هل الزوجة الثانية «خرابة بيوت»؟

السيد موسى العلي
زيارات:1158
مشاركة
A+ A A-

نتناول اليوم مشكلة اجتماعية ذات أبعاد دقيقة، تتطلب من الإنسان استماعاً واعياً وتفكراً عميقاً، إذ إن التسرع في هذه المسائل محفوف بالمخاطر. ننطلق ابتداءً من حقيقة أن الله عز وجل هو مالك الخلق، وهو الحكيم العادل الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، فمن غير المعقول أن يظن الإنسان نفسه قادراً على تقييم الأشياء بصورة أدق من خالقها، أو أن يحاول تعليم الله ما يصلح البشر وما يفسدهم، فهذا التوجه يعد تعدياً جسيماً في حق الربوبية.

حق الاختيار ومغالطة خراب البيوت

تتردد في الأوساط الاجتماعية قضية المرأة التي تتزوج من رجل متزوج، حيث توصف غالباً بأوصاف محرمة، فينال الناس من كرامتها، ويتهمونها بأنها تختطف الرجال أو أنها تسببت في هدم البيوت. ولتحليل هذه المسألة بعقلانية ودين، نجد أن للمرأة الحق الشرعي الكامل في أن تتزوج من تشاء إذا وافق الطرف الآخر، ولا يملك أحد حقاً في منعها ما دام الله قد أباح لها ذلك. إن اعتراض البشر على ما أعطاه الله من حقوق يعد نوعاً من أنواع "الكفر الفكري"، فكيف يعطي الله العظيم للمرأة حقاً، ثم يأتي بشر ليقول لها "ليس لكِ هذا الحق"؟ إن هذه المساحة من الحرية منحها الخالق للإنسان، تماماً كحقه في العمل أو اختيار نمط حياته ضمن الضوابط الشرعية.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

العقد ميثاق غليظ بين إرادتين

عندما يتزوج الرجل بزوجة ثانية، تميل الكثير من النساء إلى إلقاء اللوم كاملاً على المرأة الأخرى، متجاهلات الحقيقة المرة وهي إرادة الزوج. إن عقد الزواج يقوم على ركنين هما الإيجاب والقبول، فالمرأة تقول "زوجتك نفسي" والرجل يقول "قبلت". والسؤال هنا: هل سُلب الرجل إرادته عند النطق بالقبول؟ هل وضع أحد مسدساً على رأسه أو سكيناً على رقبته؟ إذا صدر العقد باختياره وإرادته الكاملة، وهو في كامل قواه العقلية، فليس من المنطقي تصويره كطفل مسلوب الإرادة وقع ضحية لامرأة. إن كلا الطرفين قد اختار هذا الارتباط بمحض إرادته، لذا لا يجوز شرعاً ولا عقلاً اتهام طرف دون الآخر بتخريب البيت، مادام الفعل قد تم في إطار الشرع وبإرادة واعية.

شروط التعدد: تفنيد ميثاق التقصير

يسود مفهوم خاطئ يزعم أن الزواج الثاني مشروط بتقصير الزوجة الأولى، وهذا ادعاء لا أصل له في الفقه. فقد يكون لدى الرجل زوجة في قمة الجمال والورع، بل وقد تكون غنية أنفقت عليه في دراسته ووفرت له كل سبل الراحة، ومع ذلك يقرر الزواج بأخرى، وهذا الفعل لا يعد حراماً في مذهب أي فقيه. إن المشكلة تكمن في أن الناس يفتون بغير علم، ويتناقلون أحاديث في المجالس والدواوين دون وعي بتبعاتها الأخروية، متناسين أن كل كلمة مسجلة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. إن اتهام امرأة مؤمنة ملتزمة بالزنا أو تخريب البيوت لمجرد أنها مارست حقاً شرعياً هو أمر عظيم عند الله، بل إن قيمة ارتكاب ذنب الزنا نفسه قد تكون أهون عند الله من الوقوف ندّاً لتشريعاته واعتراضاً على أحكامه.

