يقتل ويدمّر.. لماذا يُمهل الظالم؟!

زاهر حسين العبدالله
زيارات:812
مشاركة
A+ A A-

ليس السؤال عن الظلم جديداً؛ لكن وجعه يتجدد كل يوم.

مشهد يتكرر في كل عصر: ظالم يتمكن، وباطل يعلو، ومظلوم يتألم؛ فتنهض في النفس صرخة صادقة: لماذا يمهل الظالم والله قادر على أخذه في لحظة؟

هذا السؤال لا يجاب عنه بتسكين عاطفي، بل بإعادة بناء الفهم على أساس قرآني دقيق؛ لأن الخطأ ليس في الحدث، بل في زاوية النظر إليه.

أولاً: الإمهال ليس رضا من الله سبحانه؛ بل استدراج لهلاك الظالم

يقرر القرآن قاعدة حاسمة تقتلع هذا الوهم من جذوره:

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ (آل عمران: 178).

فالإمهال هنا ليس تكريماً، بل تراكم للذنب واستيفاء لملف الإدانة. إنه تمديد زمني يمكن الظالم من بلوغ أقصى درجات الطغيان؛ حتى إذا أُخذ، أُخذ بلا شبهة عذر، ولا احتمال دفاع.

وهذا ما عبر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بدقة مذهلة:

"كم من مستدرج بالإحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه، وما ابتلى الله سبحانه أحداً بمثل الإملاء له" (نهج البلاغة، الحكمة 175).

فالنعمة التي يراها الناس دليل نجاح، قد تكون في ميزان السنن الإلهية أداة استدراج.

ثانياً: الدنيا ليست محكمة نهائية لعمل الإنسان

الخلل الأكبر في فهم الظاهرة يكمن في تصور أن الدنيا يجب أن تكون ساحة لتحقيق العدالة النهائية، بينما يقرر القرآن غير ذلك:

﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ﴾ (النحل: 61).

فلو فعل العدل الفوري لانتهى الوجود البشري؛ لأن الظلم ليس صفة فئة معزولة، بل واقع يتسلل إلى كل إنسان بدرجات مختلفة. وعليه؛ فالدنيا ليست دار جزاء تام، بل دار ابتلاء وتمحيص، يترك فيها المجال لحرية الاختيار؛ ليظهر الصادق من المدعي، والمؤمن من المنافق.

ثالثاً: لحظة الأخذ تأتي حين تكتمل الشروط

قد يعطى الظالم من أسباب القوة ما يظنه تمكيناً مطلقاً، لكن القرآن يكشف البعد الأخطر في هذا المشهد:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً﴾ (الأنعام: 44).

إنها لحظة الذروة قبل السقوط؛ فحين يبلغ الظالم أقصى درجات الغرور، ويظن أن الأمر قد استقر له، تأتي الضربة التي لا تبقي ولا تذر.

ولهذا لم يسقط فرعون حين ضعف، بل سقط حين قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.

إنها سنة إلهية: التمكين الظاهري قد يكون مقدمة الانهيار النهائي.

رابعاً: الظلم لا ينشأ في فراغ

من أكثر الأجوبة إيلاماً وأشدها واقعية؛ أن الظلم ليس دائماً فعل فرد، بل نتاج بيئة قابلة له. يقول تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).

فحين تسود اللامبالاة، ويبرر الباطل، ويضعف الوعي، ويستبدل الصمت بالموقف؛ تتشكل بيئة تسمح للظالم أن يتمدد. وهنا لا يكون الحديث تبريراً للظلم، بل تشخيصاً لبنيته الاجتماعية.

خامساً: الابتلاء يكشف معادن الناس

وجود الظالم -على قسوته- يؤدي وظيفة كاشفة في ميزان السنن الإلهية؛ ففي ظل الأزمات تتمايز الصفوف:

- يظهر الصادق من المدعي.

- والثابت من المنهار.

- والمؤمن من المنافق.

ولهذا قرر أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدة معرفية حاسمة:

"إن دين الله لا يعرف بالرجال، بل بآية الحق، فاعرف الحق تعرف أهله" (ميزان الحكمة، ج1، ص658).

فالأحداث ليست مجرد وقائع، بل محكات للوعي والبصيرة.

سادساً: لا عذاب قبل إقامة الحجة

من تمام العدل الإلهي ألا يؤخذ الظالم إلا بعد أن تقوم عليه الحجة:

﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15).

فالإمهال إذن جزء من إتمام البيان؛ حتى يسقط الظالم وهو منزوع الأعذار تماماً. إنها عدالة لا تكتفي بالعقوبة، بل تسبقها بإقامة البرهان.

سابعاً: التأخير ليس غفلة؛ بل تقدير دقيق

قد يظن الناظر أن تأخر العقوبة نوع من الإهمال، لكن القرآن ينفي ذلك بشكل قاطع:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ (إبراهيم: 42).

إنه تأخير محسوب، يتراكم فيه الأثر؛ حتى يكون الأخذ أشد وقعاً وأبلغ أثراً.

وفي المقابل، تبقى القاعدة النهائية ثابتة لا تتبدل:

﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).

الخلاصة: الحقيقة التي تغيب خلف الألم

الظالم ليس منتصراً كما يبدو، بل هو في كثير من الأحيان مؤجل السقوط.

وأخطر ما يفعله الظلم ليس القتل ولا القمع، بل إقناع الناس بأن الباطل دائم، وأن مقاومته عبث؛ فإذا استقر هذا الوهم في النفوس، سقطت قبل أن تهزم.

كلمة أخيرة للباحث والواعظ والخطيب

إن معالجة هذه القضية لا تكون بخطاب عاطفي عابر، بل ببناء وعي عميق يعيد ربط الأحداث بالسنن الإلهية.

فالناس لا تحتاج إلى من يواسيها فحسب، بل إلى من يفسر لها ما يحدث ضمن نظام إلهي دقيق، يربط بين الإمهال، والاستدراج، والابتلاء، والعدل النهائي.

وحين يتحول هذا الفهم إلى يقين؛ يتبدل الألم من عبء خانق إلى وعي بصير، ومن حيرة قاتلة إلى ثبات راسخ.

مواضيع مختارة