تتجلى بركات تسبيح السيدة الزهراء (عليها السلام) في حياة الإنسان عبر آثار مباركة متعددة، أولها اكتساب الطاقة النورانية؛ فحين يمتلئ كيان المرء بالنور، ينعكس ذلك على إقباله نحو الصلاة بشغف حقيقي، فيشعر بكلماتها ويتذوق لذة المناجاة دون استثقال، وهذه الروحية الشفافة لا تنال إلا بقلب سليم مستنير.
وقد يتساءل البعض عن كيفية تحصيل هذا النور ومصدره، والحقيقة أن هناك موارد إلهية تستجلبه، وعلى رأسها تسبيح الزهراء. ويؤكد هذا المعنى الحديث المروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في كتاب مستدرك الوسائل (الجزء الخامس، صفحة 35) حيث قال: (تسبيح فاطمة عليها السلام في كل يوم في دبر كل صلاة أحب إلى الله من صلاة ألف ركعة في كل يوم).
إن عظمة هذا الذكر تكمن في كونه جرعة في مركز التوحيد، تمنح العبد ما تمنحه ألف ركعة من النورانية.
الاستقرار النفسي وعلاج الاكتئاب
الأثر الثاني لهذا التسبيح هو تحقيق الاستقرار النفسي وعلاج حالات الاكتئاب التي قد تصيب الأبناء والبنات، سواء بسبب ضغوط الامتحانات، أو نتيجة الصدمات والانفعالات الاجتماعية، كتعرض المرء لإساءة من صديق أو سماع كلمة جارحة، أو حتى فقدان الوظيفة وانقطاع الرزق. هذه الحالات التي تمثل مدخلاً للشيطان وسيطرته على العقل، تستلزم علاجاً روحياً بجانب العلاج الطبي؛ فأهل البيت (عليهم السلام) علمونا الاستعانة بالأمرين معاً. فعلى سبيل المثال، حين ضُرب أمير المؤمنين (عليه السلام) ونطق بعبارته الشهيرة "فزت ورب الكعبة"، استُدعي له في الليلة الثانية اثنا عشر جراحاً لمعالجته، ولم يكتفِ بالجانب الغيبي، وكذلك الإمام الباقر (عليه السلام) كان يتداوى بالكمادات منادياً "يا فاطمة بنت محمد"، مستعيناً بالزهراء وبالوسائل الطبية في آن واحد. وفي فضل الاستشفاء الروحي، يروي الإمام الباقر (عليه السلام) في بحار الأنوار (الجزء 82، صفحة 332) قائلاً: (من سبح تسبيح الزهراء عليها السلام ثم استغفر، غفر له، وهي مائة باللسان وألف في الميزان، وتطرد الشيطان وترضي الرحمن). فالتسبيح وسيلة ناجعة لهزيمة الوساوس والهواجس الشيطانية التي تعزل الإنسان عن واقعه.
سكن الأرق واضطرابات النوم
أما الأثر الثالث فيتمثل في طرد الأرق واضطرابات النوم؛ إذ يشكو الكثيرون من عدم القدرة على النوم لليالٍ متواصلة رغم التعب. وقد علمنا أهل البيت (عليهم السلام) وسيلة لتسهيل النوم وطرد السهر غير المبرر، حيث ورد عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) في بحار الأنوار (الجزء 84، صفحة 174) أنه قال: (إذا توسد الرجل يميناً فليقل: باسم الله، اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، وتوكلت عليك، رهبة منك ورغبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبرسولك الذي أرسلت، ثم يسبح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام). إن هذا المنهج يمنح النفس طمأنينة وسكينة، وهو ما نحتاجه خاصة في أيام الإجازات حين يطول سهر الأطفال أمام الأجهزة اللوحية وتضطرب ساعات نومهم، لذا من الضروري تعليم الأبناء الوضوء وقراءة هذا الدعاء والتسبيح لضمان راحة أجسادهم وأرواحهم.
