يتداول الكثيرون روايات عن "الأبدال" وارتباطهم بالشام، مما يثير تساؤلات عن أصل هذه الروايات وصحتها ومدى توافقها مع عقيدة أهل البيت عليهم السلام. في هذا المقال نكشف عن بعض ما نعرفه عن هذا المصطلح من خلال النصوص.
المعنى الحقيقي للأبدال كما بينه أهل البيت عليهم السلام
روى خالد بن أبي الهيثم الفارسي سؤالاً مباشراً وجهه للإمام الرضا عليه السلام حول هذا المفهوم: "إن الناس يزعمون أن في الأرض أبدالاً، فمن هم هؤلاء الأبدال؟"
جاء جواب الإمام واضحاً: "صدقوا، الأبدال هم الأوصياء، جعلهم الله عز وجل في الأرض بدل الأنبياء، إذا رفع الأنبياء، وختمهم بمحمد صلى الله عليه وآله".
هذه الرواية تهدم أساس الفهم الشائع للأبدال وتعيد المصطلح إلى معناه الصحيح: الأوصياء الذين جعلهم الله بدلاً من الأنبياء، وهم الأئمة المعصومون من أهل البيت عليهم السلام.
في دعاء أم داود المروي عن الإمام الصادق عليه السلام، يرد ذكر الأبدال في سياق يستحق التأمل:
"اللهم صل على محمد وآل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما صليت، ورحمت، وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم صل على الأوصياء والسعداء، والشهداء، وأئمة الهدى، اللهم صل على الأبدال والأوتاد، والسياح والعباد، والمخلصين والزهاد، وأهل الجد والاجتهاد".
لكن ما ورد في هذا الدعاء جاء على سبيل النعت والتوصيف، ولا يدل على وجود أشخاص محددين يطلق عليهم هذا الاسم. بل إن الصفات المذكورة تنطبق حقيقةً على أئمة الهدى عليهم السلام، وإطلاقها على غيرهم يكون على سبيل المجاز والتسامح في التعبير.
موقف الأئمة من روايات "أبدال الشام"
ثمة رواية مهمة تكشف موقف الأئمة عليهم السلام من أحاديث أبدال الشام. روى الشيخ المفيد عن محمد بن سويد الأشعري قال:
"دخلت أنا وفطر بن خليفة، على جعفر بن محمد، فقرب إلينا تمراً فأكلنا، وجعل يناول فطراً منه.. ثم قال له: كيف الحديث الذي حدثتني عن أبي الطفيل في الأبدال؟"
فقال فطر: "سمعت أبا الطفيل يقول: سمعت علياً أمير المؤمنين عليه السلام يقول: الأبدال من أهل الشام، والنجباء من أهل الكوفة، يجمعهم الله لشر يوم لعدونا.."
رد الإمام الصادق عليه السلام بكلام يوحي بعدم رضاه عن مضمون هذا الحديث: "رحمكم الله، بنا يبدأ البلاء ثم بكم. وبنا يبدأ الرخاء ثم بكم، رحم الله من حببنا إلى الناس، ولم يكرِّهنا إليهم".
يلفت النظر أن الإمام عليه السلام كان يناول التمر لفطر بن خليفة (وهو من رجال العامة)، مما قد يشير إلى أنه أراد التلطف به لاستخراج إقراره بالحديث، تمهيداً لإعلان عدم رضاه عن مثل هذه الروايات.
بعد أن نقل فطر الحديث، أعلن الإمام بلطف وحكمة عدم رضاه عن مضمونه، ربما لأنه اعتبره:
- وسيلة للتحريض على أهل البيت وشيعتهم.
- إثارة للمناوئين ضدهم، إذا علموا أن الشيعة سيجتمعون يوماً لمواجهتهم.
- تأييداً لحكم بني أمية وتقوية لهم، مما يزيد من معاناة أهل البيت وشيعتهم.
من وضع حديث الأبدال ولماذا؟
من خلال تحليل الروايات والمواقف، يظهر أن حديث الأبدال في الشام قد وضعه الأمويون ورَوّجوا له لتحقيق هدف محدد: تأييد ملكهم وسلطانهم وإضفاء نوع من القدسية على منطقة نفوذهم.
المثير للاهتمام أن هذا الحديث لا أثر له في كتب شيعة أهل البيت عليهم السلام، وهذا يعزز فرضية كونه موضوعاً.
يتضح مما سبق:
- الأبدال في المعنى الحقيقي هم الأوصياء الذين جعلهم الله بدلاً من الأنبياء.
- حديث أبدال الشام موضوع بهدف تقوية سلطان الأمويين.
- الأئمة عليهم السلام لم يقبلوا بهذا التفسير وأظهروا عدم رضاهم عنه.
- لا يصح تطبيق روايات أبدال الشام على شيعة أهل البيت الذين يعيشون في بلاد الشام.
وعلى الواعي أن يتحرى في قبول الروايات وأن يرجع إلى المصادر الموثوقة، خاصة فيما يتعلق بالمفاهيم العقائدية المهمة.