منبر الجمعة
لا يُقرأ هذرمة.. هكذا علم الأئمة (ع) أصحابهم قراءة القرآن

أيّها الإخوة والأخوات من المعروف والمشهور لكم أنّ من بركات شهر رمضان المبارك وأفضاله، أنّنا نجد المؤمنين يتعاهدون كتاب الله العزيز بالتلاوة والقراءة في آناء اللّيل وساعات النهار، وإنّ هذا الأمر هو أمرٌ حسن ويرجو فيه الصائمون والصائمات أن ينالوا مضاعفة الحسنات، وأن يرتقوا في الجنّة كلّما قرأوا آيةً أو مجموعةً من الآيات أن يرتقوا ويرتفعوا درجةً بعد درجة في الجنّة، لكن يأتي السؤال هنا؟ هل أنّه يكفي أن نردّد ألفاظ القرآن الكريم باللّسان لكي نرتقي فعلاً بمراتب الجنّة ونعلو في منازلها؟ أم أنّه لابُدّ أن نتعلّم ذلك المنهج الذي بيّنه المعصومون (عليهم السلام) في كيفيّة القراءة التي يحبّها الله تعالى ويرضاها ويريدُها منّا، ونحقّق من خلالها هذا الارتقاء والصعود والارتفاع.

كيف نقرأ القرآن؟

هلمّوا معي أيّها الإخوة والأخوات حيث أنّنا في هذا الشهر المبارك تنجذب القلوبُ وتتوجّه النفوسُ لقراءة كتاب الله تعالى المجيد، هلمّوا معي الى روايةٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين سأله أحدُ أصحابه وهو أبو بصير، كيف يقرأ القرآن الكريم، وهل أنّه يقرأه ويختمه في ليلةٍ واحدة أو ليلتين أو ثلاث ليالٍ، الإمام (عليه السلام) يعلّمنا كيف كان أصحابُ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) يقرأون القرآن وكيف يتعاملون ويتعاطون مع هذه القراءة، في هذه الرواية كما يرويها أبو بصير وعلي بن حمزة، قال دخل أبو بصير على الإمام الصادق (عليه السلام) قال له: جُعلتُ فداك أقرأ القرآن في شهر رمضان في ليلةٍ واحدة؟ قال: له: لا. قال ففي ليلتين؟ قال: لا. ثمّ قال: في ثلاث ليالٍ؟ فقال له الإمام (عليه السلام): (هاك..) وأشار بيده، و(هاك) اسمُ فعل أمر يعني: خذوا منّي هذا التوجيه كيف تقرأون القرآن الكريم، الإمام (عليه السلام) يقول: (يا أبا محمّد.. إنّ لرمضان حقّاً وحرمةً لا يشبهه شيءٌ من الشهور، وكان أصحاب محمد -صلّى الله عليه وآله- يقرأ أحدُهم القرآن في شهرٍ أو أقلّ...) ثمّ يبيّن أنّهم لماذا يقرأون القرآن في شهرٍ أو أقلّ، هل بإمكانهم أن يختموا القرآن في ليلةٍ واحدة أو ليلتين أو ثلاث؟ نعم.. بإمكانهم، إذن لماذا يقرأونه ويختمونه في شهرٍ أو أقلّ؟ كيف كانت قراءتهم في شهر رمضان الذي له هذا الحقّ والحرمة؟ يبيّن الإمام (عليه السلام) لماذا فيقول: (...إنّ القرآن لا يُقرأ هذرمةً...) الهذرمة هي السرعةُ في القراءة بحيث أنّ الإنسان حينما يُسرع في القراءة لا يفهم ولا يعي معاني العبارات الواردة في القرآن الكريم، ولا يتأثّر بها ولا يتفاعل معها ولا ينجذب قلبُه ولا يحوّل هذه الآيات القرآنيّة الى طاقة عقليّة وفكريّة تحرّك حياته نحو منهج القرآن الكريم، الإمام (عليه السلام) يقول: (إنّ القرآن لا يُقرأ هذرمةً ولكن يُرتّل ترتيلاً) أي القراءة المتأنّية الصحيحة، هذا واحد وهذه مقدّمة.

-التفتوا إخواني- نحن نؤكّد دائماً أنّ مسألة القراءة الصحيحة وتعلّم أحكام القراءة الصحيحة مهمّة ومطلوبة، وكذلك حفظ القرآن الكريم، حفظه في الذاكرة وحفظه بصورةٍ مستمرّة مطلوبة جدّاً ومهمّة، ولكن كلّ ذلك مقدّمة للوصول الى الهدف الأساسيّ الذي بيّنه الإمام (عليه السلام) وبيّنته الآيات القرآنيّة فيقول: (ولكن يُرتّل ترتيلاً) أي قراءةً متأنّية، ثمّ النقطة المهمّة التي أرادها الإمام (عليه السلام) يقول: (فإذا مررتَ بآيةٍ فيها ذكرُ الجنّة فقفْ عندها واسأل الله الجنّة، وإذا مررتَ بآيةٍ فيها ذكرُ النار فقفْ عندها وتعوّذ بالله من النار)، الإمام يذكر مثالاً وسنذكر نحن أمثلةً لنوضّح هذا المعنى، الإمام يقول: (قفْ عندها) ما معنى الوقوف عند هذه الآيات القرآنيّة؟ طبعاً الإمام (عليه السلام) يريد أن يبيّن أنّ الوقوف يعني التأمّل والتدبّر وفهم هذا المعنى وتأثّر القلب والعقل بهذه الآيات، الإمام (عليه السلام) يذكر الجنّة كمثال ويذكر النار كمثال، ما معنى الوقوف حينما يقف الإنسان عند آيةٍ فيها النار وفيها العذاب وفيها الحساب؟ هنا يرجع الى نفسه هل أنا لديّ من الذنوب والمعاصي والآثام ما أعرّض به نفسي الى النار؟ فأستعيذ بالله ليس باللسان بل بتغيير منهج الحياة، وإذا ذكرت وتلوت آيةً فيها ذكرُ الجنّة أقف عندها وأتأمّل كأنّ الجنّة بين يديّ، الآن أعيش أحوال الجنّة، والنار كأنّي بالقرب منها أعيش زفيرها وشهيقها وأتحسّس عذابها، كما ورد في وصف أمير المؤمنين لحالات المتّقين فيقول (عليه السلام): (أمّا الليلُ فصافّون أقدامهم تالين لأجزاء القرآن الكريم) من صفات المتّقين أنّهم في الليل يصفّون أقدامهم للعبادة، ويتلون أجزاء القرآن الكريم، كيف يتلونها؟ هذه هي النقطة المهمّة، (يرتّلونها ترتيلاً ويُحزنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآيةٍ فيها تشويق ركنوا اليها طمعاً وتطلّعت نفوسهم اليها شوقاً وظنّوا أنّها نصب أعينهم)، أي كأنّ الجنّة بنعيمها ولذائذها بين أيديهم يرونها بأعينهم وليست هي في عالم الغيب عن حواسّهم، (وإذا مرّوا بآيةٍ فيها تخويفٌ أصغوا اليها مسامعَ قلوبهم وظنّوا أنّ زفير جهنّم وشهيقها في أصول آذانهم) يسمعون صوت الشهيق والزفير لنار جهنّم، قد البعض منّا لا يصل الى هذه المرتبة يعيش بحواسّه وكأنّ الجنّة والنار نصب عينيه، لكن عندنا مشاهد في الدنيا هذه البراكين -من باب المثال-، هذا الجبل الذي فيه فوّهة بركان وهذه النار ولهيبها وصخور النيران تخرج منها، حينما تشاهدها تصوّرْ أنّ النار أمامك وأنّك الآن عُرِضت معاصيك وذنوبك يوم القيامة، وقيل لك إنّك قد اقتربت من نار جهنّم وسيُسقطونك فيها، هكذا عشْ مثل هذه اللحظات.

وإذا رأيت جمالَ الطبيعة وانبهرت بها فتصوّر الجنّة وعشْ حالة الشوق والانجذاب الى الجنّة، وحثّ نفسك على العمل الصالح، هكذا كان وصف المتّقين، الآن هذا من باب المثال وأعطي أمثلةً أخرى.

إخواني الصائمين والصائمات في بقيّة الأشهر حينما تقرأون آيات القرآن الكريم هناك آيات تدلّ على عظمة خلق الله تعالى، وقد دعانا الله تعالى في كثيرٍ من الآيات القرآنيّة أن نستخدم عقولنا ونفكّر بعقولنا بعظيم القدرة الإلهيّة، فإذا تفكّرنا هكذا ازداد إيمانُنا ويقينُنا بالله تعالى وازدادت معرفتُنا بالله تعالى، مثلاً في واحدةٍ من هذه الآيات التي تدعو الى ذلك قوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) الآن مثلاً تقرأ في العلوم الفلكيّة أنّ بعض المجرّات تبعد كذا مليار سنة ضوئيّة، أصلاً هذا رقمٌ لا تتخيّله، هذا المُكتَشَف ولا ندري بعد سنين ماذا سيُكتَشَف، هذه القدرة العجيبة تتفكّر فيها ومنها تصل الى عظمة الله تعالى وجبروته وسلطانه، واختلاف اللّيل والنهار في نفس الكرة الأرضيّة تجد نهاراً ثمان ساعات وليلاً ستّ عشرة ساعة، وتجد في بعض أجزاء الكرة الأرضيّة النهار (22) ساعة، وفي مناطق أخرى هكذا، فتصل من خلال هذا التفكّر الى عظمة قدرة الله تعالى، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وهكذا تصريف الرياح وغير ذلك من الأمور (...إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وهكذا من خلال هذه الآيات تصل الى قوّة الإيمان بالله تعالى، من خلال التفكّر والتدبّر والفهم لمعاني هذه الآيات.

القرآن منهج حياة

ثمّ الأمر الثاني -إخواني- وهو أن نعرض واقع حياتنا على منهج القرآن الكريم، ولاحظوا إخواني نحن نتعامل مع كتب الحياة الدنيا تعاملَيْن، تارةً أتعامل مع كتابٍ مدرسيّ همّي أن أقرأ الكتاب وأنجح في الامتحان، ثمّ إذا انتهيت وفرغت من الامتحان نسيتُ مضامين هذا الكتاب وأهملتها، وتارةً أمامي كتاب أرى فيه منهجَ اقتصادٍ ومنهج مالٍ ومنهج إدارة ومنهج تربيةٍ فأحاول أن أفهمه وأحرص على تطبيقه، القرآن الكريم منهجُ حياة، فعليّ أن أعرض واقعي على منهج القرآن الكريم حتّى يكون ربيعاً للقلوب، ولاحظوا إخواني نحن في كلّ يومٍ نعرض صورنا وأجسادنا وظاهرنا على المرآة، لنرى فيها إن كانت هناك عيوب نصلحها، وإن كانت هناك قبائح نحاول أن نصلح ذلك وإن كان هناك حسنٌ نحاول أن نحافظ عليه، كذلك في آياتنا القرآنيّة.

الآن أعرض أمثلةً أيّها الإخوة والأخوات، كلّنا الآن وكلّ واحدٍ منّا يقرأ الآية القرآنيّة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) كثيرٌ من الذين يقرأون هذه الآية القرآنيّة يعطّرون أفواههم ويرطّبون ألسنتهم بهذه الآية، ولكن بعد دقائق بنفس هذا اللّسان الذي يتلو هذه الآية القرآنيّة التي تنهى هذا اللّسان نفسه وبقيّة الصائمين عن الغيبة، لكن هذا اللّسان بعد دقائق يغتاب إخوته الآخرين، هل هذه القراءة هي التي أرادها الأئمّة (عليهم السلام)؟ أبداً.. هي نفس الآيات القرآنيّة كما يقرأ في وصيّة لقمان لابنه: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا)، وإذا هو بعد دقائق لما له من مالٍ وسلطةٍ ومن جاهٍ ومكانة يتكبّر ويصعّر خدّه للآخرين ويترفّع عليهم ويستصغر الآخرين، هل هذه هي القراءة التي أمرنا بها الله تعالى؟ في نفس الآيات القرآنيّة هو يقرأ وببصره ينظر الى هذه الآية (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) وإذا بعد دقائق بهذه العين التي قرأ بها هذه الآية القرآنيّة (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ...) وهو من المؤمنين (...يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ) بهذه العين التي أبصر بها هذه الآيات القرآنيّة ينظر الى محرّم، فهل هذه هي القراءة التي أرادها الله تعالى؟!

أيضاً في آياتٍ أخرى قد تنهاه عن الرّبا أو أن يتعامل مع الآخرين بالعفو والصفح، ولكنّه في نفس الوقت يتعامل بالإيذاء ويتعامل بالتعالي مع الآخرين ويتعامل بالقسوة، فهل يُمكن أن نقول إنّ هذه القراءة هي التي أرادها الله تعالى في شهر رمضان المبارك، وانظروا الى الحديث الشريف (تعلّموا القرآن فإنّه ربيعُ القلوب)، ودقّقوا في الأحاديث الشريفة تجدوا أنّ أكثرها ورَدَ فيه لفظ: تعلّمْ، ادرسْ، حملة القرآن، (أشرافُ أمّتي حَمَلةُ القرآن وأصحاب الليل)، أيضاً ورد في بعض الأحاديث الأخرى: (إذا أردتم عيش السعداء وموت الشهداء والنجاة يوم الحسرة والهدى يوم الضلال، فادرسوا القرآن فإنّه كلامُ الرحمن وحرزٌ من الشيطان)، كذلك ورد في أحاديث أخرى (من تعلّم القرآن وعلّمه وعمل به فأنا سائقٌ له الى الجنة)، لذلك إخواني حينما تقرأون القرآن الكريم حتّى يكون ربيع القلوب، والحديث يقول: (تعلّموا القرآن فإنّه ربيعُ القلوب).

إخواني أختم هذه الخطبة فأقول: أنْ تقرأ آيةً واحدة تتدبّر فيها وتفهمها وتتحوّل الى طاقةٍ عقليّة وفكريّة وعاطفيّة وسلوكيّة لديك تحرّكك نحو الارتقاء والإصلاح، أفضل من أن تختم القرآن وهذه القراءة لا تهزّ وجدانك ولا تغذّي عقلك ولا تحرّك قلبك ولا تُحيي ضميرك، آيةٌ واحدةٌ تفعل هذا الفعل أفضل من أن تقرأ القرآن وتختمه وهو لا يفعل هذا التأثير فيك، فإنّ الحديث الشريف لم يقل فقط اقرأوا القرآن بل تعلّموا القرآن فإنّه ربيع القلوب، الربيع هو الأجواء التي توفّر الحياة، لذلك تعلّموا القرآن بتدبّره وفهمه وتحويله الى منهج حياة هو الذي يجعل منه ربيعاً لهذه القلوب والنفوس.

نسأل الله تعالى أن يوفّقنا أن نكون من أولئك الذين تعلّموا القرآن وعلّموه وعملوا به، فحوّلوه الى منهاج حياةٍ وربيعٍ للقلوب، وأن تكون قراءتنا كما أراد الله تعالى ولا نجعل على قلوبنا أقفالاً لا نتمكّن من خلالها أن نحوّل القرآن الى ربيعٍ للقلوبٍ، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.


*النص الكامل للخطبة الأولى من صلاة الجمعة التي ألقاها ممثل المرجعية العليا سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي بتاريخ 19 رمضان 1440 هـ الموافق 24/05/2019 م

2019/05/26

المرجعية العليا تحذر من استغلال طاقات الشباب

اخوتي اخواتي..

لا شك ان الشباب مستقبل كُلَّ بلد، وهؤلاء الشباب هُم عبارة عن ذخيرة يعتزّ بها أيُّ بلد يحاول ان يرسم لنفسه مستقبلاً زاهراً، ونحن في الواقع عندنا مشاكل كثيرة وبعض الحديث يُمكن ان يُقال وبعضهُ لا يُمكن ان يُقال، لكن ما يمكن ان نختصره بشكل قد يؤدي بعض المطلب وهو انهُ من المسؤول عن رسم مستقبل ابنائنا واولادنا ونحن نرى البعض منهم قد يُعاني مشاكل كثيرة وكبيرة؟؟

طبعاً كما هي العادة الحديث ليس فيهِ تعميم وانما الحديث الغرض منهُ تشخيص بعض المشاكل التي يُعاني منها شباب اليوم، وسأتكلم عن هذه الفئة المهمة والحمد لله الحضور ان شاء الله كلهُ شباب.

هذه الشريحة من ابنائنا والذي لم يبلغ عمر الشباب قد يكون لهُ نحو من التنبّه والذي في مرحلة الشباب ايضاً نحتاج منهُ ان يلتفت وان يسمع والذي تجاوز مرحلة الشباب لعلّهُ عندهُ في اسرته ومعارفه خصوصاً الذي تجاوز مرحلة الشباب كان شاباً فيُمكن ان يفهم طريقة التعامل..

الشباب وثقافة اللامسؤولية

الشباب اليوم في الواقع واقول البعض لا اُعمم يعانون من ضغوطات كثيرة وهذه الضغوطات قد ارادت ان تنحو بهم منحى قوامُه هو اللامسؤولية ان يُبعدوا الشباب عن كل مسؤولية لأن هذا الشاب بعد عشرين سنة او خمسة عشر سنة سيكون في موقع ما واذا كان في موقع ما ولم تكتمل عندهُ الرؤية الفكرية والثقافية بشكل جيد ليس من المعلوم ان يكون عنصراً نافعاً.

وهؤلاء الشباب اليوم عندما يعانون من ضغوطات ايضاً يحتاجون الى من يرشدهم.

سبق وقلنا في خدمتكم لعل الاسرة تتحمل بعض المدرسة تتحمل بعض الجو العام يتحمل بعض لكن بالنتيجة هذه خسارة لمجتمعنا عندما نفقد شاباً واحداً سنخسر كمجتمع عنصراً مفيداً كان يمكن ان يُصلح اشياء كثيرة.. إذا فقدنا اثنين ستكون الخسارة أكبر وإذا ثلاثة وهكذا.

فحديثي للإخوة الشباب واعزتنا وابنائنا..

بعض الامور اُحب ان اُلفت نظركم لها كأب وارى نفسي مسؤولاً وأنتم ابنائنا ايضاً أنتم في هذا البلد المؤمّل فيكم خيرٌ كثير.. ونحن دائماً نتفائل إذا شذَّ واحد او اثنين فلا يعني ان الكُل، بالعكس الغالبية من الشباب اليوم بحمد الله يتحملون المسؤولية ويفهمون الامور ولذا الكلام سيكون سهل.

ابنائي عليكم بالجد، هذا العمر عمر الفتوة والنشاط العضلي والنشاط الذهني ايضاً النشاط العقلي استثمروا كل ما بوسعكم من الاوقات لأن تكونوا مجدّين، الاوطان لا يبنيها الا الجِد لا يبنيها الا الاخلاص لا يبنيها الا السعي.

تعلّموا الجِد في حياتكم، لابد ان ايضاً تلتفتوا الى تحقيق او التفكير بوجود هدف، هذه الحياة حياة فيها ما فيها من مشاكل وصِعاب والانسان عليه ان يخوض غِمارها بمنتهى القوة والشجاعة، لابد ان تحددوا هدفاً ما وهذا الهدف ايضاً يحتاج الى سعي لا يتحقق الهدف بالأماني فقط.

نعم الأمل شيءٌ حَسِن اذا استتبعهُ عمل يوافق هذا الأمر، ان لا تكون هناك اماني بلا عمل، لابد ان يتحدد في انفسكم ورؤاكم ان يتحدد هدف من الاهداف عندكم، الضحك وقضاء الاوقات بلا فائدة انتم ستندمون عليه قبل غيركم.

انا لا اقصد بالضحك هي انبساط اسارير وعضلات الوجه ليس المقصود بالضحك هذا وانما الضحك هو عدم الاستفادة من الاوقات وقضاء الاوقات في اللعب واللغو من القول واللغو من العمل بلا محصلّة.. كم من شابٍ قضى وقتهُ باللعب ثم نَدِمَ على ذلك بعد حين وكم انسان لم يلتفت الى ايام شبابه فارتكب ما ارتكب ولا زالت بعض الآثار تلاحقهُ وان كَبُر.

الشباب والتجربة

ابنائي ليس من المصلحة ان تُجرّب كل شيء بعض الاشياء لا يمكن ان تجربها لأنك اذا جربتها سقطت من شاهق، عليك ان تستشير وعليك ان تجلس مجلس المتعلّم امام من هو اكبر سناً وتجد فيهِ النصيحة والشفقة والرأفة، لا يأخذك الغرور في هذا العُمر وتَزعم انك تستطيع ان تفهم كل شيء وتستطيع ان تفعل كل شيء..

كُنّا شباباً وبعض من بلغ الستين والسبعين والخمسين ايضاً كانوا شباباً ومرّ هؤلاء بهذه التجربة استفد منها انت لم تكن شيخاً حتى تفكر نيابة عنه لكن الشيخ كان شاباً فهو يعرف ادوار الشباب فإذا اراد ان ينصح ينصح عن بصيرة واذا اراد ان يُقدّم يقدّم عن وعي وادراك.

كم من شابٍ الآن يقضي وقتهُ بلا فائدة؟؟!!

اٌقسم بالله عندما نرى بعض الابناء وبعض الاولاد يقضون اوقاتاً فيما لا يستحسن ذكرهُ نتألم عليهم كثيراً لأننا نرى مصير هذه الافعال الى أين ستؤدي.

الشباب اليوم ابنائنا، طبعاً انا اتحدث كل من لهُ مسؤولية في هذا الجيل ان يراعي ذلك..

وهؤلاء الاعزّة شبابنا عليكم اخواني شبابنا ابنائي لاحظوا فكروا في المستقبل لعلّ الانسان جزء من عدم توفيقه اذا كان بصرهُ بمقدار قدمهِ لا ينظر الى الامام، الانسان يتعامل مع الحاضر لأنهُ يتحسس يومياً مع الحاضر لكن المستقبل ضَع خطةً لمستقبلك وامشي عليها فإن لم تصب تمام الخطة فقد أصبت ثلثيها.. اما إذا لم تضع أي شيء فإنه سيفوتك كل شيء.

شباب الآن في عمر معين عليهم ان يخططوا وعليهم ان يفكروا، انتم ابنائنا خذوا النصيحة ممن يسعى لمصلحتكم، أعلم هناك من يحاول ان يدس السُمَّ في العسل ويتسلّق على اكتاف هؤلاء الشباب لمصلحة هو اعلم بها..

لا يحق لكم ان تتخذوا من الشباب جسوراً لمآربكم.. هؤلاء ابنائنا وبناتنا، الأُسر الكريمة لأكثر من مرة هذا المطلب نُعيدهُ لأهميتهِ، الاُسر الكريمة الرجاء الرجاء منكم ان تجلسوا مع اولادكم وان تأخذوا بأيديهم وان تعلّموهم وان ترشدوهم ارجوكم افعلوا ذلك.. اجلسوا معهم بيّنوا لهم مخاطر الامور، لا تنصرفوا عنهم لمُلهيات ثم تنهونهم عن هذه المُلهيات.. هذا لا يمكن..

انت بادر ايها الاب العزيز ايتها الاخت الام الفاضلة أنتم بادروا.. هذه سعادة الدنيا والاخرة الانسان يجلس امام اولاده يعلّم ويرشد ويستمع ويصادقهم ويعلمهم هذه هي السعادة.

انت تجهد صباحاً ومساءً حتى تأتي لأهلك بالزاد وتجلس امام اهلك واولادك هذه الجلسة الاُسرية الرائعة هذه استثمرها لما فيه توجيه للأبناء.

لاحظوا اخواني في العراق الاُسر يعني العراق بلد فيه هذا التكاتف الاُسري والله بدأنا نخاف على هذا التكاتف الاسري وبدأنا نخشى عليه، الاب في شأن والام في شأن والابن في شأن.. كيف تسير الامور؟؟!

هناك نزعة فطرية الانسان يُحب ان يجلس مع اولاده وهناك نزعة فطرية عند الابن يُحب ان يسمع من ابيه، لماذا يحاول البعض ان يأتي بهذه النزعة الفطرية ويحاول ان يهدمها او يعمل ضدّها؟

ايها الشباب الاعزّة اولا ً اسأل الله تعالى ان يمهد لكم سُبل السعادة في الدنيا والاخرة وان يبصركم باموركم وان تجدوا من تسترشدون برأيه ويكون رأياً حكيماً نافعاً دقيقاً..

تعلّموا والعلم يبدأ ولا ينتهي، الانسان عندما يضع قدمهُ على العلم يبدأ ولا ينتهي يبقى يتعلم ما شاء الله له تعالى ان يبقى سواء كان علوم بمختلف العلوم اتحدث.. وايضاً استنصحوا وخططوا تخطيطاً يقبل التطبيق وتفاءلوا بمستقبل اذا عملتم بخطوات حكيمة دقيقة لاشك ان النتائج ستكون وفق هذا التخطيط..

لولا حرصنا على ابنائنا ولولا اهمية هذا الموضوع لما تطرقنا لهذا الموضوع لكن لأهميته قد سنعيد الكرّة والكرّة لشعورنا بأهمية ابنائنا وبناتنا واهمية هذا العُمر بالنسبة الى مستقبلهم رغم كل المشاكل التي تعصف بالبلد لكن لا نجعل هذا التفكك ضريبة لهذه المعاناة..

وطبعاً هذا الكلام اريد ان يسمعه السياسي ويسمعه الاقتصادي ويسمعه المدني ويسمعه جميع من يتصور ان له رأي وكلمة وتسمعه الاسر الكريمة التي تحرص على ابنائها كما تحرص على انفسها..

نسأل الله تعالى سلامة الدين والدنيا والمعافاة وان يرينا في بلدنا وشبابنا كل والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

حيدر عدنان


*النص الكامل لخطبة الجمعة التي ألقاها سماحة السيد احمد الصافي في الـ 11/ رمضان/1440هـ الموافق 17 /5 /2019م

 

2019/05/18

كيف نوظف شهر رمضان في مواجهة صعوباتنا ومشاكلنا؟

الائمة عليهم السلام يؤكدون في أحاديثهم وسنذكر بعضاً منها "لا تجعل يوم صومك كيوم فطرك" ومعنى هذه العبارة ايها الصائمون اغتنموا فرصة هذا الشهر هذه المعطيات اجعلوها فرصة لإجراء التغيير نحو الأفضل، بحيث انت ايها الصائم ايتها الصائمة تجد نفسك بعد انتهاء هذا الشهر اصلح وافضل واطهر واقوم مما كنت عليه بداية الشهر.

ان لم تحصل على هذا التغيير فانت قد خسرت وحرمت نفسك من هذه الغنائم العظيمة.

من الامور الواضحة بالنسبة للإنسان في حياته انه كلما كانت لديه المعرفة والوعي والادراك بأهمية وخطورة الامر في حياته كلما اشتد اهتمامه وتوجهه واندفاعه نحو ذلك الشيء.

وإذا نتتبع الاثار الواردة عن المعصومين عليهم السلام نجد هناك اهتمام كبير من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والائمة المعصومين عليهم السلام بشهر رمضان فهم يريدون ان يلفتوا نظرنا الى أهمية هذا الشهر واهمية معطياته في حياتنا الدنيوية و الأخروية.

وشهر رمضان بما ورد فيه من وسائل الاهتمام المتعددة للمعصومين عليهم السلام من خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن الادعية المتعددة الغزيرة المضامين الروحية والتربوية الى الروايات الكثيرة تعكس مدى اهمية وعظمة معطيات هذا الشهر المبارك والمقصود منها تحفيز العزائم وايقاظ العقول وبعث الهمم للاستفادة بما يناسب عطاؤه وحكمته.

التفتوا اخواني عندما تقرأون الخطب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والقران الكريم قبل ذلك دققوا وتأملوا ولا تقرأوا القراءة السطحية والعابرة.

لاحظوا في خطبة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يبتدأ في بيان فضيلة شهر رمضان وبعدها يطلب من الله سبحانه وتعالى ان يعيننا على صيامه ماذا يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): "فاسألوا الله ربكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة".

ايها المؤمن الصائم ايتها المؤمنة الصائمة إذا اردتم الوصول من خلال الصوم هذا التعب والعناء وألم الجوع والعطش وغير ذلك إذا اردتم ان تصلوا الى التقوى ابتدأوا بقلوبكم اولاً طهروها مما فيها من الحسد والتكبر والغل والحقد والمكر وغير ذلك من هذه الصفات الذميمة، طهروها من شوائب الدنيا وكل شيء غير الله تعالى.

إبدأوا بقلوبكم..

لذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: "فاسألوا الله ربكم بنيّات صادقة وقلوب طاهرة".

أنتم ايها المؤمنون وايتها المؤمنات ابحثوا وافحصوا في اعماق قلوبكم إذا كان شيء فيها من الغرور والتعجب والكبر والمكر والحقد وغير ذلك من هذه الصفات الذميمة طهروها حينئذ سينزل عليكم الفيض والبركات والفضائل الالهية لأنه ساحة القلب ستكون مهيئة حينئذ.

ايضاً في بعض الأحاديث المهمة عن الامام الصادق (عليه السلام): "القصد الى الله بالقلوب ابلغ من القصدِ اليه بالبدن".

معنى ذلك أنك حين تقصد الله تعالى بقلب سليم وطاهر هذا سيوصلك أسرع مما لو قصدت اليه ببدنك وان اتعبت بدنك في العبادات.

لذلك اخواني نقطة الانطلاق هنا ان تبدأوا بقلوبكم وتصفّوها من هذه الصفات الذميمة ومن هنا جاء الجهاد الاكبر جهاد النفس الذي ورد في حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : (جهاد السلاح الجهاد الاصغر وجهاد النفس هو الجهاد الاكبر).

النقطة الثانية التي من خلالها نتعرف على كيفية الوصول بالصوم الى التقوى وهو التوجّه والالتفات نحو جوهر وروح الصوم والغاية السامية منها.

مشكلتنا نحن ان طبيعة تعاملنا وتعاطينا مع العبادات تعامل وتعاطي سطحي في مرتبته الادنى مثلا ً نتعامل مع الصلاة على انها حركات للجسد والفاظ باللسان لا نتعامل معها على انها صلة مع الله وتواصل مع الله وهي قربان كل تقي وهي معراج مؤمن، وان الصلاة لو اتيت بحقيقتها وجوهرها ارتقت بك من عالم الارض الى عالم الملكوت الاعلى المقدس والمطهر، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، لماذا لا تنهانا صلاتنا عن الفحشاء والمنكر لإننا تعاملنا معها تعاملا ً سطحياً ولم نتعامل معها بفهم بحقيقتها وروحها وجوهرها حتى يمكن من خلال ذلك ان نصل من خلال هذه العبادة الى التقوى.

كذلك الصوم ايضاً تعاملنا معهُ على انه رحلة المعاناة والمقاساة من ألم الجوع والعطش فننتظر تلك اللحظة التي نُشبع فيها شهوتنا ونتخلص من آلام الجوع والعطش لم نتعامل معهُ على انهُ ارتقاء بالنفس والانسان من حظوظ البهيمية الى حظوظ القدسية للملكوت الاعلى ومن خلال التقوى.

هذه المشكلة لم نفهم ونتعامل مع العبادات من صلاة وصوم وحج وبقية العبادات على انها سلسلة متصلة ومترابطة بعضها مع بعض كُلها يُراد منها ان توصلنا الى التقوى، كذلك نحن لم نتعامل مع الصوم بهذا النوع من التعامل والتعاطى لاننا لم نفهم ولم نعي ولم تكن لنا البصيرة بجوهر وحقيقة الصوم الذي اراده الله تعالى مِنا.

والتفتوا الى حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "أيسر ما افترض الله على الصائم في صيامه ترك الطعام والشراب".

فهذا الذي نستعظمه ونستثقله ونعاني منه وهو الجوع والعطش انما هو الوظيفة الايسر فما هي اذن الوظيفة الاعظم والاشق؟ انها مراقبة ومتابعة وملاحقة كل جارحة من يد ورجل ونظر وسمع بل شم ولمس لتعصم وتمنع من الحرام وتوضع على الطريق الصحيح في مرضاة الله تعالى.

وورد عن ابي عبدالله (عليه السلام): "ان الصيام ليس من الطعام والشراب وحده، فاحفظوا السنتكم وغضوا ابصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا".

ايضاً من الامور المهمة في معطيات هذا الشهر، كيف نوظّف شهر الصيام لتقوية الجانب الروحي والمعنوي وترسيخ الارتباط بالله تعالى؟

كيف نوظّف شهر رمضان في مواجهة صعوباتنا ومشاكلنا؟

نحن في حياتنا الدنيا نواجه الكثير من المشاكل من الصعوبات من الازمات والضغوط النفسية والاجتماعية.. كيف نستطيع ان نواجه هذه الازمات والمشاكل ونخرج منها بنجاح بحيث لا تتعثر مسيرتنا في الحياة ولا نقع في الفشل والاخفاق؟

وأنتم لا شك تتابعون وتقرأون كثرة حالات الانتحار مثلا ً لماذا؟ شباب مع الأسف الشديد في عمر العشرين او في عمر الثلاثين.. كل فترة نقرأ في المكان الفلاني انتحر الشاب او الشابة الفلانية، وهناك حالات الطلاق كثيرة وحالات التفكك الاسري كثيرة وحالات المشاكل الاسرية والمشاكل الاجتماعية.

لماذا هذا الانتحار وهذا الطلاق تجد ان هناك تعقيدات ظروف الحياة المادية والضغوط النفسية والاجتماعية التي تؤدي الى حالات من القلق والكآبة والخوف والحزن والاحباط واليأس من المستقبل.

هؤلاء لا يستطيعوا ان يواجهوا هذه المشاكل بروح وعزيمة وقدرة على حلها وتجاوزها بحيث لا يؤدي بهم الى هذه الحالات من التفكك او الطلاق او الانتحار او غير ذلك من الامور النفسية التي تصيب الانسان..

ما هو الحل وما هو العلاج؟

يأتي هنا اخواني تعزيز الجانب الروحي والمعنوي، نحن نشكو في مجتمعنا من حالة الجفاف الروحي والمعنوي، نحتاج الى إغنائه، إذا قويّت الاتصال والارتباط بالله تعالى وهذا يعني انني اعتقد ان لي رب قادر وحكيم ورحيم وعطوف بي وحنون عليَّ هو سيعينني على ان اتجاوز هذه المشاكل والازمات واتخلص منها بنجاح ولا أقع في الفشل والاخفاق واليأس والاحباط وغير ذلك من هذه الامور النفسية..

عندي رب العالمين سيكون معي وحتى لو ابتليت لمصلحة وحكمة ومنفعة لي ولكنه سيُعنني وسيقف معي ويعينني على تجاوز هذه المشاكل..

لماذا أهرب منها بالانتحار؟؟!!

لماذا اهرب من المشاكل بالطلاق الا إذا وصل الى طريق مسدود؟

لماذا هذا التفكك الاسري؟

لماذا هذه العداوات؟

لماذا هذا الانفصال الاجتماعي وغير ذلك من المشاكل النفسية والاجتماعية وغيرها؟

هنا يأتي الدور الروحي والمعنوي قراءة القران والادعية والمناجاة وذكر الله تعالى ويأتي هنا ذكر الله ويقول لك ان الله تعالى الذي بيده كل شيء الآن هو مطلع عليك ويعرف بك وهو ارحم من الام بابنها، الام كم هي رحيمة بابنها اذا رأته مهموماً وقلقاً تبذل كل شيء من اجله وعلى استعداد ان تضحي بنفسها من اجل ان تنقذه، الله تعالى ارحم الراحمين ارحم من الام بابنها..

اخواني حينما نواجه ازمة علينا ان نسعى لحلّها وهذا لا يعني الركون فقط الى الدعاء والذكر والجلوس في البيت وان ندعو فقط ونذكر الله تعالى، نعم، هذا جداً مطلوب، ولكن علينا ان نسعى ايضاً لحل هذه الازمات والمشاكل ونسعى لتجاوزها وحلّها، ولكن في نفس الوقت إذا وجدت ان هذه المشاكل لا تُحل قلة الفرص للعمل وضغط الحياة والضغط النفسي والمعيشي وغير ذلك وانا وجدت ذلك واقع الحال أسعى لحلّها ولكن لا أستطيع فماذا افعل؟

اتعامل مع الواقع كما هو اتوجه الى الله تعالى اقول إلهي انت ارحم بأمي منّي وارحم من الجميع بي ارحمني واعني على ان اتجاوز هذه المشكلة والازمة ولا اهرب منها بالتخلص من هذه الحياة التي جعلها الله تعالى ممراً وطريقاً للوصول الى الحياة الحقيقة في الاخرة..

لذلك اخواني في جميع مشاكلكم وما تعانوه من مصاعب توجهوا الى الله تعالى فهو سيكون عوناً لكم.


*النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي التي ألقيت في 4/ رمضان هـ الموافق 10 /5/ 2019م

2019/05/11

المرجعية العليا تعبّر عن امتعاضها من «التجاوز على حرمات الناس»

إخوتي أخواتي أعرض بخدمتكم السؤال التالي وسنحاول أن نجيب عنه بشكلٍ موجز، ألا وهو: كيف تتشكّل المنظومة المعرفيّة عند الإنسان؟

الإنسان عندما يولد ويأتي الى هذه الدنيا قطعاً سيتعلّم ويكون حاله ليس كحال بدايات حياته وولادته، السؤال هو كيف تتشكّل هذه المنظومة المعرفيّة عنده؟ طبعاً أنا لا أتحدّث عن المدارس الفكريّة والثقافيّة وليس الكلام في هذا الجانب، وكما تعلمون أنّ المدارس الفكريّة تختلف في مضامينها وتختلف في الأُسُس الفلسفيّة التي تشيّد نفسها بها، الكلام ليس في ذلك وهذا ليس محلّه، وإنّما حتّى يكون حديثنا حديثاً اجتماعيّاً عامّاً فلابُدّ أن يكون حول الآليّات التي تتشكّل فيها المنظومة المعرفيّة عند كلٍّ منّا.

الكتاب

لعلّ أوّل آليّةٍ هي الكتاب، أنّ الإنسان يقرأ في كتابٍ ما ويستفيد ممّا هو موجودٌ فيه، ولذا ترى الناس يتسابقون على اقتناء الكتب وقراءتها وربّما مناقشة ما في الكتاب، وكان البعض وما زال يعقد مجالس عامّة لمناقشة هذا الكتاب الذي قرأه زيدٌ أو عمروا، فالكتاب كان ولا زال يمثّل ركيزةً مهمّة في تشكيل المنظومة المعرفيّة.

المعلم

ثانياً: المعلّم، أنّ الإنسان يتعلّم من معلّمه، كيف يختار المعلم هذا ليس من شأننا، لكن أداة زيادة المنظومة المعرفيّة تكون من قِبل المعلّم، ويبقى يستفيد من هذا المعلّم بالمقدار الذي يتيحه له الوضع العامّ، وهذا التعليم أيضاً تختلف درجاته، لكن لا زال المعلّم يمثّل الركيزة المهمّة في الأداة المعرفيّة، صار عندنا كتاب وعندنا معلّم.

ومن جملة ما عندنا من آليّات هي التربية التي يتربّى عليها هذا الشخص، سواءً كان في بيئته أو أسرته، والأسرة لها الأولويّة في صقل شخصيّته المعرفيّة، فهو يتعلّم منها من تجارب الأب أو تجارب الجدّ أو تجارب الأمّ ويتعلّم منهما، فكما يأخذ من أسرته الأكل والشرب الذي يأخذه في البيت كذلك يأخذ منها الزاد المعرفيّ، ولعلّ هذه الأمور من الأمور الشائعة، قديماً عندما بدأ الإنسان يسطّر ويكتب الأفكار، والمعلّم أيضاً قديماً قبل آلاف السنين هناك معلّم يعلّم ويعطي وهناك الأسرة، هذا التكوين القديم الذي تكوّن وهذا هو الوضع الطبيعيّ في الأدوات المعرفيّة.

مصادر معرفية ضارة

اليوم بالإضافة الى هذه الأشياء بدأت ثقافتُنا المعرفيّة تدخل على آليّاتها وأدواتها أشياءُ أخر لم تكن سابقاً موجودة، وهذه الأشياء الأخر أيضاً أشياء مؤثّرة وتدخل في ثقافتنا المعرفيّة، بل هذه الأشياء اختصرت كثيراً من أدوات المعرفة ووضعتها أمامنا بشكلٍ واضح، وأقصد من هذه الأدوات هي الثورة المعلوماتيّة الحديثة المتمثّلة سواءً بالأنترنت أو عموم صفحات التواصل الاجتماعيّ، طبعاً هذه الحالة لا يُمكن للإنسان أن يغفلها أو يغفل مدى التأثير فيها، لكن أحبّ أن أنوّه هنا الى مسألة -وطبعاً أنا لا أعمّم الحكم- وإنّما أقول هذه الأدوات المعرفيّة فيها النافع وفيها الضارّ كالكتاب، الإنسان يُمكن أن يقرأ كتاباً نافعاً أو يُمكن أن يقرأ كتاباً ضارّاً، لكن هذه الأدوات المعرفيّة فيها شيء آخر ألا وهو حالة عدم المعرفة الخاصّة لمن يحاول أن يأخذ ثقافته العامّة منها.

أقول هذه المنظومات الثقافيّة -أو أعبّر عنها الإلكترونيّة-، هذه الثقافة الإلكترونيّة قسمٌ منها غير معروف، يعني هويّة هذه الثقافة غير معروفة، ونحن قد نمرّ بحالةٍ من التشوّش الفكريّ المعرفيّ بل التناقض في بعض الحالات، لعدم قدرتنا على فرز ما فيها، ولذلك سيكون تأثيرها السلبيّ كثيراً خصوصاً على الشباب وبعض الإخوة الذين لم يتعلّموا في الوضع السابق، يعني ليس عنده معلّم وليس لديه كتاب وليست لديه أسرة في محلّ تعليمه، وإنّما فتح عينيه على هذا الرّكام والكمّ الهائل والمشوّش الذي فيه تناقض، لا شكّ هنا لا نحصل على منظومة معرفيّة واضحة المعالم بل سنحصل على منظومة مشوّهة.

المشكلة أنّ هذه الثقافة باتت أسهل تناولاً لكنّها أخطر تأثيراً، ولذلك لاحظوا الآن عندما نقرأ بعض ما في هذه بغضّ النظر عن المسمّيات، سنجد أنّ هناك ثقافةً في هذه المقاطع -أنا قلت لا أعمّم- سنجد ثقافةً هي أقرب ما تكون الى الجهل منها الى الثقافة، يعني الإنسان يتربّى على حالةٍ من الجهل وحالةٍ من المبتنيات الفكريّة غير الرصينة بل فيها -كما قلت- أشياء متناقضة، اليوم تقول لك كذا وبعد شهر تقول كذا على نحو التبنّي، وبعد شهر تقول على عكسه أيضاً على نحو التبنّي، وتجعل هذا المتصفّح في حيرةٍ من ذلك.

التجاوز على حرمات الناس

ثانياً إنّ هذه الأدوات فيها تجاوزات على حرمات الناس بطريقةٍ أصبح يسهل علينا رمي الناس بكلّ التهم الموبقة -والعياذ بالله- بلا أن نفكّر أو نراجع أنفسنا أو نعي خطورة ذلك علينا، وأصبحت هذه المسائل هي التي تزكّي وهي التي تمدح وتقدح وهي التي تذمّ وتجرح بطريقةٍ في منتهى العشوائيّة، خطورة هذه الثقافة هي عبارة عن ثقافة لا أصل لها إنّما هجينة ومركّبة من خليطٍ يجعل الإنسان غير سويّ، يجعل ثقافته ثقافة مهزوزة وثقافة غير واقعيّة، ويجرّئ الناس على أن يتكلّم بعضهم على بعض بألفاظٍ نابية وألفاظ لا يستحسنها الذوق العامّ، وخرجت كثيرٌ من الأمور عن الجادّة الوسطى وأصبحت معركة للكلام النابي والتصرّفات غير اللائقة الى آخره، بل أصبح البعض يملك أكثر من مصدرٍ لهذا، لغرض إحداث جوٍّ -مثلاً- لإرباك مسألة معيّنة، خصوصاً في حرمات وثقافات وأدبيّات الناس.

كما تجدها ثقافة تفتقر لأبسط مقوّمات اللغة والفهم والكلام الذي يُسبك بشكلٍ صحيح، خرجت هذه المسألة نهائيّاً، وطبعاً كما تعلمون أنّ وجود المعلّم -ألفت نظر الإخوة أنّي أتحدّث عن الآليّات-، وجود المعلّم يقوّم الخلل الذي يُمكن أن يكون عند التلميذ، سواءً خلل اللّسان أو خلل الكتابة أو خلل الفكرة، هذه الأشياء أصبحت غير مقوّمة وإنّما تشجّع على الابتعاد عن اللّغة الأصيلة، بوجود أخطاء لغويّة، بدأت ثقافتنا الحقيقيّة تنسلخ شيئاً فشيئاً، احترام بعضنا للبعض أصبح أيضاً ينسلخ شيئاً فشيئاً، لأنّ هذا قد يستحي أن يتكلّم أمام الناس بكلامٍ نابٍ، لكن عندما يأتي الى هذا الجهاز يتكلّم كلاماً نابياً لأنّه في بعض الحالات غير معروف، فهو أمام نفسه -انتبهوا- سلخ الحياء عن نفسه، والإنسان إذا سلخ الحياء عن نفسه كما يعبّرون: (إذا كنت لا تستحي فافعلْ ما شئت).

نحن إخواني عندما نقول إنّ هذه الأمور تحتاج الى مزيدٍ من المتابعة نعني ثقافة الاستعمال، أقول هذه الأمور من حقّ الإنسان أن يطوّر وسائله المعرفيّة وهذا شيءٌ حسن وجيّد والناس استفادت كثيراً، لكن أيضاً يحتاج الى ثقافة في تناول أدوات المعرفة، هذا نوع من الأدبيّات، المشكلة أين؟ أنّ المجتمع والعرف يُمكن أن يكون مصدّاً للكثير من الانزلاقات، لكن إذا حيّدنا المجتمع وبدأ هذا يتعبّد بهذا الجهاز وما يقول له، فهذه المصدّات ستغيب عنه ويفعل ما يشاء، وبالنتيجة يوماً بعد يوم ستكون ثقافته ثقافة شوهاء عمياء عرجاء، ويدّعي أنّ هذا من صميم ثقافته، طبعاً أنا لا أتحدّث عن المخاطر الأخرى، المخاطر الأخرى اللاأخلاقيّة هذا بابٌ واسع جدّاً وعلى الجميع أن يلتفت وينتبه اليه.

نعم.. هذه مشاكل كثيرة وبعضها يجرّ الى بعض، لكن لأنّ عنوان ما قلت هو (وسائل المنظومة المعرفيّة) أجد لابُدّ من وجود ثقافة، فإنّنا حتّى في هذا الباب نحتاج الى مرشد ونحتاج الى معلّم ونحتاج الى الأب أن يوجّه ولده في كيفيّة الاستعمال، ونحتاج الأم أن توجّه ابنتها في كيفيّة الاستعمال، لا تُتركُ هذه الأمور بدعوى أنّ هذا يزيد من اطّلاعه ومن ثقافته، فهذا أمرٌ في منتهى الخطورة.

هناك ثقافةٌ مشوّهة ولعلّه بعد كم سنة نرى أشياء غير الأشياء الموجودة، وهذه كلّها تهدّد منظومتنا الفكريّة والثقافيّة بسبب سوء استخدام هذه الآليّات، الكتاب مطلوب والمعلّم مطلوب والأسرة أن تربّي مطلوبة، هذه الأمور حسنة لو أُديرت بشكلٍ جيّد، أمّا إذا أُديرت بشكلٍ عشوائيّ حقيقةً لا نسلم على ثقافتنا أبداً، بل ستكون هناك ثقافة شوهاء عرجاء عمياء، وهذا أمرٌ لا يُمكن أن يُغضّ النظرُ عنه حفاظاً على مورثنا الثقافيّ أو أصالة ثقافتنا، عموماً هذا ما يسمح به الوقت ولعلّه هناك أحاديث أخرى تتعلّق بهذا الموضوع.

نسأل الله سبحان وتعالى أن يوفّقنا وإيّاكم لخدمة أبنائنا وإخوتنا، اللهمّ أرنا في كلّ ما يتعلّق بنا وما نتعلّق به كلّ خير، اللهمّ احفظ بلادنا من كلّ سوء، اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات وتقبّل منّا ومنهم صالح الأعمال بمحمدٍ وآله، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.


  • النص الكامل لخطبة صلاة الجمعة بإمامة وكيل المرجعية العليا السيد أحمد الصافي ألقيت بتاريخ 03/05/2019 الموافق 27/شعبان/ 1440هـ
2019/05/04

ممثل السيد السيستاني: «الإحباط والضياع» يحاصران شبابنا

أيّها الإخوة والأخوات عنوان الخطبة الثانية: جيلُ الشباب والتحدّيات المعاصرة

من المعلوم أنّ جيل الشباب يمثّل مكمن القوّة والقدرة والحيويّة والإبداع والتألّق والعطاء بالنسبة للأمّة، ولذلك يعتبر جيل الشباب مرتكز الأداء للوظائف والمهامّ الأساسيّة في الحياة، ومن هنا اعتنت الشريعة الإسلاميّة والمجتمعات الواعية المتحضّرة ببناء جيل الشباب والاعتناء بتربيتهم وبنائهم في جميع مجالات الحياة البناء الصحيح، وفي نفس الوقت أعطت الاهتمام الكافي لتحصينهم وحمايتهم من الانحراف والفساد والضلال، ويكفي لنا أيّها الإخوة ما يدلّنا على الاهتمام الشديد من الشريعة الإسلاميّة بجيل الشباب وصلاحهم أنّ بعض الأحاديث اعتبرت الشابّ الصالح -هنا التفتوا-، الشابّ الصالح في عداد أولئك السبعة الذين يُظلّهم الله تعالى بظلّه، وجعلته ربّما يعادل الإمام العدل، ويكفي في بعض هذه الأحاديث التي بيّنت مقام ذلك الشابّ الذي صلح في أمور معرفته وتربيته وفكره وأخلاقه، بأن جعله الله تعالى من ضمن السبعة الذين يُظلّهم الله بظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه.

مخاطر وتحديات..

نتعرّض الآن لنتعرّف على بعض المخاطر والتحدّيات المعاصرة التي يمرّ بها جيلُ الشباب، مكمن القوّة والحيويّة والنشاط والتألّق والإبداع في معظم هذه المفردات لدى الشباب، وطبعاً هذا لا يعني أنّ هذه العناصر غير موجودة في البقيّة، أبداً بل هذه هي طبيعة المرحلة من بين مراحل حياة الإنسان، كما أشارت بعض الآيات القرآنيّة أنّ مركز القوّة والعطاء إنّما يتمثّل في هذه المرحلة من الحياة، فقبلها مرحلة الطفولة وبعدها مرحلة الشيخوخة، لذلك تعتبر مرتكزاً أساسيّاً في بناء المجتمع ومن هنا ينبغي أن يتوجّه الاهتمام إليهم.

الغزو الثقافي..

نبيّن أيّها الإخوة والأخوات أبناءنا الشباب بناتنا الشابّات.. وفي نفس الوقت نُلفت نظر المجتمع والمؤسّسات المعنيّة الى ما ينبغي الاهتمام به في الوقت الحاضر، أهمّ المخاطر والتحدّيات التي يواجهها الشباب هو الغزو الثقافيّ والمعرفيّ والأخلاقيّ، نلتفت الى نقطة: ماذا نعني بالغزو الثقافيّ والمعرفيّ؟ هل نعني فقط الغزو في مجال المعارف الأساسيّة كالعقيدة والسلوك؟ لا أبداً فجميع مجالات الحياة بالنسبة الى الشباب مهمّة سواءً ما كان يتعلّق بالعقيدة أو المعرفة العامّة أو الأخلاق أو المبادئ أو القيم أو التطلّعات أو الأماني أو التقاليد أو التوجّهات أو الهويّة التي ينتمي اليها الشابّ، كلّ هذه الأمور هي مصاديق للثقافات التي يحتاج اليها الشباب، حتّى في التطلّعات وحتّى في الأماني وحتّى في الرغبات وحتّى في العادات والتقاليد الشابّ يحتاج الى معرفة الثقافة الصحيحة في هذه الأمور، ما هي توجّهاته الصحيحة؟ ما هي اهتماماته الصحيحة؟ ما هي المبادئ الصحيحة في حياته؟ ليس فقط العقيدة مع أنّها الأساس في كلّ شيء، لا شكّ أنّ المعرفة العقائديّة هي الأساس الذي يرتكز عليه الإنسان في حياته، ولكن هناك مجموعة من الثقافات.

التكنولوجيا تضخ ثقافات مختلفة

الآن مكمن الخطورة أين؟ نجد الآن كلّ هذه الثقافات والمعارف انفتحت على الشباب في خضمّ التطوّر التكنولوجي في عالم الاتّصالات، هناك سيلٌ عارم بل سيولٌ عارمة من الثقافات والمعارف والعادات والمبادئ والأخلاق والقيم والتوجّهات والأماني والتطلّعات، تُضخّ الى الشباب ليس بصورةٍ يوميّة بل في كلّ دقيقة من دقائق اليوم الواحد في حياة الشابّ، والخطورة هنا تكمن أنّ هذا الشابّ في مقتبل الحياة بعد لم ينضج في مجال المعرفة، وإن كان البعض لا شكّ طبعاً يكون أكثر نضجاً من بعض الكبار، لكن هو بعده قليل الخبرة في الحياة وقليل المعرفة لم تكتمل معارفه ولم تكتمل المبادئ التي يحتاجها في الحياة ولم يخبر الحياة بصورةٍ دقيقة وكاملة، في خضمّ هذا السيل العارم هو يظلّ في حيرة، أيّ واحد من هذه الثقافات هي صحيحة؟!! قد تغويه وتخدعه بعضُ المعارف والثقافات التي تُطرح في هذه الوسائل الكثيرة المغرية والجذّابة والفاتنة التي تفتن الإنسان، لذلك قد يتمنّى أن يكون لديه الكثير من هذه الثقافات وهي ثقافاتٌ ضارّة وخادعة.

شبابنا والإحباط والضياع..

لذلك نحتاج هنا كما سنبيّن من خلال المعالجات ما هو الطريق الصحيح في هذه المسألة، وأيضاً من الأمور التي تواجه الشباب هو الشعور بالإحباط والضياع واليأس والقلق، هذا شابٌّ أجهد نفسه وأسرته أيضاً أجهدت نفسها حتّى وصل الى مرحلةٍ من العلم والمعرفة وتخرّج، أو وصل الى مرحلةٍ من القدرات المهنيّة والفنّية أو لديه طاقة من الإبداع والتألّق، ثمّ يحاول أن يُفرغ هذه الطاقة والإبداع وما توصّل اليه وما حصل عليه من ثمار العلم والمعرفة والقدرات المهنيّة، يحاول أن يفرغ ويوظّف هذه الطاقات فيما هو نافع فلا يجد شيئاً من ذلك، فقد يضطرّ أن يُفرغ هذه الطاقة في أمورٍ لا نفع فيها أو في أمورٍ ضارّة.

الإنسان حينما تكون لديه قدرة وطاقة يريد أن يُفرغ هذه القدرة والطاقة والتعلّم الذي ناله خلال سنين حياته، إن لم يجد فرصةً نافعة ليُفرغ هذا العلم الذي لديه وهذه الطاقة وهذه القدرة المهنيّة والفنيّة وغير ذلك من هذه الطاقات، عند ذلك قد يُضطرّ، أو أنّه لا يجد شيئاً من ذلك فيُصاب بالإحباط والقلق واليأس، وهذه مشكلةٌ تواجه شبابنا في الوقت الحاضر.

عوز وحرمان مادي وعاطفي..

أيضاً من الأمور والتحدّيات المهمّة التي يواجهها الشباب هو العوز والحرمان المادّي والعاطفي، الشابّ في هذه الفترة يشهد القمّة في مسألة الغريزة والعاطفة، ويحتاج الى إشباع احتياجاته المادّية والعاطفيّة والنفسيّة والمعنويّة، حينما لا يجد إشباعاً بطرقٍ صحيحة ومحلّلة قد يلجأ خصوصاً إذا كان رفاقُه من أصدقاء السوء، يضطرّ أن يشبع هذه الحاجات من طرقٍ محرّمة ومُفسدة ومُنحرفة، فيؤدّي ذلك الى حصول هذه المخاطر لهؤلاء الشباب والمجتمع.

نظرة دونية..

وأيضاً من التحدّيات المهمّة هي النظرة الدونيّة الى الشباب، التفتوا إخواني أحياناً البعض منّا يقلّل من شأن بعض الشباب الذين لديهم قدرات ولديهم طاقات ولديهم إبداع ومواهب، قد يقول قائل: أنا إنسانٌ كبير وهذا شابٌّ لا يزال في مقتبل العمر، ما مقدار مرتبة علمه تجاه علمي؟ ما مقدار كفاءته تجاه كفاءتي؟ ما مدى قدراته تجاه قدراتي؟ وطبعاً الشباب والشابّات أيضاً الجميع مشمولون بذلك، فالبعض يستصغر ويقلّل من شأن طاقات الشباب، هذه مسألةٌ خطيرة إخواني خصوصاً في مجالات العمل، ما هي النتيجة؟ النتيجة أنّ هذا الشابّ سنقتل فيه الطموح ونُميت فيه القدرات ونحرم المجتمع من إمكاناته وقدراته وإبداعه وتألّقه، وأيضاً نحطّم نفسيّته ومعنويّته ونقتل فيه الطموح الذي يمكن أن ينفع به المجتمع، لذلك إخواني دائماً حاولوا أن تنظروا الى الشباب نظرة الاحترام، حاولوا أن تستكشفوا فيهم الطاقات والقدرات والقابليّات وحاولوا أن توظّفوا هذه الطاقات، هو الشابّ الآن يصل في هذه المرحلة الى القمّة في القوّة والحيويّة والنشاط والإبداع، ويريد أن يُفرغ هذه القوّة والحيوية والنشاط لكي يخدم نفسه ويخدم أسرته والمجتمع بصورةٍ عامّة، أحياناً شابٌّ صغير ننظر اليه نظرةً دونيّة نظرةً تقلّل من شأنه وقدراته وإمكاناته فنحرم أنفسنا من طاقات وإبداعات هذا الشابّ، هذه النظرة نظرةٌ خاطئة الى الشباب فينبغي أن ننظر الى هؤلاء النظرة التي يستحقّونها.

سَكرة الغرور..

أيضاً من الأمور التي تهدّد الشباب والتي تُصيب الكثير وهي مسألة الاعتداد والغرور والرضا بالنفس، بعض الشباب يرى عنده علماً أو يرى عنده عقلاً أو يرى عنده مقدرة وموهبة فيغترّ بنفسه، وهذا موجود في بعض الأحاديث أنّ للإنسان خمس حالات من السكرة، ليست حالة شرب المنكر -والعياذ بالله- بل توجد حالة سكر المال وهناك حالة سكر الشباب، فتجد الشابّ يصيبه الغرور والاعتداد بالنفس، يضاف الى هذا قلّة الخبرة في الحياة والاعتداد والرضا بالنفس، يجد الشابّ نفسه أنّ ما يعتقد به هو الصحيح وما لديه هو الصحيح، فإذا جاء اليه إنسانٌ آخر وقال له: أنت الذي تسير فيه على خطأ أو هذا ليس بصحيح، لا يقبل بذلك بسبب ما يصيبه من حالة الغرور والاعتداد بالنفس، إضافةً اليها قلّة الخبرة في الحياة، لذلك قد ينزلق الى منزلقات خطيرة، وهذه من التحدّيات التي يمرّ بها الشباب.

وأيضاً من المسائل المهمّة -وهذه للكبار أيضاً إخواني- عدم تبلور المفاهيم الصحيحة للحياة الحقيقيّة، ونضرب مثالاً واضحاً جدّاً، ما هو مفهوم النجاح الحقيقيّ الذي يحقّق السعادة والكمال للإنسان، ما هو؟ انظروا الى الآيات القرآنيّة التي تُذكر فيها كلمة الفلاح (قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ) و (أُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ)، الآيات القرآنيّة الكريمة والأحاديث وأهل الخبرة والعقل والرأي يبيّنون لنا ما هو مفهوم النجاح الكامل والحقيقيّ للحياة التي ينشدها الإنسان، البعض يتصوّر أنّ المال يحقّق السعادة والبعض يتصوّر السلطة والبعض يتصوّر الجاه والبعض يتصوّر الدراسة الأكاديميّة، وإن كانت هذه الأمور مطلوبة فالدراسة الأكاديميّة لابُدّ منها، عنصر أساسي في تحقّق التقدّم والتطوّر هو الدراسة الأكاديميّة، أين الخطأ؟ الخطأ أن أوجّه كلّ اهتمامي وعنايتي لهذه الدراسة وهذه العلوم فقط وأهمل المبادئ والقيم والأخلاق والجانب التربوي في الحياة، وأهمل النظرة الحقيقيّة للخالق والصانع والحياة الدنيا والحياة الآخرة، هذا هو الخطأ.

الأبناء والمدارس..

لذلك كلّنا نبحث عن ذلك وهذا مطلوبٌ إخواني لا يُساء فهمنا، مطلوبٌ أن ينجح أبناؤنا في المدارس، تطوّر المجتمع ورقيّه يعتمد على هذا التطوّر العلميّ والدراسة الأكاديميّة، ولكن علينا أن نفهم أولادنا يا أولادنا يا بناتنا النجاح في الحياة الدراسيّة والنجاح في العمل مطلوب، ولكن النجاح والسعادة الحقيقيّة لحياة الإنسان يتوقّف على أن أعرف خالقي وما هي علاقتي بالخالق، هذه الحياة الدنيا ماذا بعدها وما هو مبدأي ومصيري، وعلاقاتي الاجتماعيّة مع الآخرين وعلاقاتي مع الأسرة مع الأبوين مع الأرحام مع أبناء المجتمع، وأن أعرف المبادئ والقيم والأخلاق والعادات والتقاليد والهويّة، كلّ هذه الأمور مطلوب أن أفهمها وأفهم دورها في الحياة وأعطيها حقّها في الحياة.

لابُدّ أن يفهم الطالب في الدراسة الإعداديّة والحياة الجامعيّة والجميع كذلك أنّ الحياة الحقيقيّة والسعيدة للإنسان تتقوّم بمجموعةٍ من العناصر: عقيدة، أخلاق، ثقافة، معرفة، تربية، مبادئ، قيم، هذه أمور لابُدّ أن يفهم الإنسان الشابّ أنّ حياته الناجحة والسعيدة تتوقّف عليها.

كذلك الاهتمام بمسألة العمر والوقت والصحّة والعافية، أمور كثيرة يحتاج اليها الشابّ وهذه من التحدّيات التي يمرّ بها الشابّ، ونحتاج الى أن نفهّم الشابّ ما هي المعرفة الصحيحة والثقافة الصحيحة؟ وما هي المبادئ؟ وما هي القيم؟ ولعلّ الوقت لا يسع أن نذكر المعالجات المطلوبة، وسنذكرها إن شاء الله في خطبةٍ قادمة.

نسأل الله تعالى أن يحمينا ويعصمنا ويحمي شبابنا، إخواني أبنائي أنتم الآن الرجال الكبار المؤسّسات المدارس الجامعات وسائل الإعلام المؤسّسات المعرفيّة والثقافيّة، عليكم أن تعتنوا بالشباب فهم عمادنا في المستقبل وهم أملنا في المستقبل وهم مركز القوّة والنشاط والتألّق والإبداع في المجتمع، علينا أن نُعطي أبناءنا وبناتنا الشباب والشابّات الاهتمام الذي يستحقّونه، خصوصاً في مجالات الحياة المهمّة حتّى نستطيع أن نبني حياةً صحيحة ومجتمعاً صحيحاً وقويّاً.

نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لذلك وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.


النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة يوم الجمعة بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي التي ألقاها بتاريخ: 20 شعبان/ 1440هـ، الموافق لـ 26 نيسان/ أبريل 2019.

2019/04/27

النشر على «مواقع التواصل الاجتماعي»: ما هي الضوابط والمعايير الأخلاقية؟

ايها الاخوة والاخوات..

نبين في الخطبة الثانية ما هي الضوابط الدينية والاخلاقية للاستعمال الحَسن والنافع لمنظومات النشر الالكتروني، وهي المنظومات المتعارفة من منظومة الفيس بوك واليوتيوب والواتساب وغيرها من هذه المنظومات التي يعبّر عنها بمنظومات النشر الالكتروني ومنظومات التواصل الاجتماعي.

ما هي تلك الضوابط والمعايير الدينية والاخلاقية التي لو اتبعناها لكان الاستعمال لهذه المنظومة استعمالا ً حسناً ونافعاً، ومتى ما تجاوزنا هذه الضوابط فاننا سنقع في الاستعمال الضار الذي يضر بأمن المجتمع الثقافي والاخلاقي والاجتماعي فنقول:

ان من نعم الله تعالى وآلائه علينا في العصر الحاضر هو ان يسّر لنا تسخير بعض القوانين المودعة في المادة لخدمة الفرد والمجتمع الانساني في سرعة وسعة النشر والتعريف للآخرين بالعلوم والمعارف الانسانية المختلفة واطلاعه الواسع والسريع على الاحداث وتبادل الافكار والاراء..

وحيث ان هذه الوسائل في طور ان تأخذ السيادة والغلبة في المجتمع على بقية الوسائل التقليدية ومن الطبيعي ان يترافق معها الكثير من المشاكل والمخاطر الاجتماعية والثقافية والنفسية فربما سرعان ما تتحول هذه النعمة الى نقمة اذا لم تكن مؤطرة بضوابط ومعايير دينية واخلاقية يمكن من خلالها ان نُحسن استعمال هذه المنظومة ذات النفع العظيم

لذلك كان من الضروري التعريف لكم بالضوابط المحددة لهذا الاستعمال والتي ستوفر لو تم العمل بها ومراعاتها الأمن الاخلاقي والثقافي والاجتماعي بل الامن الوطني والمجتمعي.

 ومنها :

أولا ً: فكِّر وتدبر عاقبة ما تريد نشره فلا تتعجل بنشر كل ما يجول بخاطرك أو ما تراه من افكار وآراء ومواقف ومعلومات أو تطلع عليه وتستحسنه في نفسك أو تعجب به فإنه مجرد ضغطة زر بأحد اناملك سيجعل ما تريد نشره ينطلق عبر الفضاء الالكتروني ليصل الى المئات بل الى الالاف بل ربما الى الملايين.. لذلك فكّر وتدبر في عاقبة ما تريد نشرهُ والذي سيصل ربما الى الملايين من الناس..

وقد يكون هذا الذي تنشره ضاراً في مجالات حساسة وخطيرة في حياة الانسان ولا يسعك ان تعيده وترجعه وحينئذ حينما تظهر لك عواقبه الضارة ستندم وتشتد حسرتك ولكن لات حين مندم..

فلابد للانسان الواعي والعاقل والمتدين ان يفكر ويسأل نفسه قبل ان ينشر: ما أريد نشرهُ من رأي او فكر او موقف او صورة او فيلم او مقال.. هل هو حق أم باطل؟ هل هو علم أم جهل؟ هل فيه هداية أم ضلالة؟ هل هو صدق ام كذب؟ هل فيه فائدة أو ضرر؟ هل فيه إساءة للفرد أو لمكون أو عشيرة او مجتمع او اصحاب طائفة او اصحاب دين او اصحاب قومية.. هل سيهدر كرامة انسان ويُسقطه اجتماعياً عند الاخرين؟

هل سيُشعل فتنة او كراهية؟ هل يحمل مضامين اخلاقية ام يحمل مضامين غير اخلاقية؟

ثم اعرض ما تريد نشره على موازين العقل والشرع والاخلاق والضمير الانساني فإن كان ضمن المسار الصحيح والايجابي لهذه المعايير فلا بأس بنشرها خصوصاً اذا كان نافعاً فإن نشرهُ حينئذ يكون امراً حسناً ومقبولا ً و ممدوحاً واما اذا كان ضمن المسار السلبي مما ذكرناه فحينئذ توقف وقبل ان تضغط بيدك على الزر وتكون هذه الامور في الفضاء الالكتروني الى الملايين فتوقف ولا تنشر فإن ذلك أضمن لسلامتك وسلامة مجتمعك وسلامة الآخرين في الدين والدنيا والاخرة.

ورد في الحديث: (اذا هممت بأمر فتدبّر عاقبته فإن يك رشداً فامضهِ، وان يك غياً فانته).

ويمكن ملاحظة الحديث الآتي في مذام اللسان وحيث ان القلم وما يكتبه لسان ثاني فان النشر الالكتروني كالرصاصة الطائشة او القنبلة التي اخطأت الهدف حيث لم يدقق الرامي في تصويبه فربما تقتل الصديق وتقتل الاخ وتقتل المُحب وتقتل الاهل وربما تقتل امّة.. لذلك لابد ان نتأنى ونتفكر في ما نريد نشره..

ثم ايضاً من الامور والضوابط المهمة :

ثانياً: التثبت والتبين من المعلومة قبل نشرها:

ويستلزم ذلك التروي والتأني عند الاطلاع على أي معلومة يراد اعادة نشرها فان مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف مسمياتها مليئة بالآراء والمقالات والتحليلات والاخبار التي ربما تكون مجهولة المصدر او مصدرها وهمي او بعناوين براقة او من ذوي نوايا سيئة وحينئذ يستلزم الأمر وفق الموازين القرآنية والعقلائية تدقيق الأمر قبل نشره وربما يكون من اُناس ضالين وجاهلين وفاسدين، لذلك الآية القرآنية تُحذرنا: (يا ايها الذين آمنوا ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين).

وفي آية اخرى: (اذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم).

كما انني حين اسمع الاخبار من الاخرين وما يتحدثون به عن الآخرين اتلقاه باللسان ثم انقله وانشرهُ بالفم دون أن اتبين صدقه من كذبه حقيقته من بطلانه واحسبهُ هيناً وبسيطاً ولكنهُ عند الله عظيم..

كذلك ما اقرأه واطلع عليه واريد نشره لا انشرهُ هكذا على عواهنهِ بل لابد ان اتثبت واتبيّن من صحته او اكذبه من احقيته او بطلانيته وحينئذ اذا تبين لي انه حق وصحيح اقوم بنشره والا اتوقف عنده.

ثالثاً: ان لا يؤدي النشر الى الاضرار بالاخرين:

فإن البعض من جملة همومه ان يتتبع عورات وزلاّت وسقطات الاخرين ويقوم بنشرها وينشر اسرارهم الخاصة او كان فيه غيبة ونقص (وعندما نتحدث عن ضرورة التجنب عن الغيبة في مواقع التواصل الاجتماعي فإنما نقصد به الغيبة المحرّمة ويستثنى من ذلك ما ورد بالرسالة الفتوائية من مستثنيات الغيبة ومن ذلك من المستثنيات كشف حال من ثبت فساده ولا سبيل الى منعه من الاستمرار فيه واسترجاع ما استحوذ عليه بغير حق الا ببيان ذلك علناً وربما يصبح ذلك لازماً..) او في هذا النشر نميمة او كذب على الاخرين وتلفيق عليهم وتسقيط لشخصيتهم ورمزيتهم الدينية والاجتماعية..

وتجدر الاشارة هنا الى أمر مهم الى ان البعض ربما يغلف ما يرتكبه من الافتراء على من يخالفه في الفكر او العقيدة بغلاف ديني ويزعم ان بعض الروايات رخصت في البهتان على اهل البدع في الدين لتسقيطهم اجتماعياً حتى لا يؤثر كلامهم في الناس، ولكن هذا ليس صحيحاً والصواب ان المقصود بقول المعصوم (عليه السلام) (باهتوهم) – في بعض الروايات- هو مقابلتهم أي مقابلة اهل البدع في الدين والضلالة مقابلتهم بأدلة واضحة يصيبهم بالبهت والتحيّر، كما ورد في الحوار بين ابراهيم (عليه السلام) والنمرود قال الله تبارك وتعالى :

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258).

ان الافتراء والبهتان ليس من الوسائل المشروعة في المناقشات الفكرية والعقدية بل لابد فيها من مقارعة الحجة بالحجة والدليل بالدليل.. او كان في هذا النشر هدر لكرامة الاخرين او فيه ما يثير المشاحنة والبغضاء والكراهية والعداء والفتنة بين الناس خصوصاً ما فيه فتنة دينية او مذهبية او قومية خطيرة بأبعادها المجتمعية او تفكيك الاواصر الاسرية والاجتماعية.

وحتى لو كانت بعض المعلومات والصور الفيديوية والوثائق والبيانات صحيحة فإن كان في نشرها ما يؤدي الى شيء من ذلك فلابد من التوقف عن النشر صوناً للفرد والمجتمع من هذه الاضرار المتعددة التي ذكرناها.

ورد في الحديث الشريف: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)

وقلنا ان القلم والكتابة لسان ثان، لدينا لسانان هذا اللسان الذي نتلفظ به الكلمات، اللسان الثاني هو القلم والكتابة، فالمسلم الحقيقي من سلم المسلمون من لسانه وقلمه وكتابه ويده..

فاحرص ان تكون عضواً نافعاً في مجتمع التواصل الاجتماعي لا عضواً ضاراً مريضاً يعدي بمرضه الآخرين..

رابعاً: لا تحوّل صفحات التواصل الى صفحات سب وشتم وبذاءة باللسان وفحش ونشر للفساد والفاحشة ومذام الصفات.

النقطة الاخيرة التي وقعت فيها الكثير من العوائل بالضرر الاجتماعي وابينها واحذروا منها وهو (الاستخدام السلبي لمواقع النشر الالكتروني والحذر منها ومنها ما يسمى بظاهرة الابتزاز الالكتروني) :

ان البعض وتحت ستار الحرية وحق الاستخدام للفضاء الالكتروني يوظّف ذلك لإشباع نزعاته الشريرة واهوائه الشيطانية وشهواته وغرائزه المحرمة ومن ذلك اختراق مواقع الاخرين والقرصنة لما ينشر فيها او استخدام خصوصيات الاخرين خصوصاً ما يتعلق بأعراض الناس وخصوصياتهم الاجتماعية يستخدمها للابتزاز والهتك ونشرها لغرض تسقيط اولئك الاشخاص او لابتزازهم مالياً او اخلاقياً..

وقد شاهدنا الكثير من الاُسر والاشخاص نساءاً ورجالا ً – وخصوصاً الفتيات- وقد تعرضن للهتك والفضح بسبب عدم الحذر والحيطة منهن او من عوائلهن وسبب ذلك هتكاً لسمعتهن وسمعة عوائلهن حتى عاد البعض لا يتمكن من مزاولة عمله او البقاء في مدينته بل حُرِم من زرقه ومنزله واهله وارحامه واضطر للهجرة والمغادرة لمكان آخر بعد ما وقع فيه من حرج اجتماعي كبير.

فالتفتوا ايها الاخوة والاخوات لا تُعطوا الذريعة والمسوّغ لاولئك الذين يحملون هذه الدوافع الشيطانية ان يستغلوا خصوصياتكم لنشرها مما يؤدي الى الاضرار الكبير بكم اجتماعياً واخلاقياً فعلى الفرد الواعي والاسر الكريمة الحذر الكبير من اتاحة الفرصة للسيئين واصحاب الاغراض الشيطانية للنيل منهم وتهديد استقرارهم النفسي والاجتماعي.

نسأل الله تعالى ان يوفقنا لما يحب ويرضى انه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..


*الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 6/شعبان/1440هـ الموافق 12 /4 /2019م

2019/04/13

المرجعية العليا تنتقد التطفل على «العلوم الدينية» وتدعو الى احترام «التخصص» و «الحياء الفكري»

اخوتي اخواتي..

سبق وان تطرقنا الى مجموعة امور تتعلق ببعض المظاهر الاجتماعية وما يعنينا فعلاً هو تشخيص بعض المشاكل ولعلنا ايضاً نُوفّق الى إيجاد حلول عامة لها.

طبعاً هناك بعض الاشياء قد تكون اشياء فردية فضررها يحيّد بالفرد، وهناك اشياء تكون عامة لا شك ان الضرر سيتسع وستبدأ مشاكل جمّة إذا انتشرت هذه الظاهرة.

سبق وتكلمنا عن موضوع الحياء وقلنا المخاطر الكبيرة التي تنشأ من سلخ الحياء، والانسان عليه ان يكون صريحاً خصوصاً اذا تنبأ وتوقع ان بعض المشاكل قد تبدأ الآن صغيرة لكنها قد تنمو وتكبر والذي سيدفع الثمن الكثير من الناس حتى الذي لا يرضى بهذا الفعل سيدفع الثمن باعتباره هو غض النظر او سكتَ او لم يكترث او كان بسيطاً ساذجاً لم يعِ حجم المشكلة على اختلاف المشارب بالنتيجة الواقع لا يتبدل اذا كانت المشكلة فعلا ًموجودة ستصل الآثار السلبية لها وايضاً اذا كان الواقع واقعاً جيداً وواقعاً خيراً سيعم الخير للجميع حتى الذي لا يلتفت لهُ..

موضوعة الحياء من المواضيع المهمة التي اصبحت تهدد مجتمعنا لفقد الاساليب التربوية الناجحة.. وهذه القضية كما نوهنا لها قطعاً لا تحل بخطبة او محاضرة او ما اشبه وانما تحتاج الى قرارات وتحتاج الى رعاية اجتماعية للحفاظ على هذا البناء المجتمعي المهم..

اليوم اُحب ان اتحدث عن مصطلح لنسميه (الحياء الفكري)، ما معنى الحياء الفكري؟ الحياء العلمي؟ هذا يختلف عما سبق ذكره، الاول الحياء العرفي ان الانسان لا يستحي اجار الله السامعين جميعاً وبعض الأحاديث تقول إذا كنت لا تستحي فافعل ما شئت، لأن الحياء حالة من الكوابح امام النفس تمنع النفس من ان تُعطى قيادة، الانسان يستحي فلا يفعل ما يشاء.

هناك حياء من نوع خاص هو الحياء الفكري ان الانسان عليه ان يحترم الفكر وعليه ان يحترم العلم فإذا لا يحترم العلم ولا يحترم الفكر معنى ذلك انه هذا الرجل ليس له حياء علمي وليس له حياء فكري وانما يخبط خبطة عشواء في امور هو ليس من فرسانها بل لا يفقه فيها أي شيء وتجده يخوض غمارها وهو جاهل واسلوبه ايضاً ينمُ عن جهل ومن الصعوبة بمكان ان تُقنع جاهلا ً والجاهل قد تتعب معهُ ولا تصل معهُ الى نتيجة وخصوصاً اذا كان لهذا الجاهل اتباع جهلة مثلهُ وهذه مشكلة، الناس اما عالم او متعلم او همج رعاع ينعقون مع كل ناعق، المشكلة هذه.

لاحظوا الآن المجتمع فيه جوانب اقتصادية وفيه جوانب هندسية وفيه جوانب تجارية وفيه جوانب ثقافية وفيه جوانب فكرية والجوانب الثقافية والفكرية ايضاً فيها جوانب دينية وجوانب غير دينية وهذه طبيعة أي مجتمع، عندما نفقد الحياء الفِكري أي لا نحترم العلم نتخبط وهذا حديث سواء كان لدولة تسمع لمؤسسات مجتمع تسمع لعشائر تسمع لمجتمعات تسمع لأُسر تسمع لمدارس تسمع.. عندما لا نحترم الجانب الفكري ولا نحترم الجانب العلمي نتخبط ولعل من اكثر الاشياء عرضة لهذا هو الجوانب الدينية اخواني.. الجوانب الدينية عُرضة الى الكلام غير المربوط والكلام غير الدقيق وتجد اننا نمتلك الجرأة على ان نتحدث في الجوانب الدينية بكل شيء قد لا نمتلك هذه الجرأة في الجوانب الهندسية مثلا ً او لا نمتلك الجرأة في الجوانب الطبية مثلا ً الناس رأساً تشكل علينا تقول انت مهندس؟ تقول لا، انت طبيب؟ تقول لا.. الا القضايا الدينية سمحنا لأنفسنا بأن كُل أحد منّا يتدخل فيها، وللأسف البعض مِنّا فقد هذا الحياء الفكري لماذا؟ لأنه امام الطب يقف اذا تكلم بغير لغة الطب يُستهزأ بهِ، اما في القضايا الدينية ابحنا لأنفسنا اننا نتكلم في كل شيء دينياً..

البعض يتصور ان المسائل الدينية سهلة يعني العلوم الدينية، المسائل الدينية اخواني من اعقد المسائل، فهم الأدلة الشرعية من أعقد الأشياء، الانسان ليس بالضرورة ثلاثين سنة مع الدرس والتدريس يصل الى المراتب العالية الذي تُبيح له ان يستنبط الحكم الشرعي ليس بالضرورة..

هذه المسائل أي علم من العلوم الآن واقعاً هي أدق وفيها تخصصات دقيقة جداً، انت لا تعتقد ان الرسالة العملية للعالم كتبها بين ليلة وضحاها، أفنى عمره الشريف في سبيل ان يكتب والبعض يتردد في ان يكتبها لأن يرى نفسه الى الآن غير قادر يشك انه هل مؤهل أنا او لا؟! ويأتي احد بكل جرأة وبساطة يشكل ويشكل وهو اقرب للاستهزاء منهُ الى المطلب العلمي، هذا لا يتعلق اخواني بالمسائل الدينية يتعلق بالجميع لكن مشكلتنا نحن أبحنا لأنفسنا ان نرفض التدخل في تلك العلوم ونقبل التدخل في هذه العلوم وتجد تجاوز على رموز وعلى ائمة وعلى علماء بشكل جداً جداً استسهلنا هذا اللون من عدم الحياء.

الانسان لو يملك الحياء العلمي والحياء الفكري يقف يحترم نفسه الذي يمتلك الحياء يمتلك الاحترام انا لابد ان يكون عندي حياء علمي فاحترم العلم يكون عندي حياء فكري فاحترم الفكر اما اذا لا املك هذا الحياء اخبط خبطة عشواء واكون اضحوكة والذي يساعدني ويثني على قولي هو ايضاً مثلي لا يملك هذا الحياء، الذي يملك الحياء يقف يقول هذا حرام لا يجوز ان اتعداه انا لست من هذا اللون انا احترم اختصاصي واذا كنت احترم اختصاصي عليَّ ان احترم اختصاص الاخرين..

ولذلك تجد اخواني انا قلت سابقاً والآن اُكرر وعلم الله انا حريص جداً على شبابنا وعلى ابنائنا وعلى بناتنا من ان ينزلقوا منزلقات خطيرة نتيجة عدم تورّع وعدم حياء البعض في ان يلقنهم معلومات بعيدة عن الواقع..

الانسان في بداية حياته كثير من الاشياء لا يقتنع بها مقتضى تطوّر العقل بعد خمسين عشرين ثلاثين سنة يكتشف ان نفسهُ كانت خاطئة.. قال انا كُنت اشكل سابقاً الخطأ عندي انا لم أفهم وعيي ونُضجي لم يؤهلني الى ان أفهم لكن خلال هذه الفترة عليه ان يحترم قدراته وان يحترم قابلياته، بعض المشاكل تؤدي الى هلاك اجتماعي والى فساد اجتماعي نتيجة الجري مع نكرات ومجهولين يتطفلون على كثير من ثوابتنا ومبانينا وانا بصراحة اقول لولا ان هؤلاء لم يجدوا من يسمع لما نمو المشكلة انهم يجدون من يسمع، انا الان لم أسمع احد يتطفل على الطب لم أجد احد يتطفل على الطب او يجعل هناك مكان كبير يقول انا اداوي الناس سيُكتشف أمرهُ والناس اصلا ً تنفر منهُ، نعم بعض الناس قد تأتي مع بعض الدجالين الذين مثلا ً يسهلّون العلاجات وتلك مشكلة اخرى اتحدث عنها في وقت آخر لكن كلهُ يرجع الى الجهل، الوعي اخواني الوعي خصوصاً الادراكات الوعي الفكري والثقافي مانع من ان ينخرط المجتمع الى المهاوي، الآن اقرأوا اساطير تحكم البلاد اساطير مبنية القضية على اساطير تجد هذا المجتمع لا يفهم ماذا يريد، الانسان عندما يعي وعندما يفهم وعندما يفكّر سيقف مانعاً، انا هذه الآيات الشريفة الان نحن عرب ونفهم اللغة العربية والقرآن جاء بلغة العرب بعض الآيات الشريفة الانسان يقضي وقت كبير حتى يفهم بعض ما تشير له الآية الشريفة..

انا اسمع البعض يقول خطأ في القرآن الكريم حقيقة عندما اقرأ هذا الذي يخطّأ القرآن حقيقة كلامه يُضحك الثكلى لا يفهم شيء لا في اللغة ويأتي يريد ان يُخطّأ القرآن الكريم وهذا عجيب.. القرآن نزل بلغة العرب عند العرب الافصاح الذين كانوا لا يتكلمون الا اللغة العربية يتنفسون الأدب كلامهم حكمة هم هؤلاء عجزوا عن ذلك وانت الآن مجرد ان تدرس كلام كلامين تُشكل على القرآن وتُضحك الآخرين عليك، نعم قد يميل معك الذي يكون على شاكلتك او انت تأتي لمقدسات تستهزأ بها بطريقة مجّة لا تحترم نفسك ولا عندك حياء بمجرد هذا الشيء في ذهنك لابد ان تتفوه به، هل يُعقل هذا ان نصل الى حالة نحنُ لا نحترم قيمنا ولا مبادئنا ولا نحترم مقدساتنا بدعوى من الدعاوى التي تكلمنا عنها سابقاً حرية وامثال ذلك..

انا قلت اخواني لابد ان تلتفتوا لمميز مهم وارجوا الالتفات تسمع الدولة وتسمع المنظمات وكل احد يسمع لابد ان تميزوا بين الفوضى وبين الحريّة، هذا الذي يجري بسبب الفوضى، ما جدوى ان نتكلم كلاماً اذا كان لا يترتب عليه أثر.

هذا الذي اوقعنا الى ما نحن فيه وجود فوضى انهوا الفوضى، انهوا الفوضى وابدلوها بالحرية والحرية لها ضوابط واصول ولها قيم نحن ابناء الحرية الله تعالى خلقنا احراراً ونحن نريد الحرية لا نريد الفوضى الفوضى فيها مهالك..

على الانسان ان يحترم ويكون عنده هذا الحياء الفكري والحياء العلمي، انا عندما اناقش رجلا ً عالماً لابد ان اتسلح بشيء حتى اكون بمستوى النقاش..

بعض المطالب اخواني انتم لا تعرفون طريقة الحوزات المباركة اينما كانت في طريقة التلقي والدرس والجهد البعض يتعب لا يتحمل الجهد يحتاج الى مران وتحتاج الى توفيق حتى يخرج عالم يحمل علوم آل محمد بعد ان يقضي سبعين او ستين عاماً الأمر ليس سهلا ً اخواني هذه امانة القيها من عنقي لكم.. لابد ان تحافظوا اخواني حافظوا على المقدسات وعلى القيم وحافظوا على هذا الجانب الحياء الفكري والحياء العلمي..

نُبيح لأنفسنا ان نتدخل في كل شيء ونرفض كل شيء وننقد كل شيء والمشكلة بعض الشباب والاخوة وقعوا في فخ نناقش نناقش.. عندما يصل الى الطب يسكت وعندما يصل الى الهندسة يسكت اما هنا.. ولذلك وقعنا في مشاكل اخواني..

هذا قولي وهذه نصيحتي لنفسي قبل ان تكون لكم لكن علم الله ان ما يمر به شبابنا وتمر به بناتنا أمرٌ يحتاج منّا الى جهد جميعاً اخواني هؤلاء هم بذرة البلاد وهؤلاء هم امل البلاد فليربوا تربية سوية صالحة مؤمنة تنفع البلد هؤلاء هم يبنون البلد اذا لم يكن فكر الانسان مستقيم كيف يبني بلده الفِكر المعوج لا يحقق بناءً مستقيماً مستحيل هذا لا يكون..

نسأل الله وتعالى ان يرينا في بلدنا كل خير وان يحفظ شبابنا وبناتنا ويحفظكم جميعاً وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين..

2019/04/06

وكيل المرجعية العليا: ليكن بعلم المسؤول أن المنصب «محل حساب» وليس مغنماً

بدءاً نقدّم التعازي الى أهلنا في الموصل ونواسي الأُسر العزيزة المنكوبة من ذوي الضحايا في الحادث المأساوي حادث العبّارة، وفي نفس الوقت نُطالب بالكشف عن ملابسات ما حدث ومحاسبة المسؤولين عن هذه الحادثة المأساوية.