خطورة الإفتاء بغير علم ومقام المؤمن

يجب على الإنسان أن يدرك خطورة ما يتلفظ به، فالإفتاء بغير علم يوجب لعنة ملائكة السماء والأرض، ومن يفتي الناس بهواه فليتبوأ مقعده من النار. أسمع كثيراً من الناس يضعون شروطاً للتعدد لم يضعها الدين، وهذا التجرؤ ينم عن خلل فكري خطير، حيث يضع الإنسان نفسه في مقام الند للخالق. أنا هنا لا أدعو أحداً للزواج ولا أمنعه، فتلك مسؤولية كل فرد وظروفه، ولكنني أطرح مشكلة فكرية تهدد إيمان المجتمع، وهي محاولة تحجيم التشريع الإلهي بناءً على الأهواء الشخصية.

العدالة بين فيض القلب وضوابط المبيت والنفقة

أما شرط العدالة، فهو واضح في الشريعة ويتعلق بالجانب المادي والمبيت. فالعدالة في المبيت، مثلاً، تعني أنه في كل دورة مدتها أربعة أيام، تستحق إحدى الزوجتين ليلة واحدة، وللزوج الحق في قضاء بقية الليالي عند من يشاء. هذا هو الحكم الشرعي، وسواء أعجب الناس أم لم يعجبهم، فهذه هي الروايات المعتبرة والمجمع عليها. أما العدالة القلبية والمحبة، فقد نص القرآن الكريم على تعذرها في قوله تعالى: {وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ}. وقد سُئل الإمام الصادق (عليه السلام) عن هذا التناقض الظاهري بين إباحة التعدد واشتراط العدالة ثم نفي القدرة عليها، فأوضح أن المقصود بالعدالة المنفية هي "عدالة القلب"، أي ميل العاطفة الذي لا يملكه الإنسان، بينما المأمور به هو عدم الميل الكلي في التصرفات الخارجية التي تؤدي إلى ظلم إحدى الزوجات في حقوقها المادية والمعنوية.

وبالنسبة للنفقة، فالشرط هو القدرة على توفير الضروريات من مأكل ومشرب ومسكن، وليس المطلوب السفر إلى المالديف أو توفير الرفاهية المفرطة، فإذا عجز الرجل عن توفير النفقة الواجبة، فلا يجوز له التعدد عقلاً وشرعاً. كما يمكن للزوج أن يفرق في السكن حسب شأنية كل زوجة، فيسكن الغنية في دار واسعة والفقيرة في شقة مناسبة، وهذا يعد عدلاً شرعاً لأنه يراعي شأنية كل منهما.

أزمة الصبر وغياب الاستقامة

إن التسليم المطلق لله ولرسوله هو جوهر الإيمان، والقرآن يحذر بشدة من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، متوعداً من يفعل ذلك بالخزي في الدنيا وأشد العذاب في الآخرة. يقول تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. ومن المؤلم أن نرى أحكام الله مرفوضة عند بعض من يدعون الإيمان لأنها تخالف أهواءهم، بينما يقبلون كلام الخبراء والدراسات الوضعية بكل رحابة صدر.

إن الإيمان الحقيقي يظهر عند "الهزاهز" والصدمات، فالصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. فإذا فقد الإنسان صبره واعترض على حكم الله بمجرد وقوع مصيبة اجتماعية، فإنه يخدش أصل إيمانه. المؤمن الحق هو الذي يثبت عند الزلازل التي تهز كيانه، وهي صفة نادرة الوجود في مجتمعاتنا اليوم التي يغلب عليها الجزع والاعتراض.

الأحكام الخمسة وتعدد الظروف

يجب ألا يتم شخصنة هذه القضايا العامة، فالمتحدث يطرح مشكلة اجتماعية ولا يتحدث عن حالة زوج بعينه قد يكون عاصياً أو مقصراً. إن الزواج الثاني، كأي فعل إنساني، تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة حسب الظروف، فقد يكون واجباً، أو مستحباً، أو مكروهاً، أو حراماً، تماماً كشرب الماء أو الخروج من المنزل. فإذا كان الرجل مقصراً في حقوق زوجته الأولى "تقصيراً شرعياً"، فعليه أولاً أداء واجباته قبل التفكير في التعدد. وعلى كل إنسان أن يرجع إلى مرجعه الفقهي ليعرف حكم حالته الخاصة بدقة، بعيداً عن الغوغائية الاجتماعية والاتهامات الباطلة التي تمحق الإيمان من القلوب كما ينماث الملح في الماء.

من محاضرة لسماحة السيد موسى العلي، حررها وقررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

مواضيع مختارة