العدل
إنسان كنود.. غارق في النعم ويبكي من الحرمان!
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].

هذه الآية القصيرة تحمل وصفًا عميقًا لحالة نفسية وسلوكية قد يقع فيها الإنسان حين يفقد إحساسه الحقيقي بالنعم، فيتحول من كائن مُكرَّم أُغدقت عليه العطايا إلى إنسان سلبي يائس لا يرى إلا الجانب المظلم من الحياة. والكنود في لغة العرب هو الكفور الجحود، كما يُقال للأرض التي لا تُنبت ولا تعطي رغم ما يُبذل فيها من ماء وعناية: “أرض كنود”. وكأن القرآن يريد أن يقول إن بعض الناس تُغدق عليهم النعم من كل جانب، لكن أرواحهم تبقى قاحلة، لا تُثمر شكرًا، ولا تُنتج خيرًا، ولا تنعكس عليهم تلك النعم أملاً وعطاءً وحيوية.

إن الإنسان بطبيعته يتطلع دائمًا إلى المزيد، وقد ينسى سريعًا ما بين يديه من نعم. لكنه حين يفقد روح الشكر، يتحول تدريجيًا إلى شخص يرى النقص في كل شيء، ويشعر بالحرمان حتى وهو محاط بالعطايا. وربما يملك الصحة، والأهل، والأمان، والقدرات، والفرص، لكنه يعيش بعقلية الفقير المعدم، لا يرى إلا ما ينقصه، ولا يشعر إلا بالخوف مما قد يفقده. وهنا تتولد السلبية التي تقتل روح الإنسان من الداخل.

لقد أراد الله تعالى من النعم أن تكون طاقةً للحياة والبناء، لا سببًا للجمود والانطفاء. فشكر النعمة ليس مجرد كلمات تُقال باللسان، بل هو موقف عملي يترجم الإيمان إلى إنتاج، والخير إلى خدمة، والعطاء إلى أثر في المجتمع. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: 13]، فجعل العمل نفسه صورة من صور الشكر. فكل نعمة لا تتحول إلى خير نافع للناس تبقى ناقصة الأثر، وربما تنقلب على صاحبها حسرةً وضيقًا.

[اشترك]

إن من أكثر المشاهد إيلامًا أن ترى إنسانًا يعيش وسط النعم لكنه غارق في التشاؤم والخوف واليأس. لا يتحدث إلا بلغة الإحباط، ولا يرى المستقبل إلا ظلامًا، ولا ينقل إلى من حوله إلا القلق والانكسار. وإذا جالسته خرجت من عنده مثقل الروح، لأن السلبية ليست شعورًا فرديًا فقط، بل عدوى تنتقل بالكلمات والنظرات وطريقة التفكير. وقد وصف القرآن هذه الحالة المضطربة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت: 49]، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا ۝ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: 19-20]. فحين يغيب اليقين، يصبح الإنسان هشًّا أمام الأحداث، ينهار سريعًا، ويستسلم للخوف من المستقبل.

والمشكلة أن الإنسان السلبي لا يكتفي بإتعاب نفسه، بل يطفئ الحماس في نفوس الآخرين. فهو دائم التوقع للأسوأ، دائم الاعتراض، يهوّل العقبات، ويزرع الشك في كل مشروع أو فكرة أو أمل. وإذا رأى ناجحًا قلل من نجاحه، وإذا رأى متفائلًا سخر من تفاؤله، وكأن روحه لا تستطيع احتمال رؤية الضوء في حياة الآخرين. وهؤلاء يعيشون حالة سماها القرآن “المعيشة الضنك”، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: 124]. فالضيق ليس دائمًا ضيق المال، بل قد يكون ضيق الروح، وضيق النظرة، وضيق القلب الذي لا يعرف الطمأنينة.

وفي المقابل، يقدم القرآن صورة الإنسان المؤمن الشاكر الذي يرى النعمة مسؤولية ورسالة، لا مجرد متعة عابرة. فهذا الإنسان يعيش بروح إيجابية لأنه يعلم أن الله معه، وأن الحياة مهما قست فإن فيها أبوابًا للخير لا تنغلق. ويؤمن بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]. فالمؤمن لا ينكر وجود الصعوبات، لكنه لا يسمح لها أن تسحق روحه. إنه يواجهها بالأمل والعمل والتوكل.

والإيجابية في المنظور القرآني ليست تفاؤلًا ساذجًا، بل هي ثمرة اليقين بالله. فحين يمتلئ القلب بالإيمان، يشعر الإنسان أن لكل محنة حكمة، ولكل تعب نهاية، ولكل ليل فجرًا قادمًا. ولذلك قال سبحانه: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فالطمأنينة ليست نتيجة الظروف المثالية، بل نتيجة العلاقة الصحيحة بالله.

إن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يحوّل النعم إلى أسباب للتذمر بدل أن يجعلها دوافع للعطاء. فكم من إنسان أُعطي العقل والعلم والوقت والمال والصحة، لكنه عطّل هذه النعم بالخوف والكسل والتشاؤم، حتى أصبح وجوده هامشيًا لا أثر له. بينما هناك من يملك القليل، لكنه يعيش بروح ممتلئة بالشكر، فيصنع من القليل خيرًا كثيرًا، وينشر الأمل أينما حلّ.

ولهذا كان الشكر في الإسلام طريقًا للزيادة والنماء، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. والزيادة هنا لا تعني المال فقط، بل تعني اتساع الروح، وراحة النفس، وبركة الحياة، والقدرة على التأثير الإيجابي في الناس. فالإنسان الشاكر يشعر أن له دورًا في هذه الحياة، وأن عليه أن يترك أثرًا جميلًا، ولذلك يعيش منتجًا متفائلًا نافعًا.

[اشترك]

إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات المحبطة بقدر حاجته إلى النفوس التي تبعث الطمأنينة والأمل والعمل. فالحياة مهما امتلأت بالصعوبات تبقى جديرة بالسعي، والإنسان مهما أثقلته الهموم يبقى قادرًا على النهوض إذا امتلأ قلبه بالإيمان والشكر. أما الكنود، فإنه يحوّل حياته إلى أرض قاحلة، لا تُنبت خيرًا ولا تمنح من حولها إلا الجفاف النفسي. ومن هنا نفهم لماذا كان الشكر في القرآن عبادةً عظيمة، لأنه يحرر الإنسان من السلبية، ويعيد إليه إنسانيته المشرقة، ويجعله مصدر نور بدل أن يكون مصدر ظلام.

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه ‌السلام، قَالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللهِ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم النَّاسَ، فَقَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى ‌الله ‌عليه‌ وآله ‌وسلم: الَّذِي يَمْنَعُ رِفْدَهُ، وَيَضْرِبُ عَبْدَهُ، وَيَتَزَوَّدُ وَحْدَهُ؛ فَظَنُّوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ شَرٌّ مِنْ هذَا.

ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ ذلِكَ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم: الَّذِي لَا يُرْجى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ؛ فَظَنُّوا أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً هُوَ شَرٌّ مِنْ هذَا.

ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْ ذلِكَ؟ قَالُوا: بَلى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله ‌وسلم:

الْمُتَفَحِّشُ اللَّعَّانُ، الَّذِي إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ الْمُؤْمِنُونَ لَعَنَهُمْ، وَإِذَا ذَكَرُوهُ لَعَنُوهُ».  ‌الكافي: ج3، ص715، باب في أصول الكفر وأركانه

 

2026/05/17

مات في الـ 40 وآخر في الـ 80.. لماذا تختلف أعمارنا.. أين العدل الإلهي؟!

السؤال: لماذا أعمار الناس متفاوتة، فنرى شخصاً يعيش خمسين سنة وآخر يعيش أربعين وثالثاً يعيش ثمانين؟ أين يكمن العدل الإلهي؟ فالدنيا كما نسمع دار ابتلاء واختبار، فمثلاً لو كان لدينا طالبان في قاعة واحدة وقام المدرس بالتمييز في الوقت، فأعطى أحدهما ثلاثين دقيقة للإجابة والآخر ستين، فأين يكمن العدل في هذه الحالة؟

[اشترك]

الجواب من سماحة الشيخ حيدر السندي:

لكي يتضح جواب هذا السؤال وينكشف عدم التنافي بين تفاوت أعمار الناس وعدل الله تعالى، أذكر أموراً:

الأمر الأول: إن الله تبارك وتعالى جعل الدنيا دار امتحان، وهي كما في النصوص مزرعة للآخرة، وقد بيّن الله تبارك وتعالى أن مصير الإنسان إما أن يكون إلى الجنة حيث النعيم، وإما أن يكون إلى النار. غير أن ما يجب أن نلتفت إليه هو أنه ليس من اللازم على الله تبارك وتعالى أن يخلق الخلق، كما أنه إذا خلق خلقه لا يجب عليه أن يدخلهم الجنة، فضلاً عن أن يجب عليه إدخالهم درجة خاصة منها كالدرجة العالية أو المتوسطة.

