لا شك أن ليلة القدر من ليالي شهر رمضان، لأن الجمع بين آيات القرآن يقتضي ذلك.
ولكن، أية ليلة من شهر رمضان؟ قيل في ذلك كثير، وذُكرت تفاسير عديدة، من ذلك: أنها أول ليلة من شهر رمضان المبارك، والليلة السابعة عشرة، والليلة التاسعة عشرة، والليلة الحادية والعشرون، والليلة الثالثة والعشرون، والليلة السابعة والعشرون، والليلة التاسعة والعشرون.
والمشهور في الروايات أنها في العشر الأخيرة من شهر رمضان، وفي الليلتين الحادية والعشرين أو الثالثة والعشرين. لذلك ورد في الروايات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحيي كل ليالي العشر الأخيرة من الشهر المبارك بالعبادة.
وروي عن الإمام الصادق عليه السلام أنها الليلة الحادية والعشرون أو الثالثة والعشرون. وعندما أصر عليه أحدهم في تعيين واحدة من الليلتين لم يزد الإمام على أن يقول: "ما أيسر ليلتين فيما تطلب!" [نور الثقلين، ج5، ص625، الحديث 58].
وثمة روايات متعددة عن أهل البيت عليهم السلام تركز على الليلة الثالثة والعشرين، بينما روايات أهل السنة تركز على الليلة السابعة والعشرين.
وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام أنه قال: "التقدير في ليلة القدر تسعة عشر، والإبرام في ليلة إحدى وعشرين، والإمضاء في ليلة ثلاث وعشرين" [المصدر السابق، الحديث 626].
وليلة القدر إذن محاطة بهالة من الإبهام سنذكر سببه فيما يلي.
لماذا خفيت ليلة القدر؟
الاعتقاد السائد أن اختفاء ليلة القدر بين ليالي السنة، أو بين ليالي شهر رمضان المبارك، يعود إلى توجيه الناس إلى الاهتمام بجميع هذه الليالي؛ مثلما أخفى رضاه بين أنواع الطاعات كي يتجه الناس إلى جميع الطاعات، وأخفى غضبه بين المعاصي كي يتجنب العباد جميعها، وأخفى أحباءه بين الناس كي يُحترم كل الناس، وأخفى الإجابة بين الأدعية لتُقرأ كل الأدعية، وأخفى الاسم الأعظم بين أسمائه كي تُعظَّم كل أسمائه، وأخفى وقت الموت كي يكون الناس دائماً على استعداد.
ويبدو أن هذا دليل مقبول.
هل كانت ليلة القدر معروفة بين الأمم السابقة؟
من ظاهر آيات هذه السورة نفهم أن ليلة القدر ليست خاصة بزمان نزول القرآن وعصر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، بل تتكرر كل سنة حين يرث الله الأرض ومن عليها.
والتعبير بالفعل المضارع "تنزل" الدال على الاستمرار، وكذلك التعبير بالجملة الاسمية "سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ" الدالة أيضاً على الدوام، يؤيد ذلك. مضافاً إلى ذلك الروايات التي ربما بلغت حد التواتر في تأييد هذه المسألة.
ولكن هل كانت هذه الليلة في الأمم السابقة؟ روايات متعددة تصرّح بأن هذه الليلة من المواهب الإلهية على هذه الأمة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "إن الله وهب لأمتي ليلة القدر لم يعطها من كان قبلهم."
وفي تفسير الآيات التي نحن بصددها روايات تؤيد ذلك أيضاً.
المصدر: تفسير الأمثل