حسابات النساء على إنستغرام.. لماذا تتحملين أوزار آلاف الرجال؟!

السيد موسى العلي
زيارات:1054
مشاركة
A+ A A-

كلما تجدد الزمان، تجددت معه أشكال المعاصي والذنوب. فبعض المخالفات التي كانت تمارس سابقاً ربما اندثرت، ليحل محلها اليوم نوع جديد من المزالق التي قد لا يلتفت الإنسان إلى حرمتها أو خطورتها. ومن أبرز هذه المسائل التي تترك أثراً بالغاً في مجتمعاتنا المعاصرة، ظاهرة وضع الصور غير اللائقة على برامج التواصل الاجتماعي مثل إنستغرام وواتساب وغيرها. إن الكثير من الأخوات المؤمنات لا يلتفتن إلى الإشكالات الشرعية العميقة والكثيرة جداً المرتبطة بهذا السلوك.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

تكمن المشكلة في أن تقييم المرأة للصورة يختلف جذرياً عن تقييم الرجل؛ فهي قد تنظر إلى الصورة باعتبارها شيئاً عادياً للزينة، لكن الرجل ينظر إليها بطريقة مختلفة تماماً بناءً على تكوينه الفطري والشهوة التي أودعها الله سبحانه وتعالى فيه، وهذا التكوين ليس عيباً ولا منقصة بحد ذاته. نعم، الشريعة توجب على الرجل (غض البصر)، لكن ماذا لو وقعت عينه على المقطع أو الصورة بشكل عرضي ومن دون قصد؟ في هذه الحالة هو لا يُلام على تلك الاستثارة المفاجئة لأنها جزء من فطرته الإنسانية. لذلك، يجب على النساء الالتفات إلى أن بعض هذه المنشورات توقع الرجل في شباك النظر المحرم.

غض البصر والستر

قد يقول البعض: "ليست مشكلتي إذا كان الرجل لا يغض بصره". هذا المنطق غير سليم ولا يستند إلى أساس علمي أو عقلي. فهل يعقل أن نطلب من البنوك ترك أبوابها مفتوحة على مصراعيها طوال اليوم بحجة الاعتماد على أمانة الناس؟ هذا ليس تصرفاً حكيماً. صحيح أن السارق يُدان ويطبق عليه القانون، لكن البنك يُلام أيضاً لتقصيره في الحماية. وبالمثل، عندما تعرضين تفاصيل حياتك وصورك على الملأ، فأنتِ تعلنين "البضاعة" للآخرين، ومثلما يُلام الرجل لأنه لم يغض بصره، تُلامين أنتِ أيضاً لأنكِ كنتِ سبباً ومقصرة في الستر.

الله سبحانه وتعالى وضع قاعدة تكاملية، فكما أمر الرجال بقوله: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ}، أمر النساء بقوله: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ}. المجتمع، شئنا أم أبينا، يحتوي على أفراد غير ملتزمين ومرضى القلوب. ولحل هذه الإشكالية، جاءت حكمة الإسلام بتشريع أحكام تكاملية: المرأة تلتزم بالحجاب الشرعي والستر، والرجل يلتزم بغض البصر، ولا يمكن أن نفتح الأبواب على مصراعيها ثم نطالب بتطبيق القانون فقط بعد وقوع الكارثة.

تحمل أوزار الآخرين!

الإنسان بطبيعته مثقل بذنوبه الشخصية، فكيف يطيق أن يحمل أوزار غيره؟ لقد تواترت الروايات والنصوص عن الأئمة (عليهم السلام) بأن من سنّ سنة سيئة أو كان سبباً في إيقاع الناس في الضلال والمحرمات، فإنه يتحمل وزر ذلك. القاعدة هنا تشبه قاعدة الأجر في الصدقة؛ فإذا أعطيتك مالاً لتتصدق به، تنال أنت الأجر وأناله أنا كاملين. وبنفس المنطق، إذا كنتِ سبباً في معصية الآخرين، فإنك تتحملين وزر معصيتهم بالكامل دون أن ينقص من أوزارهم شيء.

هذه القاعدة يجب أن تدفع الإنسان لمراجعة حساباته. ففي يوم القيامة، يُفاجأ بعض الناس بجبال من الحسنات لم يعملوها، بل كانت نتيجة سنن حسنة سنوها في الدنيا، وعمل بها الآخرون. وفي المقابل، يُفاجأ آخرون بجبال من السيئات لم يقترفوها مباشرة، بل كانت بسبب ضلال نشروه أو صورة خليعة عرضوها، فجرت آلاف النظرات المحرمة التي سُجلت في صحائفهم. فلماذا يفتح الإنسان على نفسه هذا الباب وهو بالكاد يتدبر أمر ذنوبه الشخصية؟

الأمانة على النفس أولاً

يدعو الدين والأعراف وحتى القوانين الدولية إلى الأمانة وحفظ ما يُستأمن عليه الإنسان. لكن الأمانة الحقيقية لا تقتصر على الممتلكات المادية والأغراض الثانوية، بل الأوجب من ذلك كله هو الأمانة على "النفس". لقد أعطاك الله هذه الروح لتصونيها وتحفظيها من النار، فإذا خان الإنسان أمانة نفسه وأوردها موارد الهلاك، فما قيمة محافظته على بقية الأشياء؟ هذه النفس الضعيفة هي ما سيحاسب عليه الإنسان في عرصات يوم القيامة.

تناقضات العالم الافتراضي

يجب الالتفات إلى أن النظرة المحرمة التي قد تستصغرها المرأة، هي بالنسبة للرجل -خاصة الشاب غير المتزوج- شرارة تفتح عليه أبواباً من المحرمات المتسلسلة؛ فالنظرة تقود إلى محرم ثانٍ وثالث، وهذا واقع يعيشه الشباب. ومن المفارقات المؤلمة والمبتلاة بشكل عام في حسابات التواصل، أن تجد حساباً يضع صورة فاضحة جداً، وفي الوقت نفسه يكتب شعراً أو يضع اسماً للإمام علي (عليه السلام) أو الأئمة الأطهار! هذا التناقض يفتقر لأدنى درجات التقدير والاحترام لأسماء المعصومين.

إن نشر الصور الخليعة، أو حتى الصور التي تتضمن مكياجاً وتبرجاً يضعف حرمة الحرام في قلوب الناس، هو محرم شرعاً. وقد يؤدي هذا التساهل إلى حالة من التبلد في المجتمع، حيث يصبح الترويج للحرام أمراً اعتيادياً. لكن الله سبحانه وتعالى يحذرنا تحذيراً شديداً بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ}.

لذا، يجب على كل إنسان أن يدرك أن سن السنة السيئة له أثر بالغ يمتد حتى يوم الحساب. المصدر: محاضرة لسماحة السيد موسى العلي، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

مواضيع مختارة