التجاهل الرقمي: كيف يسرق الهاتف المحمول المودة من علاقاتنا؟

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:426
مشاركة
A+ A A-

كانت اللحظة تبدو مثالية.. يجلسان جنبًا إلى جنب على الأريكة بعد يوم عمل شاق، الصمت الدافئ يلف المكان، لكن شيئًا ما كان غائبًا. عندما حاول أحدهما أن يبدأ حديثًا عابرًا، وجد عيني شريكه مثبتتين على شاشة مضيئة، ورأسًا منحنيًا لا يرتفع. لم يكن انشغالًا ضروريًا، بل مجرد تصفح لا نهائي.

في تلك اللحظة، لم يشعر الطرف الذي يتحدث بالغضب، بل شعر بشيء أعمق وأكثر برودة.

الغياب العاطفي.. لقد كان شريكه حاضرًا جسديًا، لكنه غائب تمامًا خلف جدار زجاجي رقمي. هذه اللحظات المتكررة من "التجاهل بالهاتف" ليست مجرد إزعاج بسيط، بل هي ثقوب صغيرة تتسع لتفرغ العلاقة من جوهرها المودة.

الهاتف يولد الحرمان العاطفي: دراسة تكشف فجوة "الـ Phubbing"

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

كشفت دراسة حديثة نشرت في مجلة العلاقات الاجتماعية والشخصية (Journal of Social and Personal Relationships) عن العلاقة المباشرة والمدمرة بين ظاهرة التجاهل بالهاتف (المعروفة عالميًا باسم Phubbing) والشعور العميق بالحرمان العاطفي داخل العلاقات الزوجية، وهو ما يترجم مباشرة إلى انخفاض حاد في مستوى الرضا العام عن الشراكة.

أكدت نتائج الدراسة أن الأمر لا يتطلب نية سيئة أو إهمالاً حقيقيًا لتبدأ المشكلة؛ فمجرد إحساس أحد الشريكين بأن انتباه الطرف الآخر مشتت بالهاتف، يكفي ليخلق فجوة عاطفية ملموسة. هذا الإحساس بالتشتيت يقلل من الشعور الأساسي بالاهتمام والمودة، وهو ما يضرب قلب العلاقة.

تشريح العزلة المشتركة: نتائج حقبة الجائحة

للوصول إلى هذه النتائج، أُجريت الدراسة على عينة شملت 51 زوجًا (بإجمالي 102 فرد) خلال ذروة الأشهر الأولى من جائحة كورونا، تحديدًا بين أبريل وسبتمبر 2020. كانت هذه الفترة مهمة لأنها شهدت زيادة غير مسبوقة في الوقت الذي يقضيه الأزواج معًا في المنزل، ما فاقم من فرص حدوث هذا النوع من الاحتكاك الرقمي.

أجاب المشاركون على استبيانات دقيقة تمحورت حول ثلاثة مقاييس رئيسية: معدل تعرضهم للتجاهل بالهاتف، درجة إحساسهم بالحرمان من المودة، وتقييمهم لمدى رضاهم عن العلاقة. أظهرت البيانات بوضوح أن التجاهل بالهاتف كان يرتبط بشكل غير مباشر بانخفاض الرضا العاطفي، حيث كان بمثابة الجسر الذي يعبر من خلاله الشعور بأن الشريك لا يتلقى ما يكفي من الاهتمام والمحبة.

تأثير الدومينو: الإهمال يضرب الشريكين

من النقاط المحورية والمهمة في البحث أن التجاهل الرقمي لم يقتصر تأثيره السلبي على الفرد الذي يتعرض له فقط، بل بيّنت النتائج أن شعور شخص واحد بالحرمان العاطفي ينعكس سلبًا على الطرف الآخر أيضًا.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

هذا التأثير المتبادل يعمل كـ "تأثير الدومينو"؛ فعندما يشعر أحد الشريكين بالإهمال العاطفي، فإنه غالبًا ما ينسحب أو يقلل من مظاهر حنانه تجاه الآخر، ما يؤدي بدوره إلى تراجع في مستوى رضا الطرف الذي لم يبدأ بالإهمال أساسًا. هذا يوضح أن "التجاهل بالهاتف" هو خطر يهدد هيكل العلاقة بأكمله، وليس مجرد ضيق لحظي.

التشابه في "الإدمان" لا ينقذ العلاقة

لعل إحدى النتائج الأكثر إثارة للدهشة كانت مرتبطة بسلوك الشريكين المشترك. كان الباحثون يتوقعون أن يكون تشابه الطرفين في ممارسة التجاهل بالهاتف (أي استخدام كلاهما للهاتف بشكل متوازن) بمثابة عامل مخفف للآثار السلبية، كما يحدث في حالات تشابه السلوكيات الأخرى.

إلا أن النتيجة جاءت عكس التوقع: لم يقلل التشابه في الاستخدام من الأثر السلبي، بمعنى أن انشغال كلا الشريكين بهاتفهما لم يمنع الشعور بالحرمان العاطفي أو انخفاض الرضا. الإشارة هنا واضحة: الجودة أهم من التوازن الكمي في قضاء الوقت.

أكدت الباحثة الرئيسية، أماندا دينيس من جامعة كونيتيكت، أن الرسالة الجوهرية التي يجب أن تصل إلى الأزواج هي: "حتى لو كان الانشغال بالهاتف لا يحمل نية سيئة، فإنه يملك القدرة على أن يجعل الشريك الآخر يشعر بقلة الحب والاهتمام". بناءً على هذه النتائج، أوصت الدراسة بضرورة وضع حدود مشتركة وواضحة لاستخدام الأجهزة أثناء الأوقات الخاصة، والتركيز على التعبير المقصود والواعي عن المودة لتعويض أي فجوات عاطفية قد تخلقها التقنية.

مواضيع مختارة