصدق بخبثهم ومكرهم.
ولكن عميدة البيت الهاشمي الرفيع أبت إلا أن تقف صامدة بوجه تلك الطغمة الأموية الفاسدة.
فخيبت آمالهم وكسرت اصنامهم وهزت عروشهم بصوت علي والحسين (سلام الله عليهما)، فكان لها (عليها السلام) الدور البارز والمهم في الحيلولة لمنع الإعلام الأموي آنذاك من نشر بدعه وظلالته وآراءه الفاسدة المزيفة التي نسجتها يد المكر والخديعة وحاكتها أصابع الشيطان الغوي بما ينسجم مع مصالحهم الخاصة، فقد وقفت (عليها السلام) بوجه الدعايات الأموية المختلفة التي اصطنعوها ليبرّروا بها شناعة فعلهم وعظم جرمهم بقتل الحسين (عليه السلام).
ومن المعلوم أن الوسائل الاعلامية يومها كانت بيد الحكومة الجائرة المتمثلة بحكومة يزيد (لعنه الله)، فقد قاموا بشن حملة دعائية واسعة المدى ضد الثورة الحسينية لتبرير الجرائم الشنيعة التي ارتكبوها مع الحسين وأهل بيته (عليهم السلام)، ولكي يقنعوا العامة من الناس ويمتصوا غضب الخاصة منهم ممن كان يوالي أهل البيت (عليهم السلام) ولجعلهم يدورون في فلك الحكم الأموي محققين بذلك المصالح والمطامع التي من أجلها تسلقوا على أكتاف المسلمين ليصلوا إلى ما وصلوا إليه.
ومن جملة الأمور التي ركزوا عليها هو سلب الشرعية عن الثورة الحسينية وجعلها غطاءً لهم، فزعموا بأن الحسين (عليه السلام) جائر بخروجه على يزيد (لعنه الله) فيزيد خليفة المسلمين والإمام المفترض الطاعة، ولا يحق للحسين (عليه السلام) أن يتمرد على إمام زمانه فإن لم يبايع ويتبع حَلَّ دَمُهُ وكان من العاصين خصوصاً بعد ما أيدوا هذا المعنى ببعض الكتب التي علقوها على أبواب المساجد ممن باع دينه بدنياه من أبواق الظلمة وأتباع الشيطان كشريح الشقي (عليه لعائن الله)، ومما ساعد على نشر هذه الأضاليل وتصديق الناس إياها ما كان يتمتع به المجتمع الأموي من مبادئ معادية للخط الرسالي لأهل البيت (عليهم السلام) بسبب التربية الأموية لذلك المجتمع الذي سرعان ما تلقف بدعهم وضلالاتهم، كونه مغرساً جيداً لها فنبت بذور الشرك والإلحاد لتنتج مجتمعاً معوجاً منحرفاً عن الجادة الحقة منقاداً لآراء أَسيادِهِ الأمويين منسجماً مع أهواءهم جاعلين منه أداة لقمع أئمة الحق واتباع الهدى.
فكانت هذه العوامل وعوامل أخرى سبباً في منع السيدة زينب (عليها السلام) من إبلاغ رسالتها بصورة طبيعية، بل كانت تصب في مصلحة العدو وداعماً قوياً لدعايتها ضد أهل البيت (عليهم السلام) وحائلاً دون نجاح مهمة العقيلة (عليها السلام) في إتمام دورها كحاملة لرسالة ابي الأحرار (عليه السلام).
ولكن تلك المرأة العظيمة التي ساخت الجبال وما ساخ صبرها وقفت بكل إصرار وقاطعية وبدون أي تردد أمام تلك العقبات لتذللها العقبة تلو الأخرى بروح ملؤها الإصرار والحزم، حتى شاء الله اسمه أن تكون المتممة لمسيرة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).

فقد وقفت بتلك النفس المتعالية السامقة المملؤة عزماً وثباتاً مصرة على مقارعة الباطل بكل أطيافه فاضحة للناس حقيقة يزيد وأتباعه الجبابرة ومدى تنكبهم عن الصراط المستقيم واستهانتهم بمقدرات الأمة ودماء المسلمين، فكان ذلك تعرية لحكومة يزيد وأتباعه الظلمة.
