فكر وثقافة
الى من يهمه الأمر.. هذا ما تحتاجه الشعوب الإسلامية!

في صدد الصراع الدائر بين الشعوب الاسلامية والغربية وهذا الكم الهائل مما قيل او يقال عن سبل الارتقاء المفروض على الشعوب الاسلامية إتباعها كونها الطرف الفاقد لما حققه الغرب من حضارة وتطور, سواء أكانت تلك الحضارة مكتملة الجوانب وأن الاقتداء ضروري بذاته وعلى كل الاصعدة كما يرى البعض أو أن يطعن بحضارة الغرب في جانبها الروحي, وان التراث الاسلامي قادر إذا ما فعّلنا ثوابته ومعطياته على خلق حضارة بديلة تدفع عن الشعوب الاسلامية غائلة التخلف الذي تعيشه كما يرى بعض آخر ..   

في هذا الصدد, أظن أن هناك نقطة مهمة للغاية وهي الانسان العادي .. العنصر المنفعل بفعل التنظير الفلسفي والخالق الحقيقي لما يؤسس له ذلك التنظير في الواقع .. فالحضارة الغربية التي اعتمدت في نهضتها من سبات الكنيسة المنحرفة على تنظيرات جون لوك في العلمانية وبيكون في العلم ومارتن لوثر  في الاصلاح الديني ووووو .. كان يمكن أن يكون ذلك التنظير حبرا على ورق لولا الانسان العادي الذي أخرج هذه الافكار الى حيز التطبيق وجعلها شيئا ملموسا, وكان ذلك الانسان بتحولاته الايجابية على الصعيد العلمي والاجتماعي شاهدا على جدوى ذلك التنظير وصحته.

وهنا اثير النقطة التي اراها المفصل الاساس في الموضوع وهي ان الحداثة الغربية حين اعتبرت مسألة النزول من الله الى الانسان واستبدال الجنة الميتافيزيقية  بالأرض الملموسة  كمسرح ممكن لتحقيق السعادة .. حين اعتبرت تلك المسألة, القضيةَ الام في متبناها الفكري فقد جعلت الانسان الغربي في حالة يمكن أن ينطبق عليه القول الشائع ( البحر من ورائكم ) فكانت الحياة الدنيا هي المدار الاوحد لا يعوِّل على غير استصلاحها في سبيل سعادته التي انحصرت ـ في منظوره ـ  براحته ومتعته,  فراح بذلك يتفانى في العمل ويحترم النظام الى غير ذلك من عوامل الرقي الحضاري, ولكون الفكر المعتمد هو فكر مادي  فقد استغنى عن أية ثقافة روحية واعتمد على الالية المادية لدفع الانسان للالتزام بخطه والاندفاع في تحقيق غاياته, فنتيجة للتطور التكنولوجي الذي شمل كل مظاهر الحياة والأنظمة الاقتصادية المعمول بها, إنساق الانسان الغربي في تحقيق ما أكتسب من خلاله الصفة الحضارية وعاد عليه بقيم اخلاقية صحيحة, وهذا لا يعني أن نغفل الفردوس الروحي المفقود لدى الغرب والذي شكل عاملا في ضمور العنصر الروحي المكوِّن الهام في النوع الانساني, وتدهور يوشك ان يكون انفلاتا في الثوابت الاخلاقية, ونسبة الجريمة والانحراف .

 فيما اعتمدت الرسالة الاسلامية الخالصة من أي انحراف في مشروعها الاصلاحي الشامل على الانشداد الى الله في مطلقيته  واعتبار الانسان خليفة له وبالتالي فإن الحضارة التي بشّرت بها تلك الرسالة تنتج من تفاعل المادة والروح, فينهل الانسان من الله, غير الفاقد لأي عنصر من عناصر الكمال, ما يبني به حياته على الارض بعد ان اعتبر الاسلام عمارة الارض من قبل الانسان جزءا مهما في مهمته إزاء الله إضافة الى عمله للآخرة ، بل انه لم يفرق بين هذه وتلك, وجعل عمارة الارض ـ بما رسمه من ملامح حقيقية للإعمارـ أساسا للفوز بالآخرة وذلك لغنى الله المطلق عن الانسان وكل ما يتعلق به, فالوصول الى الجنة الميتافيزيقية في الاسلام وقف على سعي الانسان في خلقه الجنة على الارض.

ولما كانت النظرية بهذا المحتوى الروحي والغيبي كان التطبيق بحاجة الى جهود كبيرة في نشر الثقافة الروحية,  واعتماد الوعظ والإرشاد,  لدفع الانسان الى الالتزام بخطها وتحقيق غاياتها من خلال التأكيد على هذه المرتكز الاساس, والى حتمية المزاوجة بين موروثه العبادي  ووجوده  المادي.

وعليه فإن النهوض بواقع الشعوب الاسلامية ـ كما اعتقد ـ بحاجة ماسة الى نهضة حقيقية في الاجهزة الإعلامية ذات الخطاب المباشر مع الناس. تعمل على رسم النموذج الاسلامي الحقيقي ببث الوعي المطلوب بمتانة العلاقة بين ما هو ديني ومدني, فضرب اشارة المرور والتلكؤ  في العمل محرم كحرمة تبرج المرأة, والدين الاسلامي يجعل من الفعل العبادي كالصلاة محركا فعالا للإنسان ـ حين تنهى الانسان عن الفحشاء والمنكر ـ في تقويمه كلبنة أساسية يقوم عليها المجتمع .

 

2017/12/03

الفن والإسلام..  الحلقة الثانية:  "الفن والأخلاق" 

الاشكالية هنا قبل ان تكون مع الدين, هي اشكالية تناولها الكثيرون من المهتمين لقضايا الانسان, وتتجلى في التساؤل الشائع ( هل الفن للفن ام الفن للمجتمع؟) واذا ما فسر البعض هذا التساؤل بمستوى الخطاب الفني أي ان التعبير الفني يوجه للنخبة المدركة لماهية الفن ودلالاته ام انه ينزل الى مدركات الانسان العادي؟!

فإننا ـ رغم هذا ـ لانعدم تفسيرا تناوله المفكرون, يتعلق فيما إذا كان الفن أداة في خدمة المجتمع ام انه نشاط ينغلق على دوره في تفعيل الجمال وتوظيفه بمعزل عن اية جنبة اخرى؟

ان المنظومة التشريعية الاسلامية تعنى بشكل اساس بالفرد والمجتمع وتحصينهما وعليه فهي تتبنى الاتجاه الداعي الى خدمة المجتمع بالفن, ولاشك أن مسالة الانتصار للموقف الاسلامي بمتبناه ومحاولة البرهنة والقطع بصحة ذلك الموقف وغلبته على الطرف الخصم, يستدعي الخوض في مواضيع عدة وحسمها مثل فلسفة الاخلاق والقيم والاجتماع وغير ذلك, وهذا ما لامجال للخوض فيه ولكنني أنوّه الى نقاط هي:

 

أـ بعد أن انقسمت الآراء حول ارتباط الفن بالأخلاق الى اتجاهين لكل منهما استدلالاته ومرتكزاته الفكرية فلن يكون من الصحيح أن نعدّ الموقف الاسلامي, وقد تبنى احد ذلكما الاتجاهين, بأنه موقف متزمت  ومعيق للنشاط الفني وتفعيله للمنحى الجمالي.    