وهنا نودّ ان نشير الى موضوعين مهمين:

الأول: انهُ لابد من تحمّل المسؤولية في مثل هذه الحوادث الكبيرة من قِبلِ من وقعت الحادثةُ في نطاق الدائرة المُرتبطة بوزارته او مديريته فيُقدّم استقالتهُ ويضع نفسهُ تحت تصرّف اللجنة التحقيقية لكشف كامل المُلابسات وتحمل نتائج أيّ قصور أو تقصير، علماً ان هذا التصرّف الذي هو سائد في كثير من الدول يبعثُ برسالة الى المواطنين بأن المسؤول يشعر بمسؤوليته وليس مجرد صاحب منصب يُفكّر بمصلحة نفسه ويتشبّث بموقعه مهما أمكن.

ثانياً: ان هذه الحادثة المؤلمة تُشير الى خلل كبير في النظام الاداري في الدولة وهو عدم قيام الاجهزة الرقابية بدورها وهذا جزء من الفساد المستشري في البلد، وهناك حاجة ماسة الى تفعيل الدور الرقابي بمختلف مراتبه من الدوائر الدنيا الى الدوائر العُليا.

ان الكثير من لجان المتابعة والرقابة لا تعمل بواجباتها امّا تسامحاً وامّا بإزاء اخذ الرشوة وهذا خطير جداً وهو السبب الرئيس في وقوع حوادث مفجعة في مختلف المجالات.

نتمنى ايها الاخوة ان يسمع المسؤولون ويشعروا فعلا ً بالخلل ويفكروا فعلا ً في معالجتهِ..

نسأل الله سبحانه وتعالى ان يُبعد بلدنا عن كل كارثة وعن كل سوء وان يحميه من الكوارث الطبيعية او الحوادث المأساوية وان يدفع عنّا وعنكم كل سوء بمحمد وآله وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين..


*النص الكامل لخطبة صلاة الجمعة بإمامة السيد احمد الصافي في 14/رجب الاصب/1440هـ الموافق 22 3 /2019 م

2019/03/23

ما هي السبل الصحيحة لإدارة الاختلافات والنزاعات المجتمعية؟

من الطبيعي ان المجتمع البشري والفرد البشري في طبيعته الانسانية يعيش حالة الاختلاف والتنازع وهذه من الجبلّة الانسانية وامر طبيعي ولكن المشكلة تكمن في كيفية التعامل الصحيح الشرعي والعقلائي لإدارة هذا الاختلاف وادارة هذا النزاع بحيث لا يتحول هذا النزاع الى تصعيد وتأزيم وتناحر وتحارب ويكون ضاراً بأفراد المجتمع البشري.

ايها الاخوة والاخوات اشارت الآية القرآنية الى ان مسألة الاختلاف مسألة طبيعية في المجتمع البشري (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) – سورة هود- .

فمسألة الاختلاف مسألة طبيعية نابعة من الاختلاف بين افراد البشر في الثقافات والافكار والطِباع والعادات والتقاليد وكذلك التنافس بين افراد البشر في الامور المادية والدنيوية وحب السيطرة والسلطنة والهيمنة وكذلك الامور الاخرى مخلفات الماضي الذي قد يؤدي الى النزاع بين المكونات المجتمعية وغير ذلك من الامور التي هي منشأ ومادة للاختلاف.

ابتداءً اخواني من داخل الاسرة الى مواقع العمل الى المواقع المجتمعية كلامنا ايها الاخوة والاخوات كيف نتعامل التعامل الايجابي مع هذه الاختلافات؟ وسنبين انواعها، كيف نُدير حالة النزاع مسألة طبيعية ان الاختلاف يتحول الى نزاع بحيث يجنبنا القدر الاكبر من الضرر ونتجنب الاثار السلبية في مختلف جوانب الحياة بسبب هذا النزاع فنذكر هنا ايها الاخوة والاخوات ما هي اشكال وانواع هذا الاختلاف والنزاع..

نبتدأ اولا ً بالمسألة داخل الاسرة ثم في مواقع العمل ثم الاختلافات المجتمعية.

لاشك الاسرة من الزوج والزوجة والاولاد منشأ الاختلاف موجود اختلاف في مستوى الثقافة وفي مستوى التعليم وفي مستوى الفهم وفي كيفية التعامل والتعاطي مع المشاكل التي تمر بها الاسرة، كيفية انتهاج الاسلوب في التربية وكيفية مواجهة المحن والمشاكل والمصاعب والازمات التي تمرّ بها الاسرة وكيفية مواجهة الظروف المعيشية التي تمرّ بها الاسرة هذه الاختلافات لابد ان نتعاطى معها تعاطي ايجابي، لابد ان كل واحد من الزوج والزوجة يتفهم طِباع وظروف الشخص الاخر يتفهم طبيعة المشاكل التي تمرّ بها الاسرة لابد ان تشيع اجواء المحبة والاحترام والانسجام بين افراد الاسرة ولابد ان يكون هناك تحمل وصبر للظروف التي تمرّ بها الاسرة حينئذ يمكن ان نصل الى حالة تعاطي ايجابي مع هذه الاختلافات بحيث لا تتحول الى نزاع يدمر الاسرة ولابد ان يكون هناك اسلوب حكيم للتعامل مع هذه الاختلافات.

ايها الاخوة الاباء الازواج الاخوات الامهات الزوجات كل اسرة خصوصاً في وقتنا الحاضر حقيقة مع هذه الظروف التي تعيشها الاسرة وهذه الازمات وتعقّد الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية لابد ان يكون هناك طريق التفاهم والحوار ازاء هذه الاختلافات ولابد ان يكون هناك صبر وتحمل ولابد ان يكون هناك تفهم من قبل الزوج والزوجة ولابد ان يكون هناك احترام وكذلك تقدير لظروف الاخر من اجل ان نتجاوز هذه المشاكل ولا نصل الى حالة التفكك الاسري وحالات الطلاق الكثيرة التي يشهدها المجتمع.

الأمر الآخر ما يتعلق باختلافات العمل في مختلف مواقع العمل هناك اختلاف في الرؤية وفي كيفية ادارة شؤون العمل وفي كيفية حل مشاكل العمل هناك تنافس بين الافراد العاملين وهناك اختلاف في التعاطي مع المشاكل التي يمر بها العمل، النقطة المهمة ان لا يصل هذا الاختلاف الى حالة التقاطع والتباغض والتشاحن والبغضاء بين افراد المجموعة التي تعمل في هذا المكان لابد ان يعمل الجميع بروح الفريق الواحد كل واحد يشعر ان الآخر مكمّل له وانه بحاجة اليه والكل يعمل بهذه الروح وهي تواجه هذه الاختلافات والمشاكل في العمل بروح المواجهة للفريق الواحد لحل هذه المشاكل من اجل ان نصل الى الحل المناسب.

المسألة الاهم ايها الاخوة والاخوات هي الاختلافات المجتمعية، وموضوعنا لا نتحدث عن الاختلافات بسبب المطالبة بالحقوق هذا شيء آخر الذي يؤدي الى النزاع احياناً او في مسألة الاختلاف في الدفاع عن القيم والمبادئ والحق والعدل مع اهل الباطل والشر هذا شيء، وكذلك مسألة الدفاع عن الوطن والمقدسات والعرض والذي يحصل بسببه النزاع والصراع ليس حديثنا في ذلك فذلك له بابه الخاص..

انما حديثنا في المسائل الاخرى التي لا تصل لهذه المرتبة و كيف نُدير هذا الاختلاف عندنا الاختلافات المجتمعية احياناً اختلاف بينك وبين اخيك المؤمن قد يصل الى حالة النزاع احياناً اختلاف في الكيانات المجتمعية كيان مذهبي يختلف مع كيان مذهبي آخر كيان ديني يختلف مع كيان ديني آخر كيان اجتماعي كالعشيرة تختلف مع عشيرة اخرى ويصل الاختلاف الى حالة النزاع..

اختلاف بين كيان سياسي مع كيان سياسي آخر قد يصل الى حالة الصراع والنزاع.. كيف نُدير حالة الاختلاف هذه ؟

ابتداءً اقرأ لكم هذه الآية القرآنية التي تحذرنا من ان يتحول الاختلاف الى نزاع والنزاع الى صراع وتشتد الازمة بسبب التصعيد والتأزيم في حالة النزاع والذي يؤدي الى فشل الجميع واضعاف الجميع، الآية القرآنية التي حذرت من ذلك قوله تعالى في سورة الانفال : (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46).

لاحظوا احياناً حينما يكون هناك نزاع بين طرف وطرف آخر هذا الاختلاف الذي يتحول الى نزاع كل طرف يحاول ان ينتصر على الطرف الآخر ويهزمهُ وحينئذ سيحاول الاستعانة بكل الوسائل وبأي ثمن لكي ينتصر على الآخر من خلال اضعافه وهزيمته وحيث ان كل طرف له قدرات وامكانات وطاقات والنتيجة سيكون اضعاف الجميع..

نوجّه كلامنا الى العشائر نوجه كلامنا الى الكيانات المجتمعية ونوجه كلامنا الى الكيانات السياسية هُنا، الآية القرآنية تشير الى مجموعة امور (فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) ليس هناك مُنتصر بل نصيب الجميع هو الفشل، (ا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) يعني ستذهب قوتكم وستهدر كرامتكم وعزتكم وسيادتكم.. حينما تضعفون ستكونون طعماً للأخرين سيستضعفكم الاخرين خصوصاً اذا كان الاختلاف الذي يؤدي الى النزاع والصراع والتشاحن والتحارب بين كيانات مجتمعية مهمة كالكيانات العشائرية او الكيانات السياسية او من بيدهم مقاليد وزمام الامور، ستُهدر الطاقات بدل ان توظّف الطاقات والامكانات لخير البلد ولخير الشعب حينئذً حينما يضعف الجميع وينشغل بإدارة الصراع والازمة حينئذ هذه الطاقات والامكانات والقدرات بدل ان تستثمر لخدمة الناس وخير الناس حينئذ سيغيب عنها هذا الجهد والاهتمام والاعتناء وتنشغل هذه الكيانات كل واحد يحاول ان يُضعف الآخر..

ايضاً قد يلجأ البعض الى الوقوع في المحرمات كالتسقيط الاجتماعي والغيبة والبهتان والمراء المذموم وغير ذلك من المحرمات وستسود حالة التشاحن والتباغض والتناحر والعداء والهجران بين افراد المجتمع وبين هذه الكيانات بدل ان تسود حالة التعاون والالفة والتكاتف والمحبة من اجل اداء الخدمة للجميع، حينئذ سوف تُهدر الطاقات ويُحرم الناس من الخدمات وتحصل حالة التناحر التي هي تؤدي الى الحاق الضرر بالجميع.

ما هي اساليب التعامل الصحيح الشرعي والعقلائي؟ هناك خمسة طرق نرجو الالتفات اليها بحسب المراتب:

التعامل الايجابي الاول هو التجنّب والتجاهل: وذلك حينما يكون الاختلاف لأمر بسيط وتافه او عندما يتوقع ان يكون الضرر اكبر من المنفعة لو حصلت مواجهة الاختلاف بشدّة وحدّة، فحينئذ يكون التجاهل للاحتكاك مع المختلف معه أسلم وأضمن للخروج بطريقة حكيمة وعقلائية.

التسوية للخلاف والمصالحة: وذلك بالدخول في الحوار والتفاهم لتقريب وجهات النظر وتصحيح بعض الامور التي فهمت خطأ للوصول الى حل وسط يرضي الاطراف جميعاً.

الايثار والتضحية: بأن يكون هنالك استعداد للتضحية بحيث يقدِّم احد الاطراف اهتمامات الطرف الاخر ورغباته ومصالحه وارضاءه على اهتمامات ورغبات نفسه وقد يتحمل من اجل ذلك الكثير من المعاناة والالم والتضحية ببعض الاستحقاقات ولكن ما يكون له في مقابلها من اجر عظيم ورفعة مقام وعلو منزلة ما يجعل هذا التنازل وهذه التضحية اغلى واثمن، ومن ذلك ما ينبغي فعله من احد الزوجين للاخر او من الاولاد لآبائهم وامهاتهم او بين المؤمنين انفسهم.

عن الامام الصادق (عليه السلام) يقول سمعت ابي (عليه السلام) يقول : (اذا تنازع اثنان فعادى احدهما الآخر فليرجع المظلوم الى صاحبه حتى يقول لصاحبه: أي اخي، انا الظالم، حتى يقطع الهجران بينه وبين صاحبه، فإن الله تعالى حكم عدل يأخذ للمظلوم من الظالم).

قد يكون الاختلاف بسبب الحقوق التي للبعض من الناس او لتجاوزات وإساءات ينبغي العمل على الحد منها فهنا لابد من التحاكم الى الحاكم الشرعي ان كانت المسألة تتعلق بذلك ولابد من الاذعان والتسليم والرضا بذلك، قال تعالى : (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59) – سورة النساء-.

او الرجوع الى سلطة القانون، اخواني من دون هذه الطرق فإن الفوضى ستسود المجتمع وتُهدر الحقوق وكثير من الاضطراب يحصل في الحياة الاجتماعية وتغيب الان الحياة المستقرة والآمنة والمطمئنة عن مجالات الحياة المختلفة..

لذلك ايها الاخوة والاخوات هُنا دعوةٌ لنظم امورنا لكي نلجأ الى الطرق العقلائية في جميع المجالات في حل الاختلافات والنزاعات بيننا اما ان نرجع الى سلطة الشرع او الى سلطة القانون الى التفاهم والحوار والتضحية والايثار لكي تُحل هذه النزاعات..

وهنا نودّ ان نختم بهذه التوصيات لذلك فالمأمول من عشائرنا الكريمة ومواطنينا الاحبّة ان يعملوا على نظم امورهم واللجوء الى التحاكم الصحيح والابتعاد عن حل النزاعات بالقوة والسلاح والعنف وتسليط الاهواء الشخصية والامزجة النفسية في اصدار الاحكام كيفما اتفق على الاخرين فإن في ذلك شيوع للفوضى بين افراد المجتمع والدخول في حلقة لا تنتهي من العنف والصراع..

والتوصية الاخيرة ان انشغال الطبقة السياسية بالنزاعات والتجاذبات والاختلافات على المواقع والمناصب أدخل البلد في دوامة من عدم الاستقرار والتخلف عن بقية الشعوب واهدار الطاقات والتأزم النفسي للمواطن اضافة الى ضياع فرص تقديم الخدمات للمواطنين وتوفير فرص العمل والتطور له، وقد آن الاوان ان نفيق من غفلتنا ونفك قيد أسرنا لأهوائنا ومطامعنا وان نأخذ من تجارب الماضي ومعاناة الحاضر وآمال المستقبل دروساً وعظة لما ينبغي علينا القيام به تجاه شعبنا ووطننا..

نسأل الله ان يوفقنا واياكم والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.


*النص الكامل للخطبة الثانية لصلاة يوم الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 7/ رجب الأصب/1440هـ الموافق 15 /3 /2019م

 

2019/03/16

2019/03/12

وكيل السيد السيستاني يحذر من انتشار الفوضى في المجتمع ويحمّل الجميع مسؤولية إيجاد الحلول

إخوتي أخواتي..

قد تقدّم فيما مضى وذكرنا بعض المشاكل الاجتماعيّة التي بدأت تضرب بلدنا ومجتمعنا بقوّة، وصنّفنا الأدوار التي يُمكن أن ينهض بها المجتمع، وقلنا نبدأ من الأسرة وبيّنّا بعض ما يتعلّق بالأسرة بشكلٍ موجزٍ وسريع، ثمّ ذكرنا أيضاً المدرسة وما يتعلّق بالجانب التربويّ، ثمّ ذكرنا الجوّ العامّ الذي يتحوّل من حالة حرّية الى حالة فوضى، والآثار السلبيّة المترتّبة على ذلك.

قبل أن أشرع بخدمتكم إتماماً للموضوع أحبّ أن أنوّه الى أنّ هذه الأمور التي ذكرناها ما هي إلّا بداية لمشروعٍ يُفترض أن يكون مشروعاً طويلاً وشائكاً، لأنّ هذه الأدواء عندما تدخل الى مجتمعٍ قطعاً تحتاج الى جهدٍ كبير وواسع من أجل الحصول على حالةٍ مجتمعيّة راقية، ومن حقّنا أن نطمح الى ذلك ونحاول أن نوجد هذه الحالة المجتمعيّة التي نريدها، باعتبار أنّ الأثر السلبيّ سيكون على الجميع، وكلّنا سنُعاني من هذه المشاكل، الأسرة تُعاني والمدرسة تُعاني -كما قلنا- والجوّ العام يُعاني، لكن عندما نحمّل المسؤوليّة للجميع ولا يُعفى أحدٌ من المسؤوليّة وعندما نستشعر هذه المسؤوليّة سنبدأ نبحث عن الحلّ، أمّا إذا كنّا لا نستشعر المسؤوليّة بل لعلّ البعض منّا لا يستشعر المشكلة -وهذا أخطر-، فإذا لم نستشعر المشكلة ولم نستشعر المسؤوليّة فلا شكّ أنّ الحلّ سيبقى بلا قائم به، أي يبقى الحلّ مركوناً وينتظر من يسعى له.

نحن في الواقع نؤمن بأنّ بعض القضايا تحتاج الى تكاتفٍ مستمرّ، وعندما نذكر بعض المشاكل لا نُريد أن نذكر المشكلة بما هي مشكلة، وإنّما نريد أن نشخّصها بدءً لحلّها، وقطعاً الكلام الذي تقدّمَ يحتاج بعد ذلك الى أكثر ممّا ذكرنا بلا شكٍّ ولا ريب، ليست في مسألة خطبة بل لابُدّ أن تكون هناك حالةٌ من الجوّ العامّ لحلّ هذه المشاكل، هل توجد حلول لبعض مشاكلنا؟ نعم.. توجد حلول، غالباً كلّ مشكلةٍ لها حلّ، لكن هناك حلول تحتاج -كما قلت- الى نهضةٍ من الجميع، تارةً نعالج شخصاً مريضاً فيبقى المرض بحدوده، وتارةً نعالج اثنين أيضاً يبقى بحدودهما، لكن عندما تتفشّى القضيّة ونُعاني -واقعاً- من مشاكل كثيرة زحفت إلينا وبدأت تضرب مجتمعنا بقسوة، والاستسلام لهذه المشاكل نحن من سيدفع الثمن، بدأت هذه المشاكل تضرب الأسرة وتضرب الشارع وتضرب السوق، بدأت تفتّت هذا البناء المهمّ الذي تسعى اليه جميع المجتمعات البشريّة.

بعض المشاكل بدأت تفتّت هذا الوجود المبارك وهو الوجود الأُسريّ، بعض الأشياء بدأت تفتّت هذا الوجود المقدّس وهو الوجود التعليميّ، هذه الحرمة -حرمة التعليم- بدأت تفقد بعض الآثار، الجوّ العامّ بدأ لا يُراعي كبيراً أو صغيراً، أن لا يُراعي هناك مسائل لا ينبغي أن تظهر الى الشارع، كلّ هذه الأشياء أن تُصبح مباحة بدأنا في حالة الفوضى، والفوضى إذا بدأت لا تنتهي إلّا بتقنين والتقنين يحتاج الى جهد، لعلّه هناك نقطة مهمّة هي قضيّة الإدراك والوعي، هذا الوعي والإدراك حقيقةً يحتاج الى تنمية، ليس كلّ شخصٍ يقول أنا أمتلك الوعي يعني فعلاً هو واعي، معنى الوعي هو إدراكُ الظرف الذي نحن نعيش به، الإنسان الملتفت الى خطورة بعض الأشياء أو ليس ملتفتاً، الإنسان مدرك حجم التداعيات الاجتماعيّة أو غير مدرك، الإنسان الواعي قد يكون ليست له علاقة في بعض الأحيان حتّى بالشهادة الأكاديميّة، الوعي حالةٌ من الإدراك وحالةٌ من التحضّر، حالةٌ من أنّ الإنسان يفهم كيف يعالج المشاكل الاجتماعيّة قبل أن تنفتح بشكلٍ مرعب.

عندما نقول (الوعي) هذا وراءه شيء وهو أنّ الإنسان مدرك، ثمّ هذا الإدراك يحتاج الى عمل، ليس الجانب الثقافيّ أن يكون جزءً من المشكلة، بعض الحالات هناك ثقافة هي جزءٌ من المشكلة، نعم من حقّ الإنسان أن يبيّن ومن حقّ الإنسان أن يشارك، لكن في نفس الوقت هناك مسائل فيها خطر، والمجتمع هو عبارة عن مكوّن لابُدّ أن يحرص الجميع عليه، من المسؤول عن ذلك؟! طبعاً -إخواني لاحظوا- لابُدّ من وجود رادعيّة لأيّ فوضى لابُدّ من وجود رادعيّة، في بعض الحالات رادعيّة الإنسان لذاته، الآن الابن لا يجرؤ أن يتكلّم مع أبيه كلاماً سيّئاً لماذا؟ لوجود رادعيّة، يرى أنّ مقام الأب لابُدّ أن يحظى باحترام، ومقام المعلّم لابُدّ أن يحظى باحترام ، والأخ الأكبر لابُدّ أن يحظى باحترام، الأمّ لابُدّ أن تحظى باحترام، هذه رادعيّة أنّ الشخص لا يتجرّأ أن يتكلّم مع أبيه مع أمّه مع أخيه مع معلّمه بكلامٍ قد يتكلّمه -مثلاً- مع صديقه، ما الذي يمنعه من ذلك؟ تمنعه هذه الرادعيّة، وهذه الرادعيّة تارةً تكون رادعيّة دينيّة وتارةً تكون رادعيّة قانونيّة وتارةً تكون رادعيّة عرفيّة.

هناك حالةٌ من الوضع العام، ولذلك هناك مصطلحاتٌ يعبّرون عنها بالآداب العامّة، ما معنى الآداب العامّة؟ أنّ المجتمع لا يرغب ولا يُريد ويعترض إذا وجد سلوكاً يمكن أن يكون في البيت وهذا السلوك يخرج من البيت الى عامّة الناس، أمام مرأى ومسمع الناس يقولون هذا سلوكٌ مخالف للآداب العامّة، المجتمعاتُ لا ترضى تقول بعض السلوكيّات لها زمانٌ ولها مكان -معنى الكلام-، عندما نجرّد المكان من هذا السلوك وعندما نجرّد الزمان من هذا السلوك تحدث الفوضى، أن الإنسان في البيت له حرّية، هذه الحريّة لا يمكن بنفسها أن يمارسها في الشارع، هذا لا أقوله أنا بل كلّ المجتمعات تقوله، ولذلك الآداب العامّة إذا لم نحافظ عليها هذا الكلام الذي قلناه هو عبارة عن فوضى، الرادعيّة تارةً رادعيّة دينيّة، الإنسان المتربّي دينيّاً يعرف ما له وما عليه، يعرف الحقوق التي له ويعرف الواجبات التي عليه، وهذا لا يُمكن أن يخالف معتقده الدينيّ، نعم.. هذه رادعيّة دينيّة وهذه من أفضل وأقوى الرادعيّة لو الإنسان يتديّن بها، دينُه لا يسمح أن يتجاوز على الجار، دينُه لا يسمح أن يتصرّف تصرّفاً فيه شائبة أمام الآخرين لأنّ عنده حياءً، وتارةً هناك رادعيّة قانونيّة، القانون لا يسمح، والمقنّن رأى أنّ بعض التصرّفات إذا لم تقنّن تتحوّل الحرّية الى فوضى فعليه أن يقنّن، وهناك رادعيّة قانونيّة القانون لا يسمح أن تتجاوز وأن تأخذ المال كيف شئت، أن تعتدي على الآخرين القانون لا يسمح، وهذا عموم العقلاء تبانوا فيما بينهم أن يضعوا حدوداً لا يسمحون بالتجاوز عليها، وهناك رادعيّة عرفيّة، أنّ الإنسان عرفُهُ العامّ يقول هذا أمرٌ معيب، -ليس أمراً دينيّاً- لكن يقول هذا أمرٌ معيب أن أتصرّف به، أنا أتصرّف مع أخي في البيت شيء لكن هذا التصرّف أمام الآخرين عيب.

تعال الى ما نحن فيه الآن، نحن أناسٌ أهلُ دين أناسٌ أهلُ قانون أناسٌ أهلُ عُرْف، نتحدّث عن واقعنا التاريخيّ هل يستطيع أحدٌ الآن أن يعترض ويقول أنتم لستم أهل دين؟! ولستم أهل قانون؟! ولستم أهل عُرْف؟! إذن ما الذي حصل؟ هذه الأمور عندنا موجودة، الإنسان يتخلّى عن دينه ويضرب القانون عرض الحائط والعرف بدأ يستهين به، ماذا تكون النتيجة؟ النتيجة ضياع وفوضى، إخواني أرجو أن تتقبّلوا كلامي، القانون عندما يغيب تبدأ الفوضى، كلامٌ عامّ أنا أتحدّث، إذا كانت شخصيّة قانونيّة تخالف القانون، وإذا كانت شخصيّة عرفيّة تخالف العُرف، أو شخصيّة دينيّة تخالف الدين فهذا غير صحيح، -التفتوا إخواني- كلّ مجتمعٍ لابُدّ أن تكون له حاضنة تمنع تدهور المجتمع، لا نستطيع أن ندخل في عمق الأشياء -والله- بعض الشواهد لو يستعين بها الإنسان لا أعتقد أنّها ستكون مناسبة، والكثير من هذه الشواهد غير غائبة عنكم، لكن أقول هذه المسؤوليّة جميعُنا يتحمّلها، لابُدّ أن نتماسك -إخواني- لابُدّ أن نجعل المجتمع متماسكاً، لابُدّ أن نرجع الى القيم، لا يوجد لنا حلّ إلّا أن نرجع الى القيم، القيم الدينيّة والقيم القانونيّة والقيم العرفيّة بمقدار لا تتعارض فيما بينها، أمّا أن نتخلّى عن كلّ شيء فهذا يُعطي نتائج في منتهى الخطورة، والنتائج لا ننتظرها في المستقبل بل الآن النتائج بائنة، العرف -مثلاً- الآن لا نمسك شيئاً من العرف، أيّهما عيب؟ أيّهما لا يجوز؟ المسألة تتداخل، ما الشيء المباح؟ ما الشيء غير المباح؟ أين القانون في مسائل أحوج ما يكون لها القانون؟ سلطةُ القانون غائبة، فماذا يحصل؟.

الحالةُ الاجتماعيّة -إخواني- تستأهل من الجميع أن يتعب من أجلها، قطعاً أنا قلت لا نكتفي بخطبةٍ ولا بخطبتين، والخطبة الواحدة قد لا تُصلح الأشياء وإنّما نحتاج الى تظافر، أنا أنبّه فقط، المسألة مسألة خطرة والمجتمع وفدت اليه أشياء في منتهى الغرابة وفي منتهى الخطورة، وعلى الجميع أن يتحمّل مسؤوليّته كاملةً في سبيل الحفاظ على المجتمع، وكان الله يحبّ المحسنين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، سائلاً الله تبارك وتعالى بمن نحن بجواره أن يرينا في بلدنا كلّ خير، وأن يحفظكم جميعاً في أهلكم ومتعلّقيكم، وأن نرى هذا البلد دائماً -بلد القيم- نراه دائماً ينبض بالقيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.


- النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة الجمعة يوم (16جمادى الآخرة 1440هـ) الموافق لـ(22 شباط 2019م)، التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ المطهّر

2019/02/23

ممثل السيد «السيستاني» يحذر من خطر يهدد المجتمع العراقي

ايها الاخوة والاخوات ما زلنا في الحديث عن الظواهر المجتمعية التي تهدد المنظومة الاخلاقية والتعايش الاجتماعي..

ايها الاخوة والاخوات من وظائفنا الاساسية ان نبين المعارف الالهية والاحكام الشرعية ومناهج الاسلام وكذلك ان نعمل على تعريف المجتمع بتلك الظواهر التي تهدد المنظومة الاخلاقية والتعايش الاجتماعي وان نحصنّ المجتمع التي نشعر ان بعض الظواهر المجتمعية تهدد كيانهُ وتماسكه الاجتماعي ومنظومته الاخلاقية..

من جملة هذه الظواهر المجتمعية (الافتراء وتلفيق الاخبار ونشرها والقول بغير علم...)

ايها الاخوة والاخوات..

أولاً: من المعلوم ان الاداة الاساسية والوسيلة الاكبر الغالبة لدى الانسان فرداً ومجتمعاً في التعريف بالعلوم والمناهج المعرفية والعلمية والثقافات، ثانياً: نشر ونقل هذه المناهج المعرفية والثقافات بين ابناء البشر، ثالثاً: نقل حقائق التاريخ والاحداث التي تمر بها البشرية ماضياً وحاضراً وكذلك نقل سير وتراجم العظماء من ابناء البشر والصلحاء للتعرف على سيرتهم ونقل التاريخ عن الاحداث السابقة للامم والاقوام التي مضت والاعتبار.. الوسيلة للتفاهم والتخاطب والحوار والنقاش كل هذه الامور نحتاج اليها حاجة ضرورية هذه من الامور المهمة التي لا يمكن ان يعيش الانسان فرداً ومجتمعاً من دونها الوسيلة الاساسية انما هو اللسان او ما يقوم مقامه..

اخواني حتى نعرف ما هي اثار الكذب والتلفيق والتزوير والافتراء نذكر هذه المقدمة التي هي من نقطتين:

لاحظوا اهمية اللسان تارة يستعمل استعمال خير وتارة استعمال شر، والتفتوا الى حديث واحد لخطورة اللسان او ما يقوم مقام اللسان، التفتوا اخواني القلم الذي تكتب به انما هو لسان ثانٍ خطورته احياناً اشد من اللسان وخصوصاً مع توفّر هذه الوسائل وهذه النقطة الاولى في هذه المقدمة.

النقطة الثانية: من الضرورات المجتمعية التي نحتاج اليها فرداً ومجتمعاً للقيام بوظائف الحياة والوصول الى الاهداف التي ننشدها من الاستقرار والسعادة والتعايش الاجتماعي والثقافي والفكري المطلوب لاستقرار المجتمع انما هو التفاهم والتآزر والتكافل والتعاون، لا يمكن لأي مجتمع ان يقوم بوظائفه ويصل الى اهدافه الا من خلال التعاون والتآزر والتفاهم والحوار والتكافل بين ابناء المجتمع لكي يصل الى هذه الاهداف..

هذا التعاون والتآزر لا يمكن ان يقوم الا اذا كانت هناك ثقة متبادلة وائتمان متبادل بين افراد المجتمع.

ما علاقة هذين الامرين بحديثنا عن التلفيق؟

لاحظوا اخواني اذا كان اللسان او ما يقوم مقامه من القلم والكتابة اذا كان هذا اللسان صادقاً في لهجته وفي حديثه واذا كان اميناً في نقل الحقائق وكشف الحقائق في التاريخ او الحال الحاضر وكان اميناً في تراجمة السِير والرجال وطبعاً من جملة الامور المهمة التي فاتني ان اذكرها من جملة الامور للسان هو ان يكون كاشفاً عن الانفعالات والعواطف والمشاعر والمواقف والارادات للانسان.. مهم ان اعبّر عن شعور وعن عواطفي واكشف عن هذه الامور واللسان هو من يكشف عن هذه الامور.. ان كان اللسان او القلم الذي يقوم مقام اللسان صادقاً في لهجته وكاشفاً عن الحقائق واميناً في الكشف عن الحقائق والمشاعر والعواطف وكان صادقاً في كل ذلك امكن ان يكون رائد خير وصلاح ورسول صلاح وخير الى المجتمع ويؤدي الى هذه الحالة التي ينشدها المجتمع من الاستقرار والسعادة والكمال وتحقيق الوظائف..

واما ان كان كاذباً وسيلته التضليل والخداع والكذب والتزوير والتلفيق سواء كان في نقل الحقائق العلمية او في نقل حقائق التاريخ او سير وتراجم الرجال والاقوام السابقين حينئذ رائد شر ورسول افساد واهلاك للفرد والمجتمع.. وانتبهوا للحديث الشريف (وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم)، كثير من الايات القرانية والاحاديث تبين ان اكثر ما يلج الناس في النار انما هو حصائد اللسان والقلم..

اخواني من السلوكيات والاخلاقيات التي انتشرت في الفترة الاخيرة هي ظاهرة التلفيق والتزوير والتضليل والخداع والقول بغير علم ونشر هذه الامور وقد اصبحت وهنا الخطورة اخواني مرة انا امام اثنين او ثلاث الفّق وازوّر واتهم هذا الفرد او هذه الجهة او هذا الكيان بأمور كاذبة وباطلة واتهم الابرياء بأمور باطلة امام شخصين او ثلاثة.. وتارة لدي فضائية يشاهدها الملايين او لدي موقع في الانترنت من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها وهذه الوسيلة يشاهدها الملايين فاذا الملايين يقرأون ويشاهدون التلفيق والتزوير والبهتان .. مع انتشار وسائل التواصل ووجود هذه الظاهرة اصبحت ظاهرة مجتمعية خطيرة لها تأثير خطير في المفاسد الاجتماعية التي تهدد الكيان للفرد وللمجتمع لذلك لابد ان ننتبه حينما تُستعمل هذه الوسائل لابد ان نكون اكثر حذراً ويقظة..

نأتي الآن الى الاسباب ونلتفت اخواني هذه الاسباب كم منها لدينا وكم نصيبنا من الاتصاف بهذه الصفات..

أولها الحسد: لماذا شخص يلفّق ولماذا يزوّر ولماذا يتهم انسان بريء بهذه الاتهامات الباطلة.. السبب هو الحسد.. قد يرى احد انساناً آخر فاقهُ علماً وذكائاً او اكثر منهُ مالاً او اعظم منهُ جاهاً او احذق منهُ مهارة وفناً ومهنة او انشط منهُ عملاً او انجح منه في حياته الاجتماعية او المهنية او الفكرية فيحسدهُ وهذا الحسد لا يستطيع ان يرى هذه النعمة عند هذا الانسان.. وتارة عندنا كيان اجتماعي او سياسي او فكري او مؤسسة تفوقت على اخرى.. فينشأ الحسد الذي يدفع صاحبه ومن اُبتليَ به (فرداً او كياناً) الى التلفيق والتزوير والافتراء ليفقد الاخرين ميزاتهم وتفوقهم ومحبوبيتهم ونجاحهم أو ليوهن مقاماتهم المعنوية وكمالات الصفات النفسية كما يحصل مع العلماء والمؤمنين.

اخواني لاحظوا الايات القرانية ما هو الغرض هابيل وقابيل الله تعالى يسرد لنا قصة قابيل وهابيل هل هي قصة تاريخية وانتهت قبل الاف السنين؟ (لا)، انما هي للتذكرة والعِبرة، اخوة من نبي احدهم يحسد الآخر لأنه افضل منهُ تقوى وعملاً صالحاً يدفعه الحسد ان يقتل اخيه الذي هو من أبيه وامّه، اخوة يوسف (عليه السلام) اولاد نبي من انبياء الله لم يستطيعوا ان يتحملوا ان يروا يوسف ان يتميز بحب ابيهم الشديد له.. فأرادوا قتله ولكن في النهاية قدّر الله تعالى ان يرموه في الجُب ثم ينقذه الله تعالى الى هذه القصة الطويلة..

الانبياء والاولياء والائمة عليهم السلام في كثير من الاحيان يُقتلون ويُشرّدون لماذا؟ بسبب الحسد..

لذلك التفتوا اخواني الخطورة هنا في كثير من الاحيان اقوالنا واعمالنا ما نكتبه وما نذكره عن الاخرين في دافعه الحقيقي هو الحسد ولكن الشيطان يغلّف لنا ويؤطّر لنا هذا الفعل بإطار آخر ينطلي على الانسان الذي ليس لديه ايمان وهناك قدرة في التمييز بين الحق والباطل وبين الخير والشرّ وتنطلي عليه هذه العناوين والاغلفة التي يغلفها الشيطان للانسان وهي في حقيقتها حسد دفع هذا الانسان الى ان يفتري ويلفّق الاخبار والباطل على اولئك الناس الابرياء..

السبب الثاني ايضاً هو الحقد والعداء للاخرين.. الانسان حتى يشفي حقده وعداوته وغليل حقده وعداوته يدفعه الى ان يلفّق ويزوّر الاخبار وينسب اشياء باطلة الى اناس ابرياء..

من جملة الاسباب الطمع في المال والمنصب والجاه والتزلّف والتملّق لأصحاب السلطة والنفوذ والمال من اجل حطام الدنيا..ومن تلك الاسباب ايضاً التحزّب والتعصّب لدين او مذهب او قوم او عنصر.. احياناً التحزّب هكذا انا ارى نفسي الافضل ولكن في واقع الحال هناك افضل.. كيف اٌسقطه من هذا المقام والمنزلة يدفعني ذلك الى ان افتري عليه..

ايضاً من جملة الامور سوء الظن.. في كثير من الاحيان كثير منّا يفسر عمله وفعله وسلوكه وتصرف هذه الانسان تفسيراً سيئاً ويحمله على محمل سيء.. كلام صدر من هذا الانسان المؤمن افسرّهُ بتفسير سيء بسبب سوء الظن واحمل عليه بهذا التفسير السيء ويصدر مني حكم وكلام بسبب سوء الظن الذي يدفعني ان احمل كلام وتصرفات الاخرين واعمالهم على محمل سيء وارتّب عليه..

الذي الآخر الذي نحن مُبتلين به وهو التسرّع والعجلة في الحكم على الامور.. اخواني كم منّا يرى كتابات في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها.. كم منّا يرى افلام وكم منّا يقرأ مقالات عن اخرين ويُسرع ويتعجّل في الحكم بصحة هذه الامور المنشورة ثم يقوم بنقلها ونشرها دون ان يتثبت من ان هذه الامور صحيحة او حقيقية ويكون قد ساهم في نقل الباطل والكذب والتزوير والتضليل وتسقيط شخصيات الناس والجهات الاخرى خصوصاً ما يتعلق بالعلماء واهل العلم والدين والفضل والصلاح والخير..

كم منّا يتسرع ويتعجّل بمجرد ان يقرأ مقالا ً او يقرأ شيئاً او يرى فيلماً عن شخصية او جهة معينة ثم يُسرع في نقل او نشر واذا ترى ينتشر هذا الخبر او المقال كالنار في الهشيم ويطلّع عليه الملايين.. هناك ربما شخص واحد وجهة واحدة لا تملك شيء من الايمان والدين والورع هي التي قامت بنشر هذا الامر خصوصاً ما يتعلق بالعلماء واهل العلم والدين والفضل والخير والصلاح نلتفت اخواني لا يكون لدينا فهذا احد الاسباب هو العجلة والتسرع في الحكم على الامور من دون التثبّت منها فيكون هذا الانسان قد ساهم في التلفيق والتزوير والكذب..

الآن بعد ذكر الاسباب لنرى وجهة نظر الاسلام في اتهام الناس بالباطل والافتراء على الابرياء.. قال الله تبارك وتعالى : (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ)..

اخواني كم مِنّا يتلهى ويأنس بأن ينقل هذه الاخبار المزوّرة والمقالات الباطلة خصوصاً ما يتعلق منها بأهل العلم والدين والفضل والصلاح.. كم مِنّا يُسرع في نقل الكتابات وكم مِنّا ينقل هذه الاحاديث.. جريمة عظيمة خطيئة كبيرة ان الانسان يسمع ويقرأ ويرى شيئاً ربما يكون باطلاً وتلفيقاً وتزويراً ولا يأخذه بالعقل ولا يأخذه بالدليل ولا يأخذه بالحجة والبرهان انما يأخذه باللسان فقط وبالبصر فقط دون ان يمرر هذه الامور الملفقة والمزورة والكاذبة على قلبه وعقله فيجعل العقل والضمير والاخلاق والقانون هي الحاكم على مثل هذه الامور انها صادقة او كاذبة..

الله تعالى يقول انتم تستهلون هذا الامور ويكون سهل عندكم وتسرعون الى نشره وبثّه الى الاخرين الله تعالى يقول لا تستهلون هذه الامور..

لذلك نقول الظن السيء والاتهامات عظيم عند الله تعالى لأنه ظلم لهؤلاء الابرياء حتى الانسان العادي وحتى الانسان غير المؤمن الانسان ينتبه لأن لا يتهم هذا الانسان حتى غير المؤمن بشيء ليس فيه فيكون قد افترى عليه ولفّق عليه هذه التهمة فكيف اذا كان من العلماء والصلحاء واهل العلم والتقوى والدين..

ايضاً التفتوا اخواني هذا يسبب تسقيط وتوهين لهذه الشخصية خصوصاً المؤمنة واهل العلم والاخلاق والصلاح والنتيجة سيؤدي الى نفور الناس وابتعادهم عن هؤلاء وهذا النفور والابتعاد نتيجته حرمان المجتمع من خيرات وعلوم وبركات هؤلاء خصوصاً العلماء واهل الفضل والخير والصلاح..

كم من الاشخاص يغلف نفسه ويؤطر نفسه بعنوان ديني ويكتب في صفحات التواصل الكثير من الاكاذيب والافتراءات الباطلة على اهل العلم والدين وهم منها براء.. ربما البعض يساهم في نقل ونشر هذه الاخبار خصوصاً لأهل العلم والدين والتقوى وينسب اليهم افعال وتصرفات وسلوكيات وصفات هم منها براء..

ماذا يعني ذلك؟ والمشكلة الكبيرة ان احياناً عناوين الجهات التي تنشر والاسماء التي تنشر نُخدع بها ونُضلل بها لأنها متصفة بأسماء وعناوين دينية قد هي كبيرة لدينا ولكن هؤلاء قد اغواهم الشيطان..

نحن علينا ان نلتفت خصوصاً ما يتعلق بأهل العلم والتقوى والصلاح الذي ارادهم الله تعالى ان ينتفع بهم الناس من علومهم وفقههم وورعهم وتقواهم وكمالاتهم المعنوية فاذا بهذا التضليل والتزوير فهذا ينشر وذاك ينشر وتلك الجهة تنشر وكم من الرجال الصالحين المؤمنين وكم من النساء البريئات عن الكثير من التُهم الشنيعة والامور غير الاخلاقية يُتهمون وهُم براء منها وقد يؤدي ذلك الى القتل او الى القطيعة بين العوائل وبين العشائر او يؤدي الى حرمان هذا الرجل او هذه المرأة من حقهم في الحياة وما غير ذلك التي سنبينها ان شاء الله تعالى..

اضافة الى الايذاء المعنوي والنفسي الذي سيعيشه هذا الانسان الذي نُسبت اليه هذه الافعال والاقوال والاعمال والتصرفات والصفات التي هو براء منها.. وقد يعيش هذا الانسان المؤمن الصالح وغيره سنين من العذاب والمعاناة النفسية، قال تعالى : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا).

انسان بريء تُلصق به تهمة ويُلفق عليه شيء باطل واخطر شيء اخواني ان نساهم من حيث لا نعلم في نشر الاكاذيب والاباطيل والافتراءات على اهل العلم والدين والتقوى فتؤدي بنا الى هذه النتائج التي آثارها ضارة في الدنيا والاخرة..

لذلك علينا ان نلتفت الى هذه الاثار ونتأمل وندقق وحينما نتكلم وكما ورد في الحديث ان المؤمن اذا اراد ان يتكلم يتأنى قليلا ً ويمرر الكلام على قبله فاذا وجد ان الكلام فيه صلاح وخير أمضاه وان كان فيه حرام وشر وايذاء أمسكه..

وكذلك في الكتابة خصوصاً مع وجود هذه الوسائل الان وكذلك عبر وسائل الاعلام هذه خطرها أعظم لذلك قُلنا ظاهرة مجتمعية لأنها اصبحت على نطاق واسع لذلك لابد على الانسان ان يحذر من هذا.


*النص الكامل لخطبة صلاة يوم الجمعة بإمامة ممثل المرجعية العليا سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي التي ألقيت بتاريخ 01/02/2019 الموافق 25 جمادى الأول 1440 هجرية

 

2019/02/02

2019/01/26

ممثل السيد «السيستاني»: المصالح الخاصة ستتحول إلى قوة تدمير وإفساد للمجتمع

ايها الاخوة والاخوات لا زلنا في الخطبة الثانية في بيان بعض الظواهر المجتمعية التي تهدد المنظومة الاخلاقية للمجتمع، وسبق ان ذكرنا في الجزء الاول الظاهرة المجتمعية في العنف والآن نتعرض الى بيان ظاهرة مجتمعية اخرى ألا وهي (تقديم وايثار المصالح الخاصة على المصالح العامة).

