خاص لموقع الأئمة الاثني عشر - قال تعالى: (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين) سورة النحل: 45-46
تكاد تكون نهاية يزيد بن معاوية واحدة من أكثر المواضيع إثارة للجدل والغموض في مدونات، فبينما اتفقت الروايات على تحديد البقعة الجغرافية التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة، انفتحت روايات آخرى على مصراعيها لرصد سيناريوهات مختلفة، لكيفية موته.
أورده ابن قتيبة الدينوري في كتابه "المعارف" أن فترة ولاية يزيد لم تتجاوز ثلاث سنين وبعض شهور، ليعاجله الموت في بلدة "حوارين" من أعمال دمشق سنة أربع وستين للهجرة، وهو في الثامنة والثلاثين من عمره. وهذا التحديد لقرية "حوارين" الشامية يبدو بمثابة خيط الإجماع التاريخي الذي التقت عنده الروايات، إذ يسجل البلاذري في "أنساب الأشراف" نقلاً عن أبي اليقظان أن يزيد—الذي تولى سنة ستين للهجرة—هلك في تلك البقعة بالذات.
ويقترب اليعقوبي من هذا السياق مؤكداً وفاته في حوارين في شهر صفر من العام نفسه، بينما يشير ابن عبد ربه في "العقد الفريد" إلى موته ودفنه في حوارين خارج حدود دمشق. أما المسعودي في مروجه، فيذهب إلى تحديد أدق للزمن، جاعلاً يوم هلاكه لسبع عشرة ليلة خلت من صفر سنة أربع وستين، عن عمر يناهز ثلاثاً وثلاثين سنة.
المسعودي ينقل عن رجل من قبيلة "عنزة" قوله متهكماً:
يا أيها القبر بحوّارِينا *** ضممت شَرَّ الناس أجمعينا
وعلى النقيض تماماً، يأتي رثاء الشاعر النصراني الأخطل الذي بكى يزيد في قصيدته قائلاً:
مقيم بحوَّارِينَ ليس يَريِمُها *** سقته الغوادي من ثَويٍ ومن قبر
وبين هاتين الصورتين، يقدم ابن حبان تاريخاً مغايراً بنحو شهر، جاعلاً وفاته لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة أربع وستين وهو ابن ثمان وثلاثين، وهي الرواية ذاتها التي يدعمها ابن العديم في "زبدة الحلب" مؤكداً أن حوّارين الشام كانت محطته الأخيرة.
أما في كيفية موته:
في طليعة الروايات ما تفرضه صورة السلوك اليومي ليزيد في كتب المؤرخين، حيث ينقل البلاذري عن شيخ شامي أن سبب الوفاة يعود إلى إفراطه في الشراب، إذ حمل قردة على أتان وهو مخمور، وراح يركض خلفها حتى سقط فاندقت عنقه أو انقطع في جوفه شيء. وفي رواية أخرى يسندها البلاذري إلى ابن عياش، يظهر يزيد خارجاً للصيد سكراناً بحوارين، ممتطياً فرسه وأمامه أتان وحشية عليها قرد، وراح يسوقها منشداً بخيلاء:
أبا خلف، احتل لنفسك حيلة *** فليس عليها إن هلكت ضمان
فسقط مغشياً عليه لتدق عنقه أرضاً.
هذه النهاية المرتبطة بالخمر والرقص يعيد ابن حبان صياغتها برواية تقول إن يزيد سكر ليلة وقام يرقص، فاختل توازنه وسقط على رأسه فتناثر دماغه. وهي ذات الحكاية التي يرويها الذهبي في "سير أعلام النبلاء" عن محمد بن أحمد بن مسمع، مؤكداً انشقاق رأسه وبروز دماغه، ليعلق الذهبي على شخصية يزيد واصفاً إياه بأنه كان "ناصبياً، فظاً، غليظاً، جلفاً، يتناول المسكر، ويفعل المنكر".
أما ابن حمدون في تذكرته، فيورد رواية مختلفة للحادثة يرويها أبو عمرو الشيباني، تبتعد عن القردة وتقترب من مجازفة الخيل، ومفادها أن يزيد شرب حتى ثمل، ثم ركب فرساً وصعد بها جبلاً حتى شارف على هوة تفصله عن جبل آخر، فأراد أن يثب بفرسه ليعبر الصدع وقرعها بالسوط، فوثبت الفرس لكنها سقطت في الهوة ليلقى حتفه فوراً.
وفي كتاب "البداية والنهاية"، يرسم ابن كثير صورة لطقوس يزيد اليومية، مبيناً ولعه بالمعازف والغناء، والكلاب، ومناطحة الكباش، وصراع الدباب والقرود، حتى إنه كان يصبح مخموراً كل يوم، ويربط القرد بحبال على خيل مسرجة ويلبسه قلانس الذهب كالغلمان، ويحزن عليه حزناً شديداً إذا نفق. وينقل ابن كثير أن إحدى الروايات تعزو وفاته إلى قردة كان يلاعبها وينقزها فعضته عضة تسببت في هلاكه.
بالمقابل، تقدم بعض المراجع تفسيراً آخر، إذ ينقل ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب" أن يزيد توفي بعد وفاة مسلم بن عقبة بنيّف وسبعين يوماً بسبب إصابته بـ"الذبحة وذات الجنب". وفي لغة العرب، كما يعود بنا ابن منظور في لسان العرب، فإن "الذُّبَحة" وجع شديد يأخذ في الحلق من الدم، أو هي قرحة تسد مجرى النفس حتى تقضي على المريض خنقاً.
و ينقل السيد ابن طاووس في كتابه "اللهوف" عن كتاب لأبي مخنف تفاصيل رحلة الصيد الأخيرة ليزيد. تذكر الرواية أن يزيد خرج في عشرة آلاف فارس للصيد، وابتعد مسيرة يومين عن دمشق، فلاح له غزال (ظبية)، فمنع أصحابه من تتبعه وانطلق خلفها بمفرده من وادٍ إلى وادٍ حتى أضاعها في وادٍ مهول، وأنهكه العطش الشديد. هناك، التقى برجل يحمل صحناً من الماء، فلما سقاه قال له يزيد متباهياً: "لو عرفتَ من أنا لازددتَ من كرامتي"، فسأله الرجل عن هويته، فقال: "أنا أمير المؤمنين يزيد بن معاوية". عندئذ انتفض الرجل صائحاً: "أنت—والله—قاتل الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) يا عدو الله؟"، وهمّ بالقبض عليه، فنفر الفرس وسقط يزيد أرضاً بعد أن علقت رجله بالركاب، فجعل الفرس يركض فزعاً ويزيد يرتطم بالصخور والرماد خلفه حتى تمزق جسده إرباً إرباً. ولم يجد ندماؤه العشرة المقربون الذين اقتفوا أثره ليعرفوا خبره سوى فرسه الشاردة وقد علق بالركاب فخذه الممزقة، لتعلو الصيحات في المعسكرين ويعودوا بجريرتهم إلى دمشق.
وتلتقي هذه النهاية العقابية مع تلك الرؤية التي نقلها مقتل الخوارزمي عن عمر بن عبد العزيز في قوله: "رأيتُ فيما يرى النائم أنَّ القيامة قد قامت—إلى أن قال—ثم مررت على وادٍ من نار فإذا رجل فيه، كلَّما أراد أن يخرج قُمع بمقامع من نار، فقلت من هذا؟ قيل يزيد بن معاوية".