منبر الجمعة
بالفيديو: المرجعية العليا تحدد أربعة شروط لـ «حكومة الخدمات»

عندما يتصدّى أحدٌ لخدمة أحد، وعنوان الخدمة الذي أنا بصدده هو ذاك العنوان العامّ الذي يسعى إليه الإنسان العاقل الذي يحبّ أن يخدم الآخرين، وطبعاً كلّما توسّعت دائرة الخدمة أو توسّع نطاق المخدوم كلّما كانت مقوّمات الخدمة أهمّ وأدقّ وأعقد، وأنا سأجعل هذا المفهوم هو محور الحديث وسأبيّن بعض النقاط لإنجاح وظيفة من يتصدّى للخدمة، سيسأل سائل أيّ خدمةٍ تعني؟ أنا لا أتحدّث عن خدمةٍ محدّدة إنّما أيّ خدمةٍ مقدَّمة، الذي يسعى الى خدمةٍ في جانب الطبّ مثلاً هذه خدمة، الذي يسعى الى خدمةٍ في جانب البناء هذه خدمة، الذي يسعى أن يخدم في جانب السياسة هذه خدمة، فالذي يخدم مريضه هذه خدمة، والذي يخدم شعبه هذه خدمة، والذي يخدم قريناً من زوايا معيّنة هذه خدمة.

أنا أتحدّث عن الخدمة بهذا المفهوم، فإذا كان كذلك سيتصدّى زيدٌ لأن يخدم، ما هو المطلوب منك يا زيد لأن تخدم وفق ما ذكرت؟ لابُدّ أن نحصل على أمور أربعة في الحدّ الأدنى وهي:

الأمر الأوّل: الخادم الذي يسعى للخدمة لابُدّ أن يكون عالماً بما يُريد أن يخدم، وهذه من الأمور البديهيّة حتى لا يسعى كلّ أحد أن يخدم كلّ خدمة هذا غير ممكن، فلابُدّ أن أكون عالماً بما أريد أن أخدم، لا يُمكن أن أتصدّى الى خدمةٍ طبيّة وأنا لا أفهم بالطبّ، ولا يُمكن أن أتصدّى لخدمة شريحةٍ من الناس وأنا لا أفهم نوعيّة الخدمة، فلابُدّ أن أكون عالماً بما أريد أن أفعل، حتى عندما أتصدّى أو أؤدّي هذه دعواي تكون صادقة لأنّي متوفّر داخليّاً وعالم وألتفت الى ما أريد أن أخدم.

إذا لم أكن قادراً على الخدمة لا أتكلّم بها لأنّ الخدمة ليست شعاراً وإنّما الخدمة عبارة عن أمرٍ واقعيّ، أن لابُدّ أن أكون عالماً حتى أستطيع أن أخدم بالشكل الجيّد، وإلّا سيكون هناك تصدّي فيه سوءٌ أكثر ممّا فيه نفع.

الأمر الثاني: إذا أردت أن أخدم لابُدّ أن أستعين بأدوات جيّدة تُعينني على الخدمة وتخدم ما أريده، الآن إذا شريحة طبّية أرادت أن تخدم شريحة فلابُدّ أن تكون لها أداوت خاصّة، يفهمون معنى المساعدة والخدمة الطبيّة ويساعدونني على تقوية هذه الخدمة حتّى تتحقّق هذه الخدمة، رأي جيّد بشكلٍ واسع، وكلّما توسّعت الخدمة أحتاج الى أداوت أقوى وأدقّ وأركز.

الأمر الثالث: عندما أريد أن أخدم لابُدّ أن أضع عامل الزمن وعامل الوقت أمامي، لا يُمكن أنّي أريد أن أخدم والوقت مفتوح، لابُدّ أن أضع سقفاً زمنيّاً حتى أعرف أنّني قادر على أن أحقّق الخدمة في هذا الزمن أو لا، وضبط الأمور الوقتيّة مهمّ لتحفيزي على الخدمة أكثر ولإسراعي أكثر، -لاحظوا- مرّ رجلٌ في الصحراء على بئر فسمع من داخل البئر صوت رجلٍ ينادي: أنجدوني أنجدوني، التفت فوجد رجلاً في البئر، قال: ما بك؟ قال له الرجل: أنقذني. قال له: هل لك أن تصبر الى أن أذهب الى المدينة وآتي بالحبل؟ قال: هذا ليس سؤالاً جيداً، صبرت أم لم أصبر فأنا في البئر، اذهب الى المدينة وعجّل وأتِ بالحبل وأنقذني، الأمر أمامك لا يحتاج أن تسأل.. فعاملُ الوقت مهمّ، أنت تريد أن تخدمني تريد أن تنقذني اذهبْ وأتِني بالحبل واجعل يدك في يدي وأنقذني، عامل الوقت يريد أن يخدم حتّى تتحقّق الخدمة.

الأمر الرابع: وهو الأهمّ.. لابُدّ أن تحصل ثقةٌ بين من يريد أن يخدم وبين من يريد أن يخدمه، لابُدّ أن يثق أحدهما بالآخر، الآن عشرة مرضى أنا أريد أن أخدمهم طبّياً، لابُدّ أن يثقوا بي وأثق بهم، حتّى يُعين أحدنا الآخر، الخدمة المطلوبة محورها أن تكون هناك ثقة بين الطرفين، وهذه الثقة تحقّق الغرض بين الطرفين، الخدمة ليست شعاراً بل الخدمة عبارة عن أمرٍ واقعيّ، أنا مريض أقول جزى الله الطبيب الفلاني خيراً لقد خدمني وعالجني، ماذا قال؟ لقد قال لي: سأقوم بهذا العمل حتى تشفى.. الخدمة عمل وليس شعاراً.

هذه أربعة أمور في الحدّ الأدنى كلّ منّا يريد أن يخدم بالطريقة الصحيحة بهذه الأمور التي ذكرت. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفّق الجميع بعضهم لبعض وأن يأخذ بأيادينا لما يحبّ ويرضى.