المصلحة بحسب ما يفهم من معاجم اللغة هو ما يبعث على الصلاح وما يتعاطاه الانسان من الاعمال الباعثة على نفعه وخيره او باعثة على خير ونفع الاخرين، والمشكلة أين تكون ايها الاخوة والاخوات؟ لدينا مصالح خاصة ولدينا مصالح عامة تهم المجتمع، طبعاً تارة نتحدث عن المواطن كفرد في أي موقع كان سواء كان مواطن عادي او طبيب او مهندس او موظف وتارة نتحدث عن كيان.. ومقصودنا الامرين معاً سواء كان كيان عشائري او كيان مذهبي او ديني او قومي كل ذلك هو داخل في هذه المسألة وفي هذه الظاهرة المجتمعية.

طبعاً مسألة المصلحة الخاصة او المصلحة العامة نابعة من غريزة عند الانسان ألا وهي غريزة حب الذات وطبعاً هذه الغريزة ضرورية ولابد من وجودها عند الانسان لأنها هي التي تحركه وتدفعه ان يبحث عن مصالحه ومنافعه فهذا شيء لابد منه بالنسبة الى الانسان ولكن المشكلة حينما تطغى غريزة حب الذات بحيث ان الانسان يغلّب مصالحه ومنافعه على الاخرين ولا يفكّر ولا يهتم الا بمصالح نفسه وذاته، تارة يسعى هذا الانسان ويهتم ويعتني بمصالحه ويحاول ان يحققها ويحرم الاخرين هذه المرتبة ليست صحيحة، الأشد والاخطر منها ان تحقيق المصالح الخاصة اذا استلزم ذلك الاضرار بالاخرين، قد احياناً هذه الغريزة تتغلب على بقية الغرائز ودوافع الخير بحيث تجعل الانسان يبحث ويهتم بتحقيق مصالحه وان استلزم ذلك الاضرار بمصالح الاخرين، هو لا يهمه الاخرون أبداً حتى وان تضرروا من ذلك او يحاول ان يحقق مصالحه وان كان قد اهمل ملاحظة مصالح الاخرين وحرمهم من تحقيق النفع لهم فهذه مرتبة ادنى ولكنها تتنافى مع سيرة العقلاء وما هو مطلوب من الناس المؤمنين والناس الذين يتصفون بروح المواطنة.

ونذكر هنا بعض الامور المتعلقة بتداعيات تقديم المصالح الخاصة فنقول:

ان بعض المجتمعات ومنها مجتمعنا تعاني اليوم من تقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة في الكثير من شؤون الحياة ومنها التعدي على الحقوق والاموال العامة والتقصير والاهمال في الاداء المهني والوظيفي وتقديم المصالح الحزبية والقومية الضيقة على المصالح العامة وتغليب التعصب العشائري والقومي والحزبي والديني على الانتماء الوطني وقد أدى ذلك الى ابتلاء الناس بالكثير من الازمات والتخلف وهضم الحقوق وتأخر البلد والمجتمع وتخلفه عن ركب المجتمعات الاخرى.

وسنبين هنا مسألة ان مراعاة المصلحة العامة التي لا تخص شخصاً معيناً او كياناً معيناً في المجتمع بل هي تشمل المواطن العادي والموظف الحكومي والمعلم والمدرس والاستاذ في الجامعة والطبيب والتاجر والفلاح واصحاب المهن والحرف والسياسي واصحاب الاختصاص والفنون وتخص الكيان العشائري والمذهبي والديني والقومي والانتماء الحزبي وغيره من العناوين العامة.

فالمعلم والمدرس والاستاذ الجامعي الذي يؤثر خدمة العلم والطالب ويقدم ذلك على راحته وما يطلبه من امتيازات مالية او وظيفية حرصاً على تخريج الطالب المتعلم والماهر في اختصاصه والذي سيخدم مجتمعه في مستقبله بتفان واتقان والطبيب الذي يؤثر تطبيب مريضه ويعمل بكل وسعه وطاقته لتحقيق شفاء مريضه وان كان ذلك على حساب الامتيازات المالية والوظيفية له، والموظف الذي يحرص على خدمة مواطنيه واداء مهامه ووظائفه على الوجه الصحيح وان كان ذلك على حساب راحته وما يطلبه من امتيازات مالية ووظيفية، والتاجر الذي يحرص على تقديم افضل السلع لمجتمعه وان كان على حساب ربحه المادي، والسياسي الذي يؤثر مصالح بلده وشعبه على مصالح حزبه وكيانه السياسي ويعتبر ان مصلحة بلده مقدمة على مصلحة كيانه السياسي وان تضررت من ذلك مصالحه السياسية.. كل هؤلاء جديرون بالثقة بوطنيتهم وضميرهم الديني والوطني والغيرة على شعبهم ومن لا يكون كذلك بل آثر مصالحه الشخصية والضيقة ولم يبالِ ولا يكترث بما يلحق بلده وشعبه ومواطنيه من ضرر واذى طالما ان مصالحه الخاصة تنجز وتتحقق فهو بعيد عن شعارات الوطنية والحب لشعبه وقد تحكمت فيه غريزة الانانية حداً جعلته عبداً يسير وفق ما تمليه تلك الغريزة..

وفي مقابل ذلك فإن البحث عن المصالح الخاصة بلا ضوابط او قيود ومبادئ وسلطة تحدّ من ذلك اذا كانت هذه المصالح الخاصة تضر بمصالح الاخرين ستتحول الى قوة تدمير وافساد للمجتمع ومؤسساته وتترك الضعفاء فريسة للاقوياء واصحاب السلطة والقوة والمال وسينعدم الاستقرار والسلم والامانة وتهضم الحقوق، بل تهدّد مستقبل الاجيال القادمة.. فحينما يسود المجتمع ظواهر مثل ان تطالب بالامتيازات بدون حساب ولا مقابل يوازي الامتيازات المالية او المنصبية او الاجتماعية او السياسية وان تنتفع من موقعك الوظيفي اقصى ما يمكن من تحقيق الاهداف الشخصية أو لا تقدم الخدمة الا بمقابل، ومن يعطي أكثر سأكون معه وسأعطيه ومن يقف في وجهي ومصالحي سأبحث له عما يوقفه ويحد من مخططاته أو ربما يقمعه.. أو لا يهمك ان يتضرر وطنك ومدينتك واهلك وعشيرتك طالما ان مصالحك الشخصية متحققة، فعلى هذا سيصبح البلد ومؤسساته سوقاً للمزايدات وساحة للصراعات وسوف لا يكون هناك عمل وتقدم وخدمة..

ايها الاخوة والاخوات ما هي الوسائل والقواعد التي ينبغي مراعاتها للوصول الى هذه الحالة التي ننشدها جميعاً وهي تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة نحتاج الى مجموعة من الامور:

-      الاهتمام بالمنظومة الفكرية والاخلاقية وسأبين معنى ذلك:

في الواقع ان مسألة غريزة حب الذات والانانية التي هي تنبع وتؤدي الى هذه النتائج من تقديم المصالح الخاصة على المصالح العامة في مقابلها لابد ان تكون مبادئ وقيم وقواعد اخلاقية توجه هذه الغريزة الوجهة الصحيحة نحو خدمة النفس وخدمة العنوان الخاص وخدمة العنوان العام..

نحن لدينا ايضاً منظومة اخلاقية لابد ان تكون المؤسسات التربوية والتي عليها ان تهتم بتربية الانسان ابتداءً من الاسرة الى المدرسة والى الجامعة والى الدائرة والى المؤسسات الاخرى لابد ان تهتم بالمنظومة الفكرية والعقدية وان دائماً نركّز ونوضح للانسان ان بقية افراد المجتمع هم بشرٌ مثله ايضاً يتمنون حصول الخير والمصلحة والنفع لهم هؤلاء جميعاً وان اختلفوا معك في مسألة الانتماء الديني او القومي او المذهبي انما هم نظراء لك في الخلق او اخوان لك في الدين، هذه النظرة الفكرية لابد ان تتركز لدينا ونعمل على ضوءها.

المنظومة الاخلاقية التي تبين منافع الاهتمام بمصالح الاخرين وقضاء حوائجهم منظومة الايثار والتضحية وقضاء حوائج الناس وحب الخير لهم، لابد ان يكون هناك بيان وتوضيح وتعريف بهذه المنظومة وبيان فوائدها ومنافعها..

اخواني التفتوا انا حينما اكون موظف اذا خدمت الناس الناس سيخدموني، ان لم اخدم الناس وتعاملت معهم بما يحقق لي مصالحي الشخصية الناس سيعاملوني بالمثل فإن كنت اعمل على نفع الناس الناس هم بالملايين سيعملون على خدمتي ونفعي، وان كنت اعمل لصالح نفسي فقط فرداً او كياناً حتى العشيرة او الكيان السياسي او الاجتماعي حينما يعمل بروح الانانية ويريد ان يحرم الاخرين من هذه المنافع الاخرون سيعاملوني بالمثل وبالتالي انا سأحرم من منافع كثيرة..

لذلك ورد في بعض الاحاديث بهذا المعنى ان منع الانسان يده من الناس وحرمهم من هذه اليد حرمه الناس من أيادٍ كثيرة.. فإن انا عملت على منفعة نفسي فقط سأُحرم من منفعة الاخرين.. لذلك الانسان الذي يعمل على نفع الاخرين سيحظى بنفع هذا العدد الكبير وان اقتصر على نفسه حُرمَ من نفع الاخرين..

هذه المنظومة الاخلاقية كما نهتم اخواني بالمؤسسات التربوية والمؤسسات بصورة عامة وكما نهتم بالمسائل العلمية التخصصية الاكاديمية علينا ان نهتم بالمنظومة التربوية والاخلاقية ونبين المضار الكبيرة لتقديم المصالح الخاصة الضيقة على المصالح العامة وفي نفس الوقت نعرّف كيف ان الانسان الذي يسعى لخير الاخرين هو كيف سينتفع ايضاً..

المسألة الاخرى ايضاً هو توفر البيئة الصالحة، ما المقصود بالبيئة الصالحة؟ هو توفر القدوة، الحاكم الذي بيده مقاليد الامور الذينَ سُلمت بأيديهم مقاليد الامور للناس لابد ان يكونوا هم القدوة للاخرين..

المدرس قدوة للآخرين وللطلبة والمعلم والجامعي والطبيب والمهندس والموظف قدوة للاخرين.. هذه البيئة الصالحة هي التي تصنع الانسان الذي يسعى للخدمة ونفع الاخرين..

النقطة الاخرى المهمة هو ان تعتني المؤسسات التشريعية والتنفيذية بحماية المصالح العامة، احياناً التربية لوحدها لا تكفي، كثير من الناس يقولون لنا تكلموا في خطبة الجمعة عن كذا وكذا.. نعم نتكلم ولكن الموعظة والنصيحة قد تنفع في بعض الاحيان وهذه النصيحة والموعظة ان لم يكن معها مؤسسات تشريعية تسنّ القوانين التي تحفظ هذه المصالح العامة تحفظ الحقوق العامة تحفظ الخدمات العامة وايضاً تمنع أي شخص بعنوان الفرد او بعنوان الكيان ان يضر بالاخرين، تشرّع القوانين سلطة تنفيذية تطبّق هذه القوانين التي تحمي الاموال العامة وتحمي الخدمات العامة وتحمي الحقوق وتمنع أي عنوان شخصي او عنوان أعم من الإضرار بالاخرين، ان لم تتوفر مثل هذه الامور لا يمكن للنصيحة والموعظة ان تؤتي ثمارها لذلك لابد ان توفّر مثل هذه العوامل حتى نصل الى هذه النتيجة..

لذلك اخواني المواطنون بصورة عامة مخاطبون اولا ً والموظفون مخاطبون والمهندسون مخاطبون والاطباء مخاطبون والسياسيون مخاطبون.. جميعاً هؤلاء مراعاة المصالح العامة سينعكس بانبساط الخير والنفع والمصلحة على الجميع..

كل عنوان شخص او عنوان ضيق او عنوان عشيرة او انتماء مذهبي او قومي ان اعتنى بمصالحه فقط وقدّم مصالحه على الاخرين وكان لا يبالي ولا يهتم ان تتضرر مصالح الاخرين ولكن المهم هو ان تعود المصلحة والنفع فقط لنفسه وعنوانه الخاص حينئذ الضرر سينبسط على الجميع ويتقوض العمل الجمعي وسيؤدي الى تشتيت الطاقات والجهود والامكانات..

انا حينما اشاهد انسان او كيان يتعاون معي انا سأتعاون معه واعمل على نفعه، ان اجد هذا الانسان او الكيان لا يحاول ان ينفعني ولا يحاول ان يخدمني او يحاول ان يخدم نفسه ويضرني انا ايضاً سأنقطع عنه وسوف لا اتعاون معه وبالتالي هذا سيؤدي الى تشتيت الجهود والطاقات والامكانات وتفرقتها وعدم انضمام بعضها الى بعض آخر لكي يتحقق النفع العام..

لذلك اخواني علينا ان نلاحظ هذا المبدأ المهم وهو مبدأ اسلامي وعقلائي ان الانسان كما يحرص على مصالح نفسه ان يحرص على نفع وخير ومصالح الاخرين فحينئذ الخير سيعم الجميع، حرمان الاخرين من تحقيق المصلحة والنفع لهم هذا الحرمان سيعمّ الجميع.


النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 13/ربيع الآخر/1440هـ الموافق 21 /12 /2018م

حيدر عدنان

2018/12/22

وكيل السيد السيستاني: هذا حدك لا تتجاوزه وإذا تجاوزته هذه هي النتيجة!!

فيما يلي أهم النقاط التي أشار إليها وكيل المرجعية العليا سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزه) والتي تضمنتها الخطبة الثانية من صلاة الجمعة التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف اليوم (22 ربيع الأوّل 1440هـ) الموافق لـ(30تشرين الثاني 2018م:

-في كلّ المجتمعات هناك مشاكل، وعندما تدخل لبعض المشاكل تجد أنّها لم تكن أسبابها أسباباً حقيقيّة، وإنّما كانت أسباباً بسيطة وتافهة لم تستوجب هذه النتيجة.

-الأنظمة الوضعيّة والسنن الإلهيّة وضعت حدوداً وقالت: هذا حدّك لا يمكن أن تتجاوزه، فإذا تجاوزتُه لابُدّ أن أتحمّل جريرة هذا الفعل.

-الله تعالى أودع فينا ميزاناً لكي نضبط تصرّفاتنا أي جعل فينا ميزاناً أن نضبط هذه التصرّفات، قبل الشارع المقدّس وقبل الأنظمة ألا وهو العقل.

-كلّ إنسانٍ منّا بسريرته يعلم أنّ هذا التصرّف ينبغي أن يكون أو لا ينبغي أن يكون.

-الجوّ العامّ يجعل الإنسان يتماشى وهو بداخله غير مُعتقدٍ بهذا التصرّف.

-الذي يملك العقل هو الغنيّ.

-بالعقل يعرف الإنسان أين يضع موضع قدمه وكيف يتصرّف.

-من فوائد التعقّل أن الإنسان بنفسه يرى وهذه نعمة كبرى أن يرى الأشياء.

-(العدوّ العاقلُ خيرٌ من الصديق الجاهل) لأنّ العدوّ العاقل تعرف كيف تتعامل معهُ.

-التعقّل له ضوابط عكس الجهل الذي ليست له أيّ ضابطة.

-الفقرُ ليس عيباً ولا يقع عائقاً لكن الإنسان إذا كان جاهلاً نعم سيكون فقيراً.

-الجاهل الذي يعتقد نفسه عالم هذا لا يُمكن أن يتعلّم، لأنّه هو يعتقد نفسه عالماً.

-الجهل المركّب من أصعب أنواع الجهل.

-أعطِني عاقلاً متعقّلاً أستطيع أن أتفاهم وأتحاور معهُ.

-الذي عنده جهلٌ مركّب هذه الطامّة الكبرى.

-الجاهل المركّب الذي لا يعلم بأنّهُ جاهل.

-الذي يملك العقل يملك مفاتيح كثيرةً للتوفيقات.

-أممٌ وشخصيّات بكاملها انتهت لماذا؟! لأنّها كانت جاهلة.

-الجهل من الصعب القضاء عليهِ إلّا بالعلم والتعلّم وبإحساس الناس بأهميّة التعقّل.

-العقلُ يأتينا بالعلم.

-الجهل حالةٌ من الضلال وحالةٌ من عدم المعرفة.

-الإنسان يورّث الأدب والأدبُ يُعطي شخصيّة الإنسان، فيُقال: هذا متعلّمٌ ومؤدّب.

-باب التأدّب وباب التحضّر وباب نوعيّة العلاقات هذا كلّهُ مبنيٌّ على أدب.

-شاورْ و(مَنْ شاوَرَ الرجالَ شارَكَهم في عقولِهِم) -الحكمة 58 من كتاب نهج البلاغة للشريف الرضي-.

-الكثيرُ من العلماء والصُلحاء والحكماء لا يبتّون بأمرٍ حتّى يشاوروا من هو جديرٌ بالمشاورة، حتّى يخرج الرأي رأياً حسناً.

2018/12/01

ما هي مقومات الأداء الوظيفي الناجح؟

أيّها الإخوة والأخوات ما زلنا في الموضوع السابق: ما هي مقوّمات الأداء الوظيفيّ الناجح، وسبق أن بيّنّا نحن نتعرّض الى المبادئ العامّة للنجاح في الوظائف، وهذا يشمل الجميع ابتداءً من المسؤول الأعلى الى الأدنى، من المدير الى ربّ العمل الى صاحب الحرفة والمهنة، والمعلّم والأستاذ والطبيب والمهندس، ما هي تلك المقوّمات أو المبادئ العامّة التي تكفل النجاح في أداء الوظيفة والمهمّة، بحيث نصل الى النجاح الذي نبتغيه، وطبعاً المبادئ الخاصّة هذه من شأن أهل الاختصاص، في مجال الطبّ أو الهندسة أو الفيزياء وفي الوظائف العامّة الإداريّة والماليّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة هناك مبادئ خاصّة هذه شأنها لأهل الاختصاص، نحن إنّما نتكلّم عن المبادئ العامّة التي نحتاج أن تترافق هذه المبادئ العامّة مع المبادئ الخاصّة لكي نصل الى النجاح الذي ننشده ونتمنّاه.

ونبيّن هنا تكملةً لما ذكرناه من الأمور المهمّة للنجاح الوظيفيّ، وهذا يشملنا جميعاً إخواني حتّى في مجال الحرف الحرّة وغيرها، هذه المقوّمات نحن بحاجة اليها وهي الشعور بأهمّية العمل وقدسيّته لدى الفرد والمجتمع، ودوره المهمّ والخطير في تحقيق الهدف من وجود الإنسان على الأرض، ودوره في التطوير وإعمار الأرض لابُدّ أن يكون لدينا شعور أنّ العمل شيءٌ مقدّس ومهمّ وخطير في حياتنا.

وسبق أن بيّنّا أنّ الله تعالى أوكل للإنسان أن يكون خليفته في الأرض، وأوكل اليه أداء الأمانة الإلهيّة التي تحمّلها الإنسان، وأوكل اليه عمارة الأرض وتطوير الإنسان وتطوير حياته، كذلك أوكل اليه مهمّة استخراج الكنوز العلميّة الدقيقة التي أودعها في الكون.

النقطة الأساسيّة متى ما شعرنا أنّ العمل ومقوّماته لها مدخليّةٌ كبيرة في تحقيق هذه الأهداف العظيمة، ما أعظم مهمّة خلافة الله في الأرض! ما أعظم أداء هذه الأمانة التي أوكلها الله تعالى الينا! متى ما شعرنا أنّ هذه المقوّمات واعتبار العمل مبدأٌ عظيم ومقدّس وله قيمة إنسانيّة كبرى، وله ارتباط في أن نؤدّي مهمّة استخلاف الله في الأرض، وأنّه لا يمكن أن تقوم لهذه المهمّة قائمة ما لم نلتزم بهذه المقوّمات والمبادئ التي بيّنها الإسلام وبيّنها أيضاً أصحاب الاختصاص، حينئذٍ حينما أشعر أنّ العمل مهمّة ومسؤوليّة إلهيّة في الأرض، حينها سيكون هذا العمل له مبدئيّة وله قيمة مقدّسة عندي، وحينئذٍ سوف أتحفّز وأندفع للعمل وتكون لي الجدّية والإخلاص والإتقان في العمل، وأؤدّي هذه المهمّة الموكلة اليّ على أحسن وجه، سواء كانت هذه المهمّة عباديّة أم كانت أخلاقيّة أم أداء وظيفيّاً عامّاً، فنحن بحاجة الى هذا الشعور وبهذا الشعور نبتعد عن حياة الكسل والتراخي والتعطيل التي تؤدّي الى تأخّر المجتمع، لذلك يجب أن يكون لدينا هذا الشعور لنحقّق هذا النجاح الذي نرجوه.

النقطة الثانية: -وهي مسألةٌ مهمّة- القصد والباعث للعمل، هذا الإنسان الذي تجده أكثر جدّيةً وهمّةً وأكثر اندفاعاً ونجاحاً في العمل إنّما تأتي من حقيقة الباعث والقصد والدافع للعمل، المؤمن لابُدّ أن يقوّي ويرسّخ في داخله أن يكون قصده ودافعه وباعثه هو رضا الله تعالى، حينئذٍ سيكون العمل مرتبطاً بهدفٍ عظيم ومقدّس، وحينئذٍ سيندفع الإنسان للعمل أكثر، ليس فقط في العبادة، فأنا حينما أكون أستاذاً في الجامعة أو أكون طبيباً أو مهندساً أو موظّفاً أو ربّ عملٍ مكلّفاً بمهنةٍ ومهمّةٍ وعملٍ، إذا شعرت أنّ أداء هذه المهمّة وهذا العمل مرتبط بتكليف إلهيّ ومرتبط بتحقيق رضا الله تعالى سوف أكون أكثر إتقاناً وإخلاصاً واندفاعاً، وهذا الشرط لابُدّ أن يتوفّر للإنسان المؤمن.

وهناك مقاصد وبواعث مهمّة ومتعدّدة، ويُمكن أن يكون القصد والباعث إنّما هو حبّ الوطن والتضحية من أجله وحبّ الشعب، هويّة الانتماء الى الوطن وأنّ هذا الوطن هويّته، فضله على الإنسان الذي بلغ ما بلغ من هذه المراتب بعد تخرّجه من الجامعة -بهذا العنوان- إنّما لوطنه وشعبه فضلٌ عليه، هذا الانتماء للوطن وحبّه قد يدفع الإنسان الى أن يكون جادّاً ومخلصاً وصاحب همّةٍ في العمل، وأحياناً حبّ الحرفة والمهنة وحبّ خدمة الناس هذه عوامل يُمكن أن تشكّل عاملاً قويّاً يدفع الإنسان للخدمة، على العكس من ذلك حينما يضعف هذا الباعث والدافع عند الإنسان يضعف اندفاعه وإخلاصه وإتقانه للعمل.

لذلك إخواني نرى أحياناً البعض يربط عمله بأهدافٍ دنيويّة، هذه المشكلة التي لدى الكثير، قد يربط اندفاعه وعمله بالمال لتحقيق المنصب أو للحصول على منصبٍ أو على جاهٍ أو على مدحٍ أو على ثناءٍ أو على ترفيعٍ أو على أمرٍ دنيويّ آخر، هذه الأمور زائلة وفانية تحصل أو قد لا تحصل، حينئذٍ سيرتبط اندفاعه وإخلاصه وإتقانه للعمل بهذه العوامل الدنيويّة الزائلة، فلا يكون مندفعاً ولا يكون صاحب همّةٍ ولا يكون ناجحاً في عمله.

لذلك أيّها الإخوة والأخوات من مقتضيات الإيمان أنه إذا كنتُ إنساناً مؤمناً وأكون طبيباً أو مهندساً أو مديراً أو أستاذاً أو ربّ عمل أو صاحب مهنة، حتّى لو كنت صاحبَ مهنةٍ فلّاحاً أو نجّاراً أو حدّاداً أو أيّ شيء كان، حينما أربط هذا العمل بالله تعالى وأريد منه رضا الله تعالى، هذا غير قضيّة الثواب العظيم الذي يحصل عليه الإنسان والبركة والدوام والتوفيق الدائم في هذه الأعمال، حينئذٍ سوف يكون لهذا العمل نجاح كبير لأنّه ارتبط بالله تعالى، وحينئذٍ سيكون هناك التسديد من الله تعالى والعون لهذا الإنسان، لذلك أيّها الإخوة والأخوات من مقتضى الإيمان الصحيح عند الإنسان المؤمن غير قضيّة الصلاة والصوم والحجّ وبقيّة العبادات، أنت في عملك أستاذ في الجامعة طبيب مهندس موظّف ربّ عمل لابُدّ أن تكون مندفعاً في عملك مخلصاً هميماً في عملك، تحاول أن تحقّق أكبر نسبةٍ من الإنجاز والنجاح، متى ما كان هذا العمل دافعه وقصده رضا الله تعالى حينئذٍ سوف يحقّق الإنسان أعلى مراتب النجاح.

وبالعكس الإنسان الذي يربط عمله بالمال بمنصبٍ بجاهٍ بمدحٍ بثناءٍ وغير ذلك من الأمور الدنيويّة لا يستطيع أن يتوفّق أو ينجح في عمله، لذلك مقتضى إيماننا أيّها الإخوة والأخوات وأيّ واحدٍ منّا وفي أيّ موقعٍ لابُدّ أن يحقّق هذا القصد والباعث، وهذا ليس بالأمر الصعب، متى ما فكّر الإنسان المؤمن أنّ نتاج ذلك سيكون في الآخرة ذلك النعيم الدائم والمقيم حينئذٍ سيندفع أكثر في هذا المجال.

النقطة الثالثة: -من الأمور المهمّة- ثقافة المجتمع في احترام وتقديس ومحبوبيّة العمل، لاحظوا إخواني ترون أن ّبعض المجتمعات ربّما لا يدينون بدينٍ، ولكنّهم ناجحون في عملهم، وبلغوا مرتبة عالية من التطوّر والتقدّم والازدهار والرّخاء، ما هي الأسباب في ذلك؟ هذه المجتمعات نجد أنّ العمل عندهم وإتقانه وإتمامه يعتبرونه مبدأً مقدّساً ومحترماً، وعلى الأقلّ هو مرتبطٌ بوطنهم وشعبهم، احترام العمل وقدسيّته ومحبوبيّته ناشئٌ من ثقافةٍ لدى هذا المجتمع، لذلك فإنّ المجتمع الذي تجد فيه المؤسّسات التعليميّة والتربويّة والأسريّة والمؤسّسات الوظيفيّة والإعلاميّة وغيرها تولي اهتماماً بأن تربّي أفراد المجتمع على حبّ العمل وتقديسه واحترامه، تجد ذلك المجتمع ناجحاً ويحقّق الازدهار والتطوّر، وكلّما قلّ اهتمام هذه المؤسّسات بتثقيف وتربية المجتمع على احترام العمل واعتباره قيمةً مقدّسة ومحترمة -ولابُدّ أن تكون كذلك- تخلّف المجتمع وتراجع وتأخّر ولم يحقّق الإنجازات والنجاحات في جميع المجالات، ولذلك نحن نأمل ابتداءً من الأسرة ونأمل من كلّ المؤسّسات المعنيّة لابُدّ أن تثقّف وتربّي الفرد -مهما كان هذا الفرد- وتربّي المجتمع على أنّ العمل مبدأٌ مقدّس ومحترم، حتى يكون العمل محترماً ومحبّباً لدى الفرد والكيان الاجتماعيّ، على العكس من ذلك لو أنّ الفرد لم يُربّ ولم يثقّفْ وهذه المؤسّسات لم تهتمّ ولم تولِ هذه المسألة اهتماماً ولم تثقّفْ المجتمع، حينئذٍ سيسود لدى المجتمع حبّ التعطيل والكسل والراحة والخمول والاتّكال على الغير، ويؤدّي ذلك الى تخلّف هذا المجتمع عن بقيّة المجتمعات الأخرى ولا يستطيع أن يحقّق الاستفادة من الطاقات والثروات والإمكانات، وهذه قضيّة مهمّة إخواني لذلك نأمل من جميع المؤسّسات ابتداءً من الأسرة والجامعة والمدرسة والمؤسّسات التربويّة والتعليميّة والتثقيفيّة والإعلاميّة أن تُعطي اهتماماً كافياً بتثقيف المجتمع على هذا المبدأ المهمّ والمقدّس، بحيث تكون هناك محبوبيّة واندفاع للعمل، تجد بعض الشعوب حركته واندفاعه للعمل بكلّ قوّة ويخلص في عمله ويتقن عمله، من تلقاء نفسه ومن ذاته يشعر بهذه المسؤوليّة العظيمة على عاتقه فلا يقصّر في عمله، هذا من أين جاء؟ من التثقيف والتربية وهذا بالدرجة الأساس، على العكس من ذلك إن لم نجد مثل هذا الأمر حينئذٍ سيكون هذا المجتمع محبّاً للتعطيل والراحة.

إضافةً الى قضيّةٍ مهمّة وهي النظم الإداريّة وأنظمة العمل والإجراءات التي تُتّخذ، بحيث أحياناً المجتمع يربّى بالتثقيف الطوعيّ والاختياريّ، وأحياناً يربّى المجتمع بالإجراءات التي تؤدّي الى تطبّع الفرد والمجتمع على حبّ العمل والاندفاع للعمل، أحياناً تجد مجتمعاً هو يحبّ حبّ التعطيل والكسل والراحة ويخلد لهذه الأمور، ومجتمعاً آخر مندفعاً في هذا العمل لحبّه للعمل وشعوره بأهمّيّته، لذلك إخواني ابتداءً من الأسرة لابُدّ أن نثقّف أطفالنا ونعلّمهم على حبّ العمل وأداء المهامّ الموكلة اليهم بأنفسهم، وكذلك في مؤسّساتنا الأخرى.

من المقوّمات الأخرى المهمّة أيضاً هو حفظُ الأمانة الماليّة والوظيفيّة، ونلتفت الى هذه القضيّة المهمّة، فإنّ العمل وأداء الوظيفة أمانةٌ إلهيّة أوّلاً ووطنيّة ثانياً وأخلاقيّة ثالثاً في عنق كلّ عاملٍ مهما كان اختصاصُ عمله كطبيبٍ أو أستاذٍ أو مهندسٍ أو موظّفٍ أو عاملٍ، وحتى في مجالات السياسة والإدارة والمال والاقتصاد وغيرها لابُدّ من رعاية حفظ هذه الأمانة وصيانتها من الفساد والانحراف والإهمال والتقصير، فالتطبيب للمريض والتعليم للطلّاب وتقديم الخدمات للمواطنين وإدارة شؤون الرعيّة من المسؤول كلّها أماناتٌ في رقاب من يتصدّى لهذه المسؤوليّات، وعليهم جميعاً حفظُها بكلّ مقوّماتها من القرار الصائب وحسن الإدارة ونزاهة اليد وصرف المال وحفظه من الفساد والهدر والتلف، وتوظيف القدرات بتمامها في مواردها المقرّرة ونحو ذلك من الأمور التي تحفظ هذه الأمانة الوظيفيّة والماليّة.

ومن المقوّمات المهمّة أيضاً أخلاقيّاتُ المهنة، وهذه غير الأخلاقيّات العامّة، فكلّ عملٍ ومهنة لها أخلاقيّات لابُدّ من معرفتها ومراعاة تطبيقها، لكي تُستكمل الخدمةُ الإنسانيّة المرجوّة منها وتحقّق الهدف، فللتطبيب والتمريض أخلاقيّاته الإنسانيّة، وللتعليم مبادئُه وقيمُه التعليميّة لطالب العلم، وللموظّف في تقديم ما هو مطلوبٌ من خدمةٍ لعموم المواطنين سلوكيّاتٌ ومبادئ لابُدّ من مراعاتها، وهكذا للسياسيّ أخلاقيّاتٌ ومبادئ تُضبط من خلالها كيفيّة إدارة الأمور العامّة للناس بما يُصلحهم ويُحسّن أمورهم.


النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة الجمعة المباركة ليوم (15ربيع الأوّل 1440هـ) الموافق لـ(23تشرين الثاني 2018م) التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ المطهّر وكانت بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزّه).

2018/11/24

وكيل السيد السيستاني يحذر من «ركوب الباطل»

إخوتي وأخواتي من إرشادات ودرر صاحب الذكرى الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام) قال: (من ركبَ ظهر الباطل نزل به دار الندامة)، أرجو التأمّل في هذه العبارة المختصرة التي يسهل حفظها، وهي من ذلك المعدن الذي تكلّمنا عنه في الخطبة الأولى، ولاحظوا طريقة تعبير الإمام (عليه السلام) وكيف تنفع هذه النصيحة؟، عادةً الإنسان عندما يركب يريد أن يصل، يركب سيّارة أو يركب دابّة فيمشي بها الى أن توصله الى المحلّ الذي يريد، والوضعُ الطبيعيّ هو هذا.

الإمام (عليه السلام) أراد أن يعبّر عن هذا الأمر المحسوس الذي يدركه كلُّ واحدٍ منّا، أراد أن يعبّر بتعبير في مقام المعرفة وفي مقام الحكمة والتصرّف، فكأنّ الباطل عبارة عن مطيّة يمتطيها الإنسان فقال: (من ركب ظهر الباطل...) أين سيصل؟ أين سينزله؟ ما هو محلّ نزوله؟ قال: (...نزل به دار الندامة) وهذا تعبيرٌ في غاية الروعة ومنتهى الدقّة، هذا التعبير في مقام النصيحة.

ما هو الباطل؟ طبعاً السياسي يُصغي والكلام ليس كلاماً سياسيّاً لكنّه كلامٌ نابع عن حكمة، فالإمام (عليه السلام) لا يستثني أحداً، السياسيّ وشيخ العشيرة وأستاذ الجامعة والمدرّس والطبيب والعالم والجاهل، هذه قاعدة في مقام التوجيه، يقول: (من ركب ظهر الباطل....)، الباطل تارةً باطلٌ شرعيّ وتارةً ليس باطلاً شرعيّاً بل باطلاً عرفيّاً.

العقلاءُ يتبانون فيما بينهم على أن يرتّبوا أمورَهم في قضاياهم العامّة التي لا تتقاطع مع القضايا الشرعيّة، مثلاً العقلاء يتبانون فيما بينهم في أن يجعلوا إشارة المرور الحمراء للوقوف والخضراء للمسير، هذا الأمر جيّد والشرعُ لم ينهَ عنه، فأصبح حقّاً علينا نحن العقلاء تبانينا على ذلك واتّفاقنا عليه، هذا أمرٌ جيّد لابُدّ أن نلتزم به.

أمّا إذا ركبنا ظهر الباطل وإذا خالفنا فهو باطلٌ عُرفيّ بحيث إذا تجاوز أحدٌ يحتجّ الآخرون عليه ومن حقّهم أن يحتجّوا، أين سيكون الحال؟ سينزل دار الندامة، ولو أعطينا أمثلةً على ذلك قطعاً لطال بنا المقام.

أُعيد العبارة وهذه العبارة في مقام التوجيه والنصيحة، على الإنسان مهما أوتي من قوّةٍ بدنيّةٍ ومن قوّةٍ معنويّة ومن سلطنةٍ ومن جاه عليه أن لا يركب الباطل، كلامُ الإمام (عليه السلام) كلامٌ عامّ (من رَكِبَ ظَهرَ الباطل)، والذي يركب الباطل لابُدّ أن يصل، ويستحيل أن يوصلك الباطل ويوردك الباطل مورد السلامة، إذا كنت تتوقّع أنّك اليوم فعلت فعلتك ولم يلتفت اليك أحدٌ لموانع كثيرة فلا تتوقّع أنّ هذا الحال سيدوم (دوامُ الحال من المحال)، سيوردك موارد الندامة.

طبعاً الله تبارك وتعالى -أتكلّم من جهةٍ شرعيّة- الله لا يُعجلُه عجلة العباد، وهذا الأمر تكلّمنا عنه مراراً، لماذا؟! لأنّ الله تعالى لا يفوته شيء، الحقّ العُرفيّ كذلك من يتصدّى الى أن يخدم أو الى أن يرعى عشيرته.. عليه أن لا يركب ظهر الباطل، هناك أمثلة كثيرة وتسمعون الآن تقريباً أشبه أن يكون في كلّ يوم هناك مشاكل دمويّة -يعني فيها قتل-، إبحثْ عن السبب؟! وأتكلّم مع بعض الأعزّة من العشائر ومن العقلاء.. علامَ تُسفك الدماء بغير الحقّ؟ أين العقل وأين الحكمة؟ لماذا تركبون ظهر الباطل؟! بمجرّد أن يُقال لهُ كذا يصدّق وتأخذه الحميّة والعصبيّة المذمومة ويأخذه الباطل ويركب ظهر الباطل ويفعل الفعلة ثمّ يندم..، تروّعت أطفال ونساءٌ ورجال وشيوخ وعشيرة بكاملها تروعّت وتنشغل، وللأسف البعض يعتبر هذا من الرجولة والشجاعة، وبئست الرجولة التي تظلم وبئست الشجاعة التي تروّع، لماذا؟! لأنّه ركب ظهر الباطل!

يا أيّها الراكب ظهر الباطل وأنت تعرف نفسك عليك أن تتأمّل..، بعض الناس يُغريه الآخرون ويحاولون أن ينفثوا فيه روح الانتقام والدمويّة وهو يستسلم للأسف، ثمّ تحلّ به الندامة ويريد بعد ذلك أن يتخلّص فلا يستطيع، وعندما نأتي معكم الى بعض أدواء هذا المجتمع وبعض القضايا واقعاً يعزّ علينا أن نرى بعض الحالات الاجتماعيّة وصلت الى ما وصلت اليه، ولا أستطيع أن أفرد حالة دون حالة، لكن هذه الحالات كلّها سُوعِدَ عليها أنّهم ركبوا ظهر الباطل، ويحاول البعض أن ينجوا فلا يستطيعون، فكلام الإمام (عليه السلام) جملة شرطيّة (شرط وجزاء)، قال (عليه السلام): (من رَكِبَ ظَهرَ الباطل) أين ينزل؟ قطعاً لا ينزل في دار السلامة وإنّما ينزل في دار الندامة.

ولذلك إخواني الحكمةَ.. الحكمةَ.. الحكمةَ، على الإنسان أن يتّصف بمستوى من الحكمة التي تعني أنّ الإنسان عليه أن يتصرّف تصرّفاً لا يندم عليهِ (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا)، الإنسان لابُدّ أن يتصرّف وفق ما يُمليه عليه العقل، والإنسان يجب أن يكون حكيماً ويتأمّل ولا يستعجل، وعليه أن يركب ظهر الحقّ لا أن يركب ظهر الباطل، لا يكفي الإنسان أن يقول أنا حكيم وإنّما يجب أن تكون تصرّفاته فيها حكمة، عندما يجتمع مع مجموعة من الوجهاء تراه يتحدّث ويقول: نعم.. الحكمة أمرٌ مطلوب وعليه أن لا يستعجل والإنسان عليه أن يتثبّت والإنسان عليه أن يكون عاقلاً وعليه أن لا يُستدرج.. هذا كلامٌ جميل ولكن عندما تمرّ به حالة يترك هذه الأمور عرض الحائط ويفعل ما يفعل.

إخواني نصّ الإمام (عليه السلام) نصٌّ واضح ودار الندامة إخواني ليست داراً سهلة، وليست كلّ ندامة تُتدارك فهناك ندامةٌ لا تُتدارك، والعمر ليست فيه بقيّة ولا يُمكن للإنسان أن يعلم متى يكون مصيرُه، وهذا الكلام حتّى للذي لا يؤمن بالله تعالى -والعياذ بالله- لأنّه لا يعلم مصير موته، العمرُ ليس فيه إحرازٌ لما يبقى، وهناك ندامةٌ تؤدّي بصاحبها الى الهلاك، لماذا؟ لأنّ الإنسان يركب ظهر الباطل، علينا أن نركب ظهر الحقّ وعلى الإنسان أن يكون عاقلاً ومتّزناً وحكيماً في تصرّفاته ودقيقاً، ولا تجرّه الشحناء والبغضاء الى أشياء فيها سفك دماء، وأنتم تسمعون بين فترةٍ وأخرى الطبيبُ الفلاني هُجم عليه، والشخصُ الفلاني هُجم عليه.. وعندما تبحث عن الأسباب لا تجد سبباً واقعيّاً.

الإنسان عليه عندما يسمع شيئاً أن يتأمّل وأن يصبر، البعضُ يقول: جاء فلان وقد فُقئت عينُه! قال: اصبرْ لعلّه فقأ عينَيْ الخصم. هذا الاستعجال في المواقف عاقبتُه الندامة، وأنا أتكلّم عن قضيّة عامّة اقتصاديّة أو سياسيّة أو إداريّة أيّ شيء، وهذه نصيحة الإمام (عليه السلام) يضعُها ولعلّها ليست نصيحة دينيّة فقط.. أنا قلت الناس في بعض الحالات تتبانى على شيء حقّ فلماذا لا نعمل به وهو ليس فيه مخالفة شرعيّة، على الأقلّ ننظّم أمورنا كما ورد في الحديث (عليكم بنَظْم أمرِكم)، ننظّم أمورنا ثمّ نبدأ نخالفها لماذا؟! وهذه قضايا تشريعيّة وقضايا تنفيذيّة وقضايا وجاهات وقضايا مصانعات، وتجد الناس للأسف الشديد تحبّ أن تركب ظهر الباطل، فالذي يركب ظهر الباطل لا يلومنّ إلّا نفسَه إذا نزلَ بدار الندامة.

2018/11/17

المرجعية العليا توجّه رسالة للمسؤولين بعد انتهاء زيارة الأربعين

دعا وكيل المرجعية العليا السيد أحمد الصافي، خلال خطبة الجمعة، الجهات المعنية إلى التفكير الجدي في القضاء على مشكلة نقل الزائرين، وفي مايلي النص الكامل للخطبة:

الحمد لله قد مرّت هذه الزيارة الأربعينيّة بما مرّت به، ونسأله تبارك وتعالى دوام الثبات وجزيله الى جميع الزائرين الأكارم وأن يكتب لهم سلامة الوصول، خصوصا الذين هم من خارج العراق وما زالوا في العراق وأيضاً من بعض المحافظات الكريمة، نسأله تعالى أن يوصلهم بسلامٍ آمنين.

بدءً أوجّه الشكر والتقدير لكلّ القوى العاملة التي سهّلت هذه الزيارة، ولا يُمكن أن أعدّهم خوفاً من نسيان البعض وهم لهم حقٌّ علينا، لكن شكراً عامّاً لجميع الجهات التي بذلت كلّ ما في وسعها من أجل إنجاح هذه الزيارة.

إلى المسؤولين...

هناك بعض المُعطيات التي أحببت أن أشير اليها في هذه الزيارة، قبل أن أدخل في المعطيات أحبّ أن أشير بدءً الى حالةٍ تتكرّر في كلّ عام، ولابُدّ للجهات المعنيّة من التفكير الجدّي في القضاء عليها، ألا وهي مسألة النقل، فنحن في كلّ زيارة نجدّد هذه الدعوة، المشكلة في مدينة كربلاء أنّ الطرق المؤدّية لها ذهاباً وإياباً ليست بالمستوى الذي ينسجم مع هذه الأعداد الغفيرة للزائرين، ولا أعتقد أنّ المسألة عصيّة عن الحلّ بل يُمكن أنّها تحتاج الى التفكير الجدّي، وتخطيط واقعيّ لأن تُرسم لهذه المدينة منافذ للدخول والخروج، لأنّ راحة الزائرين في ذلك، فهي ليست مشكلة باصات نقل أو سيّارات بقدر ما هي مشكلة طرق، ولا أعتقد أنّ هذه المدينة لها نظير في مختلف مدن العالم، وفي كلّ سنة نجدّد الدعوة لكن للأسف لا توجد آذان صاغية ولا توجد حلول جذريّة للموضوع، أرجو ممّن يسمع الكلام وهو في موقع المسؤولية أن يقدّر هذه الدعوة، فهذه بلسان جميع الزائرين ومن حقّ الزائر علينا أن نوفّر له هذه الحالة، حالة سهولة الدخول والخروج، وهذه المسألة التي كنت أودّ أن أتعرّض لها بدايةً.

