لكل سؤال جواب
هل الوحي خاص بـ ’الأنبياء’ فقط؟!
الوحي عند العلماء في الجملة، على ثلاثة أقسام:

[اشترك]

الأول: وحي التشريع

وهذا خص بالأنبياء فقط لا غير، وقد انقطع عن أمة محمد بموت النبي محمد صلى الله عليه وآله؛ فحلال محمد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه كذلك إلى يوم القيامة.

الثاني: وحي التأييد والتأكيد

وهذا لا مانع من أن ينزل على مطلق المعصومين غير النبي، كما نزلت الملائكة على فاطمة، وعلى أم موسى (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)

كل الأوصياء، ومنهم أئمتنا عليهم السلام، يوحى لهم هذا القسم من الوحي، وأصله في القرآن: (قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا).

الثالث: وحي التسديد

وهذا لا مانع من أن ينزل حتى على البشر العادي من طريق الإلهام، إذا استنجد بالله تعالى، كما في قولنا: استخر الله خيرة في عافية؛ فالله يلهمه (يوحي له) الصواب.

2023/03/20

وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم: هل يتوقّف حسابنا يوم القيامة على أهل البيت (ع)؟
ورد في الزيارة الجامعة الكبيرة لفظ : (وإياب الخلق إليكم ، وحسابهم عليكم) وقد تساءل البعض عن معنى ذلك!!

[اشترك] 

قلنا: الزيارة أخرجها الشيخ الصدوق في كتابيه الفقيه([1]) والمعاني([2])، والشيخ الطوسي في التهذيب([3])، قد نوقش فيها سنداً ودلالةً ؛ فأمّا سنداً ، فلأنّ فيها موسى بن عبد الله النخعي ، وهو مجهول..

ويرد عليه لا عبرة بذلك ؛ إذ قد أخرجها القدماء ، كالصدوق والطوسي في كتبهم ، التي عليها المدار، وأفتوا بمضمونها ، بلا أدنى طعن أو تليين أو رد ، وإنّما طعن في صدورها من طعن ؛ لاعتياص فقرة (وإياب الخلق إليكم ، وحسابهم عليكم) لا أكثر ولا أقل .

والطعن فيها لذلك، جهد عاجز ؛ لمجموع أمور ..

الأوّل : لكثرة شواهدها ، وسيعرض المقال لبعضها على ما سيأتي .

الثاني : لا ضير في معناها إجمالاً

اتفق أصحابنا رضي الله عنهم ، أنّ أهل البيت عليهم السلام ، ميزان دخول الجنّة أو النّار ؛ فمن أحبّهم ووالاهم دخل الجنّة ، ومن بغضهم وعاداهم دخل النّار ، على ما قضى الله تعالى، وفي هذا أخبار قطعيّة متواترة ، قرآناً وسنّة ، معلومة ضرورة لكلّ مسلم ؛ كآيتي المودة والتطهير من الرجس ، المفسرتين بهم عليهم السلام بالإجماع المركب بين الفريقين سنة وشيعة ، فلا إشكال .

قال الصدوق (381هـ) مثلاً : وإنّما صار عليه السلام قسيم الجنّة والنّار ؛ لأنّ قسمة الجنة والنار ، إنّما هي على الإيمان والكفر، وقد قال له النبي صلى الله عليه واله: ( يا علي ، حبك إيمان ، وبغضك نفاق وكفر) فهو عليه السلام ، بهذا الوجه ، قسيم الجنّة والنّار([4]).اهـ.

وقال الشيخ المفيد رضي الله عنه (413هـ): قال أبو جعفر : اعتقادنا في الصراط أنه حق ، وأنه جسر؛ الصراط في اللغة هو الطريق ؛ فلذلك سمّي الدين صراطاً ؛ لأنّه طريق إلى الصواب ، وله سمي الولاء لأمير المؤمنين والأئمة من ذريته عليهم السلام صراطاً . ومن معناه قال أمير المؤمنين عليه السلام : أنا صراط الله المستقيم ، وعروته الوثقى التي لا انفصام لها . يعني : أنّ معرفته والتمسك به طريق إلى الله سبحانه .

وقد جاء الخبر بأنّ الطريق يوم القيامة إلى الجنّة ، كالجسر يمر به الناس ، وهو الصراط الذي يقف عن يمينه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن شماله أمير المؤمنين عليه السلام ، ويأتيهما النداء من قبل الله تعالى : (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ). وجاء الخبر أنّه لا يعبر الصراط يوم القيامة إلاّ من كان معه براءة من علي بن أبي طالب عليه السلام من النار  ([5]).

وقال المجلسي الثاني (1111هـ): (وإياب الخلق إليكم ...) الإياب بالكسر: الرجوع، أي : رجوع الخلق في الدنيا ، لجميع أمورهم ، إليهم ، وإلى كلامهم ، وإلى مشاهدهم ، أو في القيامة للحساب ، وهو أظهر ؛ فالمراد بقوله تعالى : (إنّ إلينا إيابهم) أي : إلى أوليائنا، كما دلّت عليه أخبار كثيرة ([6]). اهـ.

الثالث : هل تجب معرفة تفاصيل هذه العقيدة !!

قلنا -بلا خلاف أعلمه-: معرفة هذه التفاصيل غير واجبة على المسلم؛ فيكفي الاعتقاد أنّه لا نجاة في الدنيا والآخرة إلاّ بمولاة محمد وآل محمد ، وإنّما خاض بعض الأساطين فيما عدا ذلك ؛ لمزيد بيان وإيضاح ؛ إذ الأخبار في ذلك كثيرة جدّاً ، بل متواترة .

وأيّاً كان، تساءل البعض عن هذه التفاصيل ؛ أي: عن كيفيّة إياب الخلق إليهم، وتفاصيل حسابهم عليهم صلوات الله عليهم؟!!!.

قال المجلسي الأوّل محمد تقي (1070هـ) :

(وإياب الخلق إليكم) أي : رجوعهم في الدنيا لأخذ المسائل والزيارات ، وفي الآخرة ، لأجل الحساب ، كما روي عنهم عليهم السلام أنّهم الميزان ، أي: الحقيقي والواقعي.

أو في الآخرة ، بقرينة : (وحسابهم عليكم) كما قال تعالى : (إِنَّ إِلَيْنا) أي إلى أوليائنا بقرينة الجمع (إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) وروي في الأخبار الكثيرة أنّ حساب الخلائق يوم القيمة إليهم ، ولا استبعاد في ذلك ، كما أنّ الله تعالى قرر الشهود عليهم من الملائكة والأنبياء والأوصياء والجوارح ، مع أنّه قال تعالى : (وَكَفى بِالله شَهِيداً) وهو القادر الديان يوم القيمة ، ويمكن أن يكون مجازاً باعتبار حضورهم مع الأنبياء عند محاسبة الله تعالى إياهم ([7]).

