ما حقيقة دعاء الإمام الحسين (ع) على أهل الكوفة؟

بمناسبة اقتراب شهر الأحزان شهر عاشوراء، تسمع كلاماً هنا وهناك كلَّما ساء النَّاسَ شيءٌ، حتى لو انقطع الكهرباء، أو فرغت أُسطوانة الغاز، هذه بسبب دعوة الإمام الحسين – عليه السَّلام – على أهل العراق، وهي سارية المفعول إلى يومنا هذا.

ولا ريب أنَّ الإمام – عليه السَّلام – دعا على قاتليه "اللَّهم إنَّ متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا فقتلونا "

الكوفة عثمانيَّة الهوى…

و لاشكَّ أنَّ من دعاه إلى القُدوم هم أهل الكوفة، ولم تكن الكوفة آنذاك شيعية، بل هي عثمانية الهوى، وكان المغيرة بن شعبة وأبو موسى الأشعري من محرّضي سُكَّانها على الإمام عليٍّ – عليه السَّلام – في حروبه.

ولمَّا أراد – عليه السلام – أن يمنع صلاة التراويح في مسجد الكوفة نادوا بالويل والثبور وصاحوا: واسنَّة عمراه!

فدُّعاء الإمام الحسين – عليه السَّلام – كان على أهل الكوفة عثمانيّ الهوى، لا على شيعة أبيه – عليه السَّلام –

شواهد على دعاء الإمام – عليه السلام -

والشاهد على ذلك أنَّ الولاة لم يرضوا عن قاتليه – عليه السَّلام – كما هو مضمون دعوته "ولا ترضِ الولاة عنهم أبدا"

فقد قتل ابن زياد من جاء له برأس الإمام – عليه السَّلام – وهو يُنشد

املأ ركابي فضةً أو ذهبا ***إني قتلتُ الملك المُحجَّبا

ولم يرضَ عن قاتل طفلي مسلم بن عقيل – عليهم السَّلام – فذبحه في المكان نفسه الذي ذبح فيه الطفلين – عليهما السَّلام –

القضايا: حقيقية وخارجية

وهنا نوعانِ من القضايا: حقيقية وهي التي ينصبُّ الحكم فيها على ما كان موجوداً زمن النطق في الحكم وما سيُوجد بعد زمن النطق به.

بمعنى: أن المعصوم – القرآن بآياته، والعترة بأحاديثها- حين ينطقان بحكمٍ ما، كتشريع الصوم وكان في شعبان السنة الثانية من الهجرة، فهذا الحكم له ثلاثة أزمنة زمان ما قبل الحكم وما بعده وما في أثنائه.

فالذين ماتوا قبل الحكم – يعني قبل شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة - لا يشملهم تشريع الصيام بداهة أنَّهم ماتوا قبل التشريع.

والذين عاشوا زمن صدور الحكم يشملهم حكم الصيام.

والذين سيولدون بعد صدور الحكم يشملهم ذلك، وهذا معنى القضية الحقيقية التي تشمل الأفراد الموجودة الآن والمُقدَّرة الوجود من بعد.

والقضية الخارجية تشمل الأفراد الموجودين فعلاً زمن النطق بالحكم، ولا تشمل زمن ما قبل النطق به وبعد النطق به، فأمدها قصير.

ومثال القضية الخارجيَّة آية النَّجوى التي أمرت المسلمين أن لا يتكلَّموا مع النبيّ – صلى الله عليه وآله – إلَّا أن يقدِّموا بين يدي نجواهم صدقة.

وآية التطهير والمباهلة فإنَّها تشمل خصوص أصحاب الكساء الخمسة – عليهم السلام – ولا تشمل غيرهم.

فلك أن تقول: إنَّ دعاء الإمام الحسين عليه السلام كان على أهل الكوفة بنحو القضية الخارجيَّة، أي أولئك عثمانيّ الهوى فلا يشمل غيرهم؛ لأنَّهم هم الذين قاتلوه من بعدما دعوه وعدوا عليه وخذلوه – عليه السلام –

ولك أن تقول أخرى: إنَّ دعاءه على نحو القضية الحقيقيَّة على كلِّ عثمانيّ الهوى متى وُلِد وأين وُلِد، ولو كان بمصر والشام والعراق وغيرها؛ لأنَّهم راضون بقتله – عليه السلام – والرَّاضي شريك القاتل بدم المقتول.

ملاحظات:

الأولى: أنَّ أهل الكوفة غير شيعة الكوفة فالحدُّ الأوسط لم يتكرر في المقدّمتين لينتج منه لعن شيعة الكوفة كما يموّه الوهابية وغيرهم وتبعهم بعضٌ من قومِنا عن سوء فهم.

الثانية: الأحاديث الواردة في فضل أهل الكوفة والعراق كثيرةٌ جدَّاً، حتى أنَّ مدينة قم المقدَّسة على عظمتها، وكثرة الأحاديث الواردة في فضلها  سمَّاها الإمام الصادق – عليه السلام – الكوفة الصغيرة، وهذا من التشبيه المؤكّد الدَّال على اتحادهما في الفضل والحرمة وإن كان الفضل في الكوفة أشدّ لأنَّه تقرر في البلاغة أنَّ وجه الشبه بين شيئين يكون في المُشبَّه به "الكوفة" أقوى منه في المُشبَّه "قم".

وهناك أيضا مدينة "نفطة" في أفريقيا "وأظنُّ أفريقيا في المصطلحات القديمة يُراد بها تونس الآن" يسمونها الكوفة الصغرى لأنَّ أهلها شيعة.

ملاحظة: روي أنه نظر أمير المؤمنين -عليه السلام - إلى ظهر الكوفة ، فقال : ما أحسن منظرك وأطيب ريحك . اللهم اجعل قبري بها.

وقال – عليه السلام - يحشر من ظهرها يوم القيامة سبعون ألفا وجوههم على صورة القمر.

وسبعون ألفاً كناية عن الكثرة لا أنه يُراد به العدد المخصوص، قال تعالى: "إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ" فلو كان المراد به العدد المخصوص لاستغفر لهم واحداً وسبعين، ولكنه كناية عن الكثرة.