في كل عام، ومع حلول العاشر من ذي الحجة، يعود الاهتمام بشعيرة الهدي أو الأضحية، والتي تتجاوز كونها عملية لذبح الأغنام والإبل، بل تحمل في عمقها فلسفة التكافل والعبادة في آن واحد.
معنى الأُضْحِيّة وأصل تسميتها
الأُضْحِيّة - بضم الهمزة وسكون الضاد وتشديد الياء - جمعها أضاحي، وهي تطلق على ما يذبحه الحاج في يوم عيد الأضحى بمنى، كما تشمل ما يذبحه المسلمون في بلدانهم في نفس اليوم المبارك.
وقد أوضح العلامة الطريحي في كتابه "مجمع البحرين" أن أصل التسمية يعود إلى وقت الذبح، حيث قال: "ضحى تضحية إذا ذبح الأضحية وقت الضحى يوم الأضحى". ثم توسع استخدام المصطلح ليشمل الذبح في أي وقت من أيام التشريق الثلاثة (الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة).
الركن الخامس في حج التمتع
تُعد الأضحية (الهدي) الواجب الخامس من واجبات حج التمتع، والواجب الثاني الذي يؤديه الحاج في منى. وقد حددت الشريعة الإسلامية شروطاً دقيقة لهذه الأضحية الواجبة:
أولاً: نوع الأضحية
يجب أن تكون من الأنعام الثلاثة: الإبل أو البقر أو الغنم.
ثانياً: شروط السن والنضج
- الإبل: يجب أن تكون كاملة النمو، والأحوط أن تكون قد أتمت خمس سنوات ودخلت في السادسة
- البقر: يشترط اكتمال نموها، والأحوط أن تكون قد أكملت السنة الثانية ودخلت في الثالثة
- الضأن (ذو الصوف من الغنم): يجب بلوغه مرحلة الاكتمال، وهو ما يحدث عادة عند بلوغ سبعة أشهر
- الماعز: يشترط البلوغ الكامل، والأحوط أن يكون في السنة الثانية
ثالثاً: الصحة والسلامة
يجب أن تكون الأضحية صحيحة تامة الخلقة، فلا تُقبل المريضة أو الهزيلة أو الناقصة كالعرجاء أو مكسورة القرن الداخل أو المقطوعة العضو.
الأضحية المستحبة
أما الأضحية التي يذبحها المسلمون في بلدانهم يوم العيد، فهي سُنّة مستحبة لمن يقدر عليها وليست واجبة. والملفت أن الشروط الصارمة المذكورة سابقاً لا تنطبق على هذه الأضحية المستحبة، حيث تختص تلك الشروط بالأضحية الواجبة على الحاج فقط.
إطعام المساكين وإراقة الدماء
رغم أن التشريعات الإلهية تحمل حِكماً بالغة قد يخفى الكثير منها على البشر، إلا أن النصوص الشريفة كشفت عن الحكمة الأساسية من تشريع الأضحية.
فقد روي عن النبي محمد صلى الله عليه وآله أنه قال: "إنما جعل الله هذا الأضحى لتشبع مساكينكم من اللحم فأطعموهم" (من لا يحضره الفقيه: 2/200).
كما روي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام قوله: "إن الله يحب إطعام الطعام وإراقة الدماء بمنى" (وسائل الشيعة: 24/290).
وهكذا تتجلى الفلسفة الأسمى لهذه الشعيرة في تحقيق التكافل الاجتماعي، حيث يتحول يوم العيد إلى مناسبة لإدخال البهجة على قلوب الفقراء والمحتاجين، مجسدة بذلك روح الإسلام في العناية بالطبقات الفقيرة في المجتمع.