قال حبيب الله الخوئي (1324هـ): ما ذكره أولاً هو الأظهر ؛ إذ المصير إلى المجاز ، إنّما هو مع تعذّر إرادة المعنى الحقيقي ، وأمّا مع الامكان فلا ، وقد دلَّت الأخبار الكثيرة كما اعترف رحمه الله به أيضاً ، على أنّ المحاسب هم عليهم السّلام فيتعيّن إرادة الحقيقة([8]).اهـ.

الرابع : الشواهد المعتبرة الكثيرة

عقد الحر العاملي رضي الله عنه باباً ، تحت عنوان : إنّ حساب جميع الخلق يوم القيامة إلى الأئمة عليهم السلام، سرد فيه روايتان ، رواها الكليني رضي الله عنه في الكافي ، أحدهما : رواية سماعة عن الكاظم عليه السلام ، والثانية رواية جابر الجعفي عن الباقر عليه السلام....، ثمّ ختم قائلاً : أقول: والأحاديث في ذلك كثيرة متواترة([9]).اهـ.

رواية سماعة!!

روى الكليني ، بإسناد مختلف فيه (صحيح على بعض المباني) ، عن سماعة قال : قال أبو الحسن الأول عليه السلام : فقال يا سماعة إلينا إياب هذا الخلق و علينا حسابهم ؛ فما كان لهم من ذنب بينهم و بين الله عز و جل ، حتّمنا على الله في تركه لنا ، فأجابنا إلى ذلك ، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم ، وأجابوا إلى ذلك ، وعوضهم الله عز و جل([10]).

رواية جابر الجعفي!!

روى الكليني ، بإسناد مضعف بعمر بن شمر ، عن جابر الجعفي قال : قال الباقر عليه السلام: (يا جابر إذا كان يوم القيامة جمع الله عز وجل الأولين و الآخرين لفصل الخطاب....، ثمّ يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس فنحن و الله ندخل أهل الجنة الجنة و أهل النار النار...) ([11]).

رواية عبد الله بن سنان!!

روى الطوسي (460هـ) بإسناده عن عبد الله ابن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال : «إذا كان يوم القيامة وكلنا الله بحساب شيعتنا، فما كان لله سألنا الله أن يهبه لنا فهو لهم، و ما كان لنا فهو لهم» ثمّ قرأ أبو عبد الله عليه السلام : (إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) ([12]).

قال المازندراني رضي الله عنه (1081هـ) شارحاً :

(فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار) لأنّهم قوام الله تعالى على خلقه ، وعرفاؤه على عباده ، لايدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه، ولا يدخل النّار إلاّ من أنكرهم وأنكروه) ([13]).اهـ.

وقال السيد عبد الله شبر (1220هـ):

( وإياب ) بكسر الهمزة أي رجوع ( الخلق ) في الدنيا لأمور دينهم ودنياهم وأحكام شرائعهم وإصلاح معادهم ومعاشهم ، أو في القيامة لأجل الحساب والشفاعة ( إليكم ) أو إلى كلامكم ، أو إلى مشاهدكم.

( وحسابهم عليكم) فقوله تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) أي إلى أوليائهم، كما يشعر به صيغة الجمع ، ولا استبعاد في ذلك ، فقد وكلّ تعالى بالعذاب والحساب والكتاب جمعاً من الملائكة ، وهم أفضل من الملائكة ( عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام...)  وساق حديث جابر الجعفي أعلاه. (وعن سماعة) وساق حديثه كما هو أعلاه([14]) .اهـ.

وقال السيد شرف الدين الأستر آبادي (حوالي : 965هـ) :  

قوله : (وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم) ومعنى هذا التأويل : الظاهر : أن الضمير في (إلينا) و: (علينا) راجع إلى الله تعالى .

وأما الباطن : فإنه راجع إليهم ، صلوات الله عليهم ، وذلك لأنّهم ولاة أمره ونهيه في الدنيا والآخرة ، والأمر كله لله ، فلمن شاء من خلقه جعله إليه ، ولا شك أن رجوع الخلق يوم القيامة إليهم ، وحسابهم عليهم ، فيدخلون وليهم الجنة ، وعدوهم النار ، كما ورد في كثير من الاخبار ، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام : (قسيم الجنة والنار) ([15]). اهـ.

الخامس : من الشواهد الصحيحة

أخرج القمي في تفسيره حدثنا فرات بن ابراهيم قال حدثنا محمد بن احمد بن حسان قال حدثنا محمد بن مروان عن عبيد بن يحيى عن محمد بن الحسين ابن علي بن الحسين عن ابيه عن جده عن علي بن ابي طالب عليه وعليهم السلام في قوله : (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) ؟!.

قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنّ الله تبارك وتعالى ، إذا جمع الناس يوم القيامة في صعيد واحد ، كنت أنا وانت يومئذ عن يمين العرش، ثم يقول الله تبارك وتعالى لي ولك: قوما فألقيا من ابغضكما وكذبكما في النار).

قلت: إسناده صحيح على الأظهر، ورواه الشيح الطوسي في الأمالي بأكثر من طريق .

وأخرج القمي (في تفسير وألقيا في جهنم) قال : حدثني أبي ، عن عبدالله بن المغيرة الخزاز ، عن ابن سنان ، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول...: (أنا مالك خازن النار أمرني ربي أن آتيك بمفاتيح النار، فأقول: قد قبلت ذلك من ربي ، فله الحمد على ما أنعم به علي ، وفضلني به ، إدفعها إلى أخي علي ابن ابي طالب، فيدفعها اليه، ثم يرجع مالك فيقبل علي عليه السلام ، ومعه مفاتيح الجنة ومقاليد النار ، حتى يقف على شفير جهنم ، ويأخذ زمامها بيده ، وقد علا زفيرها،  واشتد حرها وكثر شررها، فتنادي جهنم يا علي جزني ، قد أطفأ نورك لهبي، فيقول لها علي عليه السلام: قرّى يا جهنم ، ذري هذا وليي ، وخذي هذا عدوي، فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي من غلام أحدكم لصاحبه؛ فإنّ شاء يذهب به يمنة ، وإن شاء يذهب به يسرة، ولجهنم يومئذ أشدّ مطاوعة لعلي فيما يأمرها به من جميع الخلائق، وذلك أنّ علياً عليه السلام ، يومئذ قسيم الجنة والنار).

قلت: إسناده صحيح ، والروايات في كونه قسيم الجنّة والنّار كثيرة .

وأخرجه الصدوق في علل الشرائع قال : حدثنا أبي رحمه الله قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى ، عن العباس بن معروف، عن عبد الله بن المغيرة الخزاز، عن أبي حفص العبدي ، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله ...، وساق مثله .

وإسناده صحيح بلفظه أو معناه ؛ فعبد الله بن المغيرة رضي الله عنه من أصحاب الإجماع .

والأخبار في ذلك كثيرة جدّاً ، كحديث الغدير والثقلين ونحوهما؛ ففي الجميع دلالة أنّ محبتهم ومولاتهم ميزان الله تعالى في دخول الجنة أو النار .

الخلاصة، في أمور:

الأول : معنى : (إياب الخلق إليهم وحسابهم عليهم) أنّ أهل البيت عليهم السلام ، هم ميزان دخول الجنة أو النار ؛ فمن اتبعهم وأحبّهم وولاهم فهو في الجنّة ، ومن بغضهم وعاداهم ، ووالى أعدائهم ، فهو في جهنّم ، وهذا معلوم ضرورة يشهد له القرآن في آيتي المودة والتطهير من الرجس، المفسران بأهل الكساء ، بالإجماع المركب بين السنة والشيعة ، وإن اختلفوا في سعة  أو ضيق مفهوم أهل البيت .

الثاني : دعوى الغلاة لعنهم الله تعالى ، أنّ الله ترك حساب الخلق إلى أهل البيت عليهم السلام ، وأنهم مستقلون في ذلك ، شركٌ صريحٌ ، إجماعاً وضرورة ؛ للزوم القول بالشريك .

الثالث : لا مانع عقلاً وشرعاً ، أن يقضي سبحانه بأن يكون بعض عباده متصرفاً بإذنه على التبع ، كما قال المجلسي الأول والسيد عبد الله شبّر وغيرهما ضي الله عنهم ، واللفظ للثاني : (ولا استبعاد في ذلك ، فقد وكلّ تعالى بالعذاب والحساب والكتاب جمعاً من الملائكة ، وهم أفضل من الملائكة).

الرابع: لكن ربما يقال على قواعد الحكمة المتعالية ، بوجوب الواسطة ، بيان ذلك ..

لا ينبغي الريب أنّ أهل البيت عليهم السلام ، واسطة فيض وإيجاد ، على ما قضى الله تعالى ، كما أنّ أغلب العباد ذاتاً ، لا أهليّة لهم لدخول الجنّة ، بلا واسطة فيض دائمة (كالشفاعة) ؛ بداهة أنّ القدرة لا تتعلق بالممتنع ذاتاً ، كما في قضية جبرائيل يوم الإسراء (لو تقدمت أنملة لاحترقت) فتعين القول بلزوم الواسطة في الفيض لدخول الجنّة ، ولا واسطة أشرف من محمد وآل محمد صلوات الله عليهم .

وأمّا أهل النار ؛ فكذلك عكساً ؛ فيكفي سد باب الفيض عنهم ليركسوا في جهنم.

وربما ناقشه المشهور ، بأنّ القول بوجوب الواسطة على الله مشكل ، والأمر لا يسعه ما نحن فيه .

 

الهوامش:
([1] ) من لا يحضره الفقيه 2: 612. رقم : 3213. باب زيارة جامعة لجميع الأئمة عليهم السلام. ([2] ) عيون أحبار الرضا 2: 307. زيارة أخرى للرضا عليه السلام جامعة. ([3] ) التهذيب 6: 97. رقم: 177. باب زيارة جامعة لسائر المشاهد على أصحابها السلام. ([4] ) معاني الأخبار : 206 . باب معنى قول النبي : (يا علي لك في الجنة كنز) ([5] ) تصحيح اعتقادات الإماميّة : 108. ([6] ) ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار9: 262 . والبحار 99: 139. ([7] ) روضة المتقين للمجلسي الأول5: 478. ([8] ) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة 3: 214. ([9] ) الفصول المهمة في أصول الأئمة 1: 447. ([10] ) الكافي (ت: علي غفاري) 8: 162. رقم: 167. حديث الناس يوم القيامة. دار الكتب الإسلامية ، طهران. ([11] ) الكافي (ت: علي غفاري) 8: 159. رقم: 154. حديث الناس يوم القيامة. دار الكتب الإسلامية ، طهران. ([12] ) الأمالي للطوسي : 406.رقم: 911. ([13] ) شرح أصول الكافي للمازندراني 12: 180. ([14] ) الأنوار اللامعة في شرح الزيارة الجامعة للسيد عبد الله شبر : 136. ([15] ) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة 3: 789.
2022/12/04

حب النساء كمال: لماذا يتزوج المعصوم (ع) بأكثر من امرأة؟!
هل كثرة زواج المعصوم (عليه السلام) تدلّ على أنّه شهوانيّ، وبالتالي لا يصلح أن يكون قدوة للآخرين؟

[اشترك]

أوّلاً: ينبغي التفريق بين تعدّد الزوجات، وبين كثرة الزوجات، فإنّ تعدّد الزوجات لا يعني بالضرورة الكثرة، فإنّ التعدّد يصدق على الزوجتين فصاعداً، بينما الكثرة يصدق على الثلاثة فصاعداً.

والأئمّة المعصومون (عليهم السلام) وإن كان بعضُهم قد تزوّج بأكثر من زوجة في بعض مراحل عمرهم حسب ما اقتضه ظروفهم، إلّا أنّه لم يصل إلى حدّ الكثرة. فالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ مثلاً ـ لم يتزوّج في حياة السيّدة خديجة (رضوان الله عليها) بزوجة أخرى، وهي فترة امتدّت لخمس وعشرين سنة تقريباً، وأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يتزوّج في حياة السيّدة الزهراء (عليها السلام) بزوجة أخرى، وهي فترة امتدّت لخمس سنوات تقريباً. وليس من الواضح أنّ جميعَ الأئمّة (عليهم السلام) عدّدوا الزوجات، بأن تزوّجوا اثنتين أو ثلاث أو أربع، فهذا شيء يحتاج لسبر تاريخيّ دقيق، وليس من السهل إثباته.

ثمّ إنّ تعدّد الزوجات في أيّام زمانهم كانت ظاهرة طبيعيّة، وحالة عامّة، ليس بها نقيصة ولا استهجان، ومن المعلوم أنّه لا يمكن أن ندرس مثل هذه الظاهرة دون دراسة ظروفها المحيطة بها وملابساتها التي تكتنفها، فلا بدّ أن نلاحظ الزمان والمكان والظروف ونحوها ممّا لها دخالة في الحكم على أنّها حالة طبيعيّة أو لا، فلا يمكن أن ندرس الحالة بتلك الحقبة على أساس الظروف التي نعيشها الآن.

ثمّ إنّ التعدّد ليس ملازماً للكثرة كما ذكرنا سابقاً، فضلاً عن الكثرة الخارجة عن الحدّ المألوف في تلك الحقبة الزمنيّة. وما يُذكر في بعض كتب التاريخ والسيرة من أرقام لعدد زوجات بعض الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ـ مع عدم ثبوت بعضها ـ هي أعمّ من الزوجات وأمّهات الأولاد، وأعمّ من الزوجات اللاتي بقين على عصمة الزوجيّة إلى زمان شهادة المعصوم (عليه السلام) واللاتي بُنّ عن الزوجيّة بالطلاق أو الموت.

ثانياً: ذكرنا في جوابٍ سابق: أنّ طبيعةَ الإنسانِ مُركّبةٌ مِن قوىً عديدةٍ، منها قوّةُ الشّهوةِ، فيميلُ الرّجالُ للنّساءِ والنّساءُ للرّجالِ، والنبيّ الأكرمُ (صلّى اللهُ عليهِ وآله) وإنْ كانَ نبيّاً ورسولاً ويُوحى إليهِ فإنّه بشرٌ، قالَ اللهُ تعالى: {قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثلُكُم يُوحَىٰ إِلَيَّ} [سورة الكهفُ: 110]، فالجنبةُ البشريّةُ ليسَت منفيّةً عنِ النبيّ (صلّى اللهُ عليه وآله).

ومنَ المعلومِ أنّ حبَّ الرّجلِ للنّساءِ كمالٌ يُمتدَحُ عليه الرّجلُ عندَ أصحابِ الفِطرِ السّليمةِ والطّباعِ المُعتدلةِ، فلا مجالَ لأن يكونَ ذلكَ نقصاً، بلِ النّقصُ في عدمِ حبّ الرّجلِ للنّساءِ وعدمِ ميلِه لهنَّ ـ لأنّهُ خلافُ الطبيعةِ التي جُبلَ عليها ـ، والنبيّ الأكرمُ رغمَ إشتغالِه بالعبادةِ والهدايةِ والإرشادِ كانَ يُراعي حقوقَ نسائِه وجانبَه البشريَّ، وهذا يدلُّ على اعتدالِ مزاجِه وتكاملِ قوّتِه الجسديّةِ والنفسيّة. 

ثمّ لا يصحّ التّعبيرُ عَن ذلكَ بكلمةِ «الشهوانيّ»؛ لأنّها تعني شدّة الرغبة في الملذّات الماديّة الدنيويّة، وطبيعةَ هذهِ الكلمةِ فيها شائبةُ تنقيصٍ؛ باعتبارِ أنّها توحي بطغيانِ جانبِ الشّهوةِ على جانبِ التعقّلِ، وبعدمِ اتّزانِ القوى لدى صاحبِها، ومنَ الواضحِ أنّ النبيّ (صلّى اللهُ عليه وآله) وإنْ كانَ مُحبّاً للنّساءِ فقد كانَ أعقلَ النّاسِ وأعبدَ النّاسِ وأزهدَ النّاس، وبهذا يظهرُ أنّه لا يصحُّ توصيفهُ بذلكَ لأنّ الكلمةَ تحملُ طابعَ التّنقيصِ مِن جانبهِ الأقدسِ (صلّى اللهُ عليهِ وآله). والكلام نفسه يجري بالنسبة للأئمّة المعصومين (عليهم السلام).

وقد ذكر المحقّق النراقيّ في [جامع السعادات ج2 ص250] وجهاً لطيفاً بقوله: « ولا تغرّنك كثرة نكاح رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإنّه كان لا يشغل قلبه جميع ما في الدنيا، وكان استغراقه في حبّ الله بحيث يخشى احتراق قلبه والسراية منه إلى قالبه، فكان (صلى الله عليه وآله) يكثر من النسوان، ويشغل نفسه الشريفة بهنّ، ليبقى له نوع التفات إلى الدنيا، ولا يؤدّي به كثرة الاستغراق إلى مفارقة الروح عن البدن... ثمّ لمّا كانت جبلته الأنس بالله، وكان أنسه بالخلق عارضاً يتكلّفه رفقاً ببدنه، فإذا طالت مجالسته معهم لم يطق الصبر معهم وضاق صدره، فيقول: (أرحنا يا بلال)، حتّى يعود إلى ما هو قرّة عينه، فالضعيف إذا لاحظ أحواله فهو معذور؛ لأن الأفهام تقصر عن الوقوف على أسرار أفعاله ».

2022/08/01

نحوسة شهر صفر.. حقيقة أم وهم؟!
من جملة المسائل التي يرمى الدينُ من خلالها بالخرافة: مسألة نحوسة الأيام، حيث يشتهر على ألسنة المتدينين وجود أيام نحسات، فيتجنبون الزواج والسكنى وممارسة بعض الأعمال فيها، وهذا ما يدعونا للوقوف عند حقيقة نحوسة الأيام عمومًا، وتحقيق نحوسة شهر صفر خصوصًا، وذلك من خلال ثلاثة محاور:

المحور الأول: حقيقة نحوسة الأيام.

ومطرح البحث هنا هو: أنَّ النحوسة التي توصف بها بعضُ الأيام هل لها حقيقةٌ ذاتيةٌ، أم لا؟

وللإجابة عن هذا التساؤل توجد ثلاث نظريات:

النظرية الأولى: النظرية الإيحائية.

ويرى أصحاب هذه النظرية: أنَّ نحوسة الأيام والأوقات مجرد وهم، فليس هنالك وقتٌ يكون لخصوصيةٍ فيه نحسًا، ووقتٌ يكونُ لخصوصيةٍ فيه مباركًا، بل الأيام والأوقات كلها متساوية من هذه الناحية، وما النحوسة سوى وهم توحي به بعض الحوادث المأساوية التي تقع في بعض الأيام، كما أنَّ البركة مجرد وهم توحي به المناسبات السعيدة التي تحدث في الأيام الأخرى.

النظرية الثانية: النظرية الاقترانية.

ويرى أصحاب هذه النظرية: أنَّ الأوقات والآنات الزمانية في حد ذاتها لا نحوسة فيها ولا بركة لها، ولكنَّ اقترانها بحدث معين يُضفي عليها ثوب النحوسة أو البركة، فمثلًا: يوم عاشوراء في حد نفسه لا نحوسة فيه، فقد كان يومًا عاديًا قبل أن يُقْتَل فيه سيد الشهداء (عليه السلام)، ولكنه عندما اقترن بفاجعة الطف تسبّب هذا الاقتران في صيرورته نحسًا.

وقد يُستشهد لذلك بما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): “من ترك السعي في قضاء حوائجه يوم عاشوراء قضى الله له حوائج الدنيا والآخرة، ومن سمّى يوم عاشوراء يوم بركة أو ادّخر فيه شيئًا لم يبارَك له فيما ادخر فيه، وحشره الله مع يزيد وابن زياد وعمر بن سعد في الدرك الأسفل من النار”[1]، والحاصل: فإنَّ يوم عاشوراء وإن كان في حد ذاته لا نحوسة فيه، إلا أنه لمّا اقترن بقتل الإمام الحسين (عليه السلام) اتّسم بالنحوسة [2].

النظرية الثالثة: النظرية الذاتية.

ويرى أصحاب هذه النظرية: أنَّ النحوسة والبركة للأوقات أمران ذاتيان، بمعنى أنَّ القطعة الزمانية الموصوفة بالبركة أو النحوسة قد جعلها الله تعالى ذات خصائص تكوينية معينة، وهذه الخصائص التكوينية قد أوجبت نحوستها أو بركتها.

وبعبارة أخرى: إنَّ الزمان قطع متعددة وآنات متراكمة، فكلُّ يوم من الأيام قطعة من الآنات يُعبّر عنها بـ(الزمان)، وحيث أنَّ الله تعالى قد جعل بعض هذه القطع ذات خصائص تكوينية معينة، فإنَّ هذه الخصائص قد تجعل تلك القطعة موجبةً للنحوسة وقد تجعلها موجبةً للبركة، وهذا معنى أنَّ البركة والنحوسة أمران ذاتيان.

ومن الواضح أنَّ جميع هذه النظريات الثلاث ممكنةٌ بحسب مقام الثبوت، وبالتالي فمن أجل ترجيح إحداهن على الأخريتَيْن لا بُدَّ من الرجوع إلى لسان الأدلة والنصوص الشرعية قرآنًا وسنةً.

ونلتقي – حينئذ – بقوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ}[3]، وقوله أيضًا: {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ}[4]، وقوله تعالى أيضًا: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ}[5]، وفي تفسير هذه الآيةِ وردَ عن الإمام الباقر (عليه السلام): “الصرصر: الريح الباردة، في أيام نحسات: أيام مشائيم”[6].

وهذا المقدار من النصوص يكفي لاستبعاد النظرية الأولى؛ إذ أنها ظاهرةٌ جدًا في أنَّ مسألة النحوسة والبركة في الأوقات ليست مجرد إيحاء ووهم، بل هي ذات بُعْدٍ واقعي.

وعلى ضوء ذلك يدور أمر هذه الواقعية بين كونها على نحو الاقتران، كما هو مفاد النظرية الثانية، وبين كونها أمرًا ذاتيًا، كما هو مفاد النظرية الثالثة.

والظاهر من الأدلة المذكورة – حيث وصفت الأيام والليالي بالنحوسة تارة والبركة تارة أخرى – هو أنَّ النحوسة والبركة أمران ذاتيان مُكوّنان ضمن الخصائص التكوينية للأزمان الموصوفة بالنحوسة والبركة، لا أنَّ الأزمان بسبب اقترانها بحوادث معينة قد أصبحت مباركة أو نحسة؛ إذ الظاهر من توصيف الشيء بوصفٍ معيّن أنَّ الوصف وصف له بحال نفسه لا بحال غيره [7].

اللهمّ إلا أن يُقال: إنَّ الاقتران بالنحس والبركة قد يولّد نحوسة وبركة في نفس الأوقات، فلا تأبى الأدلة المذكورة حينئذ عن حملها على النظرية الاقترانية بهذا التفسير الجديد؛ لوضوح أنَّ وصف الوقت بالبركة أو النحوسة – على ضوء هذا التفسير لنظرية الاقتران – يكون من باب وصف الشيء بحال نفسه أيضًا، وإن لم يكن اتصافه به من ذاتياته، بل هو طارئ وعارض عليه.

وقد يحاول البعض استظهار ذلك من بعض النصوص الشريفة، كالخبر المشهور عن الإمام الصادق (عليه السلام): “مَن سافر أو تزوج والقمر في العقرب لم يرَ الحسنى”[8]، بدعوى: أنَّ هذا الخبر – والذي يفتي الفقهاء على ضوئه بكراهة إنشاء عقد الزواج والدخول بالزوجة حين يكون القمر في برج العقرب – ظاهرٌ في أنَّ الوقت المذكور– بسبب اقترانه بكينونة القمر في برج العقرب – له خصائص تكوينية تمنع من حدوث البركة، مما يعني عدم كون النحوسة من الذاتيات، وإنما هي من العوارض الطارئة [9].

وعلى ذلك؛ فالنحوسة – وكذلك البركة – ليست مجرد أمر وهمي إيحائي، بل الصحيح أنها ذات بعد واقعي، إلا أنها قد تكون ذاتية لبعض الأوقات، واقترانية لبعضها الآخر [10].

المحور الثاني: تأثير الأيام في النحوسة بين الاقتضاء والفعلية.

بعد أن ثبت لدينا: أنَّ لبعض الأيام تأثيرًا واقعيًا في النحوسة، يقع الكلام هنا حول أنَّ هذا التأثير هل هو على نحو الاقتضاء؟ أم هو على نحو العلية التامة؟

وحتى يتضح المقصود جيّدًا نقول: لقد ثبت لدينا – من خلال المحور السابق – أنَّ الأيام تؤثر وتوجب النحوسة أو البركة، وهذا يعني أنَّ هناك مؤثرًا – وهو القطعة الزمانية المعينة – وأثرًا يترتب عليه، وهو النحوسة أو البركة، فمثلًا: عندما يريد الإنسان أنْ يُوقِع عقد زواجه والقمر في العقرب، فإنَّ المؤثر هو القطعة الزمنية التي يكون فيها القمر في العقرب، والأثر المترتب على ذلك هو عدم الحسنى، أي: عدم العاقبة الحسنة، وحينها يأتي السؤال المتقدم حول كيفية هذا التأثير، وأنه على نحو الاقتضاء؟ أم على نحو العلية التامة؟

وهنا يوجد عندنا احتمالان:

الاحتمال الأول: أنَّ المؤثر المذكور بمجرد أن يتحقق يتحقق أثره من غير أن يمنعه مانع، وهذا ما يُعَبَّر عنه بالتأثير على نحو العلية التامة.

الاحتمال الثاني: أنَّ المؤثر المذكور لو تُرِكَ كما هو لأثّر أثره، ولكنه متى ابتُلي بالمانع فإنه يحول بينه وبين تأثيره ذلك الأثر، وهذا ما يُعَبَّر عنه بالتأثير على نحو الاقتضاء.

وحتى تتضح الفكرة جيّدًا نضرب مثالًا، فنقول: إننا حين نصف النار بأنها محرقةٌ، فهذا لا يعني أنَّ أثرها – وهو الإحراق – يتحقق فورًا بمجرد تحققها، إذ أنَّ الإنسان لو أشعلَ نارًا ولكنه لم يضع بجانبها شيئًا فلن يتحقق الإحراق، وكذا لو وضع بقربها جسمًا مبللًا فإنَّ النتيجة هي عدم تحقق الإحراق أيضًا، مما يعني أنَّ النار لها اقتضاء الإحراق، بمعنى أنها بمجرد تحققها لا يتحقق الأثر، بل لا بُدَّ من تحقق الشرط من ناحية، وهو اقتراب الجسم المحترق منها، وارتفاع المانع من ناحية أخرى، وهو البلل والماء، وأما لو كانت الرطوبة موجودة فإنها تمنع من تأثير النار، ولذلك نقول: النار ليست علة تامة للإحراق، وإنما لها اقتضاء الإحراق.

وإذا اتضح الفرق بين التأثيرين فإننا نقول: إنَّ تأثير الأيام في النحوسة تأثير اقتضائي، وليس على نحو العلية التامة، وهذا يعني أنها تؤثر أثرها إذا لم يتحقق المانع، وأما متى ما تحقق المانع فإنها لا تؤثر أثرها، ولكن ما هو هذا المانع الأقوى تأثيرًا منها؟

وللإجابة عن ذلك يُقال: كما أنَّ نحوسة وبركة الأيام مما لا سبيل لاستكشافه إلا بتنصيص المحيط بالمصالح والمفاسد الواقعية، كذلك الموانع عنها لا يمكن استكشافها إلا بالرجوع إليه.

وعند الرجوع للنصوص الشريفة نلتقي بعدةٍ من الموانع، ومن أهمها الصدقة، فقد نصّت الروايات الشريفة على أنَّ الصدقة تحول دون تأثير الأوقات، كالرواية الواردة عن الإمام الصادق (عليه السلام): “من تصدق حين يصبح بصدقة أذهب الله عنه نحس ذلك اليوم” [11].

وعنه عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إذا أصبحت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس ذلك اليوم، وإذا أمسيت فتصدق بصدقة تذهب عنك نحس تلك الليلة”[12].

ومن هنا فإنَّ من المستحسن للمؤمن أن يلتزم بالصدقة بشكلٍ يومي ولو بمقدار بسيط جدًا، بأن يجعل له صندوقًا يضع فيه ولو مقدارًا ضئيلًا من الصدقة كلَّ يوم؛ لدفع نحوسته.

وكيف كان، فمما ذكرناه يتضح أنَّ تأثير الأوقات في النحوسة تأثير اقتضائي، وليس على نحو العلية التامة، وهذا يعني أنَّ الأوقات وإن كانت مؤثرة في النحوسة إلا أنَّ هنالك ما هو أقوى منها تأثيرًا، وإذا حصل ما هو الأقوى تأثيرًا – وهو الصدقة، كما مرّ – فإنَّ الأضعف تأثيرًا لا يؤثر أثره.

ولك أن تقول: النحوسة والصدقة من قبيل النار والماء، فإنهما معًا مؤثران، ولكنَّ أحدهما أقوى تأثيرًا من الآخر، ولذا عندما يجتمعان تكون الغلبة للأقوى، وهذا الأقوى الذي يلغي تأثير المؤثِّر الآخر عند التزاحم هو ما يُعبّر عنه – في الاصطلاح – بـ(المانع)، وبما أنَّ الصدقة علة للتأثير، والأيام النحسة علة للتأثير أيضًا، إلا أنَّ الصدقة هي الأقوى تأثيرًا، لذلك يمكن حيلولتها دون تأثير الأيام في النحوسة.

المحور الثالث: حقيقة نحوسة شهر صفر.

يشتهر في الألسنة: أنَّ شهر صفر شهر نحس، وقد يتداول بعض الناس أعمالًا وأورادًا وصلواتٍ ينسبونها للمشرِّع، ويزعمون أنَّ الهدف من تشريعها هو دفع نحوسة شهر صفر، ومنها الصلاة المتداولة المعروفة عند الناس بصلاة آخر أربعاء من شهر صفر، والتي يُقال: إنَّ أداءها موجب لدفع نحوسة ما بقي من شهر صفر إلى شهر صفر المقبل.

فالكلام يدور حول أنَّ نحوسة شهر صفر هل هي ثابتةٌ فعلًا، أم لا؟

وهنا ربّما يُقال: إنَّ نحوسة شهر صفر أمرٌ ثابتٌ، والدليل على ذلك هو كلام شيخ المحدّثين، العلامة التقي، الشيخ عبّاس القمي (رحمه الله)، حيث قال في كتابه الشهير (مفاتيح الجنان): “اعلم أنَّ هذا الشهر معروفٌ بالنحوسة، ولا شيء أجدى لرفع النحوسة من الصدقة والأدعية والاستعاذات المأثورة، مَن أراد أن يصان مما ينزل في هذا الشهر من البَلاءِ فليقل كل يوم عشر مرّات – كما روى المحدث الفيض وغيره –: [يا شَدِيدُ القُوى وَيا شَدِيدَ المِحالِ، يا عَزِيزُ يا عَزِيزُ يا عَزِيزُ، ذَلَّتْ بِعَظَمَتِكَ جَمِيعُ خَلْقِكَ، فَاكْفِنِي شَرَّ خَلْقِكَ، يا مُحْسِنُ يا مُجْمِلُ، يا مُنْعِمُ يا مُفَضِّلُ، يا لا إلهَ إِلاّ أَنْتَ، سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَيْناهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ، وَصَلّى الله عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَيِّبِينَ الطَّاهِرينَ]” [13].

ولنا حول هذا الكلام ثلاثة تعاليق:

التعليق الأول: عدم وجود نص شرعي يثبت النحوسة.

إنَّ النحوسة والبركة – كما مرَّ – إنما تثبت للأزمنة بنصِّ المُشرِّع المحيط بالمصالح والمفاسد الواقعية، وبالتالي فإذا كان هنالك نصٌّ شرعيٌّ يؤكّد على ثبوت النحوسة أو البركة فبها ونعمت، وإلا فإنَّ ذلك مما لا موجب للالتزام به، وعند الرجوع إلى روايات أهل البيت (عليهم السلام)، لا نجد ولا رواية واحدة – ولو كانت ضعيفة – تدلُّ على أنَّ شهر صفر له خصوصية النحوسة [14].

ونفس الشيخ الفيض الكاشاني (طاب ثراه) لم ينسب ما ذكره إلى أحد المعصومين (عليهم السلام)، بل اكتفى بقول: “لأيام صفر: «يا شديد القوى يا شديد المحال، يا عزيز يا عزيز، ذلّت بعزّتك جميع‏ خلقك‏، فاكفني شرّ خلقك، يا مجمل يا منعم يا مفضل، يا لا إله إلّا أنت سبحانك إنّي كنت من الظّالمين، فاستجبنا له و نجّيناه من الغمّ و كذلك ننجي المؤمنين، وصلّى اللّه على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين» كل يوم عشر مرّات للحفظ من البلايا النازلة فيه‏”[15].

نعم، هنالك رواية عامية نبوية تقول: “من بشّرني بخروج شهر صفر بشّرته بالجنة”، ولكنَّ هذه الرواية ليست واردة من طريقنا، كما أنَّ نفس علماء العامة يصرّحون بوضعها [16].

مضافًا إلى قصور دلالتها عن إثبات ذلك، لاحتمال أن يكون التبشير فيها بلحاظ جهة أخرى غير جهة النحوسة، كما ويُحتمل – على فرض صدورها – أن يكون المراد بشهر صفر فيها شهر صفر خاص كان النبي (صلى الله عليه وآله) يترقب تصرّمه.

ومما يجدر ذكره هنا: أنَّ الأعمال والأدعية والآداب والسنن كثيرةٌ جدًا، ولكنَّ الشيخ القمي – جزاه الله خير الجزاء – قد اختصرها في كتاب واحد، وذلك عندما رأى الناس يميلون إلى الدعة والكسل، حيث ارتأى أن يحافظ على هذا المقدار المتبقي عند الناس من الهمّة، فاختصر لهم كتابًا في الأعمال والسنن سمّاه (مفاتيح الجنان)، ومن جهة تنظيمه واختصاره – مضافًا لقوة إخلاص كاتبه – حظي بشهرةٍ كبيرة، وإلا فإنَّ كتب الأدعية القديمة كثيرة جدًا.

وعند الرجوع إلى هذه الكتب – ككتاب “مصباح المتهجد” للشيخ الطوسي، وكتاب “المصباح” للشيخ الكفعمي، وكتاب “إقبال الأعمال” للسيد ابن طاووس (رحمه الله) – فإنَّنا لا نجد فيها إشارة إلى نحوسة شهر صفر أبدًا، بل إنَّ ديدن علمائنا ومراجعنا وفقهائنا على التعبير عن شهر صفر في كلماتهم الشريفة بـ(صفر الخير) [17].

التعليق الثاني: منشأ معروفية شهر صفر بالنحوسة والشؤم.

بما أنّ شيخ المحدثين وثقتهم الشيخ عباس القمي (رحمه الله) قد ذكرَ أنَّ شهر صفر معروف بالنحوسة، ومثله لا يلقي الكلام على عواهنه، فلا بدّ أن يكون هنالك منشأ لهذه المعروفية.

وبدوًا قد يتوهّم بعضهم أنَّ كلام الشيخ القمي ينبئ عن وجود دليل شرعي يدل على هذه المعروفية، ولكن قد اتضح عدم وجوده، فيتعيّن أن يكون منشأ المعروفية شيئًا آخر، وهذا الشيء الآخر قد أفصحَ عنه نفس المحدّث القمي (طاب ثراه) في كتابه (وقائع الأيام)، فإنه عندما وصل به الكلام إلى شهر صفر احتمل سببَيْن لمعروفيته بالشؤم:

  • أولهما: وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه وهجرته عن هذا العالم.
  • وثانيهما: سببٌ تحليليٌ لطيفٌ، وهو: أنَّ شهر صفر قد وقع بعد الأشهر الحرم الأربعة؛ إذ كان العرب أيام الجاهلية يتوقفون عن الحروب والقتال والمعارك طوال الأشهر الأربعة، وبمجرد أن ينتهي شهر محرم تبدأ الحروب مجددًا، فكان العرب يتشاءمون من شهر صفر؛ لأنه شهر الحروب والمعارك وسفك الدماء [18].

ولا يخفى ما في هذين السببين من التأمل، أما الأول: فلأنه لو كان شهر صفر مشومًا لأجل وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فيه، لكان شهر رمضان نحسًا لأجل مقتل أمير المؤمنين (عليه السلام) فيه، ولكان شهر جمادى الأولى نحسًا أيضًا لقتل الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) فيه.

اللهم إلا أن يُقال: إنَّ مصائب المعصومين (عليهم السلام) وإن جلّت إلا أنها لا تقاس بمصيبة شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله) – كما هو صريح النصوص الشريفة [19] – فمن الممكن أن تكون لها خصوصية تكوينية ليست لغيرها.

وهذا وإن كان تامًا ثبوتًا، وممكنًا في حدّ نفسه، إلا أنَّ الأدلة قاصرة عنه إثباتًا، فلا سبيل لاعتماده.

وأما الثاني: فلأنَّ الوجه المذكور لا يفيد أكثر من النحوسة الوهمية الإيحائية، وقد ظهر لنا – من خلال المحور الأول – أنَّ أدلة نحوسة الأيام تأبى الحمل عليها.

وبذلك ظهر: أنَّ معروفية شهر صفر بالشؤم والنحوسة ليست نابعةً عن دليل شرعي، وإنما هي نابعةٌ – على ضوء الاحتمال الأخير – عن الواقع الحياتي الذي كان يعيشه العرب آنذاك، ثمَّ توارث أبناؤهم منهم هذا الموروثَ الثقافي جيلًا بعد جيل، إلى يوم الناس هذا.

التعليق الثالث: الوجه في الحثّ على بعض الأعمال في شهر صفر.

قال ثقةُ الإسلام القمي (رحمه الله) في كلامه المتقدم: “ولا شيء أجدى لرفع النحوسة من الصدقة والأدعية والاستعاذات المأثورة”، والذي يجدر الالتفات إليه: أنَّ هذا ليس من باب ورود الدليل الخاص، وإنما هو من باب التمسّك بالعمومات، بتقريب: أنَّ لدينا كبرى وصغرى.

  • أما الكبرى فهي: أنَّ الصدقة تدفع البلاء، وهذه مستفادة من لسان الشارع المقدس.
  • وأما الصغرى فهي: أنَّ شهر صفر شهر شؤم وبلاء ونحوسة، وهذه مستفادة مما تعارف عليه الناس.

وحينئذ فلسنا نحتاج لورود دليل خاص لإثبات استحباب الصدقة في شهر صفر، بل يكفينا – بعد احتمال نحوسة صفر وبلائه – أن نتمسك بعموم ما دلّ على أنّ الصدقة تدفع البلاء؛ لإثبات رجحانها في شهر صفر، بعد تحقق موضوعها، كما هو ظاهر.

وهكذا يُقال بالنسبة لقراءة بعض الأدعية والعوذات، فإنها مما دلّت الأدلة العامة على استحباب قراءتها عند نزول البلاء أو احتمال نزوله [20]، وبما أنَّ شهر صفر يُحتمل فيه ذلك، فترجح قراءتها فيه، وإن لم يصلنا دليل خاص يدل على استحباب القراءة في خصوص شهر صفر.


الهوامش: [1] وسائل الشيعة: 14 / 504. [2] وهذا ما اختاره العلامة الطباطبائي (طاب ثراه) في تفسيره الشريف (الميزان) 19 / 74 حيث قال: “فتبين مما تقدم على طوله: أن الأخبار الواردة في سعادة الأيام ونحوستها لا تدل على أزيد من ابتنائهما على حوادث مرتبطة بالدين توجب حسنًا وقبحًا بحسب الذوق الديني أو بحسب تأثير النفوس، وأما اتصاف اليوم أو أي قطعة من الزمان بصفة الميمنة أو المشأمة واختصاصه بخواص تكوينية عن علل وأسباب طبيعية تكوينية فلا”. [3] سورة الدخان، الآية: 3. [4] سورة القمر، الآية: 19. [5] سورة فصلت، الآية: 16. [6] بحار الأنوار: 11 / 354. [7] ولعلَّ المتتبع للنصوص الشريفة التي تناولت خصائص الأيام يستقرب أنَّ لها خصائص تكوينية ذاتية مؤثرة، من قبيل ما ورد عن رسول الله الأعظم (صلى الله عليه وآله): “مَن قلَّم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله من أنامله الداء، وأدخل فيه الدواء”. بحار الأنوار: 56 / 33. ومثله ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): “الحجامة يوم الاثنين من آخر النهار تسلُّ الداء سلًا من البدن”. بحار الأنوار: 56 / 38. [8] الكافي: 8 / 275 ح416. [9] ولكن الحق أنّ الحديث كما يُحتمل ما أُفيد، كذلك يحتمل أن يكون ناظرًا إلى الوضع، لا إلى المتى، وبالتالي فالتأثير فيه لا يعود للزمان المقترن بكون القمر في العقرب، وإنما يعود للوضع الخاص، وهو كون القمر في العقرب، ولعلّ هذا الاحتمال هو الأقرب، وهذا نظير ما رواه الشيخ (قده) في التهذيب 7 / 411 قال: “لقد بات رسول الله صلى الله عليه وآله عند بعض النساء، فانكسف القمر في تلك الليلة، فلم يكن منه فيها شيء، فقالت له زوجته: يا رسول الله بأبي أنت وأمي كل هذا للبغض؟ فقال: ويحك هذا الحادث في السماء فكرهت ان أتلذذ فأدخل في شيء”. [10] مما لا يخفى أنَّ الفلاسفة قد اختلفوا اختلافًا شديدًا في تحديد حقيقة (الزمان)، ففي الوقت الذي يراه فيه بعضهم من الأمور المتوهمة، يراه البعض الآخر منهم – وكذا بعض المتكلمين – من الأمور الواقعية، وهؤلاء أيضًا اختلفوا في كونه مجردًّا أم ماديًا، ومَن يرونه ماديًا اختلفوا أيضًا في كونه من الجواهر أم الأعراض. ومن الواضح أنَّ النزاع الذي عرضناه في تصوير حقيقة نحوسة الأيام إنما يُتصور على القول بكون الزمان موجودًا واقعيًّا درّاكًا – كما هو مفاد النصوص الشريفة – وإن لم نهتدِ لحقيقته تفصيلًا. [11] بحار الأنوار: 93 / 176. [12] بحار الأنوار: 93 / 176. [13] مفاتيح الجنان: 379. [14] قال العارف المتأله آية الحق الميرزا جواد الملكي التبريزي (طاب ثراه) في (المراقبات) 37: “المعروف أنّ شهر صفر فيه نحوسة لا سيّما يوم أربعائه الآخرة، ولم يرد فيه شيء مخصوص من الروايات، إلا أن يكون ذلك لأجل أنّ فيه وفاة رسول الله صلَّى الله عليه وآله”. [15] خلاصة الأذكار: 304. [16] تذكرة الموضوعات، للفتني: 116، والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة: 324. [17] منهم: المحقق الكركي (قده)، كما في بحار الأنوار: 105 / 59، والسيد الأمين العاملي (قده) في أعيان الشيعة: 2 / 626، والمحقق السيد الخوئي (قده) في دراسات في علم الأصول: 1 / 3، والشيخ الميرزا جواد التبريزي (قده) في صراط النجاة: 3 / 3، والشيخ بهجت (قده) في جامع المسائل: 2 / 75، وغيرهم في غيرها. [18] وقائع الأيام: 185. [19] ورد في (قرب الإسناد: 94): “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنها أعظم المصائب”. [20] ومن تلك الأدلة العامة: ما رواه العلامة المجلسي (طاب ثراه) – في بحار الأنوار: 56 / 25 – عن الإمام العسكري عليه السلام: “فإذا أردت التوجه في يوم قد حذرت فيه فقدم أمام توجهك: الحمد لله رب العالمين والمعوذتين، وآية الكرسي، وسورة القدر، وآخر آية في سورة آل عمران، وقل: اللهم بك يصول الصائل، وبقدرتك يطول الطائل، ولا حول لكل ذي حول إلا بك، ولا قوة يمتارها ذو قوة إلا منك، بصفوتك من خلقك وخيرتك من بريتك محمد نبيك وعترته وسلالته عليه وعليهم السلام صل عليهم، واكفني شر هذا اليوم وضرره، وارزقني خيره ويمنه، واقض لي في متصرفاتي بحسن العاقبة وبلوغ المحبة، والظفر بالأمنية وكفاية الطاغية الغوية، وكل ذي قدرة لي على أذية، حتى أكون في جنة وعصمة، من كل بلاء ونقمة، وأبدلني من المخاوف أمنًا، ومن العوائق فيه يسرًا، حتى لا يصدني صاد عن المراد، ولا يحل بي طارق من أذى العباد، إنك على كل شيء قدير، والأمور إليك تصير، يا من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير”.

 

2021/09/18

لماذا لا تستخدم المرجعية وسائل الإعلام بكثرة؟

ينشر «موقع الأئمة الاثني عشر» نص إجابة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم (قدس) عن سؤال وجه له بشأن مسألة التبليغ عبر وسائل الإعلام في كتابه: "المرجعية الدينية وقضايا أخرى"، حيث أشار سماحته إلى "محاذير مؤقتة" قد تسيء إلى الكيان المرجعي جراء استخدام بعض هذه الوسائل، وفيما يلي النص الكامل لإجابته دام ظله:

[اشترك]

السؤال: ما هو نظركم حول انفتاح المرجعية الدينية والنشاط التبليغي الإسلامي على وسائل الاتصال الحديثة، مثل القنوات الفضائية، والانترنت، مع ما يتطلبه من إمكانات تهيئة وجهاز إداري؟

الجواب: المرجعية والنشاط التبليغي بأمسِّ الحاجة إلى وسائل الاتصال المذكورة من أجل توسيع رقعة العمل وتعميم الفائدة، خصوصاً مع تفرق المؤمنين في هذه الأيام وانتشارهم في بقاع الأرض وأطرافها، حيث تؤدي هذه الوسائل أعظم الخدمات وأنفعها.

وقد انفتحت المرجعية وسائر النشاطات الدينية من قبل ـ من دون تلكؤ ـ على الوسائل الحديثة، كل في وقته، كالطباعة، ووسائل النقل المختلفة، والكهرباء، والاتصال التلغرافي، والتليفوني وغيرها، وجنت منها أفضل الثمرات في بيان حقيقتها للعالم، وإسماع صوتها، وإيصال دعوتها وإقامة حجتها.

ونحن مع كل جديد مثمر لا يتنافى مع تعاليم ديننا، ولا يضر بمُثُلِنا وأخلاقياتنا وكرامتنا، قال الله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...)، وقال عز من قائل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ...).

نعم، قد لا تسارع المرجعية لبعض هذه الوسائل لقصور مادي، أو إداري، أو لمحاذير موقتة، بسبب سوء استغلال هذه الوسائل، بحيث يخشى من أضرارها، أو تكون أضرارها أكثر من فوائدها، أو بحيث يوجب سوء سمعتها بنحو تنافي قدسية الكيان المرجعي، التي لا ينبغي للمرجعية أن تتنازل عنها أو تفرّط فيها.

وهو أمر يختلف باختلاف الإمكانيات والظروف واختلاف وجهات النظر، من دون أن يؤثر على النظرة الأولية الدينية للوسائل المذكورة.

مقتطف من كتاب المرجعية الدينية وقضايا أخرى

2020/06/25