ب ـ عمليتا ممارسة العمل الفني وتلقيه ترتبط بشكل كبير بفلسفة اللذة والالم, فالموقف الاسلامي فيها هو مماشاة لخط في تلك الفلسفة كالذي تبنته المدرسة الابيقورية, رغم موقفها المتزمت من الاديان, في ضرورة تقنين اللذة وتشذيبها للحصول على المزيد من اللذة.   

ج ـ الفن هو واحد من مكونات الحضارة, وهو دافع وانعكاس في الوقت نفسه للنمط الحضاري الذي يتخذه المجتمع, وبالتالي فإن الفن المحايد للقيم الاخلاقية والدور الاجتماعي ينتعش في المجتمع المنحل اخلاقيا, كما هو الحال في الحضارة الرومانية التي شهدت حالة من الترف والبذخ أدت بها الى الانحلال الاخلاقي وبالتالي سقوطها, وهذا عين ما بيّنه ابن خلدون في تفسيره لسقوط الحضارات. وعلى ذلك يكون استلهام الغرب في عصر النهضة للفن الاغريقي بمضامينه اللا اخلاقية سبب في انبعاث المناخ المنحل اخلاقيا في اوربا ليكون بعد ذلك سببا في كل المشاكل الصحية والاجتماعية التي نتجت عن الاباحية والانحلال الخلقي, فيمكننا بهذا القول بأن فن الجسد العاري هو عامل حقيقي في ما يعانيه الانسان الاوربي من مرض الايدز مثلا.

د ـ الممارسة الفنية في حد ذاتها لم يمسها الدين بل عمل على تقنين تبعاتها على الصعيد, فالشعر الذي هو من ألصق الانواع الفنية بعصر التشريع, فتركت الشريعة الشاعر وما يريده من اسلوب للتعبير عن لواعج النفس وصولا الى الحب بل حتى الخمر والقبلة ولكن في محتوى من السمو الروحي ومن دون الهبوط الى الابتذال والانحلال واشعار الشريف الرضي شاهد على ذلك, كما منع القصيدة التي تتماشى مع الروح الجاهلية في الثأر والتباغض واثارة الفتن, وهذا بدوره ينجر الى الفنون التشكيلية والدرامية.

هـ ـ التأثير الملحوظ من الفن على الفنان في سلوكه, حيث ينسحب المحتوى الفنى المنغلق على القيمة الجمالية من دون الاخذ بالدور الاجتماعي والقيم الاخلاقية الى سلوك الفنان نفسه, وهذا ما أدى في الواقع الى شيوع حالة من العبثية والبوهيمية ومفارقة الواقع انطلاقا من قناعة في ان هذا السلوك هو جزء من ماهية الفنان نفسه.

وللحديث بقية في الحلقات القادمة..

يتبع...      

 

2017/11/23

الفن والإسلام..  الحلقة الأولى:  "الواقع الفكري"

الفن هو النتاج الروحي للإنسان والذي من خلاله يقوم الانسان بتحويل مفردات الواقع الحياتي الى أطر جمالية تحوي افكاره ورؤاه  وانطباعاته, فالمرأة في الواقع غير التي في قصائد نزار قباني، والخيول الموجودة في المزرعة غير الموجودة في لوحات فائق حسن والانسان الذي تناوله ديستويفسكي في كتاباته يختلف عن الانسان الملموس. ولما كان الاسلام هو الرسالة الالهية التي تشمل, من خلال منظومتها التشريعية, الحياة الانسانية في أدق تفاصيلها, كان ثمة مساسٍ وثيقٍ يربط الفن بالإسلام, وكان ذلك المساس أشد ما يبرز في محورين هما: 

1ـ الفن والواقع فكري      

يعدّ الفن بتفاعله مع الواقع الخارجي واحدا من اوجه النشاط الفكري للانسان, وعليه فإنه والفكر الانساني متحدان في مسارهما التاريخي وتأثرهما المشترك بالعوامل التاريخية الصانعة للمرحلة التاريخية, فالاتجاه او المدرسة الفنية هي انعكاس لما يصير اليه الواقع الفكري المتشكل من طبيعة المرحلة التاريخية.

ويتبيّن ذلك من المسار التاريخي للإنسان والذي يبدأ من واقعه البدائي المفتقر الى ابسط وسائل المعرفة والاكتشاف، فانتج فكرا وثنيا متقوما بالقوى الخارقة والاسطورة كما انتج ذلك الفكر فناً هو عبارة عن تفاعل الروح مع فكرة القوى الخارقة وكان ذلك الفن عبارة عن محاولة لبث الطمأنينة في الانسان واقتلاع خوفه الناجم من جهله وعجزه امام قوى الطبيعة حيث رسم الحيوانات المفترسة وغيرها على جدران الكهوف ومارس الرقص وكتابات الاساطير والملاحم، وكل ذلك لا ينفك عن كونه طقوسا دينية.

وفي فترة الحضارة الاغريقية بما شهدته من نهوض  فكري كبير تميّز بنقطة هامة وهي انفكاك انشطة الانسان المختلفة كالفكر والاخلاق والفن عن الغاية والغرض حتى ظهر بفعل ذلك مفهوم الفن للفن, وفي فترة الكنيسة الاوربية جيّر النشاط الفني لخدمة المسيحية والكنيسة, وحين جاء عصر النهضة بسمته الفكرية الاساسية وهي الحركة الانسية والاهتمام بالإنسان ذاتا, تحولت المدارس الفنية حينها الى ما ينسجم وذلك الواقع الفكري فظهرت الرومانسية والرومانتيكية وغيرها.

بمعنى ان المرحلتين الوثنية والكنسية قد جعلتا الفن في خدمة الدين, والاغريق والاوربيون في عصر النهضة جعلوه خاضعا لمشيئة الانسان. وصولا الى, ما بعد الحداثة, النمط الفكري الذي يشهده وقتنا الراهن وما يتميز به من تغليب اللاوعي وتعدد القراءات. حيث يطالعنا النتاج الفني المتميز بهذه المميزات, بالإضافة الى التطور التكنلوجي الحالي سيما على صعيد الحاسوب والبرامجيات والذي اظهر ما يسمى بالادب الرقمي

فيما تشكل المنظومة الاسلامية واقعا مغايرا بتعاليها على المسار التاريخي من خلال ارتباطها بالمطلق, فالفكر الذي يمثل الاسلام هو فكر ثابت مطلق لا تنتجه ارهاصات المراحل التاريخية باختلاف انماطها.

