لماذا لم يستخدم الإمام الحسين (ع) المُعجزة لمنع قتله؟

موقع الأئمة الاثني عشر
زيارات:641
مشاركة
A+ A A-

هذا السؤال يضعنا دائماً أمام مأزق -إن جاز التعبير- وهو بيان التوفيق بين ثبوت مقام الولاية التكوينية للمعصوم (عليه السلام) وتسلطه على عالم الإمكان بإذن الله، وبين خضوعه الظاهري لسطوة الطغاة ووقوع القتل والمصائب عليه.

ولتحقيق هذه المسألة وفق مباني مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وما عليه مشهور المحققين والمتكلمين، ينبغي تفكيك المطلب وراء حجب العاطفة، والنظر إليه من منظار الحكمة الإلهية والسنن الكونية.

حفظ نظام الاختيار وقانون الابتلاء

إن أصل الخلقة في نشأة الدنيا يبتني على كونها دار تكليف ومحل ابتلاء. ولو أن الإمام (عليه السلام) أعمل ولايته التكوينية لشل حركة القتلة، كأن يسلب شمر بن ذي الجوشن قدرته على رفع السيف أو التدخل القسري لمنعه، للزم من ذلك سلب الاختيار من الظالم، وإيقاعه في عجز تكويني يمنعه من اقتراف جريمته.

وهذا التدخل يتنافى مع أصل العدالة الإلهية التي تقتضي ترك العبد مختارا في أفعاله ليصح الثواب والعقاب، وإلا لبطل قانون الامتحان، وانتهت المسألة إلى القول بالجبر الذي أجمعت الطائفة المحقة على بطلانه في عقائدها. فالإمام تركهم في سعة من اختيارهم لتتم الحجة الإلهية عليهم بالغة.

الاطراد في السنن الحاكمة على حركة الأنبياء

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

الناظر في أمهات المصادر والنصوص القرآنية يجد أن هذا الامتناع عن إعمال القدرة ليس بدعا من الأمر، بل هو جار على سنن الله التي لا تتبدل في حركة النبوات. فالله جل جلاله لم يسلب النمرود إرادته حين أمر بجمع الحطب لحرق خليل الرحمن (عليه السلام)، بل تركه يمارس طغيانه باختياره التام، ولم يصادر حريته. وكذلك الحال مع فرعون حين طارد الكليم (عليه السلام)، ومع قتلة الأنبياء عبر التاريخ. فالولي المعصوم يواجه سنن التدافع في عالم الأسباب والمسببات كغيره من البشر، ولا تستخدم المعجزة أو الولاية لإلغاء حرية الخصم، لئلا يختل نظام دار الغرور.

التسليم المطلق والفناء في المشيئة

إن ما يفيضه الله تعالى على أوليائه من قدرات ماورائية عظيمة، كالمقام الذي أعطاه لنبيه سليمان (عليه السلام) في تسخير عالم الجن والإنس، إنما هو محكوم بضوابط الحكمة الصارمة، ولا يخرج ململة عن إرادة الحق تبارك وتعالى. المعصوم لا يتصرف بهذه المقامات لدفع أذى دنيوي عن شخصه طلبا للراحة، بل حركته وسكونه تابعان للرضا الإلهي البحت. ولو ساغ شرعا وعقلا استخدام هذه القدرات لقهر الناس وإلجائهم، لكان الأنبياء أولى بإجبار أممهم على الإيمان، ولكن الإيمان القسري لا قيمة له في ميزان السماء.

وعليه يبتني القول بأن امتناع سيد الشهداء (عليه السلام) عن إبادة قتلته تكوينيا، لم يكن لقصور في قدرته المأذونة، بل هو عين الكمال والانقياد لنظام الوجود التشريعي. لقد أفسح المجال للطغاة ليظهروا مكنون بواطنهم طوعا، لتكون شهادته بعد ذلك حجة دامغة لا لبس فيها، ومصداقا تاما لانتصار المظلوم الذي سلم أمره لله، وإسقاطا تكوينيا لكيان الباطل الذي اختار أصحابه طريق الشقاء بملء إرادتهم.

ملاحظة: المقال خاص لموقع الأئمة الاثني عشر، نجيز نسخه، لكن مع ذكر المصدر https://the12imams.net/

 

مواضيع مختارة