لطالما عُدَّت الأسرة بمثابة المجتمع المُصغَّر الذي تتشكل فيه اللبنات الأساسية لشخصية الإنسان وسعادته. وكما أن قوة الروابط الاجتماعية في المجتمع الكبير تؤثر تأثيراً بالغاً في رقي الفرد مادياً ومعنوياً، فإن عمق الصلات داخل هذه الدائرة العائلية الأضيق لا يقل أهمية أو تأثيراً.
من هذا المنطلق، أولى الإسلام – هذا الدين الذي يرتكز على بناء المجتمع المتماسك – مسألة صلة الرحم أهمية قصوى، فجعلها فريضة وواجباً إلهياً، وعدَّ قطع هذه الصلة من كبائر الذنوب التي تهدد تماسك الروح والمجتمع.
يكفينا دليلاً على عظم هذه الفريضة التوكيد القرآني الذي ورد في أكثر من موضع من آيات الذكر الحكيم، حيث أكد القرآن أن الإنسان سيُسأل يوم القيامة عن التزامه بهذه الفريضة الأساسية. وقد جاء في كتاب الله المجيد: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (النساء: 1). هذا الربط بين تقوى الله ومراعاة الأرحام يوضح مكانتها في المنظومة الإيمانية.
ولم يتوقف الأمر عند التوجيه القرآني، بل نُقل عن الإمام أبي عبد الله (ع) حديثٌ هام يروي قصة رجل جاء إلى النبي (ص) يشكو أهل بيته، قائلاً: "يا رسول الله، أهل بيتي أبو إلاّ توثباً عليّ، وقطيعة لي وشتيمة، فأرفضهم؟" فجاء الجواب النبوي حاسماً: "إذاً يرفضكم الله جميعاً." ثم بيَّن له النبي طريق التعامل الأمثل مع الإساءة، قائلاً: "تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك، فإنك إذا فعلت ذلك كان لك من الله عليهم ظهيراً." (الكافي: 2/ 150). هذا التوجيه يؤكد أن الفريضة لا تسقط حتى مع مواجهة الأذى والقطيعة.
كما شدد النبي (ص) على اتساع نطاق هذا الواجب الزمني والجغرافي، ففي حديث آخر عن أبي جعفر (ع) قال: "قال رسول الله (ص) أوصي الشاهد من أمتي والغائب منهم، ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة، أن يصل الرحم وإن كانت منه على مسيرة سنة، فإن ذلك من الدين" (الكافي: 2/ 151). وهذا يؤكد أن صلة الرحم ركن ثابت من أركان الدين لا يتقيد بالزمن أو المسافة.
مع كل هذا التأكيد، لا شك أن أي فريضة في الشريعة الإسلامية تُمارس في إطار قاعدة شرعية عامة تنص على عدم التفريط بما هو أهم منها. وواجب صلة الرحم لا يُستثنى من هذا المبدأ الحكيم.
تظل صلة الرحم واجبة، بل وتصبح أشد إلحاحاً، إذا كان التواصل مع الأقارب الذين لا يلتزمون بالأحكام الدينية قد يؤدي إلى مراجعتهم لآرائهم وتصرفاتهم السلبية، أو يقودهم شيئاً فشيئاً إلى رعاية الموازين الشرعية. كما يجب المواظبة عليها طالما أن هذا التواصل لا يترك آثاراً سلبية على إيمان الفرد أو استقراره العائلي. في هذه الحالة، يلزم القيام بهذه الفريضة الإلهية والمواظبة عليها.
أما لو حدث العكس، وتحول التواصل مع الأرحام إلى تأثير سلبي على الفرد ذاته أو على أحد أفراد أسرته (كأن يتشرب أفكارهم السلبية أو ينغمس في سلوكهم المخالف)، فإن ميزان الأولويات يتغير. في هذه الحالة، يتحتم عليه قطع العلاقة معهم مؤقتاً وعدم المخاطرة بحياته الروحية أو سعادته الأسرية. إن وجود "الأهم" (وهو سلامة الدين والنفس) يحول دون وجود "المهم" (وهو صلة الرحم)، وتطبيقاً لهذا القانون، تُرفع الحرمة عن القطع المؤقت لدرء المفسدة الكبرى.