في أعماق كل نفس بشرية، ترقد بذور الغيرة كامنة؛ فإما أن نلجمها فتذبل، وإما أن نغذيها لتنمو وحشاً يلتهم مودة المحيطين بنا. ومن هذا المنطلق، تدرك الأمهات أن رسالتهن السامية كأم لا تقتصر على الرعاية الجسدية، بل تمتد لتشذيب هذه المشاعر لدى أطفالهن، وتعليمهم فن إدارة عواطفهم قبل أن تتحكم هي فيهم.
تقول إحدى الأمهات: لقد وضعت لنفسي ميثاقاً تربويأً صارماً لوأد الغيرة في مهدها، بدأته بنفسي أولاً، فأنا مرآتهم التي تعكس تفاصيل الحياة؛ يراقبونني ويسجلون سكناتي ليتبنوها منهجاً. لذا، حرصت ألا تضيق عيني بنعم الآخرين، وألا يخرج مني حديث يحمل حسداً لأحد، بل أغرس فيهم يقيناً بأن ما نملكه هو قسمة عادلة من رب العالمين، وأن الرضا هو النعمة الكبرى.
وفي دستوري المنزلي، ألغيت بند "المقارنات" تماماً، فلا مفاضلة بين أخ وأخيه، ولا مقارنة مع أحد من خارج الأسرة. أنا لا أبحث عن استنساخ شخصيات كئيبة مكررة، بل أسعى لصقل شخصيات متفردة وسعيدة، مدركة أن لكل منهم بصمته الخاصة وقدراته التي تميزه، فأقبلهم كما هم، وأبحث عن مهارات كل واحد منهم على حدة لأدعمها، فتنمو ثقته بنفسه بعيداً عن ظل إخوته.
ومن أخطر الفخاخ التي تجنبتها، تحميل "الابن الأكبر" وزر التربية؛ فهو في النهاية طفل يحتاج لحضني ورعايتي، وليس أباً بديلاً أو مربياً ثانياً يُحاسب على تقصيره مع إخوته. المساعدة متاحة، لكن المسؤولية الكاملة خط أحمر. كما أنني في "محكمة البيت" لا أحكم بالانفعال، بل أتحرى الحكمة والعدل؛ فلا "الصغير" يمتلك حصانة الدلال الدائمة، ولا "الكبير" هو المتهم الجاهز دائماً. أبحث عن أصل المشكلة وأعطي كل ذي حق حقه بأسلوب راقٍ يحفظ الكرامة.
ولأن العدل في الوقت هو جوهر الاهتمام، فإن وجود طفل رضيع يحتاج رعاية مكثفة لا يعني تهميش الباقين؛ فلكل طفل وقته الخاص معي ليتقرب مني وأفوز بقلبه، هذا إلى جانب "وقت العائلة" المقدس، حيث نلعب ونخرج ونمارس أنشطتنا سوياً لتقليم أشواك التحديات وتوطيد الأواصر.
وأخيراً، لا أتركهم يغرقون في طلاسم مشاعرهم، بل أمنحهم منذ الصغر "قاموساً" للمشاعر؛ أسمي لهم أحاسيسهم بوضوح عبر القصص والمواقف اليومية واللعب، ففهم الشعور هو نصف الطريق للسيطرة عليه. إنني أجاهد يومياً لأضبط كفتي ميزان العدل بينهم، ورغم أن التقصير من شيم البشر، إلا أن الوعي المستمر والسعي الحثيث هو طريقي لقطاف الثمار المرجوة.