يرى بعض المسلمين أنها قضية محيّرة وتساؤل مثير: لماذا لم يرد اسم الإمام علي بن أبي طالب صراحةً في القرآن الكريم رغم مكانته العظيمة؟ قضية استخدمها المخالفون كحجة، وأجاب عنها المؤيدون بتفسيرات متعددة تكشف عن حكمة إلهية وأبعاد تشريعية. لنستعرض معاً الإجابات التي قدمها علماء الشيعة لهذا السؤال المحوري في الفكر الإسلامي.
حكمة إلهية تتجاوز فهمنا المحدود
اقتضت الحكمة الإلهية عدم ذكر اسم الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وغيره من أئمة أهل البيت عليهم السلام في القرآن الكريم بشكل صريح. ونحن لا نعلم وجه الحكمة في كثير من الأمور، وهذا واحد منها. كما أن الحكمة الإلهية اقتضت أيضاً عدم بيان تفاصيل كثير من أمور الشريعة في القرآن الكريم، مثل تفاصيل أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها، ولم يقدح ذلك في وجوب تلك التفاصيل وضرورة الالتزام بها.
الإشارة بالصفة بدلاً من الاسم الصريح
ذكر الله تعالى الإمام علي عليه السلام بالصفة في آيات كثيرة تدل عليه بشكل جلي، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، فقد نزلت هذه الآية في علي عليه السلام كما نص على ذلك بعض المفسرين.
وكذلك في قوله سبحانه: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، فالإمام علي هو المشار إليه في الآية بـ"الأنفس".
وأيضاً في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وغير ذلك من الآيات الكثيرة. وهذه الإشارات كافية في الدلالة على فضل أمير المؤمنين عليه السلام، ولا حاجة لذكره بالاسم ما دامت الصفة وافية ببيان المراد.
حماية القرآن من التحريف
أراد الله تعالى أن يحفظ القرآن الكريم من كل تحريف وتبديل، وذكر اسم علي عليه السلام بشكل صريح كان سيستدعي محاولات للتحريف والتبديل، لأن أعداء أمير المؤمنين عليه السلام كانوا كثيرين. فمن تعاقبوا على حكم المسلمين ربما لم يكن ليقر لهم قرار إلا بمحو اسم علي من القرآن، وبذلك يُحرَّف القرآن ولا تتحقق أي فائدة من ذكر اسم أمير المؤمنين عليه السلام فيه.
ذكر الاسم لا يقنع المعاندين
إن من كان معانداً وحاقداً على أمير المؤمنين عليه السلام لا ينفع معه ذكر اسم علي عليه السلام في القرآن. فلو كانت هناك آيات في كتاب الله ورد فيها اسم علي عليه السلام صراحة، فإن المعاند سيؤولها ويحرف معناها، ويجعل الآية خالية من معناها المراد، فتنتفي الفائدة من ذكر اسم علي في كتاب الله العزيز.
تكامل القرآن والسنة في بيان الأحكام
تكفل القرآن بذكر العمومات وأصول الشريعة، أما تفاصيلها فقد تكفلت ببيانها السنة النبوية. وقد أوضحت السنة النبوية خلافة أمير المؤمنين عليه السلام بجلاء لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد. وكما أن كتاب الله حجة، فإن سنة النبي صلى الله عليه وآله حجة كذلك. ومتى ما جاء حديث واحد فيه إشارة إلى فضل علي عليه السلام أو كان دالاً على أنه هو الخليفة من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله كفى، ولا حاجة لطلب آية تدل على ذلك قد صرح فيها باسم علي عليه السلام.