النبوة

هل كان النبي (ص) يعلم الغيب؟!

قال الله عز وجل في سورة هود في الآية 49: {تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ}.

وظاهر الآية صريح بكون الرسول لا يعلم الغيب وهو في ذلك متساوٍ مع قومه، وأن علمه بالغيب جاء بالوحي وليس بالعلم اللدنـّـي فعلمه ليس حاضراً في كل وقت بل يعلم بالغيب حينما يوحيه الله إليه على الأقل في خصوص مورد هذه الآية، وهذا بالنتيجة يؤدي إلى القول بأن الرسول صلى الله عليه وآله لم يعلم الغيب قبل الوحي إليه ولم يكن يعلم الغيب حينما كان صغيراً.

[اشترك]

وسؤالي هنا: أليس هذا يعارض عقائدنا ـ نحن الشيعة ـ بأن الرسول والأئمة يعلمون الغيب بل هم يعلمون الغيب مذ ولدوا؟

الجواب:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين..

فإن الآية الكريمة في سورة هود تدل على أن الوحي الإلهي هو طريق معرفته صلى الله عليه وآله بأخبار الماضين من الأمم والرسل، وليس فيها أية دلالة على زمان نزول هذا الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله..

فإذا اعتقدنا: أن النبي صلى الله عليه وآله كان نبياً منذ صغره استناداً إلى الدلائل والشواهد التي أشرنا إليها غير مرة، بل في الروايات: أنه صلى الله عليه وآله كان نبياً وآدم بين الروح والجسد.. فإن ذلك يفتح أمامنا باب احتمال أن يكون الله تعالى قد أوحى القرآن، أو معانيه إليه صلى الله عليه وآله قبل بعثته، وربما منذ صغره، بل ربما قبل ذلك أيضاً.. في ليلة من ليالي القدر في شهر رمضان المبارك..

[اشترك]

هذا كله بالإضافة إلى ما يظهر من الأحاديث الشريفة، من تعدد نزول القرآن: من اللوح المحفوظ، إلى البيت المعمور، إلى السماء الدنيا، ثم على قلب رسول الله صلى الله عليه وآله، بمعانيه، ثم كانت له نزولات أخرى أيضاً، لسوره تارة، ولآياته أخرى، وقد أشرنا إلى هذا الأمر في إجابة لنا سابقة على سؤال يتعلق بتقدم آية:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}[1] على آية: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}[2]

وقد نشر السؤال والجواب في كتاب: «مختصر مفيد»..[3]

والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد وآله..

 الهوامش:

[1]الآية 3 من سورة المائدة.

[2]الآية 67 من سورة المائدة.

[3]مختصر مفيد ج4 ص45.

2025/02/18
هل نحتاج إلى الأنبياء في عصر العلم والتكنولوجيا؟!

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

انطلاقاً من الآية الكريمة كان الحديث في محاور:

  • مصداقية العقل
  • الحاجة المعرفية والاجتماعية
  • الحاجة التربوية

المحور الأول: مصداقية العقل

هل العقل يؤمن بضرورة وجود الأنبياء؟

لابد لأن تكون لأحكام العقل مصداقية من أجل أن نثق باستنتاجاته في تحديد الحاجة لوجود الأنبياء.

الفيلسوف البريطاني جون جيري الذي يقول إذا آمنا بالنظرية الداروينية بكل اتجاهاتها سوف نفقد الثقة بالعقل، فإذا كانت نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي نظرية صحيحة، سيكون ذلك محالا على العقل أن يبلغ الحقيقة فهذه النظرية ترى أن الإنسان في إطار التطور البيولوجي، فالإنسان يعيش من أجل البقاء ومقاومة عوامل الانقراض. إذا فهو يعيش وفق تطور بيولوجي والدماغ يصبح مادة وظيفية ناجمة عن حاجة الإنسان للبقاء. إذا فالدماغ ليس أداة مجهزة للوصول إلى الحقيقة فالعقل لا مصداقية له ولا وثوق لأحكامه.

[اشترك]

ويمكن مقاربة هذه الفكرة من خلال ثلاثة وجوه :

الأول : ماتعرض له ديكارت في كتابه مقال عن المنهج..

يبحث الإنسان هل هناك إله أو لا، وهل هو إله مخادع أو إله كامل.

