تخيل نفسك واقفاً في وادي منى، محاطاً بملايين المسلمين من كل أنحاء العالم، وفي يدك سبع حصيات صغيرة. أمامك جدار حجري بسيط، لكن ما ستفعله خلال الدقائق القادمة يحمل أسراراً عميقة تمتد عبر التاريخ من آدم إلى إبراهيم، ومن النبي محمد (ص) إلى يومك هذا. كل حصاة تقذفها ليست مجرد حجر صغير، بل رمز لمعركة كونية بين الخير والشر، بين النور والظلام، بين الإيمان والكفر.
عندما ترفع يدك لترمي الحصاة الأولى، فإنك تكرر نفس الحركة التي قام بها آدم عليه السلام عندما واجه إبليس للمرة الأولى، وتردد نفس التكبيرة التي علمه إياها جبريل. وعندما تتوجه للجمرة الثانية، فإنك تسير على خطى إبراهيم الخليل علبه السلام الذي رفض أن يثنيه الشيطان عن تنفيذ أمر ربه. أما عند الجمرة الثالثة، فإنك تختتم رحلة روحية تكشف لك عن أعمق أسرار النفس الإنسانية وصراعها الأبدي مع قوى الشر.
هذا المشهد المدهش، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد رمي حجارة، يحمل في طياته عشرين سراً مذهلاً ستغير نظرتك تماماً إلى معنى الحج والجهاد الأكبر الذي يخوضه كل مؤمن في رحلة الحياة.
السر الأول: آدم (ع)
يعود تاريخ هذا المنسك إلى بداية الخليقة ذاتها، عندما أدى آدم مناسك الحج كاملة. فبعد أن طاف بالبيت المعظم ووقف في عرفات والمشعر الحرام ومنى، أمره الله بأداء طواف آخر يُسمى طواف الزيارة والحب. وبينما كان متوجهاً نحو الكعبة المشرفة بقلب مفعم بالشوق والعشق الإلهي، ناداه إبليس الرجيم قائلاً: "يا آدم إلى أين تريد؟"
في تلك اللحظة الحاسمة التفت آدم إليه، فنزل جبريل وأرشده قائلاً: "هذا هو الشيطان فارمه". رماه آدم وتكرر هذا المشهد ثلاث مرات في المواضع التي أصبحت اليوم مواضع رمي الجمرات الثلاث.
إن العاشق الحقيقي لا يلتفت إلى غير معشوقه، وكان المفترض بآدم في تلك اللحظات المقدسة التي توجه فيها لبيت الله شوقاً وحباً، ألا ينشغل بغيره. لكن الشيطان أراد صرف وجهه عن قبلته، فأمر جبريل بتعليمه درساً في مقاومة الإغواء والانحراف.
السر الثاني: إحياء ذكرى إبراهيم (ع)
تتجدد هذه السنة مع إبراهيم الخليل عندما أخذ ولده إسماعيل إلى المذبح. في طريقهما تمثل لهما إبليس محاولاً زعزعة عزيمة الأب الصالح قائلاً: "كيف للوالد أن يذبح ولده؟!" هنا أمر جبريل إبراهيم أن يرميه بالحصى حتى لا يثبطه في عزيمته وتنفيذ أمر ربه.
أسرار المكان والتاريخ
تكشف الروايات أن الجمرات الثلاث تحمل دلالات تاريخية عميقة. فهي إما مواضع قبور لثلاثة طواغيت من طغاة التاريخ، أو أماكن كانت تقوم عليها ثلاثة أصنام من أصنام قريش وغيرهم. هذا يضفي على الرمي معنى إضافياً وهو التبرؤ من الطاغوت والشرك عبر العصور.
الرقم سبعة
يحمل رمي سبع حصيات دلالات عميقة، فهو يرمز إلى رمي الشيطان ومنع نفوذه من منافذه السبعة في الإنسان: الحواس الخمس الظاهرية وهي البصر والسمع واللمس والشم والذوق، بالإضافة إلى قوتي الغضب والشهوة.
كما يرتبط العدد سبعة بأطوار الإنسان السبعة: الطبع والنفس والعقل والقلب والسر والخفي والأخفى. بهذا المفهوم يصبح رمي الجمرات جهاداً شاملاً ضد تأثير الشيطان في جميع مراحل الوجود الإنساني.
الجهاد الأكبر الحقيقي
لا يقتصر رمي الجمرات على محاربة الشياطين من الجن فحسب، بل يشمل محاربة شياطين الإنس والطغاة والجبابرة والأصنام بكل أشكالها وألوانها وآلياتها. من كان الشيطان قرينه أو يوسوس في صدره، كيف يستطيع رميه؟! لذلك لا بد من التخلص من الصفات الشيطانية ودفعها ورفعها، حتى يستعد القلب لتلقي الروح الملائكي.
التوازن الكوني
كل ما في الطبيعة من نباتات وحيوانات والإنسان يمتلك قوتي الجذب والدفع، وهما الجاذبية والدافعية. في الإنسان تتبلور هاتان القوتان أحياناً بالشهوة والغضب، وأخرى بالمحبة والعداء، وثالثة بالإرادة والكراهة. والجامع بين هذه المظاهر هو التولي والتبري.
من أبرز ما في الحج من مناسك وأحكام ومعالم هو إثبات التوحيد ونفي الشرك، ويتجليان في الولاء والبراءة، والإيمان بالله والكفر بالطاغوت. الطواف حول البيت في بداية المسير إلى الله يرمز للأول، بينما رمي الجمرات والخلاص من الشيطان والتبري منه ومن أعوانه ومظاهره من الطواغيت والأصنام يرمز للثاني.
الطهارة
يُستحب للحاج أن يتطهر بغسل أو وضوء قبل الرمي، وكأن هذا يرمز إلى أن الطاهر في باطنه من الخبائث والأرجاس يوفق لرمي الشياطين والأبالسة من الجن والإنس. الظاهر عنوان الباطن، فمن تمكن من رمي الشيطان في باطنه، قُبل منه رمي الشيطان والجمرات في الظاهر.
إنما يحمي المؤمن نفسه من شر الشيطان بالاستعاذة بالله كما قال تعالى: "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ".
التقليد العربي القديم
من السنن العربية في الأيام الخالية أن من كان مبغوضاً يُرمى سواء كان حياً أو ميتاً. من هذا المنطلق كانوا يرمون قبر أبي رغال قائد جيش أبرهة صاحب قصة أصحاب الفيل وطير الأبابيل. يقول الشاعر جرير في هجو الفرزدق: "إذا مات الفرزدق فارجموه كما ترمون قبر أبي رغال".
رمي الجمرات يوجب نورانية الباطن، وهذا يعني أن الجهاد والمبارزة الدائمة والمتوالية تكسب الإنسان الحياة النورانية. أن يعيش الإنسان على ضوء الأنوار، ولا يعيش في الظلام والظلمات والظلم، فينحرف عن الصراط، أو يقع في هاوية الخطايا والذنوب ومهالك المعاصي والآثام، ويصطدم بصخور الرذائل والمساوئ الأخلاقية.
التكبير وإعلان عظمة الله
يُستحب التكبير عند كل رمي أو بعده، وهذا يدل على عظمة الله سبحانه وعزته وذلة الشيطان وضعفه. العظمة والعزة لله جميعاً، وإن المحاربة مع الشيطان وجنوده وحزبه إنما هي لله سبحانه، وباسمه وبكبريائه.
استمرارية الصراع
ترمى الجمرات الثلاث في ثلاثة أيام ليدل ذلك على استمرار الصراع والمقاومة في طريق الحق. كلما أراد المؤمن أن يقترب من بيت الله ليطوف حوله طواف الحب والزيارة، فإن الشيطان يعيقه بنصب العراقيل في مساره. لا بد من رميه وتجاوز العقبات والعوائق مهما كلف الأمر، ولو بسبع حصيات وبأيام متوالية.
استقبال العدو
ربما السر في استقبال الشيطان في رمي جمرة العقبة وأن تكون الكعبة خلف الرامي، ليدل على أنه برميه يمنع دخول الشيطان في الحرم ويستقبله في مبارزة. ما دام لم يحارب الشيطان الأكبر ويتخلص منه، كيف يتوجه إلى كعبة ربه وقبلته في عروجه وصلاته؟
وحدة الصفوف في المعركة
لا بد في رمي الشياطين من وحدة الصفوف والاجتماع الموحد كما كان في عرفات والمشعر، ليدل على وحدة المسلمين في صراعهم مع أعداء الإسلام كالصهاينة والاستكبار والاستعمار والماسونية والشيوعية والكفر والشرك والإلحاد، وأصحاب البدع والضلال والإضلال، وكل ما عليه اسم الشيطان وكان مظهراً له.
كثافة المقاومة
الطواف الواجب في الحج واحد وعشرون شوطاً، والسعي أربعة عشر شوطاً، لكن رمي الحصيات تسع وأربعون حصاة. هذا يدل على زيادة النضال ضد العدو وضد الشيطان، وما دام لم يكن كذلك كيف يصل الإنسان إلى قرب ربه وطواف كعبته؟
الثواب العظيم
قال رسول الله: "رمي الجمار ذخر يوم القيامة، والحاج إذا رمى الجمار خرج من ذنوبه". وقال الإمام الصادق: "من رمى الجمار حُط عنه بكل حصاة كبيرة موبقة، وإذا رماها المؤمن التقطها الملك، وإذا رماها الكافر قال الشيطان: بإستك ما رميت".
لا يخفى أن إطلاق الكافر يعم الكافر بالتوحيد والنبوة والإمامة، فمن كفر بالإمامة ولم يعرف إمام زمانه، فإنه إذا رمى الجمار إنما يقول له الشيطان "بمؤخرتك ما رميت" - كناية عن عدم انتفاعه بهذا الرمي، لأن صحته وقبوله يبتني على صحة العقيدة وقبول ولاية الإمام المعصوم وطاعته.
وعد جبريل لآدم
الإمام الصادق (ع) يروي تفاصيل أكثر دقة لقصة آدم: "ثم أخذ جبريل بيد آدم فانطلق به إلى البيت فعرض له إبليس عند الجمرة فقال له إبليس لعنه الله: يا آدم أين تريد؟ فقال له جبريل: يا آدم ارمه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة. ففعل ذلك آدم فذهب إبليس. ثم عرض له عند الجمرة الثانية فقال: يا آدم أين تريد؟ فقال له جبريل: ارمه بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة. ففعل ذلك آدم، وكان كذلك في الجمرة الثالثة. فقال له جبريل: إنك لن تراه بعد مقامك هذا أبداً".
وهكذا نفهم أن رمي الجمرات ليس مجرد طقس، بل منهج حياة ومدرسة جهادية تعلم المؤمن كيف يواجه شياطينه الداخلية والخارجية، وكيف يحول الحصى الصغيرة إلى أسلحة روحية في معركة الخير ضد الشر.
من مقال للسيد عادل العلوي (رض) - حرر بتصرّف لموقع الأئمة الاثني عشر