كيف تعدل زيارة الإمام الحسين (ع) ثواب الحج والعمرة؟

الشيخ فوزي آل سيف
زيارات:281
مشاركة
A+ A A-

روي عن سيدنا ومولانا أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "أدنى ما يثاب به زائر الحسين عليه السلام بشاطئ الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته أن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".

أورد الشيخ ابن قولويه القمي في كتابه "كامل الزيارات" أبواباً متعددة ذكر فيها أقساماً من الثواب والأجر الذي يحصل عليه زائر الحسين عليه السلام. وهذه الأبواب اختلفت في تعابيرها وعدد المنازل التي تترتب على زيارة الحسين عليه السلام ومقدار الأجر الذي يصل إلى الزائر. لكن قراءة كل باب تشير إلى عظمة هذه الزيارة وإلى الثواب الكبير الذي يترتب عليها.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

تارةً، ينظر الإنسان إلى هذه الزيارة والعطاء الإلهي مع أنها من الناحية الظاهرية لا تستغرق كثيراً من الأوقات ولا تستهلك كثيراً من الأموال، ومع ذلك تترتب تلك المثوبات العظيمة على مثل هذه الزيارة. وهي في هذا تشبه كثيراً مما ورد من مصادر المدرستين في إثابة الله عز وجل العامل بها، مهما كان ذلك العمل بسيطاً وصغيراً، إثابته الأجر العظيم الكبير؛ كأن يقول الإنسان "لا إله إلا الله"، ويترتب عليه مثلاً من الآثار فله الجنة، وأمثال ذلك.

وهذا قد بُحث في محله؛ أن عطاء الله سبحانه وتعالى لا يقاس بالأعداد كما نقيسه نحن البشر، فنعتبر أن لكل شيء قيمة معينة بحيث إذا زادت زاد الثمن وزاد العطاء نتعجب منه. مثلاً، أنت تذهب لكي تشتري قنينة ماء قيمتها المتعارفة نصف ريال، فلو أعطى المشتري مئة ريال لها، تتعجب، لماذا؟ لأن عندك حسابات معينة أن هذا له ميزانية خاصة وعنده مقدار معين من المال ولا بد أن يصرف بتعادل في هذا المكان وذاك المكان، وإلا انتهت أمواله. بينما الباري سبحانه وتعالى لا تأتي هذه الحسابات عنده.

بالإضافة إلى ذلك، كثير من القضايا لا يُثاب عليها الإنسان بها مباشرة لقيمتها الظاهرية، وإنما لها بما تعبّر. عندنا مثلاً رواية صحيحة على كل المسالك: "من صلى ركعتين قبلهما الله عز وجل لم يعذبه". هذا شيء قد لا يخطر بالبال أصلاً، واحد إذا يصلي ركعتين مقبولتين من الله يعطيه الجنة ولا يعذبه، والرواية معتبرة على كل المسالك. هذا لا ينظر فيه إلى قيمة هاتين الركعتين الظاهرية من أنه تستغرق من الوقت مثلاً أربع دقائق أو من الجهد شيء بسيط أو ما شابه ذلك، وإنما بما هي تعبير عن طاعة الله والخضوع له وما شابه.

دمعة في جوف الليل يريقها الإنسان خوفاً من الله وشوقاً إلى ثوابه تطفئ بحاراً من نيران جهنم. إذا تقيسها بالمقاييس العادية، لا معنى لهذا الكلام، ولكن إذا تقيسها بما تدل عليه، بما هو وراء هذه الدمعة إلى أن خرجت في ذلك الوقت وعن تعبيراتها وخلفياتها سوف تجد أن الأمر طبيعي لا سيما وأن الطرف المعطي هو من لا يختلف عنده الذرة عن المجرة. أنا وأنت وأمثالنا من الخلائق يختلف عندنا الريال عن المليون، لكن الباري سبحانه وتعالى لا يختلف الحال عنده بين ذرة لا ترى بالعين المجردة وبين مجرة كل الكواكب والأفلاك التي نراها وحولنا، هي شيء واحد.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