هناك معطيات أحبّ أن أذكرها وهي تصبّ أيضاً في الجوانب الجيّدة:

كرم العراقيين

الحالة الأولى هي حالة الكرم والجود عند أصحاب المواكب وأهل العراق، وأنا عندما أذكر الشعب العراقي من باب إثبات الشيء بالشيء، وهناك حقّ وهذا الحقّ يُقال خصوصاً ونحن نعرف كثيراً من الناس أنّ حالتهم المادّية أقلّ من المتوسّط، لكن هذا الاندفاع وهذا الجود وهذا الكرم الذي يبذله الإخوة أصحاب البيوت وأصحاب المواكب لا شكّ أنّ هذه حالة صحّية، الإنسان عندما يعلم أنّ المال تكمن لذّته وسعادته في إنفاقه يخرج من هذه القيود المادّية التي تسيطر عليه، هذا يتصدّى للإنفاق وهو يعلم أنّ هناك لذّةً سوف يشعر بها عندما يُنفق المال لا عندما يخزن المال، حالة الكرم والجود تؤصّل لهذا المفهوم النبيل الذي يندب له الشارع المقدّس، كإطعام الطعام وتسبيل الماء، وهذه الخصيصة حقيقةً تمتّع بها وعُرف بها الشعبُ العراقيّ والمواكب وجميع من يُمارس هذه الطقوس، فهي خصلة نبيلة يبارك الله تعالى فيها على تنوّعها.

التنظيم

المعطى الثاني هو التنظيم في الأمور، وهذه حالة التنظيم في الأمور هي حالةٌ تُلفت النظر، لأنّ مع هذا الزخم المليونيّ والناس تستطيع أن تنظّم أمورها، فمن بابٍ أولى أن تنظّم أمورها خارج الزيارة، يعني هذه الأعداد الكبيرة لم تُربك حركة الناس وتنظيم أمورهم ولم تُسجّل هناك حوادث مخلّة، وإنّما هذه الأعداد الكبيرة الانسيابيّة حقيقةً تدلّ على وعيٍ يتمتّع به الإخوة المسؤولون سواءً المشاة أو مواكب الخدمة أو العزاء، هذه حالةٌ تُلفت النظر، وتنظيم الأمور من الأشياء المحبّبة والأشياء الجيّدة التي نتمنّى أن تستمرّ دائماً في جميع أشهر السنة.

مواكب النظافة

المعطى الآخر وهي الحالة التي يستجيب لها الإخوة أهل المواكب وهي حالة وجود مواكب للنظافة، وهذه حالة جيّدة جدّاً يعني أنّ أهل المواكب كانوا يتمتّعون بهذه الحالة، يحافظون على الأملاك العامّة والأملاك الخاصّة، قد توجد هناك حالة أو حالتان لكنّها لا تُعدّ أمام عشرة آلاف موكبٍ خدميّ في هذه السنة، المواكب هذه السنة تصدّت للنظافة، فهناك موكبٌ يُطعم وهناك موكبٌ يسقي وهناك موكبٌ يُنظّف، ويا ليت هذه الحالة تكثر حتّى تتميّز بعض الأمور بحالة جيّدة جدّاً.

تدوين يوميات الزيارة

هناك معطى مهمّ أيضاً أحببت أن أُشير اليه، طبعاً هذه الزيارة تُمثّل لكلّ من شاهدها وعايش ظروفها تمثّل حالةً تربويّة راقية جدّاً، تجد الإيثار تجد حنوّ الكبير على الصغير وتجد إطعام الصغير الى الكبير وتجد هناك حالة من قضاء الحاجة، وتجد هناك حالات لا يُمكن أن تظفر بها خارج الزيارة، يعني هذه الحالة التي ينتدب لها الجميع في سبيل أن يستريح الزائر هذه هي الحالة التي أحبّ أن أبيّن أنّها لابُدّ أن تدوّن، هناك أدب يُسمّى أدبُ الرحلة، يا ليت الإخوة الذين يأتون خلال هذه العشرة أيّام أو خمسة أيام وهم سوف يشاهدون أحداثاً أن ينقلوها، وهذه الأحداث لا يشاهدونها خارج الزيارة، لكن لابُدّ أن تدوّن وأن نحتفظ بها ليس كأرشيف وإنّما نحتفظ بها كشيءٍ من حضارتنا من وعينا من قدرتنا على أن نفهم الأمور على ما هي عليه، وهذا يشمل الجميع حتى من الإخوة الضيوف الأعزّاء الذين يأتون مشياً، لابُدّ أن ندوّن الكثير من الأمور التي تصادفنا، ونحن نتكفّل بطباعتها، يعني هذه الرحلة الى سيّد الشهداء تتضمّنها أشياء كثيرة ومشاهدات رائعة على المستوى الإنساني وعلى المستوى الحضاري، لا يُمكن أن تُحفظ على مستوى الذاكرة بين خمسة أو ستّة أشخاص، وإنّما تُكتب وتدوّن وهي ستكون سبباً لاطّلاع الكثيرين عليها لعلّهم أيضاً يتشرّفون بالمشي، تعلمون أنّ بعض الإخوة لم تكن في نيّته أن يمشي، لكنّ القنوات الفضائيّة ووسائل الإعلام جزاهم الله خيراً عندما كان ينقل هذه المشاهدات هذه ولّدت حالةً من التحفيز عند البعض، فشدّ الرحال الى كربلاء والتحق بركب سيّد الشهداء، هذا العمل وإيصال الفكرة الى الآخرين أعتقد أنّه عمليّة محبّبة بالوسائل، ومن جملتها هذا أدب القصّة من بداية خروجه الى رجوعه، من المُمكن أن يؤلّف فيها كتيّباً أو كتاباً ويطّلع عليه الآخرون، وهي رحلةٌ بالتأكيد سوف تكون مشوّقة.

أكثر من 15 مليون زائراً جاءوا إلى كربلاء

المُعطى الأخير وهي الإحصائيّة، وقد تعوّدنا أن ننقل الى الإخوة الإحصائيّة النهائيّة لعدد الزائرين، قبل ذلك أحبّ أن أنوّه أنّه في سنة 1438 للهجرة كانت لدينا ثلاثة محاور، وفي سنة 1439هـ كانت هناك أربعة محاور، وفي هذه السنة أضيف محورٌ خامس وهو محور الحرّ والحسينيّة من غير الطرق الرئيسيّة (بغداد - كربلاء) (الحلّة - كربلاء) و(النجف - كربلاء)، طبعاً المعايير التي نعتمدها في الإحصائيّة معايير رقميّة، بمعنى -كما ذكرنا في العام الماضي- تُنصب كاميرات تعدّ الزائرين الداخلين فقط وتعدّ السيّارات أيضاً، في السيّارات أيضاً تعاملنا مع الحدّ الأدنى أو مع الحدّ المعقول، مثلاً طريق بغداد كانت طابقين، السيّارات مُمكن أن يدخل فيها 80 شخصاً أو 90 شخصاً، نحن لم نذكر هذا الرقم ولكن خفّضنا هذا الرقم، بدأنا دائماً بالحدّ الأدنى وبدأت الإحصائيّة من يوم (7 صفر) الى يوم العشرين في الساعة الثانية عشر ليلاً، يعني في يوم الثلاثاء الساعة 12 ليلاً نحن أنهينا العدّ، طبعاً هناك بعضُ الزائرين بدأوا بالتوافد لكن حتّى نكون نتعامل معها في مستوى الدقّة.

أُلفت النظر الى قضيّة بسيطة، في بعض الحالات الإحصائيّات تكون غير دقيقة، مثلاً سوف أذكر عزاء طويريج، طبعاً هذه الظاهرة -عزاء طويريج- من الشعائر التي نحرص على استمرارها، وهذا العزاء الكبير في بعض الحالات لا تُسعفنا حتّى الآلات الحديثة بعدّ العزاء، في طريقة ممارسة عزاء طويريج الكاميرات قد تُخطئ لهذا الاندفاع السريع وسرعة الزائرين من كلّ بابٍ من أبواب الصحن الشريف، فهذه ظاهرةٌ غير معروفة للعالَم حتى أنّنا عندما فاتحنا بعض أهل الاختصاص في باقي العالَم ونقلنا لهم الصورة استغربوا، قالوا: لم نعهد هذه الحالة! وقالوا: إنّ الكاميرا تعدّ على أنفار، مثلاً في كلّ ساعة كذا عدد أمّا في مثل هذا التدفّق الكبير! ولكن هناك وعدٌ منهم أن يُلاحظوا ذلك، تبقى مسألة الدقّة في هذا الجانب أنّنا نحتاج الى ممارسات حتّى نؤكّد هذه الدقّة، لكن في زيارة الأربعين الوضع أسهل، فمداخل المدينة متوفّرة وحركة الزائرين هي حركةُ المشي العاديّة التي لا يصعب على الكاميرا أن تعدّها، طبعاً تذكيراً في سنة 1438هـ أي قبل سنتين كان عددُ الزائرين (11.200.367) زائراً، وفي سنة 1439هـ أي في العام الماضي كان عدد الزائرين (13.874.818) زائراً، وفي هذه السنة كما قلت انتهى العدّ في الساعة الثانية عشر مع خمسة محاور وكان عدد الزائرين أكثر من 15 مليون (15.322.949) زائراً، وهذه الزيارة تمّت مع وجود أكثر من (10.714) موكباً خدميّاً، وهناك أكثر من (225) هيئة من (25) دولة جاءت من خارج العراق، طبعاً عدد الزائرين الذي ذكرته هو عدد الداخل والخارج أي من داخل العراق وخارجه، طبعاً من خارج العراق جاء أكثر من مليونين أو أقلّ بقليل أمّا الباقي فهم من داخل العراق.

نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق، وأن يكثر زوّار سيّد الشهداء(عليه السلام)، وأن يتقبّل منّا ومنكم صالح الأعمال، وأن يرينا الله في بلدنا وفي بلاد المسلمين كلّ خير، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.


*النص الكامل لخطبة صلاة الجمعة بإمامة وكيل المرجعية العليا سماحة السيد أحمد الصافي، ألقيت بتاريخ 23 صفر 1440 هـ الموافق 02/11/2018 م

2018/11/03

وكيل المرجعية لزوار الأربعين: اقطفوا من فم الإمام الحسين كلماته

إخوتي أخواتي ونحن نقترب من الزيارة الأربعينيّة أودّ أن أعرض بخدمتكم بعض الأمور:

أوّلاً: إنّ هذه الزيارة هي نحوٌ من أنحاء الولاء، وهي نحوٌ من أنحاء تجديد العهد مع سيّد الشهداء ومع تلك المبادئ التي جاهد واستُشهِدَ ونهض من أجلها، ولذلك تمتاز هذه الزيارة بهذا الكم الهائل والسيل البشريّ المتدفّق، ولذا فإنّ الفوائد المتوخّاة اجتماعيّاً وفرديّاً وجماعيّاً من هذه الزيارة فوائد جمّة، فالتأكيدُ على إحياء هذه الشعيرة وممارسة هذه الشعيرة في كلّ سنة هذا أمرٌ محلّ اعتزاز ومحلّ فخر، ولذلك هؤلاء المؤمنون الذين يأتون لزيارة الحسين(عليه السلام) هؤلاء الإخوة والشباب والرجال الكبار في السنّ والأولاد الصغار والأخوات الفاضلات في قرارة أنفسهم أنّهم يقصدون هذا الإمام العظيم، وكأنّهم يقتطفون من فمه المقدّس تلك الكلمات التي ذكرها في عاشوراء (هل من ناصرٍ ينصرني)، هذه المسيرة صحيح أنّها مسيرة حزينة باعتبار أنّها تذكّرنا بتلك المأساة لكنّها مسيرة مباركة، بما أنّها حفظت تلك المبادئ التي جاء من أجلها سيّد الشهداء، فهي واقعاً مصداقٌ من مصاديق بلوغ الفتح، فالمسيرة والزيارة الأربعينيّة لابُدّ من الحفاظ عليها لأنّها تمثّل حالة الارتباط الوثيق مع سيّد الشهداء(عليه السلام).

ثانياً: هذا الشعب المبارك أحقّ أن يُعتنى به، شعبٌ أحقّ أن يُكَرَم لا أن يُهمل ولا أن يُعرض عنه، هذه ذخيرة واضحة لكلّ من يرقب أحداث الزيارة الأربعينيّة، هذا شعبٌ محلّ فخرٍ واعتزاز، وهنا تنبيهٌ لبعض الأمور:

- الإخوة الذين يتوفّقون لهذه الزيارة بدءً نرجو منهم -وهم المحسنون- أن يشملونا في الدعاء، من أوّل الخطوات التي يبدأها الزائر أو يركب في المركبة إن كان لا يستطيع، أن يشمل بالدعاء كلّ من لم يتوفّق للزيارة.

- الإخوة الشباب عليهم أن يتذكّروا إن كان لهم رفقاء كانوا يمشون معهم في كلّ سنة، وهؤلاء الرفقاء الآن هم تحت الثرى بما بذلوا وبما أعطوا من دماء زكيّة، من جملة الأهداف التي أعطوها وحقّقوها حتّى يبقى رفقاؤهم الباقون يأتون الى زيارة سيّد الشهداء، فعليهم أن يتذكّروهم وعليهم أن يهتمّوا بهم وعليهم أن يجعلوا هذه الزيارة مدعاة لقضيّة، وهي أن يُخرجوا أنفسهم من الانغماس في الدنيا ولا يكونوا كما وصف الإمام الحسن(عليه السلام) بعض أتباعه من الذين كانوا (وإنّ دنياهم قبل دينهم)، هؤلاء في ريعان الشباب ولم يعيشوا من الدنيا إلّا قليلاً لكن كان دينهم وعقيدتهم محبّتهم لبلدهم، كانت أمامهم ففازوا ثمّ فازوا حتّى نالوا أوسمة الشهادة، فلابُدّ أن يكون هؤلاء الإخوة لا أقول أن يكونوا حاضرين معهم فقط وإنّما دعاة الى تعليمنا كيف نخرج من الانغماس في الدنيا، وأعتقد أنّ مدّة عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً مدّة جيّدة للإنسان أن يمشي وهو يقصد هدفاً سامياً، يقصد وجوداً مباركاً، تقول كلماتُ الزيارة لأصحابه القريبين منه أنّهم حلّوا بفنائه، لكنّهم لم يصلوا الى حقيقة معرفة الحسين(عليه السلام) رغم أنّ هؤلاء كانوا بفنائه، فكيف بنا نحن الذين نحاول أن نأتي رويداً رويداً علّنا نطرق باب سيّد الشهداء(عليه السلام) ليُفتح لنا، هذه ليست أموراً خطابيّة إخواني إنّما هي حالة من التربية النفسيّة التي نحتاج أن نتربّى عليها.

- تثميناً وعرفاناً لكلّ أصحاب العطاء أصحاب المواكب الذين يبذلون جهداً ومالاً من أجل الزيارة، الذي يبذل ماله ويبذل نفسه إذا احتيج لها، فهؤلاء الذين بذلوا أموالهم وبذلوا أنفسهم من أجل الزائرين واقعاً هذا قمّةُ العطاء، والإنسان -إخواني- يُمكن أن يتصرّف تصرّفاً ينقله الى عالمٍ آخر، هؤلاء ربّوا أنفسهم على العطاء وربّوا أولادهم على العطاء، فإذا جاءت ساعة العطاء لن تجدهم يفكّرون أصلاً وإنّما يذهبون الى العطاء بدمائهم، وهذه من بركات هذه المواكب ومن بركات هذه الخدمة الجليلة لسيّد الشهداء (عليه السلام).

- الإمام الحسين (عليه السلام) قمّة لكلّ فضيلة، وهذه المواكب المهمّة لابدّ أيضاً أن تكون قمّةً في كلّ فضيلة، قمّة التربية والأخلاق وقمّة في المحافظة على الأملاك العامّة والمحافظة على الأملاك الخاصّة، قمّة في النظافة وفي عكس صورةٍ نبيلة ومشرقة عن أصحاب الإمام الحسين (عليه السلام).

- الروايات التي كانت تشجّع على زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)، من مصاديق الرواية هؤلاء الإخوة الزائرون وأهل المواكب، لابدّ -إخواني- أن نرتقي كما هم فعلاً أهلُ رقيّ، أن نرتقي بكلّ شيء حتّى في أداء الشعائر، وحتّى في طريقة الحزن، الإنسان حينما يتذكّر اسم الحسين يحزن، والإنسان عندما يقول: "يا حسين" يحزن، وهناك عبرةٌ للمؤمن دائماً عندما يتذكّر الإمام الحسين(عليه السلام)، هذه المواكب المباركة لابُدّ أن يكون طابع الحزن ظاهراً عليها في الأداء وفي الكلمات وفي إحياء هذه الشعائر، أنا لا أتكلّم عن جانب الحلال والحرام إخواني إنّما أتكلّم بما يُشبه مناسبة الحكم والموضوع كما يقول الأصوليّون.

- الذي يأتي للإمام الحسين (عليه السلام) في أربعينه يُحيي ذكرى العائلة، كيف جاءت عائلتُه؟ وبأيّ حال؟ هذه الروح الحسينيّة تنعكس على الذي يُمارس الشعائر، لابُدّ أن تكون روح الحزن وطريقة الحزن هي طريقة الوقار، وهذه الطريقة هي طريقة الموروث الذي تنعكس به هذه الحالة -حالة الحزن وإثارة الشجى-.

- نرجو المحافظة على حالة البكاء والحزن، فزيارة الأربعين ليست كبقيّة الزيارات، زيارة النصف من شعبان تجتمع مع ولادة الإمام المهديّ (سلام الله عليه)، أنت تزور الحسين(عليه السلام) وتُبدي فرحاً بولادة الإمام، لكن زيارة الأربعين ليست هكذا، بل هي مبنيّة على حزنٍ ورثاء وعلى تفكّر وتألّم، فالرّجاء إحياء هذه المناسبة بما تستحقّ وكما يليق بها.

- ننبّه ونؤكّد على:

1- نؤكّد على قضيّة اليقظة والحذر أمنيّاً، وعلى الجهات المسؤولة أن توفّر أقصى ما يُمكن من حماية لهذه المواكب، لأنّ هذه الطريقة تُستهدف، ونحن قلنا مراراً أنّ الإنسان الذي يفشل في المنازلات الحقيقيّة يلجأ الى الأساليب الجبانة ويستهدف المواكب، فلابُدّ من اليقظة والحذر.

2- هناك حوادث سيرٍ كثيرة في كلّ سنة، حوادث سيرٍ مرعبة، في غفلة المشاة وغفلة أهل المركبات، فالرجاء منكم أن تكونوا في يقظةٍ وحذر وتجنّبوا السير في طرق السيارات، وأصحاب السيارات تجنّبوا المسير السريع فهناك أرواحٌ تُزهق لا ذنب لها، السرعة الطائشة بطريقةٍ غير مسؤولة ليلاً ونهاراً، هناك آلاف بل ملايين من الناس تمشي فخفّف الوطء.

3- في كلّ سنةٍ يتصدّى أهلُ العلم وطلبة الحوزة الدينيّة المباركة بالوجود مع الإخوة الزائرين مشياً أو من خلال مواقع ومحطّات خاصّة، أرجو من الزائرين الأعزاء أن يستثمروا هذا الوجود من خيرة أبنائنا الطلبة الذين يتصدّون لخدمة الزائرين، وعلى الزائر أن يسأل عن كلّ شيء ولا يستحي، بعض الإخوة الزائرين يستحي أن يسأل وهذا حياءٌ مذموم، هناك حياءٌ ممدوح -مثلاً- أن تستحي من أخيك من الأب من المعلّم في أن تتصرّف أمامه تصرّفاً شائناً، وهناك حياءٌ مذموم وهو أن تستحي من أن تسأل عن مسألةٍ شرعيّة أو مسألةٍ عرفيّة أو أيّ مسألةٍ أنت بحاجة لها، لا تُقصّر في ذلك فهذه فرصة وأنت تمشي ستمرّ إشكالاتٌ في ذهنك كثيرة، وهذه ضريبةُ الطريق وأنت تمشي اسأل، فالعلمُ كثيرةٌ خزائنه لكنّه يحتاج الى مفاتيح والمفاتيح هي السؤال، الرجاء أكثروا من الأسئلة لأهل العلم فهم تفرّغوا تماماً لخدمة الزائرين، لا تقُلْ: "أُثقلُ عليه" بل اثقلْ عليه فإذا لم تُثقِلْ عليه تُثقلُ على مَنْ؟ وهذه وظيفتُه يأنس إذا توجّهت له الأسئلة، الإنسان قد تكون عنده مشاكل كثيرة، وجد أباه وجد أمّه وجد صديقه وقد تعلّم منهم شيئاً، لكن للأسف ربّما لم يكن الأب بمستوى تعلّمٍ جيّد فعلّم ولده على خطأ، هذه فرصة فاعرضْ عملك على بعضهم ولا مانع أن تقرأ بعض الآيات، خصوصاً الأشياء المُبتلى بها في صلاتك اليوميّة، لا تتوقّف في أيّ سؤال شرعيّ أو غير شرعيّ، وهي فرصةٌ طيّبة أن يكون الإنسان قد تنوّر وتعلّم وهو آتٍ الى سيّد الشهداء(عليه السلام)، ولا زال الحسينُ معلّمنا بعد هذه الفترة الطويلة ويبقى إن شاء الله هو معلّمنا.

نسأل الله أن نكون نحن نعم المتعلّمين كما هو نعم المُعلّم، طبعاً لا ننسى أنّ هناك أخواتٍ يتصدّين لأسئلة الأخوات الزائرات أيضاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.

*الخطبة الثانية لصلاة الجمعة التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف يوم الجمعة (9صفر 1440هـ) الموافق لـ(19 تشرين الأوّل 2018م)، بإمامة سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزّه)

2018/10/20

بالفيديو: هذا ما واجه الإمام السجاد (ع) في مسيرته الإصلاحية

من أهمّ شخصيّات يوم العاشر بعد شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) هو الإمام السجّاد صاحب الذكرى والمناسبة في هذا اليوم.

فاستعراض واقعة الطفّ مهمٌّ تاريخيّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، ولذلك هذه المسألة موكولةٌ الى الإخوة الأعزّاء أصحاب الاختصاص لمعرفة تداعيات يوم العاشر من المحرّم، قطعاً الحدثُ التاريخي لا يبدأ في آنه، عادةً الأحداث التاريخيّة تحتاج الى مقدّمات، لكن هذه المقدّمات تكون عادةً مغفولاً عنها إلّا للشخص الدقيق الذي يرى الأمور بدأت تسير مسيرةً أخرى، لكنّ المؤرّخ عندما يريد أن يؤرّخ تجد الكثير من الأحداث -ما قبل الحدث الأهمّ- تكون مخفيّةً عنه.

مثلاً الإنسان الآن عندما يُريد أن يؤرّخ لحياة عالمٍ من العلماء، هذا العالِم عندما كان في طفولته وشبابه كان شخصاً عاديّاً لم تُسلّط الأضواء عليه، ثمّ بعد ذلك أصبح علماً من الأعلام، ثمّ بعد ذلك توفّي، فتاريخ وفاته يُعلم لأنّه حدثٌ كبير، لكن تاريخ حياته وبداية ولادته لا يُعلم، لأنّ التاريخ لم يحفظ لنا ذلك، فالأحداث الأهمّ تتربّع دائماً على عرش الاهتمام والأحداث الجانبيّة يُغفل عنها.

بعض الأحداث التاريخيّة كانت مهمّة لأنّ فيها اعوجاجاً لنهجٍ معيّن، الله تبارك وتعالى ختم الرسالة بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) ولا شكّ أنّ هذه الرسالة دفعت تضحيات كبيرة، فعندما نقرأ التاريخ نرى التضحيات جليّةً وواضحة، من أجل ماذا؟ يعني هذه التضحيات إنّما أُريقت الدماء البريئة من أجل ماذا؟ هناك من أراق الدماء وهناك دماء أُريقت، نحن نريد أن نبحث عن الثانية، أنّ هذه الدماء التي أُريقت لابُدّ من وجود مشكلة كانت في المبدأ وهذه المشكلة لابُدّ أن تُحلّ ولو بإراقة الدماء، حتّى تُحلّ هذه المشكلة الإمام الحسين (عليه السلام) رفع شعاراً قال: (إنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً...) يعني أنّ علّة خروجي لم تكن لهذه الأشياء، لعلّ غيري يُمكن أن يخرج طلباً لأمرٍ دنيويّ عن طريق شعارٍ أخرويّ، توجد هكذا شخصيّات هو يذهب ويقاتل من أجل الدنيا، نعم شعارُه شعارٌ أخرويّ حتّى يموّه على البسطاء، وعادةً هؤلاء لا يقاتلون في الصفّ الأوّل لأنّه في الصفّ الأوّل إذا قُتلوا تهدّمت هذه القضيّة، حتّى عندما قيل لأحد خصوم الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو خصمٌ عنيدٌ لدودٌ، قيل له لماذا لا تُبارز أمير المؤمنين(عليه السلام)؟ فإن قتلته فُزت وإن قتلك ذهبتَ الى الجنّة هكذا هو شعارك، أُحرج في هذا الموقف ماذا يقول فهو يعلم أنّ الهدف ليست له علاقة بالجنّة، قال: ما قاتلتُكم لكي تصوموا أو تصلّوا -هذه أشياء تفعلونها- إنّما قاتلتُكم حتّى أتأمّر عليكم. هذا الذي يتأمّر لا يُقاتل في الصفّ الأوّل بل يقاتل في الصفّ الأخير، ويدفع بهذه الأغنام للجزر لا يهمّه إن مات عشرة أو مات مائة.

الإمام الحسين (عليه السلام) عندما رفع هذا الشعار قال: (إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح) سؤالٌ مهمّ: هل تحقّق الإصلاح أو لم يتحقّق؟! الإمام الحسين (عليه السلام) نفسُهُ عظيمةٌ جدّاً، حاشاه أن يبذلها في قضيّةٍ مظنونة أو مشكوكة، مسألة القتل تهون على أيّ إنسان، يعني الموت هو النتيجة الحتميّة والإنسان ليست لديه مشكلة في أن يُقتل، إن لم يُقتل سوف يموت، لكن عندما يندفع الى القتال وهو هو في هذا المقام ومن أجل هدفٍ هو يريده، وهو يعلم علم اليقين أنّ هذا الهدف لا يتحقّق ببقاء حياته، (لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً إنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي) هذا هو الهدف، هل تعلم يا أبا عبدالله أنّك سوف تنتصر وستقتل هذا الجمع؟! الإمام الحسين (عليه السلام) يعلم أنّه سوف يُقتل يوم العاشر من المحرّم، ومع ذلك بقي هذا الشعار عند الإمام الحسين (عليه السلام)، إذن لابُدّ أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد حقّق الغاية التي جاء من أجلها وهي الإصلاح في أمّة جدّه، وهذه القضيّة -التفتوا- في غاية الأهميّة، عندما يتكلّم شخصٌ في مثل مقام سيّد الشهداء ويُريد أن يحقّق الإصلاح لا يُمكن أن يفشل -والعياذ بالله- بل لابُدّ أن يتحقّق هذا الإصلاح، لماذا؟ تارةً يقول الإمام (عليه السلام) أريد منكم أنتم أن تُصلحوا أنفسكم، ليس من المعلوم أن يتحقّق ذلك، لماذا؟ لأنّ إرادة مثل هؤلاء إرادة ضعيفة وهم قد لا يُصلحون أنفسهم، نبيّ الله نوح (عليه السلام) لبث في قومه ما شاء الله تعالى، ماذا أردا منهم؟ أراد أن يؤمنوا بالله، بالنتيجة لم يؤمنوا وحتّى ولده لم يؤمن، فلا يوجد خللٌ عند نوح (سلام الله عليه) لكن الخلل في قومه، وتارةً نوح يقول: أنا أريد أن أؤمن، نعم.. لابُدّ أن يؤمن، مثل نوح لا يُمكن أن يفشل في دعواه، المطلب لابُدّ أن يكون واضحاً.

الإمام الحسين (عليه السلام) خرج لطلب الإصلاح في أمّة جدّه، أنا ذهبتُ حتى أطلب الإصلاح، طلب الإصلاح لا يُمكن أن يكون في خُطب يوم العاشر من المحرّم فهذا وحده غير كافٍ، نعم.. هو طريق لكن هذا وحده غير كافٍ، ما الذي حصل بعد واقعة الطفّ؟ مسيرة الإصلاح قد بدأت وقاد زمامها الإمام السجّاد (عليه السلام) بشكلٍ قويّ جدّاً، أوّل عقبةٍ حقيقيّة واجهت الإمام السجّاد (عليه السلام) مشكلة الدعاية المضلّلة، أوّل مشكلةٍ واجهت الإمام (عليه السلام) هي أنّ هؤلاء لا يعرفوننا أصلاً، تشبّعت آذانُهم وقلوبُهم وعقولُهم بدينٍ آخر لا يمتّ لدين النبيّ(صلّى الله عليه وآله) بصلةٍ أصلاً، والماكنةُ الإعلاميّة الشاميّة مع إمكانيّة السلطة والنفاق والمال لعبت دوراً كبيراً في تضليل عامّة الناس، وما أدراك ما الضلال الذي يُصيب المجتمع إذا عامّة الناس ضلّوا؟!! وهذه مشكلة، ففي بعض الحالات الإنسان الواعي الحكيم الخبير لا يستطيع أن يفعل شيئاً مع ضلال الأمّة!

الأمّة ضالّة لا تفهم، يريد أن يتكلّم فلا يعطونه مجالاً، يريد أن يبيّن ولا يعطونه مجالاً، وهذه كانت واضحة في واقعة الطفّ، قالوا: لقد أبرمتنا بكثرة كلامك، وقد تكلّمنا في الجمعة الماضية أنّهم سدّوا آذانهم، هذا الجيل كان أشدّ عندما ذهب الإمام الى الشام، لاحظوا المهمّة الشاقّة أمام الإمام السجّاد (عليه السلام) كيف يواجه هؤلاء؟ وهؤلاء هم مركز القرار الإسلامي! هذا العنوان الكبير! وهم يتربّعون على منبر هو عبارة عن منبر خلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)! هذا أشدّ، تارةً هذا منبرُ الروم فليكنْ أمّا هذا منبر النبيّ يبدؤون الخطب بالحمد والثناء والصلاة على النبيّ، وهؤلاء الجمهرة كانت تعتقد أنّ هذا هو الدين الصحيح، إذن من هذا الذي قُتِل في الكوفة؟ خارجيّ من الخوارج خرج على الأمير فأمكن الله الأمير منه!! يعني أنّ هذا الأمير استعان بالله والله تعالى وفّق الأمير حتّى يقتل الحسين (عليه السلام)!! هذه الدعاية وهذا الإعلام في كلّ مكانٍ وزمان، أرجو أن تكونوا -إخواني- في منتهى الدقّة لما أبيّن، هذا الإعلام في كلّ مكانٍ وزمان، كلّ شخصٍ تتقاطع مصالحه مع المُصلِح مع العالِم مع الإمام يبدأ بالإعلام المضادّ، ويسري هذا الإعلام سرياناً عجيباً، تعرفون لماذا؟ لأنّ الإعلام غير المتورّع سهلُ المأخذ، الإنسان يكذب سهلٌ عليه أن يكذب، الإنسان يفتري سهلٌ عليه أن يفتري، الناس أيضاً تحبّ هذه البساطة! فرّ بعضُهم -لعلّه طارق النهدي- من أمير المؤمنين الى معاوية، ومعاوية رحّب به وقال له: فررت من جور عليّ بن أبي طالب؟! قال: لا والله أنا فررت من عدل أمير المؤمنين (عليه السلام)، لا يتحمّل كلّ أحد عدل عليّ، إخواني الحقّ ثقيل لا يتحمّله كلّ أحد، هؤلاء كانوا في هذه البحبوحة إذا أرادوا أن يكونوا في الحقّ ماذا يفعلون؟ يتركون ما بأيديهم، يتركون الحرام، يبتعدون عن النفاق، يوالون من أراد الله، هذه كلّها تضرّ بمصالحهم، مُلئت بطونهم بالمال الحرام، وجودهم الاجتماعي بالباطل كيف يتركه؟ ماذا يحتاج؟ يحتاج الى قوّة نفسيّة، ويقولون: (الوقاية خيرٌ من العلاج) الإنسان إذا أكل حراماً ثمّ أكل وأكل، بعد ذلك وإن رأى طريق الهداية لكنّه لا يهتدي، وإن رأى وعرف الحقّ.

كما ذكرنا في بعض أمثلة واقعة الطفّ البعض كان يعرف، قال أحدهم: (املأْ ركابي فضّةً أو ذهبا ** إنّي قتلتُ السيّد المحجّبا ** قتلتُ خير الناس أمّاً وأبا) قال: إذا عرفتَه لما قتلتَه؟! هؤلاء يتعاملون مع سيّد الشهداء كأنّه رجلٌ بعيدٌ عن الدين، الرواية التي ينقلها المؤرّخون مع ذلك الشيخ الكبير الذي كان طاعناً بالسنّ عندما دخل الإمام(عليه السلام) الى الشام مع العائلة، كانت عبارته أن قال: الحمد لله الذي أهلككم وأمكن الأمير منكم.! هذا شيخٌ كان يظنّ أنّه يتقرّب الى الله! الإنسان يحمد الله على نِعَمه، وهذا الشيخ لسان حاله يقول: الحمد لله الذي قتل الحسين والحمد لله الذي نصر الأمير والحمد لله الذي كان مع الحقّ، هكذا كان يعتقد! من الذي أوصل الشيخ الى هذه المعلومة الخاطئة؟!! هذه معضلةٌ أمام الإمام السجّاد(عليه السلام) كيف يتخلّص منها، بدأ الإمام السجّاد(عليه السلام) يستدلّ معه فأعطى من نفسه الشريفة على مرضه على تعبه على انكساره في واقعة الطفّ، أعطى من نفسه الى هذا الشيخ وقال: يا شيخ أقرأت القرآن؟ قال: نعم. قال: أقرأت (قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ)؟ قال الشيخ: بلى. قال له الإمام(عليه السلام): نحن القربى يا شيخ، أنت متوهّم لعبت بك هذه الدعاية لعباً، نتيجة الحوار فبكى الشيخ ورمى عمامته ثمّ رفع رأسه الى السماء وقال: اللهمّ إنّي أبرأ اليك من عدوّ آل محمد(صلّى لله عليه وآله)، حوارٌ لكن ليس كلّ أحدٍ في معزلٍ حتّى يستفسر من الإمام(عليه السلام) ما الذي حصل، بدأ الإمام يواجه هذه المشكلة، التفتوا المشكلة ليست مشكلة صلاة كانت، أتمنّى أن أكون واضح المراد، ليست مشكلة صلاة فالناس تصلّي على طريقتها، بل مشكلة يصلّون لمَنْ؟ ومَنْ علّمهم هذه الصلاة؟ وعندما يؤذّنون يشهدون بأيّ شهادة؟ هذه مشكلة، من هذا الذي يشهدون به بعد الله؟ ما علاقة هؤلاء بالنبيّ وما علاقةُ الجالسين على المنبر بالنبيّ؟ طرفان لا يجتمعان أحدهما تغلّب بالقوّة والآخر تغلّب بمنطق الحقّ، هذا الإصلاح ليس بالقوّة فكم من سلطانٍ وحاكم أوتيت له القوّة بما شاء ففشل فشلاً ذريعاً، لا يفهم نفسه حتّى يصلح الآخرين، والإمام (عليه السلام) مع مرضه ماذا فعل؟ هذه نقطة مهمّة إخواني وسؤال مهمّ ماذا فعل الإمام زين العابدين؟ ربّما تسمعون من على المنابر وما يقرأه الخطباء من قصّة الأربعين ومن جملتهم المرحوم الشيخ عبد الزهرة الكعبي(قدّس الله نفسه الزكيّة) في هذه الأيّام، الإمام(عليه السلام) عندما رأى هذه الحالة والفرح والسرور، بدأ أحد الخطباء بعد أن أوعز له أميره أن اصعد المنبر، فصعد المنبر -الرواية تقول- فبالغ في ذمّ الحسين وأمير المؤمنين(عليهما السلام)، فالإمام(عليه السلام) أمام هذا الجمع صاح به بهذه العبارة، قال: (ويلك أيّها الخاطب! اشتريت رضا المخلوق بسخط الخالق فتبوّأْ مقعدَك من النار).

أنا أُلفت نظر الإخوة قبل أن أقرأ نصوص الإمام (عليه السلام)، الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حالة الأسر وفي حالة الانكسار الظاهريّ -كما يتصوّرون-، عندما صعد على المنبر لم يكذّبه أحدٌ من الحضور إطلاقاً مع أنّه تكلّم بكلامٍ كبير، لم يجرؤ أحدٌ من الحضور أن يكذّبه لأنّ هؤلاء لا يعلمون ما القضيّة ولا يفهمون شيئاً، ادّعى الإمام (عليه السلام) دعاوى مرتبطة بالله لم يجرؤ هؤلاء حتّى يزيد أن يقول له: إنّك كاذب -والعياذ بالله-، أكثر ما قيل عبيد الله بن زياد عندما حصلت المجادلة: أليس قد قتل الله عليّاً؟! قال: (كان لي أخٌ اسمه عليّ قتله الناس) الله ليست له علاقة بالقتل أنتم قتلتموه، زينب(عليها السلام) تبيّن أنّ هؤلاء قومٌ برزوا الى مضاجعهم، الله تعالى أرادهم في شيءٍ فبرزوا الى مضاجعهم لا توجد خلّة عندنا، الإمام(عليه السلام) قال: أيّها الناس بعد أن استأذن وأذنوا له بعد التي واللتيّا وكانوا يظنّون أنّه لا يُحسن شيئاً، قال: (أيّها الناس أُعطينا ستّـاً وفُضّلنا بسبع...) لاحظوا هذه المقدّمة وهي مقدّمة تجبرهم على الإصغاء، كما نعبّر عنها بـ"حسن المطلع"، من أنتم حتّى يُعطيكم هذا المقدار يُعطيكم الستّة ويفضّلكم بالسبع، لكن الإمام أراد أن يلتفت هؤلاء الغارقون في الدعاية، قال: (...أُعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبّة في قلوب المؤمنين...) أي مؤمن غير مزوّر يحبّنا، قال: (...وفُضّلنا بأنّ منّا النبيّ المختار محمداً(صلّى الله عليه وآله) ومنّا الصدّيق ومنّا الطيّار ومنّا أسد الله وأسد رسوله ومنّا سيّدة نساء العالمين فاطمة البتول، ومنّا سبطا هذه الأمّة وسيّدا شباب أهل الجنّة...) تتصوّر أنّ هؤلاء يعترضون على ما قال؟! هذه حقائق لا يفهمونها، وهم يعتقدون أنّ هؤلاء الذين تربّعوا على المنبر أقرباء النبيّ، وعندما بيّن الإمام هذا ملَكَ قلوبهم على الأقلّ سيسمعونه، بدلاً من هذه الدعاية المضلّلة.

وقال من جملة ما قال: (أنا ابن المؤيّد بجبرائيل أنا ابن المنصور بميكائيل أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين والمجاهد أعداءه الناصبين وأفخر من مشى من قريش أجمعين وأوّل من أجاب واستجاب لله من المؤمنين وأقدم السابقين...) هذا كلامٌ جديد لأوّل مرّة يسمعونه هؤلاء، إذن من هذا الذي يتكلّم وهو أسير وهو ضعيف والجامعة في عنقه؟!! هذا تبيّن أنّ الخير كلّ الخير عنده، إذن من هذا الذي ضحك علينا سنين ويزعم أنّ الإمرة له؟! فعندما حدثت بلبلة -ومن حقّ البلبلة أن تحدث- ماذا يقول هذا؟ لماذا لا يجرؤ أحد أن يكذّبه ويقول له: انزل لست كما تقول. لم يجرؤ أحد عليه، كيف أنزلوا الإمام استعملوا خديعةً أخرى، قالوا للمؤذّن: أذّن وهو عاملٌ عندهم يؤذّن قبل الوقت أو بعد الوقت غير مهمّ، المهمّ اقطعْ كلامه، وعندما أذّن ووصل الى الشهادة الثانية قال الإمام (عليه السلام) بعبارته التي انتصر بها أيضاً قال -وأنا أنزّه المنبر عن ذكر اسمه طبعاً-: (يا فلان محمد هذا جدّي أم جدّك؟ فإن زعمت أنّه جدّك فقد كذبت، وإن زعمت وقلت بأنّه جدّي فلم قتلتَ عترتَه) لأنّ البطاقة الشخصيّة معروفه فلان بن فلان بن فلان...، الشاهد الذي أريد أن أوجز الكلام فيه هو أنّ الإمام السجّاد (عليه السلام) كان أمام مشكلة في غاية الأهمّية، ألا وهي مشكلة العقول والنفوس التي لم يُتَحْ لها المجال أن تفكّر وإنّما ضلّلتها هذه الدعاية بشكلٍ كبير، فحاول أن يوجد شيئاً آخر ليرفع هذه الغشاوة عنهم، طبعاً من كان حرّاً وملبساً عن الأمر استفاد ومن كان طالب دنيا لا.. بدأ يؤوّل، وهذه السنّة ما زالت موجودة، الدعاية لأهل الباطل على أهل الحقّ كثيرة وكثيرة، ولا تتصوّروا أن يأتي يوم ويخفّ أهل الباطل عن هذا الأسلوب، هذا الأسلوب قديماً وحديثاً كلّما تعارضت المصالح زادت الدعاية على أهل الحقّ، وعلى الناس أن تفهم، على الناس أن تميّز، هذه مشكلة الناس، وقطعاً في يوم عاشوراء لو كان الناس غير الناس لما كان الذي كان.


*النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة يوم الجمعة 05/10/2018 بإمامة سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزه)

2018/10/06

الحسين (ع) موقفٌ.. لا شعار

أيّها الإخوة والأخوات سلامٌ عليكم جميعاً من ربٍّ رحيمٍ غفورٍ ورحمةٌ منه وبركات، ما زلنا في الإجابة عن السؤال الذي طرحناه في الخطبة السابقة، وهو: ماذا يجب علينا أن نتعلّمه من الحركة الإصلاحيّة للإمام الحسين (عليه السلام)؟ وماذا يريد منّا الإمام الحسين (عليه السلام) في عصرنا هذا؟ وماذا تريد منّا كربلاء برمزيّتها الحسينيّة؟ وكيف نكون حسينيّين حقّاً في هذا العصر؟ ونحن أجبنا عن بعض ما يجب علينا أن نتعلّمه. فذكرنا أوّل الأمر وأهمّه وهو الشعور بالمسؤوليّة، والشعور بالمسؤوليّة على أنواع، من جملتها الشعور بمسؤوليّة الوعي الثقافي والاجتماعي، ومسؤوليّة الكلمة، ما الذي نقصده بالوعي الثقافي والوعي الاجتماعي ومسؤوليّة الكلمة؟

نعني بالوعي الثقافي أن يتسلّح الحسينيّ -لاحظوا إخواني عندنا مؤمنٌ وعندنا مؤمنٌ حسينيّ- أن يتسلّح المؤمنُ الحسينيّ في عصرنا هذا بسلاح المعرفة الفقهيّة والثقافة الإسلاميّة التربويّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة وجميع مناهج الإسلام، ولا يقتصر في معارفه وثقافاته على المعارف والثقافات الأكاديميّة التخصّصيّة والثقافات العامّة، نجد البعض يهتمّ ويصرف كلّ جهده ووقته وأفكاره في تحصيل المعارف الأكاديميّة التخصّصيّة، وهذه وإن كانت مهمّة كالمعارف الطبيّة والهندسيّة والكيميائيّة والفيزيائيّة والاجتماعيّة والتربويّة الاقتصاديّة المعاصرة، نعم.. هي مهمّة في حياتنا، ولكن ذلك لا يكفي لكي نبصر الموقف الحسينيّ المطلوب في عصرنا هذا، كيف نجسّد مبادئ النهضة الحسينيّة في عصرنا هذا؟ لابُدّ أن يتسلّح المؤمن الحسينيّ بالمعرفة الفقهيّة وثقافات الإسلام، في الإسلام ثقافة تربويّة وثقافة اجتماعيّة وثقافة روحيّة وثقافة سياسيّة في كلّ مجالات الحياة، لأنّ هذه الثقافات هي المفتاح لبصيرة القلب، عندنا بصرٌ نرى به الأشياء وحقائق الأشياء، فلابُدّ أن يكون لدينا قلبٌ لنرى بعين البصيرة ما هو المطلوب منّا من الموقف الحسينيّ بالاتّجاه الذي نعيشه وفي المجتمع الذي نعيشه، ولابُدّ أن يكون هناك اهتمامٌ أيضاً بأن يتسلّح المؤمنُ الحسينيّ بالثقافة والمعرفة الفقهيّة وغير ذلك من ثقافات الإسلام، هذا أوّلاً.