فإذا آمن بأن هناك إله كامل، آمن بأن للعقل مصداقية، ومن لم يؤمن بإله كامل لم يؤمن بأن العقل له مصداقية ولذلك يتعرض ديكارت إلى نقطتين :

الأولى : خطاب للملحدين

إذا كان لايؤمن بوجود إله كامل، من الذي يضمن له بأن العقل كامل وأن لايقع في الأوهام ويخضع لتأثير الشيطان.

الثانية : التحدث مع الربوبيين

إذا آمنا بأن الإله كامل لابد أن نؤمن بأن العقل أداة وصول للحقيقة، فلو خلق الله الإنسان وأعطاه عقل واصبح العقل مخادع، فإن الله ليس كاملا ومخادعا.

الوجه الثاني: مايذكره توماس بين في كتابه الأعمال اللاهوتية، على الإنسان أن يتحلى بأخلاق الله وصفات الله الأخلاقية.

 [اشترك]

كل إنسان يعيش بداخله ضميرا ونداء نحو القيم والفضائل.

هل يمكن أن يكون الإنسان عادل وهو لايؤمن بالحقيقة... إذا كان الإنسان صادقاً ، عادلاً، محسناً كان عقله أداة للوصول إلى الحقيقة.

الوجه الثالث: العقل لايصل إلى الحقيقة، إذا لانثق بالاستناد العقلي الذي افرز لنا فكرة أن العقل لايصل إلى الحقيقة.

وفي خلاصة هذا المحور يظهر لنا بأن العقل يصل إلى الحقيقة ويمكن للإنسان أن يعتمد عليه في وصوله للحقائق.

المحور الثاني : الحاجة المعرفية والاجتماعية

الحاجة المعرفية والاجتماعية تفرضان ضرورة وجود الأنبياء والرسل.

الحاجة المعرفية :

الإنسان يحتاج إلى أن يتعرف على المفاهيم الغيبية والمفاهيم الخارجة عن الطبيعة، فالإنسان طاقة لا حد لها.

في الفيزياء قانون الطاقة لا تفنى ولا تستحدث فالطاقة لم تأتي من عدم ومن لا شيء بل جاءت من قوة خارقة لا حدود لها وهي الله تبارك وتعالى. فالطاقة الكونية لم تستحدث وهي خالدة دائمة وكامنة..

الإنسان طاقة متجددة متكاملة لن تفنى، فيتضح أن الإنسان يمتلك من الطاقات والقدرات والطموحات مالم يفنى به العمر المادي...

لابد من عالم آخر يستنفذ الإنسان طاقاته وقدراته وشخصيته التكاملية...

فاحتاج الإنسان إلى الأنبياء لتعريفه مفاهيم هذا العالم الآخر.

 عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)

الحاجة الاجتماعية وهي ترتكز على ثلاثة ركائز

كل كائن حي يحمل غريزة إجتماعية كولد النحلة وولد الظأن أو ولد الحصان بمجرد أن يخرج من رحم أمه، يمشي في نظام اجتماعي من دون تعليم واكتساب..

فهناك غريزة اجتماعية موجودة في كل كائن حي ولها نظام. فالإنسان يمتلك غريزة

وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

أن الحيوان غريزته غريزة قهرية بينما الإنسان يمتلك غريزة اجتماعية إرادية وهنا مكمن الخطر.

[اشترك]

الإنسان يمتلك غريزة فردية تدعوه إلى الانحيازية وامتلاك الثروات ويعيش صراعا مذهلا بين الغريزتين الاجتماعية والفردية فالغريزة الفردية تدعوه إلى مصلحته الخاصة والغريزة الاجتماعية تدعوه إلى التعاون مع الغير من أجل التوازن... فالإنسان يحتاج إلى وازع داخلي يرغبه ويربيه على التض حية بمصالحه الخاصة من أجل المصالح الاجتماعية.

