كيف تدمر التربية الاستهلاكية مجتمعاتنا؟

آية الله السيد منير الخباز
زيارات:211
مشاركة
A+ A A-

بسم الله الرحمن الرحيم: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}.

هناك فرق بين شخصين في هذه الحياة: شخص دخل الحياة وهو يسأل: ماذا أستفيد؟ وشخص دخل الحياة وهو يسأل: ماذا أُعطي؟ وماذا أُقدم؟ هل قيمة الإنسان بما يأخذ أم بما يمنح ويُعطي؟ وما هو المحقق للتوازن بين الأخذ والعطاء؟ في هذه المحاضرة التي تدور حول الأخذ والعطاء، سنطرح مجموعة من الأسئلة لنجيب عنها.

السؤال الأول: هناك شخصيتان في كل مجتمع، شخصية الـ "أنا"، وشخصية الـ "نحن". فكل إنسان يجب أن يسأل نفسه: هل أنا أتمحور وأتمركّز حول الـ "أنا"؟ أو أتمركّز حول الـ "نحن"؟ ما هي شخصيتي؟

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

سمات شخصية الـ "أنا" وشخصية الـ "نحن"

هناك فرق شاسع بين الشخصيتين. شخصية الـ "أنا" ترى الآخرين منافسين، لا شركاء. ترى أن النجاح يتحقق بالتفوق على الآخرين، لا بالبناء معهم. تحكمها عقلية الندرة، وتظن أنها عقلية نادرة متميزة على الكل. هذه الشخصية ترى الحياة كعكة تريد أن تنقض عليها وتأخذ منها ما تستطيع؛ سواءً كانت هذه كعكة مناصب، أو ثروات، أو أضواء وإعلام، أو احتكاراً تجارياً ومعرفياً. مبدأها: الحياة كعكة، خذ منها ما تستطيع! هذه الشخصية تكرّس الشره والتنافس لتأخذ أكبر مقدار ممكن. وهي التي يذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ}، أي أنتم مشغولون بالتنافس والتكاثر؛ كيف أنمو؟ كيف أتكاثر؟ كيف أمتلك أكبر شيء ممكن؟ ويقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}.

أما شخصية الـ "نحن"، فهي التي تركّز على الفريق، على الجماعة لا على الذات، على من معي، وعلى مجتمعي. سمات هذه الشخصية أنها لا ترى الآخرين منافسين، بل تراهم امتداداً للذات، وشركاء فيها. لا ترى أن النجاح يكون بالتفوق والهيمنة، بل بالنتاج وبالأثر. شخصية الـ "نحن" تفكر دائماً في الهم الاجتماعي وفي الخط العام، وهي المصداق لقوله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، والمصداق لقول الرسول محمد صلى الله عليه وآله: "خير الناس من نفع الناس"، و"الخلق كلهم عيال الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله".

عليك أن تدرس نفسك: هل أنت مع الـ "أنا"؟ أو أنت مع الـ "نحن"؟ أنت أخبر بسماتك وطباعك؛ هل ترى الحياة تنافساً؟ أم تراها بناءً وتعاوناً؟

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

مناشئ الأنانية ودوافعها الطبيعية

نأتي إلى السؤال الثاني: ما هو منشأ شخصية الـ "أنا"؟ وما هو منشأ شخصية الـ "نحن"؟ من أين تُصاب بمرض اسمه الـ "أنا"؟

هناك عدة دوافع تبني شخصية الـ "أنا"، منها:

خوف النقص؛ فالإنسان دائماً يخاف أن ينقص مقداره أو تنقص سمعته.

حب التميز؛ يحب أن يكون إنساناً متميزاً ومتفوقاً.

الحاجة إلى الاعتراف والتقدير والاهتمام.

هذه الدوافع الثلاثة لا يحاربها الدين لأنها دوافع طبيعية موجودة عند كثير من الناس. ولماذا هي طبيعية؟ لأن أقوى غريزة وُلد عليها الإنسان هي غريزة حب الذات، ولا يمكن للإنسان أن يتحرر منها أو ينفك عنها. هذه الغريزة هي التي تجلب لك المنافع وتدفع عنك الأضرار. أيضاً، من الحاجات الأولية في "هرم ماسلو" الحاجة إلى الحب والتقدير. الإنسان بطبعه يحتاج إلى أن يُحب، وإلى أن تُقدَّر جهوده. الدين لا يقاوم هذه الدوافع، إنما يقول: المهم أن لا تتقوقع في ذاتك. من الطبيعي أن تحب ذاتك، لكن المهم في السلوك أن لا يكون نحو تضخيم الذات، بل نحو البناء الفعال.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

التربية الاستهلاكية والأنانية غير المهذبة

المشكلة تكمن في دافعين آخرين: الأنانية غير المهذبة، والتربية الاستهلاكية. الأنانية غير المهذبة تظهر حين يولد طفل وعنده حب لذاته مفرط، دائماً يتعارك مع إخوانه ويحب أن تكون بيده الأمور. هنا، يجب على الأبوين أن يتفرغا لتهذيب هذا الطبع كي لا تكون الأنانية مفرطة عنده.