ولو قال شخص بوجوب أن يدخل الله تبارك وتعالى المطيع الجنة من جهة أن المطيع قام بفعل الطاعة ويستحق عليها أن يكون من أهلها، كان جوابه أن العبد المطيع ملك لله، فهو وفعله لله، والله تبارك وتعالى خلقه من العدم، ولولاه تعالى لم يستطع أن يفعل أي فعل. فالطاعة لا تعني أن العبد يعطي الله شيئاً يستحق عليه مقابلاً، وإنما الثواب تفضل من الله على المطيعين؛ لأنه سبحانه لم يأمر العباد بالطاعة قياماً بحقه عليهم كخالق مالك متفضل فحسب، وإنما أمرهم لمصلحة ترجع إليهم، وجعل لهم على ذلك أجراً وثواباً يوم القيامة، وهو تبارك وتعالى ألزم نفسه بوعد أن يثيب المطيع.

الأمر الثاني: إذا كان الثواب من الله تبارك وتعالى وفاءً بوعده للمطيع على أن يعطيه بقدر طاعته، لم يحكم العقل بوجوب أن يُبقي الله تبارك وتعالى العبد في الدنيا إلى عمر خاص لكي يترتب ثواب خاص. وذلك لأن أصل إيجاد العبد في الدنيا ليس واجباً عليه تعالى، كما أن إبقاء العبد فيها لمدة محددة ليس واجباً؛ لأن العبد لا يملك على الله تبارك وتعالى أن يخلقه في الدنيا أو أن يُبقيه فيها. كما أن وعد الله تبارك وتعالى بالثواب على الطاعة لا يُلزمه بإبقاء العبد مدةً يتمكن فيها من فعل الطاعة المحققة للرتبة العالية من الجنة؛ فإن غاية ما يقتضيه وعد الله بإثابة المطيع هو أن العبد لو أطاع استحق على طاعته ثواباً من باب وجوب الوفاء بالوعد، ولا يقتضي الوعد وجوب أن يحفظ الله تبارك وتعالى المطيع مدة من الزمن يعمل فيها كأن يُبقيه ثمانين سنة أو مئة سنة.

ويمكن أن نقرب هذا بالمثال التالي: لو أن شخصاً يملك مصنعاً للطابوق ويريد أن ينقل بعضه من مكان إلى آخر، فقال للناس من حوله: من ينقل لي هذا الطابوق أعطيه على كل قطعة درهماً؛ كان الواجب عليه أن يعطي دراهم على عدد ما نُقل، ولا يجب عليه بعد أن جعل جُعلاً للنقل أن يحفظ حياة وقدرة كل شخص ينضم إلى العاملين؛ لأن غاية ما تقتضيه الجُعالة هو استحقاق العامل بعد العمل للمقابل بمقدار عمله، ولا تقتضي حفظ حياته وقدرته على العمل. وكذلك الحال في وعد الله تبارك وتعالى لمن يقوم بالأعمال الصالحة، فإنه لا يترتب عليه وجوب أن يحفظ الله حياة المكلفين أو قدرتهم، فله تبارك وتعالى أن يجعل الناس خاضعين لقوانين عالم الدنيا وسننه، ويصير عمر البعض بسبب تلك القوانين أطول من البعض الآخر، وغاية ما يجب على الله من باب وجوب الوفاء بالوعد أن يثيب كل عامل على قدر عمله.

الأمر الثالث: يتضح بما تقدم الفرق بين تكليف الله للعباد واختبارهم في نشأة الدنيا وبين الاختبارات التي تقع في المدارس والمعاهد العلمية. فإن اختبارات المدارس يُراد فيها إعطاء الطالب ما يستحقه بعد نهاية عامه الدراسي، وهو عام مشترك يتساوى فيه جميع الطلاب، فينبغي أن تكون الفرص متساوية في مقام الاختبار لتساوي الفرص المقدمة لهم من حيث الوقت ووجود الأساتذة، فمقتضى العدل أن يكون الاختبار بنحو متساوٍ ليُعرف المتفوق. أما في اختبار الله للعباد في الدنيا فإن الفرص لما لم تكن متساوية، بل يخضع كل مكلف للاختبار بمقدار ما يملك من قدرة وعلم ومجال للعمل، فإن الثواب سيكون على قدر عمله الذي مكّنه الله منه، واختباره ليس لمعرفة تفوقه على أقرانه المتفاوتين معه في الفرص، وإنما ليبلغ بحسب استعداده ما يمكنه من السعادة، ولا لوم عليه فيما قصر عنه بسبب عدم القدرة والعلم وضيق مجال العمل.

وبعبارة أخرى: ندرك أن من لم يبلغ الرتبة العالية بسبب تقصيره في الدراسة يستحق اللوم، وسر ذلك أن اختباره جاء بعد إعطائه فرصة مساوية لفرص سائر الطلاب فكان التقصير من قِبله. بينما في ثواب الله لا يُلام من مات وعمره ثلاثون سنة على عدم تحصيل ما حصّله من مات وعمره ثمانون سنة. نعم، هو يستحق الثواب بمقدار جهده وعمله، وهذا منسجم مع العدل لما بيّناه. نعم، يُلام على عدم تحصيل ما كان بإمكانه تحصيله في عمره ولم يحصّله تقصيراً، وهذه جهة أخرى تختلف عن الجهة التي نحن بصدد بيانها.

وخلاصة الكلام أن ثواب الله تبارك وتعالى على قدر عمل الإنسان الممكن له بحسب عمره، فإذا تفاوت الناس في مقدار العمل بسبب اختلاف أعمارهم لم يكن في ذلك ظلم، لأن الله تبارك وتعالى يعطيهم على قدر العمل ولا يعاقبهم على ما فات بسبب نقصان العمر وعدم القدرة.

نعم، لو مكّن الناس جميعاً من الاستمرار مقداراً معيناً من الزمن، وأعطاهم جميعاً القدرة بنحو متساوٍ محقق لمقدار معين من الثواب كجنة عدن، وكان الامتحان بعد ذلك لبيان المتفوق وتمييز المقصر مع تساوي الإمكانيات؛ كان من اللازم جعل مدة الاختبار متساوية. وهذا هو المثال الذي ينطبق على المعاهد العلمية ولا ينطبق على دار الدنيا وتكليف الله فيها؛ لأن الاختبار بالعمل فيها والمطلوب منه نجاح الإنسان بمعنى أن يعمل لنفسه بالنحو المتاح، قال تعالى: “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا” [الإسراء: 7].

2026/03/16

هل كل ابتلاء ومصيبة بسبب ذنب نرتكبه؟!

إن مسألة الابتلاء والمصائب التي تعترض حياة الإنسان من القضايا المهمة التي تشغل فكر الكثيرين، وقد يتساءل البعض عن علاقة ذلك بعدالة الله تعالى، خاصة عندما يُبتلى الإنسان بظروف أسرية صعبة أو يُولَد في بيئة غير مناسبة.

إن كون الإنسان مذنباً أو ولادته في أسرة معينة لا علاقة له بعدالة الله تعالى أبداً، فالله سبحانه قد أوضح للبشرية جميعاً طرق الخير والسعادة، وميّز لهم الهداية من الضلال تأسياً بالمعصومين (عليهم السلام).

كما أن الله تعالى قد وضع العقل في باطن الإنسان ليستطيع به أن يُشخّص سبل الخير من الشر، فهو يملك القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ.

فإذا ترك الإنسان - مع أن الله تعالى لم يقصّر في هداية البشرية - جميع وسائل الهداية والسعادة، وابتعد عن الطريق الواضح والمستقيم، وتحرك في طريق الانحراف والضلال وسار نحو الظلام والهلاك المعنوي، وولد له ولد وهو في هذه الأجواء، فما ارتباط ذلك كله بعدالة الله تعالى؟

[اشترك]

فالله عز وجل قد هيأ لنا جميع وسائل الهداية، غاية الأمر أن بعض الناس يستفيد من هذه الوسائل ويسير بحسب اتجاهه الفطري، والبعض الآخر يسير في طريق الضلال، وكل منهما يسير في طريقه باختياره الذي أعطاه الله تعالى له. وفي هذه الأثناء من يعيش في مثل هذه الأسر يمكنه أن يغير من مصيره ويتوجه نحو البراءة والسعادة والنزاهة.

وعلى أي حال، ليس هناك إنسان مبتلى وحده، بل كل شخص في هذه الدنيا هو مبتلى بنوع من البلاء.

أسباب البلاء

طبقاً للآيات القرآن الكريم وروايات أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، فإن المصائب التي تجري على المؤمنين إما بسبب أعمالهم أو أنها امتحان إلهي لرفع درجاتهم عند الله.

أولاً: نتيجة الذنوب

قد يرتكب الإنسان بعض الذنوب والأخطاء فتكون سبباً لأن تظهر على شكل مصائب وبلايا في الحياة الدنيا. كل ذنب له آثار خاصة، فبعض الذنوب توجب الفقر، وبعضها تجلب البلاء كما قال الإمام علي (عليه السلام) في دعاء كميل: "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء، اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء".

وعلى أي حال، فإن هذه المصائب تكفر عن المؤمن ذنوبه، وحيث أن الله يحب عبده المؤمن فيبتليه ببعض المصائب كي يكفر عنه ذنوبه في هذه الدنيا ويأتي يوم القيامة خالياً من الذنوب، وهذا هو لطف من الله تعالى بالنسبة إلى عبده. أما من كان من المغضوب عليهم فنجد أن الله تعالى غالباً يسبغ عليه نعمه كي يستدرجه ويبتليه بعذاب جهنم وساءت مصيراً.

ثانياً: الامتحانات الإلهية

تنزل المصائب والبلايا أحياناً لأجل الامتحان الإلهي. من جملة سنن الله تعالى وقوانينه الثابتة هو ابتلاء وامتحان المؤمنين، كما جاء في القرآن الكريم من الآيات الكثيرة بشأن ذلك، على سبيل المثال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران: 186).

ويقول الله تعالى في سورة البقرة الآية 155: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.

ويقول الله تعالى في آية أخرى من كتابه الكريم: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 2-3).

وطبعاً أن الامتحانات الإلهية ليس لها إطار معين ومشخص، بل يمتحن كل إنسان بحسب حالاته الروحية، لذا يقول الله تعالى في آية أخرى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء: 35).

الحكمة من الامتحان الإلهي

حيث أن الله تعالى عالم بجميع الأمور، لذلك فالامتحان الإلهي ليس لأجل رفع الجهل بالأمور، ولكن الله تعالى يمتحن المؤمنين المخلصين لأجل أن تظهر إلى الخارج كفاءاتهم واستعداداتهم المخفية.

من جملة غايات الامتحان الإلهي هي تصفية إيمان الإنسان المؤمن وإظهار حقيقة إيمانه، مثل الصانع الذي يصهر الذهب في الفرن بحرارة النار كي تحترق الشوائب وتنعدم بسبب النار ويبقى الذهب الخالص.

فالله تعالى يقوم بتصفية وغربلة إيمان المؤمنين في فرن البلاء والامتحان، وهكذا من جملة حكم الامتحان والابتلاء هو تمييز المؤمنين الصادقين من المؤمنين باللسان والظاهر. كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا وَيُمَيَّزُوا وَيُغَرْبَلُوا وَيُسْتَخْرَجُ فِي الْغِرْبَالِ خَلْقٌ".

وعليه يتعرض كل واحد من المؤمنين للبلاء والامتحان بما يتناسب مع درجته الإيمانية ووضعيته الروحية.

لا يتصور أحد أن التدين والإيمان يعيش بين الحدائق والبساتين والمنتزهات، وأن الإنسان المؤمن يمر من خلال طريقه الإيماني الطويل بالأزهار والورود والتنزه، فإن هذا التصور يدل على عدم فهم حقيقة الإيمان والتدين.

ولعل هذه الفكرة والتصور هي التي تدفقت إلى أفكار بعض المسلمين ردحاً من الزمن وهي أنه إلى متى نعيش بسبب الإيمان البلاء والحرمان؟

وقد أنزل الله تعالى لإزالة هذه الأوهام عن أفكارهم الآيات التالية: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} (العنكبوت: 2-3).

ومن الواضح أنه مع إيمانهم بالله تعالى لا ينبغي أن توجد لديهم هذه التصورات الشنيعة، ولكن هذه الأفكار كانت موجودة عند المسلمين في المدينة وقد قال الله تعالى لأجل إبطال هذه الأفكار: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} (البقرة: 214).

وبعد معركة أحد التي تعرض فيها المسلمون إلى جميع تلك الإصابات والضحايا وقد قتل منهم سبعون نفراً من الجيش، وفي هذه الظروف قد أنزل الله تعالى آية كي يفهمهم أن طريق الإيمان والتدين مليء بالمصاعب والبلايا، حيث يقول: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (آل عمران: 142).

