السؤال: لماذا أعمار الناس متفاوتة، فنرى شخصاً يعيش خمسين سنة وآخر يعيش أربعين وثالثاً يعيش ثمانين؟ أين يكمن العدل الإلهي؟ فالدنيا كما نسمع دار ابتلاء واختبار، فمثلاً لو كان لدينا طالبان في قاعة واحدة وقام المدرس بالتمييز في الوقت، فأعطى أحدهما ثلاثين دقيقة للإجابة والآخر ستين، فأين يكمن العدل في هذه الحالة؟
الجواب من سماحة الشيخ حيدر السندي:
لكي يتضح جواب هذا السؤال وينكشف عدم التنافي بين تفاوت أعمار الناس وعدل الله تعالى، أذكر أموراً:
الأمر الأول: إن الله تبارك وتعالى جعل الدنيا دار امتحان، وهي كما في النصوص مزرعة للآخرة، وقد بيّن الله تبارك وتعالى أن مصير الإنسان إما أن يكون إلى الجنة حيث النعيم، وإما أن يكون إلى النار. غير أن ما يجب أن نلتفت إليه هو أنه ليس من اللازم على الله تبارك وتعالى أن يخلق الخلق، كما أنه إذا خلق خلقه لا يجب عليه أن يدخلهم الجنة، فضلاً عن أن يجب عليه إدخالهم درجة خاصة منها كالدرجة العالية أو المتوسطة.
ولو قال شخص بوجوب أن يدخل الله تبارك وتعالى المطيع الجنة من جهة أن المطيع قام بفعل الطاعة ويستحق عليها أن يكون من أهلها، كان جوابه أن العبد المطيع ملك لله، فهو وفعله لله، والله تبارك وتعالى خلقه من العدم، ولولاه تعالى لم يستطع أن يفعل أي فعل. فالطاعة لا تعني أن العبد يعطي الله شيئاً يستحق عليه مقابلاً، وإنما الثواب تفضل من الله على المطيعين؛ لأنه سبحانه لم يأمر العباد بالطاعة قياماً بحقه عليهم كخالق مالك متفضل فحسب، وإنما أمرهم لمصلحة ترجع إليهم، وجعل لهم على ذلك أجراً وثواباً يوم القيامة، وهو تبارك وتعالى ألزم نفسه بوعد أن يثيب المطيع.
الأمر الثاني: إذا كان الثواب من الله تبارك وتعالى وفاءً بوعده للمطيع على أن يعطيه بقدر طاعته، لم يحكم العقل بوجوب أن يُبقي الله تبارك وتعالى العبد في الدنيا إلى عمر خاص لكي يترتب ثواب خاص. وذلك لأن أصل إيجاد العبد في الدنيا ليس واجباً عليه تعالى، كما أن إبقاء العبد فيها لمدة محددة ليس واجباً؛ لأن العبد لا يملك على الله تبارك وتعالى أن يخلقه في الدنيا أو أن يُبقيه فيها. كما أن وعد الله تبارك وتعالى بالثواب على الطاعة لا يُلزمه بإبقاء العبد مدةً يتمكن فيها من فعل الطاعة المحققة للرتبة العالية من الجنة؛ فإن غاية ما يقتضيه وعد الله بإثابة المطيع هو أن العبد لو أطاع استحق على طاعته ثواباً من باب وجوب الوفاء بالوعد، ولا يقتضي الوعد وجوب أن يحفظ الله تبارك وتعالى المطيع مدة من الزمن يعمل فيها كأن يُبقيه ثمانين سنة أو مئة سنة.
ويمكن أن نقرب هذا بالمثال التالي: لو أن شخصاً يملك مصنعاً للطابوق ويريد أن ينقل بعضه من مكان إلى آخر، فقال للناس من حوله: من ينقل لي هذا الطابوق أعطيه على كل قطعة درهماً؛ كان الواجب عليه أن يعطي دراهم على عدد ما نُقل، ولا يجب عليه بعد أن جعل جُعلاً للنقل أن يحفظ حياة وقدرة كل شخص ينضم إلى العاملين؛ لأن غاية ما تقتضيه الجُعالة هو استحقاق العامل بعد العمل للمقابل بمقدار عمله، ولا تقتضي حفظ حياته وقدرته على العمل. وكذلك الحال في وعد الله تبارك وتعالى لمن يقوم بالأعمال الصالحة، فإنه لا يترتب عليه وجوب أن يحفظ الله حياة المكلفين أو قدرتهم، فله تبارك وتعالى أن يجعل الناس خاضعين لقوانين عالم الدنيا وسننه، ويصير عمر البعض بسبب تلك القوانين أطول من البعض الآخر، وغاية ما يجب على الله من باب وجوب الوفاء بالوعد أن يثيب كل عامل على قدر عمله.
الأمر الثالث: يتضح بما تقدم الفرق بين تكليف الله للعباد واختبارهم في نشأة الدنيا وبين الاختبارات التي تقع في المدارس والمعاهد العلمية. فإن اختبارات المدارس يُراد فيها إعطاء الطالب ما يستحقه بعد نهاية عامه الدراسي، وهو عام مشترك يتساوى فيه جميع الطلاب، فينبغي أن تكون الفرص متساوية في مقام الاختبار لتساوي الفرص المقدمة لهم من حيث الوقت ووجود الأساتذة، فمقتضى العدل أن يكون الاختبار بنحو متساوٍ ليُعرف المتفوق. أما في اختبار الله للعباد في الدنيا فإن الفرص لما لم تكن متساوية، بل يخضع كل مكلف للاختبار بمقدار ما يملك من قدرة وعلم ومجال للعمل، فإن الثواب سيكون على قدر عمله الذي مكّنه الله منه، واختباره ليس لمعرفة تفوقه على أقرانه المتفاوتين معه في الفرص، وإنما ليبلغ بحسب استعداده ما يمكنه من السعادة، ولا لوم عليه فيما قصر عنه بسبب عدم القدرة والعلم وضيق مجال العمل.
وبعبارة أخرى: ندرك أن من لم يبلغ الرتبة العالية بسبب تقصيره في الدراسة يستحق اللوم، وسر ذلك أن اختباره جاء بعد إعطائه فرصة مساوية لفرص سائر الطلاب فكان التقصير من قِبله. بينما في ثواب الله لا يُلام من مات وعمره ثلاثون سنة على عدم تحصيل ما حصّله من مات وعمره ثمانون سنة. نعم، هو يستحق الثواب بمقدار جهده وعمله، وهذا منسجم مع العدل لما بيّناه. نعم، يُلام على عدم تحصيل ما كان بإمكانه تحصيله في عمره ولم يحصّله تقصيراً، وهذه جهة أخرى تختلف عن الجهة التي نحن بصدد بيانها.
وخلاصة الكلام أن ثواب الله تبارك وتعالى على قدر عمل الإنسان الممكن له بحسب عمره، فإذا تفاوت الناس في مقدار العمل بسبب اختلاف أعمارهم لم يكن في ذلك ظلم، لأن الله تبارك وتعالى يعطيهم على قدر العمل ولا يعاقبهم على ما فات بسبب نقصان العمر وعدم القدرة.
نعم، لو مكّن الناس جميعاً من الاستمرار مقداراً معيناً من الزمن، وأعطاهم جميعاً القدرة بنحو متساوٍ محقق لمقدار معين من الثواب كجنة عدن، وكان الامتحان بعد ذلك لبيان المتفوق وتمييز المقصر مع تساوي الإمكانيات؛ كان من اللازم جعل مدة الاختبار متساوية. وهذا هو المثال الذي ينطبق على المعاهد العلمية ولا ينطبق على دار الدنيا وتكليف الله فيها؛ لأن الاختبار بالعمل فيها والمطلوب منه نجاح الإنسان بمعنى أن يعمل لنفسه بالنحو المتاح، قال تعالى: “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا” [الإسراء: 7].