أما التربية الاستهلاكية، فتحدث حين يولد الطفل بلا مشكلة، لكنه يُربى في الأسرة على أن يكون مستهلكاً لا معطياً، آخذاً لا باذلاً. يُربى على أن يتكل دائماً على الأبوين، ليرتاح وتتوفر له كل الخدمات ليكون الطفل المتميز. هذه تربية خطرة، لأن هذا الطفل إذا كبر سيصبح إنساناً أنانياً بامتياز، لا يفكر إلا في نفسه، وسيكون عبئاً على أسرته قبل مجتمعه، لأنه رُبي على أن يكون "هو هو" وليس غيره. ومن هنا ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: "رحم الله أبوين أعانا ولدهما على برهما، ولعن الله أبوين حملا ولدهما على عقوقهما". أنت الذي تربي ولدك ليكون ناجحاً وباراً بك، وأنت الذي تربيه ليكون أنانياً، فيكون أول من يجحدك ويستنكر جهودك لأنه رُبي على الاستهلاك لا على العطاء.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

خلفيات العطاء ومستوياته

عندما نأتي لشخصية الـ "نحن"، كل واحد منا سيدعي قائلاً: "أنا لا أعيش شخصية الـ أنا، أنا أتمحور حول الـ نحن". لنسأل إذن عن مناشئ وصور شخصية الـ "نحن"، وما هي خلفيات ومستويات العطاء؟

الصورة الأولى: أن يكون العطاء جبلّة وطبعاً، كحاتم الطائي الذي كان كريماً بطبعه لا يقبض بيده شيئاً. هذه جبلة جيدة، لكن الطبع وحده لا يبني مجتمعاً ولا يؤسس حضارة، لأنه قد يتغير ويتلوث بالمصالح والضغوط، فيتحول الكريم إلى بخيل.

الصورة الثانية: أن يكون العطاء متضمناً للأخذ. كيف ذلك؟

الدافع الأول في هذه الصورة هو الراحة النفسية. كثير منا بمجرد أن يُنفق يشعر براحة واستقرار نفسي. الدين لا يمنع من هذه اللذة الروحية كأثر للعطاء، لكن المهم أن لا تكون هذه اللذة هي الهدف والمحرك الأساسي.

الدافع الثاني هو السمعة وحب الظهور، كأن يطلب المتبرع إعلان اسمه ومبلغه على المنبر. الدين لا يمنع ظهور الاسم إذا كان مشجعاً ومحفزاً للآخرين، لكن لا ينبغي أن يكون الهدف الأساسي، وإلا شمله حديث الرسول صلى الله عليه وآله: "ينادى المرائي يوم القيامة: يا غادر، يا فاجر، يا مرائي، ضل سعيك وبطل أجرك".

الدافع الثالث هو طلب الأجر والمثوبة من الله. هذا دافع عظيم ومقدس لأنه يحرر الشخصية الإنسانية من الدوافع الفردانية، ويكرسه القرآن في قوله تعالى: {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}.

الصورة الثالثة: أن يكون العطاء خصلة أخلاقية يتربى عليها الإنسان، وهي منقبة مدحها القرآن: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ}.

الصورة الرابعة وهي الأهم: أن يكون العطاء مسؤولية تضامنية. إذا كنت تشعر أن العطاء مسؤولية اجتماعية، فأنت تعيش أرقى درجات "العطاء الواعي" الذي يبني المجتمعات. وأوضح الأمثلة على ذلك هما الوالدان. لا يوجد من يقدم عطاءً بلا حدود مجانياً كالأم التي وهبت جسدها وطاقتها وليلها ليكبر ولدها، ولذلك كرر الرسول الإيصاء بها ثلاثاً قبل الأب. والمثال الآخر هم المعلمون والعلماء العاملون المخلصون الذين يبتكرون لنفع البشرية، لا لأجل أسمائهم. القرآن يقول: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} والخير هو العطاء، ويقول: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

محفزات العطاء واكتشاف المواهب

السؤال الثالث: ما هي المحفزات التي تنقلني من الأنانية لأكون إنساناً معطاءً؟

المحفز الأول هو البيئة والعقل الجمعي. إذا عشت في أسرة أو مجتمع معطاء ستكون كذلك، والعكس صحيح. ولذا يوجهنا القرآن لبناء عقل جمعي محفز: {وَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}.

