خديجة (ع).. مؤمنة في زمن الكفر!

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:371
مشاركة
A+ A A-

في زحمة التاريخ الإسلامي، تبرز شخصية استثنائية امتزجت فيها عظمة الإنسان بسمو الإيمان، وتجلت فيها أرقى صور الوفاء والتضحية. امرأة كانت نموذجاً فريداً للعطاء دون حدود، وللإيمان الصادق دون تردد. إنها السيدة خديجة بنت خويلد، أم المؤمنين وزوجة النبي محمد (ص)، التي سطرت في تاريخ الدعوة النبوية أروع صفحات البذل والإيثار والصدق.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

إن المتأمل في سيرة هذه المرأة العظيمة لا يمكنه إلا أن يقف مشدوهاً أمام تلك الشخصية الفذة التي تميزت بكمالها الإنساني قبل اقترانها بالنبي (ص)، ثم ازدادت شرفاً وعظمة بزواجها منه، فكانت الزوجة الصالحة والأم الرؤوم والداعمة الرسالية المخلصة. فلنبحر معاً في رحاب سيرتها العطرة لنقتبس من فيض عطائها ونستلهم من عظيم مواقفها.

خديجة: الأنموذج الإنساني الفريد

جاء في الحديث الشريف عن رسول الله (ص) قوله: "أفضل نساء [أهل] الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون". هذا الحديث يضع السيدة خديجة في مصاف النساء الأكثر تميزاً في تاريخ البشرية، ويؤكد أنها ليست امرأة عادية في التاريخ الإسلامي والإنساني، بل هي القدوة والنموذج الأسمى في الإخلاص والتفاني والجهاد وسعة العقل والحكمة.

لقد حباها الله بمعدن طاهر وروح نقية، هيأتها لتكون عظيمة في عينه تعالى، وأهلتها لتكون الحضن الطاهر المخصوص بالكرامة العظيمة، وهي أن تكون أماً لسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، وجدة للحسنين (ع). ولقد كان للأئمة من أهل البيت (ع) فخر عظيم بانتسابهم إليها، كما روي عن الإمام الحسين (ع) في يوم عاشوراء حين خاطب القوم المحيطين به قائلاً: "أنشدكم الله، هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد، أول نساء هذه الأمة إسلاماً؟ قالوا: اللهم نعم".

السباقة إلى الإسلام: أول من آمن بالرسالة

منذ أن عرفت محمداً (ص) أدركت خديجة بفطرتها السليمة وبصيرتها الثاقبة أنه ليس شخصاً عادياً، فتزوجت به وأخلصت له. وعندما جاءه الوحي وبدأت الدعوة الإسلامية، كانت السيدة خديجة السباقة إلى الإيمان برسالته دون تردد أو شك.

يروي أمير المؤمنين علي (ع): "ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وأنا ثالثهما". وفي هذا دليل على فضلها العظيم وسبقها إلى الإيمان. كما سجل التاريخ أن أول صلاة جماعة في الإسلام ضمت النبي (ص) وعلياً وخديجة، في مشهد رواه عفيف بن عمرو حين كان جالساً مع العباس بن عبد المطلب في مكة قبل ظهور أمر النبي (ص)، فشاهد ثلاثة أشخاص يصلون: شاب وغلام وامرأة. فأخبره العباس أن الشاب هو محمد بن عبد الله، والغلام هو علي بن أبي طالب، والمرأة هي خديجة بنت خويلد، وأن ابن أخيه أخبره أن ربه أمره بهذا الدين، وأنه ما على ظهر الأرض على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

خديجة تخطب رسول الله (ص): قصة زواج غير تقليدية

من المواقف الجريئة والمتميزة في حياة السيدة خديجة أنها هي التي طلبت خطبة النبي (ص)، في خروج عن المألوف الاجتماعي الذي كان سائداً آنذاك. لقد كانت امرأة عاقلة حكيمة، تدرك تماماً أن قرار الزواج مصيري ومشترك، وأن للمرأة دوراً ورأياً فيه.

 

كانت خديجة قبل البعثة تلقب بـ "الطاهرة" لعفتها وطهارتها، وكانت سيدة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال ليعملوا في تجارتها. وعندما بلغها عن محمد (ص) صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، عرضت عليه أن يخرج في تجارتها إلى الشام مع غلامها ميسرة. وبعد عودته ونجاح رحلته التجارية، أرسلت إليه قائلة: "إني قد رغبت فيك لقرابتك مني وشرفك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك"، وعرضت عليه الزواج، فخطبها وتزوجها.

ومن المواقف المشرقة في قصة زواجهما أنه عندما خطبها أبو طالب من عمها ورقة بن نوفل وتلجلج عمها في الإجابة، تقدمت هي بكل ثقة وقالت: "يا عماه إنك وإن كنت أولى بنفسي مني في الشهود فلست أولى بي من نفسي، قد زوجتك يا محمد نفسي، والمهر علي في مالي". هذا الموقف يظهر شخصيتها القوية وإرادتها الحرة واعتزازها بذاتها، مع الحفاظ التام على عفتها وكرامتها.

من أجمل خصالها: صدق الإيمان والعطاء دون حدود

لم يكن إيمان خديجة برسول الله (ص) نابعاً من عصبية لزوجها، بل كان إيماناً عن بصيرة ووعي وإخلاص. فعندما نزل الوحي على النبي (ص) وعاد مرتجفاً إلى بيته، كانت أول المصدقين والمطمئنين له. روت السيدة عائشة أن النبي (ص) كان يثني على خديجة دائماً، وعندما سألته عنها قال: "لا والله، ما أبدلني الله خيراً منها، آمنت [بي] إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولاداً إذ حرمني أولاد النساء".

