في ليلة من ليالي بغداد المظلمة، وبينما كانت قصور الخلافة العباسية تتلألأ بأنوار المجد الزائف، كان السم يتسرب في عروق شاب لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره. لم يكن هذا الشاب مجرد إنسان عادي، بل كان حفيد النبي محمد صلى الله عليه وآله. إنه الإمام محمد الجواد عليه السلام، الذي سيلفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتلو القرآن، تاركاً وراءه قصة اغتيال تكشف عن صفحة سوداء من صفحات التاريخ الإسلامي.
لم تكن وفاة الإمام محمد الجواد طبيعية كما قد يعتقد البعض، بل كانت نتيجة مؤامرة دبرها بعناية المعتصم العباسي، الذي لم يتورع عن اقتراف هذه الجريمة النكراء رغم صلة القربى التي تربطه بالضحية.
تختلف المصادر التاريخية حول الطريقة التي نفذ بها المعتصم جريمته البشعة. تشير إحدى الروايات إلى أن الخليفة العباسي كلف أحد كتاب وزرائه بدعوة الإمام إلى منزله ودس السم له. في البداية اعتذر الإمام عن الحضور، لكن الكاتب ألح عليه بحجة التبرك بزيارته، مدعياً أن أحد الوزراء يشتاق للقائه.
لم يجد الإمام مفراً من إجابة الدعوة، وعندما تناول الطعام أحس بتأثير السم فوراً. طلب دابته للخروج من المنزل، وعندما ألح عليه صاحب البيت بالبقاء، رد الإمام بكلمات نبوية: "خروجي من دارك خير لك".
أما الرواية الثانية فتكشف عن مؤامرة أكثر مكراً ودهاءً، حيث تذكر أن المعتصم أغرى بنت أخيه "أم الفضل"، زوجة الإمام، بالأموال لتقوم بدس السم لزوجها. وبهذا العمل الشنيع، قطع المعتصم أواصر القربى ولم يرع حرمة النبي في أحفاده.
الدوافع الخفية وراء الاغتيال
كانت وراء هذه الجريمة دوافع متعددة تكشف عن طبيعة الصراع السياسي في تلك الحقبة. أولى هذه الدوافع كانت وشاية "أبي داود" التي سممت أذن المعتصم ضد الإمام الجواد عليه السلام.
لكن الدافع الأعمق كان الحسد الذي أكل قلب المعتصم عندما رأى الإكبار والتعظيم الذي يحظى به الإمام عليه السلام بين عامة المسلمين. فقد تحدث الناس بإجماع عن مواهبه وعبقرياته رغم صغر سنه، وتناقلوا قصصاً عن أخلاقه العالية وحلمه وصبره، وبره بالفقراء وإحسانه للمحرومين.
هذه الصفات النبيلة ملأت الأندية والمحافل بذكرها، مما أثار غيرة المعتصم وحقده، فقرر فرض الإقامة الجبرية على الإمام في بغداد كخطوة أولى، ثم التخطيط لاغتياله كحل نهائي لما اعتبره تهديداً لسلطته.
عندما بدأ السم يتفاعل مع جسد الإمام الشاب، بدأت معاناة مروعة. انتشر السم في جميع أجزاء بدنه وأخذ يعاني آلاماً مبرحة، حتى تقطعت أمعاؤه من شدة الألم. كلفت الحكومة العباسية أحمد بن عيسى بمراقبة حالته والإبلاغ عن تطورات علته.
في الليلة الأخيرة من حياته، أخبر الإمام من كان حوله بقرب وفاته قائلاً: "نحن معشر إذا لم يرض الله لأحدنا الدنيا نقلنا إليه". كانت هذه الكلمات تحمل استسلاماً نبيلاً لقضاء الله، رغم قسوة الظروف التي أحاطت به.
وبينما كان في ريعان الشباب وغضارة العمر، أحس بدنو أجله المحتوم فأخذ يقرأ سوراً من القرآن الكريم. لفظ أنفاسه الأخيرة ولسانه يلهج بذكر الله وتوحيده، وبموته انطفأت شعلة مشرقة من شعل الإمامة والقيادة الواعية في الإسلام.
لقد استشهد الإمام محمد الجواد على يد طاغية عصره المعتصم العباسي، وانطوت برحيله صفحة مضيئة من صفحات الرسالة الإسلامية التي كانت تنير الفكر وترفع منار العلم والفضيلة في الأرض.