2018/07/21

المرجعية العليا: «لا يسعنا إلا التضامن مع المتظاهرين»

أيّها الإخوة والأخوات نشهد في هذه الأيّام في محافظة البصرة العزيزة وبعض المناطق الأخرى، احتجاجات شعبيّة تعبّر عن مطالب الكثير من المواطنين، الذين يعانون من النقص الحادّ في الخدمات العامّة كقلّة التجهيز للكهرباء بالرغم من ارتفاع درجات الحرارة، وعدم وجود القدر الكافي من المياه الصالحة للشرب، بل ولا لبقيّة الاستعمالات الضروريّة، فضلاً عن انتشار البطالة وقلّة فرص العمل والكسب اللائق وعدم كفاءة المؤسّسات الصحّية بالرغم من ارتفاع نسبة الإصابة بالأمراض الصعبة في المحافظة.

لا يسعنا إلّا التضامن مع أعزائنا المواطنين في مطالبهم الحقّة، مستشعرين معاناتهم الكبيرة ومقدّرين أوضاعهم المعيشيّة الصعبة وما حصل من التقصير الواضح من قبل المسؤولين سابقاً ولاحقاً في تحسين الأوضاع وتقديم الخدمات لهم بالرغم من وفرة الإمكانات الماليّة، حيث أنّهم لو أحسنوا توظيفها واستعانوا بأهل الخبرة والاختصاص في ذلك وأداروا مؤسّسات الدولة بصورةٍ مهنيّة بعيداً عن المحاصصات والمحسوبيّات ووقفوا في وجه الفساد من أيّ جهة أو حزب أو كتلة لما كانت الأوضاع مأساويّةً كما نشهدها اليوم.

إنّ محافظة البصرة الفيحاء هي الأولى في رفد البلد بالموارد الماليّة وهي الأولى في عدد الشهداء والجرحى الذين قدّمتهم في معركة الدّفاع ضدّ عصابات داعش الإرهابيّة، ولا تزال تمتلئ شوارعها وأزقّتها بصور آلاف الشهداء الذين بذلوا أرواحهم في سبيل إنقاذ العراق وحماية أهله ومقدّساته، فليس من الإنصاف بل ولا من المقبول أبداً أن تكون هذه المحافظة المعطاء من أكثر مناطق العراق بؤساً وحرماناً، يعاني الكثير من أهلها مشقّة العيش وقلّة الخدمات العامّة وانتشار الأمراض والأوبئة ولا يجد معظم الشباب فيها فرصاً للعمل بما يناسب إمكاناتهم ومؤهّلاتهم.

إنّ المسؤولين في الحكومتين المركزيّة والمحلّية مطالبون بالتعامل بجدّية وواقعيّة مع طلبات المواطنين والعمل على تحقيق ما يُمكن تحقيقه منها بصورةٍ عاجلة، ووضع برنامج واضح ومدروس لحلّ بقيّة المشاكل القائمة بوتيرة متصاعدة، ويتطلّب ذلك اتّباع سياسة حازمة وشديدة مع الفاسدين ومنع استحواذهم على موارد البلد بأساليبهم الملتوية، والاستعانة بالخبراء وأصحاب الكفاءات ومن لا يجاملون على حساب الحقيقة للوصول الى حلول جذريّة للأزمات الراهنة، بعيداً عن اختلاق الذرائع والمسوّغات لتحميل الآخرين مسؤوليّة ما جرى ويجري منذ سنوات طوال على أهل هذه المحافظة الكريمة من الأذى والمعاناة، فقد جرّب أهلها مختلف الكتل السياسيّة في محافظتهم ولم يجدوا تفاوتاً في أوضاعهم بل ازدادوا بؤساً وشقاءً.

يُرجى من المواطنين الكرام أن لا تبلغ بهم النقمة من سوء الأوضاع اتّباع أساليب غير سلميّة وحضاريّة في التعبير عن احتجاجاتهم وأن لا يسمحوا للبعض من غير المنضبطين أو ذوي الأغراض الخاصّة بالتعدّي على المؤسّسات أو الأموال العامّة أو الشركات العاملة بالتعاقد مع الحكومة العراقيّة، ولا سيّما أنّ كلّ ضررٍ يصيبها فإنّه سيُعوّض من أموال الشعب نفسه.

2018/07/14

المرجعية العليا: لا نجد أذناً صاغية من «الجهات المعنية» لما نطرحه عبر خطب الجمعة

أيّها الإخوة والأخوات أعرض على مسامعكم الكريمة الأمرين التاليين: 
الأمر الأوّل: تلقّينا وتلقّى العراقيّون جميعاً ببالغ الأسى والأسف نبأ العمليّة الإجراميّة التي قامت بها عصاباتُ داعش الإرهابيّة، باختطافها وقتلها لعددٍ من الإخوة العاملين في إسناد القوّات الأمنيّة ومنتسبي الشرطة، ونتقدّم بهذه المناسبة بأحرّ التعازي وخالص المواساة لعوائل هؤلاء الشهداء الأعزّاء، وخصوصاً آبائهم وأمّهاتهم وزوجاتهم وأيتامهم الذين لم تنفع مناشداتُهم في قيام الجهات المعنيّة بتحرّكٍ سريع لإنقاذ حياة آبائهم، سائلين الله تعالى أن يتغمّد الشهداء الكرام برحمته الواسعة وأن يلهم أهلهم الصبر والسلوان، إنّ استهداف عصابات داعش لمجموعة من المواطنين العراقيّين المنتمين الى محافظات ومكوّنات مذهبيّة، واختلاط دماء مواطنين من مدينة كربلاء المقدّسة بدماء مواطنين من محافظة الأنبار العزيزة، دليلٌ على أنّ الإرهابيّين الدواعش هم أعداء للعراق بجميع مكوّناته، وأنّهم لا يفرّقون في جرائمهم واعتداءاتهم بين عراقيّ وآخر، ممّا يستدعي تضافر جهود جميع العراقيّين بمختلف انتماءاتهم للقضاء التامّ على هذه العصابات المجرمة ومواجهة فكرها الضالّ الذي يبتنى على ممارسات الخطف والسبي والذبح وغيرها من الجرائم الوحشيّة، وسبق أن نبّهنا أنّ المعركة مع عصابات داعش لم تنتهِ وإن انكسرت شوكتها وذهبت دولتها المزعومة، إذ لا تزال هناك مجاميع من عناصرها تظهر وتختفي بين وقتٍ وآخر في مناطق مختلفة وتقوم بإرعاب المواطنين والاعتداء عليهم، فليس من الصحيح التغاضي عن ذلك والانشغال بنتائج الانتخابات وعقد التحالفات والصراع على المناصب والمواقع عن القيام بمتطلّبات القضاء على الإرهابيّين وتوفير الأمن والحماية للمواطنين في مختلف المناطق والمحافظات، إنّ الردّ الصحيح والمُجدي على جريمة اختطاف وقتل المواطنين الستّة المغدور بهم يتمثّل بالقيام بجهدٍ أكبر استخباريّاً وعسكريّاً في تعقّب العناصر الإرهابيّة وملاحقتها في مناطق اختفائها، وتمشيط تلك المناطق وفق خططٍ مدروسة والقبض على المتورّطين في الأعمال الإرهابيّة وتسليمهم للعدالة، مع ضرورة المحافظة على حقوق المواطنين المدنيّين وتجنّب الإساءة لهم أو تعريضهم الى المخاطر في المناطق التي تجري فيها العمليّات الأمنيّة والعسكريّة.
وبهذه المناسبة نودّ الإشادة مرّةً أخرى بجهود وتضحيات أعزّتنا في القوات الأمنيّة بمختلف عناوينهم، فهم الصفوة من أبناء هذا البلد الذين يسترخصون أرواحهم ودماءهم بالذبّ عنه وحماية الأرض والعرض والمقدّسات، والأمل معقودٌ عليهم في تخليص هذا الشعب الجريح والصابر من بقايا العصابات الإرهابيّة، فعليهم أن لا يفتروا أو يملّوا عن ملاحقتها والقضاء عليها لينعم العراق بالأمن والاستقرار إن شاء الله تعالى.
كما نودّ أن نقدّر عالياً جهود الإخوة الكرام في مواكب الدعم اللوجستيّ للقوّات الأمنيّة، فقد أدّوا دوراً بالغ الأهميّة في الانتصارات التي تحقّقت على مدى السنوات الماضية، ولا تزال الحاجة ماسّةً الى قيامهم بهذا الدور.
ومن هنا نهيب بجميع المواطنين الميسورين أن يستمرّوا في إسنادهم وتوفير ما يحتاج اليه أبناؤهم المقاتلون في سواتر العزّ والكرامة من مختلف المؤن والموادّ الغذائيّة وغيرها.
الأمر الثاني: إنّ هناك الكثير من المشاكل والأزمات التي يُعاني منها شرائح مختلفة من المواطنين، وطالما يطلبون منّا طرحها في خطب الجمعة ومطالبة المسؤولين بمعالجتها، لكنّنا لا نرى جدوى من ذلك في غالب الحالات، حيث لا نجد آذاناً صاغية واهتماماً مناسباً لدى الجهات المعنيّة، ولكن معاناة القطّاع الزراعيّ اشتدّت في الآونة الأخيرة وازدادت شكاوى المزارعين من قلّة مصادر المياه وملوحة الأراضي، وعدم توفّر مقوّمات الإنتاج بصورة صحيحة، والذي أدّى الى تراجع هذا القطّاع المهمّ الى حدٍّ مخيف مع ما له من أهمّية بالغة في توفير فرص العمل وتحقيق موارد ماليّة تُساعد على تحسّن الوضع الاقتصاديّ، إنّ ممّا يؤسف له أنّ القطّاع الزراعي لم يأخذ استحقاقه من الاهتمام والعناية خلال السنوات الماضية من الجهات الرسميّة ذات العلاقة، فصار يُعاني من أزمةٍ حقيقيّة وقد زاد من تفاقم أزمتها تناقص المياه الواصلة من الدول المجاورة على مرّ السنين، بعد أن بادرت هذه الدول الى الاهتمام ببناء السدود وبالتالي حجب مزيدٍ من المياه عن الوصول الى الأراضي العراقيّة. 
إنّ المطلوب من الجهات المعنيّة في الحكومة العراقيّة المسارعة الى مساعدة المزارعين العراقيّين لتجاوز هذه المرحلة الصعبة، ووضع خطط صحيحة مستقبليّة لاستخدام التقنيّات الصحيحة في تطوير القطّاع الزراعيّ ولاسيّما في عمليّات السقي لقليل المياه المصروفة فيها، وغير ذلك من الأساليب المتّبعة في الدول التي تُعاني من شحّة المياه.
كما أنّ من الضروري بذل كلّ الجهود مع دول الجوار لضمان رعايتها لحقوق العراق بموجب القوانين الدوليّة الخاصّة بالمياه المتدفّقة عبر الأنهار المشتركة، بل وعرض اتّفاقات ثنائيّة وفق ما تمليه المصالح الاقتصاديّة والأمنيّة والسياسيّة المتبادلة لتأمين الكميّة اللازمة من المياه للقطّاع الزراعيّ العراقيّ.
نسال الله تعالى أن يتغمّد الشهداء الأبرار بالرحمة والرضوان، وأن يمنّ على الجرحى والمصابين بالشفاء والعافية، وأن يغيّر سوء حالنا الى أحسن حال إنّه سميعٌ مجيب، وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

*الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 14/شوال/1439هـ الموافق 29 /6 /2018 م 

2018/06/30

لا تنسَ ما كنت عليه فحالة التوازن مطلوبة!

إخوتي أخواتي، بين فترةٍ وأخرى نستعرض بعض الآيات القرآنيّة الشريفة لتسليط الضوء على بعض الحالات التي يمرّ بها الإنسان، وأيضاً لإيجاد الحلول لها بقدر ما يسمح به الوقت، في سورة (فُصّلت) سأستعرض ثلاث آياتٍ شريفة ثمّ نرجع نستظهر منها بعض ما نستفيد منه، قال الله تبارك وتعالى في هذه السورة المباركة في الآية التاسعة والأربعين: «لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ» ثمّ يقول: «وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ» ثمّ في الآية الحادية والخمسين: «وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ».

أصل القضيّة التي تتناولها الآيات الشريفة هي أنّ الإنسان يفقد حالة التوازن، وطبعاً إخواني كثيراً ما يكون كلٌّ منّا يفقد حالة التوازن، فالإنسان يمرّ بحالة عُسر وحالة يُسر، وهذه الحالات عندما تمرّ نجد أنّ البعض لا يستفيد منها استفادةً حقيقيّة بالرجوع الى حالة التوازن، وإنّما يبقى دائماً قلقاً ويبقى دائماً مهزوزاً ويبقى دائماً يحبّ مصلحته الشخصيّة، بل يدافع عنها دفاعاً مستميتاً وإن تأذّى مَنْ تأذّى بسببها من الآخرين.

