تتردد على ألسنة الناس منذ القدم عبارات حول اليوم النحس أو الزمان السعيد، وتنتشر في ثقافات متعددة اعتقادات حول أيام معينة تجلب الحظ السيئ أو الجيد. ولكن هل يمكن إثبات هذه المعتقدات عقلاً أو شرعاً؟ وهل للزمان في حد ذاته خصائص تؤثر في مجريات الأحداث؟
يستحيل علينا إقامة برهان عقلي على سعادة أي يوم أو نحوسته، فطبيعة الزمان متشابهة الأجزاء والمقادير، ولا تختلف قطعة منه عن الأخرى في جوهرها. وحين نتأمل الحوادث التي تقع، نجد أنفسنا عاجزين عن الإحاطة بالأسباب والعلل المؤثرة في وقوعها، فكيف نستطيع أن نعزو للزمن دوراً في إحداثها؟
كما أن التجربة العلمية غير متاحة في هذا المجال، إذ تتطلب تجرد الموضوع (اليوم أو الزمان) لنتمكن من إثبات أثره بشكل قطعي، وهو أمر متعذر. فنحن لا نستطيع عزل “يوم الأربعاء” مثلاً وتجريده من كل العوامل الأخرى لنرى هل هو سبب النحس بذاته.
وإذا عجزنا عن إثبات نحوسة الأيام عقلاً، فإننا نعجز أيضاً عن نفيها بالدليل القاطع. فبُعد الاحتمال لا يعني استحالته، والقول بأن شيئاً غير محتمل لا يعني أنه مستحيل. هذا هو موقف العقل المجرد.
أما من الناحية الشرعية، فقد ورد في القرآن الكريم ذكر للنحوسة وما يقابلها. يقول الله تعالى: “فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ”، وقال تعالى: “إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ”.
لكن سياق هاتين الآيتين يشير إلى أن النحوسة كانت خاصة بفترة نزول العذاب على قوم عاد، وهي سبع ليالٍ وثمانية أيام متوالية. فالنحوسة هنا مرتبطة بحدث العذاب نفسه، وليست صفة متكررة للأيام تدور مع دوران الأسابيع أو الشهور، وإلا لكان الزمان كله نحساً.
وفي المقابل، تحدث القرآن عن البركة والخير، كما في قوله تعالى: “وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ”، إشارة إلى ليلة القدر التي وصفها بأنها “خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ”.
لكن تأمل معنى بركة هذه الليلة يكشف أن سعادتها ليست ذاتية في الزمن، بل مرتبطة بما يقع فيها من أحداث عظيمة كإبرام القضاء ونزول الملائكة والروح، وما يترتب عليها من فضل العبادة وغزارة الثواب وقرب العناية الإلهية من المتوجهين إلى ساحة القدس.
أما في السنة النبوية، فقد وردت روايات كثيرة جداً تتحدث عن سعد الأيام ونحسها، خاصة في أيام الأسبوع وأيام الشهور القمرية. هذه الروايات مبثوثة في كتب الحديث، لكن أغلبها ضعيف السند من مراسيل ومرفوعات، وإن كان بعضها لا يخلو من اعتبار.
والملفت أن كثيراً من الروايات التي تتحدث عن نحوسة بعض الأيام (كيوم الأربعاء وخاصة آخر أربعاء من الشهر)، تعلل ذلك بوقوع أحداث مؤلمة في تلك الأيام، مثل شهادة الإمام الحسين (ع)، وإلقاء إبراهيم (ع) في النار، ونزول العذاب على أمم سابقة، وخلق النار. فالنحوسة هنا مرتبطة بالذكرى والوقائع، وليست صفة ذاتية للزمن.
يبدو أن الحديث عن نحوسة الأيام أو سعادتها لا يستند إلى دليل عقلي قاطع، ولا يشير القرآن إلى أن هناك أياماً متكررة تحمل صفة النحس أو السعد بذاتها.
ما نجده في النصوص هو إشارات إلى أوقات مباركة مرتبطة بالعبادة والقرب من الله، وأيام نحسة ارتبطت بذكرى أحداث مؤلمة. وكأن البركة أو النحوسة ليست في الزمن ذاته، بل فيما يقع فيه من أحداث وما يمارس فيه من أعمال.
ومع ذلك، وردت توجيهات بقراءة القرآن وإخراج الصدقة في أيام معينة، ربما كوسيلة لتحويل ما قد يُعتقد أنه يوم نحس إلى فرصة للقربى والعمل الصالح، أو للاستفادة من بركة أوقات معينة جعل الله فيها فضلاً خاصاً للعبادة والدعاء.
في النهاية، يبقى الأصل في تعامل المؤمن مع الزمن هو التفاؤل والإيمان بأن الخير والشر بيد الله وحده، وأن الزمن وعاء للأحداث، وليس صانعاً لها. فالاعتماد على الله والعمل الصالح خير من الانشغال بتتبع السعد والنحس في الأيام والليالي.