ومن أبرز خصالها أيضاً العطاء غير المحدود في سبيل الله ونصرة الدين. فقد بذلت مالها وقوتها وراحتها من أجل نصرة الإسلام، وتخلت عن حياة الرفاهية التي كانت تعيشها قبل الإسلام، لتتحمل الأذى والحصار مع رسول الله (ص) في شعب أبي طالب، حتى فارقت الدنيا وهي في الحصار، فدفنها النبي (ص) في الشعب المذكور.

وكان مالها نعم العون لرسول الله (ص) في زمن الشدة والحصار، فقد روي أن النبي (ص) قال: "ما نفعني مال قط مثل ما نفعني مال خديجة"، وكان يفك من مالها الغارم والأسير، ويحمل الضعيف، ويعطي في النائبة، ويساعد فقراء أصحابه، ويساعد من أراد منهم الهجرة. وكانت خديجة من أكثر قريش مالاً، حيث كانت تملك طائفة من العير في رحلات قريش التجارية.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

المؤازرة المعنوية: دور لا يقل أهمية

ومن أروع خصال السيدة خديجة أنها كانت المتفانية في مؤازرة رسول الله (ص) معنوياً، وهذا دور لا يقل أهمية عن المؤازرة المادية. كانت تؤنسه وتخفف عنه مصاعب التحدي وآلام التكذيب والظلم الذي كان يتلقاه من قريش. جاء في السيرة النبوية: "وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدقت بما جاءه من الله، ووازرته على أمره... فخفف الله بذلك عن نبيه (ص)، لا يسمع شيئاً [مما] يكرهه من رد عليه وتكذيب له، فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عليه، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس".

هذا الدعم المعنوي والنفسي كان له الأثر الكبير في تثبيت النبي (ص) وتقوية عزيمته، خاصة في بداية الدعوة حين كان التحدي في أشده والمعارضة في أوجها.

رسول الله والوفاء لخديجة: نموذج الحب الخالد

كان موت خديجة ثقيلاً على قلب رسول الله (ص)، فقد غابت الزوجة والعشيرة، وارتحلت المؤازِرة والمناصِرة. وتزامن موتها مع موت عمه أبي طالب، فعظُمت المصيبة عليه وسمى ذلك العام بـ "عام الحزن"، وقال: "ما نالت قريش مني شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب".

ومرت السنين على وفاة خديجة، لكنها بقيت حاضرة في قلب رسول الله (ص) وذاكرته، فكان يحن إليها ويثني عليها، ويذكرها بما هي أهله. وكان من مظاهر وفائه لها أنه كان يُكرم صديقاتها ويرسل إليهن الهدايا. روت السيدة عائشة أنها قالت: "دخلت على رسول الله (ص) امرأة، فأتي رسول الله (ص) بطعام فجعل يأكل من الطعام ويضع بين يديها، فقلت يا رسول الله لا تغمر يديك، فقال رسول الله (ص): إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن العهد أو حفظ العهد من الإيمان".

كما روت أيضاً: "ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، وما بي أن أكون أدركتها، ولكن ذلك لكثرة ذكر رسول الله (ص) إياها، وإن كان ليذبح الشاة فيتتبع بذلك صدائق خديجة يهديها لهن".

وفي البخاري بسنده عن عائشة قالت: "ما غرت على أحد من نساء النبي (ص) ما غرت على خديجة وما رأيتها ولكن كان النبي (ص) يكثر ذكرها وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له كأنه لم يكن في الدنيا إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد".

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

تبقى سيرة السيدة خديجة بنت خويلد (ع) نبراساً يضيء دروب الأجيال، ونموذجاً فريداً للمرأة المسلمة في إيمانها وعطائها وتضحيتها ودعمها لزوجها ودينها. امرأة سابقت الزمن واستشرفت المستقبل بنور البصيرة، فآمنت برسالة الإسلام منذ اللحظات الأولى، وقدمت كل ما تملك من مال وجهد ودعم نفسي ومعنوي لنصرة هذا الدين.

إن سيرتها العطرة تخاطب المرأة المسلمة في كل زمان ومكان، وتدعوها لأن تكون عنصر بناء وعطاء في أسرتها ومجتمعها، وأن تؤدي دورها الرسالي بكل إخلاص وتفان، كما تخاطب الرجل المسلم وتدعوه للاقتداء بالنبي (ص) في وفائه ومحبته وتقديره لزوجته.

المصادر:

  1. الخصال، ص 206.
  2. الأمالي للصدوق، ص 222.
  3. نهج البلاغة، ج 2، ص 157.
  4. الإرشاد للمفيد، ج 1، ص 30.
  5. الإصابة، ج 8، ص 99.
  6. أسد الغابة، ج 1، ص 16.
  7. تاريخ الطبري، ج 2، ص 34.
  8. الكافي، ج 5، ص 374.
  9. الاستيعاب، ج 4، ص 1824.
  10. الأمالي للشيخ، ص 468.
  11. السيرة النبوية، ج 1، ص 158.
  12. إمتاع الأسماع، ص 1، ص 45.
  13. المعجم الكبير للطبراني، ج 23، ص 14.
  14. البخاري، ج 4، ص 231.
مواضيع مختارة