فكر وثقافة
منجّية في الدنيا والآخرة: الشفاعة.. ما حقيقتها؟

إنّ الوقوف على حقيقة الشفاعة يتوقف على بيان أقسامها،  وتفاسيرها فنقول: إنّ الشفاعة حسبما يستفاد من القرآن الكريم تطلق على معان أو على أقسام،  وبعض هذه المعاني أو الأقسام وإن كان خارجاً عن الشفاعة المصطلحة بين أئمّة علم الكلام والتفسير،  غير أنّ الوقوف على مفاد عامّة ما ورد في القرآن الكريم حول الشفاعة يتوقف على توضيح جميع هذه المعاني أو الأقسام،  فنقول: إنّ الشفاعة على معان أو على أقسام:

1. الشفاعة التكوينية.

2. الشفاعة القيادية.

3. الشفاعة المصطلحة.

وإليك شرح هذه الأقسام :

1. الشفاعة التكوينية

تشهد النظرة العلميّة والفلسفيّة بقيام النظام الكوني على أساس سلسلة الأسباب والمسبّبات وارتباط كل ظاهرة من الظواهر الكونية بعلّة وسبب،  وهذا أي كون العالم كعلّة خاصة من مجموعة العلل والمعاليل،  مما أثبتته الأُصول الفلسفية واعترفت به الآيات القرآنية.

غير أنّ الظواهر الكونية بحكم أنّها ممكنة الوجود،  غير مستقلّة في ذاتها كما هي غير مستقلّة في علّيتها وتأثيرها،  بمعنى أنّها لا تؤثر إلّا بإرادة الله وإذنه سبحانه،  ضرورة أنّها لو كانت مستقلّةً في التأثير يلزم أن تكون مستقلةً في الوجود لبداهة أنّ الاستقلال في العلية فرع الاستقلال في الوجود،  ولو سلمنا الاستقلال في التأثير فلا محالة قد سلّمنا قبله الاستقلال في الذات وهو يساوق كون الشيء واجباً غنياً عن العلّة،  وهو خلاف الفرض.

ولأجل ذلك اتّفقت الفلاسفة والمتكلمون إلّا من شذّ من المعتزلة على أنّه لا مؤثّر مستقلّ في الوجود غيره سبحانه،  وأنّ غيره مفتقر في الوجود والتأثير إليه سبحانه،  ولأجل ذلك صار شعار القرآن في حق الإنسان ( وحتى غير الإنسان أيضاً ): قوله: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ * إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ )[1]وقوله سبحانه: ( وَاللهُ الغَنِيُّ وَأَنتُمُ الفُقَرَاءُ)[2].

وقال سبحانه حاكياً عن موسى الكليم عليه ‌السلام: ( رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ )[3].

فعالَم الكون بما أنّه عالَم إمكاني لا يملك من لدن ذاته وجوداً ولا كمالاً،  بل كلما يملك من وجود وكمال فقد أُفيض إليه من جانبه سبحانه فهو بحكم الإمكان موجود مفتقر في عامة شؤونه، وتأثيره، وعلّيته.

وإلى ما ذكرنا من توقف تأثير كل ظاهرة كونية،  على إذنه سبحانه يشير قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ )[4].

فإنّ الآية بعدما تصف الله سبحانه بأنّه خالق السماوات الأرض في ستة أيام وأنّه استوى بعد ذلك على العرش،  وأنّه يدبّر أمر الخلق،  تعلن بأنّ كل ما في الكون من العلل الطبيعية والظواهر المادية يؤثر بعضه في البعض بإذنه سبحانه،  وأنّه ليست هناك علّة مستقلة في التأثير بل كل ما في الكون من العلل،  ذاته وتأثيره،  قائمان به سبحانه وبإذنه،  فالمراد من الشفيع في الآية هو الأسباب والعلل المادية وغيرها،  الواقعة في طريق وجود الأشياء وتحقّقها وإنّما سميت العلة شفيعاً لأجل أنّ تأثيرها يتوقف على إذنه سبحانه فهي ( مشفوعة إلى إذنه سبحانه ) تؤثر وتعطي ما تعطي.

وعلى ذلك تخرج الآية عن الدلالة على الشفاعة المصطلحة بين أئمّة علم الكلام،  وإنّما اخترنا هذا المعنى لوجود قرائن في نفس الآية،  فإنّها تبحث في صدرها عن خلق السماوات والأرض وتحدّد مدّة الخلق والإيجاد بستة أيام،  ثم ترجع الآية وتنص على سعة قدرته على جميع ما خلق وإحاطته بهم،  وانّه بعد ما خلق السماوات والأرض،  استوفى على عرش القدرة وأخذ يدبّر العالم وعند ذلك ينطرح في ذهن القارئ أنّه إذا كان هو المدبّر والمؤثر فما حال سائر المدبرات والمؤثرات التي يلمسها البشر في حياته؟

فللإجابة عن هذا السؤال أتى بقوله: ( مَا مِن شَفِيعٍ إِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ مصرّحاً بأنّ كل تأثير وتدبير في سبب من الأسباب فإنّما هو بإذنه ومشيئته ولولا إذنه ومشيئته لما قام السبب بالسببية ولا العلة بالعلية،  وهذه القرائن توجب حمل هذه الجملة على ما يجري في عالم الكون والوجود من التأثّر والعلّية،  وتفسيرها بالشفاعة التكوينية وإنّ كل ظاهرة مؤثّرة كالشمس والقمر والنار والماء لا تؤثر إلّا بالاستمداد من قدرته سبحانه والاعتماد على إذنه ومشيئته حتى يتم بذلك التوحيد في الخالقية والتدبير،  فلا خالق إلّا هو،  كما لا مدبر إلا هو،  فما يتراءى في صفحة الوجود من الخلق والتدبير فليس على ظاهرهما وإنّما تقوم سائر العلل بالخلقة والدبير مستمداً من حوله وقوته،  فيرجع معنى الآية إلى أنّه لا مؤثّر في الكون إلّا من بعد إذنه،  ولأجل ذلك تستنتج الآية وتخاطب البشر بأنّه إذا كان هو الخالق والمستولي على عرش القدرة والمدبر لجميع العالم،  وإذا كان تأثير كل ما سواه بإذنه،  فليعبد ذلك الرب سبحانه دون غيره،  إذ هو اللائق دون ما سواه بالعبادة،  فإنّ منشأ العبادة والخضوع هو الوقوف على الجمال والكمال المطلقين في المعبود بحيث يحمل ذلك الوقوف الإنسان العارف على العبادة والخضوع وليس ذلك الكمال موجوداً إلّا فيه سبحانه،  لأنّه الخالق المستولي المدبّر المعطي لكل ما سواه: الوجود والتأثير،  قال: ( ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ).

إذا وقفت على ما ذكرنا تقف على أنّه لا يناسب حملها على الشفاعة المصطلحة التي تدور حول التكاليف والتشريعات وعصيان العباد ومخالفتهم لها،  ثم توسيط الشفعاء لغفران ذنوبهم وحط سيئاتهم.

وإلى ما ذكرنا يشير العلّامة الطباطبائي بقوله: « إنّ ربكم معاشر الناس هو الله الذي خلق هذا العالم المشهود كله سماواته وأرضه في ستة أيام،  ثم استوى على عرش قدرته،  وقام مقام التدبير الذي إليه ينتهي كل تدبير وإرادة،  فشرع يدبر أمر العالم،  وإذا انتهى إليه كل تدبير من دون الاستعانة بمعين أو الاعتضاد بأعضاد، لم يكن لشيء من الأشياء أن يتوسط في تدبير أمر من الأمور ـ وهو الشفاعة ـ إلّا من بعد إذنه،  تعالى،  فهو سبحانه هو السبب الأصلي الذي لا سبب بالأصالة دونه وغيره من الأسباب أسباب بتسبيبه وشفعاء من بعد إذنه،  وإذا كان كذلك كان الله تعالى هو ربكم الذي يدبر أمركم لا غيره مما اتخذتموه أرباباً من دون الله وشفعاء عنده وهو المراد بقوله: ( ذَٰلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ) أي لماذا لا تنتقلون انتقالاً فكرياً حتى تفهموا أنّ الله هو ربكم لا ربَّ غيره[5].

2. الشفاعة القيادية

المراد من هذا الصنف هو قيام قيادة الأنبياء والأولياء والأئمّة والعلماء والكتب السماوية مقام الشفيع والشفاعة في تخليص البشر من عواقب أعماله وآثار سيئاته.

وتوضيح ذلك: أنّه إذا كانت نتيجة الشفاعة المصطلحة يوم القيامة هي تخليص العصاة من عواقب أعمالهم،  وآثار معاصيهم وأفعالهم،  فإنّ قيادة الأنبياء والأولياء والكتب السماوية والعلماء وأقلامهم تقوم بنفس هذا العمل.

غير أنّ الفرق بين الشفاعتين واضح فإنّ الشفاعة المصطلحة توجب رفع العذاب عن العبد بعد استحقاقه له،  وهذه الشفاعة توجب أن لا يقع العبد في عداد العصاة حتى يستحق.

وإن شئت قلت: إنّ الشفاعة الأولى تخلّص العبد بعد زلته وعثرته وبعد وقوعه في المهالك والمهاوي،  ولكن الشفاعة القيادية تمنع من وقوع العبد في المهالك وزلته إلى المهاوي،  فالأولى من قبيل الرفع،  والثانية من قبيل الدفع،  والفرق بينهما واضح،  فإنّ الرفع يمنع المقتضي عن التأثير بعد وجوده،  والدفع يمنع عن وجود المقتضي وتكوّنه.

وعلى ما ذكرنا من قيام قيادة الأنبياء والأئمّة مقام الشفيع والشفاعة في تخليص العبد من الوقوع في المهالك،  يظهر أنّ إطلاق الشفاعة على هذا القسم ليس إطلاقاً مجازياً بل إطلاق حقيقي. وقد شهد بذلك القرآن والأخبار،  قال سبحانه: ( وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )[6] والضمير المجرور في ( بِهِ ) يرجع إلى القرآن[7].

ولا شك أنّ ظرف شفاعة هذه الأمور إنّما هو الحياة الدنيوية،  فإنّ تعاليم الأنبياء وقيادتهم الحكيمة وهداية القرآن وغيره إنّما تتحقق في هذه الحياة الدنيوية،  وإن كانت نتائجها تظهر في الحياة الأخروية،  فمن عمل بالقرآن وجعله أمامه في هذه الحياة قاده إلى الجنة في الحياة الأخروية،  ولأجل ذلك نرى أنّ النبي الأكرم صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله يأمر الأمّة بالتمسك بالقرآن ويصفه بأنّه الشافع المشفّع ويقول: « فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع،  وماحل مصدّق،  ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار،  وهو الدليل يدل على خير سبيل،  وهو كتاب فيه تفصيل وبرهان »[8].

فإنّ قوله: ومن جعله أمامه،  تفسير لقوله: فإنّه شافع مشفّع.

والحاصل: أنّ الشفاعة القيادية شفاعة بالمعنى اللغوي،  فإنّ المكلفين بضم هداية القرآن وتوجيهات الأنبياء والأئمّة إلى إراداتهم وطلباتهم،  يفوزون بالسعادة ويصلون إلى أرقى المقامات في الحياة الأخروية ويتخلّصون من تبعات المعاصي ولوازمها.

فالمكلف وحده لا يصل إلى هذه المقامات،  ولا يتخلص من تبعات المعاصي،  كما أنّ خطاب القرآن والأنبياء وحده من دون أن يكون هناك من يسمع قولهم ويلبّي نداءهم لا يكون له أثر وإنّما يؤثر إذا انضمّ عمل المكلف إلى هدايتهم،  وهدايتهم إلى عمل المكلف فعندئذ تتحقق هذه الغاية.

وبهذا تبيّن أنّ هذه الشفاعة لغوية،  لا تمت إلى الشفاعة المصطلحة بصلة،  وذلك لأنّ جميع هذه الأمور،  أعني اتّباع المكلف وقيادة الأنبياء وهداية القرآن،  غير متحققة إلّا في الظروف الدنيوية وإن كانت تظهر النتيجة التامة في الحياة الأخروية،  والشفاعة المصطلحة عبارة عن تحقق الشفاعة في الحياة الأخروية وظهور نتائجها فيها،  وعندئذ يكون بين الشفاعتين بون بعيد.

والدليل على أنّ ظرف الشفاعة المصطلحة هو الحياة الأخروية: ما ورد في القرآن الكريم،  حيث عرف ظرفها اليوم الأخروي،  إذ قال سبحانه: ( وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ )[9].

وقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ )[10] وقال سبحانه: ( يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً )[11] وقال سبحانه: ( يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلىً عَن مَوْلىً شَيْئاً وَلا هُمْ يُنصَرُونَ * إِلا مَن رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الرَحِيمُ )[12].

فأنت إذا لاحظت هذه الآيات وأمعنت النظر في كلمة ( يَوْمَ ) التي وردت في هذه الآيات مكررةً،  تقف على أنّ ظرف إعمال الشفاعة وتحققها وظهور نتائجهاجميعاً إنّما هو الحياة الأخروية،  أعني اليوم الموعود الذي وعده الله لجميع الناس.

وأمّا الشفاعة القيادية فنفس الشفاعة وتحقّقها وتكوّنها في الحياة الدنيا وإنّما تتحقّق نتائجها وتظهر آثارها في الحياة الأخروية فكيف يصح أن تفسّر إحدى الشفاعتين بالأخرى ؟!

والذي يكشف عن ذلك هو أنّ بعض الآيات النافية للشفاعة والمثبتة لها إنّما وردت في نفي عقيدة اليهود القائلين بالشفاعة الباطلة،  فأراد القرآن بنصوصه إخراج أمر الشفاعة بصورة صحيحة لا تأباه الفطرة،  ولا تنخرم به الأصول العقلية،  فبما أنّ اليهود يعتقدون بأنّ انتسابهم إلى الأنبياء يوجب أن لا تمسّهم النار يوم القيامة إلّا أياماً معدودة،  جاء القرآن يفنّد هذه المزعمة بنفي الشفاعة المطلقة المحررة من كل قيد وإثبات شفاعة محدودة ومقيّدة،  وعلى ذلك فالنفي والإثبات في آيات الشفاعة لا يردان على المورد الواحد إلّا بجعل ظرف تلك الشفاعة هو يوم القيامة والحياة الأخروية.

وعلى ذلك لا ينبغي لمفسّرٍ إرجاع الآيات المربوطة بالشفاعة،  إلى الشفاعة القيادية،  التي لا ترتبط بعقيدة اليهود في أمر الشفاعة وليس لها ظرف إلّا هذه الحياة الدنيوية.

أضف إلى ذلك أنّ القرآن يعرّف الملائكة بأنّهم من الشفعاء ويقول سبحانه: ( وَكَم مِن مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ )[13] ومن المعلوم أنّ الشفاعة الممكنة من الملائكة في حق الإنسان إنّما هي الشفاعة المصطلحة،  لا القيادية فإنّ البشر العادي لا يقدر على الاستنارة والاستفادة من الملك،  ولا يمكن للملك أن يتكفل قيادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا.

وهذه الوجوه وغيرها تفنّد زعم من فسّر الشفاعة الواردة في القرآن الكريم بالشفاعة القيادية،  منهم الشيخ الطنطاوي في تفسيره،  فإنّه لما لم يتوفّق لحل مشاكل الشفاعة التي اخترعتها بعض العقول المنحرفة في أمر الولاية،  صار إلى تفسير آياتها بالشفاعة القيادية،  وأخذ يفسرها بتعاليم الأنبياء وهداية القرآن التي يصل بها الإنسان إلى الفوز والسعادة،  ويتخلّص بها من العذاب حيث قال :

إنّ شفاعة الأنبياء ليس من قبيل الهبات المالية ولا الوظائف الإدارية وإنّما هي نفحات علمية وأخلاق حكمية وآداب نبوية[14].