الخروج من الأزمات

لاحظوا أضرب مثلاً بسيطاً، الآن مسألة الحصار مقصود الحصار الاقتصاديّ، تمرّ بالشعوب وعموم الناس أن يُحاصر هذا المجتمع أو الشعب لسببٍ أو لآخر، أنا لا أتحدّث عن الأسباب إنّما أتحدّث عن حالة مَنْ يمرّ بحالة الحصار، فعندما يمرّ بحالة الحصار يدعو الله تبارك وتعالى ويسعى بكلّ ما أوتي من قوّة حتى تُرفع عنه هذه الحالة، وفي هذه الأثناء يُحاول أن يقنّن ويقتصد بعموم مصروفاته، تجده لا يبذّر وتجده قد يتشارك مع صاحبه من أجل الخروج من الأزمة، بمجرّد أنّ الله تعالى يفتح عليه رجع الى ما كان قد تعوّد عليه قبل الحصار، مبذّراً تاركاً لجميع التصرّفات التي فيها مشاركة مع الغير في المؤاساة، ويحبّ أن يقدّم مصلحة نفسه لأنّه تمكّن، إنسانٌ يمرض يرجع الى فطرته الى ربّه ويبدأ يُعطي أيماناً ووعوداً بمجرّد أنّ الله تعالى يمنّ عليه بالشفاء سيكون إنساناً سويّاً، وعندما يمنّ الله تعالى عليه بالشفاء يبقى يوماً أو يومين ثمّ يرجع الى تلك الحالة التي كان عليها بل قد يكون أشدّ.

إنسانٌ يُسجن لسببٍ أو لآخر، كان يمشي على الأرض مرحاً وكان عندما يمشي لا يطيقه أحد كأنّه إله، وتجده يظلم هذا ويتجاوز على هذا وبمجرّد أن يُسجن يرجع الى فطرته والى سلامة هذه الفطرة، فيبدأ يُعيد النظر في سلوكه ويُعطي وعوداً ما شاء الله، وبمجرّد أن يخرج يبقى يوماً أو يومين أو أسبوعاً ثمّ يرجع الى تلك الحالة، حالة التوازن تنفقد عند الإنسان لأنّ هناك حالةً من الغرور لا يقوى على مجابهتها وحالة من الأنفة لا يقوى على مجابهتها، حالة من التكبّر يرى نفسه في عالمٍ آخر غير عالم الآخرين، الله يُريه حقيقة وضعه في الدنيا، تبدّل الأطوار على الإنسان -إخواني- نافع جدّاً، أنّ الإنسان يرى تقلّبات الحياة عليه هذه أمورٌ نافعة، الزهراء(عليها السلام) عندما خَطَبتْ ماذا قالت لهم؟ قالت: «تخافون أن يتخطّفكم الطير».

لا تنس ما كنت عليه!

لابُدّ أن لا تنسوا الماضي، الإنسان كان اقتصاديّاً غنيّاً أو فقيراً لا تنسَ ما كنت عليه، كان سياسيّاً مطارداً يخاف من رائحة الظالم، الآن الله تعالى مكّنه لا تنسَ ما كنت عليه، إنسانٌ نكرة الله تعالى يجعله في صفٍّ آخر لا تنسَ فالله تعالى الذي أعطاك قادرٌ على أن يسلبك «وَبِالشُّكْرِ تَدُومُ النِّعَمُ»، لا يتصوّر الإنسان أنّ الحال هو الحال بالعكس، لابُدّ أنّ السياسي والاقتصادي والميسور بل الكلّ يحفظ مقولة (دوامُ الحال من المُحال) فلابُدّ للإنسان أن يتّعظ.

يقول: «لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ» يعني من طلب الخير لا يسأم، يبقى دائماً لا يكلّ ولا يملّ، هذا أمرٌ شخصيّ يعود له، لاحظوا مصلحته الشخصيّة لا يسأم منها، يبدأ مالاً له جاهاً له كلّه له لا يسأم منه، «وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ» بسجنٍ أو مرضٍ أو فقر فتجده إنساناً آخر تعلوه هذا الوضع الشخصيّ أقول (فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ) ليس له أيّ أمل، لأن حدّه محدود -التفتوا إخواني- لأنّ عقله في طور نفسه يرى الخير بنفسه ويرى الشرّ أيضاً بنفسه، لا يرى الآخر، عندما نقول مصلحة شخصيّة يرى الأمور كلّها لابُدّ أن تمرّ من خلاله، إذا كان هو بخير يعني المصلحة العامّة بخير وإذا هو في شرّ يعني المصلحة العامّة في شرّ، وهذا ليس مرضاً بل هو من أقبح الأمراض، الإنسان لا يستطيع أن يرى، وإن رأى في أفضل الحالات يرى بعينٍ واحدة.

ثمّ يقول: «وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا...» متى؟ التفتوا «...مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ» أعتقد أنّ كلّ واحدٍ منّا يمرّ بهذا الظرف، الله تعالى يفتح ويفرّج من بعد سوءٍ ويأس وأذيّة وألم، ماذا يفعل الإنسان؟ هذا يريده الإنسان وأنا لا أستطيع أن أستعرض بعض النماذج الآن واقعاً لأنّ الكلام يطول بنا كثيراً، نماذج من هذا القبيل كثيرة وتنطبق عليهم هذه الصّفات، قال: «وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي» تتذكّرون حديث قارون عندما قال: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي» أي هذا بجهدي أنا ولولاي ولولا ذكائي لم أحصل على ذلك، وهذا أيضاً من سفاهة الإنسان، فهو يتصوّر الأمور على غير واقعها، والإنسان يحتاج واعظاً، إن كان واعضاً من نفسه فهذا هنيئاً له، أو هو يتّعظ بالآخرين أيضاً هنيئاً له، تارةً لا واعظ من نفسه ولا الأحداث تجعله يتّعظ فيحتاج الى واعظٍ ينبّهه ويقول له: الهوينا الهوينا!! هذه الأرض لا تمشِ عليها مشيةَ مَنْ يرى نفسه إلهاً يُعبد! لابُدّ أن تتواضع ولابُدّ أن تهدأ وهذه الأيّام دول! الله تعالى يريك فلابُدّ أن تحافظ، إن جاءت نعمةٌ اشكرْ وحافظْ وإن جاء سوءٌ فاصبرْ، لعلّ الله تعالى يفتح.. الغرض إخواني حالة التوازن مهمّة، يقول هذا لي «لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي».