فما كان منها (عليها السلام) إلا أن تتصدى بنفسها للخطابة جهاراً أمام الناس رجالاً ونساءً وهي المخدرة بل سيدة المخدرات التي ما رؤى لها شخص وما سمع لها صوت.
ولكن الطابع الخاص للظروف التي مرّت بها السيدة زينب (عليها السلام) ومقتضيات المنهج الذي حارب من أجله الحسين (عليه السلام) ودواعي إتمام المسيرة الحسينية وتخليداً لدماء الشهداء من آل البيت (عليها السلام) وأنصارهم وكشفاً لكثير من الحقائق الغامضة جعلها عازمة للتصدي بنفسها (عليها السلام) فوقفت صادعة بالحق ناطقة به كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد أومأت أن اسكتوا فسكتوا فارتدت الأنفاس وسكتت الأجراس، ثم انحدرت (عليها السلام) كأنها السيل الهادر تتدفق الحكمة من منطقها.
وكان لهذه الخطبة العصماء أثرها الواضح في نفوس الناس مما جعلهم يضجون بالبكاء ندماً على ما فعلوه مع أئمة الحق ودعاة الصدق من الخذلان وعدم النصرة.
فكانت هذه هي الخطوة الأولى في طريق الجهاد الزينبي إذ استطاعت (عليها السلام) أن تقرر حقيقة كبرى في أذهان الناس آنذاك بإماطتها حجب الباطل عن وجه الحقيقة لتنزع الشرعية المزعومة لخلافة يزيد وتكسر حاجز الظلال الذي آل إليه أمر الناس آنذاك، بسبب الفهم الفاسد لكثير من المعتقدات التي رسخها معاوية وأتباعه في أذهان بعض المسلمين ممن انجروا خلف الدنانير الأموية أو طليت عليهم الحيل الشيطانية التي تمتع بها معاوية ليظل الناس عن القيم الإسلامية الحقة ويسحبهم إلى جادة الباطل، خدمة للمصالح الأموية الاستبدادية اللامشروعة.
فبيّنت لهم بأن فعل يزيد الفاسق ومن نصره من رجالكم مريدي الدنيا وناصري الباطل وخاذلي الحق كان هدماً لركن الدين وفرياً لكبد النبي (صلى الله عليه وآله) ونكثاً لعهد الله وهتكاً لحرمة رسول الله (صلى الله عليه واله) وسفكاً لدمه الشريف، حتى كادت السماء أن تنفطر وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، فاستقرت لهم عن وجه فعلتهم الشنيعة وأشعرتهم بخسة أفعالهم وسوء منقلبهم وعظم جرمهم فأصبحوا يؤنب بعضهم بعضاً يتلاومون على ما فعلوه فتفرّقت كلمتهم وتبدّدت جموعهم وانشقت صفوفهم حتى آل أمرهم إلى الشتات.
وكان هذا أول مكسب حققته العقيلة (عليها السلام) على صعيد الثورة فقد أيقظت الضمائر النائمة وأثارت دفائن العقول وكشف عن زيف الباطل فحطمت تلك الادعاءات التي شمخت بها أنوف الكفرة ممن ينسبون إلى الإسلام وهو منهم براء.
----------
*مقتطق من كتاب سفيرة الحسين (ع) - عن شعبة البحوث والدراسات

ان الله لو أراد أمراً قال له كن فيكون والانسان ما لم يكن تحت تلك الإرادة فلن يكن قادراً على فعل شيء.
وها نحن والأربعين حيث نلاحظ ان فعل الله تعالى غلب فعل المخلوقين، فمنذ ان تسلط بنو أمية واخذوا مأخذ الحكم والتسلط وبمجرد ان ارتقى سدة ملكهم يزيد بن معاوية (لعنه الله) وما فعله بآل النبي (صلى الله عليه وآله) وعيالاته من قتل لسبطه الامام الحسين (عليه السلام) وسبيه لبنات الرسالة، وما دار في تلك الحقبة الى ان عاد الامام زين العابدين (عليه السلام) براس ابيه ورؤوس الأهل والاصحاب من ارض الشام وقد تزامنت تلك العودة مع وصول اول زائر لقبر الامام الحسين (عليه السلام) جابر بن عبد الله الانصاري (رضوان الله تعالى عليه)، وأخذت هذه المسيرة شرعيتها من ذلك اليوم فنهج أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بزيارة الامام (عليهم السلام) في كل عام حتى سقطت دولة بني امية وقامت دولة بني العباس على أكتاف الأخذ بثأر الامام الحسين (عليه السلام) لكن ما ان تحقق لهم المراد ففزعوا الى قبر الامام هادماً ومنعاً من زيارته، فعمد بنو العباس الى محاربة الامام الحسين (عليه السلام) وزوار قبره بشتى أنواع المحاربة من فرض ضريبة مالية لكل من أراد ان يزور القبر الشريف الى قطع الايادي ثم قتل تسعة من كل عشرة أرادوا القصد لقبره الشريف وكل تلك الطرق لم تمنع المحبين من الوصول بل أعطوا وضحوا من اجر الاستمرار على نهجهم مع أهل البيت (عليهم السلام) مستندين بشرعية التضحية لأجل استمرار تلك الزيارة بما ورد عن الأئمة (عليهم السلام).
حيث يأمرون شيعتهم بزيارة الامام الحسين (عليه السلام) حتى مع الخوف فقد روى ابن بكير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: إني أنزل الأرجان وقلبي ينازعني إلى قبر أبيك فإذا خرجت فقلبي وجل مشفق حتى أرجع خوفاً من السلطان والسعاة وأصحاب المسالح.
فقال: يا ابن بكير، أما تحب أن يراك الله فينا خائفاً، أما تعلم أنه من خاف لخوفنا أظله الله في ظل عرشه، وكان محدثه الحسين (عليه السلام) تحت العرش، وآمنه الله من أفزاع يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزع، فإن فزع وقرته(قوته) الملائكة وسكنت قلبه بالبشارة (1)، كما أن جملة من النصوص تضمنت أن الثواب على قدر شدة الخوف، فكل ما كان الخوف أشد، كان الثواب أعظم وأكثر، ففي حديث لمحمد بن مسلم، قال: قال لي أبو جعفر محمد بن علي (عليه السلام): هل تأتي قبر الحسين (عليه السلام)؟ …
قلت: نعم على خوف ووجل.
فقال: ما كان من هذا أشدّ فالثواب على قدر الخوف، ومن خاف في إتيانه آمن الله روعته يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وانصرف بالمغفرة، وسلمت عليه الملائكة، وزاره النبي (صلى الله عليه وآله) ودعا له، وانقلب بنعمة الله وفضل لم يمسسه سوء واتبع رضوان الله (2).
وبل تضمنت بعض النصوص أن ترك زيارة قبره (عليه السلام) بسبب الخوف، وعدم الأمان سبب لأن يرى الإنسان في الدنيا الحسرة.
فعن معاوية بن وهب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي: يا معاوية لا تدع زيارة قبر الحسين (عليه السلام) لخوف، فإن من ترك زيارته رأى من الحسرة ما يتمنى أن قبره كان عنده، أما تحب أن يرى الله شخصك وسوادك فيمن يدعو له رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى وفاطمة والأئمة (عليهم السلام) (3).
واستمر ذلك حتى سقوط دولتهم المشؤومة على يدي التتار المغولي واستمر الاضطهاد على شيعة آل البيت (عليهم السلام) من ملك الى ملك ومن حاكم الى حاكم حتى أخر عهدهم بالاضطهاد في زمن حكم المقبور صدام حسين حيث حشد جميع طاقة جهازه القمعي لمحاربة الشعائر الحسينية ومن تلك الشعائر التي عمد نظام الطاغية على محاربتها زيارة الأربعين من شهادة الامام الحسين (عليه السلام) فأخذ باعتقال كل من توجه قاصدا الزيارة الى ان وصل بهم قتل الزائرين.
وابرز تلك الحوادث التي اقدم عليها جهاز قمعه قتل زائري الامام الحسين (عليه السلام) في ذكرى زيارة الأربعين عام 1977 للميلاد الموافق 1397 للهجرة واستمر بعد ذلك بقمعه حتى سقوط عرشه عام 2003 للميلاد الموافق 1424 للهجرة ومن ذلك الحين انقلب الامر ببروز الإرادة الإلهية بوضوح حيث نلاحظ هذه الجموع الحسينية وهي تقصد كربلاء المقدسة حاملة في قلبها حب وعشق الوصول الى كعبة الاحرار الامام الحسين (عليه السلام) محيية بذلك زيارة يوم الأربعين.
فقد توافد الى كربلاء الحسين محبيه من كل حدب وصوب من بلاد الخليج وايران وشرق اسيا وأوربا وغيرها من الدول التي يقطنها محبو الامام الحسين (عليه السلام) نجد الوافدين قد قطعوا ألاف الكيلو مترات متناسين خطورة الطريق بين راكب وماشي همهم الوحيد الوصول الى نقطة الملتقى الحسيني الثائر لكي يجددوا العهد معه محين شعيرة من شعائر الله تعالى التي أراد الله تعالى لها الاستمرار والبقاء لتبقى راية وعلماً ومنارا للامة وتذكاراً لما حصل لآل البيت (عليهم السلام) يوم الطفوف على يد اعتى طاغية مرى على تاريخ الخليقة ولذلك اشارت سيد البيت الهاشمي الحوراء زينب (عليها السلام) حيث قالت: "ينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء (عليه السلام) لا يدرس أثره ولا يعفو رسمه على كرور الليالي والأيام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا ظهورا وأمره إلا علوا"(4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) كامل الزيارات ص 125.
(2) كامل الزيارات ب 45 ح 5.
(3) المصدر السابق ح 3.
(4) بحار الأنوار ج28 ص57.

أول من بكى على مصرع الحسين في كربلاء كان رسول الله، صلى الله عليه وآله. ليس الشيعة وحدهم من يقول ذلك، بل فقهاء ورواة المذاهب الأخرى الذين تحدثوا عن إخبار إلهي لما سوف يجري على الحسين في كربلاء.
وتشير كتبهم إلى أن النبي بعد أن انفرد به الوحي -كعادته- عاد إليهم باكياً يحدثهم عن ولده الذبيح على أرض الطف. هذا كان مضمون ما قالته عائشة، أبرز زوجات النبي التي يعتمد أتباع المذاهب الأخرى مروياتها بما لا يحتمل الشك.
في تفصيل أكثر، يقول أحد أكبر فقهاء الشافعية، وهو أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي في كتابه "اعلام النبوة" والمتاح بنسخ ورقية وإلكترونية.. يقول الماوردي وهو يسند خبره إلى كل من عروة وعائشة التي تقول: "دخل الحسين بن علي، عليه السلام، على رسول الله، صلى الله عليه وآله، و هو يوحى اليه، فبرك عل ظهره و هو منكب و لعب على ظهره. -وهنا كانت تشير إلى الحسين في طفولته-.
فقال جبرئيل: يا محمد، إن أمتك ستفتن بعدك و تقتل ابنك هذا من بعدك، و مدَّ يده فأتاه بتربة بيضاء، و قال: في هذه الأرض يقتل ابنك ـ اسمها الطف ـ.
والطف هي الأرض المعروفة حالياً بكربلاء والتي يقصدها الملايين من المسلمين غالبيتهم من الشيعة لزيارة قبر الحسين وأخيه العباس واستذكار تلك الحادثة الأليمة.
تتابع عائشة، نقل ما جرى وتقول: فلما ذهب جبرئيل خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الى أصحابه و التربة في يده، و فيهم أبو بكر و عمر و علي و حذيفة و عمار و أبو ذر وهو يبكي. فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبرئيل أن ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، و جاءني بهذه التربة، فأخبرني أن فيها مضجعه.
اما "ابن سعد" صاحب كتاب "الطبقات الكبرى" والذي تتلمذ على يد "الواقدي" أحد أقدم وأهم المؤرخين السُنّة في الإسلام.. ابن سعد هذا ينقل رواية أخرى ينتهي سندها إلى عائشة أيضا، تقول فيها: "بينا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) راقد إذ جاء الحسين يحبو إليه فنحيته عنه ثم قمت لبعض أمري فدنا منه فاستيقظ يبكي فقلت: ما يبكيك؟ قال: إن جبريل أراني التربة التي يقتل عليها الحسين، فاشتد غضب الله على من يسفك دمه، وبسد يده فإذا فيها قبضة من بطحاء فقال: يا عائشة والذي نفسي بيده إنه ليحزنني، فمن هذا من أمتي يقتل حسيناً بعدي؟.
أما الشيعة، فبعيداً عن ذوبانهم في الوجد على تلك الأحداث التي جرت على أرض كربلاء عام 61 للهجرة، فهم يرون أن في بكائهم على الحسين، عليه السلام، أسوة واقتداءً ببكاء النبي والأئمة من بعده على السبط الشهيد.
ومن النبي إلى الأئمة ينتقل حث البكاء على هذه الفاجعة، فينقل الشيخ الصدوق (918- 992 هـ) في كتابه "الأمالي" رواية عن الإمام الرضا عليه السلام يقول فيها: "يا بن شبيب إن كنت باكياً لشيء فابك للحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام، فإنه ذُبح كما يُذبح الكبش ".
للحصول على آخر التحديثات اشترك في قناتنا على التيلغرام عبر الرابط التالي:
https://telegram.me/TwelveImamsWeb

تشكل الارادة عنصرا أساسيا في النظرة الإسلامية للإنسان.. الارادة الحرة النابعة من العقل والوجدان اللذين انعم الله بهما على الانسان، فكانا الآلة الفعالة في تمييزه بين الخير والشر، الاسلام يؤمّن للانسان الحرية الكاملة من خلال الارادة الحرة التي لا يعيقها عائق من رغبة أو مطمع أو هوى، الارادة الحرة التي تجعل الانسان سيدا حقيقيا لقراراته وخياراته. بوسع الانسان مع (سارتر) وكل الفلسفات التي تجعل للحرية مفهوما مساوقا للإباحة, أن يفعل كل ما يرغب به, ليكتشف بعد حين أن رغبته تلك باتت مانعا حقيقيا لامتلاكه الارادة الحرة, فبوسعه أن يعاقر الخمرة التي يرغب في تناولها كحرية شخصية, ليكتشف أن الرغبة في تناول الخمرة قد استحكمت ولا إرادة له في تركها حتى وإن تسببت بالأضرار الصحية والاجتماعية له, وبوسع المرأة في الغرب أن تعاشر من تشاء من الرجال كحرية شخصية ولكنها لن تكون ذات ارادة حرة في اختيار الرجل الذي يتجاوز في علاقته بالمرأة حدود الاشباع الجنسي مادامت حرية المعاشرة هي الاساس المعتمد في العلاقة بين المرأة والرجل .
إن الحرية المقننة التي يتيحها الاسلام تنبع من عقل الانسان ووجدانه وهما العنصران اللذان يشكلان الجانب المتسامي منه, فلا يقيدها بعد ذلك خوف او هوى او رغبة, حرية تنبع من ارادة حرة مطلقة, وهذا ما جسّده علي بن ابي طالب (عليه السلام) الذي صنعه الاسلام فكان مثاله الأسمى, حين يعبر عن حرية مطلقة في عبادة الله سبحانه في قوله ( الهي ما عبدتك اذ عبدتك طمعا في جنتك ولا خوفا من نارك, ولكني رايتك أهلا للعبادة فعبدتك).
وحيث كانت ثورة الامام الحسين (عليه السلام) هي الثورة التي فعّلت كل مضامين الاسلام ليبقى شعلة وهاجة تضمن للإنسانية نظامها الأصلح, فقد أكدت هذه الثورة على عنصر الحرية في الانسان, لهذا نجد الإمام الحسين (عليه السلام) حين اعلن رفضه الاسطوري لبيعة يزيد, أعلن عن ذلك لأنه في عقله ووجدانه المقدسين قرر الرفض لهذه البيعة فنتجت الشجاعة التاريخية والتحدي الصارخ الذي كان منه يوم عاشوراء عن إرادته المطلقة التي لم تعلق بها عوالق الخوف او الرغبة او المطامع, فقال (عليه السلام): ( والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقرّ لكم اقرار العبيد), وعلى اساس الحرية كان تعامله مع الاخرين في الثورة, حيث نراه يخاطب من كان معه بعد خروجه من مكة من كان فينا باذلا مهجته موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فإني راحل مصبح ان شاء لله تعالى ويخاطبهم عند وصول خبر استشهاد مسلم بن عقيل (عليه السلام) اما بعد, فانه قد اتاني خبر فظيع, قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر, وقد خذلنا شيعتنا, فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج ليس عليه ذمام فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي من اصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممن انظموا اليه, وأذن (عليه السلام) لأصحابه ليلة العاشر بتركه والانصراف عنه, وخاطب جيش ابن سعد يوم العاشر قائلا إن لم يكن لكم دين فكونوا احرارا في دنياكم , كل ذلك لتكون نصرتهم له عن ارادة حرة تليق بالانسان الحر الذي ينطلق من تكوينه المتسامي.
إننا نجد سلوك الحسين (عليه السلام) في الثورة سلوكا يضيّع عليه كل فرصة للنصر العسكري, فحين قطع عليه الحر الرياحي الطريق وهو ظامئ, كان بوسع الحسين (عليه السلام) ان يتركه وجنوده يعانون الظمأ, فلا يقوون على اخذهم الى كربلاء, ولو فعل الحسين (عليه السلام) ذلك لما كان اكثر من رجل عادي يبحث عن فرصة للنجاة, ولكنه (عليه السلام) سقاه ورجاله وخيله ومكنّهم من اخذه الى المكان الذي سيقتلونه فيه, لأنه بنفسه الانسانية العملاقة لا يمكن ان يرى من يطلب الماء ويمنعه عنه, ولكي يعطي الحر بعد ذلك فرصة الوقوف في ذلك المحك البشري الخالد, بين الخير والشر أو الحق والباطل, وتحت عامل المطامع والخوف, ليقرر ما يختار بإرادة حرة, لقد وقف الحر يوم العاشر يتأمل جانب الحسين (عليه السلام) باسمى دلائل الخير والإنسانية, فماذا بعد أن لم يمنع (عليه السلام) الماء عمَّن قاده الى حتفه, وينظر الى جيش عمر بن سعد الذي يمنع الماء عن الاطفال والنساء, فاختار جانب الحق, لهذا قال له الحسين (عليه السلام) حين مال الى جانبه ( انت حر كما سمتك امك حر).
إن انصار الحسين عليه لم يعينوه في وقوفهم معه في العاشر من محرم, بل هو الذي اعانهم في التمكن من الوصول الى المرتقى العالي من القدرة على اتخاذ القرار بحرية لا تؤثر بها رغبة او خوف.
لقد ثار الحسين (عليه السلام) واستشهد لا من أجل تغيير نظام حكم أو دفاع عن بلد أو دفع جيش غازِ, بل ليؤكد هذه الحقيقة الخالدة, إن الانسان كائن متسام وهبه الله العقل والضمير والوجدان, فعليه أن يكون سيد قراراته واختياراته, فلا تقيده رغبة او خوف او مطمع. استشهد لكي تبقى الاجيال البشرية على مدى التاريخ تتأمل قصة الطف فلا تجد غير رجل فوّت على نفسه كل فرصة للنجاة كي يخلّد مبدأ الانسان المتسامي بإرادته الحرة.