فَمَن فَقِهَ ما قالوه واتّبع ما رسموه واستثمر من بذور الشفاعة ما بذروه،  تمت له الشفاعة ودخل مع الجماعة وليس هذا القول بمخالف أهل السنّة ولا المعتزلة،  فإنّ خروج العاصي من النار بالشفاعة أو إبعاده عنها قبل الدخول وكذلك زيادة الحسنات في الأعمال للصالحين،  كل هذا جاء من شفاعته واتّباعه بل كل ثواب فإنّما هو بسبب ذلك وهكذا كل نجاة،  فإنّه صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله لو لم يأت لنا بالشريعة لكنّا أقرب إلى الحيوان فصرنا باتّباعه داخلين في شفاعته،  ولا يكون ذلك إلّا باتّباعه ولا ننال إلّا ما استعددنا له.

3. الشفاعة المصطلحة

وحقيقة هذه الشفاعة لا تعني إلّا أن تصل رحمته سبحانه ومغفرته وفيضه إلى عباده عن طريق أوليائه وصفوة عباده،  وليس هذا بأمر غريب فكما أنّ الهداية الإلهية التي هي من فيوضه سبحانه،  تصل إلى عباده في هذه الدنيا من طريق أنبيائه وكتبه،  فهكذا تصل مغفرته سبحانه وغفرانه إلى المذنبين والعصاة يوم القيامة من عباده عن ذلك الطريق.

وإن شئت قلت: إنّ إرادته الحكيمة جرت في صفحة الوجود أن يتحقق كل شيء من طريق الأسباب الخاصة،  والعلل المعينة فكما أنّ رحمته التي وسعت كل شيء تصل إلى عباده في الحياة الدنيوية،  عن طرق خاصة وعلل طبيعية يلمسها كل من فتح عينه على الكون،  فكذلك رحمته المعنوية ومغفرته الوسيعة تصل في الحياة الأخروية إلى عباده عن طريق علل وأسباب خاصة ومن تلك الأسباب،  أولياؤه وصفوة خلقه،  ودعاؤهم وطلباتهم.

وما ذلك إلّا لأنّ الله سبحانه قد جعل لكل شيء سبباً وقضى أن لا يصدر المسبب إلّا بتوسط أسبابه،  فدار الوجود وصفحة الكون مدار الأسباب والمسببات والعلل والمعلولات،  وقد جرت عليه مشيئته وإرادته.

أضف إلى ذلك أنّ وصول فيضه عن طريق أوليائه إلى عباده،  تكريم للأولياء،  وإظهار لمقامهم ونوع مثوبة لهم بالنسبة إلى طاعتهم وتضحياتهم،  في طريق الحق،  وإبلاغ رسالاته وأوامره.

ولا بعد في أنّ يصل غفرانه سبحانه إلى عباده يوم القيامة عن طريق خيرة عباده فإنّ الله سبحانه قد جعل دعاءهم في الحياة الدنيوية سبباً،  ونص بذلك في بعض آياته فنرى أنّ أبناء يعقوب لما عادوا خاضعين،  رجعوا إلى أبيهم وقالوا له: ( يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ )[15] فأجابهم يعقوب بقوله: ( سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ )[16].

وليس يعقوب وحيداً في هذا الباب بل النبي الأكرم أحد من يستجاب دعاؤه في حق العصاة قال سبحانه: ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً )[17].

وهذه الآيات ونظائرها مما لم نذكرها مثل قوله: ( وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ )[18] تدل على أنّ مغفرته سبحانه قد تصل إلى عباده بتوسيط واسطة كالأنبياء،  وقد تصل بلا توسيط واسطة،  كما يفصح عنه سبحانه بقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً )[19]،  وقوله: ( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ )[20] إلى غير ذلك من الآيات التي تكشف عن أنّ توبة العبد تجلب المغفرة بلا واسطة أحد وقد تصل بتوسيط واسطة هي من أعز عباده وأفضل خليقته وبريته.

وتتضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق وبخاصة دعاء الصالحين من المؤثرات الواقعة في سلسلة نظام العلة والمعلول،  ولا تنحصر العلة في العلل الواقعة في إطار الحس،  فإنّ في الكون مؤثرات خارجة عن إحساسنا وحواسنا بل قد تكون بعيدة حتى عن تفكيرنا،  يقول سبحانه: ( وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْراً)[21].

فما المراد من ( المُدَبِّرَاتِ أَمْراً ) ؟ أهي مختصة بالمدبرات الطبيعية المادية،  أو المراد هو الأعم منها ؟ فقد روي عن أمير المؤمنين تفسيرها بالملائكة الأقوياء،  الذين عهد الله إليهم تدبير الكون والحياة بإذنه سبحانه،  فكما أنّ هذه المدبرات يجب الإيمان بها وان لم تعلم كيفية تدبيرها وحقيقة تأثيرها،  فكذلك الدعاء يجب الإيمان بتأثيره في جلب المغفرة،  ودفع العذاب وان لم تعلم كيفية تأثيره.

ويشير إلى ذلك ما روي عن النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله حيث سئل عن الأحراز التي يتداولها سواد الناس يقصدون بها الاستشفاء،  وهل أنّها تستطيع أن تغير القدر أو لا ؟ فأجاب صلى‌الله‌عليه‌وآله: « هي من قدر الله »[22]. فأخبر بهذا عن أنّ الدعاء أيضاً جزء من القدر الإلهي،  فكما قدر أن يشفى المريض بسبب الداوء كذلك قدر أن يشفى بالدعاء.

ثم إنّ العلّامة الطباطبائي رضوان الله عليه قد أوضح كيفية تأثير الشفاعة في جلب الغفران ودفع العذاب بقوله: « إنّ الشفيع إنّما يحكّم بعض العوامل المربوطة بالمورد،  المؤثرة في رفع العقاب مثلاً من صفات المشفوع عنده ( أي الله سبحانه ) على العامل الآخر الذي هو سبب وجود الحكم وترتب العقاب على مخالفته ( إلى أن قال: ) ومن هنا يظهر أنّ الشفاعة من مصاديق المسببية فهي توسيط السبب المتوسط القريب بين السبب الأوّل ومسبّبه.

وإن شئت قلت: إنّ الشفيع يستفيد من صفات الله العليا من الرحمة والخلق والإحياء والرزق وغير ذلك في إيصال أنواع النعم والفضل إلى كل مفتقر محتاج من خلقه،  فكما أنّ الشفاعة التكوينية ( التي مر ذكرها وشرحها في القسم الأوّل من الشفاعة ) ليست إلّا توسط العلل والأسباب بينه وبين مسبباتها في تدبير أمرها وتنظيم وجودها وبقائها كما يفصح عنه قوله سبحانه: ( يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ )[23] فكذلك الشفاعة المصطلحة فإنّ الآيات تثبت الشفاعة لعدة من عباده من الملائكة والناس من بعد الإذن والارتضاء،  فلهم أن يتمسكوا برحمته وعفوه ومغفرته وما أشبه ذلك من صفاته العليا لتشمل عبداً من عباده ساءت حاله بالمعصية وشملته بلية العقوبة،  ولله الملك وهو القائل عز من قائل: ( فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ )[24]. [25]

وبذلك ظهر أنّ الشفاعة المصطلحة قسم من الشفاعة التكوينية،  بمعنى تأثير دعاء النبي ومسألته في جلب الغفران بتوسيط صفاته العليا في هذا الأمر.

أضف إلى ذلك: انّ تأثير الشفاعة في جلب الغفران ونزول الفيض،  لا يحتاج إلى هذا التحليل أساساً،  فإنّ الله سبحانه هو مالك يوم الدين وله الملك وله الأمر،  فكما أنّ له إحباط عمل الكفار والمنافقين إذ يقول سبحانه: ( وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنثُوراً )[26] وقال سبحانه: ( فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ )[27] فكذلك له أن يغفر من ذنوب عباده ما شاء ولمن شاء وبما شاء إذ يقول: ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ )،  والآية واردة في غير مورد الإيمان والتوبة فإنّ الإيمان والتوبة،  يغفر بهما الشرك أيضاً.

فكما أنّ له تكثير القليل من العمل قال سبحانه: ( أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَرَّتَيْنِ ) وقال سبحانه: ( مَن جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ) كذلك له أن يجعل المعدوم من العمل موجوداً قال سبحانه: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِنْ عَمَلِهِم مِن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ).

وهذه الآية تصرح بأنّ ثواب العمل يصل إلى ذرية الإنسان أيضاً وإن لم تفعل هي بنفسها.

ولا يتوهم من هذه الآيات أنّ المغفرة والعقاب لا يخضعان لقانون بل الله يفعل ما يفعل بملاكات ومصالح مقتضية خفية علينا،  ولتكن من ذلك شفاعة أوليائه وتوسط صفوة عباده في هذا المورد.

الهوامش:


[1] فاطر: 15 ـ 17.

[2] محمد: 38.

[3] القصص: 24.

[4] يونس: 3.

[5] الميزان: 10 / 6 ـ 7.

[6] الأنعام: 51.

[7] مجمع البيان: 2 / 304.

[8] الكافي: 2 / 238.

[9] البقرة: 48.

[10] البقرة: 254.

[11] طه: 109.

[12] الدخان: 41 ـ 42.

[13] النجم: 26.

[14] ) تفسير الطنطاوي: 1 / 69 ـ 70.

[15] يوسف: 97.

[16] يوسف: 98.

[17] النساء: 64.

[18] التوبة: 103.

[19] التحريم: 8.

[20] هود: 90.

[21] النازعات: 1 ـ 5.

[22] ) التاج الجامع للأصول: 3 / 178 ـ 179. وروى الصدوق عن الإمام الصادق عليه‌السلام عندما سئل عن الرقى: أتدفع من القدر شيئاً ؟ فقال: « هي من القدر ». راجع توحيد الصدوق: 389.

[23] يونس: 3.

[24] الفرقان: 70.

[25] الميزان: 1 / 161 ـ 163 بتلخيص.

[26] الفرقان: 23.

[27] محمد: 9.

2020/05/05

العبادة أم العمل: كيف يسهم التديّن في بناء الحضارة الإنسانية؟

آية الله السيد منير الخباز: العبادة كل عمل يتصل بالله ويقصد به وجهه.

آية الله الخباز: التدريس والتعليم والعمل وطلب الرزق عبادة وكذلك تطوير النفس وتهذيب الشخصية.

آية الله الخباز: العبادة لا تنحصر في طقوس واعمال معينة.

آية الله الخباز: الإنسان المتدين والعابد هو الإنسان الهادف الذي يحمل هدفاً كبيراً ومهماً في الحياة ويعمل على تحقيق انجاز لم يحققه غيره.. هذا هو الانسان المتدين.

 

2020/05/03

الملحد عدوّ نفسه!

روي عن النبي (ص) أنه قال: أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك‏ (مجموعة ورام ج1 ص59).

وعن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة: من عشق شيئاً أعشى بصره، وأمرض قلبه، فهو ينظر بعين غير صحيحة ويسمع بأذن غير سميعة.. لا ينزجر من الله بزاجر ولا يتعظ منه بواعظ.

لقد عشق الملحدُ الإلحادَ فأمرَض قلبه، لذا تراه في كلّ وادٍ يهيم.. يتخبط خبط عشواء، ولا يهتدي للحق سبيلاً..

فتارةً يعترف أن قوانين الكون (دقيقة وعظيمة) وتارة أخرى ينفي أن يكون لها (صانع عظيم)!

فيما يلي جملة من كلمات رموز الإلحاد التي تبيّن مقدار التناقض، أوصلهم إليه حُبُّ الإلحاد فأعشى بصر بعضهم وأعمى عيونهم حتى لم تعد تنفعهم المواعظ.

أولاً: دقة نظام الكون بلا خالق!

هذه كلمات جملة من الملحدين ك(ستيفن هوكنغ) و(ليوناردو ملودينو) في كتابهما التصميم العظيم، والفيزيائي (فيكتور ستينغر) في كتابه عن الله، واللا أدري (برايان غرين) في كتابه الكون الأنيق:

"يمكن فهم الكون لأنه محكوم بقوانين علمية…" (التصميم العظيم ص109)

"إن نظامنا الشمسي لديه خصائص أخرى (محظوظة) لم يكن من الممكن أن تتطور اشكال الحياة المعقدة من دونها…." (التصميم العظيم ص180)

"إذا كانت كتلة شمسنا أقل أو أكثر من 20 %، فإن الارض ستكون أبرد من المريخ أو أسخن من الزهرة".(التصميم العظيم ص183)

"معظم الثوابت الأساسية في نظرياتنا تبدو مضبوطة بدقة، بمعنى أنها لو ُعدِّلت بمقادير بسيطة فإن الكون سيختلف كيفياً، وسيكون في حالات عديدة غير ملائم لتطور الحياة.

تُكّوِّنُ قوانين الطبيعة نظاماً منضبطاً بدقة فائقة… وإن لم توجد تلك السلسلة من التوافقات المذهلة لتفاصيل القانون الفيزيائي الدقيقة، فسيبدو أنه لن يظهر أبداً لا البشر ولا أشكال الحياة المماثلة إلى الوجود".(التصميم العظيم ص194)

"من الواضح أن المعاملات الفيزيائية لبيئتنا لو كانت مختلفة قليلاً لما كانت الحياة كما نعرفها على الأرض قد تطورت" (ستينغر في كتابه عن الله ص141)

"سيصبح العالم مكاناً مختلفاً جداً إذا تغيرت خواص المادة وجسيمات القوى ولو تغيراً طفيفاً". (الكون الأنيق ص28)

فهذه سبعة نماذج من كلماتٍ كثيرةٍ لهؤلاء يؤكدون فيها على أن تغييراً طفيفاً في نظام الكون الأساسي يؤثر على أشكال الحياة كلها ولن يكون هناك مجال لوجود البشر ولا أي حياة في الوجود!

ويقر بهذا أغلب علماء العصر بمن فيهم الملحدون واللا أدريون الآخرون..

ومن الطبيعي أن تؤدي هذه الأقوال إلى الاعتقاد بوجود خالق عظيم لهذا الكون الدقيق..

ولا يجد العاقل بداً من الاعتقاد بالإله بعدما يرى هذه الدقة المتناهية في نفس الإنسان وفي الكون الفسيح.

وإذا ما احتججت بذلك على الملحدين فلا يمكنهم إنكار أن كل الدلائل تشير إلى الخالق، فيصرح هوكنغ وملودينو بقولهما:

يبدو أن كوننا وقوانينه كليهما مصَّممان على يد خياط ماهر لدعم وجودنا… (التصميم العظيم ص195)

لكنهما سرعان ما يبادرا إلى نقض هذه الكلمات الذهبية التي أقرا بها، ونفي ذلك عند الحديث عن أن الله هو الخالق فيقولان: ليست تلك هي إجابة العلم الحديث! (ص197)

وإن سألتهما لماذا ؟

سينفيان أن يكون الكون مصمماً ليلائم الجنس البشري.

ويقولان: إن كوننا (قد) يكون واحداً من عدّة أكوان، لكل منها قوانين مختلفة! (ص197)

وبالتالي يرجع الأمر (بحسبهم) للصدفة لا للمصمم الماهر! رغم كل هذه الدقة العجيبة.

إذاً قد جعلا احتمال وجود أكوان أخرى لها قوانينها المختلفة سبباً لإنكار دليل الخلق!!

والحال أنه على فرض وجود الاكوان المختلفة التي تتعدد قوانينها، فينبغي ان يكون ذلك مؤيدا لأدلة وجود الله تعالى، فإنه يدل على عظمة الله تعالى حيث خلق أكواناً مختلفة لكل منها قانونها الخاص الذي يتكيف معها.

إن كلامهم يشبه قول الطفل: الجمع بين الرقمين 1+1=2 هو حساب صحيح إن لم يوجد في الدنيا أي حساب غيره.

لكن إن وجد جمعٌ آخر مثل 2+2=4 فإن الجمع الأول 1+1=2 سيكون خاطئاً !!