وأن تكون لديه ثقافاتٌ معاصرة وإلمامٌ بالثقافات المعاصرة، وأن يكون لديه إلمام بأوضاع مجتمعِهِ، فليس من الصحيح أن يكون اهتمام المؤمن الحسينيّ بنفسه فقط، بل يحاول أن يتعرّف على ما هو مطلوبٌ منه من علوم بنفسه وخاصّته، بل لابُدّ أن يكون لديه إلمام بأوضاع مجتمعه ولو إلماماً إجماليّاً، وأن يأخذ -وهذه النقطة مهمّة- هذه المعرفة الفقهيّة والثقافة الإسلاميّة أن يأخذها من منابعها الصحيحة التي حدّدها أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، حينئذٍ تكونُ لدينا البصيرة في أمور ديننا.

من الأمور المهمّة التي أوصلت أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) أن يقفوا الى جانبه مع أنّ الكثرة الكاثرة خذلت الإمام الحسين(عليه السلام)، من جملة الأسباب أنّ هؤلاء كانت لديهم البصيرة، كما عُبِّر عنهم من أعدائهم بـ"أصحاب البصائر".

لذلك ورد في الحديث: (تفقّهوا في دين الله فإنّه مفتاحُ البصيرة وتمامُ العبادة والسببُ الى المنازل الرفيعة والمراتب الجليلة) التفقّه في دين الله، مع أنّ التفقّه هنا هو الفهم الصحيح والواعي والعميق لثقافات الإسلام المتعدّدة، حينئذٍ يستطيع الإنسان على ضوء هذه الثقافات والمعرفة ومن منابعها، -نؤكّد على ذلك- أحياناً لدينا مؤمن يصلّي ويصوم ومتديّن ولكنه لا يأخذ هذه المعارف من منابعها الصحيحة ويتوهّم أنّ فلاناً وفلاناً ربّما هم منابع هذه المعرفة، فيضلّ ويُخطئ الطريق الصحيح، فلابُدّ أن تكون لديه المعرفة الصحيحة، أنا أصرف سنين من عمري وأبذل كلّ جهدي في تحصيل علوم الطبّ والفيزياء والكيمياء والهندسة والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك من الأمور، وهي مهمّة في حياتنا ونوليها الاهتمام، ولكن في نفس الوقت علينا أن نولي اهتماماً عظيماً بمعارف الفقه والثقافات الإسلاميّة، حتى تكون لديّ البصيرة والمعرفة بالموقف الصحيح الذي يجب أن أتّخذه حينما يمرّ مجتمعي بالمخاطر وغير ذلك من هذه الأمور.

الوعي الاجتماعي: هناك وعي ثقافي ووعي اجتماعي ما المقصود بالوعي الاجتماعي؟ هو أن يعي الإنسان المؤمن ما هي مسؤوليّاته تجاه مجتمعه الذي يُحيط به، مسؤوليّاته تجاه أسرته تجاه عشيرته تجاه زملائه في العمل تجاه مجتمعه، كثيرٌ من الناس همّه نفسه فقط لا يستشعر المسؤوليّة تجاه المجتمع الذي يحيط به، ابتداءً من الأسرة -المجتمع الصغير- ثمّ العشيرة -المجتمع الأكبر- ثمّ زملاء العمل ثمّ المجتمع الأكبر الذي يُحيط به.

الوعي الاجتماعي الحسينيّ أن يكون لديّ وعيٌ بطبيعة المسؤوليّة تجاه مجتمعي، فإذا ما رأيت انحرافاً في مجتمعي ثقافيّاً أو أخلاقيّاً أو سلوكيّاً أو غير ذلك من هذه الانحرافات عليّ أن لا أكون متفرّجا أمامها، بل لابُدّ أن يكون لديّ اطّلاع وإلمام بطبيعة المخاطر والمشاكل والأزمات التي يمرّ بها المجتمع، وأحاول بالتعاون مع الآخرين أن أضع لها الحلول من خلال العلم والمعرفة الصحيحة، لابُدّ أن يكون الطريق هو العلم والمعرفة الصحيحة وإلّا فالجهل يعقّد المشاكل ويؤزّم الأزمات أكثر، العلم هو الذي يشعّ بأنوار الحلول للمشاكل والأزمات المستعصية، وهذه لابُدّ أن تؤخذ من منابعها الصحيحة.

وأمّا مسؤوليّة الكلمة أيضاً نلتفت اليها، -إخواني وأخواتي- الكلامُ سلاح الأنبياء والمصلحين في هداية الناس وإرشادهم الى الطريق الصحيح، لاحظوا الآن كلمات الإمام الحسين(عليه السلام) كيف أنّها على مرّ العصور والأزمنة منهاجُ الاصلاح للفرد والمجتمع، الأنبياء كانوا يستعملون سلاح الكلام والكلمة، ولكنّ هذا الكلام والكلمة إذا ما أُسيء استخدامُهُ أصبح وسيلةً للفتن والأحقاد والصراعات بين أفراد المجتمع، وأصبح محطّماً للفرد والمجتمع، لذلك على الإنسان المؤمن الحسينيّ أن يعي أنّ عليه مسؤوليّة الكلمة ومسؤوليّة الدعوة الى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة من خلال الكلام، مسؤوليّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال الكلام وفق الشروط المطلوبة، مسؤوليّة مواجهة الفساد والانحراف الأخلاقي والسلوكيّ في المجتمع بالكلمة أيضاً، وغير ذلك من هذه الأمور التي يمرّ بها المجتمع.

فلذلك نجد أنّ الذين اتّبعوا مبادئ الإمام الحسين(عليه السلام) بعد الإمام الحسين -لاحظوا- الكلمة والكلام هي التي أيقظت الأمّة الإسلاميّة، من خلال خطب الإمام زين العابدين(عليه السلام) وخطب السيّدة زينب، هذه الكلمة لها هذا التأثير، فالمؤمنُ الحسينيّ والمؤمنةُ الحسينيّة هي التي تعرف ما هو الكلام الذي ينبغي أن تتَكلّم به في مواجهة الفساد والانحراف في داخل المجتمع، وغير ذلك من هذه المسائل، وأن لا يقف المؤمن الحسينيّ ساكتاً أمام حالات الانحراف في مجتمعه، بل لديه الكلمة التي يدعو بها الى الله تعالى ويوعّي المجتمع بالمعرفة الفقهيّة والثقافات الإسلاميّة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وفق شرائطه، وغير ذلك من الأمور التي تُصلح مسيرة المجتمع.

أيضاً هناك مسؤوليّةٌ أخرى هي مسؤوليّة الموقف فلننتبه اليها، إخواني لندرس جيّداً مسيرة النهضة الحسينيّة وطبيعة شخصيّة الذين وقفوا مع الإمام الحسين(عليه السلام) والذين خذلوا الإمام الحسين(عليه السلام)، نجد أنّ جوهر تعلّمنا النهضة الحسينيّة أنّ الإسلام ليس مجرّد عبادات وطقوس تؤدّى، وليس مجرّد شعارات تُرفع وليس مجرّد هتافات تصدح بها الحناجر، بل الإسلامُ الحسينيّ الصادق موقفٌ يقفُه المؤمن إذا ما واجهت الأمّةُ خطر الانحراف، وإذا ما داهمت الأمّةَ عواصفُ التضليل والتجهيل والخطر على الأمّة الإسلاميّة.

إخواني ادرسوا بدقّةٍ هناك الكثير من الشخصيّات الإسلاميّة التي كانت لها غزارةٌ في العلم، وسنيّ عمرها مليئةٌ بالتعبّد والتهجّد والذكر لله تعالى، لكنّه حينما داهم الخطرُ الإسلامَ والأمّة الإسلاميّة بالانحراف والضلال الذي كان يهدّد الأمّة الإسلاميّة، انكفأت تلك الشخصيّات في زوايا بيوتهم ووقفوا على التلّ يتفرّجون ولم يكن لهم موقفٌ ينصرون به الإمام(عليه السلام)، وهؤلاء ما الذي نستفيده من قول الإمام(عليه السلام): (من لحق بنا فقد استُشهِد ومن لم يلحق بنا لم يدرك الفتح)، ومن خلال دراسة سيرة أولئك الذين خذلوا الإمام(عليه السلام) نعرف أنّ الإسلام والمبادئ الإسلاميّة والنهضة الحسينيّة تعني أنّ الإنسان الحسينيّ ليس مجرّد أن يؤدّي هذه العبادات والطقوس وليس مجرّد أن يرفع شعارات تصدح بها الحناجر، بل الإسلام والنهضة الحسينيّة موقفٌ يقفُهُ الإنسان إذا ما داهم الإسلام خطرٌ عظيم.

لذلك مَنْ وقف تلك الوقفة الشجاعة والمضحّية أمام خطر عصابات داعش وضحّى بنفسه أو بذل ماله، ذلك هو الذي ترجم مبادئ النهضة الحسينيّة، أمّا الذي يقف في مثل هذه الانعطافات الخطرة والحسّاسة موقفَ المتفرّج ويؤثر سلامة دنياه وسلامة نفسه وأهله وماله على سلامة دينه ومقدّساته وأعراض مواطنيه، فإنّه مهما كانت له من العبادات ومهما كان له من الذِّكر في الواقع لا يمثّل المنهج الحسينيّ الصادق، لذلك لابدّ للإنسان أن يعي ما هي تلك المبادئ للنهضة الحسينيّة وكيف يكون الإنسان حسينيّاً حقّاً.


*النص الكامل للخطبة الأولى من صلاة يوم الجمعة (28/9/2018)

 

2018/09/29

لماذا يبكي الشيعة إمامهم الحسين (ع)؟

أيّها الإخوة والأخوات ما زلنا في الخطبة الأولى في بيان فلسفة وحكمة البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام)، وسبق أن بيّنّا أنّ هناك روايات كثيرة قد اهتمّت وحثّت حثّاً شديداً على البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام) بالخصوص، ووعدت على ذلك الأجر العظيم والمنزلة الجليلة والعطايا في الدنيا والآخرة، فما هو السرّ في التأكيد والحثّ الشديد من الأئمّة (عليهم السلام) على البكاء؟! هل يريدون منّا هذا البكاء العاطفي البحت أم أنّ هناك سرّاً عظيماً أراده الأئمّة (عليهم السلام) من وراء هذا البكاء؟ وأرادوا منه أن تبقى مبادئ وقيم النهضة الحسينيّة فاعلة مؤثّرة نجسّدها في حياتنا الى يوم القيامة.

ولا بأس أيّها الإخوة والأخوات من باب التحفيز وبيان جزء من تلك المنزلة، ما ورد في بعض الأحاديث عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام) في بيان فضيلة البكاء، وسأبيّن ما بعد ذلك ما هي تلك الأسرار الكامنة وراء ذلك، ورد عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) قوله: (أيّما مؤمنٍ دمعت عيناه لقتل الحسين -عليه السلام- حتّى تسيل على خدّه بوّأه الله بها في الجنة غرفاً يسكنها أحقاباً، وأيّما مؤمنٍ دمعت عيناه حتّى تسيل على خدّيه فيما مسّنا من أذىً من عدوّنا في الدنيا بوّأه الله منزل صدقٍ) ثمّ في حديثٍ آخر عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) قال: (من دمعت عينه فينا دمعةً لدمٍ سُفك لنا أو حقٍّ لنا نقصناه أو عرضٍ انتُهك لنا أو لأحد ٍمن شيعتنا، بوّأه الله تعالى بها في الجنّة حقباً)، ثمّ أيضاً يقول الإمام الصادق (عليه السلام) لأحد أصحابه حينما بيّن هذا الصحابيّ أنّه يستذكر مصيبة الإمام الحسين(عليه السلام) ويستعبر، حتّى يصل به الحال أنّه يمتنع عن الطعام لعظم مصابه، فقال له: (رحم الله دمعتك، أما إنّك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا ويخافون لخوفنا ويأمنون إذا أمنّا...) لاحظوا إخواني ليس الثواب هذا فقط في الجنّة، وإنّما معطيات هذا البكاء في الدنيا وعند الموت وما بعد الموت، لاحظوا كما في هذا الحديث (...أما إنّك -لجزعك هذا على مصائبنا- سترى عند موتك حضور آبائي لك...) الإمام الصادق(عليه السلام) يخاطب أحد صحابته (...ووصيّتهم ملك الموت بك، وما يلقونك به من البشارة أفضل، ولملكُ الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمةً لك...) هذا إنّما جاء ثواباً ومنزلةً للبكاء والعبرة على الإمام الحسين(عليه السلام) والأئمّة الأطهار (...ولملكُ الموت أرقّ عليك وأشدّ رحمةً لك من الأمّ الشفيقة على ولدها).

نأتي الآن ونبيّن هذه النقطة المهمّة التي من خلالها كيف نصل الى البكاء الذي أراده الأئمّة (عليهم السلام) وننال به هذه المنازل العظيمة، هل للبكاء تأثيرٌ عاطفيّ بحت لا تُعدّ له قيمةٌ مبدئيّة لها تأثير في الإسلام؟ أم أنّ هذا البكاء الذي أراده الأئمّة (عليهم السلام) له أبعادٌ عقائديّة تربويّة روحيّة تُساعد وتساهم في حفظ الإسلام ومبادئ الإسلام؟ وتحافظ على مبادئ النهضة الحسينيّة حيّةً في الفرد والأمّة الإسلاميّة الى يوم القيامة، بحيث يبقى هذا المجتمع مجسّداً لنهضة الإمام الحسين(عليه السلام) بالوقوف في وجه الظالمين والمستبدّين والطواغيت والانحراف والضلال، بحيث يكون دائماً هذا البكاء يؤثّر هذا التأثير، أن تبقى هذه المبادئ حيّة، الضمير حيّ، الإرادة فاعلة لدى الفرد والأمة، أن يجسّد مبادئ النهضة الحسينيّة التي من أجلها ثار الإمامُ الحسين(عليه السلام).

تعالوا معي إخوتي لنعرف كيف نصل الى هذا البكاء، وعلينا أن نراجع بعض الشيء القرآن الكريم، هل نجد لهذا البكاء أصلاً في القرآن الكريم أم لا؟ وهل أنّ هذا البكاء الذي نجسّده نحن على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) فقط من خلال الروايات التي جاءت من المعصومين(عليهم السلام) وإن كانت هي مأخوذة من النهج القرآني، أم أنّ لهذا البكاء أصلاً في القرآن الكريم وهو وسيلةٌ سماويّة وإنسانيّة اتّخذها الأنبياء للحفاظ على نهجهم؟ حينما نتأمّل في بعض قصص الأنبياء التي سردها القرآن الكريم نجد أنّ البكاء وسيلةٌ قرآنيّة وإنسانيّة وولائيّة جسّدها الأنبياء (عليهم السلام).

لاحظوا في قصّة يعقوب (عليه السلام) ما الذي أراده القرآن الكريم أن يبيّنه حينما يذكر أنّ يعقوب(على نبيّنا وآله وعليه أفضل الصلاة والتحيّة والسلام) بكى على يوسف(عليه السلام) بكاءً شديداً حتّى ابيضّت عيناه وفقد بصره من البكاء، هل يريد أن يبيّن أنّ هنالك أباً حنوناً أباً عطوفاً على ولده، فقَدَ ولده وبكى عليه بكاءً شديداً حتّى ابيضّت عيناه من الحزن على فَقْد ولده، هل هذا هو المعنى الذي يريدُ أن يوصله القرآن الكريم؟ لا.. فهذا لا يتناسب مع عظم الدور الذي أُريد للأنبياء (عليهم السلام).

التفتوا الى هذا المعنى، أراد يعقوب (عليه السلام) أن يبيّن من خلال حزنه الشديد تفاعله العاطفيّ والعقائديّ والروحي مع مصيبة فَقْد ولده، ليس من باب عاطفة الأبوّة بل لأنّه حزنٌ على شخص يوسف الذي يمثّل خليفة الله في الأرض، وحجّة الله في الأرض، أنّ هناك شخصاً هو حجّة الله في الأرض وغُيّب عن الساحة الإنسانيّة، وهذا التغييب بسبب الحسد من قبل إخوته كان يمثّل خسارةً للأمّة للمؤمنين للدين في ذلك الوقت، أراد أن تبقى هذه المصيبة وتفاعل الأمّة المؤمنة في ذلك الوقت مع هذه المصيبة، لأنّ ذلك كان يمثّل حزناً على إنسانٍ ليس عاديّاً بل هو خليفةُ الله في الأرض، وحجّة الله في الأرض، يُراد منه هداية المجتمع وصلاح الأمّة، وغيّب عن الساحة الإنسانيّة، تغييبه بسبب تلك الأمور أدّى الى أنّه تكون هناك خسارة في الدين وخسارة في تغييب هذا الإنسان، لذلك القضيّة مرتبطة بتغييب إنسان يمثّل أحد قادة الإصلاح، إنسان يُراد منه أن يهدي المجتمع، غيّب عن ساحة المجتمع، ذلك يمثّل خسارة للدين وخسارة للأمّة المؤمنة، أراد أن ينشر هذه المصيبة وأراد أن يُبقي هذه المصيبة على الدّين حيّةً في نفوس الأمّة المؤمنة، هذا أوّلاً.

الشيء الآخر كما في سيرة المعصومين (عليهم السلام)، فاطمة الزهراء (عليها السلام) عندما بكت ذاك البكاء الشديد على فقد أبيها، والإمام السجاد(عليه السلام) حينما بكى طوال عمره الى آخر أيّام حياته على مصيبة أبيه، ما الذي كان في ذلك الحزن أو البكاء للإمام؟ هل هو بكاء فقد الابن لأبيه؟ عاطفة البنوّة، هناك عاطفة الأبوّة، هنا عاطفة البنوّة هي التي تدفع تجاه هذا البكاء الشديد؟ كلّا.. بل أنّه أراد أن يقول للأمّة إنّ هناك مصيبة أصابت الأمّة الإسلاميّة، هناك الإمام الحسين حجّة الله في الأرض قُتل بهذه القتلة هو وأولاده وذرّيته لأنّه نهض ضدّ الانحراف والظلم والفساد وأراد أن يُصلح هذه الأمّة، فهو يبكي على مصيبة الدين أنْ فقَدَ الدين هذا الإنسان العظيم، وأراد أن تُنشر هذه المظلوميّة بين الناس ويتحسّس الناس بها وتبقى حيّةً خالدة في ضمير الأمّة، حتى تبقى الأمّة تتفاعل مع مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، لذلك هذه القضيّة مرتبطة بالمعصومين (عليهم السلام) على مرّ التاريخ.

نأتي الآن بعد ذكر هذه الأمور المرتبطة ببكاء المعصومين، ما هي الحِكم المتوخّاة من وراء البكاء؟ وعلينا أن نعمل على تحقيقها حتى نصل الى الأهداف ونصل الى النتيجة، وهي أن يبوّأ الإنسانُ مبوّأ صدقٍ وأن يكون في الجنّة أحقاباً وأن يكتب له الفوز بالنعيم الدائم، واحدةٌ من الحكم أنّ مسألة البكاء الشديد والدائم مرتبطٌ بالطبيعة الإنسانيّة كنوعٍ من التعظيم والتكريم للشخصيّة التي يُبكى عليها والإشادة بدورها والثناء على جهدها وجهادها، أنتم حينما تفقدون إنساناً عظيماً مهمّاً في حياتكم تبكون عليه بكاءً شديداً، حتّى تُشعروا الآخرين بالتعظيم والتكريم والإشادة بدور هذا الرجل، حتّى يبقى المجتمع مرتبطاً به، أمّا الإنسان الذي ليست له قيمة في المجتمع وهو مصدرُ شرّ وضرّ وأذى للآخرين لا يُبكى عليه، وهذا نوع من التحقير والتوهين حتى يبتعد المجتمعُ عن مثل هؤلاء الأشخاص، فالبكاء إشعارٌ بعظمة ومكانة هذا الإنسان الذي يُبكى عليه خصوصاً مع شدّة هذا البكاء ودوامه، يرتبط بحسب الطبيعة الإنسانيّة، أنّ المجتمع يشيد ويثني على جهاد وجهود هذا الإنسان الذي بذل حياته ونفسه في سبيل حفظ مبادئ المجتمع، هذا يجعل الناس يرتبطون بصورةٍ غير مباشرة بمبادئ ذلك الرجل العظيم وبالتالي له تأثير في حفظ مبادئ الإسلام.

أيضاً من الحِكم المهمّة بالنسبة للبكاء هو أنّ البكاء أحدُ الأسباب المهمّة في حفظ مبادئ النهضة الحسينيّة، كيف ذلك إخواني؟ في الواقع نحن حينما نبكي على الإمام الحسين(عليه السلام) نعبّر عن تعاطفنا القلبيّ والروحيّ والولائي، ثلاثة أمور: تعاطف ولائي يعني عقائديّ وتعاطف قلبي وروحي، هذا يعني نحن نتعاطف مع المبادئ التي من أجلها ضحّى الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه، وفي نفس الوقت نعبّر عن استنكارنا للجريمة التي ارتكبها الظالمون والمستبدّون، وهذا يمثّل نوعاً من النفور عن هؤلاء الظلمة والمستبدّين والنفور عن مبادئهم، لاحظوا كيف تُحفظ المبادئ حينما أتعاطف مع الإمام الحسين (عليه السلام) هو في الواقع تعاطفٌ مع تلك المبادئ والقيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام)، وبالتالي تبقى هذه المبادئ حيّةً، وفي نفس الوقت يعتبر هذا البكاء تعبيراً عاطفيّاً عن التجاوب والتضامن مع صاحب القضيّة، وفي نفس الوقت هو تعبيرٌ عن الرفض والاستنكار، شيئان في نفس الوقت من التعاطف أرفض وأستنكر هذه الجريمة التي ارتُكِبت من هؤلاء الطواغيت والظلمة، بمعنى آخر يولّد نفوراً في النفوس من أخلاق ومبادئ أعداء الحسين(عليه السلام)، وبالتالي يمثّل أيضاً تفاعلاً وتجاوباً مع الذين يمثّلون امتداداً لمبادئ الإمام الحسين(عليه السلام).

أيضاً من جملة الأمور المهمّة أنّ البكاء يمثّل وسيلةً سلميّة وهادئة للتعبير عن التعاطف، حينما يستعمل الطغاة وسائل التنكيل والبطش والترهيب لأتباع هذه العقيدة الحقّة، أحياناً الأمّة الإسلاميّة المؤمنة حينما تريد أن تُعبّر عن ولائها بوسائل متعدّدة لكن تُواجَه على مرّ الأزمنة والعصور تُواجه بوسائل من البطش والسجن والترهيب لهؤلاء الأتباع حينما يعبّرون بوسائل متعدّدة عن تضامنهم مع مبادئ الإمام الحسين(عليه السلام)، يأتي البكاء وسيلةً لا يستطيع الظالمون والمستبدّون أن يواجهوها، ماذا يقولون؟! الأمّة وجدت أمام بطش وظُلم وتنكيل الظالمين أنّ الوسائل الأخرى ستؤدّي الى تقتيلهم وتشريدهم لا يجدون إلّا وسيلة البكاء؟! لا يستطيع هؤلاء الطواغيت أن يواجهوا الناس لماذا تبكون على الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وبهذه الوسيلة يحفظون تعاطفهم مع قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام) ويُبقون ذكرى هذه المظلومية حيّةً، لاحظوا إخواني هؤلاء الطواغيت يُحاولون أن يجعلوا المجتمع ينسى قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام) بكلّ وسائل البطش والتنكيل، الأئمّة(عليهم السلام) أرادوا أن يُبقوا هذه القضيّة حيّةً في نفوس الأمّة، ما هي الوسيلة التي تبقى؟ هي وسيلة البكاء، فلا أحد من الظالمين والطواغيت يستطيع أن يواجه الناس ويقول لهم: أمنعكم من البكاء. فهي وسيلةٌ سلميّة وهادئة يستطيع من خلالها المجتمع الإسلاميّ أن يبقى متفاعلاً على مرّ الأزمنة والعصور مع قضيّة الإمام الحسين (عليه السلام)، لتبقى هذه المظلوميّة حيّةً في ضمائر الأمّة وتبقى تبعاً لذلك هذه المبادئ أيضاً.

من الحِكم التي هي مهمّة ونلتفت اليها، لنرى هل أنّ بكاءنا على الإمام الحسين(عليه السلام) يولّد فينا هذه الحكمة ألا وهي التربية الروحيّة وتزكية النفوس؟ إخواني وأخواتي من الأمور المهمّة والأساسيّة في الصفات القلبيّة للمؤمن هي رقّة القلب ورحمة القلب، إذا فقد الإنسان رقّة القلب واتّصف بقسوة القلب ولم يعد يتفاعل ويتعاطف مع آلام المستضعفين وآهات المظلومين ولا يتفاعل مع معاناة الفقراء والمساكين، فليرجع هذا الإنسان الى نفسه، فسيجد ركناً أساسيّاً من أركان الإيمان قد فُقِد منه لأسبابٍ منها: كثرة الذنوب والمعاصي والتعلّق بالدنيا وأكل المال الحرام التي تؤدّي الى هذه الصفة، تؤدّي الى قسوة القلب، أريد من البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام) أن يرقّق قلب المؤمن وينزع منه هذه القسوة، ثم ماذا بعد ذلك؟ هل فقط أن يكون لديّ قلب رقيق رحيم؟ لا.. بل أريد من هذه الرقّة والرحمة في القلب أن أتعاطف وأن أتحسّس آلام الآخرين، وأن أتحسّس آلام مجتمعي وأن أتحسّس معاناة المظلومين ضدّ الظالمين، وأن أتحسّس آلام ومعاناة الفقراء والمساكين واليتامى والأرامل وأتحرّك وفق ما تقتضيه هذه الرحمة.

البكاء يراد منه أن نصل الى هذه التربية الروحيّة والقلبيّة، فإذا ما وجد أحدكم أنّ البكاء على الحسين(عليه السلام) لا يوصله الى هذه المرحلة والاتّصاف برقّة القلب ورحمته وتعاطفه وتحنّنه وتحسّسه بآلام الآخرين، فليعلم أنّ هناك ذنوباً ومعاصي يرتكبها تمنعه وتحول بينه وبين تأثير البكاء في رقّة قلبه، أو أنّ هناك مالاً حراماً أو هناك طعاماً حراماً أو أنّ هناك ظلماً يظلم به الآخرين أو ذنوباً ومعاصي هو مصرٌّ عليها، تحول بينه وبين تأثير البكاء في الوصول الى هذه الحالة، من المهمّ في الصفات القلبيّة للمؤمن أن يكون لديه قلبٌ رقيقٌ رحيم عطوف حنون وتنتج منه الآثار التي ذكرناها، لذلك إخواني علينا -وأنا أختم هذه الخطبة- أن نتأمّل في هذا السرّ، ما السبب في أنّ الأئمّة(عليهم السلام) في كثيرٍ من الروايات اهتمّوا اهتماماً شديداً بالبكاء، هل أنّ الروايات التي بيّنت وعدّت المؤمن أنّه إذا بكى وتباكى على الإمام الحسين(عليه السلام) كان الضمان له الجنّة، هل يكفي هذا البكاء العاطفيّ أم أُريد منه البكاء الذي يجعل منه ضميري حيّاً ويجعل لي الإرادة الفاعلة، وأتحسّس ما يمرّ به مجتمعي من مخاطر فأتحرّك لأنقذ مجتمعي، وأتعامل مع مجتمعي من ما يحصل من حالات فساد وانحراف كما تعامل الإمام الحسين(عليه السلام)؟ هذا هو البكاء الذي وُعد عليه المؤمن بالجنّة في أحاديث الأئمّة(عليهم السلام)، أنا ذكرت بعض الحِكم وإلّا إذا أردنا أن نذكرها كلّها فسيستغرق ذلك خطباً متعدّدة، إذا استطاع المؤمن الحسينيّ الصادق على الإمام الحسين(عليه السلام) الى تحقيق هذه الحِكم والفلسفة حينئذٍ تكون الجنّة مضمونة له، وإلّا ما الفائدة من البكاء على الإمام الحسين(عليه السلام)، أنا أبكي على الحسين (عليه السلام) لأنّه حجّة الله في الأرض وهو قائد الإصلاح قائد الدين، خرج لإصلاح أمّته وأراد أن يُبقي مبادئ الإسلام حيّةً فواجه تلك الجريمة البشعة، أبكي على قتل الدّين ونحر الدين، لذلك عليّ أن أحافظ على الدين حتى يكون بكائي صادقاً، فعلينا أن نختبر أنفسنا ونحاول الوصول -وهذا بإمكاننا- نحاول الوصول الى أسرار وحِكمة البكاء على الإمام الحسين (عليه السلام) التي تُبقي مبادئه حيّةً في نفوس أفرادنا ومجتمعنا، ونجد أنّ المجتمع هو مجتمع حسينيّ صادق في ولائه للإمام الحسين(عليه السلام)، حينئذٍ يكون بكاؤنا صادقاً ويحبّه الأئمّة (عليهم السلام) الذين وعدوا من خلال رواياتهم أن يدخل به الإنسانُ المؤمن الحسينيّ الجنّة.


*النص الكامل للخطبة الأولى من صلاة يوم الجمعة (28/9/2018)

2018/09/29

وكيل المرجعية العليا: هناك من لا يسمع النصيحة ولا يكترث ويصمّ آذانه ولا يلتفت

إخوتي أخواتي.. إتماماً للخطبة الأولى سأنتقل الى الطرف الآخر، وهو الطرف الذي تنكّب واجتهد واجتمع في أن يقاتل سيّد الشهداء (عليه السلام)، سأنطلق من مقولةٍ تكون محوراً أو مدخلاً للحديث، وهي الحديث الشريف الذي يقول: (اعرف الحقّ تعرفْ أهله) وأرجو أن تُحفظ هذه المقولة عندكم وأنتم تعرفونها لاشكّ فهي مشهورة، لكن الإنسان في بعض الحالات قد يغفل عنها وإذا غفل عنها تورده المهالك.

(اعرف الحقّ تعرفْ أهله) أمّا إذا كنت لا تعرف الحقّ سيشتبه عليك الأمر، وستعرف الحقّ بالرجال وستكون هذه كارثة كبيرة عندنا، الحقُّ لا يُعرف بالرجال بل الرجالُ يُعرفون بالحقّ، أنتقل الآن الى الجانب السلبيّ للملاحظة فالمشهد العاشورائيّ مشهدٌ مكرّر، وهذا يعني الآن يوجد من يمثّل خطّ الحسين، والآن يوجد من يمثّل الخطّ الآخر، الأوّل له مميّزات -كما ذكرنا- بعضها وضوح الحقّ ومعرفته وشجاعة ووفاء، والثاني أيضاً له بعض المميّزات التي لا تخفى، ومن مميّزات هذا الخطّ هو عدم سماع النصيحة أصلاً، طبعاً النصيحة تأتي من ناصحٍ أمين مُشفق ويريد الخير، الإنسان تصل به الحالة أن لا يسمع النصيحة أصلاً، قبل أربعة عشر قرناً وقبل عشر قرون وقبل خمس قرون والآن تصل به الحالة الى أن لا يسمع النصيحة أصلاً ويصمّ أذنه.

نرجع الى واقعة الطفّ، الإمام الحسين (عليه السلام) عرّف بنفسه قد يكون فيهم أحدٌ جاهل لا يعرف، وعرّف بنفسه بصوتٍ عالٍ (من أنا؟) وذكر (سلام الله عليه) من هو ثمّ استُشهِد، قال لهم: عندكم رجالٌ يمكن أن يدلّوكم عليّ، أبو سعيد الخدريّ وسهل بن سعد هؤلاء تعرفونهم، ولا يوجد في هذه المعمورة ابن بنت نبيٍّ غيري، أنا ابن علي أنا ابن فاطمة وجدّي رسول الله!! أنا أريد أن أستفهم منكم لماذا تقتلونني؟!.

لاحظوا أنّ بعض الأسئلة في التأريخ ليس لها جواب، جوابها الجهل والعناد!! وهذا يعني أنّ المنطق هنا لا يعمل وإنّما الجهل، لماذا تريدون أن تقتلوني؟! هناك مجموعة أشياء تستدعي القتل، قال لهم: هل قتلتُ أحداً منكم فتطلبوني بقتيلٍ أنا قتلتُه؟! بسنّةٍ للنبيّ أنا غيّرتها؟! ماذا تريدون؟!، هذا سؤالٌ مهمّ يُفترض أنّ هؤلاء لو كان فيهم رجلٌ رشيد أن يسأل نفسه ويقول: نعم.. نحن جيّشنا الجيوش وجئنا لأن نقتل، لكن نقتلُ من؟! لاحظوا الأسئلة، الأسئلة هي ذاتها أجوبة، البعضُ يقول له: بغضاً بأبيك، نحن ليست عندنا مشكلة معك لكن بغضاً بأبيك، وكأنّ أباه وهو أميرُ المؤمنين كان إنساناً يُمكن أن يكون أذّى هؤلاء أو لم يكن على طريق هداية، وهذا المعتقد زرَعَه أئمّةُ الشام في نفوس هؤلاء، من هو أبوه؟ وكانت سُنّة هؤلاء أنّه كان يُلعن في خطبهم وحاشاه، هذا الكلام الذي جاء من الشام، أمّا الذي كان في العراق نعم.. لأنّ أمير المؤمنين لا يُجامل ولا يُداهن، والبعضُ هرب من الحقّ عندما يقول: بغضاً بأبيك يعني بغضاً للحقّ، هو لم يعرف عن عليّ سُبّة وحاشاه، بل بغضاً للحقّ، نحن لسنا أصحاب حقّ لكن الإنسان يصعب عليه أن يقول هكذا وإنّما يقول بغضاً بأبيك يعني بغضاً بالحقّ، هذا هو الجواب وهو ليس جواب عقلائيّ، الآخر ماذا يُجيب؟ يقول: انزل الى حكم الأمير فنحن نقاتلك لأنّك لا تنزل الى حكم الأمير، أيّ أمير؟!! عنده نسب، عِلْم، فِهْم، تقوى؟ أيّ أمير؟ لكن مع ذلك كان هذا الجواب، الآخر يقول: لا ندري ما تقول نحن لا نعرف ماذا تقول، هذا حالُ الذين لم يسمعوا النصيحة.

إخواني لا تحسبوا أنّ هذه المسألة قديمة بل تجري دائماً، الآن هناك أناسٌ لا تسمع النصيحة ولا تكترث وتصمّ آذانها ولا تلتفت، خصوصاً هذا الذي يتربّى وينشأ على اعوجاجٍ في العقل والذهن والفهم، لا يسمع نصيحة، والنتيجة قاتلوا ودخلوا الى الميدان، ولاحظوا قبيل أن يستشهد الحسين(عليه السلام) هناك شعارٌ رُفع وهو: أحرقوا بيوت الظالمين، هذا مستوى ضحل من الفهم، هذا منحى وهنالك منحى آخر، هو يعرف الحسين(عليه السلام) ويعرف من هو ولكن الدنيا غرّته فباع حظّه حظّ الآخرة بحظّ الدنيا، ضعيف لأنّه أُمِّل بإمارة الريّ!! وما أدراك ما تصنعُ الإمارات وما تفعل!! وهذه السلطنة تجعل الانسان يتنكّر لأبسط مبادئه، هو يعرف الحسين(عليه السلام) وليس بعيداً عن هذا البيت لكنّه أُّمِل بإمارة الريّ، فيقول: أنا أريد أن أصير والياً وأميراً. ما هو الثمن لهذا؟ اقتلوا الحسين. نعم.. موافق على أن أقتل الحسين مقابل هذا!! والإمام الحسين قال: هيهات إنّك لا تشبع من بُرّ العراق -أي الحنطة-. ما هو جوابه؟ قال: في الشعير كفاية -استهزاءً-، الإمام الحسين يتكلّم يريد أن يُنقذ هؤلاء المساكين من الضلالة لكنّهم لا يفهمونه ولا يقبلونه، هم لا يريدون لأنّه لا يمكن أن يُجاهد هذه النفس التي فقدت إرادتها وبدأت تنقاد، ماذا يقول لها؟! هم يعرفون أنّهم على باطل قاطبةً.

أمثال هؤلاء يأتي آخر الى العبّاس(عليه السلام) وهو يعرف، يقول: أين بنو أختنا؟! إذن هو قريبٌ من العائلة ويعرف أنّ هذه صلة الرحم، يريد أن يؤمِن العبّاس(عليه السلام) يقول له: اخرج من المعركة اترك أخاك ولك الأمان علينا أن لا تُقتل، لاحظوا الطريقة التي اتّبعها هؤلاء، هم يعرفون العبّاس وكيان العباس وإيمانه وقدرته وكيف يتعامل معه الحسين(عليهما السلام) لكن بدلاً من أن يخضعوا لأبي الفضل خضعوا الى شياطينهم، هو يعلم أنّه ضالّ لكنّه يريد أن يُضلّ الآخرين وهيهات هيهات، هذه صفةٌ من الصفات وهناك صفةٌ أخرى هي الجُبن، أرباب المقاتل ماذا يقولون؟ يقولون: إذا هجم عليهم الحسين فرّوا كالجراد المنتشر، لأنّهم يعلمون أنّ طلبهم طلب دنيا، والذي يطلب الدنيا يكون أشدّ شيءٍ عليه هو الموت، واقعاً هذه التفاتة مهمّة من واقعة عاشوراء، هؤلاء طلبوا الدنيا والحديث الشريف يقول: (حبّ الدنيا رأسُ كلّ خطيئة) وما أبشع هذه الخطيئة عندما يقف أمام سيّد الشهداء ويقتل سيّد الشهداء!! ما الذي جال في عقل هؤلاء عندما كانوا يُمسكون السيف ويضربون الحسين(عليه السلام)؟! ما الذي كان في ذهنهم؟! ما الذي كان في ذهن ذاك الذي رمى سهماً حتى يقتل طفلاً رضيعاً؟! الدنيا بالتأكيد، وبالنتيجة الذي عرف الحقّ لا يجرؤ أن يكون مع الباطل.

واقعة الطفّ أنتجت هذا التمييز الكبير، وهذا التمييز الكبير هو ليس وليد واقعة وانتهى وإنّما هذا المعسكر بهذه الطريقة موجود، الجُبن وحبّ الدنيا وحبّ المكاسب الشخصيّة وعدم سماع النصيحة، لا يسمع الإنسان أيّ نصيحة وإنّما تأخذه العزّة بالإثم الى أن ينحطّ ويسقط في الحضيض، وهؤلاء ذهبوا بلعنات الدنيا والآخرة، اقرأوا زيارات الحسين(عليه السلام) تجدونها مملؤةً باللعن لهؤلاء، وهذا اللّعن مفهوم قرآنيّ إلّا أنّ بعض من لا عقل ولا فهم ولا حريجة له ولا يريد أن يعرف المشهد العاشورائيّ، يقول: كلمات اللعن في الزيارة موضوعة. لاحظوا أنّ هذا لا يفهم المشهد العاشورائيّ فهو راكس، كما تقول زينب(عليها السلام): (بفيك أيّها القائل الكثكث والاُثلب) -أي الرمل في فيك-، من أنت حتّى تتعامل مع هذا الوجود بهذه الطريقة الضحلة؟!، اقرأ المشهد العاشورائيّ. نعم.. أنت قد تكون محبّاً للدنيا لكنّك تُغلّف ذلك، أنت لا تسمع النصيحة لكنّك تُغلّف ذلك، أنت تتمتّع بخصلة الجُبن لكنّك تُغلّف ذلك، هذا المشهد العاشورائيّ مميّز ولا يحتاج الى وضوحٍ أكثر، وهذه حجّةٌ علينا إخواني جميعاً، بالأمس القريب هبّ مَنْ هبّ بلا أن يتثبّت، لماذا؟ هناك فتوى ضدّ دواعش هناك فتوى ضدّ أعداء، واضحٌ ما هو منهجهم، هبّ هؤلاء الإخوة لكن تخلّف عنهم من تخلّف!! هذا المشهد العاشورائيّ يوميّاً وليس في القتال وحسب، بل هو مواقف، ولعلّ في بعض الحالات تكون أصعب على الإنسان من أن يقاتل، وهذه المواقف عندما تستعرض قضيّة الحسين(عليه السلام) تجد هذه الكفّة كلّ شيء فعله الإمام الحسين مع هؤلاء لكنّهم لم يتّعظوا ولم يقبلوا!! ما هي النتيجة؟ لا سلطانهم بقى، ولا إمرتهم حصلت ولا حياتهم خَلُدت، كلّ شيءٍ انتهى منهم بلعنات التاريخ، وفي المقابل شمسٌ لا يُمكن أن تُحجب، جيّشوا الأشياء ضدّ الحسين وقالوا عنه خارجي وأنّه طالب دنيا خرج على خليفته، لكن كلّها انتهت الى وبال، وأصبح الطفل الرضيع الآن يفتح عينيه على الحسين(عليه السلام)، وطبعاً إخواني مع كلّ ما يُجيّش ضدّ سيّد الشهداء لا شكّ ولا ريب سينتهي الى فشل، ولعلّ من الأشياء التي يوفّق لها المؤمنون هو إحياء هذه المراسيم والشعائر ليس تذكيراً بسيّد الشهداء فقط، وإنّما إحياءً لنفوسنا التي مرضت والتي شربت من الدنيا والتي تكاسلت، خوفاً على نفوسنا من أن تميل الى دنياً دنيَّة، وإحياء الشعائر تذكيرٌ وجَلو للنفس فعلينا دائماً إخواني أن نستفيد من بركات هذه الشعائر والمجالس الحسينيّة، تمييزُ الفريقين دائماً لا بُدّ من التأكيد عليه، هذا ما تيسّر لنا أن نكون به في خدمتكم خوفاً من الإطالة، فالمشهدُ العاشورائيّ مشهدٌ طويل وعريض وجديد ويعيش في دمنا ويعيش دائماً معنا.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن نوفّق بمقدار ما نكون في الدنيا من أن ننهل من بركات سيّد الشهداء(عليه السلام)، ونرجو الله تعالى رجاءً غير منقطع بدعائكم ودعاء من يسمع أن نكون دائماً في رعاية سيّد الشهداء(عليه السلام)، وفي ذلك اليوم الذي يكون يوماً مهولاً علينا أن يأتينا ذلك النداء أنّنا من مقبولي الشفاعة عند الإمام الحسين(عليه السلام)، سائلين الله تعالى أن يقبل تلك الشفاعة فينا وأن يرضى عنّا وعنكم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.


النص الكامل للخطبة الثانية لصلاة الجمعة (11 محرّم 1440هـ) الموافق لـ(12 أيلول 2018م)، بإمامة سماحة السيد أحمد الصافي.

2018/09/22

افرح واحتفل... ولكن كن محترساً!

بدءً أسعَدَ الله لكم الأيّام وقبول الطاعات في ذكرى عيد الله الأكبر عيد الغدير الأغرّ، وهو العيدُ الذي يحتفل به المسلمون جميعاً بعد أن بيّن النبيّ(صلّى الله عليه وآله) أنّ في هذا اليوم قد اكتمل الدين، والنبيّ(صلّى الله عليه وآله) بلّغ ما بلّغ أمام مشهدٍ مهيب من أيّام الحجّ، بلّغ بعد أن أمره الله تبارك وتعالى وأوضح ذلك بأوضح دلالة، ووضّح الأمر للجميع بأنّ أمير المؤمنين(صلوات الله وسلامه عليه) له ما للنبيّ، بعد أن كان النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم بيّن أنّ عليّاً(عليه السلام) أيضاً هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأيضاً في هذا اليوم اكتملت تلك الرحلة الكريمة التي نادى بها النبيّ وجاء بالقرآن العظيم الكريم على مدى ثلاثةٍ وعشرين عاماً، إذ أنّ هذه الحجّة كانت آخر حجّةٍ له (صلّى الله عليه وآله)، فإذا به بعد شهرين منها انتقل النبيّ(صلّى الله عليه وآله) الى الرفيق الأعلى الى ربّه آمناً مطمئنّاً.

ولذلك كان هذا اليوم المبارك -يوم الغدير- من الأعياد المهمّة، نسأل الله سبحانه وتعالى به وبمن نَصَّبَ وبمن نُصِّب وبمن شهد وحضر أن يرحمنا برحمته، وأن يجعلنا دائماً من السالكين نهج المصطفى(صلّى الله عليه وآله)، وأن نأخذ ما أمرنا به ونترك ما نهانا عنه، ولعلّ هذه الأعياد المباركة كما ورد عن لسان أمير المؤمنين(عليه السلام) -ما مضمونه- (إنّ كلّ يومٍ لا يُعصى الله تعالى فيه فهو عيد)، وكأنّ العيد مبنيٌّ على حالة من البهجة وحالة من الفرحة، والإنسان عندما يسأل نفسه، لمَ يفرح؟ يجد نفسه أنّه لابُدّ أن يفرح لشيءٍ مهمّ، وهذا الفرح هو نفسه فرح الآخرة، أنّ الإنسان يفرح في الدنيا لأمورٍ ثمّ يكون حزيناً في الآخرة لنفس هذا الأمر هذا ليس فرحاً، وإنّما هذه حالة من النشوة تعتريه في غير طاعة الله تعالى، ولذلك الإمام أميرُ المؤمنين يقول: (كلّ يوم لا يُعصى الله فيه فهو عيد)، وهذه حالة البهجة وحالة السرور هي الحالة المطلوبة أخرويّاً، الإنسان في الدنيا قد يكون كئيباً حزيناً لكنّه لم يعصِ الله فإنصافاً هو في عيد، لأنّ هذا العمل الذي تجنّب فيه الوقوع في المعصية سيُردّ عليه يوم القيامة في حالة الحبور والسرور والبهجة، لذا فإنّ حفيده الإمام السجّاد(عليه السلام) -كما سنقرأ- أيضاً يُحاول أن يبيّن لنا أنّ النقطة المهمّة في حياة الفرد منّا أن لا يخرجه الغضب عن رضا الله، ولا تأخذه الفرحة والدّعة أيضاً أن يثب على محارم الله تعالى.

الإنسان في بعض الأحيان عنده هذه الحالة، إذا جاءته مناسبةٌ حميدة جيّدة تجده يفرح، ومن حقّه في هذه الحالة أن يفرح، لكنّ الإنسان قد يتمادى، وهذا الفرح قد يُخرجه من حال الرضا لله تعالى الى حال السخط والعياذ بالله، وهذه نجدها الآن كثيرة في أوساطنا، الإنسان يفرح بمناسبةٍ ما، الإنسان يتزوّج مثلاً فهو يفرح، وأهله يفرحون، لديه مناسبات، يتخرّج مثلاً من كليّة جيّدة فأهله يفرحون، فتصيبه هذه حالة الفرح وحالة النشوة وحالة السرور فيأخذ راحته في التعامل مع هذا الفرح، كأنّ الأشياء تُباح له، سنقرأ فقراتٍ من دعاء الإمام السجّاد(عليه السلام) وهو حريصٌ علينا، على أنّ هذه الأشياء لا تخرج بالإنسان عن الطريق أو عن الجادّة السويّة، لماذا؟ لأنّ الإنسان -كما قلنا- مسؤولٌ عن كلّ تصرّفاته في حال الغضب وفي حال السرور وفي حال الرضا وفي حال الحزن، كلّ تصرّفٍ من تصرّفاته هو مسؤول عنه، وأيضاً الله تبارك تعالى يفتتننا وهذه الفتنة فتنة خير، أن الإنسان يُمحّص، أن الإنسان يُختبر.

لاحظوا ما تقدّم من كلام الإمام(عليه السلام) بعد أن بيّنا بخدمتكم بعض المفردات -أُعيد- قال: (اللهمّ صلّ على محمد وآله وارزقني التحفّظ من الخطايا، والاحتراس من الزلل في الدنيا والآخرة، في حال الرضا والغضب)، الإنسان تارةً يرضى وتارةً يغضب، الإمام(عليه السلام) دعا الله تعالى أن يوفّق الى الاحتراس، ومعنى الاحتراس -كما قلنا- أخذ الأهبة والاستعداد، أنا محترس يعني أنا متهيّئ لشيءٍ تخشى نفسي منه، فأنا محترس، الإمام(عليه السلام) يبيّن أنّ ذلك يجب أن يكون في حال الرضا والغضب، الإنسان في حال الرّضا مع مجموعة من إخوته يفرحون، فيبدأ أحدهم -مثلاً- يحكي حركات بعض الأصدقاء الغائبين من باب التندّر والتفكّه والضحك، باعتبار أنّهم في حالة رضا، هذا غير مسموح به، حال الرضا أن الإنسان لا يتجاوز حدود الآخرين، أنت ارضَ وافرحْ واجعلْ حياتك سروراً بمقدار ما تريد، لكن لا تتجاوز الحدود، حكاية فعل من أفعال الآخرين هذا فيه هتكٌ واستهزاء ويدخل في موارد عدم الرضا لله تعالى.

النقطةُ المهمّة إخواني أنّ الإنسان إذا رضي لابُدّ أن يكون هذا الرّضا هو عينُه الرضا في الآخرة، يعني لا يحزن في الآخرة على رضا في الدنيا، وكيف يحزن على رضا في الدنيا يحزن في الآخرة، لأنّ هذا الرضا في الدنيا جلب له مساوئ، والتوازن عند الإنسان مطلوب، ولعلّ بعض الآيات الشريفة تعبّر عن الإنسان بحالة الهلع (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا) وهذه حالة الهلع حالة عدم توازن، إذا كان في الخير يمسك وإذا كان في الشرّ يجزع، والتوازن أمرٌ مطلوب لابُدّ منه، مرّت عندنا روايةٌ قديماً أنّ أحدهم يسأل الإمام الصادق(عليه السلام): ما هي وصايا لقمان؟ فالإمام يبيّن وصايا كثيرة أعجبُ ما فيها، ثم يستشهد بحديث أبيه الإمام الباقر(عليه السلام): (أنّ المؤمن لو وُزن بين الرجاء والخوف، لو وُزنَ هذا ما زاد على هذا)، حالة من التوازن، الإمام السجّاد(سلام الله عليه) يُعطينا هذه الحالة -حالة التوازن- كيف؟ قال: (والاحتراس من الزلل في الدنيا والآخرة في حال الرضا والغضب)، أن الإنسان يغضب فيتعدّى على الآخرين هذه مشكلة، الآخرون أيضاً قد يتحمّلونه خصوصاً الضِّعاف، الإنسان يغضب على زوجته على أولاده وعلى من هو تحت سلطانه، فيبدأ يتجاوز على هؤلاء، هذه حالةٌ ليس فيها احتراسٌ من الزلل بل هي الزللُ بعينه، المحترس هو الذي يلتفت، أو في حالة الرضا -كما مثّلنا- يفرح لأنّه يتزوّج فتعتريه حالة من السرور لأنّ الله تعالى رزقه زوجة صالحة، لكن تعال انظرْ الى مجموعة هائلة من المفاسد وسخط الله تعالى تحدث في حالة الزفاف، لا أبٌ يردع، لا أمٌّ توجّه، لا أصدقاء أيضاً يخفّفون، ليس كلّ من تزوّج لابُدّ أن يعصي الله تعالى، إذن هذه حالة عدم الاحتراس فيها زلل، وتجد هذا يتصرّف بحركات تخرجه واقعاً عن حدود التوازن وعن احترام الناس له، لماذا؟ لأنّه في حالة فرح!!.

الاحتراس من المطالب الضروريّة وليس من فضول الدعاء والطلب من الله تعالى، لأنّ عدم الاحتراس فيه زلل فيه خذلان فيه خطايا، الإنسان يحترس من هذا الزلل في الدنيا والآخرة في حال الرّضا وفي حال الغضب، وهذا أعتقد من الأمور المهمّة، أنّ غضب الإنسان لا يُخرجه عن طاعة الله، وأيضاً رضا الإنسان بما عنده لا يُجرّئُه أن يفعل الأفعال التي لا تُرضي الله تعالى، وهذه مناسبةٌ ربطناها مع العيد، عادةً الناس في العيد تفرح، الإمام(عليه السلام) ينبّه، أن افرحْ فالنفسُ تحتاج الى طرائف الحكمة أو الترويح وهذا شيءٌ طبيعيّ، ولكن لماذا يخرج الإنسان بذلك عن سَمْت العبوديّة؟! كأنّه لا توجد حالة من الفرح إلّا بالمعصية والعياذ بالله، وهذا التنبيه مهمّ أن الإنسان يفرح ويأنس لكنّه باقٍ في ساحة الله تعالى ولا يُخرجه ذلك عن الطاعة.

ثمّ يقول الإمام(عليه السلام) ولاحظوا أنّ هذه هي النكتة من الاحتراس من الزلل في الدنيا والآخرة في حال الرضا والغضب، فقال: (حتّى أكون بما يردُ عليّ منهما -أي في حال الرضا والغضب- بمنزلةٍ سواء...) ما هي المنزلة السواء؟ (...عاملاً بطاعتك، مؤثراً لرضاك على ما سواهما في الأولياء والأعداء)، وهذا جميلٌ أنّه يكون في حالةٍ سواء، الإنسان يؤثر أن يقدّم طاعة الله تبارك وتعالى على سواها، الإنسان عادةً لا يخلو من وليّ ومن عدوّ -والعياذ بالله- لا يخلو أبداً، في بعض الحالات الإنسان مع وليّه ومع صديقه ومع حميمه يجامل على حساب الحقّ، لماذا؟ خوفاً على هذا الحميم والوليّ أن يبتعد عنه، فيُحاول أن يجمّل كلّ ما يفعل حفاظاً عليه، حتّى وإن أدّى ذلك -والعياذ بالله- الى أن يتحمّل معصيته لله تعالى، بأن يؤثر رضا هذا الوليّ على رضا الله تعالى، وهذا شائعٌ وكثير، وأمّا بالنسبة لعدوّه أيضاً يُحاول أن يثلب هذا العدوّ بالحقّ أو بالباطل، في حال الغضب تخرج منه أشياء في حقّ هذا العدو، وقد يكون العدوّ بريئاً منها، كأن يتّهمه في عرضِه، يتّهمه في دينه، ولعلّها عداوةٌ دنيويّة، ويتّهمه في أمواله، ولعلّ هذا العدوّ لا تكون عنده هذه الأشياء، نعم.. هو عدوّ له لكن أيّ علاقةٍ لعِرضِه به؟! هذه حالةُ الغضب تُخرج الإنسان من هذه الحالة الى حالةٍ أخرى، ولعلّنا تكلّمنا في بعض ما تكلّمنا به عن الغضب سلباً، ينقلب الإنسان من كونه صاحب حقّ الى أنّه صاحب باطل، وهذا اللسان لو تُرِك وشأنه لأورد صاحبه المهالك، والجوارح كلّ يومٍ تنادي وتتوجّه للّسان بما مضمون الرواية (الله الله فينا)، والناس واقعاً لا يوقعهم إلّا حصادُ ألسنتهم.

فالإمام(عليه السلام) يقول حالةُ الغضب وحالة الرضا هي بمنزلةٍ سواء، لا أتجاوز على عدوّي ولا أُجامل صديقي، باعتبار هي حالة سرور وأبقى أنا أجامله على طاعة الله تبارك وتعالى -والعياذ بالله-، عبارةُ الإمام جدّاً واضحة، قال: (حتّى أكون بما يردُ عليّ منهما بمنزلةٍ سواء، عاملاً بطاعتك مؤثراً -أي مقدّماً- لرضاك على ما سواهما في الأولياء والأعداء)، نكتةُ ذلك قال: (حتّى يأمنَ عدوّي من ظلمي)، التفتوا الى هذه القضيّة أحبّتي أودّ أن أعرضها عليكم بعجالة (حتّى يأمن عدوّي من ظلمي وجَوْري، وييأس وليّي من ميلي وانحطاط هواي) يعني أميل لوليّي، والهوى عادةً رغباتُهُ خلاف الحقّ فعبَّرَ عنه الإمامُ بالانحطاط، ثمّ قال: (واجعلني ممّن يدعوك مخلصاً في الرّخاء دعاءَ المُخلصين المضطرّين لك في الدعاء إنّك حميدٌ مجيد) هذه نهاية الدعاء وهنا نكتة أحبّ أن أعرضها على الإخوة هي محلّ ابتلاء وأغلب الإخوة لعلّه يُبتلون بها، يقول: (حتّى يأمنَ عدوّي من ظُلمي وجَوْري) التفتوا الى هذا المطلب الذي أُريد أن أبيّنه.

ما معنى الظلم؟ الإنسان فقط يقول: فلان ظلمني؟! معنى الظلم هو سلبُ الحقّ، يعني أنا أملك حقّاً وجاء فلان سلبني هذا الحقّ أو منعني هذا الحقّ، حقّي عنده وهو منعني إيّاه، فيُعبّر عنه أنّه ظالم، فلان ظلمني وعندما يحتكم أوّل شيءٍ يُسأل عنه: ما هو حقّك حتى يُعطيك إيّاه؟ إذا كان لا يملك حقّاً لا يتحقّق الظلم، الآن بعض معاملاتنا يُتعارف بها بعضُ الشيء العجيب الغريب، مثلاً فلان استأجر دارا ً لمدّة سنة أو سنتين أو ثلاث في مقابل مبلغٍ من المال، انتهت السنة انتهت السنتان انتهت الثلاث وهذا لا يخرجُ من الدار، هناك مصطلحٌ لا أعلم من أين جيء به أو مَنْ جاء به، وهو أنّ المستأجر يقول لصاحب الدار: أرضِنِي!!، واللطيفة أنّ هذه العبارة أصبحت متعارفة فتأتي جماعةٌ ليُصلحوا الطرفين فتقول: أرضِهِ!! يعني ماذا أفعل لأُرضيه؟! الدارُ الداري وهو استأجرها لثلاث سنين وانتفع منها مقابل مالٍ، وانتهت الثلاث سنين فعليه أن يخرج، فيُحاول صاحب الدار أن يأتي بجماعة فيقولون له: أرضِهِ حتى يخرج!!، هذا الرضا هو عبارة عن سُحْت وأكلِ مالِ بالباطل وباطل وباطل، وكلّ من يسعى الى هذه النكتة أيضاً هو باطل، أيّ حقٍّ يملك؟! هذا الذي جلس ثلاث سنوات أيّ حقٍّ يملك؟! أُرضيه على أيّ شيء؟! لأنّ صاحب الدار مستضعف، أصبحت هذه سنّة والناس تجلس وتتباحث بها، أو شراكةٌ في شيء والحقّ أبلجٌ وواضح، الحقّ ليس لزيدٍ من الناس أيضاً يقولون: أرضِهِ!! هذه اللفظة (أرضِهِ) الإنسان مسؤولٌ عنها، تارةً يقول أنت تعامل معه بأخلاق نعبّر عنها بعض الأخلاقيّات الاجتماعيّة، هو لا يملك الحقّ لكن القضية من باب أنا أريد أن أجعل يدي أعلى منه هذا شيء آخر، أمّا أنت أرضِهِ وإذا لم تُرضِهِ لا يخرج من البيت، وإذا لم تُرضِهِ لا يعطي الحقّ، وتجد أنّ بعض أهل الباطل لا عمل ولا شغل لهم إلّا السعي إزاء هذا في مقابل ما يستفيدون من مالٍ سُحْت يقع في جيوبهم.

إخواني معنى الظلم أن يوجد حقّ ثمّ أسلب هذا الحقّ أو أمنع هذا الحقّ، هذه نقطةٌ مهمّة التفتوا لها، أوّل سؤال لابُدّ أن يُسأل: ما هو حقُّك؟ حتى أبدأ بيني وبين الطرف الآخر أُرجع الحقّ، تارةً تعنّت وتكبّر وتسلّط وتجبّر الى حيث، وتارةً يوجد حقّ فيجلس مجلس الصلح، الآن الناس الحقوق فيما بينها اختلّت التوازنات، الناس كلّما ابتعدت عن الشرع وقعت في ظلمٍ وحيص بيص ولا ينتهون منها، وهذه قضايا مهمّة، في بعض الحالات بالعكس، -التفتوا- بعض القضايا بالعكس هناك حقوق فلان يتنازل عن حقوقٍ هي ليست له أيضاً لا يحقّ له، صاحب الحقّ هو من له أن يتنازل، أنت عمّ أو خال وهذه حقوق أولاد أخيك أو أولاد أختك ليس لك حقّ أن تتنازل عنها وهم صغار، تنازل عن حقّ الكبير فالكبير هو من يتنازل أو الكبير يفوّض من يتنازل عنه، أمّا أنّه أنت تتنازل لأنّك استحييت من فلان أو أنّ هذا هو المتعارف عليه فذلك بئس التعارف، هذا يأكل حقوق الآخرين هذا ليس تعارفاً هذا دينٌ آخر، الناس -ما شاء الله- في الدين كلّ يوم تجتهد وكلّ يوم تأتينا ببِدْعة، (إعرف الحقّ تعرفْ أهله) الإنسان إذا كان لا يعرف الحقّ عليه أن يتعلّم لا أن يجتهد من نفسه، (قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) ولذلك إخواني هذه مسائل كبيرة تؤثّر على الأرزاق وعلى المواليد وعلى كلّ ما له علاقة بوضعنا العامّ، تؤثّر خصوصاً إذا شاعت، وعلى عقلاء وكبار القوم أن يلتفتوا خصوصاً في النزاعات، بل على الذين يعلمون أنّ ذهابهم في النزاع سيؤدّي الى طمس حقّ أو أكل مالٍ بالباطل يجب عليهم أن لا يذهبوا ولا يُكثروا سواد الباطل، نعم.. إخواني هذه قضايا كبيرة، المشكلة عندما تشيع تسهل، أنا لا يهمّني من يقول: تعوّدنا على ذلك وورثناها أباً عن جدّ، هذا ليس شأني إنّما هذا شأنك أنت، وأجب الله تعالى يوم القيامة بذلك، أمّا القضايا الحقيقيّة شرعاً هذا الذي بيّنت مع تفاصيل أخرى محرّرة عند الفقهاء، فعلى الإخوة أن يفهموا هذه الكلمات كثيراً ما تُطرَق، أكَلَ حقّي! أيّ حقّ؟ ويشيع ذلك، وعندما ترجع تجده هو صاحب الباطل، نعم.. ضُلّل أو أضلّه من يريد أن يُضلّل لغاية، هو يريد أن يستفيد منه أو هو لا يعرف الحقّ أو هو يعرف الباطل أو هو يريد أن يتكبّر على الحقّ لا أعلم، فالنوايا الله العالم بها، لكن أنا أتكلّم مع ظاهر مسألة شائعة كثيراً ولها مصاديق واسعة جدّاً.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنّبنا وإيّاكم أكل الحقوق، وأن يُرجع الحقوق الى أهلها، وأن يجعلنا من الذين يحترسون في الدنيا والآخرة، ويحترسون أيضاً في حالة الرضا وحالة الغضب، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعفو عنّا ويرحمنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّدٍ وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

*النص الكامل للخطبة الأولى من صلاة يوم الجمعة التي ألقاها وكيل المرجعية العليا السيد أحمد الصافي في الـ 31 أغسطس/ آب

2018/09/01

وكيل المرجعية العليا: شبابنا في خطر

تكلّمنا في جمعةٍ سابقة وأسبق حول موضوعٍ يتعلّق بالتعلّم وبالثقافة، وهذا الموضوع -كما ذكرتُ في محلّه هناك- من المواضيع المهمّة التي تستوجب منّا أن نقف ونتأمّل، لنرى ما هي الحدود الدنيا التي يُمكن للإنسان أن يحصّن نفسه فيها، طبعاً سبق أن تكلّمنا في مطلبٍ سابق ما يتعلّق بموضوعٍ عبّرنا عنه بموضوع "البصيرة" وهي غير التعلّم، الإنسان يُمكن أن يكون متعلّماً لكنّه قد لا يتمتّع ببصيرة، وحتى لا يختلط كلامُنا تكلّمنا عن موضوع البصيرة سابقاً ولعلّنا نحتاجه في ما يأتي، قد نتكلّم عنه أيضاً في حينه، لكن ما يتعلّق الآن بمستوى الثقافة وسأتكلّم مع الإخوة بشكلٍ شفاف -كما يُقال-.

من الواضح أنّ هناك مستوى من التدنّي في الثقافة عندنا، وأعني بمستوى الثقافة عندنا هي حالة التحضّر، الإنسان عندما يكون مثقّفاً ومتحضّراً يتعاطى مع الأمور بطريقة تحفظ فيها حقّ الطرفين، وهذه القراءة ليست قراءة شخصيّة وإنّما ناشئة من إطلالة على كثيرٍ من مواردنا، حتّى مواطن التعلّم التي عندنا، فالبعض يقول هناك أسباب كثيرة، نعم.. أنا أوافق أنّ هناك أسباباً كثيرة أودت بحالة التعلّم والثقافة أن يهبط مستواها في العراق، مع أنّ العراق ليس كذلك وهذا قد ذكرناه سابقاً.
يعني أنّ العراق ليس بلداً متطفّلاً على الحضارة وليس بلداً حديثاً، بل جذور البلد وحضارة البلد قديمة، ونحن أيضاً لا نريد أن نُصاب بغرور الاتّكاء على حضارةٍ سابقة فهذا أمرٌ غير صحيح، إنّما عندما نذكر ذلك نريد أن نحمّل الجميع مسؤوليّة الحفاظ على هذه الثقافة بالحدّ الأدنى، ولعلّ بعض الأمور قد يُراد لها أن تكون في خانة الجهل، لماذا؟ تعلمون أنّ هناك نُفرةً بين العلم والجهل، أهلُ المنطق تارةً يقولون عنها: علاقةَ تضادٍّ أو علاقةَ عدم وملكة -باصطلاحاتنا الخاصّة-، لكن بشكلٍ واضح للجميع إنّ هناك نُفرةً، العلم يأبى ويرفض الجهل، والجهلَ يرفض العلم كذلك.
لذلك في المناقشة عندما تُناقش جاهلاً سوف يغلبك، تصبح حالة العناد وحالة عدم وجود مشتركات بين الطرفين، الجاهل يغلب العالم في المناقشة، لأنّه لا يريد أن يتعلّم، وتارةً جاهلٌ بسيط هو يسأل يقول: نعم.. أنا لا أعلم علّمني أريد أن أتعلّم، هذا سيستفيد وتتحوّل حالة النقاش الى حالةٍ إيجابيّة.
-لاحظوا إخواني- كلّما زاد الوعي ضعُف الدّجلُ وضعُفَ الدجّالون، فالدجّال أين يجدُ سوقه؟ الدجّال يجد سوقه عند الجهلة، وتكون سوقه رائجةً في مواطن الجهل، والدّجل بحسبه فأنا أتكلّم عن أصل الفكرة، في أيّ علمٍ هذا الدجل إنّما هذا يتطفّل عليه، لأنّه ليس منه فيدجّل على الناس بأيّ علم، فكلّما زاد الوعي قلّ هؤلاء الدجّالون، وكلّما جاء العلمُ ذهب الجهل، الجهلُ يتوطّن في موارد ليس فيها علم وليست فيها ثقافة رصينة.
البعض قد يسأل: ما حاجةُ هذا الكلام الآن؟! أقول: حاجة هذا الكلام الآن أكثر من حاجتنا الى الأكل والشرب، طبعاً في بعض الحالات أنا أعتمد على شخصٍ -مثلاً- خرّيج جامعة، أنا يُفترض -في ذهني- أنّي عندما أقابل هذا -خرّيج الجامعة- أن أجده يتمتّع بثقافة جيّدة حتّى أستطيع أن أأخذ وأعطي معه، وإذا هو من الصعوبة عليه بالإمكان أن يكتب اسمه، أنا لا أتكلّم بمبالغات، من الصعوبة بالإمكان أن يكتب قطعةً نثريّة إذا لم تكن مملوءةً من الأخطاء النحويّة والإملائيّة، فإذا كان هذا بهذا المستوى فكيف سيكون في مستوياتٍ أخرى هو بعيد عنها؟!! فمن الطبيعيّ أن يصدّق أيّ فكرةٍ تتسرّب اليه تربويّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة أو سياسيّة، أيّ فكرةٍ سيصدّقها لأنّه غير محصّن.
هذا الشابّ الذي هو الأمل، وواقعاً أنا عندما أذكر أبناءنا وإخواننا وشبابنا حتى الذين هم في ريعان الشباب، عندما أقول هؤلاء الأمل واقعاً نقصد ذلك، لكن والله نتأذّى عندما نرى هذا الشابّ يسهرُ ليلَه على مواقع لا تُسمن ولا تُغني من جوع، ويكون إنساناً كسولاً، أنا أقول له: يا بنيّ الشمسُ لا تشرق إلّا على الكُسالى، فغيرُ الكسول يصحو قبل شروق الشمس، فهو لديه عمل ووراءه بيت أو معمل أو بلد ووراءه أمورٌ كثيرة، لا تتعمّد أن تكون كسولاً.
هذه الفتوّة أنت مسؤولٌ عنها، وأنا لا أتكلّم -إخواني- دينيّاً فقط، فالبلد يحتاج هذه الطاقات، والأسرة تحتاج هذه الطاقة، أينما تكون في أيّ محلّ تحتاج هذه الطاقة، وقديماً قيل في أيّام الدراسة الابتدائيّة (العقلُ السليم في الجسم السليم)، إذا كان هذا الجسم عبارة عن حالةٍ من التراخي والهزال فهو خلاف الطبيعة، أنتم -أبناءنا- تتصرّفون خلاف الطبيعة، الليلُ للسكن وللراحة والنهار للعمل فلا تقلبوا الحالة وتجعلوا الليل للسهر، وعلى أيّ شيءٍ تسهر؟! والله ستندم طوال عمرك لأنّك تقول: إنّي قتلت الوقت، وأنا أقول لك: إنّ الوقت قتلك أنت لم تقتل الوقت بل الوقتُ قتلك، أيّ ثقافةٍ ستحصل عليها؟! وأيّ رؤية ستكون عندك؟! أنا حريصٌ -بيني وبين الله، وسيُحاسبني على هذا الكلام يوم القيامة- أنا حريصٌ عليك يا ولدي أن تكون في ذروة النشاط وأنت لا تفقه شيئاً، لا تصحو إلّا في نهاية النهار!! أنت أشدّ من الكسالى، دونك هذه الطيور والمخلوقات فتعلّمْ منها، النهار لشيء والليل لشيء آخر ومن يقول لك عكس ذلك فهو يكذب عليك، يُراد لشبابك أن يتدمّر وينتهي، فالعمر -يا ابني- عمرٌ لا يتحمّل، الإنسان سرعان ما يرى نفسه في المرآة قد شاب -من الشيبة- وابيضّ شعرُه ولحيته وذهب عمرُه، الأسرة تريد منك والمجتمع يُريد منك والبلد يُريد منك، فبهذا أنت ستتثقّف بثقافة هجينة وثقافة غير أصيلة وستكون وبالاً، فالتفت الى مصدر ثقافتك، أجملُ شيءٍ عند الإنسان عقلُه فاختر المعلومة التي تنضّج العقل، فكما أنت حريصٌ على الأكل النظيف لابُدّ أن تكون أحرص على الثقافة النظيفة فلا تشوّش عقلك.
مجتمعنا وآباؤنا أنا أتكلّم مع المدرّسين مع الآباء مع الإخوة الكبار، أتكلّم مع كلّ من له همٌّ على أبنائنا، أنت كنت شابّاً أيّها الأب فتحسّ بما يحسّ به الشاب، الشابُّ لم يكن أباً فقد لا يحسّ فيحتاج الى إيقاظ، أبناءنا رجاءً اسمعوا وعوا هذه الثقافة فأنا -والله- عندما أقرأ لبعضهم أنا أخجل!! شابٌّ في الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين وهذا عمرٌ تُتحدّى به الجبال، الآن هذا الشابّ هزيل وضعيف وعقله في استراحة، لا أعلم من الصاحب الذي أقنع هؤلاء الشباب أن يتركوا عقولهم ويلجأوا الى هذه التفاهات!! أنتم -أبناءنا- سواءً في الجامعات أو الإعداديّات أنتم ذخيرة ولابُدّ أن تفهموا ماذا يُراد منكم والتفتوا الى ماذا يُراد بكم.
هذا بلدُنا فيه هذه الطبقات من الأطفال والشباب والشيوخ، والشباب اليوم في خطر -إخواني- وهذا الخطرُ خطرٌ ثقافيّ، قد أدخل في بعض المصاديق ربّما إذا أبقانا الله سبحانه وتعالى، فبعض التفاصيل مرعبة بمعنى الكلمة، فعلى الأيادي النظيفة أن تتلقّف هؤلاء الشباب على أن يعوا دورهم ويعوا مسؤوليّاتهم، فالشباب لديهم قدراتٌ كبيرة فليُحسنوا استخدامها بالشكل الجيّد، -أُعيد أبنائي- الشمسُ لا تشرق إلّا على الكُسالى فلا تكن كسولاً، اصحُ قبل الشمس قطعاً ستجد الحياة أمامك بهذه الروحيّة والطمأنينة والقوّة ستكون شيئاً آخر.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُرينا في أبنائنا والجميع كلّ خير، وأن يحفظكم جميعاً ويحفظ متعلّقيكم، ويُبارك بكلّ جهدٍ، اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، تابع اللهمّ بيننا وبينهم بالخيرات إنّك مجيبُ الدعوات، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

*النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة الجمعة التي ألقاها وكيل المرجعية السيد أحمد الصافي في الـ 31 آب/ أغسطس

2018/09/01

2018/08/26

ممثل المرجعية يحذر من الاستخدام «المفرط والسيء» لمواقع التواصل الاجتماعي

ايها الاخوة والاخوات نعرض على مسامعكم الكريمة الأمرين التاليين :
الأمر الاول: 
لا تزال تتواصل شكاوى المواطنين الكرام في محافظة البصرة العزيزة حاملة شديد معاناتهم من النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب وعدم صلاحية مياه الاسالة حتى للاستحمام ونحوه من الاستخدام البشري، وقد نتج عن استعمال بعض المواطنين للمياه الملوثة اصابة العديد منهم بالتسمم وبعض الامراض الجلدية، وعلى الرغم من المناشدات المكررة من المرجعية الدينية ومن جهات اخرى الا ان الجهود المبذولة لتحقيق حلٍّ لهذه المعضلة ولو بصورة مؤقتة لا تزال دون حدها الادنى.
انه لمن المؤسف جداً ان لا تجد هذه الازمة الانسانية – الى اليوم- الاهتمام المناسب لها من قبل الجهات الحكومية المختصة، التي لا تُحسن الا توجيه بعضها اللوم الى البعض الآخر وتحميله مسؤولية التقصير في هذا الملف.
ان الواجب الانساني والوطني والشرعي يحتّم على الجهات والدوائر المعنية ان تتعاون وتنسّق فيما بينها من اجل وضع حد لمعاناة أهلنا في مدينة البصرة الكريمة وايجاد حل مناسب وسريع لمشكلتهم وهو امر ممكن لو توفرت الارادة الجادة والنيّة الصادقة والاهتمام الكافي لدى المسؤولين في الحكومتين المركزية والمحلية وتحركوا بروح الفريق الواحد واتخذوا قرارات حازمة وعاجلة بعيداً عن الاجراءات الروتينية والتنازع في الصلاحيات بين الدوائر المختلفة.
الأمر الثاني: 
فيما يتعلق (بمنظومات التواصل الاجتماعي الالكترونية وآثارها الاجتماعية والاخلاقية على الفرد والمجتمع) فنذكر مقدمة في هذه الخطبة ونترك التفاصيل الى الخطبة القادمة ان شاء الله تعالى.
فنقول: 
من الظواهر المجتمعية التي سادت مجتمعاتنا في الأزمنة الأخيرة هو الادمان على استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وسوء الاستخدام لها (أي الاستخدام المفرط وغير المنضبط بالضوابط الشرعية والاخلاقية) حتى أصبح عند الكثير من ضروريات الحياة التي لا ينفك عنها الصغير والكبير والرجل والمرأة وأصبح ملازماً للإنسان في كل مفاصل حياته ولها دور أساسي في صياغة الكثير من المواقف العقائدية والثقافية والآراء السياسية وتلقّي العادات والتقاليد وتكوين الآراء والانطباعات الاجتماعية وتمتلك تأثيراً قوياً على الجوانب النفسية والعاطفية والاخلاقية.
وتُعدّ من العوامل الأساسية في حياتنا بصناعة القرار واتخاذ المواقف وتبني الآراء المختلفة.. وباتت هذه الأجهزة متاحة للجميع حتى الاطفال مما تشكل عاملا ً خطيراً في التنشئة الاجتماعية والثقافية والنفسية وصياغة الآراء والأفكار والعادات والتقاليد وأصبحت تهدّد الامن الاجتماعي والاخلاقي والسياسي للفرد والمجتمع اذا لم يتم ترشيد استخدامها.
ولاشك ان لهذه المنظومة دوراً ايجابياً كبيراً – لو أحسن استخدامها ووظفت لمصالح الفرد والمجتمع في مختلف جوانب حياته- حيث انها سهّلت التواصل الاجتماعي البنّاء وازالة الحواجز الزمانية والمكانية بين افراد الاسرة وبين ابناء المجتمع الواحد والمجتمعات المختلفة والاطلاع على المعارف الانسانية المختلفة وثقافات الشعوب الاخرى وتبادل الآراء والأفكار بسهولة وبسرعة بالغة.. وكذلك نقل المعلومات والاخبار..
ولكن الملاحظ – أيضاً- كثرة وشيوع استخدامها وتوظيفها السلبي في الكثير من مجالات الحياة و منها نشر الأفكار المنحرفة وترويجها والتواصل الاجتماعي السلبي بإقامة العلاقات غير المشروعة دينياً واخلاقياً وهتك الحرمات وتضليل الاخرين وهدم العلاقات الاجتماعية الواقعية بسبب كثرة استخدام العالم الافتراضي وابعاد الفرد عن جوه الاجتماعي العام والاسري واقامة علاقات خارج اطر العلاقات الاجتماعية التي شرعها الشرع والقانون والعرف الاجتماعي مما ادى الى تفكك الكثير من الاسر وانفصال الازواج عن بعضهم وتعرض الفرد الى حالات من العزلة عن واقعه الاجتماعي والاكتئاب والقلق والاضطراب النفسي حتى أصبح استعمال وتوظيف هذه المنظومة سلاحاً ذو حدين خطيرين.. 
ونجد للأسف ان الرائج في استعمالها هو التوظيف السلبي لهذه المنظومة.. ولذلك لابد من توعية الفرد والمجتمع للآثار السلبية الاجتماعية والاخلاقية والسياسية للتوظيف غير الصحيح لهذه المنظومة وتقديم التوصيات اللازمة والتي تصب في محاولة تغليب الاستخدام الايجابي والبناء وهي كثيرة..
والذي يعنينا بصورة اساسية هو توضيح الآثار السلبية للاستخدام غير المنضبط لهذه المنظومات من باب التحذير والتنبيه للمخاطر الكبيرة ان لم يكن هناك حدود وضوابط يلتزم بها لهذا الاستخدام..
وسنبين ان شاء الله تعالى في الخطبة القادمة ما هي هذه الضوابط وما هي هذه الحلول..
نسأل الله تعالى ان يوفقنا لمراضيه وان يجعل ان شاء الله ايامنا ايام طاعة واخلاص لله تعالى وان يجنبنا معاصيه وان يمنّ على بلدنا وبلدان المسلمين جميعاً بالأمن والاستقرار انه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

*النص الكامل لخطبة صلاة الجمعة التي ألقاها سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (اعزه الله) في الـ 24 أغسطس/ آب 2018

 

2018/08/25

المرجعية العليا: هناك سياسة لتجهيل المجتمع

اخوتي اخواتي.. تكلمنا سابقاً عن موضوع من يتصدى للخدمة وذكرنا بعض الامور المتعلقة بذلك، ثم ذكرنا الغضب وآثارهُ الايجابية في إحقاق الحق.

الآن نتكلم عن موضوع مهم ايضاً ألا وهو موضوع الثقافة بمعناها العام أو ثُقل التعلّم.

التعلّم بالحد الأدنى لا شك هو من موارد الحصانة وموارد وضوح أو إيضاح الرؤية، ان الانسان اذا كان يتمتع بثقافة معينة بالحد الأدنى منها هذه الثقافة ستقف حاجزاً بينه وبين ما يقع فيه من خديعة او ما يقع فيه من خروجه عن الطريق الصحيح وعادة ما يتسرّب الخراب لأي مجتمعٍ عن طريق الجهل، والجهل حالة مقيتة جداً، في أي مجتمع صغير او كبير، اُسرة اذا كان رب البيت جاهلا ً بما يُدير اسرتهُ فهذا الجهل لا يصل بالأسرة الى شاطئ الامان.. في مصنعٍ في معملٍ.. وكلّما كبرت هذه المساحة كلما الاثار كانت أكثر، ولذلك سأفتح المطلب بعض الشيء والكلام هو كلام اجتماعي.

 

ان الانسان من أين يستقي معلوماته يعني من أين يتثقف ومن أين يرتقي ومن اين يتعلم؟! لابد من وجود مصادر موثوق بها حتى يتعلم الانسان وهذه المصادر الموثوق بها في كل زمان ومكان هي واضحة، نعم تحتاج الى بعض التعب من الذي يريد ان يتعلم ومن الذي يريد ان يتثقّف لكنها عادة ً غير معدومة.

من المسؤول عن التثقيف؟

الانسان اذا حصّن نفسهُ بالتعلّم بالحد الأدنى.. طبعاً هو الحد الأعلى مطلوب لكن اقول بالحد الأدنى يعني الممكن فإنه سيقف حائلا ً أمام انهيار نفسهِ، الجهل دائماً ما يتدرّع بل يشجّع عليه من لا يريد خيراً بأحد.

اذكر مثل بسيط وهذا المثل لا يعني القدح بأحد، طبعاً الطب من المسائل المهمة وطب الابدان مهم جداً لكن قد تجد طبيباً يُتعب نفسه مع المريض الغرض منه حتى يعطي ثقافة طبية للمريض فالمريض إذا تثقّف ثقافة طبية ستقلّ مراجعتهُ للطبيب لأن كثير من الاشياء سيعتني بها، لكن سنحصل على مريض او شخص قلّما يتمرض، وتارة طبيب يتأذى اذا كان المريض يتثقف طبياً! بقاء المريض على جهله بالنسبة له أفضل لأنه اذا بقي على الجهل ممكن ان يستفيد منه لفترة أطول.

انا اقول هذه حالة ولا أتكلم عن الطب ارجو ان يكون كلامي واضحاً.

في أي مجتمع من المسؤول عن التثقيف؟ هل هناك جهة مسؤولة سياسية اقتصادية منظمات مجتمع مدني أي شيء.. ومن المسؤول عن ثقافة الفرد؟

انا كفرد ايضاً مسؤول عن تطوير نفسي وتطوير قابلياتي، لكن انا عندما لا استخدم قابلياتي بالاتجاه الصحيح سأحصل على ثقافة عرجاء هشّة وسأنقل هذا الجهل الذي أعتقده علم انقله الى الاخرين.

طبعاً بعض ابنائنا وهذا جيلنا -عَلِمَ الله من باب الحرص الاكيد عليهِ- عندما تتكلم مع بعضهم ترى فوضى في ذهنه ومُخهِ لأنه يعتمد على ثقافات ليس معلوماً منشؤها! هذا يفتح بعض المواقع او مواقع التواصل ويأخذ المعلومة يعتبرها رأس مال حقيقي بيده وعلى ضوئها يتصرف وينقل ما فيها الى الاخرين وهذا ليس من الحكمة.

والانسان عَلِمَ الله اخواني وهذا شيء خاص بِنا عندما نتكلم هذه الخطبة الاولى او الثانية لا يفرق المهم اصل الكلمة.. الانسان كثيراً ما يراجع نفسه ويخاف لأن أي كلمة من الكلمات مسؤول عنها الانسان يوم القيامة.. وقفوهم انهم بالمعنى العام، (ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنهُ مسؤولاً)، حرص على ابنائنا هذا العقل الذي عندك احسن استخدامه في ان يوصلك الى مراحل رُقي كبيرة كُن متعلماً واعرف مصدر المعلومة لا تكن امعّة تردد ما تقرأ وتنقل ما تسمع.

العراق مجتمع متنور

انا لا اريد ان ادخل في مسائل اخرى لكن واقعاً هناك سياسة او طريقة في حالة من التجهيل وعدم الوعي كأنه هناك استلذاذ ببقاء سطحية الثقافة على هذا المستوى والمتعلم اذا تعلّم أكثر ستظهر لهُ حقائق ويرفض كثير مما يُقال لهُ لكن ابقائه على هذا المستوى أنفع لآخرين، العراق مجتمع متنور ومجتمع أصيل، ثقافة شبابنا لابد ان ترتقي ولابد ان نتعلم علماً حقيقياً، الجَهل مدعاة لنفوذ كثير من الامور والناس قد لا تلتفت.. اقرأوا التاريخ جيداً وسترون ان هناك مسائل جمّة نشأت بسبب الجهل.. الجهل مرض اخطر من المرض الجسدي.. ولذلك عندما تسمع بعض كلام ابنائنا عندما تلتقي عندما تسأل وتشاهد بعض اساليب نقل المعلومة واقعاً تُصاب بإحباط حالة من الجهل اشبه بالتفشي..!!

طبعاً انا لا اقول هذه مسألة أحد ابداً الكل مسؤول عنها انا وانت واجهزة الاعلام والاسرة والاب وهي ليست مسألة سياسية هي مسألة اجتماعية لكن هذه المسألة الاجتماعية عندما تتسع تكون خطرة..

العراق شعب متنور وشعب متحضر يفهم فيه عقول نيّرة.. الافراد والاسر والنساء والرجال والاباء الكل عليهم ان يستثمروا في ان نرتقي بالمجتمع علمياً ان ترتقي هذه الطبقة من الشباب ترتقي علمياً ويفهم الامور بواقعية لا أن ينقل ويقول، شخصية الانسان تظهر من خلال منطقهِ..

جلس أحدهم عند حكيم فقال له الحكيم: تكلّم لأراك.. أعرف وزنك من خلال كلامك..

المعلم مسؤول المدرس مسؤول الطالب الذي يبلغ من العمر شيئاً يشعر بالحاجة الى ان تكتمل شخصيته ايضاً عليه ان يفتش عن معلومة صحيحة وعن مصدر المعلومة والا مسألة الافتراء والكذب انبياء كُذّب عليهم وصُلحاء كُذّب عليهم.. مسألة الكذب بعمدٍ او تكذب على شخص بنائها انت تصدق فينقل كذبك للآخرين وهو يحسب نفسه صادقاً يقع في مشكلة اخرى بالإضافة الى ضلالة نفسه سيضلّ الآخرين..

اعتقد اخواني هذا الموضوع في غاية الاهمية وانا لا اريد ان ادخل أكثر مما ذكرت لكن الجهل مدمّر.. الانسان اذا اراد ان يحمي نفسه ويحصّن نفسه عليه ان يتعلم بالحد الأدنى.