وعليه فان الفن الناتج عنه هو فن متعال على تلك الارهاصات, فلا يمكن للفن الاسلامي ان يكون عملية استجابة لجهل الانسان وخوفه من قوى الطبيعة كما لا يمكن له ان ينسجم مع مدارس فنية كالعبثية والدادائية وعموم هذا الاتجاه الناتج كردة فعل من المجتمع الانساني إزاء كارثية الحربين العالميتين.

وهذا بدوره هو ما يخلق واحدا من اهم دواعي الصدام الكائن بين الاسلام والفن الانساني. كما وان الفن لما يعتمده, في نضجه وقوة تأثيره, على مكامن الخلل والالم وحالة الصراع بين نقيضين, فإنه لا يتلاءم مع الاسلام الذي يجسد حالة المثال او اليوتيوبيا, فالفن رائع في تجسيد الالم وتصويره والاسلام عظيم في القضاء على ذلك الالم.        

وللحديث بقية في الحلقات القادمة..

يتبع...      

 

2017/11/19

النهضة الاوربية والنهضة العربية 

المنجز النهضوي الاوربي الذي نقل أوربا من عصر الظلمات الى سيادة العالم, تقوّم بشكل أساس على مسألة فصل الدين عن الدولة وحجب السلطة الدينية عن انشطة ‏الانسان على صعيد المعرفة والسلوك وإبدالها بالدولة العلمانية الحديثة, وهذا ما حدا بالنهضويين العرب, ومنذ الاحتكاك الاول للدول العربية, المنغلقة على اسلامها وماجرته عليها الامبراطورية العثمانية من حالة تخلف هائل, بالحضارة الغربية, وأعني بذلك دخول نابليون الى مصر.

سعى هؤلاء النهضويون بصنفيهم, الداعي الى إدخال الحداثة على الدين الاسلامي بدءاً بمحمد عبده والكواكبي ووصولا الى نصر ابو زيد والجابري وغيرهم أو إلغاء الوجود الديني برمته كما هو الحال عند صادق جلال العظم وغيره, ومن خلف هؤلاء المنظرين تأتي الحشود المتبرمة من واقعنا الراهن والمغرمة بالتجربة الاوربية وعلمانيتها ليصطفوا جميعا وبكل ثقة خلف فكرة يؤكدون صلاحيتها وهو ان النهضة العربية رهن بتطبيق الحداثة الاوربية والعلمانية.

لهؤلاء جميعا اقول:

1- من المحال للفكر المجرد ان يتجاوز العوامل المادية التاريخية للمجتمع ويكون مؤثرا فيه, بل ان الفكر المجرد الذي ينتجه المجتمع ناشئ عن العوامل المادية, فأوروبا احتاجت الى الف عام كي تجتمع فيها العوامل التالية:

الكنيسة تفقد سلطتها

اـ وصول الطغيان الكنسي الى ذروته وفقدان الكنيسة سلطتها الروحية, جراء فضائحها, في نفوس الجماهير المسيحية المؤمنة, ومن ثم فقدانهم الثقة بمقرراتها المعرفية وهذا ما حتّم النهوض العلمي والفكري وفي هذه المرحلة دون غيرها, فغاليلو بفكرة دوران الارض وعدم مركزيتها لم يكن من الممكن ان يظهر بمنجزه العلمي في القرن الثامن مثلا حيث كانت الكنيسة آنذاك تتمتع بمصداقية عند الشعوب الاوربية ويثقون بان ما تقوله هو الحقيقة, بمعنى ان غاليلو لو لم يفقد الثقة بالكنيسة لم يبحث عن الحقيقة في المجال العلمي. 

العلم لا الكينسة!

ب ـ رغبة الملوك الاوربيين بالتخلص من سلطة الكنيسة القاهرة, اضافة الى ما مدتهم به الحركة العلمية من دعم وقوة فحركة الملاحة والاستكشافات اضافة الى تطور الالة بما فيها السلاح الفتاك كل هذا دفع الملوك الى دعم الحركة العلمية والفكرية المتملصة من سلطة الكنيسة.

ج ـ التطور الاقتصادي والازدهار الذي عاشته اوروبا من جراء تطور الملاحة حيث ازدهرت التجارة اضافة الى المستكشفات الجغرافية مثل قارة امريكا, فالأوروبي حين كان يعيش مزارعا فقيرا اندفع نحو الحلم الوردي الذي ترسمه الكنيسة فيما بعد الموت, اما حين انتقل للعمل في الموانئ البحرية وتحسن مستواه صار يصغي الى مقررات العلم التي من شأنها تطور الية العمل التي بدورها تحسن من مستواه 

ومع مقارنة واقعنا العربي المعاصر فيما بعد سقوط الدولة العثمانية مع اوروبا ضمن هذه العوامل نجد ما يلي:

اـ ان المراكز الدينية الاسلامية متمثلة ـ مثلا ـ بالأزهر الشريف لدى السنة والحوزة العلمية في النجف لدى الشيعة لم تمارس سلطة دنيوية تتغلغل بكل تفاصيل الحياة اليومية للمسلم ولم تمثل وجودا سياسيا محميا بفيالق من الفرسان ولم يتعهدوا للناس بحقائق معرفية على كل الأصعدة، ولم يمارسوا تعسفا كالذي مارسته الكنيسة في التنكيل والتعذيب البشع في محاكم التفتيش او منعها للطب، وان على الانسان ان يعالج نفسه بالإيمان.. وبهذا، فان العالم والمكتشف العربي لم تكن مشكلته مع السلطة الدينية بل مع جهة سياسية.

ب ـ الحكام العرب لم يكونوا سوى بيادق مكنتهم القوى الاستعمارية من تولي مناصب الحكم, فكانت علاقة الحكام بالمراكز الدينية إما على اساس التعايش السلمي او تسخيرها لدعم سلطته.

ج ـ الاستقلال الذي حصلت عليه الدول العربية من الاستعمار كان استقلالا شكليا وبالتالي فالنمو والتطور على اي صعيد كان شكليا, فطالما كانت حصة بريطانيا من نفط العراق والخليج خطا احمر لا يمكن المساس به إضافة الى ما يجعله الحاكم العربي ملكا له من ثروات البلاد, وبالتالي فان مستوى الفرد على الصعيد الاقتصادي كان محدودا بحدود ما هو مرسوم لدولته, سواء دعم الاتجاه العلمي وانسلخ عن الدين او لم يفعل.