المحفز الثاني هو طلب الثواب الإلهي المضاعف، كما في قوله تعالى: {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ...}.

المحفز الثالث، وهو الذي يمسك بشكل مباشر: اكتشاف المواهب والطاقات. أضرب لكم مثالاً بـ "آدم ريفكين"، الذي اعتبرته المجلات صاحب أفضل شبكة علاقات في وادي السيليكون، لا لماله، بل لفلسفته الفريدة بتأسيس "شبكة رواد الأعمال". هذه الشبكة تضم تجاراً ومهندسين ورواد أعمال يهدفون للتدريب والتوجيه وتطوير المشاريع الناشئة عبر خدمة أسماها "خدمة الخمس دقائق"؛ حيث يقدم كل فرد معلومة أو نصيحة مجانية في خمس دقائق. نجحت هذه الشبكة باهراً، وأثبتت أن العطاء الواعي يبني المجتمعات أفضل من الرأسمالية المتوحشة والشره الأناني.

من هذا المثال أطالب الشباب، وهم رصيد المستقبل الذين قال فيهم تعالى: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}: ما الذي يمنعكم من تأسيس مؤسسة خيرية شبابية خالصة كشبكة لرواد الأعمال، هدفها التوجيه والتدريب والبحث عن وظائف لتطوير أوضاع جاليتكم؟ مؤسسة لا تنتمي لأي مركز أو نادٍ. عندما تؤسسون ذلك ستكتشفون طاقات ومواهب لا حصر لها، وستتلقون دعماً سخياً من المجتمع. المجتمع الواعي ليس فقط من يتبرع للمسجد أو المأتم أو الفقير، بل هو الذي يكتشف طاقات أبنائه ويفتح أمامها الآفاق.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

دعائم العطاء الناجح

السؤال الرابع: ما هي دعائم العطاء الناجح؟

أولاً: العفو وتجاوز الجراح. كم من مشاريع اجتماعية هدمتها الخصومات؟ مشاريعنا للأسف تبدأ بخمسة أشخاص ثم ينقسمون حتى تذبل وتموت المشاريع! العطاء الناجح يحتاج إلى الصفح: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}.

ثانياً: حمل الهم الاجتماعي. أن لا يفكر الإنسان في جيبه وبطنه ووسادته فقط من الصباح لليل. الرسول صلى الله عليه وآله يقول: "من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم".

ثالثاً: أن لا يكون العطاء إلغاءً للذات ولا احتقاراً لها، بل توسعة لها، بحيث لا تكون مستنزفاً بيد الأنانيين. العطاء يتطلب التوازن، فقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: "إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقه". وعن الإمام الكاظم عليه السلام: "اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة للمعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفون عيوبكم ويخلصون لكم، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم".

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

كيف نبني مجتمعاً معطاءً؟

السؤال الأخير: ما هي خارطة الطريق لبناء مجتمع معطاء؟ هناك عدة خطوات:

الخطوة الأولى: العطاء الصادق. كثير منا يخدم في المراكز والمآتم، لكنه يريد أن يكون هو الواجهة والصدارة، ولا يتنازل لغيره بحجة أنه الأفضل والأوعى. المهم هو نجاح المشروع وليس نجاح شخصيتك لتكون أنت البطل. أي مانع أن تكون جندياً مجهولاً وتبتغي وجه الله كما في قوله: {وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ}.

الخطوة الثانية: تربية الكوادر. هل نشرك الشباب العاملين في القرارات الأساسية والتخطيط داخل مراكزنا؟ أم نحتكر الإدارة ونعتبرهم مجرد يد منفذة؟ لن ينتقل القرار للشباب إلا إذا احتضناهم وقدمناهم في الخطوط الأمامية. ولنا في الإمام علي عليه السلام أسوة، فقد استفاد من خبرة الكبار كسلمان وعمار وأبي ذر، ولكنه قدم جيل الشباب كمالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر وأعطاهم مسؤوليات كبرى.