إن احتمال تعدد لأكوان أو الجزم بوجودها لا يكون نافياً لكل الدقة الموجودة في الكون، فإن كانت الدقة مُسَلَّمة في كون واحد لن يكون بإمكاننا نفيها إن أثبتنا أكواناً أخرى! وستكون هي طريقاً لإثبات الخالف.

مجدداً.. السبب في هذا التهافت.. أن الملحد عدو نفسه!

ثانياً: من أوجد قوانين الكون؟

بعد أن يسلم الملحد بأن خلق الكون لا بدّ أن يكون وفق قوانين خاصة، كما يقول الملحدان هوكينغ وملودينو:

"كيف يتم خلق مجمل الكون من لا شيء؟ لهذا يجب أن يكون هناك قانون كقانون الجاذبية…". (التصميم العظيم ص215)

تكاد تتصور أنهما قد اهتديا إلى مَن سنّ هذه القوانين، إلا أنهما يفاجئانك بالقول أن:

"بداية الكون كانت محكومة بقوانين العلم، وأن الكون ليس بحاجة للانطلاق بمعرفة إله ما.."!! (التصميم العظيم ص165)

ولا ينقضي تعجبك إن سألتهم كيف ينبغي ان تكون البداية محكومة للقوانين ولا تكون القوانين بحاجة إلى إله؟!

يزداد تمسّكهم بالتناقض في قولهم أن (مجمل الكون) يمكنه أن يظهر من (لا شيء) لكن (النجوم) وسائر الأجسام لا يمكنها ذلك؟!

أي منطق وعلم يمكن استفادته من هذه الكلمات؟!

يقولان:

– أجسامٌ مثل النجوم أو الثقوب السوداء لا تستطيع الظهور وحسب من لا شيء. لكنّ مجمل الكون يمكنه ذلك…

– لا توجد قيود على خلق مجمل الكون. لأن هناك قانوناً مثل الجاذبية، فإن الكون يمكنه أن يخلق نفسه من لا شيء…

– ليس من الضروري أن نستحضر إلهاً لإشعال فتيل الخلق ولضبط استمرار الكون.(التصميم العظيم ص216)

ولا يتمكن هؤلاء من تفسير ظهور الكون الذي نعيش فيه بسبب وجود قانون الجاذبية، وعدم ظهور أكوان جديدة تنطلق من الكرة الأرضية كل يوم طالما أن قانون الجاذبية لا يزال محفوظاً على الأرض..

يحاول بروفيسور الفيزياء والفلك فيكتور ستينغر التخلص من هذا الإشكال بطريقة أكثر غرابة.. يقول:

"فمن أين أتت قوانين الفيزياء ؟ … لا يوجد سبب يمنع قوانين الفيزياء من أن تنشأ من داخل الكون نفسه". (كتابه عن الله ص125)

مغالاة ستينغر في الإلحاد أوقعته في التناقض الواضح:

إذا كان الكون بحاجة إلى قوانين الفيزياء ليوجد.

وقوانين الفيزياء ستنشأ من داخل الكون نفسه.

فتوقف الكون على وجود القوانين، وتوقفت القوانين على وجود الكون!

وتَوَقُّفُ الشيء على نفسه مستحيل عند كافة أهل المنطق والعقل.. لكن من يدري.. لعل ستينجر يلتزم بإمكان حصول المستحيل كما بإمكان اجتماع النقيضين!

الدجاجة تنتظر البيضة.. والبيضة تنتظر الدجاجة! والبيضة والدجاجة موجودتان!

يحاول ستينجر الدفاع عن فكرته بالقول: إن أكثر قوانين الفيزياء أساسية ليست تقييدات لسلوك المادة. بل هي تقييدات للطريقة التي قد يفسر بها الفيزيائيون هذا السلوك.(ص126)

فيخلط بين (القانون) وبين (تفسير القانون)، ليزعم أن (أكثر) القوانين هي تفسيرات للظواهر الموجودة وليست قوانين فعلاً.

لكن..

إذا كانت قوانين الفيزياء هي مجرد (تفسير لسلوك المادة)، فإننا ننقل الكلام ل(سلوك المادة) نفسه وفق نظام معين، وهذا هو القانون الذي كان لا بد منه بحسب هؤلاء العلماء.

فالجاذبية مثلاً تفسر سقوط الاجسام، ولكن كلامنا ليس عن (تفسير السقوط) إنما الكلام في السقوط نفسه، فالتفسير لا يكون سبباً في السقوط إنما يكون شرحاً وتوضيحاً للجاذبية.

لكن من الذي أوجد (حقيقة الجاذبية) و(سلوك المادة) في سقوطها ؟

هناك حقيقة وهي أن الجاذبية موجودة والاجسام تسقط الى الارض. وهذه لا تتغير مهما كان (القانون الفيزيائي) فمن أوجد هذه الجاذبية؟

فإذا نقلنا الكلام الى (سلوكيات المادة) نفسها، وليُسَمِّها ستينغر بما شاء، إذ عليه أن يخبرنا كيف تخرج من الكون الذي توقف وجوده عليها؟!

وكيف للانفجار الكوني أن يولد الكون دون أن يكون محكوماً لـ (سلوكيات المادة) التي تولد منها الانفجار؟

كأنه يقول بعبارة أخرى: قانون الجمع يفسر لنا كيف يكون 1+1=2 وهذا القانون بشري.

فنقول له: نعم (تفسير) كيفية كون 1+1=2 امر بشري، لكن نفس كون النتيجة 2 هي امر تكويني واقعي خارجي، لا دخل لنا به، إنما قد يكون لنا دخل في تفسيره.

فيرجع الأمر لا محالة إلى الدور وإلى توقف الشيء على نفسه.. ولا نجد من الملحدين إلا (تلاعباً بالألفاظ) لا يسمن ولا يغني من جوع.

يحاول ستينغر الدفاع عن كلماته بما يخالف فيه سائر علماء الفيزياء..

فيقول: نحن عادة ما نفكر في قوانين الفيزياء كجزء من تركيب الكون. ولكني أجادل هنا بأن قوانين الحفظ الثلاثة الكبرى ليست جزءاً من أي تركيب. بل إنها تنبع من انعدام التركيب ذاته في أول لحظة.

لا شك أن هذه الفكرة صعبة الفهم. وآرائي في هذا الموضوع بالذات لا يتقبلها إجماع الفيزيائيين.. (كتابه عن الله ص127)

كيف يريد الملحدون الذين يتمسكون بما يسمونه (العلم الحديث) منا أن نترك (يقيننا) بديننا لأجل كلمات يرددها عالم فيزياء ملحدٍ فاقد للإنصاف والموضوعية، وهو مقرٌّ بأنها (آراء خاصة) لا يقبلها (إجماع الفيزيائيين)!

إن ستينغر يبقى عاجزاً عن تفسير كيفية تحول (انعدام التركيب) أي العشوائية التي يتحدثون عنها في انطلاق الكون إلى (سلوكيات منتظمة) نراها كل يوم في الكون يؤدي أي اختلال فيها إلى خراب هائل لا يمكن توقعه.

لقد زعموا كابن ابي العجواء أن ليس من آثار تدل على الله تعالى.. حيث روى الكليني قوله للإمام الصادق عليه السلام:

ما منعه إن كان الأمر كما يقولون (من الإيمان بالله والمعاد..) أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان؟

و لم احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل لو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الإيمان به؟

فقال لي (ع): ويلك وكيف احتَجَبَ عنك من أراك قدرته في نفسك؟

نشوءك ولم تكن

وكبرك بعد صغرك

وقوتك بعد ضعفك

وضعفك بعد قوتك

وسقمك بعد صحتك

وصحتك بعد سقمك…

ولعلّ أفضل ما توصف به كلمات كل واحد من هؤلاء الملحدين هو عبارة أمير المؤمنين عليه السلام حينما نهى عن مؤاخاة بعض أصناف الناس.. ومنهم من: سكوته خير من نطقه‏ (الكافي ج2 ص376).

2020/04/29

اخترع «آيفون» أم صنع صاروخاً: ماذا نتوقع من الدين؟!

ما الذي يقدمه الدين في هذا العصر الذي تطور فيه العلم و الإنسان، فبالمقارنة مع الإنسان الموجود وقت نزول الدين يجد الفرق كبير جداً؟

هذا وكذلك أسئلة أخرى تطرح في هذا الزمان كثيراً في السؤال عن ما يقدمه الدين بعد تطور الإنسان في مجال العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والفلسفة، حيث إن الإنسان اليوم استطاع أن يخترق المجرات، كما استطاع أن يخترق الذرة و أن يتعرّف على البنى التحت ذرية المكونة لهذا الأجسام العظيمة، كما أنه استطاع أن يرجع بعقله إلى أكثر من ثلاثة عشر مليار سنة لكي يتلمس بداية الكون، وهو يقدم الآن حزمة من النظريات في علم النفس وفي علم الاجتماع وفي علم القانون، فبعد كل هذا ما هي حاجتنا إلى الدين؟  ما الذي يُعطينا الدين؟  ما الذي يُقدم لنا الدين؟  خصوصاً إذا كان الدين يرجع إلى أكثر من 1400 سنة؟

في مقام الإجابة على هذا السؤال باختصار أذكر جملة من الأمور التي يُقدمها الدين، ولا يُقدمها علم شيء آخر غير الدين:

تنبيه العقول القاصرة وتحصينها من الشبهات

الأمر الأول:  هو أن الدين يُنبه العقل القاصر إلى مبدئه ومعاده، فإن العقل في بداية تكوينه ليس كالعقل في نهاية تكونية، فقد ذكر الفلاسفة أن الإنسان يولد بلا ذهن، ثم إذا تحصل على الصور الذهنية يوجد عنده ما يسمى بالوجود الذهني، ثم يدخل في عمليات التفكير ومن خلال الممارسة المستمرة في علمية جمع المقدمات والانتقال من المقدمات إلى النتائج يكتسب الدربة والخبرة في عملية الاستدلال، والدقة والعمق لا تأتيان له في أول نشآت تفكيره، وإنما تأتيان بعد مراحل، وهذا يعني أن العقل البشري في بداية تكوينه من السهل جداً أن يقع في الشبه، و يمكن أن تأخذه التيارات المنحرفة إلى الانحراف ؛ لأنه لا يملك الحصانة الفكرية، و الدين يأتي للعقل الإنساني ويُنبهه إلى مرتكزاته الفطرية ويُقدم له أدلة وبراهين تُؤيدها الفطرة على وجود الله تبارك وتعالى، يقول تعالى:  (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (ال عمران 190)، فقبل أن يتلقفه العقل المادي ويقول:  له العالم مادة، والمادة يمكن أن توجد من لا شيء يُقدم الدين له دليلاً فطرياً، فإذا جاء المادي يصطدم مع ما قدمه الدين من تنبيه على وجود الله تبارك وتعالى، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المعاد، يقول تعالى:  ( َلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ، وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ) (البلد 8-9)، فإن في هذه الآية دليلاً فطرياً على ثبوت المعاد، فالقرآن يريد أن يقول للإنسان: إذا التفت إلى جعل العينين والشفتين في عالم الأرحام تقطع أن الحكيم الذي أوجدك لم يخلقك للرحم، وإلا لما وضع لك العين التي لا تبصر بها في عالم الرحم ولا اللسان الذي لا تتحدث به في عالم الرحم، أنت خلقت لنشأة أخرى وهي عالم الدنيا، وهذا يجري في ما تجده في نفسك من فطرة على حب الخلود والبقاء، والسعي لأن تكون محفوظاً دائماً من الآفات والمهلكات، فإن من خلقك وأودع فيك هذه الفطرة لم يخلقك لهذه النشأة الفانية، وإنما لنشأة أخرى دائمة ( يا أيها الناس خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء وإنما من دار إلى دار تنقلون ) (الأمالي، الشيخ الطوسي، ص216) فالدين يُقدم الأدلة العقلية على المبدأ والمعاد لعامة الناس بصورة فطرية في مراحل تكامل عقولهم الأولى، وبهذا يُشكل لهم حصانة فيما إذا اصطدموا بعد ذلك بشبهات التيارات المختلفة. 

بيان الغاية من خلق الإنسان

الأمر الثاني:  إن الدين يُبين الغاية من خلق الإنسان، نحن لماذا خلقنا؟  ما هو الهدف من وجودنا؟  هذا السؤال لا يمكن أن نتحصل على جواب له في علم الرياضيات ولا في علم الفيزياء ولا في علوم الأحياء ؛ لأن الغاية من خلق الخلق لا يعرفها إلا من خلق الخلق، فالله تبارك وتعالى هو الذي خلق الخلق، وخلق لغاية وهو يعرف غايته، و إذا أردنا أن نتعرف على غايته لابد أن يُخبرنا، والباري تبارك وتعالى يُخبر من خلال الدين يخبرنا بأن الغاية أن بلغ مقام الكمال ليس فقط في نشأة الدينا، وإنما في نشأة الدنيا وفي نشأة الآخرة. 

وهذا يجعلنا بحاجة ماسة إلى معرفة عدة أمور لا نعرفها إلا بواسطة الدين:

1ـ كيف نحصل السعادة في النشأة الأخرى؟

2ـ ما الموانع التي تمنعنا من الظفر بالسعادة هناك؟

3ـ هل الظواهر المبغوضة لنا في هذه النشأة تنافي هدفية الكون واشتماله على الحكمة؟

قيمة الأحكام الأخلاقية

الأمر الثالث:  هو أن الدين يقدم الجزم بوجود قيم أخلاقية ملزِمة، فالسؤال الذي نواجهه هنا:  هل يمكن أن نجزم بلزوم فعل العدل ولزوم ترك الظلم مع عدم الاعتقاد بوجود الله تبارك وتعالى؟

التفتوا جيداً:  هناك فرق بين أن أدرك أن العدل حسن وأن الظلم قبيح، وبين أن أجزم وأحكم بضرورة أن لا أظلم وأن لا أترك العدل، هذان أمران مختلفان، و فلاسفة ما بعد الحداثة كـ(فردريك نيشته) يقولون: إن الكون وجود مادي ونحن كالحشرات وجدنا من خلال تطور كما يقول (تشارلز روبرت داروين) فما في الكون ليس إلا هذه المادة التي تتموج، وعليه ينبغي أن يُحكم المجتمع الإنساني بالنظام الحاكم على عالم الأحياء، وهو قانون البقاء للأقوى، لهذا (فريدريك نيشته) يطرح (نظرية السوبرمان) وهي الإنسان فائق القوة، ويرى فيها أنه لا ينبغي أن نلتفت إلى القيم والأخلاق، هذه كلها عناوين يستثمرها الضعفاء لكي يُكبلوا الأقوياء ويمنعون الأقوياء من ممارسة حقوقهم الطبيعية وهو أن تكون الغلبة لهم، ففي كتاب (جنياجولوجيا الأخلاق) يذكر أن الدين المسؤول تاريخياً عن تعميم وترسيخ الأخلاق، وهي قيم العبيد البليدة والخانعة، فعلى هذا هو يرى أن من حق الأقوى أن يُدخل الضعيف في أفران النار أو في غرف الغاز وأن يقضي على أصحاب العاهات والأمراض حتى لا يبقى إلا الأقوى، وهذه العقلية هي العقلية التي اعتمدت عليها النازية، وهي عقلية رجل الكوبوي المسيطرة على العالم اليوم، وهي عقلية اللا أخلاق وإنما للأقوى أن يفعل ما يشاء، وهذه طبيعة لابد وأن نُسلم بها إذا كنا نعتقد بأن الوجود ليس إلا مادة وعالم المادة محكوم بقانون البقاء للأقوى لهذا (ريتشارد دوكينز) في كتابه (وهم الإله) يذكر أنه إذا لم نؤمن بالدين فمن الصعب الدفاع عن ما يسمى بالقيم المطلقة، فلابد أن تكون متدين في البداية ثم تكون رجلاً خلوقاً بمعنى يوجد ما يجعلك تلتزم بترك الظلم والعدل، فإنك إذا اعتقدت بوجود لله وأن الله رقيب، وأنه سوف يُعاقبك فيما إذا فعلت السيء حينئذٍ ـ لدفع الضرر عنك ـ سترى أن من اللازم أن لا تركب القبيح وأن لا تفعل إلا الحسن فيما إذا أمنت العقوبة من غير الله تعالى، أي سترى من اللازم عليك العمل بالقيم الأخلاقية المطلقة، لأنه لا تنجو من تبعية عملك، يقول (دوكنز):  " ليست جميع الأحكام المطلقة مستمدة من الدين، ولكن من الصعب جداً الدفاع عن القيم الأخلاقية المطلقة على أرضية أخرى غير الدين" ( وهم الإله ص 232).