شدة البلاء على قدر الإيمان

روي عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) الْبَلَاءُ وَمَا يَخُصُّ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) بِهِ الْمُؤْمِنَ، فَقَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ وَحُسْنِ أَعْمَالِهِ، فَمَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَمَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ.

ونقرأ في رواية أخرى: عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام) ما مضمونه: إن الله ليبتلي أولياءه بالمصائب والنوائب كي تغفر ذنوبهم ويعطيهم الأجر والثواب.

وروي في حديث آخر عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ، يُبْتَلَى بِبَلَاءٍ فِي جِسْمِهِ فَيَبْلُغُهَا بِذَلِكَ.

وروي بهذا المضمون عن الإمام الصادق (عليه السلام): عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالِابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ.

من الضروري أن نتأمل في حياة وسيرة الأولياء والصلحاء ومن عنده منزلة عند الله تعالى من قبيل الأنبياء (صلوات الله عليهم) والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وسائر عباد الله الصالحين، فإن البلايا والمصائب التي جرت عليهم، لو صبت وجرت على أي شخص آخر لعله من الصعب جداً أن يتحملها أو يطيقها.

ولنلاحظ حياة الأئمة المعصومين (عليهم السلام): كم كان عندهم من المصائب، ولنلاحظ خصوصاً واقعة كربلاء، وننظر أي مصيبة عظمى قد حلت بهم، ولكن مع كل تلك المصائب التي وقعت في كربلاء نجد أن العقيلة زينب (سلام الله عليها) بطلة كربلاء في الصبر والتحمل فإنها ليس لم تعترض فحسب بل قالت: "ما رأيت إلا جميلاً" حتى أنها لم تترك صلاة النافلة في ليلة استشهاد إخوتها (ع) وأصحابهم (رض).

ولنتأمل جيداً لعل هذه المصائب هي امتحان إلهي، ولعل له جهات أخرى، وأساساً بناءً على بعض الروايات أن الله تعالى يرى أن من الخير والصلاح أن يبتلي عبده وأن حكمته تقتضي أن يبتليه.

2025/09/14

لا تنهزم: هل يسمح الله بانتصار الظالم؟!

في خضم رحى الصراع، حيث تتساقط الشهداء كأوراق الخريف، وتتعالى صرخات الثكالى، ورغم ذلك الكيان الغاصب لا يزال يمعن في غيه، يسطو على الأراضي ويدنس المقدسات، محققاً انتصاراتٍ عسكريةً زائفةً، تثير في قلوب المؤمنين الوجل والحيرة.

[اشترك]

تتملكهم حينئذٍ مشاعر اليأس والإحباط، وتتردد في صدورهم أسئلةٌ مؤرقةٌ عن غياب نصر الله الموعود. كيف يرضى رب العزة بهذا الظلم، وهو الذي حرم الظلم على نفسه ونهى عنه بين عباده؟ 

وبعيداً عن سوح الجهاد، يتعرض الكثير من المؤمنين لألوان من الظلم والاضطهاد، ولا يملكون أمامه غير رفع أيدي الدعاء، مما يعيد السؤال: كيف سمح الله تعالى للظالم بأن ينتصر؟!

وللإجابة عن تلك الأسئلة التي تجول في خاطرك، إليك أصلٌ عظيمٌ في عدل الله وحكمته، يزيل الشك ويبدد الحيرة:

إن القرآن الكريم يوضح جلياً الغاية من خلق الإنسان وهي تكامله ووصوله إلى مرتبة العبودية المطلقة لله تعالى، كما قال في محكم تنزيله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ الذاريات: 56.وليست هذه العبودية إلا سبيلاً إلى معرفة ملكوت السماوات والأرض، كما بين سبحانه في قوله: ﴿الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيءٍ قديرٌ وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علمًا﴾ الطلاق: 12.

ولكن هذا التكامل الروحي لا يتحقق إلا باختيار الإنسان طريق الخير والصلاح، واكتسابه الفضائل من خلال أفعاله الاختيارية. ولكي يدرك الإنسان حقيقة نفسه ويطهرها، كان لا بد من إخضاعه لظروفٍ تضطره لانتخاب طريق الحق، وتحمل مسؤولية أفعاله. فقد ارتبطت إرادة الله تعالى بالابتلاء، ليطهر به الإنسان ويغربله، ويخرج مكنونات نفسه من خلال إمراره بتجارب وابتلاءاتٍ مختلفةٍ، كما قال تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفةٍ أمشاجٍ نبتليه﴾ الإنسان: 2، وقال أيضاً: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيامٍ وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملًا﴾ هود: 7. 

