قال تعالى: «فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَ اتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا»
خاص لموقع الأئمة الاثني عشر: يُبيّن المفسرون والمحدثون المراد بـ "الذين أضاعوا الصلاة" في قوله تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [سورة مريم: 59] ما يلي:
- الوصف العام والمفهوم القرآني للـ (خَلَف)
الجيل الطالح بعد الأنبياء: المُراد بـ "الخَلَف" هم الأجيال اللاحقة والبدل السيئ الذي جاء بعد الأنبياء والمصلحين الصالحين (المذكورين في الآيات السابقة من ذرية آدم ونوح وإبراهيم وإسرائيل).
الفرق بين السلف والخلف: بينما كان أولئك السلف الصالح إذا تُتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً لكمال خضوعهم وخشوعهم، قام مقامهم خلفٌ سوء أضاعوا ما ورثوه من التوجه العبادي، ولم يحسنوا الخلافة، واستبدلوا الخشوع بالتهاون واتباع اللذائذ الشهوانية.
- معنى "إضاعة الصلاة"
ليس المراد تركها بالكامل من الأساس، إذ يوضح المفسرون أن ترك الشيء بالكلية من البداية لا يُسمى "إضاعة" بل عناية الآية متجهة إلى أن الدين والصلاة انتقلا إليهم ممن كان قبلهم، ففرطوا فيها وأفسدوها.
إن المُراد بالإضاعة هو التهاون بها والاستهانة بحرمتها، وتغيير حدودها، وتأخيرها عن أوقاتها الشريفة؛ فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى {أَضَاعُوا الصَّلاةَ}: «أضاعوها بتأخيرها عن مواقيتها من غير أن تركوها أصلاً».
- المصاديق التاريخية والروائية
الأمم السابقة: تشمل الآية الأجيال المنحرفة من اليهود والنصارى وغيرهم ممن نبذوا عهد الله وشرائعه وراء ظهورهم، واتبعوا الشهوات المادية.
ورد في الحديث الشريف عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه تلا هذه الآية ثم قال: «يكون خلفٌ من بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً، ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة: مؤمن ومنافق وفاجر».
ويذكر صاحب تفسير التفسير الأمثل أنه إذا أُخذت الهجرة النبوية مبدأً للحساب، فإن عام 60 هجرية ينطبق تماماً على العصر الذي نزت فيه الشجرة الملعونة على الحكم (بتولي يزيد بن معاوية واستشهاد الإمام الحسين عليه السلام)، وتشير الآية والحديث إلى حكام وبقايا بني أمية وبني العباس الذين قنعوا بظاهر الاسم واشتغلوا بالشهوات والمظالم.
كما أوردت الروايات الشريفة في بيان أشراط الساعة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «من أشراط الساعة إضاعة الصلاة، واتباع الشهوات، والميل إلى الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا».