هل تؤثر الهواتف الذكية على القدرة الجنسية؟

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:283
مشاركة
A+ A A-

لم تعد الهواتف الذكية القاطنة في غرف النوم مجرد أدوات للتواصل أو الترفيه العابر؛ بل غدت رفيقاً دائماً يستأثر باللحظات الأخيرة من يوم الزوجين. وبينما يستسلم بعض الأزواج قبل النوم لتصفح الأخبار، أو مراجعة الرسائل، أو ملاحقة مقاطع الفيديو القصيرة "الريلز" (Reels)، تتعاظم التساؤلات حول أثر هذا السلوك على جودة النوم وعمق التواصل الوجداني بين الشريكين.

إن هذه العادة لا تكتفي بحرمان العينين من النوم لساعات إضافية، بل تمتد لتخلف وراءها حالة من الإعياء، والتشتت الذهني، وانحسار الحضور العاطفي والحوار اليومي المتبادل. وتتواتر الأبحاث لتشير إلى أن تصفح الشاشات ليلاً يلقي بظلاله على النوم والمزاج والانتباه، وهي ركائز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بجودة العلاقة الزوجية واستقرارها.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

حين يحجب الضوء الأزرق هرمون النوم

يرسم الدكتور أحمد جبيلي، استشاري طب المخ والأعصاب وطب النوم بأحد مستشفيات العاصمة الألمانية برلين، الأثر العضوي لهذه الظاهرة؛ مبيناً أن التعرض للضوء المنبعث من الشاشات—ولا سيما الضوء الأزرق في الفترات المسائية—يعبث بالساعة البيولوجية للجسم ويثبط إنتاج هرمون "الميلاتونين" المسؤول عن تنظيم وتأطير النوم. ويوضح د. جبيلي أن هذا التثبيط يحفز اليقظة ويؤخر الدخول في النوم، مسبباً انزياحاً في مواقيت النوم الطبيعية. ويضيف أن تكرار هذا السلوك بصفة يومية يصيب الفرد بإرهاق مضاعف في اليوم التالي، وهو ما ينعكس سلباً على الحالة المزاجية، والتواصل، والانسجام بين الشريكين.

تتلاقى هذه الرؤية مع خلاصة مراجعة علمية أصدرتها كلية الطب بجامعة هارفارد، أكدت فيها أن التعرض للضوء الأزرق خلال الساعات المسائية يعطل إفراز الميلاتونين ويؤثر في توقيت النوم وجودته، مما يقدم تفسيراً علمياً للصعوبة التي يواجهها البعض في النوم عقب قضاء ساعات طوال أمام الشاشات.

نوافذ السهر المفتوحة على العصبية والفتور

يتعدى أثر قلة النوم مجرد الإحساس العابر بالتعب، ليتغلغل في البنية النفسية والعلاقة الثنائية. وفي هذا الصدد، يؤكد د. جبيلي أن النوم يمثل ركيزة جوهرية لتهذيب المشاعر والسيطرة على الضغوط الحياتية اليومية، وليس مجرد محطة لاستراحة الجسد. فحين يُحرم المرء من النوم الكافي أو يستسلم للسهر، تتضرر قدرته على التركيز وضبط الانفعالات، ويزداد شعوره بالإجهاد نهاراً. ويحذر من أن استدامة هذا الوضع تمهد الطريق للعصبية المفرطة، والتوتر، والشرود الذهني، وهي معطلات تؤثر سلباً على جودة التواصل والتقارب العاطفي بين الزوجين.

هل يتأثر الأداء والصحة الجنسية؟

لا تقف تداعيات السهر واضطرابات النوم عند حدود الحالة المزاجية والاتصال اليومي، بل تمتد لتلقي بظلالها على الصحة الجنسية. يشير د. جبيلي إلى أن النوم الصحي عامل حاسم في استقرار التوازن الهرموني والصحة الجنسية، لافتاً إلى أن هرمون "التستوستيرون" يرتفع بطبيعته أثناء ساعات النوم، في حين يساهم الحرمان من الراحة في خفض مستوياته.

وقد تلمست دراسة أجراها باحثون في جامعة شيكاغو (University of Chicago)، ونشرتها مجلة الجمعية الطبية الأمريكية (JAMA)، هذا التأثير بدقة؛ حيث أظهرت أن تقليص ساعات النوم لمدة أسبوع واحد فقط أدى إلى تراجع مستويات التستوستيرون لدى الرجال الأصحاء بنسب تراوحت بين 10% و15%.

وينوه د. جبيلي بأن اختلال النوم قد يلعب دوراً في بعض مشكلات الأداء الجنسي لدى البعض، مستدركاً بأنه لا يمثل المسبب الأوحد، إذ تتشابك معه مسببات صحية ونفسية متعددة.

وعلى صعيد متصل، لا تتوفر حتى الآن براهين علمية حاسمة تؤكد أن مشاهدة مقاطع "الريلز" تؤدي بصورة مباشرة إلى اضطراب الأداء الجنسي أثناء العلاقة الزوجية. ومع ذلك، تؤكد الدراسات أن التشتت الذهني، وضعف التركيز، والارتهان المستمر للمؤثرات الرقمية قد يحول دون الحضور الذهني والاندماج النفسي المطلوبين لإتمام الاستجابة الجنسية الطبيعية.