2- التنظير الحداثوي العربي ـ بغض النظر عن صوابه او خطئه او قدرته الحقيقة على استنقاذ الوضع العربي ـ ولكن تبقى عملية التبشير بان خطوات الاصلاح تتم عن طريق الضخ الاعلامي والتثقيفي بضرورة الاخذ به هي عملية بعيدة عن الواقع, فمثلا ما نظّر به لوك وفولتير وكانت وغيرهم، ما كان له ان يؤثر بالمجتمع لولا العوامل التاريخية التي تحكمت بأوروبا في القرون 17 الى 19, وعليه فان المجتمع العربي بحاجة الى تراكم تاريخي مماثل يصل بنا الى الاخذ بما تطرحه مدارس الحداثة, وكمثال آخر فان عملية تكفير الازهر في مصر للمفكر نصر حامد ابو زيد وبالتالي هجرته الى هولندا لا تحمل في طياتها سمات التخلف او غير ذلك, بقدر ماهي مماثلة اللحظة التاريخية لعلمية التكفير من حيث العوامل التاريخية للحظة تكفير الكنيسة لغاليلو وبالتالي رجوعه عما قاله.

 وعليه فان المجتمع العربي يحتاج الى سيرورة مماثلة لما تم في اوروبا منذ محاكمة غاليلو حتى ترسيخ العلمانية بشكل نهائي, كي يتم الاخذ بما قاله نصر ابو زيد, وهذا ما لن يتم لاختلاف العوامل المادية التاريخية كما بينّت.

3- هيمنة القوى العالمية على الدول العربية وهذا يقودنا الى الحديث بأمرين: 

الاول ما يسمى بنظرية المؤامرة التي يطيب للكثيرين تفنيدها, واني وان كنت لا أحبذ استخدام هذه العبارة بقدر الاعتماد على الواقع الملوس الخارج عن اي تنظير, فحين اجد حربا استمرت لثماني سنوات وادت الى تدمير العراق بشكل كبير واجد امريكا مسؤولة عن اشعال هذه الحرب وديمومتها فهل عليّ ان اغمض عيني واردد ان نظرية المؤامرة باطلة ؟!! ثم فليقرأ من يريد ان يقرا كتاب الاغتيال الاقتصادي للأمم لجون بركنز وامريكا طليعة الانحطاط لغارودي وعشرات من الكتب المماثلة وله بعد ذلك ان يردد ما يشاء ولي أن اؤمن بما جاء فيها.

الثاني هو التسليم بشرور الغرب ومن ثم تقديم نظرية مفادها ان تحكّم القوي بالضعيف هو قانون الحياة فعلى مجتمعاتنا ان تنهض الى مستوى يجعلها عصية على هيمنة القوى العظمى وليس ان نجعل قوة الغرب شماعة نعلق عليها تكاسلنا وهنا نكون امام امرين:

الاول: العلماني لم يقدم غير التنظير وذم الطرف الاخر دون اية خطوة ملموسة في هذا المضمار واذا اعتذر بعدم امتلاكه الوسيلة التي تمكنه فان لأي طرف آخر التعذر بنفس العذر.

الثاني: اعود الى قضية العوامل المادية التاريخية وحتميتها, فكي تجعل العراق دولة قادرة على مناهضة امريكا عليك ان تهبه تاريخا كتاريخ الولايات الامريكية بدءا بهجرة الانكليز اليها بارضها البكر ومناجمها الغنية ومن ثم إفناء 150مليون هندي احمر الى انهاء الحرب العالمية الثانية عن طريق القنبلة النووية وخروج امريكا من الحرب وهي الدولة الوحيدة التي لم تفقد قواها الاقتصادية والعسكرية.

4- لست ضد الدعوة للإصلاح والنهوض ولكني ضد:

اـ اعتماد التنظير الفلسفي وغض النظر على حتمية العوامل المادية وان عملية النهوض هي معركة شرسة مع قوى تهدف الى التحكم بالعالم وباستغلال خيراته اكثر مما هي اشكالية مع الدين وان العقل العربي يعتمد على مقررات من القرن الرابع وان النص الديني داخل او خارج عن التاريخ 

ب ـ التصور الخاطئ بان النموذج الاوربي هو المقتدى الصالح حيث ان النموذج الاوربي يعاني من خلل كبير على الصعيدين الفكري والسياسي فعلى صعيد الفكر كان من ثمار العلمانية ازدهار الفكر الالحادي المادي للطبيعة والاخلاق نتج عن ذلك فكرة التفوق العرقي التي كانت ركيزة اساس في خلق النازية التي احرقت اوروبا. 

وعلى صعيد السياسة فما ان تلقفت الدول الغربية تطورها في عصر النهضة حتى ساحت جيوشها في الارض تنذر شعوبها بالويل والثبور, وحتى يومنا هذا فان الغرب يدين برفاهيته وتقدمه الى استغلال الامم المغلوب على امرها.

ج ـ ان يكون الفكر العلماني او الحداثة الغربية هي بالضرورة المبضع الذي يستأصل من مجتمعاتنا واقعها المزري او ان الدين هو العائق, فدول امريكا الجنوبية لا دينية ومتخلفة, ودول الخليج العربي لم تجر ان تغيير في ثقافتها الدينية حين شهدت تطورات حضارية كبيرة. 

5- على صعيد التنظير في الساحة العربية والاسلامية الى جنب التنظير العلماني تطالعنا جهود ناضجة ومهمة في التنظير لحداثة معزولة عن حداثة الغرب وتستمد تنظيراتها من وحي الاسلام كما هو الحال عند الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن او هاني ادريس.

 

2017/11/18

العلمانية والدين.. قواسم مشتركة

المقدس أو القداسة واحدة من أهم مفردات الجدل الدائر بين العلمانية والدين أو تكاد هذه المفردة أن تكون هي الحجر الأساس الذي يقوم عليه كلا الاتجاهين الفكريين، فالتكوين الديني مبني على وجود نص علوي مطلق يرقى في ثرائه الفكري على الحدود البشرية, وفي الفارق بين مطلقية النص ونسبية الإنسان تكمن حكمة التشريع وضرورة الانقياد، فيما تنطلق العلمانية معلنة الثورة على كل ما يمكن أن يكون حدودا يعيق التفكير البشري لتجعل بعد ذلك من الواقع حَكَما أوحَدا في صلاحية الحكم أو القانون، وتجعل من إصلاح الواقع الغاية الأهم للمشروع الفكري بشكل عام.

مقدسات جديدة!

لو تأملنا تاريخ الصراع لوجدنا أن العلمانية إنما ثارت على مقدسات الدين ونصوصه الثابتة وحسب, ناسية أنها قد شكلت لها من شخوصها وخطوطها الفكرية العامة مقدسات جديدة راحت تذود عن ساحتها، فالنقطة الأساس التي اعتبرتها العلمانية قصورا في الدين هي تعامُله مع الواقع على ما يحدده له المقدس من مسار وادّعت أنها سدت ذلك القصور, في حين أنها لم تفعل شيئا والواقع المسكين ظل كما هو.