إننا نشاهد ما يعرف في الأفلام الوثائقية التي توثق عمليات افتراس الحيوانات لبعضها البعض، ولا نرى ذلك قبيحاً، وإنما ننظر إليه على أنه حق طبيعي بمقتضى قانون البقاء للأقوى، و طبيعة طلب انتفاع الحي بمثله، فلماذا لا يكون الأمر كذلك في ممارسات الجيش النازي في الحرب العالمية الثانية، أو ممارسة اليابانيين في الصين أو اليهود في فلسطين؟!

إن الملحد الذي ينطلق من المادة في تفسير كل شيء لا يملك جواباً، ولهذا ضحكت كثيراً عندما قرأت لـ(ريتشارد دوكنز):  "القيم الأخلاقية التي يبشر بها المتدينون عبارة عن ماذا؟ رجم الناس لممارسة الجنس قتل من يترك دينه إذن، لا أظن أنني أريد قيم أخلاقية مطلقة أريد قيم أخلاقية ناتجة عن تفكير ومناقشة و برهنة و يمكن القول قيم مبنية على تصميم ذكي".

فإن كلامه يواجه عدة ملاحظات منها

الملاحظة الأولى:  هو أن (دوكنز) لم يبين الأساس العقلي الذي على أساسه رفض الرجم والقتل، فإن كنا حسب التصميم الذكي كالحشرات نتيجة تطور مادي محض، فلماذا يحق للذئب أن يبطش بصغار الماعز وهو ينظر إليهم ـ كما يحق للإنسان ذلك ـ، ولا يسن (دوكنز) قوانين لعقابه، و بماذا لا يحق للبشري أن يقتل مثله كما كان للأسد أن يقتل مثله لأجل السيطرة على مساحة من الغابة؟

الملاحظة الثانية:  هو أنه حصر قيم المتدين في الرجم والقتل، وهذا أمر مجانب للصواب، ويمكن للمتدين أن ينفر من الملحد بممارسة نفس هذا العمل التشويهي فيحصر قيمه في المثلية والشذوذ و الإباحية المطلقة، ولكن الخلوق ينبغي أنه أن يلتزم بقيمه.

الملاحظة الثالثة:  إن المتدين ينطلق من حق الله تعالى، فكما أن لله تعالى أن يمكن بعض الحيوانات من البعض الآخر لمصالح نظامية، له أن يمكن بعض البشر من البعض الآخر لحكمة ومصالح نظامية، وهذا تصرف من مالك في ملكه، فلا ينافي القيم المطلقة.

إذاً، الأمر الثالث الذي يقدمه الدين هو اعتبار القيم الأخلاقية الملزمة، وكما تعلمون لا يمكن أن يقوم مجتمع من دون قيم أخلاقية ملزمة، فلا يمكن أن يسود القانون ويكون القانون مبنياً على العدل والمساوة ويلتزم المشرع المطبق للقانون بقيم القانون إلا إذا كان هناك إلزام أخلاقي، ولا إلزام أخلاقي إلا في ظل الدين. 

الغذاء الروحي و استقرار النفس

الأمر الرابع:  إن الدين يقدم للإنسان الاطمئنان النفسي والاستقرار النفسي وعدم الشعور بالقلق والخوف من المجهول، المؤمن الذي يعتقد بوجود الله تبارك وتعالى يطمئن قلبه (الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد 28) لماذا؟  لأنه يعتقد أن هناك إلهاً رحيماً وهو بصير بحاله يحيطه بالنعم وخلقه لكي يُكرمه، وإكرامه لا يظهر جلياً في هذه النشأة وإنما في النشأة الأخرى، فهذا لاعتقاد يُعطي الإنسان الاطمئنان من جهة المستقبل وما بعد الموت، فكل واحد منها لأنه متدين يجد نفسه ثابتة باقية بعد أن تخرج من هذا الجسد، بينما الملحد إما أنه يجزم بعدم وجود المعاد، فهو لا يرى لحياته معنى ؛ لأنه يقول مهما أنجزت ستكون نتيجتي هي العدم، و قد ذكر ( ألكسيس كاريل ) صاحب كتاب ( الإنسان ذلك المجهول ) أن الذي لا يؤمن بالنشأة الأخرى تسيطر عليه أفكار من قبيل ( ماذا استفيد إذا أنجزت وتحولت إلى تراب ليكن إسمي باقياً، ويقال:  صاحب النظرية الفلانية أو صاحب الاختراع الفلاني، لكن ما قيمة ذكر الناس لي وأنا لا أدرك هذا الذكر وأنا تحولت إلى عدم، يبقى الإنسان يشعر بأن وجوده وجود ناقص ليس كما يحب مهما أنجز، فإذا كان الملحد أو غير المتدين لا يؤمن بالنشأة الأخرى فهو يعيش الحزن ويشعر بالحرمان ؛ لأن النتيجة أنه سوف يتحول إلى عدم. 

وأما إذا كان يشك لا يجزم بعدم وجود المعاد، فهو يشك فيه فيعيش القلق ؛ لأنه يقوله من المحتمل أن هناك إلهاً وأن هذا الإله سوف يُعاقب في تلك النشأة وأنا لم أعتنِ ولم أقدم شئياً لنفسي فمن المحتمل أن أكون معذباً في تلك النشأة، وهذا ما بينته روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فعن الإمام الكاظم (عليه السلام) – أنه قال:  لعبد الكريم بن أبي العوجاء وهو منكر للمبدأ والمعاد -: إن يكن الأمر كما تقول - وليس كما تقول - نجونا ونجوت، وإن يكن الأمر كما نقول - وهو كما نقول - نجونا وهلكت. فأقبل عبد الكريم على من معه فقال: وجدت في قلبي حزازة فردوني، فردوه ومات (التوحيد: 298 / 6). و عن الإمام الصادق (عليه السلام) - أيضاً -: إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء - وهو على ما يقولون (يعني أهل الطواف) - فقد سلموا وعطبتم، وإن يكن الأمر كما تقولون - وليس كما تقولون - فقد استويتم وهم (البحار: 3 / 43 / 18 وص 36 / 12 وص 154 و 78 / 87 / 92). و دخل رجل من الزنادقة على الرضا (عليه السلام) وعنده جماعة، فقال له أبو الحسن (عليه السلام): أرأيت إن كان القول قولكم - وليس هو كما تقولون - ألسنا وإياكم شرعا سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟ فسكت، فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن يكن القول قولنا - وهو كما نقول - ألستم قد هلكتم ونجونا؟ (البحار: 3 / 43 / 18 وص 36 / 12 وص 154 و 78 / 87 / 92). و عن الإمام الصادق (عليه السلام) - في مناظرته مع الطبيب الهندي -: قلت: أرأيت إن كان القول قولك فهل يخاف علي شئ مما أخوفك به من عقاب الله؟ قال: لا، قلت: أفرأيت إن كان كما أقول والحق في يدي ألست قد أخذت فيما كنت أحاذر من عقاب الخالق بالثقة وأنك قد وقعت بجحودك وإنكارك في الهلكة؟ قال: بلى، قلت: فأينا أولى بالحزم وأقرب من النجاة؟ قال: أنت (البحار: 3 / 43 / 18 وص 36 / 12 وص 154 و 78 / 87 / 92).

و يقول الشاعر:

زعم المنجم والطبيب كلاهما * أن لا معاد فقلت ذاك إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر * أو صح قولي فالوبال عليكما

و الإلهي بالعكس، فإنه من هذه الجهة يعيش حالة اطمئنان، ويسعى لكي يُقدم لنفسه في تلك النشأة، كما أن الإلهي يمتلك ببركة اعتقاده بالدين جرعة كبيرة من الصبر فيما إذا ابتلي ووقع في المصائب والمحن ؛ لأنه يعتقد أن الإله الذي خلقه سوف يُعوضه (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة 156) فهو يتحمل كل بلاء ويصبر على كل محنة ؛ لأنه يرى ذلك بعين الله تبارك وتعالى، وأن الله تبارك وتعالى سوف يُجازيه وسوف يُعوضه على ذلك، وأما من لا يؤمن بوجود الله تبارك وتعالى، فإنه يجزع ولا يجد من يُعوضه ويرفع عنه البأس، و يرى أنه صدفة من دون كل الخلائق حاطت به هذه المحن بلا تعويض، لهذا في سنة 2002م طرحت المجلة الأمريكية للطب النفسي بحث قيّم، بحثت فيه ظاهرة الانتحار وانتهت إلى أن عدد المنتحرين في غير المتدينين أكثر بكثير جداً من عدد المنتحرين بين المتدينين، ثم في نهاية هذا المقال والبحث ذكروا أن التدين وصفة طبية لمكافحة ظاهرة الانتحار في العالم، فإذا أردت أن تكافح ظاهرة الانتحار عليك أن تروج الدين، ومن الأمور المضحة جداً يوجد فيلسوف ملحد أسمه (اليان دي بوتون) ألقى محاضرة في (تد)، وطالب في هذه المحاضرة أن تكون هناك طقوس وشعائر للملحدين كما هو موجود عند المتدينين، حيث ذكر أن المتدينين بسبب نشاطاتهم الاجتماعية الدينية وبسبب الشعائر الدينية والطقوس الدينية يتخلصون من مرض الاكتئاب ومن القلق والخوف ومن الاضطراب، والملحدون بحاجة إلى طقوس دينية إلحادية، و عنوان المحاضرة التي ألقاها (النسخة الثانية للإلحاد )، فهو يريد إلحاداً ولكنه إلحاد ديني فيه شعائر دينية وما ذاك إلا لأن الدين يُقدم من الناحية النفسية خدمات للإنسان، حتى أن بعض الملاحدة يعبر عن الدين بأنه كذبة ولكنها كذبة بيضاء حسنة.

هذا بعض ما نتوقعه من الدين، فنحن نتوقع منه أن يُعرفنا على المبدأ والمنتهى، و أن يُعرفنا الطريق الذي نسلكه لكي نتحصل على كمالاتنا الأخروية، و نحن بحاجة إلى الدين لكي نتحصل على حالة الاستقرار والاطمئنان، و لكي يقوم المجتمع بالقسط والعدل (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد25)، فإنه لا ملزم بالقسط مع عدم التدين ولا نتوقع من الدين أن يخترع لنا جهاز آيفون أو صاروخاً نصعد به إلى سطح القمر، مثل هذه النتائج المحبوبة والمقدّرة والمحترمة نتوقع من العلوم التي تساهم في رفع رفاهية الإنسان في عالم الدنيا، والدين يدعو إلى تعلم هذه العلوم، ولكن ما نتوقعه من الدين وراء أن يحث على دراسة هذه العلوم أموراً أخرى ذكرنا بعضها.

2020/04/28

من هم المستخفون بالدين وكيف نتعامل معهم؟

​الاستخفاف بدين الله تبارك وتعالى له مظاهر كثيرة وآثار متعددة، في هذه الكلمة وبنحو من الإيجاز أتعرض لبعض الأمور التي هي من مظاهر الاستخفاف بدين الله تبارك وتعالى:

الأمر الأول: هو مخالفة الأحكام الإلزامية.

كل معصية بلا عذر هي استخفاف بدين لله تبارك وتعالى وبأحكام الله تبارك وتعالى، فتارة يرتكب الإنسان المعصية وهو معذور ؛ لأن المعصية ليست منجزة في حقه، كما لو كان يجهل الحكم أو يجهل الموضوع، مثل صدر منه موقف خشن مع أخيه المؤمن وهو لا يعتقد بحرمة هذا الموقف، أو هو يعتقد بحرمة إهانة المؤمن ولكن يعتقد أن هذا التصرف ليس مصداقاً من مصاديق الإهانة، فعنده إما جهل بالحكم أو جهل بالموضوع، فمثل هذا لا يُعتبر مستخفاً بالدين، فجهله عذره، وأخرى يكون ملتفتاً إلى الحكم وملتفتاً للموضوع، ويعلم بأن هذا الحكم ثابت في الشريعة وأن موضوعه متحقق ومع ذلك يُقدم، فهو في الحقيقية أوقع نفسه في رتبة من رتب الاستخفاف بدين الله تبارك وتعالى فلم يرجو لله وقار، و الشريعة المقدسة أخبرت بوجود عقاب لكل ذنب، وما ذاك إلا لأن كل مذنب استخف بدين لله تبارك وتعالى و استحق العقاب، وهذه القضية واضحة لا تحتاج إلى توضيح، لهذا ينبغي على المؤمن قبل أن يُقدم على مخالفة لله تبارك و تعالى أن يتحدث مع نفسه ولو لثانية يُذكّر نفسه فيها بأن اقدامه على الفعل فيه استخفاف بالله تبارك وتعالى خصوصاً إذا كان في خلوته، فيُذكّر نفسه أنه بفعله جعل الله أهون الناظرين إليه حيث يُقدم في الخلوة على ما يراه قبيح، ولا يجرأ على الإقدام عليه أمام الناس مع علمه أن الله تبارك وتعالى يرى، وليُذكّر نفسه أيضاً بأن هذا الاستخفاف قد يكون سبباً لخلوده في نار جهنم -والعياذ بالله- (إياكم والتهاون في أمر الله فإن من تهاون في أمر الله أهانه الله تبارك وتعالى في يوم القيامه) يقول تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلطَّاغِينَ مَآبًا * لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا * لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا * جَزَاءً وِفَاقًا * إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا * وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا * فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا ﴾ سورة النبأ.

الأمر الثاني: الدين أمر بسيط!