استشفاء الأجساد ببركة الصديقة
الأثر الرابع هو الشفاء من الأمراض الجسدية، فالتسبيح مجرب في هذا المضمار. ومن الجدير بالذكر في آداب زيارة المرضى أن خير ما يقدم لهم بجانب الهدايا العينية هو الدعاء، بل وطلب الدعاء منهم لقربهم من الله في تلك الساعة. وقد ورد في بحار الأنوار (الجزء 82، صفحة 334) أن رجلاً دخل على الإمام الصادق (عليه السلام) وكان يعاني من ثقل شديد في أذنيه منعه من سماع حديث الإمام، فشكا إليه ذلك، فقال له الإمام: (ما يمنعك؟ وأين أنت من تسبيح فاطمة؟). وعندما سأل الرجل عن كيفية التسبيح، أوضح له الإمام أنها: تكبير الله أربعاً وثلاثين، وتحميده ثلاثاً وثلاثين، وتسبيحه ثلاثاً وثلاثين. ويؤكد الرجل أنه ما التزم بهذا الذكر إلا يسيراً حتى ذهب عنه ما كان يجد ببركة السيدة الزهراء (صلوات الله عليها).
قضاء الحوائج وسر التربة الحسينية
الأثر الخامس يركز على قضاء الحوائج، إذ يعد تسبيح الزهراء مفتاحاً للمطالب المتعسرة، ويستحب في ذلك استخدام السبحة المصنوعة من تربة الإمام الحسين (عليه السلام) لما لها من أثر خاص. فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في بحار الأنوار (الجزء 82، صفحة 341): (من سبح بسبحة من طين قبر الحسين عليه السلام تسبيحة، كتب الله له أربعمائة حسنة، ومحى عنه أربعمائة سيئة، وقضيت له أربعمائة حاجة، ورفع له أربعمائة درجة). وأشار الإمام إلى أن السبحة الأصلية تكون بخيوط زرق وتحتوي على 34 خرزة، وهي الطريقة التي اتبعتها السيدة الزهراء حين اتخذت من طين قبر حمزة (عليه السلام) مسباحاً بعد استشهاده.
الحفظ من المخاطر
الأثر السادس والأخير هو الحفظ من المخاطر وحماية النفس والمتاع، لا سيما عند السفر أو الخوف على أمن البيت. ويروي العلامة المجلسي في بحار الأنوار (الجزء 73، صفحة 253) عن الإمام الرضا (عليه السلام) قصة رجلين قصدا النبي (صلى الله عليه وآله) طلباً للنصيحة في رحلة تجارية محفوفة بمخاطر اللصوص، فقال لهما النبي: (إذا أويتم إلى منزل، فصليا العشاء الآخرة، فإذا وضع أحدكما جنبه على فراشه بعد الصلاة فليسبح تسبيح فاطمة عليها السلام، ثم ليقرأ آية الكرسي فإنه محفوظ من كل شيء). وتستذكر الذاكرة الشعبية كيف كان الأجداد قبل عقود يحرصون على كتابة آية الكرسي على جدران المنازل لحفظ الساكنين، وتعليم الصغار قراءتها قبل النوم. وفي تكملة الرواية، تتبع اللصوص التاجرين وأرسلوا غلاماً لاستطلاع حالهما، فكان الغلام كلما اقترب منهما لم يجد إلا جدارين مبنيين يحيطان بهما، وحين جاء اللصوص بأنفسهم طافوا بالمكان ولم يجدوا أحداً، بل وجدوا الحوائط فقط. وفي الصباح، حين استفسر اللصوص من التاجرين عما حدث، أخبروهما بوصية النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال اللصوص: (انطلقوا، فوالله لا نتبعكم أبداً، ولا يقدر عليكم لص بعد هذا الكلام)، فقد صاروا في كنف الله وحرزه ببركة هذا الذكر المبارك.
من محاضرة لسماحة الشيخ ياسين الجمري، قررها وحررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي