خاص لـ "موقع الأئمة الاثني عشر": لم تعد ساحة الطف مقتصرة على جغرافيا كربلاء، ولم يعد المنبر الحسيني محصورا في الخشب وزوايا المجالس. لقد تمددت مساحة الخدمة وتطورت أدواتها لتخترق الحدود والمسافات، حتى استقرت في شاشة لا تتجاوز كف اليد.
الهاتف الذكي الذي نحمله في جيوبنا، والذي اعتدنا أن نتعاطى معه كأداة للترفيه السريع أو استهلاك الوقت، يتحول في منظور الوعي العاشورائي إلى جبهة حقيقية، وميدان اختبار صامت يعكس عمق انتمائنا لأخلاق أهل البيت وتطبيقنا الفعلي لرسالتهم.
نحن نعيش في فضاء رقمي يضج بالصخب والتشظي، حيث تتسابق الكلمات وتتداخل الصور وتضيع الحقائق وسط أمواج من المحتوى العشوائي.
وهنا يبرز تساؤل: كيف يمكن للمستخدم البسيط أن يحول حسابه الشخصي من مجرد رقم في خوارزميات المنصات، إلى موكب وعي، ومنبر إشعاع حسيني مؤثر؟
المنبر الرقمي
إن أولى درجات الخدمة الحسينية في الفضاء الإلكتروني تبدأ من إدراكنا لقيمة الكلمة وثقلها التكويني. الإمام الحسين عليه السلام نهض لإصلاح أمة جده بالكلمة الصادقة والموقف الواضح، ولم يخرج لإحداث ضجيج بلا طائل أو تأجيج صراعات عبثية. عندما نكتب منشورا، أو نشارك مقطعا، أو حتى نضغط على زر الإعجاب، نحن في الواقع نصدر حكما ونتبنى موقفا سيقرأه المئات، وربما الآلاف.
المستخدم الواعي يدرك أن ضغطة الزر هذه إما أن تكون لبنة تبني جدار المجتمع، أو معول هدم ينخر في تماسكه. المشاركة التي تزرع الأمل في نفوس محبطة أثقلتها ظروف الحياة، أو الكلمة التي تصلح ذات البين بين متخاصمين وتطفئ نار الفتنة، أو المنشور الذي يفكك شبهة بأسلوب هادئ ورصين، هي في صميم الخدمة الحسينية. لا يقل أجر وثواب من يطعم العقول بالكلمة الطيبة والمحتوى الهادف، عن أجر من يطعم الأجساد في المواكب، فكلاهما يحيي أمة.
الاعتزال الواعي
من أعظم ما يقدمه المؤمن في أيام عاشوراء، بل وفي كل أيامه، هو ترويض النفس عن الانجرار خلف الجدل العقيم والمهاترات التي تملأ منصات التواصل. هناك بيئات رقمية تعتاش على الاستقطاب، وصناعة الأزمات، واغتيال سمعة الآخرين. الانتماء لمدرسة عاشوراء يفرض علينا أن نكون صمام أمان مجتمعي، لا وقودا لفتن رقمية تحرق الأخضر واليابس.
عندما نتجاهل منشورا مسيئا يهدف إلى الاستفزاز واستدراجنا لمستنقع الشتائم، وعندما نتوقف بحزم عن تداول شائعة لم نتحقق من صحتها حفاظا على أعراض الناس وكراماتهم، فنحن نمارس أخلاق كربلاء في أبهى وأصدق صورها. لقد كان الإمام الحسين حريصا على هداية خصومه حتى اللحظة الأخيرة، ولم ينحدر خطابه قط إلى التجريح أو الإسفاف. استحضار هذا الخلق النبيل في تعليقاتنا وردودنا يجعل من حساباتنا الشخصية واحات للسلام النفسي والاجتماعي وسط هذا الضجيج.
صناعة المحتوى
يوفر لنا الهاتف الذكي فرصة ذهبية لنكون وسطاء خير لا يكلفنا الأمر سوى نية صادقة وحركة إصبع. يمكن بضغطة زر أن نساهم في إنجاح حملة لجمع التبرعات لعائلة متعففة، أو ننشر مناشدة لإنقاذ مريض عجزت أسرته عن علاجه، أو نسلط الضوء على مبادرة شبابية بسيطة لتنظيف الشوارع بعد انتهاء مراسم العزاء لتشجيعهم ودعمهم.
إن دمعة الحزن التي نذرفها بصدق في المجالس يجب ألا تتبخر، بل يجب أن تتكثف لتتحول إلى طاقة عمل إيجابية على منصاتنا. المنشور الذي يدعو إلى بر الوالدين، واحترام الجار، والتسامح، وإتقان العمل والحفاظ على المال العام، هو الامتداد الطبيعي والمطلوب لنداء الإصلاح الحسيني.
إن الخدمة الحسينية لم تكن يوما حكرا على من يمتلك إمكانيات مادية أو يقف على المنابر، في هذا العصر، كل واحد منا يمتلك منبره الخاص وموكبه الافتراضي.
شاشتك هي موكبك، ومفرداتك هي زادك الذي تقدمه لعابري السبيل في دروب الإنترنت.
ملاحظة: نجيز نسخ المقال مع ذكر المصدر https://the12imams.net/