لطالما كان يُنظر إلى قضاء وقت أطول في العمل على أنه سعي نحو الترقية أو زيادة الدخل، لكن دراسات نفسية واجتماعية حديثة كشفت عن دافع آخر وأكثر حساسية: الهروب من التوتر العاطفي داخل المنزل.
يؤكد الأخصائي النفسي والاجتماعي، الدكتور عماد الفارسي، أن الخلافات الزوجية المتكررة أو ما يُعرف شعبياً بـ "النكد الزوجي"، يمثل ضغطاً نفسياً هائلاً يدفع ببعض الأزواج نحو قضاء وقت أطول في العمل كآلية دفاع لا واعية لتجنب الضغوط الأسرية.
ويأتي هذا الطرح مدعوماً بنتائج بحث نُشر في مجلة "Journal of Marriage and Family"، والذي أشار إلى أن الأزواج الذين يعيشون في بيئة منزلية تتسم بالتوتر العالي يميلون إلى زيادة ساعات عملهم بنسبة تصل إلى 15% مقارنة بغيرهم. هذه الزيادة لا تقتصر على العمل الإضافي الرسمي فحسب، بل تمتد لتشمل الانشغال بمشاريع جانبية. وفي هذه الحالة، يصبح مكان العمل "منطقة آمنة" توفر للفرد شعوراً بالتحكم والإنجاز، بعيداً عن الصراعات العاطفية التي تفتقر للحل.
الحلقة المفرغة للغياب العاطفي
يُوضح الدكتور الفارسي أن هذه الظاهرة، على الرغم من أنها تبدأ كآلية للهروب، سرعان ما تتحول إلى حلقة مفرغة تُفاقم الأزمة. فزيادة ساعات العمل تعني حكماً غياباً أطول عن محيط الأسرة، وهذا الغياب بدوره يعمّق فجوة التواصل بين الزوجين ويزيد من حدة الخلافات الأصلية.
ويشير الأخصائي إلى أن المشكلة الجوهرية لا تكمن في قلة أو كثرة ساعات العمل، بل في الغياب الفعلي لمهارات الحوار الفعّال وحل النزاعات بين الطرفين.
آثار "الزوجة النكدية": تجمُّد العلاقات
إن الآثار المترتبة على الأجواء الأسرية السلبية، وخاصة ما ينجم عن سلوكيات تُوصف شعبياً بـ "الزوجة النكدية"، متعددة ومدمرة. ومن أبرز هذه الآثار التي أشار إليها الدكتور الفارسي:
- الهروب الاجتماعي: لجوء الزوج إلى الأهل والأصدقاء بحثاً عن الراحة والدعم العاطفي المفقود داخل المنزل.
- الطلاق العاطفي: تجمُّد العلاقة وفقدانها للدفء والتفاعل الإيجابي، ما يؤثر سلباً على نمو الأبناء واستقرارهم النفسي.
- تزايد النزاعات: ارتفاع وتيرة الخلافات اليومية التي تدور بلا جدوى ولا تقود إلى أي حلول ملموسة.
- النفور والرفض: تزايد مشاعر النفور والرفض نتيجة التعامل الجاف والمفتقر للعاطفة داخل الأسرة.
كما تدعم هذه النتائج دراسة صادرة عن معهد "American Psychological Association" أكدت أن وجود الدعم العاطفي المتبادل بين الزوجين يعمل كدرع يقي من ضغوط العمل الخارجية، في حين أن غياب هذا الدعم يزيد بشكل كبير من احتمالية لجوء أحد الطرفين إلى الهروب، سواء كان هروباً مهنياً أو اجتماعياً.
ويختم الدكتور الفارسي بأن الاستقرار العائلي لا يُحل بتقليل ساعات العمل فحسب، بل يكمن الحل الجذري في بناء بيئة منزلية قائمة على الدعم العاطفي والتفهم المتبادل. فالاستقرار الأسري ليس مجرد هدف شخصي، بل هو عامل محوري ينعكس إيجاباً على الأداء المهني الفردي والصحة النفسية لكلا الزوجين.
المصدر: وكالات + موقع الأئمة الاثني عشر