ففي هذه الآيات الكريمة بيانٌ لحكمة الابتلاء، وأنه سنةٌ إلهيةٌ لتربية النفوس وتزكيتها، وتمحيصها من الشوائب، ورفع درجاتها في جنات النعيم.

ووفقًا للآيات التي تقدمت، فإن الابتلاء هو المحك الذي يُستخرج به مكنونات النفس، فيظهر ما فيها من طاعةٍ أو عصيان، وذلك بتعريض الإنسان لظروفٍ معينةٍ تتطلب منه موقفًا حاسمًا. فقد يسهل على الإنسان طاعة الله في حال الرخاء، حيث لا توجد دوافع قويةٌ للمعصية، ولكن هذه الطاعة لا تظهر حقيقة إيمانه، ولا تؤثر تأثيراً كبيراً في تربية نفسه. أما إذا مر بظروفٍ تسهل عليه الانسياق وراء الشيطان أو هوى النفس، فهنا تظهر حقيقة إيمانه، ويصبح الابتلاء فرصةً لتربية النفس وتزكيتها.

فنجاح الإنسان في الابتلاء هو نجاحٌ على مستوى الإيمان والعبادة، وقد ضرب الله تعالى لنا مثلاً في نبيه إبراهيم عليه السلام، الذي اجتاز جميع الابتلاءات، من رميه في النار، وأمره بترك عائلته بوادٍ غير ذي زرعٍ، وأمره بذبح ولده إسماعيل عليه السلام، وغيرها من الابتلاءات. فأثابه الله تعالى بأن جعله إمامًا للناس، وهي الرتبة التي لم يكن ليوفق لها لولا نجاحه في تلك الابتلاءات، قال تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن قال إني جاعلك للناس إمامًا قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾ البقرة: 124.   

وكذلك ضرب الله تعالى مثلاً في إبليس لعنه الله، الذي فشل في اختبار السجود لآدم عليه السلام، فكان جزاؤه الطرد من رحمة الله والضلال والخسران، قال تعالى: ﴿قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون (33) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ البقرة: 33-34. فلولا الابتلاء لما ظهرت حقيقة استكبار إبليس لعنه الله.   

فالابتلاء هو الطريقة التي تخرج مكنونات النفوس من مرحلة القوة إلى مرحلة الفعل، وتظهر حقيقة الإنسان، وتبين مدى استعداده للطاعة أو المعصية.

قد يتبادر إلى ذهنك سؤالٌ هامٌ: إذا كان الله تعالى، كما ذكر في الآية الكريمة، يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما تضمره النفوس من إرادة الطاعة أو العصيان، فما فائدة الابتلاء حينئذٍ؟ ألا يكون تحصيلًا للحاصل وعبثًا، والعياذ بالله؟!

والجواب عن ذلك: أن الله تعالى، وإن كان يعلم خفايا النفوس، فهو عالم الغيب والشهادة، إلا أن حسابه لا يعتمد على علمه الغيبي، وإنما على ما يصدر من الإنسان من فعلٍ في الواقع، والذي لا يفعله إلا بتعريضه للابتلاء.

فالله تعالى، بحكمته وعدله، لا يعاقب الناس على ما يضمرونه في أنفسهم، بل يمهلهم ويبتليهم، ليظهروا ما في نفوسهم من خلال أفعالهم في الواقع.فالابتلاء هو الوسيلة التي تمكن الإنسان من التعبير عن إرادته الحقيقية، واختيار طريقه بنفسه.

فالإنسان، في هذه الحياة الدنيا، يخير بين الطاعة والمعصية، والابتلاء هو الفرصة التي تتيح له إثبات صدق نيته، وتحقيق إرادته في اختيار طريق الحق.فإذا صبر واحتسب، فاز برضا الله تعالى، وإن عصى واستكبر، خسر الدنيا والآخرة.

فلا يجوز الظن بالله تعالى العبث، أو أنه يفعل شيئًا بلا حكمةٍ أو غايةٍ، فكل ما يفعله سبحانه هو لحكمةٍ بالغةٍ، وغايةٍ ساميةٍ، تتعلق بمصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة.