ثمّ قال: «وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ» هذا صنفٌ آخر قد يُشبه الأوّل من جهة لكن مع ذلك قال: «وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ»، قال: ليست لي علاقة بأحد! لماذا؟ النكتة الأولى يرى نفسه، قال أنا الآن في بحبوحة من العيش ومن الجاه ومن السُّلطة فليست لي علاقة بأحد المهمّ أنا «أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ»، هناك آخرون مُتعبون ليست له علاقة بهم، نعم.. إذا مسّه الشرّ هو هذا «وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ...» يكون الأمر آخر «...فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ» قال: لا.. الآن لابُدّ أن أتوجّه.

لاحظوا هذه الشخصيّة القلقة التي لا ترى إلّا نفسها، لا يتحسّس بآلام الآخرين المهمّ هو، هذا التوازن مطلوب أنّ الإنسان لا يفكّر بهذه الطريقة، وهذه الآيات أشبه بسوطٍ يقرعُ القرآن به أيّ أحد لا يحبّ التوازن، وبالنتيجة الإنسان الى أين يذهب؟! يعني ما بعد هذا الإنسان الى أين يذهب؟!! واقعاً إخواني الذي ينظر للدنيا يجد أنّ هذا الإنسان يحتاج الى عقل، ينظر للدنيا بعين البصير أي عنده بصيرة عندما ينظر الى هذه الدنيا، عاقل يرى أنّ الدنيا عجيبة غريبة، وكما هو الإنسان كان لا شيء وأصبح شيئاً أيضاً يُمكن أن يكون لا شيء، فعليه أن يكون متواضعاً ويعرف حدوده، مشكلتنا «قُتِلَ الإِنْسانُ مَا أكْفَرَهُ» لا نعرف الحدود، الإنسان لابُدّ أن يعرف حدوده حتّى يتّزن ويمشي مشية هادئ كما أراده الله وكما خلقه الله تعالى، أمّا الإنسان يميل يميناً وشمالاً وقال فلان وتكلّم والقيل والقال، فجأةً يرى الإنسان نفسه واقعاً كما قال: هذا ذو دعاءٍ عريض، ولعلّه لم يُستَجَبْ له لأنّه خرج أصلاً عن هذا السمت الخاصّ سمت الوقار وسمت الهدوء.

إخواني لا أريد أن أتكلّم أكثر لكنّ حالة التوازن عند الإنسان العاقل مطلوبة، وهذه الأمثلة أمثلة لغير المتوازن أمثلة للقَلِق أمثلة للذي يحبّ نفسه حبّاً جمّاً ويغلّب مصلحته الشخصيّة دائماً على المصالح الأخرى، دائماً يرى الأمور مقصورة به إن كان جيّداً فالناس جيّدون وإن كان غير جيّد فالناس غير جيّدين، وهذا مرض على الإنسان أن يكون أكثر تعقّلاً وأكثر هدوءً.

عسى الله أن يجعلنا من الذين يستمعون القول ويتّبعون أحسنه، اللهمّ اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، تابع اللهم بيننا وبينهم بالخيرات، وأرنا في أحبّتنا كلّ خيرٍ واحفظ الجميع بحقّ محمدٍ وآله، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله الطيّبين الطاهرين.

* الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة السيد احمد الصافي 7/ شوال/ 1439هـ الموافق 22 /6 /2018م

2018/06/23

وداعاً شهر البركات

ها نحنُ نودّعُ شهر رمضان المبارك.. فاعلموا عباد الله تعالى ان من أفضل نعم الله عليكم ان وفقكم لامتثال أمره بصيام هذه الشهر المبارك وقيام ليله وتلاوة كتابه فكونوا له من الحامدين.. ولكن – ربما- البعض من قد غفل أو جهل او قصّر او اغواه الشيطان فوقع في معصية او ظَلَمَ احداً او قصّر في حق من حقوق والديه أو اهله او اخوانه.. وما تزال الفرصة امامكم حيث أنتم في اليوم الاخير من هذا الشهر الذي جعله الله تعالى شهر العتق من النار.. فتداركوا ذلك بتوبة نصوح تعودون بها الى ساحة رحمة ربكم ومغفرته فكم من اناس كانت أواخرُهم خاتِمة ً حسنة.. وربما تكون ساعة ٌ واحدةٌ تشكل منعطفاً كبيراً في حياة الانسان..

فاغتنموا الفرصة الاخيرة في بقية هذا اليوم وهذه الليلة – ليلة عيد الفطر- انها ليلة الجوائز كما ورد في الحديث عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: (من ختم صيامه بقول صالح أو عمل صالح تقبل الله منه صيامه، فقيل يا ربن رسول الله، ما القول الصالح ؟ قال : شهادة أن لا إله إلا الله ، والعمل الصالح : إخراج الفطرة).

وورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : (مَنْ أحيا ليلة العيد وليلةَ النصف من شعبان، لم يَمُتْ قلبُهُ يوم تموتُ القلوب).

وعن جعفر بن محمد عن ابيه (عليه السلام) قال : (كان علي بن الحسين (عليه السلام) يُحْيي ليلة عيد الفطر بصلاة ٍ حتى يُصبِحَ ويبيتُ ليلة َ الفِطرِ في المسجد ويقول : يا بُنيّ ما هي بدونِ ليلةٍ يعني ليلة القدر).

فينبغي للصائمين ان لا يجعلوا ليلة عيدهم ليلة يشعرون فيها بالراحة والاسترخاء والفرح لانهم تخلصوا من قيود شهر رمضان المبارك وكان ثقيلا ً عليهم لحرمانهم من شهواتهم ورغباتهم ويفرحوا لحلول اليوم الذي ستنطلق فيه غرائزهم وشهواتهم..

والصائم الحقيقي هو الذي يكمل رحلة العبادة والاحياء لشهر رمضان بالاشتغال بالعبادة والقيام والذكر وزيارة الامام الحسين (عليه السلام) وغيرها..