على سبيل المثال فقد قدست العلمانية ـ خصوصا في الغرب ـ الحرية الشخصية في الفكر والسلوك وحرمت الثوابت المقسَرة كالقيم الأخلاقية وغيرها وحين اجتاحت الواقع الغربي تلك الأرقام المخيفة لضحايا الأمراض الجنسية وعلى رأسها الايدز، لم تمس مقدسَها وتعاملت بما يفرضه عليها مع الواقع, وراحت تبحث في أروقة الطب عن العلاج مستنزفة المال والوقت ورصيدُ الضحايا يّطّرد أثناء ذلك إلى مالا يعلمه إلا الله، وهي تعلم أن الحل الناجع يكمن في تقنين العلاقة بين الرجل والمرأة.

إن الحرية الشخصية تحولت الى طوطم مقدس فلا أجد في هذا المثال اختلافا يذكر عن مشهد يحدث الآن في مجتمع كالهند، حيث يفتك الطاعون بالملايين لأن في مقدسهم عدم التعرض للقوارض.  

ومن جهة أخرى فقد ذكر الفيلسوف المدرسي المعروف الأب أوغسطين في منهجه في الإيمان أن على الإنسان أن يعقل ليؤمن ثم يؤمن ليعقل وليس في هذا المنهج ما هو مقتصر على الفكر الديني دون الوضعي بشيء .. فالتعقل في الايمان كما يرى أوغسطين يتمثل بإتّباع الأنبياء والصديقين بعد البرهنة على مصداقيتهم وهذا ما هو كائن في أي اتجاه وضعي أيضا فالمجتمعات التي تدين بالنظريات الوضعية إنما تسلم شعوبها بمقررات تلك النظريات من خلال الايمان بأهلية بُناتها من الفلاسفة والمفكرين من دون استيعاب تلك الشعوب لمفردات النظرية , وربما قيل أنها العبقرية التي تختلف عن الغيب, ولكن المناط يبقى هو الواقع الذي سيحدد لي عبقرية ماركس في حتمية  تولد المجتمع الاشتراكي من الرأسمالي،  ويحدد مصداقية محمد (ص) الذي يقول قرآنه قبل أربعة عشر قرنا: {ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} المؤمنون 14 .  

وربما عابت العلمانية على الدين تجّارَه واستغلالهم الغيب كمناخ خصب للأباطيل وما لا  يخضع للعلم وهي في هذا تشترك مع الدين أيضا, فالعلمانية حين قامت دولتها بفعل النهضة الأوربية كانت الرأسمالية واحدة من نتائجها, باقتصادها الحر أو كما يعبر عنه بالليبرالية الاقتصادية التي انطلقت في حريتها المفرطة في سبيل الهدف الأوحد المتمثل بالربح المادي إلى إطلاق العنان للوسائل الإعلانية والدعاية بعد أن أولتهما أهمية كبرى ويطالعنا التاريخ بما جناه رجال الاقتصاد  في سبيل الدعاية والترويج لمنتجاتهم  على الثوابت الاجتماعية وحقائق العلم . إذن فتجار الدين وتجار الاقتصاد على السواء في العبث بمقررات العلم ودلائل الخير .

وبالنسبة للسلطة ومستلزماتها فليس في تاريخ الدين ما ليس في حاضر العلمانية, فعلى مثال الايدز نفسه لماذا لا تقر السلطات الغربية بضرورة التقنين في علاقة الرجل بالمرأة عملا بالقاعدة التي لا يشذ واحد من سكان هذا الكوكب عن الإيمان بها في أن الوقاية خير من العلاج، ولماذا لا تعمل على نشر ثقافة التقنين للتخلص من الوباء كما تنشر الثقافة الصحية والمعقمات للتخلص من الفايروسات المرضية.

ربما لا نجد لذلك سببا إلا لان في ذلك إقرارا بتفوق الإسلام  بتشريعه المعتمد قبل أربعة عشر قرنا على حل ما أخفقت به الآلة العلمانية المتطورة، ولاسيما أن العلمانية تعتمد في حملتها الدعائية لتصويب آرائها إلى حد كبير على القدرة الذاتية في المعاصرة والحداثة والعجز الذاتي للتراث, إضافة إلى أن الاختلاط المفتوح بين الرجل والمرأة الذي ربما كان من ابرز مظاهر الحرية الشخصية هو الأقدر على تعزيز الروح المادية وعليه فإن نشر ثقافة التقنين  بما يستتبعها من شيوع المناخ الروحي  يؤدي إلى صورة إن تحققت فهو الإسلام الذي تقضي الاستراتيجية الأمريكية في وقتنا الراهن أن تعمم فكرة افتقاده القدرة على مواكبة العصرنة والحداثة وتجعل من تلك الفكرة الحقيقة المطلقة فيجب عزله كحضارة إنسانية ليتوحد العالم تحت لواء الليبرالية والحداثة الأمريكية . 

إن سلطات العلمانية في الغرب اليوم تمارس نفس الدور الذي مارسته الكنيسة في طمس الحراك العلمي بغية الحفاظ على سلطتها ومصالحها الاستراتيجية. 

 

2017/11/14

لا يمكن للتطرف أن يكون دينا أو دولة

تعتمد السلفية في مضمونها الأيدلوجي على حصانة التراث المتمثل بالرسول الأعظم (ص) وصحابته والطبقة اللاحقة لهم بما يعبر عنها بالتابعين وما أنتجوه وأنتجه الإسلام من حضارة خلال القرنين الأول والثاني الهجري, ورفض كل ما يتسم بالتجديد والحداثة على اعتبار أنه خروج على الدين ومروق عنه, وعلى الواقع المعاصر أن يحشر كل أبعاده وإرهاصاته في قالب ذلك التراث, متغافلة عن أن المكوّن الأهم في تليدها المقدس, وهو القران الكريم, إنما عبّر في تكوينه الذاتي عن ضرورة الاستجابة لمتطلبات الواقع المخاطَب, حيث كان نصا بلاغيا اعتمدته الرسالة الإسلامية في البرهنة على صدقها الغيبي والإسفار عن مفردات مشروعها الإصلاحي, حين خاطبت أبناء الجزيرة العربية بما امتازوا به من فصاحة وشعر وأدب, ولم تتخذ المعجز الكوني الذي طالما ركنت إليه الرسالات السابقة, واتَباع القران الكريم وسائل تدريجية كالناسخ والمنسوخ إلى أمثلة لا تحصى, تدلل على ان الإسلام بكتابه ونبيه (ص) وإن تنزّل من علو مطلق إلا انه امتنع عن الانغلاق والاستبداد, بالإضافة إلى ما نجده جليا من روح الإبداع والمواكبة الذي تخلل القرنين الأول والثاني ابتداء من الخلافة الراشدة ووصولا لأئمة المذاهب في معطيات أبناء هذين القرنين على الصعيدين الفكري والفقهي . 

السلفية.. إخفاق!

وإذا أجابت السلفية أن هذا كله يصب في دائرة التراث وعلينا أن نتعامل معه ككل مركب, فقد أخفقت في البرهنة على ضرورة هذا التحديد الزمني, وهي لمّا ألغت العصمة فقد جعلت حل المشكِل المتغير رهنا بآليات الفهم الإنساني وكفاءته الإبداعية, وهنا فمن المستحيل أن نجعل لهذين القرنين ما ليس لغيرهما من القرون من احتمالية توافر طاقات في الفهم والإبداع علاوة على ما للمسار الزمني من قابليات متماثلة في إفراز المشكلات الحياتية من عصر النبوة إلى نهاية تلكما القرنين والى زمننا الحاضر . 

لهذا فقد جاء موقفها المتزمت مع الآخر والقائم على الصدام والإلغاء نتيجة طبيعية لذلك الجدب المنطقي من جهة وعصمة مقرراتها الفكرية حسب منظورها من جهة أخرى. لتخرج لنا في النهاية بما يشهده العالم اليوم من صفحات الإرهاب والعنف متخذة من الجهاد الذي قال به الإسلام مادةً أساس تصنع منه بكيفياتها الفقهية ذريعة لشرعيته, وبمعزل عما يمكن أن يصلح من الطرح السلفي لحوار فقهي وعن الخلفية السياسية وأبعاد اللعبة الدولية التي شكلت جزءا مهما منه حيث سارعت ـ الخلفية السياسية ـ إلى وضع هذه الفئة ونتاجها الإرهابي في ما يتطلبه مخططها السياسي العام؛ فإن السلفية بمحتواها الأيدلوجي ونشاطها الجهادي (الإرهابي) تزعم إنما تعمل لإحياء الدولة الإسلامية التي شيد أركانها السلف الصالح.

من يقوّم الدولة؟

ولابد هنا لهذا الإحياء من خلف يماثل أولئك الصالحين ليكون القيادة التي تقوم عليها الدولة المقصودة ثم قاعدة تتقوّم بها تلك الدولة, فإن زعمت السلفية أنها أوجدت بدعاتها وزعمائها القيادة المفروضة فماذا عن القاعدة؟! 

وهي بدليل كفاحها المسلح ـ وقد أوشك أن يكون حديث الساعة ـ لن تكتفي السلفية بجزء من هذا الكوكب لتقيم عليه دولتها بالقيادة المزعومة والقاعدة التي يشكلها أتباعها اليوم والمنضوون تحت لوائها, إذن فهو الآخر, وفيما يتعلق بعملية جذبه للانخراط في دولتها فهي بعد أن ألقت بالدعوة الحسنة والحوار الفكري المفتوح جانبا من جهة, وتحديدها للآخر لا على أساس النشاط المضاد بل على أساس الهوية المذهبية المغايرة من جهة أخرى, فإنها إما أن تواصل كفاحها الارهابي الى إفناء هذا الاخر, او رضوخه واستسلامه والدخول عنوة في دولتها, وبالنسبة للأول فان حسابات التفوق العددي والعسكري يجعل منه امرا مستحيلا وغير متصوَر وتبعا لذلك الثاني, ولو سلمنا جدلا به (الثاني) وقامت تلك الدولة على التبعية القسرية من الآخر, فانه الاستبداد حينئذ لاسيما بعد الذي يبديه السلفيون ـ في واقع اليوم من أفراط في الانكماش عن مظاهر التجديد حتى ليصل بهم الحال إلى بعض المنجز التكنلوجي, ولا أظن أن أئمة الحزب السلفي قد نسوا قضية الشورى التي قامت على أساسها الخلافة الراشده وهم يعدونها واحدا من أهم دلائل عظمة تراثهم بما تعبر عنه من روح الديمقراطية والحرية .

وإن رجعنا الى ذريعة الكل المركب المفروضة على العقل والوجدان فإنها غير قادرة على دفع الآخر الى حظيرة الإيمان ولابد أن الاخر سيلقي باستسلامه جانبا ويثور شأنه شان كل الشعوب المضطهدة في سبيل حريتها, وتستأنف السلفية حينئذ فتاوى التكفير وإقامة الحد كحلقة مفرغة, ولابد من الإشارة الى أن احتمالات ما بعد اقامة الدولة, تبعا (للثاني) قد سلمنا به جدلا.

 

2017/11/11

الملبس.. إشكالية فكرية

حين ارتدى الانسان اللباس في فجره الأول هل كان ذلك استجابة لفطرة ذاتية فيه ومظهراً لرقي حضاري؟ لتعدّ بعدها أية عملية تعرٍ هي بمثابة انتكاسة حضارية ورجوع منه الى الهمجية والبربرية وصفة الانسان البدائي؟!!

أم أنه مجرد تطور في الجنبة المدنية للحضارة قائم على الاساس المنفعي شأنها شأن الفأس والمحراث، فهو قد ارتدى اللباس لمّا وجده يقيه من البرد ويحفظ جسده من عوامل خارجية؟!

أو ان الامر لا يتجاوز حدود الجانب السلوكي، مثله مثل تطور الانسان في طريقة الطعام مثلاً، والتي انتقل فيها من الالتهام تماما كما يفعل الحيوان الى الجلوس ووضع الطعام على المائدة واستخدام الاواني والملاعق، فيكون النفور المتولد من عملية العري هو كالنفور المتولد من طريقة تناول بدائية للطعام؟

وهذا يقودنا الى اشكالية مازالت موجودة حتى يومنا هذا، وهي علاقة الاخلاق بالملبس وهل الانسان سيما المرأة غير قادرة على التحلي بالأخلاق إلا باللباس المحتشم؟

او كما يعبر البعض من أن الفضيلة هي في نضج الوعي والذات والتفكير وليس في قطعة قماش.

\\

إن هذه الاشكالية بكل تساؤلاتها غير قابلة للحسم، ومن الخطأ الفادح ما يقوم به طرفا الصراع من محاولات ساعية الى البرهنة على نتيجة قاطعة. وذلك لضرورة أن نحدد ـ في بدء النزاع ـ منظورنا الى الجسد الانساني.

هل هو الجسد الدارويني، او بالمنظور الدارويني، وحينها لن يتجاوز حدود التكوين المادي البايلوجي والتفاعلات الكيمياوية؟ ام هو الجسد المعبأ بالروح؟

 إن إنكار الغيب لا يؤدي بالإنسان الى مجرد انكار الله او الالحاد فحسب، بل الى نتائج شاملة على كل اصعدة الحياة كالأخلاق والسلوك وغيرها.

وعليه فإننا إزاء ما يشبه البنية التحتية المتمثلة بالغيب والروح والبنية الفوقية المتمثلة بالأخلاق والسلوك والجسد، ولن تحسم أية قضية في البنية الفوقية مالم تحسم قضية البنية التحتية، وسيظل الشخص المؤيد للعري أو الراضي به متمسكا برأيه  مادام هو متمسك بمادية الجسد والأخلاق، وتظل محاولات المعارض للتعري بمثابة إقحام لشعوره بالروح، ولكنه بالمقابل فإن على المؤيد أن يكف عن دعواه بأن الفضيلة هي في نضج الوعي والذات والتفكير وليس في قطعة قماش،  إذ هو لا يتحدث عن الفضيلة  بمفهومها المطلق بل هي الفضيلة المحدودة بحدود منظومته المادية.

\\

إن المرأة الغربية حين تذهب لأداء فعل من صميم الممارسة الروحية وهو الصلاة فإنها تجد في وجدانها ضرورة لابد منها وهي ارتداء الثوب المحتشم لأداء ذلك الفعل، واما التي تظهر بملبس شبه عار فأنها عادة ما تكون في منأى عن موضوع الروح، والاخلاق الحسنة التي تمارسها إنما تقوم على اساس الاخلاق المادية.

رغم هذا فإن المؤيد والمعارض للعري بل النوع الانساني برمته يؤمن بأن ثمة حدود حين يتجاوزها سيكون حينئذ في منطقة الرذيلة وان واحدا من تجليات هذه المنطقة

هو الملبس فالشعوب الغربية مهما اختلفت في الحد الذي تتعارف عليه لما يظهر من الجسد سيما المرأة فإنها تصل في النهاية الى حد من تظهر به فإنها ساقطة وتمتهن الابتذال.

وعليه فإننا نصل بالمؤيد للعري او الراضي به والذي يدور في المدار المادي بأن العري والابتذال في اتجاه واحد.

2017/11/06

كان الناس أمة واحدة.. هل أوجد الإختلاف البشري الدين؟!

قال تعالى: {كانَ النّاس أُمّةً وَاحِدَةً فَبَعَث اللّهُ النّبِيِّينَ مُبَشرِينَ وَ مُنذِرِينَ وَ أَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَب بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَينَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَف فِيهِ إِلا الّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَات بَغْيَا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدِى مَن يَشاءُ إِلى صِرَطٍ مّستَقِيمٍ}(1).

\\

تُبين الآية الكريمة السبب الرئيس في تشريع أصل الدين والعلة في تكليف الإنسان، وهو وقوع الاختلاف بين أفراده، فتقرر ان الإنسان كان أمة واحدة اي مجموعة واحدة متجانسة مؤتلفة حتى حصل الاختلاف بين افرادها لتنازعهم في تحصيل المزايا في هذه الحياة، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة بأرسال الرسل مبشرين ومنذرين فسمى القوانين الموضوعة بالدين تسمية للشيء باسم لازمه وهو الجزاء، فقد شفع هذا الدين بالتبشير والإنذار: بالثواب والعقاب، وأعان العبد على تطبيقها بالعبادات المختلفة.

ثم بعد ذلك حصل اختلاف ثان في فهم هذه القوانين الشرعية (الدين) وتفسيرها، فاختل بذلك أمر الوحدة الدينية، وظهرت الشعوب والأحزاب، وقد بيّن تعالى سبب الاختلاف ايضاً بانه البغي والظلم من بعض الذين اوتوا الكتاب بعد ما تبين لهم أصوله ومعارفه، وتمت عليهم الحجة، فالاختلاف اختلافان: اختلاف في أمر الدنيا وهو أمر تقتضيه الفطرة الحاثة على تحصيل مزايا هذه الحياة الدنيا وهو السبب لتشريع الدين، واختلاف في أمر الدين مستند إلى بغي الباغين دون فطرتهم وغريزتهم.

فالقرآن الكريم يقرر ان الاختلاف من ضرورات خلقة الإنسان، لذا قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}(2)، وقال ايضاً: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}(3)، فسعيه لاقتناء الكمال وحيازة مزايا الحياة جعله يحاول ان يُسخر كل ما حوله وكل ما يمكنه استخدامه في طريق كماله، وبعبارة أخرى إعتقاده بأنه ينبغي أن ينتفع لنفسه، ويستبقي حياته بأي سبب أمكن جعله يأخذ في التصرف في المادة، ويعمل الآلات منها ، فيصنع السكين للقطع، والإبرة للخياطة، والإناء لحبس المائعات، والسلم للصعود، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة.

\\

وبذلك يأخذ الإنسان أيضاً في التصرف في النبات بأنواع التصرف، فيستخدم أنواع النبات بالتصرف فيها في طريق الغذاء واللباس والسكنى وغير ذلك، وبذلك يستخدم أيضا أنواع الحيوان في سبيل منافع حياته، فينتفع من لحمها ودمها وجلدها وشعرها ووبرها وقرنها وروثها ولبنها ونتاجها وجميع أفعالها، ولا يقتصر على سائر الحيوان دون أن يستخدم سائر أفراد نوعه من الآدميين، فيستخدمها كل استخدام ممكن، ويتصرف في وجودها وأفعالها بما يتيسر له من التصرف، كل ذلك مما لا ريب فيه. 

غير أن الإنسان لما وجد سائر الأفراد من نوعه، وهم أمثاله، يريدون منه ما يريده منهم، نازعهم فيه وشاجرهم عليه، فالدار دار تزاحم والمزايا محدودة.

ولذلك كلما قوي إنسان على آخر استضعفه وسخره لخدمته، فلا يراعي القوي حق الضعيف ونحن نشاهد ما يقاسيه ضعفاء الملل من الأمم القوية، وعلى ذلك جرى التاريخ أيضاً إلى هذا اليوم الذي يدعى أنه عصر الحضارة والحرية. 

وظهور هذا الاختلاف هو الذي استدعى التشريع، وهو جعل قوانين كلية يوجب العمل بها ارتفاع الاختلاف، ونيل كل ذي حق حقه، وتحميلها الناس.

----------

(1)  البقرة: 213.

(2)  هود: 118.

(3)  يونس: 19.

 

2017/11/04

المعاد يحدد حاجة الإنسان.. للدين أم للقانون؟!

اذا كانت الحاجة الى الدين تتمثل برفع الاختلاف بين البشر، فإنها سوف ترتفع بقانون يتفقون عليه، وعند ذلك  لايوجد مبرر لبعث الأنبياء والرسل والوعد والوعيد والجنة والنار!!