الخطوة الأخيرة: الإيثار والتنازل. إذا كنا مخلصين لأهدافنا سنتنازل للآخرين. الإيثار أعظم خصلة، وقد مدح القرآن الإمام علي عليه السلام لمبيته على فراش النبي فادياً إياه بنفسه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ}. ويقول تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

 تجلّي الإيثار في كربلاء

وقد تجلى الإيثار في أروع صوره يوم كربلاء، حيث تسابق أنصار الحسين عليهم السلام دونه يؤثرونه على أنفسهم. أما سمعت سعيد الحنفي يقول ليلة عاشوراء: "يا أبا عبد الله، والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا حفظنا غيبة رسول الله فيك. والله لو أقتل ثم أحيا، ثم أحرق ثم أنشر، سبعين مرة، ما تخليت عن نصرتك يا أبا عبد الله، وإنها لهي والله موتة واحدة ثم الكرامة".

وسيد الأنصار حبيب بن مظاهر الأسدي جسّد أروع مثل للفداء. كان جالساً يوماً مع زوجته أم القاسم ينتظر رسول الحسين عليه السلام. فقالت له زوجته إنها رأت في المنام السيدة فاطمة الزهراء في ثياب سوداء حولها نساء، فسلمت عليها وقبلت يدها وعرّفتها بنفسها، فقالت لها الزهراء: "يا أم القاسم، أبلغي حبيب عني السلام، وقولي له تسلم عليك فاطمة الزهراء وتقول لك: أما آن أن تخضب شيبتك؟". قال لها حبيب: عجيب! فاطمة الزهراء قالت لك هذا الكلام؟ قالت: بلى. قال: إن صدقت رؤياكِ يأتيني رسول الحسين يدعوني لنصرته في كربلاء.

ما هي إلا ساعات وطُرق الباب، وإذا بكتاب من الحسين بن علي: "من الحسين بن علي... إلى أخيه الفقيه حبيب بن مظاهر الأسدي؛ إن شئت السعادة الأبدية، والحياة السرمدية، فبادر إلى نصرتنا فإنا محاصرون بكربلاء، لا ناصر لنا ولا معين". أخذ حبيب الكتاب، قبله ووضعه على رأسه ملبياً نداءه. طلب من خادمه أن يأخذ الجواد وينتظره خارج الكوفة. ولما أبطأ حبيب، خاطب الخادم الجواد قائلاً: "أيها الجواد، لئن لم يأتِ سيدي حبيب لأعلونّ ظهرك ولأذهبنّ أنا إلى كربلاء لنصرة غريب الحسين، واحسيناه واماماه!". سمع حبيب ذلك فصعد جواده وقال للعبد: أنت حر لوجه الله. لكن العبد أبى قائلاً: "لا والله، لا تطاوعني قدمي؛ أنت تذهب إلى الجنة وأنا أرجع إلى النار؟ لا كان ذلك أبداً، خذني معك... أريد أن يختلط دمي الأسود بدم الحسين وآل الحسين. واحسيناه واماماه!".

أخذه حبيب معه وأقبل إلى كربلاء. وما حلا ذيك الشمايل يوم طب كربلاء! طلع عباس البطل وأولاد أخوي استقبلوه. مرحب بيك لشاهد، زينب تقله هلا. ووصل استبشر لبو سكنه وتناول رايته. جاه من زينب سلامه ومد معاه بالحال سال، وأقبل يسلم على الحور وعلى ذيك العيال. قال يا وسفه يا زينب تركبين على الجمال! واحسيناه!

وزع حبيب الأنصار في أماكنهم، فطلبت زينب أن تراهم أمام خيمتها. اصطف الأنصار أمامها، وقال حبيب: السلام عليكم يا مخدرات علي وفاطمة، السلام عليكم آل بيت رسول الله، السلام عليكِ يا زينب الحوراء. قالت: من أنت؟ قال: خادمكم حبيب بن مظاهر، وهؤلاء الأنصار بين يديّ. قالت: يا حبيب، أوصيك بوصية أمي فاطمة الزهراء، أوصيك بهذا الغريب أبا عبد الله! قال: حباً وطاعة.

وتسابق الأنصار نحو المعركة، وما هي إلا ساعة وإذا بهم صرعى على الثرى! الله يساعد زينب العقيلة؛ نظرت إليهم وإذا هم صرعى على الثرى؛ هذا ملقى على اليمين وذاك ملقى على الشمال، ويلي بمسكانهم معولين! هذا السهم بالفاد ثنى، وهذا بالنشاب رماه، وهذا الخيل صدره رضضّه، وهذا وذاك بالإيدين موّزع!

النص الكامل لمحاضرة سماحة آية الله السيد منير الخبّاز، قررها لموقع الأئمة الاثني عشر: حسين الخشيمي

مواضيع مختارة