على كل حال، ضمن هذا الأمر إذا نظرنا إلى ما جاء من الثواب في مثل زيارة الحسين عليه السلام، يكون الأمر أقرب إلى الفهم. سوف نستعرض بعض الروايات الواردة في هذا الباب، ونشير إلى جهة هي مثار جدل لا سيما من قبل مخالفي المذهب والذين أحياناً يريدون أن يثيروا الغبار. فلنقدم بذكر بعض الروايات ثم نجيب على السؤال الذي عادةً ما يطرح من قبل مخالفي المذهب في خصوص زيارة الإمام الحسين عليه السلام.

أما الروايات فمنها هذه الرواية التي ذكرناها عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام، وهي باعتبار نقلها في كتاب "كامل الزيارات" لابن قولويه. فإذا رأينا روايات مختلفة في الثواب والأجر المترتب على زيارة الحسين، لا يصح أن يسارع الإنسان إلى: "كيف هذا؟ هذه الرواية تقول هكذا من الثواب، وتلك الرواية تقول شيئاً آخر، هذه تقول بكل خطوة ألف حسنة، وتلك تقول غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ورواية ثالثة تقول شيئاً آخر، كيف يصير هذا الاختلاف؟" جوابه: أحد الأجوبة أن هذا راجع إلى قضية المعرفة بالحسين عليه السلام. المعرفة والوعي والاعتقاد يزيد درجة الزائر وأجر الزائر. يعني أن يذهب إنسان زائر إلى الحسين عليه السلام ومعرفته بمقدار عشرة في المئة على سبيل المثال، فقط يعرف أن الحسين عليه السلام إمام معصوم، هذا له ثواب. بينما أنت الآخر الذي تذهب وتعرف الحسين ونسبه ومنزلته ومقامه ولماذا ثار وما جرى عليه من المآسي والفوائد المترتبة على نهضته، أنت هنا عارف بحقه، عارف بإمامته، عارف بولايته، عارف بحرمته. كلما زادت معرفتك زاد ثوابك عن ذاك الذي يعرف فقط أن الحسين عليه السلام إمام مفترض الطاعة، هذا المقدار مطلوب ولكن كلما زاد الإنسان معرفة زاد ثواباً. هنا أيضاً الرواية تقول: "على شاطئ الفرات إذا عرف حقه وحرمته وولايته" أدنى شيء يحصل عليه هو "أن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".

الرواية الأخرى عن أبي الصامت قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: "من أتى قبر الحسين ماشياً..."، هذه فيها عنوان المشي فهي تختلف عن الرواية السابقة بجهة من الجهات، تلك مطلقة ماشي، راكب، غير ذلك، هذه مخصصة للماشي هذا الثواب. وأمر المشي لزيارة الحسين عليه السلام مع توفر إمكانية الذهاب بالطائرة والسيارة وغير ذلك، وهذا من الأمور التي شُرِّعت بها زيارة المشي والمشي إلى زيارة الحسين عليه السلام في أيام الأربعين. "من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشياً كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة ومحا عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة".

الرواية الثالثة فيها إشارة أخرى وهي تجهيز الآخرين لزيارة الحسين عليه السلام. قد يكون إنسان ما عنده قدرة، صحته لا تساعده على السفر، أو ليس عنده إمكانية الذهاب؛ شغل أو مانع عائلي إلى غير ذلك من الموانع. فهذا له طريق آخر لكي يحوز على الثواب وهو تجهيز غيره للزيارة. فالرواية عن الصادق عليه السلام وقد سئل: "ما لمن يجهز إليه (يعني إلى زيارة الحسين) ولم يخرج لعلة تصيبه؟" فقال: "يعطيه الله بكل درهم أنفقه مثل أُحد من الحسنات... ويخلف عليه أضعاف ما أنفق، ويصرف عنه من البلاء مما قد نزل ليصيبه ويدفع عنه ويحفظ في ماله". إذا كان مقدراً أن ينزل عليه البلاء الفلاني وهو زوّد أحداً بنفقة زيارة الحسين عليه السلام، من آثار هذا الإنفاق أنه يدفع عنه البلاء المقرر في علم الله عز وجل، ويمحى عنه ذلك البلاء ويكتب له الفرج والرخاء.

نصل الآن إلى الرواية التي هي معركة الكلام عادةً وهي سلسلة من الروايات يجمعها هذا: قال الراوي: سألت أبا عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، ما لمن زار قبر الحسين وصلى عنده ركعتين؟ قال: "كتبت له حجة وعمرة". وفي روايات أخر عشرين حجة، في روايات أخر أكثر من ذلك. مثل هذه المقارنات استغلها بعض المخالفين لكي يشوشوا على شيعة أهل البيت عليهم السلام وتضج كلماتهم وكتبهم ومنتدياتهم: "كيف يصير الحج ركن الله الأكبر بعدين زيارة الحسين تعدل حجة وحجة وحجة؟ شلون يصير هذا؟ كيف يكفي زيارة الحسين عن حج بيت الله الحرام اللي أوجبه الله في كتابه؟".

طبعاً عندما يخاطبون ويدغدغون مشاعر غير العارفين، هم يصنعون هذا لتسوير جماعتهم عن الانسياق إلى شيعة أهل البيت. فهل يمكن أن يُتعقل أن تكون زيارة الحسين عليه السلام وزيارة قبره كافية عن الحج وأفضل من الحج أو لا يمكن ذلك؟ جوابنا على ذلك في نقاط:

النقطة الأولى: أن المقارنة بين زيارة الحسين وأفضليتها وبين الحج غير ناظرة إلى الحج الواجب، وهذا صريح في الروايات وصريح في الفتاوى؛ لا أحد يقول أن زيارة الحسين عليه السلام تكفي عن الحج الواجب، الإنسان المستطيع من كل الجهات يجب عليه أن يذهب إلى الحج. المقارنة ليست بين الزيارة المستحبة وبين الحج الواجب، وإنما بين الزيارة المستحبة استحقاقاً مستحباً مؤكداً وبين الحج المستحب.

نقول في كتب مدرسة الخلفاء ما هو أدنى بمئات المرات جُعل أفضل من الحج. إذا يقعد وراء صلاة الجماعة إلى أن تطلع الشمس، ثم يصلي ركعتين أم خمس دقائق، ثوابها ثواب حجة وعمرة تامة تامة تامة. دراسة بمقدار عشر دقائق تعدل حجة. الرواية الثالثة في صحيح البخاري قال فيها: "إن عمرة في رمضان تقضي حجة معي". العمرة التي هي كلها في مثل بعض الأيام ثلاث ساعات تعادل حجة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، هذا لا مشكلة فيه في كتبكم، لكن زيارة الحسين عليه السلام التي يستغرق أحياناً أوقات طويلة وأموال كثيرة، ويتهدد الإنسان في بعض الحالات بأخطار واضحة، هذا لا ينبغي أن يساوي حجة وعمرة؟ هذا إنما جئنا به لنرفع استنكارهم في هذا الأمر.

الثاني: أن نحن نقول أيضاً: زيارة الحسين عليه السلام بما هي تجديد للعهد معه، هذا العمل هو نوع من أعمال العقائد. أنا أعتقد بالإمام الحسين، أذهب لزيارته لكي أجدد العهد معه وأؤكد الولاء له وأزداد إيماناً بإمامته. هذه العملية هو نوع من العقائد مو أعمال، العلماء يفرقون بين العبادات وبين العقائد، يقولون العقائد هي في مرتبة الأصول؛ الإيمان بالله عز وجل في مرتبة الأصول، الإيمان بنبينا محمد لذكره صلوا عليه.

النص الكامل لمحاضرة بعنوان: (كيف تعدل زيارة الحسين حجات وعمرات؟) لسماحة الشيخ فوزي آل سيف، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

لمشاهدة المحاضرة اضغط هنا

مواضيع مختارة