 من مظاهر الاستخفاف بدين الله تبارك وتعالى هو النظر إلى الدين على أنه أمر بسيط يمكن أن يُفهم من أي شخص ولا نحتاج في فهمه إلى المتخصصين المتعمقين، المهندس محمد يقول في كتاب الدولة والمجتمع: "ظهر فقه العبادات كالوضوء والصلاة والحج والزكاة، حتى شمل الفقه كثيراً من المجلدات، علماً بأن العبادات جاءت للعالم والجاهل واضحة، وللعامة والخاصة مفصلة، لا تحتاج إلى كل ذلك" ص 33، فهو يرى أن أحكام الدين أحكام بسيطة جداً وكانت تلقى على العالم وتلقى على الجاهل، فلماذا الفقهاء سودوا المطولات في كتابة البحوث الاستدلالية، فكل هذا مما لا داعي له في نظره، لأن الدين أمر بسيط وسهل ليس فيه غموض وليس فيه تعقيد، و في المقابل يروى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق)، فإن من الحق أن أحكام الله تبارك وتعالى أحكام سهلة ويسيرة، وكل إنسان بإمكانه إذا رجع إلى المعصوم (صلوات الله وسلامه عليه) أو إلى العالم المتخصص لكي يتعرف على وظيفته في فرض من الفروض فإن بإمكانه أن يتعرف على الفتوى بسهولة إذا كان المجيب عنده بيان واضح وقدرة فائقة على الشرح، إلا أن هذا لا يعني أن الدين أمر سهل وبسيط لا نحتاج إلى تخصص فيه، فإنه يشتل على عمومات و اطلاقات وقواعد كلية، و مخصصات ومقيدات وفروض كثيرة تكييفها الفقهي دقيق خصوصاً مع وجود الفاصل الزمني الطويل بينا وبين المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم)، فإنه بسبب هذا الفاصل الطويل فقدنا القدرة على فهم الروايات كما يفهمها المعاصر لهم، فإن المعاصر لهم كان عربياً صميماً، والإمام يتحدث بلغته آن ذاك، بينما نحن الآن فقدنا القدرة على معرفة المراد وفق أسلوب المحاورة الموجود في زمن الأئمة (صلوات الله سلامه عليهم)، فنحتاج أن نتمرس في قراءة القرآن و الروايات و الأساليب الفصيحة بعد دراسة القواعد اللغوية التي تعلمنا أسلوب المحاورة في ذلك الزمان، كما أن كثيراً من الروايات لم ينقل بالتواتر وإنما نقل بطرق ظنية ونحتاج أن نتعرّف على وثاقة رواتها وعدم وجود إرسال في طريقها، ونقل من نسخ ليست مشهورة نحتاج أن نتثبت من صحة النسخة التي أخذت منها الروايات، هذا بعد بحث كبرى حجية الظن، ثم إننا بحاجة إلى معرفة القواعد العامة التي طرحها المعصومون (صلوات الله وسلامه عليهم) حتى نرجع إليها في تكييف الفروع الفقهية، مثلاً طرحوا قاعدة عامة تسمى بقاعدة الفراغ و قاعدة التجاوز، و قاعدة عامة تسمى بقاعدة الاستصحاب، و نحن بحاجة إلى دارسة الروايات الواردة في هذه القاعدة لكي نقف على النتيجة الموجود في هذه القاعدة لكي نتمكن بعد ذلك من تطبيق هذه النتيجة على الفروض التي نبتلي بها، ثم لكل عام يوجد مُخصص ولكل مطلق يوجد مُقيد، و نحتاج أن نُحيط بكل التراث الروائي إذ لعلنا نظفر بعموم ويوجد له مخصص لم نظفر به، فنطبق العموم في غير محله، و هناك قواعد كثيرة وأمثلة متعددة هي التي جعلت كتب الفقه تتسع ؛ لأن البحث العلمي بسبب الفاصل الزمان وعدم التعامل مع المعصوم مباشرة أحوجنا إلى أن نتعمق في دراسة مصادر الاستنباط الفقهي حتى نتعرّف على الوظائف الشرعية خصوصاً في الوقائع المستجدة التي لم تكن موجودة في زمن المعصومين ونحتاج أن نُكيفها على ضوء القواعد التي ذكرها المعصومون (صلوات الله وسلامه عليهم)، وهل يتمكن كل إنسان من أن يقوم بهذا الدور الشائك والمضني من دون أن يكون متخصصاً في العلوم التي تدرس في الحوزة العلمية.

إذن، القول بأن الدين سهل لا نحتاج فيه إلى التخصص نحو من أنحاء الاستخفاف بدين لله تبارك وتعالى.

 

الأمر الثالث: الاصغاء لكل من تكلم في الدين

هو اعتبار كل متكلم في أمور الدين متخصص وينبغي أن يُصغى إلى كلامه، فإن هذا مظهر من مظاهر الاستخفاف بالدين، إذ كيف يُقبل أن يكون كل متكلم متخصص، ففي الرواية: (يأتي على الناس زمان وجوهم فيه ضاحكة مستبشرة وقلوبهم مظلمة كدرة، كل جاهل عندهم خبير)، إذا وصلهم مقطع مثلاً يتحدث فيه شخص عن حكم الحجاب لشخص، والمتحدث لم يدرس في الحوزة العلمية شهراً متصلاً، ولكنه يقول كلام مرتب وعنده قدرة على صف الكلمات وترتيب الجمل، تجد بعض البسطاء يرون له رأياً في مقابل رأي الفقهاء، و يقولون: هو أيضاً أجتهد واستطاع أن يصل إلى هذه النتيجة، ولأنه توجد حرية فكرية فمن حقه أن يُبدي رأيه ويجب أن يُحترم ويُحترم رأيه!

إن هذا ضرب من ضروب الاستخفاف بالدين، فالذي يُعطي هذا الشخص حرية الرأي ويعتبر رأيه رأياً محترماً كرأي المراجع العظام أو الفقهاء المسلم باجتهادهم هو في الحقيقة والواقع يستخف، لأنه يرى الدين أمراً ضحلاً سطحياً يمكن أن يُحسن كل من يتحدث فيه، ولهذا يُعطي هذا المتحدث حقاً في أن يتكلم كيفما يشاء، وهذا ضرب من ضروب التلاعب، يقول أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه): (من اتخذ دين الله لعباً ولهوا أدخله الله تبارك وتعالى نار جهنم مُخلداً فيها ).

فإن من تعظيم الدين والنظر إلى دين لله بعين التقدير والاحترام أن لا يُعطى حق لكل متكلم أن يتكلم في أحكام الله تبارك وتعالى، و أن لا يُعطى أي شخص حرية أن يُصدر فتاوى من عنده في مسائل الدين كمسألة الرق و الحجاب، و استماع الغناء ونحو ذلك، فلابد أن يُعلم أولاً تاريخ المتحدث العلمي وهل يؤهله لأن يتكلم في الدين، هل تعلم أم لا، فإن كان تعلم فله أن يتكلم، وإلا ينبغي أن يُقال له دع الكلام لغيرك، ونحن لا نُضيع وقتنا للاستماع إليك، ونراك مجرد مفتر، يقول تعالى: (قلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ۖ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ) سورة يونس 59.

لو أسس شخص موقعاً طبياً وأخذ يُعطي وصفات طبية وينتقد نظريات طبية وهو لم يمارس دراسة الطب، هل يهتم الناس بشأنه ويقرؤون ما يكتب ويسمعون ما يقول؟

الجواب: كلا؛ لأنهم يقطعون أن الطب شأن عظيم تخصص دقيق عميق لا يمكن أن يُحسن الحديث فيه كل متكلم، والقانون يجرم ذلك ويعاقب عليه، لما يترتب عليه من ضرر.

لماذا لا يكون الأمر كذلك في دين الله تبارك وتعالى، والذي ضرره دنيوي وأخروي؟

إن هذا الدين له قدره ومكانته، وهو دين عميق ولا ينبغي أن يتكلم فيه كل متكلم، بل ينبغي أن يتخصص الإنسان أولاً ثم بعد ذلك يتكلم، و الذي يتكلم بلا علم هو يستخف بدين لله، والذي يسمح له بالكلام ويُعطيه حرية أن يتكلم هو أيضاً يستخف بدين لله تبارك وتعالى، ووظيفتنا أن نُنبه هذين إلى ما وقعا فيه من أمر خطير وجلل.

2020/04/27

الإلحاد دين «الفانوس السحري»!

أدهم يحك الفانوس السحري!

يخرج المارد.. يطلب منه أدهم أن يعطيه (لا شيء) !

يسأله المارد متعجباً: ما هو اللا شيء ؟

أدهم: (فضاء فارغ)

المارد: شبيك لبيك..

فيعطي المارد أدهماً (نقطة من الفضاء الفارغ)!

يضعها أدهم في حديقته..

لكنها.. وصدفةً..

تبدأ بالتمدد، فطاقة الفضاء الفارغ ليست صفراً !

ويزداد التمدد ويتسارع وتتكون فيه أكوان هائلة تتضمن مليارات المجرات!

هذه ليست قصة للأطفال، ولا رواية من روايات الخيال العلمي.

هذا ما يسميه البعض اليوم ب:العلم الحديث!

ويستندون إليه للتمسك بمذهب الإلحاد!

هل في هذا الكلام مبالغة ؟!

دعونا نستعرض معاً آراء (العلماء الملحدين) لنعرف ذلك، ونرى جوابهم حول السؤال الشهير:

كيف وجد الكون ؟

أولاً: الكون انبثق من (لا شيء)

يقول عالم الفيزياء والفلك لورانس كراوس: قاد بحثي العلمي لأكثر من عقود ثلاثة ماضية، ونتج عنه استنتاج مدهش أن معظم الطاقة في الكون تسكن شكلاً ما غامضاً، عصيّاً على الشرح، يتخلّل الآن كل الفضاء الفارغ… نتج عن هذا الاكتشاف دعم جديد رائع لفكرة أن كوننا انبثق -تحديداً- من لا شيء… (كون من لا شيء ص22)

ثلاثة عقود من البحث (العلمي) أوصلت كراوس إلى الاعتقاد بأن الكون نشأ من (لا شيء)، لكن كراوس سيجيب إذا ما سئل:

كيف وجد الفضاء الفارغ أولاً ؟

وهل كانت القوانين موجودة حتى أمكن ان ينبثق هذا الكون من الفضاء ثانياً ؟ ام انبثق دون الاستفادة من أي قانون ؟

يقول كراوس: أريد أن أكون واضحاً بشأن نوع (اللا شيء) الذي أناقشه في هذه اللحظة، إنه أبسط نسخة من اللاشيء، إنه الفضاء الفارغ في الأساس، في الوقت الحاضر سوف أفترض فضاءً يوجد بـ (لا شيء) داخله على الإطلاق، وأن القوانين الفيزيائية موجودة أيضاً….

يمكن أن يتمتع الفضاء الفارغ بطاقة لاصفرية.. تخبرنا النسبية العامة أن الفضاء سيتمدد تصاعدياً… فينمو الكون، تحدث هذه الظاهرة دون الحاجة إلى حيلة سحرية أو تدخل إعجازي.(كون من لا شيء ص192-193)

لم يجب كراوس بعد حول (كيف وجد الفضاء الفارغ) وإن أقر بأن قوانين الفيزياء كانت موجودة دائماً.

ثم لا يجد بداً من الاعتراف بأن ما قاله هو (مكر)!

فيقول:

سيكون من المكر طرح أن الفضاء الفارغ ذا الطاقة الذي يسوق التضخم هو لا شيء فعلاً.

يجب أن يفترض الشخص في هذه الصورة ان الفضاء موجود ويستطيع أن يخزن طاقة، وأن يستخدم الشخص قوانين الفيزياء.

فإذا توقفنا هنا فإنه يحق للشخص الزعم بأن العلم الحديث بعيد جداً عن أن يتناول حقاً قضية كيف يمكن أن تحصل على (شيء ما) من (لا شيء) فهذه هي الخطوة الأولى فحسب.(كون من لا شيء ص195)

نسير مع كراوس هنا لأنه عد ذلك خطوة أولى، ونتذكر قصة (أدهم والفانوس السحري)، فما ذكره حتى الآن هو عين ما حصل مع أدهم ! حيث انبثق كون من نقطة (فضاء فارغ).

ثانياً: الكون انبثق من نموذج مطور عن (اللا شيء)

يطور كراوس نظريته هنا، فبعد أن فرض (مكاناً فارغاً) في المرحلة الأولى، يفرض هنا إمكانية انبثاق (المكان والزمان) أيضاً من (لا شيء)!

يقول:

لقد اكتشفنا أن كل العلامات تطرح كوناً يمكن أن يكون بزغ من لا شيء أعمق -بما فيه غياب الفضاء ذاته-…(كون من لا شيء ص229)

ويقول:

فشرحت حينئذ كيف يمكن أن يكون الفضاء والزمن في حد ذاتيهما منبثقين من لا مكان ولا زمن وهو قريب جداً بالتأكيد للا شيء المطلق.(كون من لا شيء ص242)

نعيد السؤال الثاني على كراوس:

هل كانت هناك قوانين موجودة سبقت وجود هذا الكون من (لا شيء) في نسختك المحدثة هذه ؟!

يقرّ كراوس بذلك.. فننقل الحديث إلى النقطة الثالثة والمهمة، لكنا نشير قبل ذلك إلى أن (هذه النظرية) من هذا (العالم الفيزيائي) قد عدّت عند رموز الملحدين اليوم (ضربة قاضية لنظرية الإيمان واللاهوت) !! قال ذلك ريتشارد دوكنز (كون من لا شيء ص240)

ثالثاً: من أوجد قوانين الفيزياء التي انبثق الكون منها ؟

نسير مع هؤلاء الملحدين في خطواتهم ولا نناقشهم علمياً في إمكان ما قالوه أو عدمه، ونترك لهم ميدان الفيزياء على فرض أنهم أهل الاختصاص به، لكي نصل معهم إلى سؤال منطقي لا يمكن أن يتجاوزه أي عقل بشري أو يعتبر نفسه غير معني بالإجابة عليه.

وهو: من أوجد قوانين الفيزياء حتى انبثق الكون من (لا شيء) بحسب هؤلاء ؟

هل أوجدت نفسها مثلاً ؟ أو أوجدها موجد ؟

(ونحن نعتقد أن الله تعالى أوجد الكون (لا من شيء) وليس من (لا شيء) وتفصيل هذا في محله.)

نقرأ معاً إجابات هؤلاء (العلماء) حول من أوجد القوانين:

العشوائية!

يقول كراوس: إحدى الإجابات المعاصرة هي أن القوانين يمكن أن تكون في حد ذاتها عشوائية! (كون من لا شيء ص242)

العشوائية والاعتباطية !

يقول أيضاً: لو أن قوانين الطبيعة في حد ذاتها عشوائية واعتباطية، فلا مكان إذن ل(علة) إلزامية لكوننا.. لا ضرورة لوجود آلية وكينونة لترسيخ قوانين الطبيعة بالكيفية التي نعرفها والتي قد تكون أي شيء تقريباً.. (كون من لا شيء ص223)

قد لا يمكن الإجابة على ذلك !

يقول: وللإنصاف، فإن هذا قد يثير السؤال المحتمل الذي قد لا يمكن الإجابة عنه: السؤال عن الذي ثبَّتَ القوانين التي تحكم هذا الخلق، لو أن هناك شيئاً من هذا القبيل.(كون من لا شيء ص221)

إننا لم نفهم ذلك تماماً بعد !

يقول: إننا لم نفهم بعد تماماً كيف نشأت الحياة على كوكب الأرض.(كون من لا شيء ص189)

قوانين سرمدية ! أو مجهولة !

يقول: لعل القوانين سرمدية، أو لعلها خرجت إلى الوجود بسياق ما لا يزال مجهولاً، لكنها فيزيائية بحتة محتملة.(كون من لا شيء ص184)

بطريقة عفوية !

يقول: عليك بالتفكير في زوج الالكترون – البوزيترون، الذي يظهر إلى الوجود بعفوية من الفضاء الفارغ، بالقرب من نواة ذرة ما….(كون من لا شيء ص189)

ويوافقه زميله في الإلحاد ريتشارد دوكنز فيقول: ..لقد استغرق التكوين العفوي للكون جزءاً من الثانية في الانفجار العظيم (حوارات سيدني ص34)

ليس بمقدور أحد أن يفهم ذلك !

يقول ريتشارد دوكنز: ليس بمقدور أحد أن يفهم تفاصيل شيء كالانفجار العظيم (وهم الإله ص148)

هذه عدة إجابات من كتابين لعالمين من أبرز دعاة الإلحاد في عصرنا !

وقد ذكر الملحدون تفسيرات أخرى لا تقل طرافة عن هذه الإجابات، ونحن نكتفي بما ذكرناه..

ثم ننقل الكلام إلى ما يدحض هذا كله، ومن كلام كراوس نفسه، حيث يعترف في مورد آخر فيقول:

ولكن قوانين الخلق، أي قوانين الفيزياء، مقدَّرة، من أين تأتي القوانين ؟

هناك احتمالان:

إما أن الله أو كائناً ما إلهياً ليس مقيّداً بالقوانين يعيش خارجها يحدّدها…

أو تنبثق عن آلية ما خارقة للطبيعة أقل قوة.(كون من لا شيء ص218)

ثم إنه ينفي الاحتمال الاول لعجزه عن فهم كيف يكون الله غير محتاج لأحد وكيف يكون علة العلل. وهذا ما سنرجع له لاحقا إن شاء الله.

ويسكت عن الاحتمال الثاني.

وكلا الاحتمالان فعلاً موصلان لله تعالى دون شك.. فيتبخر كل ما ذكره من تناقضات سابقة..

إن أكثر الامور غرابة في دعاة الإلحاد هو التناقض الحادّ في كل مفصل ومفردة من كلماتهم، حتى يغيب عنهم أن في كلمات الأطفال جواباً على هذه التخيلات لا يمكن نقضه..

فما بين (العشوائية والاعتباطية) و(العفوية) و(السرمدية) و(المجهولة التي لا يمكن لأحد أن يفهمها) عجائب وغرائب..