علمّنا الله تعالى وإياكم ما ينفعنا في الدنيا والاخرة وحفظكم الله تعالى من كل سوء اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات تابع اللهم بيننا وبينهم بالخيرات وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة يوم الجمعة التي ألقاها وكيل المرجعية العليا سماحة السيد أحمد الصافي (دام عزه) في الـ 17 آب/ أغسطس

2018/08/18

المرجعية العليا تدعو «الحكّام» إلى الشعور بالمسؤولية

 النص الكامل للخطبة الثانية من صلاة الجمعة بإمامة ممثل المرجعية العليا سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في الـ 10 آب/ أغسطس 2018 م


نتعرّف في الخطبة الثانية الى مبدأٍ اجتماعيّ وتربويّ مهمّ في حياة الفرد والمجتمع، ألا وهو مبدأ الشعور بالمسؤوليّة، هذا المبدأ في الواقع هو من المبادئ الفطريّة بل هو مبدأ ٌفطريّ ومبدأٌ مكتسب في الحقيقة، المبادئ الفطريّة التي أودعها الله تعالى في كثيرٍ من عباده، وذلك لتقدّم مقدّمة مهمّة من مهمّات التكليف الإلهيّ، الإنسان مكلّف بأداء الواجبات والابتعاد عن المعاصي والمحرّمات، وأن يكون لديه شعور بأنّه مسؤول عن أعماله وأفعاله وسلوكه أمام الله تعالى، وأنّ هناك محاسبة وثواباً وعقاباً، هذا الشعور يدفعه ويحرّكه نحو الالتزام بالتكليف الإلهي وهذا الشعور هو الذي يدفعه للنهوض بالأعباء الاجتماعيّة والمادّية تجاه نفسه وتجاه أسرته وتجاه أصحابه، وهذا الشعور هو الذي يدفعه لمراعاة نظام الحقوق والواجبات، هناك حقوق للآخرين عليه وهناك واجبات عليه، وهذه الحقوق أداؤها فيه المشقّة وفيه كلفة، كيف أؤدّي وألتزم بهذه الحقوق للآخرين عليّ وأؤدّي الواجبات التي عليّ للآخرين، لابُدّ أن يكون لديّ شعور بالمسؤوليّة، النهوض بالأمّة والارتقاء بالأمّة بالازدهار بالتقدّم بتغيير الواقع المعاشي إنّما يأتي من الشعور الحيّ بالمسؤوليّة، والالتزام بالمواثيق والوعود للآخرين إنّما يأتي بالشعور بالمسؤوليّة.
هذا المبدأ موجود عند كلّ إنسان، الله تعالى أودعه في كلّ إنسان في فطرته، نعم.. تأتي المؤثّرات الخارجيّة والبيئة تنمّي وتحفّز هذا الشعور أو تُضعف هذا الشعور، وهو موجود في أصل خلقة الإنسان لكن أحياناً لا تتوفّر البيئة التي تُحافظ على هذا الشعور وتجعله فاعلاً مؤثّراً فيضعف وينعدم وتصبح لدى الإنسان روح الاتّكال وروح الكسل والتراخي وعدم القيام بالواجبات أمام الآخرين، عدم النهوض بالمسؤوليّة أحيانا تأتي البيئة الخارجية إمّا أن تحافظ على هذا المبدأ الفطريّ أو أنّه لا يؤدّي الى إضعاف هذا الأمر الفطريّ عند الإنسان، طبعاً تنمية هذا الشعور بالمسؤوليّة له الكثير من الإيجابيّات على مستوى الفرد والمجتمع، ضعف الشعور عند الفرد بالمسؤوليّة روح الاتّكال والتواكل على الآخرين نفسية إلقاء اللوم على الآخرين يؤدّي الى مجموعة من السلبيّات الخطيرة على مستوى الفرد والمجتمع، منها حلول الفوضى: -مثلاً- أنا إنسان لا أشعر بالالتزام بالمسؤوليّة في حفظ النظام والمسؤوليّات الاجتماعيّة والفرديّة والمجتمعيّة والسياسيّة تجاه الآخرين، فيؤدّي ذلك الى حدوث الفوضى ويؤدّي الى ضياع حقوق الآخرين ويؤدّي الى تراجع الأمّة وتخلّفها واضطراب أمورها، لأنّ الفرد ولأنّ المؤسّسة لا تشعر بالمسؤوليّة بالنهوض والتقدّم بهذا المجتمع، حينئذٍ هذه الأمّة أو هذا الفرد يتخلّف ويرجع الى الوراء، لذلك يجب أن يكون لدينا هذا الشعور وهذا المبدأ لأهمّيته في حياة الفرد والمجتمع، وقد أكّدت الآيات القرآنيّة وهي دائماً تنبّه وتحاول الحفاظ على هذا المبدأ الفطريّ، وتؤكّد على الإنسان أنّه أنت المسؤول عن كلّ فعل وكلّ تصرّف وكلّ قول أنت مسؤول عنه، الواجبات عليك أنت المسؤول عنها ستُسجّل عليك وستُحاسب عليها وستعاقب عليها، عددٌ من الآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة تبيّن هذا المبدأ وتحاول الحفاظ عليه، الله تعالى يُقسم (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) الله تعالى يقول الجميع سوف يُسأل سواءً كانت عليه التزامات لبقيّة المخلوقين أو لا، أيضاً في آية أخرى ولاحظ التوكيد وأساليب التوكيد في هذه الآية (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) يعني نحن سوف لا نترككم، الله تعالى لا يترككم بل كلّ عملٍ يصدر منكم سوف تُسألون عنه سواءً كان كبيراً أو صغيراً.
وفي آيةٍ أخرى (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) حتى يُسأل كلّ إنسان عن هذه الأعمال التي هو مكلّف بها والتي صدرت منه، وفي الحديث المشهور لدى الجميع (كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رعيّته) ماذا نفهم من هذا الحديث؟ أنّ كلّ إنسان في هذا المجتمع مسؤول، وإنّ كلّ إنسان لديه رعيّة، تارة لديه رعيّة كبيرة كالحاكم ورعيّته الشعب، وتارة دائرة ومديرُها راعٍ والموظّفون رعيّته، وتارة مدرسة والمدير راعٍ ومسؤول عن الطلبة، وتارة عندنا ربّ الأسرة وربّ الأسرة مسؤولٌ عن أسرته وعن ما موجود داخل أسرته وعن تربيتهم، وهكذا في كلّ نواحي المجتمع الإنسان يكون مسؤولاً عن رعيّته، نحن هنا لابُدّ أن نبيّن ما هو المطلوب في الوقت الحاضر؟ من أهمّ الأمور التي يعتمد عليها الفرد والتي يحتاج اليها هي ثقافة الشعور بالمسؤوليّة، هذه الثقافة هي التي لابُدّ أن تكون الشائعة والمنتشرة بين الناس، في المقابل الثقافات الأخرى التي تنتشر أحياناً في المجتمع وتسبّب تعطيلاً لدى الفرد ولدى المجتمع، ولا شكّ أنّ المنبع الأوّل والقيمة التي تفعل لدى المجتمع ومدى شعور الفرد بتلك المسؤوليّة في حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً، الذي يؤسف له أنّ هناك ثقافات مضادّة لهذه الثقافات هي التي تنتشر في المجتمع، من جملتها ثقافة إلقاء اللوم على الآخرين وثقافة التقصير على الآخرين وثقافة الاتّكال على الآخرين وثقافة التبعيّة للغير، عدم الشعور بالثقة بالنفس والاعتماد على النفس هذه من الأمور التي تُضعف هذا المبدأ الأساسي في حياة الإنسان، لذلك نحن نحتاج أن نشيع هذه الثقافة بين أفراد المجتمع حتى ينمو هذا الشعور ويترسّخ في المجتمع، وهنا نقطة مهمّة أودّ أن أبيّنها وهي أنّ مرتبة الشعور بالمسؤوليّة والتثقيف لهذا المبدأ تختلف بحسب موقع الشخص الوظيفي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كلّما كان موقع الشخص أهمّ وأوسع في المجتمع كلّما كان هذا الشعور يجب أن يترسّخ عنده أكثر من الآخرين، فالحاكم مثلاً يجب أن تكون هذه الثقافة راسخة عنده أكثر من الآخرين، الراعي أكثر من الرعيّة، ربّ الأسرة أكثر من ابن الأسرة، بحسب موقع الإنسان في المجتمع يجب أن يكون هذا الشعور أقوى لديه.
الآن ما هي المحرّكات والمناشئ لتفعيل هذه الثقافة والمبدأ؟ في الواقع هناك عدّة محرّكات ومناشئ لابُدّ أن نحصل عليها لكي ننمّي هذا الشعور، الأوّل هو المحرّك الداخلي والفطرة السليمة والضمير الحيّ والوجدان النقيّ، هذه الأمور إن بقيت داخل الإنسان تنمّي هذا الشعور وتدفعه الى الخير والامتناع عن الشرّ، لذلك في بعض الأحيان عندما تجد إنساناً يصدر منه شيءٌ سيّئ يسأله يقول له: أسألك بوجدانك هل تقبل أن هذا الأمر يصدر؟ هذا السؤال إنّما يعبّر عن أنّ الوجدان إن كان نقيّاً والفطرة سليمة لدى الإنسان تدفعه للشعور بالمسؤوليّة عن عمله وسلوكه، والوازع الدينيّ الذي هو من أقوى المحرّكات للشعور بالمسؤوليّة باعتبار أنّ الوازع الديني نابعٌ من رقابة الله تعالى للإنسان وما يترتّب على ذلك، ومن المحرّكات التربية والتنشئة التي تبدأ بالأسرة، ابتداءً يبدأ هذا الشعور في الأسرة، الأب الذي يشعر بمسؤوليّته تجاه زوجته وأولاده وأن لا يكون متقاعساً ومتكاسلاً ومهملاً أو متّكلاً على الغير، ويتحرّك نحو الشعور بالمسؤوليّة ينمّي هذا الشعور لدى الطفل، وأيضاً من المبادئ المهمّة أن يربّي الأب الطفل على حبّ الوطن وحبّ الآخرين والشعور بمعاناة الآخرين والعطف والرحمة بمعاناة الآخرين، أيضاً في المدرسة حينما يقوم المعلّم والمدرّس بتنمية هذا الشعور لدى الطلبة، أو المدير حينما ينمّي هذا الشعور لدى الموظّف تارةً من خلال القدوة وتارةً من خلال المحاسبة والمراقبة، وتارةً يكون هو المدير المسؤول عن الشعور بالمسؤوليّة ويؤدّي هذه الوظائف على أكمل وجه، وأيضاً المؤسّسات التربويّة للمجتمع تقوم بهذا الدور على أكمل وجه.
المحرّك الآخر أيضاً المهمّ أن يمارس المجتمع دوره في المحاسبة والمراقبة، كيف يكون ذلك؟ حينما يكون لدينا إنسان له تأثيرٌ اجتماعيّ ويلاحظ على الآخرين الأخطاء ينبّههم على هذه الأخطاء، رجل الدين ينبّه الآخرين على الأخطاء، كذلك الآخرون الذين لديهم تأثير اجتماعيّ ينبّهون الآخرين إذا كانت لديهم أخطاء، أيضاً في داخل الدائرة حينما يأتي المسؤول ويحاسب الموظّف حينما يعمل حينما لا يكون لديه تقصير بالمسؤوليّة هذا أيضاً من محرّكات الشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
فقط نبيّن في آخر هذه الخطبة ما هي أنواع المسؤوليّة؟ الإنسان أوّلاً: مسؤوليّة الإنسان تجاه أسرته تجاه زوجته وأرحامه تجاه المستضعفين تجاه المساكين، المسؤوليّة المهنيّة التي تتضمّن مسؤوليّة الإنسان في إتقان العمل وإكماله، في التعاون والتضامن مع الآخرين في إكمال العمل، والمسؤوليّة الأخلاقية التي تتضمّن معاشرة الإنسان مع البقيّة ومعاشرته، والمسؤوليّة القانونية التي تشمل احترام القوانين والأنظمة والعادات والتقاليد الحسنة في المجتمع، والمسؤوليّة السياسية الأهمّ وهي مسؤوليّة الحاكم عن رعيّته وحسن إدارته لشؤون رعيّته، وتتضمّن الاستقرار والازدهار والتقدّم وخدمتهم، وأيضاً حمايتهم وصدّ الخطر عنهم والالتزام بالوعود والوفاء بالوعود التي تُقدّم والالتزام بكلّ ذلك، الالتزام لهم بالوعود الدستوريّة والوطنيّة والأخلاقية، هذا النوع من المسؤوليّة هو أهمّ من المسؤوليّات التي ينبغي لأيّ شخص في هذا الموقع أن يفي بها لرعيّته.
هذه الأنواع من المسؤوليّة إنّما تؤدّى على أفضل وجه إذا كان هناك شعور لدى هذه الطبقة بالمسؤوليّة، كما بيّنّا أنّ المسؤوليّة والشعور بالمسؤوليّة لها مراتب، ونحن نحتاج أن نبيّن ثقافة الشعور بالمسؤوليّة لا أن تشيع ثقافة اللوم والاتّكال على الآخرين دائماً، الاتّكال على الآخرين والركون الى الراحة والتعطيل ومثل هذه الأمور التي تمنع حقيقة الفرد والمجتمع من التقدّم والازدهار وما هو عليه.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لما فيه رضاه، وأن يأخذ بأيدينا الى ما فيه الخير إنّه سميعٌ مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

2018/08/11

الإصلاح الأخلاقي عند الإمام الجواد (ع)

النص الكامل للخطبة الأولى من صلاة الجمعة بإمامة ممثل المرجعية العليا سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في الـ 10 آب/ أغسطس 2018 م

أيّها الإخوة والأخوات مع اقتراب حلول ذكرى استشهاد الإمام أبي جعفر الإمام محمد بن علي الجواد الذي تصادف نهاية هذا الشهر -شهر ذي القعدة-، والإمام لقبه الجواد هو أشهر ألقابه(سلام الله عليه)، ولا بأس أن نتعرّض هنا الى بيان منهج الإصلاح الأخلاقي والتربوي لدى الإمام الجواد(عليه السلام) بذكر بعض ما رُوي عنه في هذا المجال، تعلمون أيّها الإخوة والأخوات أنّ من المهامّ الأساسيّة التي اضطلع بها الأئمّة(سلام الله عليهم) هو الإصلاح الأخلاقي والتربوي للفرد والمجتمع، وممّا رُوي عن الإمام الجواد(عليه السلام) في هذا المجال نذكر مجموعةً من الأحاديث منها (المؤمن يحتاج الى ثلاث خصال، توفيقٍ من الله وواعظٍ من نفسه وقبولٍ ممّن ينصحه)، نلتفت الى هذه الخصال الأساسيّة التي يحتاجها المؤمن لكي يوفّق وينجح في حياته الدنيويّة والأخرويّة، على رأسها هو التوفيق من الله تعالى، أي توفير مقدّمات وأسباب النجاح في الحياة الدنيويّة والأخرويّة، العبد حينما يستشعر الضعف والحاجة الى الله تعالى ويتوجّه اليه ويحاول أن يتقرّب منه ويقصد الإخلاص لله تعالى فإنّ الله تعالى يفتح له مجموعةً من الأسباب، منها أنّه يعطيه المعرفة والبصيرة بالأمور وعواقبها ومآلها، وكذلك معرفة ما يحتاج اليه في حياته، فحينئذٍ حين يرى الله عبده بهذه الصفات من التوكّل وحسن الظنّ به والثقة والاعتقاد بصفاته فإنّه ييسّر ويسهّل له أسباب النجاح في الأمور الدنيويّة والأخرويّة، فأوّل خصلةٍ يحتاجها المؤمن أن يتوكّل على الله تعالى وأن تكون لديه المعرفة بما يُصلح شأنه في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يكون بصيراً بالأمور وعواقبها وأن يوفّر البيئة الصالحة التربويّة له ولأسرته، حينئذٍ الله تعالى ييسّر له أسباب النجاح في الأمور الدنيويّة والأخرويّة، فأوّل حاجة للمؤمن هو التوفيق من الله تعالى.
الحاجة الثانية المهمّة التي ينبغي الانتباه اليها (واعظ من نفسه)، تارةً الإنسان تأتيه الموعظة من داخل النفس وتارةً تأتيه من الآخرين، من الأب من الأم من المعلّم من المدرّس من المربّي من المجتمع، ولكن الواعظ النفسيّ هو الأقوى، أوّلاً نبيّن ما المقصود بالواعظ النفسي؟ أيّها الإخوة والأخوات الإنسان يحتاج الى أربع مقوّمات في الواعظ النفسي وهي: الموجّه الداخلي والرقيب الداخلي والوازع الداخلي والدافع الداخلي أربعة أمور، الواعظ من نفسه لابُدّ أن تتوفّر فيه هذه المقوّمات الأربعة، الموجّه الذي دائماً يكون من داخل النفس، أيّها الإخوة والأخوات في داخل الإنسان هناك نوازع للخير وهناك نوازع للشرّ، تلاحظون دائماً أنّ في داخل الإنسان هناك قوّة تدفعه لعمل الخير للعمل الصالح للفضيلة وهناك أيضاً قوّة تدفعه للشرّ، هذا الموجّه إذا كان حيّاً وفاعلاً ومؤثّراً في داخل الإنسان فإنّه سيكون ملازماً له بصورة مستمرّة، وهذا الموجّه يدفعه نحو الصلاح نحو الخير نحو الفضيلة، ثمّ بعد ذلك يأتي الرقيب الداخلي أو الضمير الداخلي والوازع الداخلي الذي يُراقب ويُلازم الإنسان في رقابته لأقواله لأفعاله لسلوكه لسيرته، طالما أنّه داخلي في داخل الإنسان فإنّه معه دائماً، وهذا ينشأ -إخواني- من الشعور برقابة الله تعالى والخوف والخشية منه.
الأمر الآخر الذي نحتاج اليه هو الدافع والمحرّك الباعث كما في النيّة، معنى النيّة هو الباعث والمحرّك والمحفّز الذي يدعو الإنسان ويحفّزه نحو الطاعة وعمل الخير والعمل الصالح، هذا الدافع الداخلي حينما يكون دائماً عند الإنسان فهو دائماً تلاحظه في حال عملٍ صالح وفي عمل خير، وأيضاً الصادّ أو المانع والوازع الداخلي الذي يمنعه من الشرّ ويمنعه من الأذى ويمنعه من الإضرار بالآخرين، لذلك أيّها الإخوة والأخوات نحن نحتاج دائماً أن يكون لدينا واعظ من داخل النفس، تارةً الأب يعظني تارةً رجل الدين يعظني تارةً المعلّم يعظني ولكن هؤلاء ليسوا دائماً معي، حينما يكون الواعظ من داخل النفس من خلال توفّر هذه المقوّمات الأربعة -الموجّه الداخلي، الرقيب الداخلي، الوازع الداخلي، الدافع الداخلي- وتأتي هذه كلّها من خلال قوّة الإيمان داخل الإنسان، فالمؤمن يحتاج الى أن يكون له واعظ من داخل نفسه.
أمّا الصفة الثالثة المهمّة أيّها الإخوة والأخوات التي توفّر أسباب النجاح في الحياة الدنيا والآخرة، هي كما قال الإمام(عليه السلام): (قبول ممّن ينصحه) أيضاً التفتوا أيّها الإخوة والأخوات الإنسان مليء بالعيوب والأخطاء والعثرات والزلّات، أحياناً كثيرة لا يرى ولا يُشخّص هذه العيوب والأخطاء والزلّات والعثرات بل الآخرون هم الذين يُشخصون أكثر، وهذا يعود لأسباب منها حبّ الإنسان لنفسه فلا يرى أخطاءه وحالة الرضا والاعتداد بالنفس، أحياناً الكبرياء والاعتداد بالنفس والغرور تمنع رؤية الأخطاء والعيوب التي لدى الإنسان، من يرى أخطائي؟ من الذي يرى عيوبي؟ من الذي يرى نقائصي؟ الآخرون هم الذين يشخّصون هذه الأخطاء والعيوب والعثرات، المشكلة أين تكمن؟ أنّ الكثير منّا لا يقبل النصيحة من الآخرين، النصيحة إمّا أن يبيّن أنّ هذا خطأ هذا ذنب هذه زلّة هذه عثرة، أو هذا الطريق الذي تسير فيه يضرّك ليس في مصلحتك وغير ذلك من هذه الأمور، هذه النصيحة التي تُقدّم وتشخّص من خلالها في أحيانٍ كثيرة عيوبي وزلّاتي وعثراتي لا أقبلها أرفضها، بل أحياناً قد تؤدّي الى حالة من القطيعة بيني وبين من ينصحني، فالإمام(عليه السلام) يقول: أنت أيّها المؤمن تحتاج لكي تنجح في حياتك أن تقبل نصيحة من ينصحك ومن يُشخّص لك عيوبك وزلّاتك وعثراتك وخطيئاتك وما يصدر منك من إضرار وتقصير في حقّ الآخرين، حينما يُشخّص من قبل الآخرين اقبل به ارضَ به وتقبّل هذه النصيحة وحاول أن تُصلح هذه الأخطاء والعثرات، والمشكلة أنّ أغلبنا لا يقبل هذا التشخيص من قبل الآخرين إنّما يعتبره انتقاصاً من شأنه وحطّاً من منزلته وموقعه، لذلك لا يقبل بنصائح الآخرين فتبقى هذه الأخطاء وهذه النقائص وهذه الزلّات وهذه العثرات مع هذا الإنسان وتتراكم، لذلك الإمام(عليه السلام) يبيّن ويقول: إنّ الإنسان يحتاج أن يقبل النصيحة ويسلّم بها ويحاول أن يُصلح شأنه وأخطاءه وعثراته ونقائصه.
كذلك أيّها الإخوة والأخوات نلاحظ كيف أنّ الأئمّة(عليهم السلام) بيّنوا هذا المبدأ المهمّ، لاحظوا في حديثٍ لأحد المعصومين(عليهم السلام) عن الذي يبيّن لي ويقول لي أنت فيك العيب الفلاني فيك الخلق السيّئ الفلاني أو لديك الزلّة الفلانية الخطيئة الفلانية، الإمام(عليه السلام) يقول: (رحم الله من أهدى إليّ عيوبي) لاحظوا التعبير -إخواني-، أوّلاً الإمام يعتبر أنّ الآخر عندما يبيّن أنّ لديّ عيباً يعتبره هديّة يُقدّمها الآخر لي، ثانياً الإمام يترحّم على هذا الإنسان الذي ينصحني ويؤشّر على عيوبي وزلّاتي وعثراتي، لذلك لابُدّ أن نتعامل مع تشخيص الآخرين لزلّات الشخص وعيوبه بالقبول والتلقّي بالرضا ومحاولة إصلاح هذه الأمور، لأنّه كما ورد في أحاديث أخرى (المؤمن عينُ المؤمن ودليلُه ومرآته) يعني كما أنّني أنظر الى المرآة لأرى إن كان هناك عيب في خَلْقي حتّى أسوّي وأعدّل هذا العيب، فالمؤمن مرآة للعيب المعنويّ والأخلاقيّ والتربوي، لذلك من الصفات ومن الحقوق للمؤمن على أخيه المؤمن أن يكون عيناً له ودليلاً له لكي يُصلحه ويبيّن أخطاءه وعيوبه وزلّاته وعثراته، وعلى هذا المؤمن أن يتقبّل، ولكن نحتاج الى الأسلوب الصحيح في بيان العيوب كما ورد في بعض الأحاديث، هنا لدينا مشكلة أحياناً في كيفيّة إسداء النصيحة وبيان العيوب للآخرين يقول الحديث: (من وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومن وعظ أخاه علانيةً فقد شانه) لابُدّ لك حينما تنصح أخاك وتُبيّن له عيبه من الصعب أمام الآخرين تُظهر عيوبه تُظهر زلّاته تُظهر عثراته تُظهر خطيئاته، فهذا هدمٌ لمروءته الاجتماعيّة، أنت بينك وبينه بيّن له أنّ فيك العيب الفلاني فيك الصفة السيّئة الفلانية، لذلك الإمام(عليه السلام) يبيّن لنا أسلوب النصيحة التي تجعل الآخرين يتقبّلون هذه النصائح.
ومن جملة الأحاديث الأخرى التي تنفعنا في تحمّل مشاكل الحياة وابتلاءات الحياة ومحن الحياة الكثيرة ما ورد أيضاً عن الإمام الجواد(عليه السلام): (كيف يضيعُ مَن اللهُ كافلُه، وكيف ينجو مَن اللهُ طالبُه، ومَن انقطَعَ الى غير الله وَكَله اللهُ اليه، ومن عمل على غير علمٍ أفسد أكثر ممّا يُصلح) أيّها الإخوة والأخوات الكثير منّا يمرّ بأزمات يمرّ بمشاكل يمرّ بامتحانات كثيرة، كأن يُبتلى بحاكم ظالم يُبتلى بفقر بمرض بأزمة بمشكلة بمحنة في الحياة، كيف نواجه هذه المحن والمشاكل والأزمات ونتغلّب عليها؟ ونستطيع أن نطوي مسيرة الحياة بنجاح من دون فشل؟ نحتاج هنا الى العقيدة الصحيحة وهي التوكّل على الله تعالى وحسن الظنّ به، بمعنى آخر أنّ الله تعالى لا يألو إلّا خيراً وفضلاً ورحمةً ولطفاً بعباده وهو أعلم بما يُصلحهم، حينئذٍ حينما تترسّخ هذه العقيدة لدى الإنسان المؤمن يشعر بأنّه سوف لا يضيع في هذه الحياة الدنيا، وأنّ هناك من سيكون معه ويدبّر له ما يُصلح حاله، لذلك الإنسان لا يفكّر في هذه المشكلة ويمتلئ بالهمّ والغمّ والتفكّر والتفكير في كيفيّة حلّ هذه المشكلة والأزمة بل يكون لديه الأمل والقوّة على مواجهة مشاكل الحياة وأزماتها، لذلك الإمام(عليه السلام) يقول: (كيف يضيعُ مَن اللهُ كافلُه، وكيف ينجو مَن اللهُ طالبُه) يعني عندما يرتكب الإنسان مخالفة الله تعالى يطالبه ويراقبه ويحاسبه، الإنسان الذي يشعر أنّ الله تعالى مراقب له دائماً وسوف يحاسبه إن عاجلاً أم آجلاً، سوف يشعر بعدم النجاة وبالمحاسبة والمعاقبة حتى وإن تأخّرت فإنّها سوف تتحقّق، لذلك يكون عنده الخوف والخشية من الله تعالى بصورةٍ دائمة، وكيف ينجو وكيف يتخلّص الإنسان من حكومة الله تعالى ومحاسبته وعدله ومحكمته، لذلك أنّ الإنسان يشعر دائماً بالخوف من الله تعالى، ولذلك نحتاج هنا الى أن نتذكّر دائماً حالة الثقة بالله تعالى والتوكّل عليه.
سأنقل لكم هنا هذه الرواية التي رُويت في بيان حال النبيّ ابراهيم(على نبيّنا وآله وعليه أفضل التحية والسلام) طبعاً هذه المرتبة الأعلى من التوكّل على الله تعالى، ونحتاج الى التوقّف عندها، لا نقول إنّنا نكون مثل إبراهيم(عليه السلام) بل نحاول أن نصل الى مرتبة ولو بسيطة من المراتب التي وصل اليها الأنبياء(عليهم السلام)، لاحظوا هذه الحالة التي مرّ بها إبراهيم(عليه السلام) عندما أراد النمرود أن يُحرقه بالنار، قضيّة المنجنيق حينما رُمي إبراهيم(عليه السلام) بالمنجنيق في النار -لاحظوا حالة التوكّل على الله تعالى وحده-، من الأمور التي تكشف للإنسان مرتبة الاعتقاد والتوكّل على الله تعالى، هنا رُمي بالمنجنيق والنار مشتعلة، والإنسان في مثل هذه الحالة يدرك أنّه بعد ثوانٍ هو صائرٌ الى الموت والعذاب الشديد بالنار، هنا أتاه جبرائيل في الهواء، فقال له: (هل لك من حاجة؟) نحن الواحد منّا حين يتعرّض الى أزمة ويرى نفسه أنّه بعد لحظات سيُعدم سيقتل وهناك سببٌ قريب جدّاً من أسباب هلاكه، يحاول أن يتوسّل بأيّ سببٍ مادّي وبأيّ سببٍ غير السبب الإلهيّ، فيتشبّث بهذا السبب وذاك من أجل أن يتخلّص من هذه النهاية، عرض له جبرائيل في الهواء فقال له: (هل لك من حاجة؟) لاحظوا هنا موضع الشاهد، قال: (أمّا إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل)، لاحظوا هذه المرتبة من التوكّل، ثمّ بعد ذلك استقبله ميكائيل فقال: (إن أردتَ أخمدتُ النار، فإنّ خزائن المياه والأمطار بيدي) يعني قال له: أطفئ هذه النار فتنجو، فقال إبراهيم(عليه وعلى نبيّنا أفضل التحية والسلام): (لا أريد)، ثمّ أتاه ملك الريح -لاحظوا الامتحانات المتتالية- فقال له: (لو شئتَ طيّرتُ النار حتى تخلص وتنجو منها) فقال له: (لا أريد)، فقال له جبرائيل: (فاسأل الله)، هنا تأتي مسألة الدعاء والطلب من الله، ولكن هذه المرتبة الأعلى جدّاً التي يصل اليها المعصوم، فقال: (حسبي مِن سؤالي علمُه بحالي)، يكفي عن أن أسأل الله تعالى أنّه يعلم بالحال الذي أنا فيه، لاحظوا هذه المرتبة الأعلى، كيف كانت الامتحانات الواحدة بعد الأخرى، ثمّ آخر شيء يقول: إنّ الله تعالى علمه بالحال الذي أنا فيه يكفي عن السؤال، طبعاً هذا لا يعني أن الإنسان المؤمن عندما يمرّ بأزمة ومحنة ومشكلة لا يدعو الله، بالعكس الإنسان المؤمن كما ورد في الآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة أن يتوجّه الى الله تعالى بالدعاء والتوسّل بالمعصومين، فإنّ الله تعالى جعلهم وسيلةً اليه بأن يدعو الإنسان المؤمن وأن يعبّر عن فقره وعجزه وحاجته الى الله تعالى، وهذا أيضاً مظهر من مظاهر العبوديّة لله تعالى.
وأيضاً من الأحاديث التي وردت في تربية الإنسان وتهذيبه لنفسه (من سلامة الإنسان قلّة حفظه لعيوب غيره وعنايته بإصلاح عيوب نفسه...)، يعني أيّها المؤمن اشتغل بتشخيص عيوب نفسك، واشتغل بإصلاح عيوب نفسك، اترك البحث عن عيوب الآخرين وزلّاتهم وعثراتهم والحديث بها أمام الآخرين، (...فإنّ ذلك يؤدّي الى سلامتك) كيف؟ هي سلامتان في الواقع، أوّلاً أنا إذا أشتغل بالبحث والفحص والتقصّي عن عيوب الآخرين ثمّ الحديث بها سأقع في الغيبة وربّما البهتان والانتقاص والكذب وغير ذلك من المعاصي، وإذا اشتغلتُ بعيوب نفسي شغلني ذلك عن هذه المعاصي وسلمتُ من هذه المعاصي، ثانياً إذا اشتغلتُ بعيوب الآخرين شغلني عن تشخيص عيوب نفسي وإصلاحها، فتبقى هذه العيوب التي هي ذنوب وآثام وخطايا تبقى فيّ الى آخر العمر من غير توبة فلا أسلم من تبعاتها، فإذا اشتغل الإنسان ولم يشخّص وهذا يحتاج الى وقت وجهد وتقصّي أن أشخّص عيوبي أنا، وأشتغل بإصلاح هذه العيوب وتقويمها بدلاً من أن أشتغل بتشخيص عيوب الآخرين والفحص عنها وإشاعتها بين الناس فحينئذٍ سيسلم الإنسان مرّتين، لذلك الإمام(عليه السلام) يقول: (من سلامة الإنسان قلّة حفظه لعيوب غيره، وعنايته لإصلاح عيوب نفسه)، وهذه وسيلة من الوسائل لتقويم النفس وتربيتها وتهذيبها، أن يكون وقتُ الإنسان وجهده وتفكيره وعمله في تشخيص وإصلاح عيوب النفس دون الاشتغال بعيوب الآخرين.
نسأل الله تعالى أن يوفّقنا لأن نأخذ بهذا المنهج التربويّ لإصلاح أنفسنا ونجاحنا في الحياة الدنيا والآخرة إنّه سميع مجيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطيّبين الطاهرين.

للاطلاع على المزيد من المواضيع اشترك بقناتنا على تطبيق تيليغرام

http://https://telegram.me/TwelveImamsWeb

2018/08/11

المرجعية العليا تدعو إلى الغضب المنضبط لأخذ «الحقوق» المسلوبة

إخوتي أخواتي ذكرنا فيما سبق بعض ما يتعلّق بمسألة الغضب -أرجو أن تعيروني أسماعكم-، ذكرنا سابقاً الآثار السلبيّة التي تنتج من الغضب غير المبرّر وغير المسيطر عليه، وقلنا في حينه وذكرنا بعض الأمثلة على ذلك، اليوم نذكر الآثار الإيجابيّة للغضب، وهل الغضب يُعين الإنسان على تحقيق مقاصده أو لا؟.

طبعاً الغضب من الأمور الغريزيّة، حتى ورد في الأحاديث الشريفة (لا خير في من لا يغضب إذا أُغضب)، تعبيرٌ جميل جدّاً (لا خير في من لا يغضب إذا أُغضب) وهذا الغضب من الأمور التي كانت في غريزة الإنسان وفي تكوينه، فهو تمرّ به حالات ينفعل فيها ويغضب، وهذا الغضب هو الذي حافظ على نوع الإنسان وحافظ على شخص الإنسان لأنّه بغضبه يحمي نفسه.
فإذا تعرّض لأمورٍ تستوجب منه الغضب يغضب، لكن هذا الغضب إذا أخرجه عن قصده وأخرجه عن لبّ عقله هذا يكون في الجانب الذي ذكرناه سابقاً وهو أنّه سيُنتج آثاراً سلبيّة والإنسان قد يندم عليها، لكن الإنسان إذا غضب وغضبه هذا نشأ من مشكلةٍ شخصيّة اجتماعيّة اقتصاديّة سياسيّة عسكريّة، وهذا الغضب أخرجه من بيته لأن يواجه هذه المشكلة، وكان هذا الغضب تحت السيطرة فهذا غضبٌ ممدوح.
وبالغضب حُصّنت البلاد وحُفظت الأراضي ومُنع تدنيس المقدّسات، لأنّ الإنسان عندما يغضب وهو يعلم لماذا يغضب ولماذا يذهب ويتفاعل ستكون النتائج نتائج إيجابيّة، وسيكون هذا الفعل فعلاً معلوم التصرّف والمنشأ ومعلوم الهدف من ألفه الى يائه، والنتيجة ماذا تكون؟ هذا الذي يغضب غضباً مسيطراً عليه لابُدّ أن يكون له لسان يعبّر عن ذلك، له مطلب يعبّر عن ذلك، وله حقّ أن يعبّر عن ذلك.
لماذا؟ -التفتوا- لأنّ الحقوق تؤخذ ولا تُعطى، الذي يسلب الحقّ بطبيعته هو سالبٌ للحقّ يريد أن تبقى يده يداً عادية يداً سالبة للحقّ، لكن على صاحب الحقّ أن يُطالب بالحقّ، فالحقوق تؤخذ وجزءٌ من إرجاع الحقّ أن الإنسان يغضب لسلبه حقّه، فإذا غضب لسلبه حقّه وكان هذا الغضب مسيطراً عليه ستكون حجّته قويّة وستكون حجّته دامغة وسيكون مطلبه واضحاً وستكون الحجّة له لا عليه.
ولذلك -إخواني- فإنّ مسألة الغضب مسألة مهمّة يحتاجها الإنسان للتعبير عمّا عنده، نعم الإنسان لا يغضب لكلّ شيء قطعاً، وإنّما يغضب -كما قلنا- الغضب الذي هو ناشئ من معرفة لماذا غضب؟ هناك مشكلة -قلت- سياسيّة اقتصاديّة اجتماعيّة ماليّة، وهذه المشكلة لاتُحلّ، لابُدّ أن يعبّر عن غضبه ولابُدّ أن يصرّح بقوله ولكن بشكلٍ مسيطر عليه لقاعدة أنّ الحقوق تؤخذ، فلابُدّ لمن يريد أن يسترجع حقّه أن يغضب غضباً تحت السيطرة، حجّةٌ قويّة ومطلبٌ واضح وإرادةٌ ناشئة من هذا التعقّل، هذا أحببت أن يقارن ما بين الغضب الذي ذكرناه وآثاره السلبيّة والمشاكل وما بين الغضب المطلوب المقرّر الذي به حُفظت البلاد وحُفظت الأرض وحُميت المقدّسات نتيجة هذا الاندفاع المتعقّل المنضبط.
أعاننا الله وإيّاكم على أن يكون غضبنا دائماً غضباً مسيطراً عليه، وغضباً فيه النتائج الطيّبة، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق للجميع، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

* النص الكامل للخطبة الثانية لصلاة الجمعة المباركة التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ الشريف اليوم الجمعة (20 ذي القعدة 1439هـ) الموافق لـ(3 آب 2018م)

2018/08/04

المرجعية العليا: سيكون للمشهد وجه آخر... ولكن!

بسم الله الرحمن الرحيم..

يعلم الجميع على ما آلت إليه أوضاع البلاد وما تُعاني منه هذه الأيّام من مشاكل متنوّعة وأزمات متشابكة، وكانت المرجعيّةُ الدينيّة العُليا تقدّر منذ مدّة غير قصيرة ما يُمكن أن تأول اليه الأمور فيما إذا لم يتمّ اتّخاذ خطوات حقيقيّة وجادّة في سبيل الإصلاح ومكافحة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعيّة.

ومن هنا قامت على مرّ السنوات الماضية بما يُمليه عليها موقعُها المعنوي من نصح المسؤولين والمواطنين لتفادي الوصول الى الحالة المأساويّة الراهنة، لقد نصحت المرجعيّة الدينية مراراً وتكراراً كبار المسؤولين في الحكومة وزعماء القوى السياسيّة بأن يعوا حجم المسؤوليّة الكبيرة الملقاة على عاتقهم، وينبذوا الخلافات المصطنعة التي ليس وراءها إلّا المصالح الشخصيّة والفئويّة، ويجمعوا كلمتهم على إدارة البلد بما يحقّق الرفاه والتقدّم لأبناء شعبهم، ويراعوا العدالة في منح الرواتب والمزايا والمخصّصات، ويعملوا للإصلاح ويمتنعوا عن حماية الفاسدين من أحزابهم وأصحابهم، وقد حذّرتهم في خطبة الجمعة قبل ثلاثة أعوام بأنّ الذين يمانعون من الإصلاح ويراهنون على أن تخفّ المطالبة به عليهم أن يعلموا أنّ الإصلاح ضرورة لا محيص منها، وإذا خفّت مظاهر المطالبة به مدّة فإنّها سوف تعود في وقتٍ آخر وأوسع من ذلك بكثير ولات حين مندم.

كما نصحت المواطنين كلّما حلّ موعد الانتخابات المركزيّة والمحلّية بأنّ الإصلاح والتغيير نحو الأفضل الذي هو مطلب الجميع وحاجة ماسّة للبلد لن يتحقّق إلّا على أيديكم، فإذا لم تعملوا له بصورةٍ صحيحة فإنّه لن يحصل، والآليّة المُثلى له هي المشاركة الواعية في الانتخابات المبنيّة على حسن الاختيار أي انتخاب الصالح الكفوء الحريص على المصالح العُليا للشعب العراقي والمستعدّ للتضحية في سبيل خدمة أبنائه، وتحقيقاً لهذا الغرض طالبت المرجعيّةُ الدينيّة بأن يكون القانون الانتخابي عادلاً يرعى حرمة أصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها، وأن تكون المفوّضية العُليا للانتخابات مستقلّة كما قرّره الدستور ولا تخضع للمحاصصة الحزبيّة، وحذّرت من أنّ عدم توفير هذين الشرطين سيؤدّي الى يأس معظم المواطنين من العمليّة الانتخابيّة وعزوفهم عن المشاركة فيها، ولكن مثلما يعلم الجميعُ لم تجرِ الأمور كما تمنّتها المرجعيّةُ الدينيّة العُليا وسعت اليها، واستمرّت معاناة معظم المواطنين بل ازدادت معظمها، وانتشار البطالة وتراجع القطاعين الزراعي والصناعي بصورةٍ غير مسبوقة، وكلّ ذلك نتيجة طبيعيّة لاستشراء الفساد المالي والإداري في مختلف مرافق الدولة ومؤسّساتها والابتعاد عن الضوابط المهنيّة في تسييرها وإدارتها.

واليوم وبعد كلّ ما وقع في الأسابيع الماضية من اعتداءات مرفوضة ومُدانة على المتظاهرين السلميّين وعلى القوّات الأمنيّة وعلى الممتلكات العامّة والخاصّة، وانجرارها للأسف الشديد الى اصطدامات دامية خلّفت عدداً كبيراً من الضحايا والجرحى، فإنّ من الضروري العمل بمسارين:

الأوّل: أن تجدّ الحكومة الحاليّة في تحقيق ما يُمكن تحقيقه بصورةٍ عاجلة من مطالب المواطنين وتخفّف بذلك من معاناتهم وشقائهم.

الثاني: أن تتشكّل الحكومة القادمة في أقرب وقتٍ ممكن على أسسٍ صحيحة من كفاءات فاعلة ونزيهة، ويتحمّل رئيسُ مجلس الوزراء فيها كامل المسؤوليّة عن أداء حكومته وأن يكون حازماً وقويّاً ويتّسم بالشجاعة الكافية في مكافحة الفساد المالي والإداري الذي هو الأساس في معظم ما يُعاني منه البلد من سوء الأوضاع، ويعتبر ذلك واجبه الأوّل ومهمّته الأساسيّة ويشنّ حرباً لا هوادة فيها على الفاسدين وحماتهم، وتتعهّد حكومته بالعمل في ذلك وفق برنامجٍ معدّ على أسسٍ علميّة يتضمّن اتّخاذ خطوات فاعلة ومدروسة، ومنها ما يأتي:

أوّلاً: تبنّي مقترحات لمشاريع قوانين ترفع الى مجلس النوّاب تتضمّن إلغاء أو تعديل القوانين النافذة التي تمنح حقوقاً ومزايا لفئات معيّنة يتنافى منحُها مع رعاية التساوي والعدالة بين أبناء الشعب.

ثانياً: تقديم مشاريع قوانين الى مجلس النوّاب لغرض سدّ الثغرات القانونيّة التي تُستغلّ من قبل الفاسدين لتحقيق أغراضهم، ومنح هيئة النزاهة والسلطات الرقابيّة الأخرى اختيارات أوسع في مكافحة الفساد والوقوف في وجه الفاسدين.

ثالثاً: تطبيق ضوابط صارمة في اختيار الوزراء وسائر التعيينات الحكومية ولا سيّما للمناصب العُليا والدرجات الخاصّة، بحيث يُمنع عنها غيرُ ذوي الاختصاص والمتّهمون بالفساد ومن يمارسون التمييز بين المواطنين بحسب انتماءاتهم المذهبيّة أو السياسيّة ومن يستغلّون المواقع الحكوميّة لصالح أنفسهم أو لصالح أقربائهم أو أحزابهم ونحو ذلك.

رابعاً: الإيعاز الى ديوان الرقابة الماليّة الى ضرورة الإنهاء والتدقيق في الحسابات الختاميّة للميزانيّات العامّة في السنوات الماضية وجميع العقود والتخصيصات الماليّة للأعوام السابقة على مستوى كلّ وزارةٍ ومحافظة، وضرورة الإعلان عن نتائج التدقيق بشفافيّة عالية لكشف المتلاعبين بالأموال العامّة والمستحوذين عليها تمهيداً لمحاسبة المقصّرين وتقديم الفاسدين للعدالة، وعلى مجلس النوّاب القادم أن يتعاطى بجدّية مع جميع الخطوات الإصلاحيّة ويقرّ القوانين اللازمة لذلك.

وإن تنصّلت الحكومة عن العمل بما تتعهّد به أو تعطّل الأمر بمجلس النوّاب أو لدى السلطة القضائيّة فلا يبقى أمام الشعب إلّا تطوير أساليبه الاحتجاجيّة السلميّة لفرض إرادته على المسؤولين مدعوماً في ذلك من قبل كلّ القوى الخيّرة في البلد، وعندئذٍ سيكون للمشهد وجه آخر مختلف عمّا هو اليوم عليه، ولكن نتمنّى أن لا تدعو الحاجة الى ذلك ويُغلّب العقل ويُغلّب المنطق ومصلحة البلد عند من هم في مواقع المسؤوليّة وفي يدهم القرار ليتداركوا الأمر قبل فوات الأوان، والله المسدّد للصواب.

*النص الكامل الخطبة الثانية من صلاة الجمعة المباركة ليوم (13ذي القعدة 1439هـ) الموافق لـ (27 تموز 2018م) التي أُقيمت في الصحن الحسينيّ المطهّر وكانت بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي (دام عزّه)

2018/07/28