ولكن، القوانين البشرية لو سلمنا بانها تضمن العدل الاجتماعي، فإنها وضعت لمراعاة مصالحهم في هذه النشأة دون غيرها، فلم يراع فيها كون هذا الإنسان موجوداً مخلوقاً لله تعالى متعلق الوجود بصانعه، بدأ من عنده وسيعود إليه، إذ للإنسان حياة باقية بعد الارتحال من هذه النشأة الحالية، وهي حياة طويلة غير منقطعة الأمد، ومرتبة على مسيرته في هذه الحياة الدنيوية، وكيفية سلوكه فيها، واكتسابه الأحوال والملكات المناسبة للتوحيد الذي هو كونه عبداً لله سبحانه، بادئاً منه عائداً إليه. فإذا بنى الإنسان حياته في هذه الدنيا على نسيان توحيده، وستر حقيقة الأمر؛ فقد أهلك نفسه وأباد حقيقته.

طريقان لسن القوانين

ثم ان المتتبع لتاريخ الحضارات يجد انها سلكت طريقين في سنها للقوانين المصلحة للاجتماع وحمل الناس على طاعتها، وكلاهما لم يراع حقيقة الإنسان المتقدمة ونشأته الأخرى: 

 الأول: تقنين انظمة تنظم حياة أفراد المجتمع فيما بينهم مع الغاء المعارف الدينية من التوحيد والأخلاق الفاضلة، وذلك بجعل التوحيد ملغى غير منظور إليه ولا مرعي،  وجعل سلوك الأفراد وأخلاقهم تابعة للاجتماع وتحوله، فما وافق حال وتوجهات المجتمع من الأخلاق فهو الخلق الفاضل، فيوماً العفة، ويوماً الخلاعة، ويوماً الصدق، ويوماً الكذب، ويوماً الأمانة، ويوماً الخيانة، وهكذا مما بنته الحضارة الغربية على انقاض النسبية في الحقيقة والأخلاق.

ثم أن هذه الأنظمة أجبرت مجتمعاتها على طاعة القوانين الموضوعة من خلال القهر والإجبار.

والثاني: سن نظام اجتماعي ينشد العدل والمساواة، مع إلغاء المعارف الدينية في التربية الاجتماعية ايضاً، ودعوة الناس الى طاعة القوانين من خلال تربية المجتمع على ما يناسبها من الأخلاق واحترامها، كما فعلت بعض الشعوب الشرقية من خلال ما يعرف بالكونفوشيوسية. 

فهذان الطريقان مسلوكان في رفع الاختلافات الاجتماعية وتوحيد الأمة المجتمعة من الإنسان: أحدهما بالقوة المجبرة والقدرة المتسلطة من الإنسان فقط، وثانيهما بالقوة والتربية الخلقية، لكنهما على ما يتلوهما من المفاسد بسبب عدم مراعاة نشأة الإنسان الآخرة، مبنيان على أساس الجهل بملاك التفاوت بين الأفراد في توزيع الحقوق والواجبات، وحال الناس في سلوك هذين الطريقين كمثل قافلة أخذت في سلوك الطريق إلى بلد ناء معها ما يكفيها من الزاد ولوازم السفر، ثم نزلت في أحد المنازل في أثناء الطريق فلم يلبثوا حتى اخذوا في الاختلاف: من قتل، وضرب، وهتك عرض، وأخذ مال وغصب مكان وغير ذلك، ثم اجتمعوا يتشاورون بينهم على اتخاذ طريقة يحفظونها لصون أنفسهم وأموالهم.

فقال قائل منهم: عليكم بالاشتراك في الانتفاع من هذه الزاد والأمتعة، والتمتع على حسب الوزن الاجتماعي لكل فرد من افراد القافلة، فليس إلا هذا المنزل والمتخلف عن ذلك يؤخذ بالقوة والسياسة.

وقال آخر كمقالة الأول في ضرورة الاشتراك في الانتفاع بهذه الأمتعة الموجودة، وتناسي انهم على سفر وعليهم اتخاذ ما يناسبه من زاد وراحلة، الا انه اختلف معه في طريق حمل الناس على الالتزام بالقانون، وملاك توزيع الموارد فلابد ان توزع على أساس الشخصيات الموجودة التي  جاءوا بها من بلدهم الذي خرجوا منه، فيتأدب كل بما له من الشخصية الخلقية، ويأخذ بالرحمة لرفقائه، والعطف والشهامة والفضيلة.

وقد أخطأ القائلان جميعاً، وسهيا عن أن القافلة جميعاً على جناح سفر، ومن الواجب على المسافر أن يراعي في جميع أحواله حال وطنه وحال غاية سفره التي يريدها فلو نسي شيئاً من ذلك لم يكن يستقبله إلا الضلال والغي والهلاك.

ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} (1)، فإنهم إنما كانوا يصرون على قولهم ذلك، لا لدفع القول بالمعاد فحسب، بل لأن القول بالمعاد والدعوة إليه كان يستتبع تطبيق الحياة الدنيوية على الحياة بنحو العبودية، وطاعة قوانين دينية مشتملة على مواد وأحكام تشريعية: من العبادات والمعاملات والسياسات.

المعاد والحياة

وبالجملة القول بالمعاد كان يستلزم التدين بالدين، واتباع أحكامه في الحياة، ومراقبة البعث والمعاد في جميع الأحوال والأعمال، فردوا ذلك ببناء الحياة الاجتماعية على مجرد الحياة الدنيا من غير نظر إلى ما ورائها. 

والقائل المصيب بينهم هو من يقول: تمتعوا من هذه الأمتعة على حسب ما يكفيكم لهذه الليلة، وخذوا من ذلك زاداً لما هو أمامكم من الطريق، وما أريد منكم في وطنكم، وما تريدونه لمقصدكم.

ولذلك شرع الله سبحانه ما شرعه من الشرائع والقوانين واضعاً ذلك على أساس التوحيد، والاعتقاد والأخلاق والأفعال، وبعبارة أخرى وضع التشريع مبني على أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم، وأنهم يجب أن يسلكوا في هذه الدنيا حياة تنفعهم في غد، ويعملوا في العاجل ما يعيشون به في الآجل، فالتشريع الديني والتقنين الإلهي هو الذي بني على العلم فقط دون غيره، قال تعالى: {...إِنْ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(2)، وقال تعالى في هذه الآية المبحوث عنها: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمْ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ...} الآية، فقارن بعثة الأنبياء بالتبشير والإنذار بإنزال الكتاب المشتمل على الأحكام والشرائع الرافعة لاختلافهم.

والخلاصة ان الاختلاف فطري بين افراد البشر وهذا هو السبب في انزال الكتب والتكليف بالشرائع.

--------

1- الجاثية: 24.

2-  يوسف: 40.

 

 

2017/11/05