وهنا قد يقول البعض بأن الإنسان في الغرب يحترم النظام ويؤمن بالمصالح العامة دون حاجة إلى الوازع السماوي، وهنا مغالطة فالإنسان في الغرب إنما يحترم النظام ويؤمن بالمصالح العامة لأنها تضمن مصالحه الفردية فلولا أن النظام يوفر له تعليم ومرافق صحية ما احترم هذا النظام، لذلك بمجرد اختلال النظام في منطقة ما وتغيب العقوبات والغرامات  تجد الإنسان يتمرد على القانون والنظام... بينما نحن نريد الإنسان ينخلق من داخله الاحترام للنظام واحترام المصالح الاجتماعية ورعاية المصالح العامة وهذا لا يتوفر إلا من خلال رسالة السماء.   فتربية الأنبياء هي التي تغذي الإنسان على التوازن بين الغريزة الاجتماعية والغريزة الفردية لذلك يركز القرآن الكريم على هذا المعنى...

۞ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ  وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ  وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ  وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)

قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا (95)

المحور الثالث: الحاجة التربوية

هناك حاجة تربوية موجودة في داخل كل إنسان لوجود الأنبياء، فكل إنسان يعشق القيم الإنسانية من الصدق والعدل والأمانة لأنها قيم متجذرة في فطرة الإنسان... فكيف نحول هذا العشق إلى سلوك وعمل؟. من هنا تأتي الحاجة إلى الأنبياء.

فعندما يريد الإنسان أن يحول القيم إلى سلوك يحتاج إلى عنصرين :

إيمان داخلي

إذا لم نؤمن أن وراء هذه القيم ثوابا واجرا لم نجسدها على أرض الواقع.. أساس القيم الخلقية والإنسانية محورها الصبر..

وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ  وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

 فنؤمن أن وراء الصبر أجر ومثوبة وخلود في الجنان من خلال رسالة السماء وماتعدنا به..

ولأجل ذلك يركز القرآن الكريم على هذا المعنى

قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ  لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ  وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ  إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)

[اشترك]

وجود القدوة

تحتاج القيم إلى وجود قدوة كاملة في خلقها وقيمها ومثلها بحيث تكون قدوة في المجتمع... ولا يكون ذلك إلا من خلال الأنبياء والرسل فهم القدوة الكاملة التي تلبي حاجاتنا إلى الصبر  والقدوة...

 الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ  أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ  وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18)

فضرورة القدوة تعني ضرورة وجود أنبياء ورسل يقتدي بهم الإنسان...

الإمام أمير المؤمنين عليه السلام يتحدث عن هذه الضرورة (فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ)

ويؤكد أمير المؤمنين عليه السلام على القدوة في قوله

(وقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ والْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِه وأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِه، ويَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِه ويُمِسُّنِي جَسَدَه، ويُشِمُّنِي عَرْفَه، وكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيه، ومَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ ولَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ، ولَقَدْ قَرَنَ اللَّه بِه (صلى الله عليه وآله) مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِه، يَسْلُكُ بِه طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، ومَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَه ونَهَارَه، ولَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُه اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّه، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِه عَلَماً، ويَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِه، ولَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاه ولَا يَرَاه غَيْرِي، ولَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الإِسْلَامِ، غَيْرَ رَسُولِ اللَّه (صلى الله عليه وآله) وخَدِيجَةَ وأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ والرِّسَالَةِ وأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ، ولَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْه (صلى الله عليه وآله) فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه مَا هَذِه الرَّنَّةُ، فَقَالَ هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِه، إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وتَرَى مَا أَرَى، إِلَّا أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ ولَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ، وإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ).

المصدر: المحاضرة الأولى لشهر محرم من عام 1440 - سماحة العلامة السيد منير الخباز حفظه الله – قررها: جعفر العباد

 

2025/02/15
أسرار المُعجزات: هل يمكن للميّت أن يعود للحياة؟!

تثير العلاقة بين المعجزة والمنطق العلمي جدلاً فكرياً عميقاً، خاصة عندما نتأمل المعجزات المذكورة في القرآن الكريم. فكيف يمكن للعقل العلمي أن يتقبل تحول عصا موسى إلى ثعبان، أو إحياء عيسى للموتى بإذن الله، أو رحلة الإسراء للنبي محمد من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة؟

[اشترك]

تتجلى حقيقة المعجزة في رؤيتين متباينتين: الأولى يمثلها الفيلسوف الأمريكي إراف هولاند الذي يرى المعجزة حدثاً نادراً غير مألوف، لا خرقاً للطبيعة. فالقوانين الطبيعية عنده ثابتة كقانون غليان الماء عند درجة حرارة 100.

أما الرؤية الثانية، فيمثلها سومبورن، أستاذ الفلسفة المسيحية في أكسفورد، الذي يؤكد أن المعجزة تخرق القوانين الطبيعية. فكيف يمكن اعتبار عودة الميت إلى الحياة مجرد حدث نادر؟

في علاقة المعجزة بالمنطق العلمي، نجد رؤيتين: الأولى ميكانيكية تستند إلى الحتمية النيوتنية، حيث كل حادثة تحتاج سبباً يسانخها. فكيف تتحول العصا إلى ثعبان دون مسانخة؟ وكيف تنتج بذرة التفاح عنباً؟ أما الرؤية الثانية فهي فلسفية، يوضحها ابن سينا في "الإشارات والتنبيهات" بثلاثة عوامل للحوادث: طبيعي كتأثير ضوء الشمس على الحياة، وماورائي يتجاوز عالم المادة، وروحي كقوة الأنبياء القدسية.

ويدعم سومبورن إمكانية المعجزة علمياً بتقسيم القوانين العلمية إلى كلية وإحصائية. فالقوانين الكلية كالقوى الأربع للكون (الجاذبية، الكهرومغناطيسية، النووية الشديدة والضعيفة) لا تقبل الاستثناء. أما القوانين الإحصائية المكتشفة بالتجربة، كدرجة ذوبان الذهب عند 1063 درجة مئوية، فتقبل الاستثناء. وهذا يفسر معجزة إبراهيم عندما لم تؤثر النار فيه: "قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ".

وفي إثبات المعجزات تاريخياً، يرفض هيوم ذلك معتبراً التجربة المباشرة الطريق الوحيد للإثبات. لكن العلماء يردون بأن التواتر، كما في حديث الغدير، يفيد اليقين. كما أن الكون مليء بقوانين لم نكتشفها بعد، فربما قانون يكسر آخر في ظروف معينة، كما في حالة عصا موسى المحددة.

ويتجلى الإعجاز بوضوح في القرآن الكريم، فكيف لنبي لم يتلق تعليماً رسمياً في مجتمع جاهلي أن يأتي بكتاب يجمع قصة البشرية، وأسراراً علمية كتوسع الكون "وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ"، وتشريعات شاملة في 700 آية؟ يفسر السيد محمد باقر الصدر هذا بحساب الاحتمالات: كلما كانت النتيجة أكبر من المقدمات، دل ذلك على تدخل عامل خارجي، كطفل في الابتدائي ينظم شعراً يضاهي المتنبي.

وهكذا، فالمعجزة لا تتناقض مع المنطق العلمي، بل تكشف عن نظام كوني أعمق مما نتصور. فالعلم الحديث يؤكد محدودية معرفتنا: "وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". والمعجزة تبقى شاهداً على قدرة الخالق وإرادته التي لا يقف أمامها قانون: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ".​​​​​​​​​​​​​​​​

هذا المقال مقتطف من محاضرة لآية الله السيد منير الخبّاز تحت عنوان «هل تنسجم معجزات الأنبياء مع المنطق العلمي؟»

2025/01/04
معجزة «مسيلمة الكذّاب».. هل تُشبه معاجز الأنبياء؟!

قال العلامة الطريحي: "المُعْجِز: الأمر الخارق للعادة، المطابق للدَّعوى، المقْرون بالتحدِّي، و قد ذكر المسلمون للنبي (صلى الله عليه و آله) ألف معجزة منها القرآن 1.

[اشترك]

و المعجزة كما عرَّفها العلماء أيضاً: "أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدي، مع عدم المعارضة، مع دعوى النبوة".

و المقصود بالأمر الخارق للعادة هو ما يعجز البشر حتى النوابغ و العباقرة عن الإتيان به.

و لقد جرت السنة الإلهية على أن يكون كل نبي مبعوث من قِبَل الله عَزَّ و جَلَّ مزوداً بقدرة استثنائية و قوة خارقة للعادة يستطيع بمساعدتها و بإذن من الله أن يأتي بأمور تفوق القدرة العادية للبشر، حتى يكون ما يأتي به دليلاً على أنه مبعوث من قِبَل الله العلي القدير، و شاهداً على صدق ما يدعيه من النبوة و إخباره عن عالم الغيب، و مثبتاً لاتصاله بالسماء.

المعجزة في القرآن الكريم

يُسمي القرآن الكريم الأمور الخارقة التي يقوم بها الأنبياء بأذن من الله لإثبات صدق دعوتهم بالآيات، أي الدلائل و العلامات التي تدل على صدق النبي صاحب المعجزة لأنها علامة على أنَّهُ موصول بالقدرة الإلهية.

أما علماء الإسلام فيسمونها بالمعاجز نظراً لعجز الآخرين من أفراد البشر عن الإتيان بمثل هذه الأمور.

قال الله عَزَّ و جَلَّ: ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ * قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ ﴾ 2.

و قال عَزَّ مِنْ قائل: ﴿ وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ ﴾ 3.

ما هي فلسفة معاجز الأنبياء؟

تعتبر المعجزة من الشواهد المهمة التي تثبت بها صدق دعوى نبوة النبي الذي أظهر المعجزة، و هي بمثابة أوراق اعتماده و هويته التي تؤيد صدق دعواه و ارتباطه بالله تعالى، فلذلك نرى أن الأنبياء عليهم السَّلام إلى جانب ما أقاموه من الدلائل و البراهين العقلية على صدق دعواهم، فقد اظهروا معاجز تؤكد صدق ادعائهم و لا تدع مجالا للشك في حقانية نبوتهم.

و يذكر القرآن الكريم أن الناس في مختلف العصور كانوا يطالبون الأنبياء بالآيات و المعجزات، و كان الأنبياء يوافقون على طلبهم هذا، ذلك لأنهم كانوا يرونه طلباً منطقياً و معقولاً و صادراً عن روح التحقيق و البحث، و بالإضافة إلى ذلك فان الناس لم يكن لديهم وسيلة أخرى لمعرفة نبوة الأنبياء و الاطمئنان بصحتها.

و الجدير بالذكر أن الأنبياء كانوا يستنكفون عن إظهار الآيات أو المعجزات عندما كان الطلب الموجه لهم من أناس استغلاليين، فكانوا يمتنعون من تلبية طلب الذين يحاولون استغلال معاجز الأنبياء و جعلها وسيلة للوصول إلى مآربهم الدنيوية الرخيصة، مثل طلبهم بان يأتي لهم النبي بجبل من ذهب لتتكون لديهم  ثروة عظيمة بشكل مفاجئ، أو الذين كانوا يجعلون تحقق مطالبهم شرطاً لقبولهم دعوة النبي.

معجزة مسيلمة الكذاب

و من طريف من ذكره التاريخ أن مِنْ مُعْجِزَاتِ النَّبِيِّ ( صلى الله عليه و آله ) أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ بِصَبِيٍّ لَهَا تَرْجُو بَرَكَتَهُ بِأَنْ يَمَسَّهُ وَ يَدْعُوَ لَهُ ، وَ كَانَ بِرَأْسِهِ عَاهَةٌ ، فَرَحِمَهَا وَ الرَّحْمَةُ صِفَتُهُ ، فَمَسَحَ بِيَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ فَاسْتَوَى شَعْرُهُ ، وَ بَرَأَ دَاؤُهُ .

فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ الْيَمَامَةِ فَأَتَوْا مُسَيْلَمَةَ 4 بِصَبِيٍّ فَسَأَلُوهُ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَصَلِعَ وَ بَقِيَ نَسْلُهُ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا صُلْعاً 5 .

الهوامش:

  1. مجمع البحرين: 4 / 25، للعلامة فخر الدين بن محمد الطريحي، المولود سنة : 979 هجرية بالنجف الأشرف / العراق ، و المتوفى سنة: 1087 هجرية بالرماحية، و المدفون بالنجف الأشرف / العراق ، الطبعة الثانية سنة: 1365 شمسية، مكتبة المرتضوي ، طهران / إيران .
  2. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآيات: 104 - 108، الصفحة: 163.
  3. القران الكريم: سورة الأعراف (7)، الآية: 132 و 133، الصفحة: 166.
  4. مسيلمة الكذاب: هو مسيلمة بن ثمامة من بني حنيفة، ادعى النبوة و كان من المعمرين، نشأ باليمامة، و لما ظهر الإسلام في الحجاز و افتتح النبي ( صلى الله عليه و آله ) مكة و دانت له العرب، جاءه وفد من بني حنيفة و كان معهم مسيلمة إلا إنه تخلف مع الرحال خارج مكة، فجاء الوفد إلى النبي و أسلموا و أخبروا النبي بمكان مسيلمة، و لما رجعوا إلى ديارهم كتب مسيلمة إلى النبي: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد ... فأجابه النبي : بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، و كان مسيلمة يضع أسجاعا ليضاهي بها القرآن. (أنظر: أضواء على الصحيحين: 371، للشيخ محمد صادق النجمي).
  5. بحار الأنوار (الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (عليهم السلام )): 8 / 18 ، للعلامة الشيخ محمد باقر المجلسي ، المولود بإصفهان سنة: 1037 ، و المتوفى بها سنة: 1110 هجرية، طبعة مؤسسة الوفاء، بيروت / لبنان، سنة: 1414 هجرية.
2024/12/10
رحل النبي وانقطع الوحي: هل يتّصل جبرائيل بالأئمة (ع)؟!

لكي يتضح الأمر لابد من التفريق بين أمرين، الأول: الوحي بمعنى نزول جبرائيل إلى الأرض بغرض إبلاغ رسالة الله للعباد. والثاني: الوحي بمعنى مطلق الاتصال بالغيب سواء كان عبر الإلهام أو عبر حديث الملائكة.

[اشترك]

ومن المؤكد أن الأول منتفي بإجماع المسلمين لكون رسالات الله ختمت بالنبي محمد (ص) وبموته انقطع هذا الوحي عن الأرض، وعليه لا يمكن القول أن الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) يوحى لهم بهذا المعنى، والأخبار المروية عنهم (سلام الله عليهم) تؤكد ذلك، ففي الخبر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: من زار النبي (صلى الله عليه وآله) فليسترجع ثلاثا، ثم ليقل: أصبنا بك يا حبيب قلوبنا، فما أعظم المصيبة بك، حيث انقطع عنا الوحي وحيث فقدناك ما شاء الله، وإنا إليه راجعون) (مستدرك الوسائل ج10ص 190) وفي بحار الأنوار أن أمير المؤمنين قال لفاطمة الزهراء (سلام الله عليهم): (من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر، والوحي قد انقطع عنا؟ فقالت: يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قصر من الدر....) مما يدلل بشكل واضح أن الوحي الذي كان ينزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد انقطع بانتقاله إلى الرفيق الأعلى. 

أما مطلق الاتصال بالغيب فليس موقوفا على نزول جبرائيل برسالة من الله، كما أنه غير خاص بالأنبياء وإنما يمكن حدوثه لغيرهم مثل ما كان لمريم بنت عمران (عليها السلام) قال تعالى: (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك علىٰ نساء العالمين) وقال تعالى: (فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا * قالت إني أعوذ بالرحمٰن منك إن كنت تقيا * قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا)، وكذلك أم موسى (عليه السلام) قال تعالى: (وأوحينا إلىٰ أم موسىٰ أن أرضعيه ۖ فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني ۖ إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) وهذا النوع من الوحي متحقق للأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) ففي رواية الإمام الصادق (عليه السلام) عن الحارث بن المغيرة النضري قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما علم عالمكم؟ جملة يقذف في قلبه أو ينكت في أذنه؟ قال: فقال: وحي كوحي أم موسى) (بحار الأنوار، ج26، ص58)، وعن الحارث بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن الأرض لا تترك بغير عالم، قلت: الذي يعلم عالمكم ما هو؟ قال: وراثة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن علي بن أبي طالب علم يستغنى به عن الناس ولا يستغني الناس عنه، قلت: وحكمة يقذف في صدره أو ينكت في أذنه؟ قال: ذاك وذاك) (بحار الأنوار، ج26، ص62). 

ولا مانع أيضا أن يكون الملك الذي يأتيهم بأخبار السماء هو جبرائيل طالما لم يكن من سنخ أخبار النبي (صلى الله عليه وآله)، وهناك بعض الروايات التي تؤكد أن جبرائيل أخبر السيدة الزهراء (سلام الله عليها) ببعض الأمور الغيبية، ففي صحيحة أبي عبيدة، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل (عليه السلام) يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها، ويطيب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة عليها السلام). (الكافي ج1، ص 241)

 

2021/09/30