إذ السرمدية تثبت الديمومة! والعشوائية تنفيها !

وكيف يقبل أحدهم أن تظهر وجودات إلى الوجود (بعفوية) ودون خلق خالق، ثم لا يقبل أن يعلم ابنه أن الألعاب تأتي الى الوجود بنفس الطريقة ؟ أو أنها تنتقل من الدكان إلى بيته وحدها !

إن مثل هذه العقيدة تخالف فطرة الإنسان السوية التي تظهر مع كل طفل وكبير خالٍ من الشبهات..

وكيف لمن يقرّ بأنه لا يفهم كيف نشأت الحياة أن ينفي وجود منشئ لها ؟!

وكيف لمن يحترم العلم والعلماء والمنطق وأهله أن ينفي ما لم يحط به علماً ؟!

يقولون أن هناك انفجاراً عظيماً قد حصل، لكن ليس بمقدور أحد منا أن يفهم تفاصيل ذلك، رغم ذلك هذا لا ينفي الانفجار العظيم!

من أوجد الانفجار العظيم ؟ لا أحد أوجده ! كيف ذلك ؟ لا نعرف التفاصيل.

أما عندما نقول: الله تعالى موجود، ولم يوجده أحد. يتوقف عقل الملحد عن الدوران !

لماذا تقبل بأن يكون الانفجار قد وجد بلا موجد، وأن تكون الحياة الاولى على وجه الارض قد وجدت بدون موجد، ولا تقبل أن يكون الله تعالى موجوداً بالفعل بدون موجد ؟

لماذا تقر بأن الانفجار الكوني وهو أمر حادث لا يحتاج إلى أن يوجده أحد ؟

وتستهزئ بالمؤمنين عندما يقولون أن الله تعالى قادر عليم حكيم أوجد الأشياء ولا يحتاج بنفسه إلى موجد ؟ وهو ليس كالاشياء التي لم تكن ثم كانت.

هل يحق لك ان تستهزئ بالمؤمنين وتصفهم بالحمق او تصف اعتقادهم بالاعتقاد الاحمق وأنت تؤمن بما تسميه (الصدفة) وتنكر وجود الصانع في أعظم الاشياء فيما لا تقبل ذلك في امورك الحياتية ؟

إن ما تقوله يؤدي بنا الى تصديق الاساطير والخزعبلات لا الى رفضها..

إن ديننا دين العلم والعقل.. ودين الإلحاد دين الفانوس السحري !

2020/04/27

لا تتخذوه لهواً ولعباً: لماذا يجب أن نعظّم الدين؟

قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه): من اتخذ دين الله لعباً ولهوا أدخله الله تبارك وتعالى نار جهنم مخلداً فيها.

خلق الباري تبارك وتعالى الخلق ولم يتركهم سدىً بل أنزل عليهم ديناً قيماً، وأنزل الدين لأجل كمال الأنسان نفسه لا لمصلحة تعود إليه تبارك وتعالى؛ لأنه غني مطلق وكل كمالاته ثابتة له بالفعل، وليست له حالة من الكمال منتظرة تتوقف على خلق الخلق أو على أفعال العباد، فمصلحة الدين تعود إلى المتدين نفسه.

والدين عبارة عن مجموعة عن التعاليم والأحكام، و بعض هذه الأحكام أحكام عقدية، كوجوب الاعتقاد بوجود الله تبارك وتعالى، وبعضها أحكام عملية، كوجوب الصلاة ووجوب الصوم والأحكام العملية تنقسم إلى أحكام فقهية وإلى أحكام أخلاقية، و هذه المنظومة إنما أنزلت لمصلحة الإنسان نفسه لكي يصل الإنسانُ بواسطة الالتزام بهذه المنظومة إلى كماله، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) ، و قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، فالغاية الأولى كمال الإنسان في الدنيا من خلال تحقيق القسط والعدالة، والغاية الثانية كمال الإنسان في نفسه من خلال ظفره باليقين، والذي هو المرتبة العليا من العلم.

لماذا نعظم الدين؟

والدين لأنه أنزل من قبل الله تبارك وتعالى يجب على الإنسان عقلاً أن يُعظمه وأن يخضع لأحكامه، وذلك لوجود عناوين ثلاثة تلزم الإنسان بتعظيم الدين وبالخضوع لأحكام الدين:

العنوان الأول: هو عنوان شكر المنعم

الباري تبارك وتعالى أنعم على الإنسان بنعمة الوجود، خلقه تعالى ولم يكن شيئاً ومَن عليه بصنوف النعم (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)، فهو تبارك وتعالى منعم بل هو أعظم مُنعم، والعقل يقول: إن المنعم ينبغي أن يُعظم ولا يستخف بشأنه يرجى له وقار، ومن تعظيمه الالتزام بأحكامه وتعظيم هذه الأحكام التي صدرت عنه، لأن هتك الأحكام الصادرة عنه و المنتسبة إليه لا ينفك عن هتكه، وهتكه جحود بالنعمة وجحود النعمة قبيح عقلاً.

العنون الثاني: عنوان المالكية

نحن في أصل وجودنا نحتاج إلى الله وتبارك وتعالى، وفي بقائنا نحتاج إلى الله تبارك وتعالى، ففي كمالاتنا الثانوية والصفات التي تعرض علينا نحتاج إلى الله تبارك وتعالى، و في أفعالنا نحتاج إلى الله تبارك وتعالى؛ لأن الله تبارك وتعالى مقوم لوجودنا، وجودنا ليس إلا حقيقة متعلقة بقدرته، ولو أن الله تبارك وتعالى قطع عنا فيضه وحرمنا من إمداده لانتفينا وزال عنا الوجود وفقدنا كل شيء، وهذا معنى أن الله تبارك وتعالى محيط بنا إحاطه قيومية، وهذه الإحاطة هي الملكية الحقيقية التي تعني أن وجودنا ليس إلا شيء مرتبط بوجوده، حقيقة هذا الوجود أنه متعلق به وأثر الجعل، كما يقول الحكيم السبزواري (رحمه الله): (و أثر الجعل وجود ارتبط)، و معنى أن الله تبارك وتعالى أوجدنا هو أنه حقق هذه الكائنات التي حقيقتها أنها مرتبطة بقدرته متعلقة بإرادته، ولو أنه تبارك وتعالى قطع الفيض لحظه لانعدم وجودنا في اللحظة نفسها، وإذا كان مالكاً فمن حق المالك أن يأمر، وعلى المملوك أن يخضع ويطيع.

من الأطروحات الغريبة التي يروج لها بعض العلمانيين والليبراليين و المتأثرين بهم القول بأنه ليس لله تعالى حق التشريع والحكم، لأنه عز وجل لم يأخذ أذننا في أصل إيجادنا، وهذا كلام غريب جداً، فإن هؤلاء يجمعون بعض الماديات ويكونون مخترعات ومصنوعات بشريّة، ويجعلون للمخترعين والصانعين حقاً و يقبحون التعدي عليه، فيجعلون لمن يبني مصنعاً حق التصرف فيه وجعل النظام الذي يريد، مع أن البشر لا يوجد من العدم، و لم يأخذ أذناً من المصنوعات والمخترعات، فكيف لا يكون الحق ثابتاً لمن أوجد من العدم وهو مقوم في الوجود البقائي!

العنوان الثالث: هو عنوان دفع الضرر المحتمل

إذا كان الله تبارك وتعالى قاهراً لعباده مسيطراً عليهم بإمكانه أن يتصرف فيهم كيفما يشاء، فهذا يعني أن بإمكانه أن يعاقب فيما إذا أمر وعُصي، فيحتمل كل عاقل على تقدير استخفافه بالدين أو عدم التزامه بالأحكام الإلزامية من الدين أن يعاقبه الله تبارك وتعالى، والعقل يحكم بلزوم تجنيب النفس العقاب، وبمقتضى هذا الحكم يجب أن يُعظم هذا الدين، وأن يُخضع لأحكامه دفعاً للعقاب الذي يحتمل ترتبه على الاستخفاف بالدين والاستخفاف بأحكام الدين.

إذن هناك عناوين ثلاثة تُلزم العقل بأن يحكم بلزوم تعظيم الدين وطاعة الله تبارك وتعالى فيما إذا أمر، ويدعم هذا الحكم العقل جملة من الروايات التي دلت على لزوم تعظيم دين الله تبارك وتعالى، إظهار الاحترام والتقدير والتعظيم لأحكام الله تعالى، يقول أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه): (من اتخذ دين الله لعباً ولهوا أدخله الله تبارك وتعالى نار جهنم مُخلداً فيها) الاستخفاف بدين الله ليس فقط سيئة، وإنما هو كبيرة، بل هو من أعظم الكبائر التي توجب الخلود والعياذ بالله في نار جهنم، و يقول الإمام الصادق (صلوات الله وسلامه عليه): (إياكم والتهاون في أمر الله تبارك وتعالى فإن من تهاون في أمر الله أهانه الله تبارك وتعالى في يوم القيامة)

من صفات الله تبارك وتعالى المنتقم، و من يستهين بأمره ينتقم منه الله تبارك وتعالى فيهينه في يوم القيامة، ونحن ليس مأمورين بأن نعظم الدين ولا نُظهر الاستخفاف الاستهانة بالدين فقط، بل نحن مأمورون علاوة على ذلك بأن نقاطع من استخف بالدين وأظهر اللا مبالاة بأحكام الله تبارك و تعالى، يقول عزوجل: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)، وهذا أمر إلهي بمقاطعة المستخفين بدين الله تبارك وتعالى، فإذا كان الشخص في قروب واتساب ـ مثلاً ـ ووجد في القروب نفسه بعض الحداثيين أو التنوريين أو الليبراليين الذين ينشرون مقاطع فيها استخفاف بالدين أو بأحكام الله تبارك وتعالى، الوظيفة التصدي للرد أو الخروج، و إذا أرسل إليك شخص مقطع فيه استهزاء بشعيرة من الشعائر مثلاً أرسل فيديو لحوت يحرك يده وكأنه يلطم على صدره مع إدخال صوت عزاء -كما رأيت قبل يوم أو يومين في مقطع منتشر - فوظيفتك أن تقول له هذا: هذا من الاستخفاف بالدين وبأحكام الدين وشعائر الدين فلا يجوز نشره، وإذا أصر هذا الشخص على النشر فوظيفتك أن تقاطع، بل الأمر أعظم من ذلك من استخف بدين لله وأظهر التهاون فيه تسقط كرامته ويجوز الاستخفاف به، وفي الكافي وغيره روايات كثيرة تحث على مقاطعة أهل البدع والاستخفاف بالدين، وتحط من قدرهم منها ما عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المرء على دين خليله وقرينه. وفيه عن داود ابن سرحان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهر والبراءة منهم وأكثروا من سبهم والقول فيهم والوقيعة وباهتوهم كيلا يطمعوا في الفساد في الاسلام ويحذرهم الناس ولا يتعلمون من بدعهم يكتب الله لكم بذلك الحسنات ويرفع لكم به الدرجات في الآخرة. وعن الجعفري قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: مالي رأيتك عند عبد الرحمن بن يعقوب؟ فقال: إنه خالي، فقال: إنه يقول في الله قولا عظيما، يصف الله ولا يوصف، فإما جلست معه وتركتنا وإما جلست معنا وتركته؟ فقلت: هو يقول ما شاء أي شئ علي منه إذا لم أقل ما يقول؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا أما علمت بالذي كان من أصحاب موسى (عليه السلام) وكان أبوه من أصحاب فرعون فلما لحقت خيل فرعون موسى تخلف عنه ليعظ أباه فيلحقه بموسى فمضى أبوه وهو يراغمه حتى بلغا طرفا من البحر فغرقا جميعا فاتي موسى (عليه السلام) الخبر، فقال: هو في رحمة الله ولكن النقمة إذا نزلت لم يكن لها عمن قارب المذنب دفاع. وعن شعيب العقرقوفي قال، سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن قول الله عز وجل: " وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء بها.. إلى آخر الآية " فقال: إنما عنى بهذا: [إذا سمعتم] الرجل [الذي] يجحد الحق ويكذب به ويقع في الأئمة فقم من عنده ولا تقاعده كائنا من كان. وعن عبد الاعلى بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس مجلسا ينتقص فيه إمام أو يعاب فيه مؤمن.

فرسول الله (صلى الله عليه وآله) و أهل البيت (عليهم السلام) كالقرآن الكريم يأمروننا بمقاطعة المستخفين بالدين، وظيفتنا أن نظهر الوقيعة فيهم بإظهار الحط والتنقيص، وليس أن نجاملهم و نشترك في منتدياتهم وتجمعاتهم التي تعزز تأثيرهم في المجتمع مع ما هم عليه من الاستهزاء بالدين وأهل الدين، نعم من كان له رأي مخالف ويريد الحق لا يكون الاختلاف سبباً مبرراً لاتخاذ موقف سلبي معه، وإنما يعامل بالحسنى ويجادل بالتي هي أحسن.

2020/04/23

لا يمكن إنكار الغيب: «كورونا» يعمّق التخنّدق بين العلم والدين

في الوقت الذي كانت في العلل الموجِدة او المحركة للظواهر الطبيعية خافية على الانسان كان التفسير الغيبي او الميتافيزقي هو الراجح، وكان الخط الالحادي يراوح في مكانه غير قادر على تجاوز معضلته الكبرى في حاجة تلك الظواهر الى علل، حتى جاء الزمن الذي اكتشف فيه العلم قوانين الطبيعة التي تسيّر الكون وأجزاءه، فالأفلاك تحكمها قوة الجاذبية والبرق هو التقاء شحنات كهربائية مختلفة والمرض ينشأ بسبب فيروسات ومكروبات ... الى آخره.

الملحد اعتبر هذه الكشوفات بمثابة الحسم لما بينه وبين الطرف المؤمن، في حين أن حقيقة الامر تخلو تماما من أي حسم، فغاية ما توصلت اليه الكشوفات هو معرفة الآلية التي يتم بها فعل الظواهر، وهذه الالية لا تنهض الى ما يجعلها علة تامة، فهب ان بين كتل الطبيعة قوة جاذبة فماهي هذه القوة؟! وكيف تؤثر في الاجسام، إن العلم يفسر تحول الحديد الى مغناطيس بان جزيئاته تترتب بشكل متواز ولكن يبقى السؤال لماذا ينشأ المغناطيس من هذا الترتب؟! لماذا الحرارة تعمل على إبعاد الجزيئات وليس البرودة في تمدد الاجسام؟!

الملحد وكيما يحافظ على انتصاره رفض شرعية السؤال وقال "إنها طبيعة الاشياء" وواضح ان هذه المقولة هي أمر مفروض على واقع الاختلاف الدائر بينه وبين المؤمن وذلك لأن الطبيعة نفسها هي أصل التساؤلات التي تواجه الانسان، فمثلا الانسان الاول استفهم عن ظاهرة البرق في السماء.. كيف تحدث وما الذي يُحدثها؟ وحين جاء الرد العلمي بانها تصادم للشحنات المختلفة صار الضوء الصادر من تصادم الشحنات المختلفة بمثابة دعوة لإعادة نفس الاسئلة عنه، كيف تحدث وما الذي يُحدثها؟ أي ان كل ماقامت به المكتشفات العلمية هو أنها أضافت ظاهرة جديدة وسؤال آخر، فتبخر الماء عند تعرضه للحرارة كان هذا يمثل للانسان ظاهرة تفرض عليه سؤالا هو لماذا يتبخر الماء بالحرارة؟ وبعد اكتشاف العلم بأن الحرارة تباعد بين جزيئات الماء صار هذا التباعد الذي يتم بفعل الحرارة بمثابة ظاهرة جديدة تفرض سؤالا آخر هو لماذا تتباعد جزيئات المادة بالحرارة؟ 

إن رد الملحدِ على السؤال الثاني بالطبيعة، اي انها تحصيل حاصل بطبيعة الاشياء ولا معنى للسؤال، يجعله مساويا للكنيسة في ردها على السؤال الاول بأنه تحصيل حاصل بقدرة القدير ولا معنى للسؤال.

ولكن هذا لا يعني انه ليس هناك فارق بين السؤالين، وهذا الفارق ناشئ من مفهوم العلية ـ حاجة المعلول الى علة ـ المرتكز في ذهن الانسان منذ القدم، فعملية البحث عن علة تبخر الماء ـ في مثالنا ـ هي ما دفعت العالم الى وضع عينة الماء في المختبر وفحصه لينتهي الى نتيجة ان تباعد الجزيئات هي السبب، وهنا يكون السؤال هو هل يمكن للعالم ان يرد على السؤال الثاني (لماذا تتباعد جزيئات المادة بالحرارة) بنفس الطريقة؟

الجواب كلا    

وذلك لان فحوى السؤال الاول تتضمن تحول عنصر الماء المادي من حالة السائل المادية الى حالة الغاز المادية، وعليه فالعلة هنا مادية ويمكن كشفها بالمختبر وهذا ما حدث بالفعل حين كشفت لنا اجهزة المختبر ان الحرارة تقوم بإبعاد المسافات بين الجزيئات مما يؤدي الى انخفاض كثافة الماء، أما السؤال الثاني فيتضمن البحث في حقيقة الحرارة  وقدرتها على إبعاد الجزيئات وهي تفاصيل غير مادية، وهنا نكون امام حالة هي ان السؤال الثاني واقع يفرض نفسه وقول الملحد بالطبيعة هو بمثابة تهرب ليس إلا، حيث انه يبرر قدرة الحرارة على التأثير باللاشيء ـ أي انها قدرة لاتتضمن غير ذاتها ـ، وليس في قابلية العلم الاجابة على السؤال.

ننتهي من كل هذا الى ان التفسير الشامل للظواهر يتأتى من عملية مزج بين رد الكنيسة ورد العلم، أي ان قدرة القدير جعلت ما اكتشفه العلم بمثابة الآلية التي تنشأ من خلالها الظواهر.   وبهذا فإن الغيب عنصر داخل في علل الظواهر شاء الملحد أم أبا، ويسمى هذا العنصر فلسفيا بالفيض الالهي الذي تستمد منه الموجودات قدرتها على التواجد في دائرة الكون والحياة.

ولنأتي الان الى الامراض.. إن الاساس الاول في اي عملية علاج من الامراض الفيروسية والجرثومية هي قدرة الكريات البيضاء على التعرف على الجسم الغريب ودراسته من قبلها ومن ثم تحديد طريقة القضاء عليه، وفي هذا من دلائل الغيب ـ قدرة الله ـ ما لا يمكن انكاره، حيث ان قدرة الكريات البيض هي بمثابة قدرة الحرارة، وحتى العقار الذي يصنعه الانسان فإنه في حقيقته لا يعدو عن كونه محفزات للكريات البيض كيما تتعرف على الفايروس، أي أن دور الطبيب في عملية الشفاء لا يتجاوز حدود تهيئة الظروف المؤدية الى تحقق قدرة الله.

نخلص بهذا الى ان الانسان سيكون في غاية المنطقية حين يوكل الى الطبيب ما هو مناط به من دور في عملية الشفاء ويدعو الله ـ في الوقت نفسه ـ ان يحقق الشفاء. كما يمثل الانسان في هذا حالة الوسطية المطلوبة فلا يجنح الى اليمين الديني الداعي الى امور وصلت الى تقبيل فم المريض بكورونا ولا الى اليسار اللاديني الهازيء بالدعاء وطلب العون من الغيب.

وخير شاهد على ضرورة هذه الوسطية ما هو واجب علينا من توفيق بين قوله تعالى (واذا مرضت فهو يشفين) وقول النبي الاكرم ص ( تداووا فإن الله لم يخلق داء إلا وخلق له دواء).

2020/04/08

ما هي الأعمال التي يحاسبنا الله عليها يوم القيامة؟
ما هي الأعمال التي يحاسب عليها الإنسان يوم القيامة ويُسأل عنها؟

[اشترك]

من المسلّم به انّ السؤال يوم القيامة يكون عن أعمال العباد وانّ كلّ إنسان ينال نتيجة أعماله التي اقترفها في الحياة الدنيا، ولكنّ هناك سؤالاً يلاحق الذهن البشري دائماً، وهو: ما هي الأعمال التي يُسأل عنها؟ وما هي الأعمال التي لابدّ أن نجيب عنها؟

ولقد اهتمت الآيات الكريمة والروايات الشريفة بهذه المسألة اهتماماً كبيراً وأولتها عناية خاصة، وبيّنت لنا الجواب بطريقة خاصة.

ويمكن تقسيم الآيات الواردة في هذا المجال إلى طائفتين:

الطائفة الأُولى: الآيات التي تؤكد على أنّ الإنسان يُسأل عن عامّة أفعاله، ومن هذه الآيات المباركة:

ألف. ( ...وَلَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) .( [1]) ب. ( لا يُسْئَلُ عَمّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ ) .( [2])

ج. ( ...ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) .( [3])

د. ( يَومَئِذ يَصْدُرُ النّاسُ أَشْتاتاً ليُرَوْا أَعْمالَهُمْ ) .( [4])

كذلك تدلّ  على الشمول والعمومية الآيات المتعلّقة بالعقاب والثواب وجزاء الأعمال.

وأمّا الطائفة الثانية: فإنّها تدلّ على أنّ الإنسان يُسأل عن بعض الأُمور خاصة، ومنها:

ألف. النعم الإلهية

( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعيمِ ) .( [5])

والسؤال هنا و إن كان عن النعم الإلهية، ولكن بالالتفات إلى أمرين: الأوّل: أنّه ورد في الآية كلمة «النعيم» الذي يشمل جميع النعم الإلهية،  والثاني: انّ جميع ما يستفيد منه الإنسان في حياته يُعدّ من النعم الإلهية، إذاً على هذا الأساس يقع السؤال عن جميع أفعال الإنسان وأعماله، وذلك لأنّ كلّ عمل يقوم به الإنسان يُعدّ ـ وبنحو من الأنحاء ـ تصرّفاً في النعم الإلهية، وبالنتيجة لابدّ أن تدرج هذه الآية في ضمن الطائفة الأُولى من الآيات التي تدلّ على عمومية وشمولية  السؤال.

ب. القرآن الكريم ( [6])

( وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ ) .( [7])

ج.  الشهادة

( ...سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ) .( [8])

د. القتل من دون ذنب

( وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ ) .( [9])

هـ. الكذب والتهمة

قال سبحانه: ( ...تَاللّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ ) .( [10])

و. الصدق

قال سبحانه: ( لِيَسْئَلَ الصّادِقينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَ أَعَدَّ لِلْكافِرينَ عَذاباً أَليماً ) .( [11])

وبالطبع أنّ تخصيص هذه الأُمور بالسؤال عنها لا ينافي السؤال عن عامّة الأفعال، وانّما ذكرت تلك الأُمور لأهميتها من باب ذكر الخاص بعد العام.

ثمّ إنّ هذا التقسيم نجده أيضاً في الروايات، فهناك طائفة من الروايات تؤكد أنّ السؤال سيكون عن جميع الأفعال والأعمال، وفي مقابلها طائفة أُخرى ترى أنّ السؤال سيكون عن بعض الأفعال المخصوصة، ونحن نذكر نماذج من تلك الروايات:

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) :

«وأعمال العباد في عاجلهم نصب أعينهم في آجلهم».( [12])

وكتب (عليه السلام)   إلى بعض عمّاله الذي خانه واستولى على بيت المال وذهب به إلى الحجاز: «فكأنّك قد بلغت المدى، ودفنت تحت الثرى،وعرضت عليك أعمالك بالمحل الذي ينادي الظالم فيه بالحسرة، ويتمنّى المضيع فيه الرجعة، ولات حين مناص».( [13])

وطائفة أُخرى من الروايات تخصّص السؤال عن بعض الأُمور منها:

1. عمر الإنسان.

2. الشباب.

3. أعضاء الإنسان.

4. الثروة التي اكتنزها، وفي أيّ شيء صرفها.

5. محبة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) .

6. القرآن الكريم.

7. فريضة الصلاة.

8. النبوة والولاية.

وها نحن نذكر بعض النماذج من تلك الروايات التي تتعلّق بالعناوين التي ذكرناها:

ألف. روى الصدوق في «الخصال» و «الأمالي» بسنده عن موسى بن جعفر(عليه السلام) ، عن آبائه قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وشبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه، وعن حبّنا أهل البيت».( [14])

ب. روى أبو بصير عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول:

«أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة فإن قبلت قبل ما سواها».( [15])

ج. روى الصفار في «بصائر الدرجات»، عن أبي شعيب الحداد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : أنا أوّل قادم على اللّه، ثمّ يقدم عليّ كتاب اللّه، ثمّ يقدم عليّ أهل بيتي، ثمّ يقدم عليّ أُمّتي فيقفون فيسألهم: ما فعلتم في كتابي وأهل بيت نبيّكم».( [16])

د. روى القمي في تفسيره، عن جميل، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت: قول اللّه: ( ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذ عَنِ النَّعيم ) ؟ قال: «تسأل هذه الأُمّة عمّا أنعم اللّه عليهم برسول اللّه، ثمّ بأهل بيته».

هـ. رو( [17])ى الصدوق في «عيون أخبار الرضا»، عن الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : يا علي! إنّ أوّل ما يسأل عنه العبد بعد موته شهادة أن لا إله إلاّ اللّه، وانّ محمّداً رسول اللّه وأنّك وليُّ المؤمنين بما جعله اللّه وجعلته لك، فمن أقرّ بذلك وكان يعتقده صار إلى النعيم الذي لا زوال له».( [18])

النعم الدنيوية والسؤال عنها في لسان الروايات

من البحوث المتعلّقة بالحساب يوم القيامة  والتي ذكرت في الروايات بحث النعم الإلهية الدنيوية، ويمكن تصنيف تلك الروايات إلى طوائف، هي:

1. السؤال عن جميع النعم الدنيوية، حلالها وحرامها.

قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في هذا المجال:

«فِي حَلالِها حِسابٌ وَفي حَرامِها عِقابٌ».( [19])

وقال أيضاً:

«اتَّقُوا اللّهَ في عِبادِهِ وَبِلادِهِ فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتّى عَنِ الْبِقاعِ وَالبَهائِمِ».( [20])

2. يسأل عن كلّ شيء سوى ما بذل في سبيل اللّه، قال:

«كلّ نعيم مسؤول عنه يوم القيامة إلاّ ما كان في سبيل اللّه».( [21])

3. أنّ الإنسان  لا يُسأل عن ثلاثة أُمور:

أ. لا يسأل عن الطعام الذي أكله.

ب. والثوب الذي لبسه.

ج. والزوجة الصالحة.

روى الحلبي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهنّ: طعام يأكله، وثوب يلبسه، وزوجة صالحة تعاونه ويحصن فرجها».( [22]) ونحن إذا حللنا الروايات وفسّرناها بإمعان تتّضح لنا النكات التالية:

النكتة الأُولى: انّ الرواية الثانية واضحة جداً، لأنّها تؤكد أنّ الإنسان لا يُسأل عن النعم التي تبذل في سبيل اللّه سبحانه، ولا تقع تلك النعم موضوعاً للمساءلة والعقاب والمؤاخذة.

النكتة الثانية: كذلك الأمر  بالنسبة إلى الرواية الثالثة فإنّها أيضاً واضحة حيث تؤكّد أنّ بعض الأُمور لا يُسأل عنها الإنسان يوم القيامة، وذلك لأنّ هذه الأُمور المستثناة تمثّل في الواقع اللطف والكرم الإلهي والرحمة الإلهية والتي تتوقف عليها ضرورة الحياة.

النكتة الثالثة: وحينئذ يمكن معرفة المستثنيات من عموم الرواية الأُولى الدالّة على شمولية الحساب لكلّ شيء، وهذا الشمول يمكن تصوّره في أمرين:

1. السؤال عن كلّ شيء سواء أُنفق في سبيل اللّه أو أُنفق في غير سبيل اللّه.

2. ولا فرق بين العمل الصادر من المؤمن أو من غير المؤمن.

وبما أنّ هذين القسمين قد ورد، في الروايتين الثانية والثالثة، استثناؤهما من المحاسبة والمؤاخذة والعقاب، وبالنتيجة انّ المعنى الكلّي والعام للطائفة الأُولى يخصّص بالمستثنيات الواردة في الروايات الأُخرى.( [23]).


الهوامش:

[1] . النحل: 93.

[2] . الأنبياء: 23.

[3] . الزمر: 7.

[4] . الزلزلة: 6.

[5] . التكاثر: 8.

[6] . انظر سورة الحجر:92ـ 93.

[7] . الزخرف: 44.

[8] . الزخرف: 19.

[9] . التكوير:8ـ 9.

[10] . النحل: 56.

[11] . الأحزاب: 8.

[12] . نهج البلاغة: قصار الحكم، رقم 7.

[13] . نهج البلاغة، الخطبة 41.

[14] . البحار:7/258، باب محاسبة العباد، الحديث 1. ولاحظ الأحاديث: 3، 11و 31.

[15] . البحار:7/267، باب محاسبة العباد، الحديث 33.

[16] . البحار:7/265، باب محاسبة العباد، الحديث 22.

[17] . البحار:7/272، باب محاسبة العباد، الحديث 39.

[18] . البحار:7/272 باب محاسبة العباد، الحديث 41.

[19] . نهج البلاغة: الخطبة 82.

[20] . نهج البلاغة: الخطبة 167.

[21] . بحار الأنوار:7/261، باب11، الحديث 10.

[22] . بحار الأنوار:7/265، باب11، الحديث 23.

[23] . منشور جاويد:9/285ـ 291.

2020/04/01

الأخلاق في خطاب الإلحاد الجديد

أكثر ما يشكل تحدياً أمام الإلحاد الجديد هو تأسيس خطاب أخلاقي يكون بديلاً للأخلاق الدينية، وما يسبب هذا التحدي هو إيجاد تفسير مادي لما هو بطبعه غير مادي؛ فالقيم الأخلاقية لا تنتمي إلى الطبيعة وعالم المادة، فالحق، والخير، والعدل، والإحسان، والرحمة... وغيرها من القيم ليست صفات موجودة في المادة، بل غير موجودة حتى في الإنسان بوصفه مادة تحركه أعصاب غير واعية، فمع تحكم هذه النظرة كيف يمكن أن نوجد تفسيراً مختبرياً وتشريحياً لهذه القيم الأخلاقية عند الإنسان؟

فمن المستحيل ثبوتاً وإثباتاً أن يكون هناك قيماً أخلاقية تتصف بالإطلاق دون الإيمان بوجود إله يكون مصدراً لهذا الإطلاق، وهذا ما تنبه إليه الكثير من فلاسفة الإلحاد، "وقد أدرك الفيلسوف الوجودي الملحد والشـرس، (جون بول سارتر)، مبلغ الإحراج الفكري في مسألة أصل التمييز الأخلاقي بين الخير والشـر، ولذلك قال: يجد الوجودي حرجًا بالغًا في ألّا يكون الله موجودًا، لأنه بعدم وجوده تنعدم كلّ إمكانية للعثور على قيم في عالم واضح. لا يمكن أن يكون هناك خير بدهي لأنّه لا يوجد وعي لانهائي وكامل من الممكن التفكير فيه. لم يُكتب في أيّ مكان أنّ الخير موجود، ولا أنّ على المرء أن يكون صادقًا أو ألّا يكذب" ([1]).

ومن هنا نجد أن ريتشارد دوكنز يتسق مع إلحاده ويلتزم بمآلاته، فيرفض صبغ الوجود ككلّ بأية صفة قيمية على الإطلاق، فيقول مقرّا بمشكلة النسبية الأخلاقية: "في هذا العالم لا يوجد شر ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرحمة". ويقول أيضاً: إنّه من العسير جدًا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينية"([2]).