وان يعيش حالة القلق والخوف والتوجس والندم.. القلق لأنه لا يعلم هل غفرت ذنوبه وادى ما عليه من الصيام المحبوب لله تعالى أم صام عن الطعام والشراب فقط ولم تصم جوارحه ولم يكف جوانحه عما لا يرضاه الله تعالى.. فما يزال قلبه ملئ بالحسد والغل والنفاق والكبر والعجب.. وأن يعيش الندم لأنه لم يستثمر فرصته هذا الشهر الذي فتح الله تعالى أبواب خزائن رحمته ومغفرته وجوائزه..

كيف نعيش الساعات الاخيرة من شهر رمضان؟

ومن الامور المهمة التي يستحسن للصائمين معايشتها والتفاعل معها هي تلك المضامين العبادية والروحية التي وردت في دعاء الامام السجاد (عليه السلام) في وداع شهر رمضان حيث يقول (عليه السلام) في الروضة الخامسة والاربعين:

(وَقَدْ أَقامَ فينا هذَا الشَّهْرُ مَقامَ حَمْد، وَصَحِبَنا صُحْبَةَ مَبْرُور، وَأَرْبَحَنا أَفْضَلَ أَرْباحِ الْعالَمينَ، ثُمَّ قَدْ فارَقَنا عِنْدَ تَمامِ وَقْتِهِ وَانْقِطاعِ مُدَّتِهِ، وَ وَفاءِ عَدَدِهِ، فَنَحْنُ مُوَدِّعُوهُ وَداعَ مَنْ عَزَّ فِراقُهُ عَلَيْنا، وَغَمَّنا وَأَوْحَشَنَا انْصِرافهُ عَنّا، وَلَزِمَنا لَهُ الذِّمامُ الْمَحْفُوظُ، وَالْحُرْمَةُ الْمَرْعِيَّهُّ، وَالْحَقُّ الْمَقْضِىُّ)

وحاصل المعنى: إنّا نودع شهر رمضان وداع من كان فراقه علينا عزيزاً عظيماً وصار فراقه سبباً لحزننا ووحشتنا، وداع من لزمنا له الحرمة ومن لزمنا له حقٌ لابد من قضائه، فكما ان مفارقة هذا الشخص في غاية الصعوبة والشدّة، فكذا مفارقة هذا الشهر..

ثم يقول (عليه السلام) : (أَللّهُمَّ فَلَكَ الْحَمْدُ إِقْراراً بِالاْساءَةِ، وَاعْتِرافاً بِالاْضاعَةِ، وَلَكَ مِنْ قُلُوبِنا عَقْدُ النَّدَمِ، وَمِنْ أَلْسِنَتِنا صِدْقُ الاْعْتِذارِ)

فينبغي للمؤمن ان لا يعيش شعور الرضا والفرح بانتهاء شهر الصوم ويشعر انه ادى ما عليه من الصيام وبقية الواجبات بل عليه ان يحمد الله تعالى ويشكره وان يستشعر الخوف من حصول التقصير والاضاعة والتفريط بحقوق هذا الشهر ويُفر بالإساءة ويعترف بإضاعة الفرصة والغنيمة على نفسه من عطايا وبركات هذا الشهر فيعقد قلبه على الندم ويصدق بالاعتذار الحقيقي بلسانه..

ويُفصّل الامام (عليه السلام) حال المؤمن من الاعتراف بالذنب والخطيئة فيقول (عليه السلام) : (أَللّهُمَّ وَما أَلْمَمْنا بِهِ في شَهْرِنا هذا مِنْ لَمَم أَوْ إِثْم، أَوْ واقَعْنا فيهِ مِنْ ذَنْب وَاكْتَسَبْنا فيهِ مِنْ خَطيئَة عَلى تَعَمُّد مِنّا، أَوْ عَلى نِسْيان ظَلَمْنا فيهِ أَنْفُسَنا، أَوِ انْتَهَكْنا بِهِ حُرْمَةً مِنْ غَيْرِنا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَآلِهِ، وَاسْتُرْنا بِسِتْرِكَ، وَاعْفُ عَنّا بِعَفْوِكَ، وَلا تَنْصِبْنا فيهِ لاَِعْيُنِ الشّامِتينَ، وَلا تَبْسُطْ عَلَيْنا فيهِ أَلْسُنَ الطّاعِنينَ، وَاسْتَعْمِلْنا بِما يَكُونُ حِطَّةً وَكَفّارَةً لِما أَنَكَرْتَ مِنّا فيهِ، بِرَأْفَتِكَ الَّتي لا تَنْفَدُ، وَفَضْلِكَ الَّذي لا يَنْقُصُ).

اللمم: صغار الذنوب، أي ما باشَرنا وفعلنا في هذا الشهر من الذنوب الصغيرة.

وقيل : اللَمَم – بفتحتين- مقارفة الذنب مطلقاً.

والذي يظهر من روايات اهل بيت العصمة عليهم السلام ان اللمم هو ان يرتكب العبد الذنب بعد الذنب بخلاف طبعه مع الاستغفار والخوف، سواء أكان كبيرة او صغيرة..

رُويَ عن ابي عبدالله (عليه السلام) : ان اللمم: الرجل يلمُّ بالذنب فيستغفر الله منه.

*الخطبة الاولى لصلاة الجمعة بإمامة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 30/شهر رمضان/1439هـ الموافق 15/6/2018م

 

2018/06/17

هكذا ينبغي أن نحتفي به... عيد الفطر: فرحة هادفة
ما إن يرحل عنّا موسم عبادي زاخر بالتقرب الى الله تعالى، إلا ويحل علينا موسم عبادي آخر، وقد يتساءل البعض ما هو الموسم العبادي القادم؟!

[اشترك]

إنه عيد الفطر المبارك وقد عبّرنا عنه موسم عبادي وسيتضح ذلك من خلال الاحاديث الشريفة التي بينّت لنا كيف نُحيي يوم العيد وفق ما يُحبه الله تعالى لا وِفق ما تحبهُ أنفسنا.

لاشك ان العيد ظاهرة اجتماعية تمارسها الكثير من الشعوب والامم حينما يحصل هناك نجاح وظفر وانجاز هناك نزعة إنسانية ان الانسان فرداً ومجتمعاً يريد ان يُعبر عن فرحته وابتهاجه وسروره بتحقيق ذلك النجاح والظفر والنصر وتارة قد يكون هذا النجاح والظفر والانتصار يتعلق بأصحاب دين معيّن او اصحاب قومية معينة او شعب معين.