عقول مأسورة في فخ "الريلز"

من زاوية نفسية أخرى، يوضح الدكتور لؤي المهر، أخصائي الطب النفسي بأحد المراكز الطبية في دولة قطر، أن الضرر لا يقتصر على نوعية الضوء المنبعث فحسب، بل يمتد إلى طبيعة المادة المعروضة. إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الاستهلاك المتكرر للمحتوى البصري السريع والقصير، كـ"الريلز"، يعوّد الدماغ على مستويات بالغة الارتفاع من التحفيز والتحديث المستمر للمعلومات. ويردف د. المهر أن هذا النمط يتسبب في تآكل القدرة على التركيز لفترات ممتدة، ويزيد من التشتت والارتهان للمؤثرات الرقمية، مما يعوق الحضور الذهني اللازم لإدارة حوار أو بناء تواصل عاطفي متبادل.

ويدعم هذا الطرح مراجعة علمية حديثة نشرتها دورية "فرونتيرز في علم النفس" (Frontiers in Psychology)، رصدت ارتباطاً وثيقاً بين الإفراط في مشاهدة المقاطع القصيرة وزيادة التشتت الذهني وضعف القدرة على الاحتفاظ بالانتباه طويلاً.

وينبه د. المهر إلى أن هذا التشتت ينعكس تدريجياً على المسار الزوجي؛ حيث يجد الشريكان نفسيهما يتشاركان الحيز الجغرافي ذاته بجسديهما، بينما تغيب عقولهما في غيابات العوالم الافتراضية، مما يفرغ القرب العاطفي والتواصل من محتواه. كما يوضح أن الانشغال بالمحفزات الرقمية يضعف حضور الفرد في المواقف الحياتية التي تقتضي تفاعلاً إنسانياً وعاطفياً مباشراً.

نظارات تصفية الضوء الأزرق: حل مجزأ؟

في محاولة للالتفاف على هذه المعضلة، يلجأ بعض المستخدمين لنظارات تصفية الضوء الأزرق. وفي هذا الإطار، يوضح الدكتور شادي طعمة، أخصائي أمراض العيون وجراحتها بأحد المراكز الطبية في دولة قطر، أن هذه النظارات قد تسهم في خفض معدلات التعرض للضوء المنبعث من الشاشات، مما قد يخفف من بعض التبعات السلبية المرتبطة باستخدام الهواتف ليلاً.

لكنه ينصح بأن الخيار الأمثل يكمن في الحد من التعرض للشاشات قبل النوم قدر الإمكان، والامتناع عن تصفحها في العتمة المطلقة، مع الحرص على توفير إضاءة ملائمة في الغرفة عند الاضطرار لاستخدامها.

وتشير البحوث إلى أن تقليص التعرض للضوء الأزرق مساءً يحسن الاستعداد للنوم، غير أن النتائج العلمية بخصوص جدوى نظارات الضوء الأزرق لا تزال متباينة، مما يجعلها أداة مساعدة وجزءاً من الحل، وليست بديلاً حقيقياً عن تقليص فترات استخدام الشاشات ليلاً.

كيف يسترد الشريكان سكينة المساء؟

يؤكد الخبراء أن الخلاص من هذا المأزق لا يتطلب عزلة تكنولوجية تامة، بل ترويضاً لحضورها في تفاصيل الحياة. ويوصي د. جبيلي بخفض معدلات استخدام الهواتف والشاشات قبل ساعة على الأقل من الاستلقاء للنوم، مع الحفاظ على مواقيت ثابتة للاستيقاظ والنوم، وتجهيز غرفة نوم دافئة، مظلمة ومريحة.

بدوره، ينصح د. المهر باقتطاع وقت يومي خالٍ تماماً من الأجهزة والشاشات لتكريسه للحديث والتفاعل الحقيقي، مع ضرورة التركيز على الإصغاء بوعي عوضاً عن الاستعجال في الرد، وتبادل التقدير والامتنان باستمرار، والحيلولة دون تراكم الخلافات، إلى جانب تفعيل أنشطة مشتركة ممتعة تنأى بالزوجين عن صخب الحياة اليومية وضغوطها.

ويشدد د. المهر على أن السكن الزوجي لا ينهض على العواطف المجردة فحسب، بل يتغذى على الحضور، والاهتمام، والجهد المشترك المتبادل؛ لافتاً إلى أن شعور الشريك بأنه مسموع، ومفهوم، ومقدر يظل الركيزة الأهم لحفظ دفء البيت واستقراره.

وفي زمن تتبارى فيه الشاشات لاستقطاب انتباه البشر في كل لحظة، قد يشكل إبعاد الهاتف عن الفراش فرصة لاستعادة ما هو أثمن من النوم الهادئ: فرصة لبناء مساحة حقيقية للحوار والالتقاء الإنساني بين الزوجين.

مواضيع مختارة