وخلاصة القول إن الغاية من خلق الإنسان هي تكامله ووصوله إلى مرحلة العبودية الخالصة لله تعالى، وهذه العبودية لا تتحقق إلا بفعل أفعالٍ تدل على الطاعة وترك المعصية، الأمر الذي يتوقف على تعريض الإنسان لمواقف شديدةٍ تعرف بالابتلاءات.

ومن هنا ندرك أن الغاية الأهم عند الله سبحانه هيإبراز وإظهار ما تكنه الأنفس وتنطوي عليه الضمائر،وهو ما لا يتم إلا بالصعوبات والخسائر،وهذهالغاية -التي هي علة وغاية خلق الإنسان- أهم منانتصاره في معركةٍ أو موقفٍ على ظالمٍ، فقديتعرض المؤمن لهزيمةٍ مؤقتةٍ، لكنه ينتصرفيالابتلاء ويفوز في الاختبار.

وقد نبهنا الله تعالى على ذلك في كتابه الكريم، فقال: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريبٌ﴾ البقرة: 214. فالآية الكريمة تنبه على ما تقدم بطريق التساؤل: هل ظننتم أن الإنسان يستحق دخول الجنة بمجرد إيمانه بالعقيدة الحقة، ولم يمحص ويغربل ويتطهر من درن الشرك العملي؟! كيف ظننتم ذلك، وقد مرت الأمم السالفة بأشد أنواع الابتلاءات وتعرضت لمختلف الخسائر والهزائم، حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟   

وقال تعالى أيضاً: ﴿وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (141) أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾ آل عمران: 141-142. وهي أصرح مما تقدم.   

وفي صحيحة يعقوب السراج وعلي بن رئابٍ، عن الصادق عليه السلام، قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «والذي بعثه صلى الله عليه بالحق، لتبلبلن بلبلةً، ولتغربلن غربلةً، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سباقون كانوا قصروا، وليقصرن سباقون كانوا سبقوا» وغيره من الأخبار قطعية الصدور، الفصيحة في ذلك.

فلا ينبغي للمؤمن أن يجزع من الابتلاءات والصعوبات، بل عليه أن يصبر ويحتسب، ويدرك أنها فرصةٌ لتربية النفس وتزكيتها، وتمحيصها من الشوائب، ورفع درجاتها في جنات النعيم، فالله تعالى، بحكمته البالغة، يعلم أن النفس الإنسانية تخفي مكامن وقدراتٍ كامنةً لا تظهر إلا في أوقات الشدة والضيق. ولذلك، فإن وقوع المؤمن في مثل هذه الحالات من الضعف والانكسار هو جزءٌ من عملية تربيةٍ وتنميةٍ نفسيةٍ وروحيةٍ. فهذه الصعوبات تظهر الجوانب الخفية من نفس المؤمن، وتتيح له معرفة مدى صبره وتوكله، وتكشف له عن نقاط القوة والضعف في إيمانه.

ويأتي الظلم هنا كجزءٍ من هذه التجربة، فهو ليس إهمالاً من الله تعالى، بل اختبارٌ حقيقيٌ ليواجه المؤمن نفسه ويعزز إيمانه بالله وثقته بعدله. قد يشعر المؤمن في لحظات الظلم بأنه وحيدٌ، لكن هذه اللحظات تتيح له الاستغناء عن الدنيا واللجوء إلى الله وحده، مما يزيد من تواضعه واعتماده الكلي على الله، ويجعل قلبه أكثر اتصالًا به وثقةً بنصره.

ففي ظلمة الابتلاء، يتجلى نور الإيمان، وتتضح معالم التوكل على الله، ويزداد المؤمن قوةً وصلابةً، كالشجرة التي تثبت جذورها في الأرض كلما هبت عليها الرياح. فلا يحزن المؤمن إذا ابتلاه الله، بل ليفرح بهذا الاختبار، الذي يقربه من ربه، ويزيده إيمانًا ويقينًا

ختاماً.. ننبه إن المقال لا يدعو لترك تحصيل أسباب القوة، كيف والأمر صريح به، وإنما يدعو لمواجهة حالة الانكسار والشعور بالضعف التي قد يتعرض لها المسلم عند تعرضه لظروف تفوق قدرته، فإن المؤمن حتى في حال تعرضه للظلم قد فاز وانتصر على نفسه بإخضاعها لأمر الله تعالى، وزجرها ولجمها عما حرم.

 

2024/10/28