ما حقيقة زواج «القاسم بن الحسن» في كربلاء؟

الشيخ فوزي آل سيف
زيارات:983
مشاركة
A+ A A-

نص الشبهة: ما حقيقة موضوع زواج أو عقد القاسم؟

الجواب:

نقل السيد هاشم البحراني في كتابه "مدينة المعاجز" ما يلي:

(الرابع والثمانون: العوذة التي ربطها الحسن عليه السلام في كتف ابنه القاسم وأمره أن يعمل بما فيها).

عن الفخري قال: روي أنه لما آل أمر الحسين عليه السلام إلى القتال بكربلاء، وقتل جميع أصحابه، ووقعت النوبة على أولاد أخيه الحسن عليه السلام، جاء القاسم بن الحسن عليهما السلام وقال: يا عم، الإجازة لأمضي إلى هؤلاء الكفار. فقال له الحسين عليه السلام: يا بن أخي، أنت من أخي علامة، وأريد أن تبقى لي لأتسلى بك، ولم يعطه إجازة للبراز.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

فجلس القاسم مهموما مغموما باكي العين حزين القلب، وأجاز الحسين عليه السلام إخوته للبراز ولم يجزه، فجلس القاسم متألما ووضع رأسه على ركبتيه، وذكر أن أباه قد ربط له عوذة في كتفه الأيمن، وقال له: إذا أصابك ألم وهم فعليك بحل العوذة وقراءتها، فافهم معناها واعمل بكل ما تراه مكتوبا فيها. فقال القاسم لنفسه: مضت سنون علي ولم يصبني مثل هذا الألم.

فحل العوذة وفضها ونظر إلى كتابتها وإذا فيها: يا ولدي يا قاسم، أوصيك أنك إذا رأيت عمك الحسين عليه السلام في كربلاء وقد أحاطت به الأعداء، فلا تترك البراز والجهاد لأعداء الله وأعداء رسوله، ولا تبخل عليه بروحك، وكلما نهاك عن البراز عاوده ليأذن لك في البراز لتحظى بالسعادة الأبدية.

فقام القاسم من ساعته وأتى إلى الحسين عليه السلام، وعرض ما كتبه أبوه الحسن عليه السلام على عمه الحسين عليهما السلام، فلما قرأ الحسين عليه السلام العوذة، بكى بكاء شديدا ونادى بالويل والثبور وتنفس الصعداء، وقال: يا بن الأخ، هذه الوصية لك من أبيك، وعندي وصية أخرى منه لك ولا بد من إنفاذها.

فأمسك الحسين عليه السلام بيد القاسم وأدخله الخيمة وطلب عونا وعباسا، وقال لأم القاسم عليه السلام: أليس للقاسم ثياب جدد؟ قالت: لا. فقال لأخته زينب: ائتيني بالصندوق. فأتت به إليه، ووضعه بين يديه، ففتحه وأخرج منه قباء الحسن عليه السلام، وألبسه للقاسم، ولف على رأسه عمامة الحسن عليه السلام، وأمسك بيد ابنته التي كانت مسماة للقاسم عليه السلام فعقد له عليها، وأفرد لهما خيمة، وأخذ بيد البنت ووضعها بيد القاسم وخرج عنهما.

فعاد القاسم ينظر إلى ابنة عمه ويبكي، إلى أن سمع الأعداء يقولون: هل من مبارز؟ فرمى بيد زوجته وأراد الخروج من الخيمة، فجذبت ذيل القاسم ومانعته من الخروج وهي تقول له: ما يخطر ببالك؟ وما الذي تريد أن تفعله؟ قال لها: أريد ملاقاة الأعداء فإنهم يطلبون البراز، وإني إلى الميدان عازم وإلى دفع الأعداء جازم. فلزمته الزوجة، فقال لها: خلي ذيلي فإن عرسنا أخرناه إلى الآخرة. فصاحت وناحت وأنت من قلب حزين، ودموعها جارية على خديها، وهي تقول: يا قاسم، أنت تقول إن عرسنا أخرناه إلى الآخرة، وفي القيامة بأي شيء أعرفك؟ وفي أي مكان أراك؟ فأمسك القاسم كمه وضرب على ردنه فقطعها، وقال: يا بنت العم، اعرفيني بهذه الردن المقطوعة. فانفجع أهل البيت بالبكاء لفعل القاسم، وبكوا بكاء شديدا، ونادوا بالويل والثبور.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد 

قال الراوي: فلما رأى الحسين عليه السلام أن القاسم يريد البراز، قال له: يا ولدي، أتمشي برجلك إلى الموت؟ قال: وكيف يا عم وأنت بين الأعداء وحيد فريد لم تجد محاميا ولا صديقا؟ روحي لروحك الفداء، ونفسي لنفسك الوقاء. ثم إن الحسين عليه السلام شق أزياق القاسم، وقطع عمامته نصفين، ثم أدلاها على وجهه، ثم ألبسه ثيابه بصورة الكفن، وشد سيفه بوسط القاسم وأرسله إلى المعركة.. انتهى ما في مدينة المعاجز.

وقد صار موضوع عرس القاسم وزواجه محلا للنقاش والجدال بين الكتاب والخطباء أكثر مما يستحقه، مع أنه لا يترتب عليه أثر شرعي عملي -بحسب الظاهر- إلا فيما لو نقله أحد جازما به مع عدم ثبوت الكلام عن المعصوم، فإنه قد يدخل في باب الكذب عليه.

ويظهر أن المعركة الأكبر كانت بغير اللغة العربية كما هو واضح من تتبع أسماء الكتب المؤلفة في تأييد وقوع العرس وفي نفيه، فالنصيب الأكبر هو باللغة الأردية، تليها الفارسية، وأقلها اللغة العربية.

وقد تعرض للنفي المحقق السيد المقرم في المقتل فقال: كل ما يذكر في عرس القاسم غير صحيح لعدم بلوغه سن الزواج، ولم يرد به نص صحيح من المؤرخين. والشيخ فخر الدين الطريحي عظيم القدر جليل في العلم، فلا يمكن لأحد أن يتصور في حقه هذه الخرافة، فثبوتها في كتابه المنتخب (والمعروف بالفخري) مدسوسة في الكتاب، وسيحاكم الطريحي واضعها في كتابه!

كما أن الدكتور الشيخ الوائلي رأى أن الحادثة لا تخلو من إشكالات مختلفة فقال: إن الرواية في موضوع الزواج غير معتبرة، يضاف لذلك أن مسألة الزواج يمكن تصورها على نحوين: النحو الأول هو الزواج بمعنى الدخول، فهذا أركانه غير متوفرة فالقاسم صغير لم يبلغ الحلم يومئذ، والمرأة المروي أنه تزوج بها كانت ذات بعل يوم الطف، والجو الذي كان فيه أهل البيت ليس جو زواج أو فرح. وأما النحو الثاني فهو بمعنى العقد، أي أن الحسين قد عقد للقاسم على إحدى بناته، فيمكن أن يرد هنا سؤال وهو: ما هي الغاية من ذلك؟ والإمام عليه السلام يعلم أن القاسم سيقتل بعد ساعة! بالإضافة إلى إشكالات أخرى (1).

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

أقول:

جريان الحادثة بالنحو الذي مر ذكره في نص الفخري، والذي نقله عنه في مدينة المعاجز، أمر بعيد جدا؛ فالمعروف عن عمر القاسم بن الحسن يوم كربلاء أنه لم يبلغ الحلم، أي لم يصل إلى سن الخامسة عشرة، بينما استشهد الإمام الحسن عليه السلام قبل حادثة كربلاء بإحدى عشرة سنة. فلا يحتمل -بحسب الأوضاع العادية- أن يكون الإمام قد أوصى ولده القاسم وحدثه بكل ذلك الحديث وهو في الثالثة من العمر، وأنه قد استوعب ذلك وطوال هذه المدة كان ناسيا للموضوع وللعوذة حتى إذا حصل أمر كربلاء تذكر كل تلك الأمور فانحلت المشكلة! أو أن الحسين عليه السلام كان أيضا غافلا عن وصية الزواج حتى إذا تذكر القاسم أمر العوذة وذكر الحسين بها، تذكر الحسين الوصية الأخرى! خصوصا إذا تم ما نقل من أن الحسين عليه السلام قد أخبر أصحابه بمصارعهم ليلة العاشر، ومن ضمن من أخبرهم كان القاسم أيضا.

وكذا في قول الحسين عليه السلام له -بناء على ما سبق- إنه يريده أن يبقى له ليتسلى به؛ فهل كان الحسين باقيا حتى يتسلى به، أم أنه سيستشهد بعد قليل؟

ثم الطريقة التي دار فيها الحوار بين القاسم وزوجته، فهي في البداية لا تريده أن يخرج وإنما تريد العرس والزواج، بينما المعروف عنها أن الغالب عليها الاستغراق مع الله. وقد أضافت بعض المصادر كلمة (فلا تصلح لرجل)، فلو ثبتت؛ فهل تلك التي لا تصلح لرجل تمنع القاسم عن نصرة الإمام في ذلك اليوم العصيب بدعوى أنها تريد الزواج؟

وكيفية المعرفة في يوم القيامة والآخرة.. هل طريقها الردن (وهو طرف الكم) المقطوع؟ (2)

الهوامش والمصادر:

(1) تجاربي مع المنبر - ص 130.

(2) من قضايا النهضة الحسينية (أسئلة وحوارات): الجزء الأول.

  • نقلاً عن مركز الإشعاع الإسلامي
مواضيع مختارة