نزعة انسانية لدى الانسان حينما يتحقق أحد هذه الامور تنزع نفسه فرداً ومجتمعاً ان يعبّر عن الابتهاج والفرح والسرور بتحقيق ذلك النصر والظفر، هذا عيدٌ لدى المجتمعات الانسانية بصورة عامة.

ولكن ما هو الفرق بين العيد وفق المفهوم والنظرة الاسلامية والعيد لدى الامم والشعوب الاخرى هذا ما نستكشفه من خلال الروايات الشريفة التي وردت لنا عن المعصومين (عليهم السلام).

ما هو الظفر وما هو النجاح وما هو الانتصار الذي حققناه في شهر رمضان حتى نحتفل بهذا النصر؟!

شهر رمضان موسم عبادي كامل ومُحكم يتصف بالغزارة والغِنى بالجوانب العبادية والروحية، من جهة يريد الله تعالى ان تقوى ارادة الانسان المؤمن ويكون صلباً أمام الشهوات والغرائز والمحرمات، يريد منه ان يحصّل ملكة التقوى ويريد منه ان يحصّل الاخلاق الحميدة ويريد منه ان يكون له قلب رحيم عطوف حنون يتحلى بهذه الصفات ويتحسسها ازاء الفقراء والمحرومين ففرض عليه الجوع والعطش لكي يتحسس معاناة الفقراء.

هل هناك من الناس من يعيش هذه المعاناة؟! نعم هناك الكثير ممن لا يجد عند افطاره شيئاً من الطعام يشبع جوعته، أراد الله من المتمكن ان يتحسس هذه الآلام فينطلق قلبه بالرحمة نحو الطبقات الفقيرة والمسحوقة، اراد الله تعالى من الصيام ان ننتقل بأرواحنا وقلوبنا الى عوالم الاخرة، هناك في الاخرة جوع وعطش أشد من العطش والجوع الذي نعيشه هذه الايام وغير ذلك من هذه الامور، وينتصر فيها الانسان المؤمن على الشيطان وعلى شهواته ورغباته، وما أعظم هذا الانتصار الذي يحقق ملكة التقوى.

في آخر يوم المؤمن والامّة المؤمنة وُفقوا ان أتمّوا واكملوا هذا الموسم العبادي بنجاح، نفوسهم تنزع كبقية البشر ان يعبّروا نحن اتممنا وأكملنا وانتصرنا على شهواتنا وشيطاننا نريد ان نعبّر عن فرحنا وابتهاجنا بهذا النصر والظفر.

يقول المشرّع الإسلامي نعم لكم الحق في ذلك أنتم كبقية البشر تريدون ان تعبّروا عن فرحتكم ولكن التفتوا وتنبهوا لا تكونوا كبعض الشعوب التي تعبّر وتفرح وتعبّر عن فرحها وابتهاجها بأمور محرّمة وبأمور عبثية تخلوا من الهدف، الله تعالى يقول اريد منكم ان تفرحوا وتبتهجوا ولكن لابد ان يكون هذا الفرح والابتهاج بهدف وغاية تتعلق بديمومة الوصول الى التقوى و بديمومة الاتصال بالله تعالى، لذلك يقول الله تعالى سأجعل من عيد فطركم موسم عبادياً آخر لكي تدوم حالة التواصل مع الله تعالى وتدوم ملكة التقوى.

حصنّوا فرحكم من ان يكون بلا هدف وبلا غاية، التفتوا من بعض الممارسات التي تكون لدى الاخرين في التعبير عن فرحهم وابتهاجهم بأمور محرّمة، انتم مؤمنون لابد ان تكونوا حتى في تعبيركم عن فرحكم وابتهاجكم بما يرضي الله تعالى وان لا يكون عبثياً ولابد ان يكون هادفاً وله غاية تتناسب وتتوافق مع الغاية من خلقكم.

لذلك العيد في الاسلام له نشأة وله مفهوم وله غاية وله هدف وعلينا ان نفهم ما هي نشأة العيد في الإسلام وما هي الغاية التي ارادها الله تعالى ان نصل إليها، لذلك وضع لنا مراسم العيد، كيف نحيي ونعيش هذا العيد عيد الفطر وبقية الأعياد.

الائمة عليهم السلام لم يتركوا هذا الامر من دون توضيح وتفصيل بل بيّنوا من خلال الأحاديث التي وردت كيف نعيش هذا العيد.

أولها ان يعيش الانسان المؤمن حالة الخوف والقلق والتوجّس لا يدري أقُبل منه الصيام حتى يشكر الله تعالى أم لم يُقبل منه الصيام حتى يستغفر الله تعالى ويطلب منه العفو، لا يكون الانسان المؤمن فرحاً حينما يَحلُ عليه يوم العيد.. نعم، فرحٌ بمعنى آخر، لا يكون فرحاً انه انتهى شهر الصيام وانا أكملت الصيام وقد انتهى كل شيء وقد قُبل منّي الصيام وسُجّل لي وانتهى كل شيء وسقط عنّي هذا التكليف بجميع آثاره.

لذلك في احدى خُطب أمير المؤمنين (عليه السلام) يبين هذا المعنى، وكذلك الامام الحسن (عليه السلام) في احدى الروايات التي وردت انه مرَّ الامام الحسن (عليه السلام) في يوم عيد الفطر بقوم يلعبون ويضحكون فوقف على رؤوسهم فقال: "إن الله جعل شهر رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته الى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وقصّر آخرون فخابوا، فالعجب – كل العجب- من ضاحك لاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون، ويخسر فيه المبطلون، وأيم الله لو كشف الله الغطاء لعلموا أن المحسن مشغول بإحسانه، والمسيء مشغول بإساءته".

لذلك حالنا اخواني إمّا ان الله تعالى قبَلَ صيامنا فعلينا ان نشكره، واما انّه لم يقبل صيامنا لإساءتنا فعلينا ان نستغفر الله تعالى والاستغفار الحقيقي ان يتحرق القلب ويعيش حرقة الندم على ما صدر منهُ من التفريط.

ايضاً من الامور المهمة ايها الاخوة والاخوات علينا ان نلتفت اليها ونعيشها ونتحسسها في بداية يوم العيد حينما تخرجون ان شاء الله تعالى من منازلكم الى مواقع صلاة العيد والى مرقد الامام الحسين (عليه السلام) للزيارة.

التفتوا اخواني في كل الممارسات العبادية الله تعالى من جملة الاهداف العظيمة وعلى رأسها اراد ان يذكّر الانسان دائماً بأهوال يوم القيامة ويذكره بالآخرة وان  يعيش المؤمن دائماً الحالة التي يكون عليها في عرصات يوم القيامة، في يوم العيد لا تنسوا يوم القيامة  ولا تنسوا أهوال الآخرة، حينما تخرج من منزلك لكي تأتي وتصلي صلاة العيد وانتم تأتون جماعات من البيوت الى هذه الاماكن، ماذا ينبغي ان يكون شعوركم واحساسكم.

لاحظوا امير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة عيد الفطر: "أيها الناس إن يومكم هذا يوم يثاب فيه المحسنون ويخسر فيه المسيئون وهو أشبه بيوم قيامتكم، فاذكروا بخروجكم من منازلكم الى مصلاّكم خروجكم من الأجداث الى ربكم، واذكروا بوقوفكم في مصلاكم وقوفكم بين يدي ربكم، واذكروا برجوعكم الى منازلكم رجوعكم الى منازلكم في الجنة او النار، واعلموا – عباد الله- إن أدنى ما للصائمين والصائمات أن يناديهم ملك في آخر يوم من شهر رمضان: أبشروا – عباد الله- فقد غُفر لكم ما سلف من ذنوبكم فانظروا كيف تكونون فيما تستأنفون"..

ايضاً من الامور المهمة اخواني في يوم العيد والتي نأمل منكم ان تجتهدوا في تطبيقها، لماذا اراد وحث الاسلام ان تكون صلاة العيد جماعة، لاحظوا اخواني الانسان بطبعه حينما يعيش اجواء الفرح والسرور ينفتح قلبه على اخيه فينسى ما بينه وبين اخيه من مشكلة وتجاوز واساءة ويبتدئ فيلقى اخاه بالمصافحة والمعانقة والسماح له والمغفرة لما صدر منه وبالتالي عودة العلاقة الطيبة بين المؤمنين وفي نفس الوقت هذا التصافح والتعانق والتلاقي يقوي الآصرة الاجتماعية، هذه الاجواء هي أدعى وأقوى في تنقية العلاقات الاجتماعية بين المؤمنين فيتماسكوا وتتراص صفوفهم وتقوى علاقاتهم الاجتماعية.

لذلك ايها الاخوة والاخوات حينما تتوجهون الى صلاتكم وحينما تسيرون في الشوارع وتلتقون في البيوت تصافحوا وتعانقوا، الذي بينه وبين مؤمن آخر من تعكر للعلاقة او حصلت بينه وبين الاخر اساءة او تجاوز وبينهما تقاطع وهجران وتدابر ان يلاقي اخاه ويبتدئ بمصافحته ومعانقته لكي يسود الانسجام والايمان بين المؤمنين وتقوى العلاقات هكذا اراد الله تعالى ان نُحيي يوم عيد الفطر بهذه الاجواء التي تصفى فيه القلوب.

ايها الاخوة والاخوات حينما تبتدأوا يوم عيدكم ابتدأوا بالنظر الى قلوبكم اولاً.

هل تجدوا فيها شيئاً من الحسد فحاولوا ان تقلعوه هل تجدوا فيها شيئاً من النفاق ان تواجه اخيك المؤمن بابتسامة ولسان طيب الكلام ولكن تُضمر في قلبك شيئاً من العداوة والكُره اليه واذا تركك سلقته بلسان حاد من الغيبة والنميمة والطعن، هل تجد في قلبك شيئاً من هذا وربما الكثير منّا يشتمل على هذه الصفة، اسعى بقلع هذه الصفة الذميمة التي لا تتناسب مع حقيقة الانسان الصائم الذي ينبغي ان يكون صومه كما يُحبه الله تبارك وتعالى.

ففي يوم العيد انظر ابتداءً الى قلبك وطهره من مذام الصفات التي تنتج الكثير من الافعال والسلوكيات الذميمة لذلك ليكن يوم عيد فطرنا يوم تحابب وتلاقي وتوادد وتصافي في العلاقات بيننا وبين المؤمنين وخصوصا الارحام واهل الفضل واهل العلم والتقوى.

وايضاً ننبه الاخوة المؤمنين ان هناك من رجالنا الابطال الذي ضحّوا من أجل ان يدوم هذا التجمع ومن اجل ان يبقى هذا الاجتماع الايماني ومن اجل ان تُحفظ مقدساتنا وان تُصان أعراضنا، اولئك هُم الشُهداء الأبرار.

عليكم اخواني ان لا تنسوا عوائل هؤلاء الابطال، فإنهم في هذا اليوم كانت في السنين السابقة تحوطهم الفرحة والبهجة والسرور ان رب العائلة وان كفيل العائلة وان حامي العائلة يعيش بين أظهرهم، الآن يلتفتون يمنة ويسرة فإذا هذا رب العائلة وكافل العائلة تحت التراب مضى شهيداً مضرجاً بدمائه من أجلنا ومن اجل مقدساتنا واعراضنا فهؤلاء الشهداء وهؤلاء العوائل والايتام وهؤلاء النسوة والرجال الذين انتجوا بتربيتهم ودينهم هؤلاء الابطال الذين ضحّوا لهم حق عظيم علينا.

فينبغي للإخوة المؤمنين والمؤمنات ان يلاحظوا ويُراعوا في يوم عيدهم زيارة تفقد عوائل الشهداء وعوائل الايتام ويحوطوهم بالبسمة والرعاية والتكريم والتحسيس لهم انه اذا كان رب العائلة واحدٌ قد ذهب فهناك العشرات من الاباء الذين سيحفظون لهذه العائلة رعايتها فإن الله تعالى جعل نفسه خليفة على عائلة الشهيد فمن أرضاهم فقد ارضى الله تعالى وهذه الرعاية والكفالة والاحتضان لهؤلاء لاشك انها تُرضي الله تعالى فكونوا على يقظة وتنبه مما هو مهم وما يحبه الله تعالى لكم.

*مقتطف من الخطبة الثانية لصلاة الجمعة بإمامة سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي في 30/ شهر رمضان/ 1439هـ الموافق 15 /6 /2018م
2018/06/16