يقول السيد محمد ضياء آبادي [طاب ثراه]: كان المرحوم الشيخ جعفر الكبير ـ رضوان الله عليه ـ المعروف بكاشف الغطاء، من كبار فقهاء المذهب الإمامي، وكان كثيراً ما يُوزّع المال على الفقراء في المسجد.
وفي أحد الأيام، وبين صلاتي الظهر والعصر، دخل سيد فقير إلى المسجد وطلب من الشيخ مساعدة مالية.
فأجابه الشيخ بأسف: "لقد جئت متأخراً، فقد نفد المال... تعال غداً."
فما كان من ذلك السيّد إلّا أن امتلأ غيظاً، فجمع ريقه وبصق في وجه الشيخ!
لقد كانت إهانة عظيمة بحق عالم جليل، وفي مسجد، وأمام جمع من المصلّين الذين كانوا يكنّون له كلّ الاحترام. فهاج الحاضرون، وثاروا غضباً، وهمّوا بتأديب الرجل، غير أنّ الشيخ سبقهم بلحظة من نور.
ابتسم الشيخ له! ثم مدّ يده، وأخذ يمسح البصاق على وجهه، وقال:
"زَيَّنَنَا ابنُ فاطِمَة!"
أي: لقد شرّفنا ابن فاطمة عليها السلام!
ثم نهض من مكانه، ورفع طرف عباءته، وراح يدور بين صفوف المصلين قائلاً: "من كان يوقّر لحية الشيخ، فليضع المال في دامن ثوبه!"
فتسابق الناس لرمي النقود في عباءته، حتى اجتمع مال وفير. فأخذ كل ذلك المال ووضعه في يد السيّد، ثم قبّل وجهه وقال له: "تشفع لي عند أمّك فاطمة الزهراء، عليها السلام."
ما من تفسير لهذا الموقف السامي سوى ما نردّده في الزيارة الجامعة الكبيرة حين نصفهم بأنهم: «مُنْتَهَى الْحِلْمِ»، فهؤلاء الأعلام إنما هم تلامذة على موائد أهل البيت عليهم السلام، ورضعوا من لبان حلمهم وفضلهم.
فإذا كان هذا حال التلميذ، فكيف هو حال المعلم؟
وكيف يكون مقام أهل البيت عليهم السلام؟
حقاً، لا يُدركه عقل ولا يُحيط به وهم.
المصدر: شرح الزيارة الجامعة الكبيرة - نقلاً عن رياض العلماء