 أمّا الباحث الأميركي اللاأدري ديفيد برلنسكي فيوضّح مقولة دوستويفسكي: "إذا كان الإله غير موجود فكلّ شيء مباح" ويقول شارحا: "فإذا لم تكن الواجبات الأخلاقية مأمورة بإرادة الله، ولم تكن في الوقت ذاته مطلقة، فإن (ما ينبغي أن يكون) هو ببساطة ما يقرّره الرجال والنساء. لا يوجد مصدر آخر للحكم. هل هذه إلا طريقة أخرى للقول بأنه طالما أن الإله غير موجود، فكل شيء مباح؟"([3]).

وقد أشاد داروين نفسه بالدور الفعال للإيمان بالمعبود حيث يقول:"وبالنسبة للأعراق الأكثر تمديناً، فإن الإيمان الراسخ بالوجود الخاص بمعبود، مطلع على كل شيء قد كان له تأثير فعال، على التقدم الخاص بالاخلاق"([4]).

ومن جهة أخرى فإن الاكتفاء برصد هذه القيم الأخلاقية من واقع الحياة الاجتماعية، يتضمن أعترافاً بوجود بُعدٍ غير مادي يتطلع له الاجتماع الإنساني؛ لبداهة وجود هذه القيم الأخلاقية عند الإنسان والمجتمع، ولبداهة كونها غير مادية، وهذا ما لا يمكن أن ينسجم مع التفكير الإلحادي.

وإيجاد تفسير مادي لحركة الاخلاق في المجتمع إن تم لا يصيرها مادية؛ لأن لهذه القيم من الأساس إنعكاسات على واقع الحياة المادية للإنسان، وليست هي قيم منعكسة عن المادة، فالإنطلاق لرصد القيمة من المادة، يقابله الإنطلاق من القيمة نفسها ومن ثم البحث عن تأثيرها في المادة، فتارة تكون النظرة فوقية فترى القيمة أولاً، وتارة تكون النظرة تحتية فترى القيمة الأخلاقية متجلية في الحياة الحسية، وبكلا المنظارين تظل القيم الأخلاقية ليست مادية.

 وقانون الانتخاب الاجتماعي الذي جاء على وزن قانون الانتخاب الطبيعي لا يشكل حلاً بقدر ما يشكل خدعة وتحايل، فالتطور الذي يحدث في الكائنات الحية بحسب النظرية الداروينية يقوم على بقاء الاجدر والاقوى والاصلح، وهو طرح يمكن تفهمه ضمن إطار المادة غير الواعية، ولكن كيف يمكن فهمه وإستيعابه ضمن الحياة العاقلة والمريدة؟ وحركة الإنسان والمجتمع حركة واعية تقوم على التطلع نحو الكمال الذي قد يكون فيه التضحية بالذات من أجل العدل والحرية والكرامة، الأمر الذي يجعلها تقع على العكس تماماً من الأنانية المحضة التي يقوم عليها الإنتخاب الطبيعي.

فالإستجابات العصبية، والسلوكيات الغرائزية، عملية غير واعية، قد نجدها في بعض السلوكيات التي يمارسها الإنسان كما يمارسها الحيوان، أما السلوك الحر القائم على الوعي والإرادة والقدرة على الاختيار والتمييز فهو حتماً مختلف عن الحالة الغرائزية.

والعمل على تطبيق قانون البقاء للاصلح إجتماعياً سوف يؤدي إلى  أثار مدمرة للوجود الإنساني، فتمييز البشـر بحسب الجينات الوراثية يفتح الطريق أما صراع عرقي تنقلب معه كل المفاهيم الأخلاقية إلى  مفاهيم لا أخلاقية، فيصبح الخير شر، والعنصـرية فضيلة، العدل ضعف، والظلم قوة، والإنصاف سخف، والرحمة جهل، وهكذا تكون الحقوق فقط للأقوى والأكثر صموداً.

ومن هنا رفض ألفرد والاس([5]) المنظور الدارويني وكتب عام 1864 يتسأل: "كيف افرز الانتخاب الطبيعي المفاهيم الأخلاقية الجيدة، كالمنطقية والإثار؟، ويرى والاس أن مبدأ الصراع من أجل البقاء والبقاء للأصلح قد أديا إلى  تفوق الإنسان الحديث على حساب الإنسان البدائي، الذي أنقرض نتيجة لعدوانية اجدادنا، أي أن بقاء الأول كان على حساب فناء الثاني. لما كانت هذه النتيجة لا تتماشى مع منظومتنا الأخلاقية، فذلك يعني أن لِأخلاقنا مصدراً آخر غير الصـراع، ويرى والاس أن هذا المصدر ليس إلا الإله الخالق للعقل البشري خلقاً مباشراً"([6]).

وقد حمل البعض التفكير الدارويني مسؤولية ما وقع من دمار في الحرب العالمية، وذلك للفلسفة العنصـرية التي أسسها تشارلز داروين في كتابه أصل الإنسان، والذي حاول فيه البرهنة على وجود تمايز حقيقي بين البشر، وقد يرتفع هذا التمايز إلى  مستوى أن يكون كل عرق نوعاً إنسانياً مستقلاً عن الآخر، يقول: "قام الإنسان بالارتفاع إلى  منزلته الحالية. ولكن منذ أن وصل إلى  المرتبة الإنسانية، فإنه قد تشعب إلى  أعراق متباينة، أو كما يمكن أن يطلق عليهم بشكل أكثر إنطباقاً (أنواع فرعية) وبعض تلك الأنواع الفرعية، مثل الزنوج أو الأوروبين يكونوا غاية في التباين، إلى  درجة أنه إذا تم إحضار عينة إلى  عالم في التاريخ الطبيعي، بدون أي معلومات إضافية، فإن من شأنهم بلا شك، أن يتم اعتبارهم عن طريقه، على أساس أنهم أنواع صحيحة وحقيقية"([7]).

 والنتيجة المتحصلة من هذا التمايز العرقي؛ هو منح العرق المتحضـر منها الحق في القضاء على العرق الهمجي، ضمن قانون البقاء للأصلح والانتقاء الطبيعي، حيث يقول فيه: "في مرحلة مستقبلية معينة، ليست ببعيدة، سوف تقوم الأعراق البشـرية المتحضـرة على الأغلب بالقضاء على الأعراق الهمجية واستبدالها في شتى أنحاء العالم." ولهذا النمط من التفكير نجد عالم التاريخ الأمريكي توماس ناب([8]) thomas knapp من جامعة لويال يقول: " كان الناس ينتظرون الحرب قبل عام 1914م بمنتهى الشغف، وكانوا يتمنون قيام الحرب، وكان الدافع لسيطرة هذا الفرح عليهم هو سيطرة الداروينية الإجتماعية على الناس في تلك الفترة حيث طُبقت في مدارس أوربـا، فهي ترى الحرب دافعـا للرقي للأقوى ودافع للنشاط"([9]).

ولو أعتبرنا أن عملية الانتخاب الطبيعي ليست موغلة في الأنانية، وإنما هي قائمة على إنتخاب أخلاقي يراعي الخير والفضيلة، مع أنه غير ممكن بحسب النظرية الداروينية، إلا أنه ومع ذلك الاعتبار لا تكون عملية مفهومة بدون مرجعية أخلاقية، وكل ما يمكن تفهمه هو النسبية القائمة على المعيار الشخصـي، لأن عملية الإنتخاب الطبيعي ليست عملية حتمية تصادر إرادة الإنسان، وإنما تخضع لخياراته هو وبحسب الظروف والمرجحات، الأمر الذي يجعلنا نبحث من جديد عن أخلاق تمتلك مفهوماً إطلاقياً يمكن أن يرجع إليه المجتمع في عملية الإنتخاب، وبدون المعيارية الذاتية للقيم الأخلاقية لا يكون هناك مبرراً لوجودها من الأساس ناهيك عن إمكانية أنتخابها إجتماعياً، وبالتالي  فليعمل كل إنسان بحسبه دون أن يكون هناك رادع لفعله.

والعجيب أن تلك النظرة السطحية لحقيقة الإنسان القائمة على المادة فقط، أريد لها أن تكون هي النظرة العلمية والموضوعية، وروج لها بوصفها نظرة قائمة على الملاحظة والتجربة، إلا أن الذي تم ملاحظته هو الجانب الحسـي من الإنسان فقط، أما الجانب الواعي والمتفهم لقيم الكمال والجمال قد تم أهماله واستبعاده لكونه عصياً على المختبر والتجربة الحسية.

يقول الفيلسوف الأميركي اللاأدري والمثير للجدل توماس ناغل([10]) في كتابه "العقل والكون: لماذا يكاد يكون التصوّر المادّي الدارويني خطأ قطعا؟ أن هناك ثلاثة عناصر تعجز الرؤية الكونية المادّية أن تقدّم تفسيرا لها، وهي: الوعي، والإدراك، والقيم الأخلاقية([11]).

ويقول روي أبراهام فارغير "أرى أن هناك خمسة ظواهر واضحة في تجربتنا المباشرة لا يمكن تفسيرها إلا بلغة وجود الإله. هذه الظواهر هي:

الأولى: العقلانية المتضمنة في جميع خبراتنا الحسية عن العالم الفيزيائي.

الثانية: الحياة القادرة على الفعل المستقل.

الثالثة: الوعي، القدرة على أن تكون على علم.

الرابعة: الفكر التصوري، القدرة على التعبير وفهم الرموز الموجود في اللغة.

الخامسة: النفس البشرية، مركز الوعي والفكر والفعل"([12]).

ومع أن النظرية الداروينية قد أسست تصوراتها عن الإنسان ضمن رؤية مادية قاصرة، وقد تسبب ذلك في غياب فهم حقيقي ومتكامل للإنسان، إلا أن هناك أمراً إيجابياً يمكن أن يحسب لها، وهو ما وفرته من مادة وشواهد ضخمة وما أوجدته من ملاحظات لها علاقة بتأثير البيئة والجغرافيا في الاجتماع الإنساني، وهو بدوره يساعد على فهم شخصية المجتمع ودوافعه وانماط تفكيره واساليب عيشه وفنونه، الأمر الذي لا يستغني عنه أي عالم أجتماعي.

ومع ذلك فإن الملاحظة الجديرة بالذكر في هذا الخصوص هو عدم حتمية هذه المؤثرات على الاجتماع الإنساني، لما يمتلكه الإنسان من إرادة واعية وعقل مميز وروح تواقة للتسامي والكمال، فبإمكان الإنسان فرداً أو جماعة التمرد على كل هذه المؤثرات، وخلق واقع أخر بعيد كل البعد عن ما كان يجب أن يكون عليه بحسب قانون الطبيعة، فمع أعترافنا بالجانب المُنّفعل في الإنسان، نعترف أيضاً بالجانب الفاعل فيه، وهو جانب الروح المتطلعة نحو الكمال المعنوي والمادي بما لها من وعي وإيمان بقيم مطلقة.  

وقد حاول الإلحاد الجديد تقديم مقاربات أخرى لموضوع الأخلاق تتسق مع الرؤية المادية للإنسان، ومع كل الاجتهادات التي قدمها في هذا الشأن إلا أنه لم يستطع الخروج من النسبية التي لا تصبح معها الاخلاق معيارية.

يقول إسماعيل عرفة: " أمّا ريتشارد دوكنز فقد صرّح في تغريدة له على موقع تويتر بأن الإجهاض فعل أخلاقي ومشـروع طالما ليس هناك ألم، وبرّر ذلك قائلا: "لأن الجنين في بطن أمّه هو أقل إنسانية من أي خنزير بالغ". تعرّض دوكنز للنقد بشدّة عند نشـره لهذه التغريدة وحاول أن يوضح مراده في عدّة تغريدات لاحقة، لكن تغريداته ظلّت غامضة وغير مفهومة.

في نفس الإطار يرى الملحد الأسترالي  وأستاذ الفلسفة الأخلاقية بيتر سنجر أن ممارسة البشر للجنس مع الحيوانات والبهائم طالما لا تتضمّن أذيّة من أي نوع للحيوان هو أمر طبيعي ومقبول في إطار حميمية العلاقة بين الحيوانات والإنسان، وبالنسبة إليه: "فلا خطأ في ذلك على الإطلاق، بل إنه أمر محمود طالما يؤدي إلى استمتاع الطرفين: الحيوان والإنسان". هل معنى ذلك أن الملاحدة كلهم لاأخلاقيّون؟ بالطبع لا، يقول فرانك توريك: "لا أقول بأن الملاحدة لا يعرفون الأخلاق وإنما أقول إنهم لا يمكنهم تبرير الأخلاق. نعم يمكنهم التصـرّف بخُلق ويمكنهم الحكم على بعض الأفعال بأنها أخلاقية أو لا أخلاقية، لكنهم لا يستطيعون توفير قاعدة موضوعية لأحكامهم الأخلاقية.

وأيا ما كان الأمر: الهولوكوست، الاغتصاب، ذبح الأطفال، أو أكل الأطفال، فلا يوجد لدى الملحدين معيار موضوعي للحكم على أي منهم". وهو الأمر الذي قرّره كذلك علي عزت بيجوفيتش قائلا: "يوجد ملحدون على خلق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي"([13]).

ولو افترضنا كون الفلسفة الداروينية لا تؤسس لأخلاق سلبية قائمة على الأنانية الجينية، إلا أنها أيضاً لا تؤسس لقيم أخلاقية مطلقة لبداهة افتقار المادة لها، وكل الكتابات التي نسجت على منوال الداروينية في موضوع الأخلاق، لم تخرج بتصور واضح حول تلك القيم الأخلاقية الضـرورية، "ككتابات مايكل شرور(علم الخير والشـر)، أو كتاب روبرت هايند (لماذا الجيد جيد؟)، أو كتاب روبرت بكمان (هل بإمكاننا أن نكون صالحين بدون الله؟)، أو كتاب مارك هاوزر (عقول أخلاقية). وهي جميعاً تتبنى تصوراً داروينياً في تفسير الظاهرة الأخلاقية، وهي وإن لم تصـرح بشكل مكشوف تكاد أن تقول أنه لا وجود لشـيء أسمه قيم أخلاقية مطلقة، وهذا ما ينبغي أن يكون فعلاً، إذ الإنطلاق من التصور الدارويني في معالجة السؤال الأخلاقي لازمه الضـروري القول بأنه ليس للأخلاق وجود قيمي حقيقي ومطلق، وإنما هي كالإنسان قابلة للتطور والانحدار بحسب مسارات تطور الكائنات، والشعور الإنساني بها وليد الصدفة فقط دون أن يكون لها قيمةٌ ذاتيةٌ حقيقة"([14]).

يقول عبد الله العجيري: "المشكلة أن الملاحدة اليوم يقدمون أنفسهم باعتبارهم (إنسانيون هيومانيون) ويبدون قدراً من الصلابة الأخلاقية في خطاباتهم حيال ما يعتقدونه صواباً وخطأً، دون أن يوضحوا القاعدة التي تتأسس عليها هذه الصلابة الأخلاقية، وإذا أرادوا التوضيح أحياناً فإما أن يقعوا في إشكالية التبرير النفعي البراغماتي للأخلاق والذي يفقد القيم الأخلاقية قيمتها، أو يقعوا في تقرير نسبيتها بما يفقدها قيمتها المطلقة، ويفقدهم مبرر هذه الصلابة الأخلاقية التي يظهرونها والحماسة الكبيرة في دعوتهم لقيمهم الأخلاقية بما يشعر المتلقي أنهم يدافعون عن رؤى كونية مطلقة، واستقراء طريقتهم في نقد الممارسات الأخلاقية التي لا يميلون إليها تكشف عن هذه القضية بوضوح شديد"([15]).

 


([1]) - مشكلة الشر ووجود الله، دكتور سامي عامري، http://www.aricr.org/ar/evil

([2]) - الاخلاق والإلحاد، أسماعيل عرفة، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

([3]) - الاخلاق والالحاد، إسماعيل عرفة، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

([4]) - نشأة الإنسان والإنتقاء الجنسي، تشارلس داروين، ترجمة مجدي محمود الملجي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط الأولى 2005، ج3 ص 227.

([5]) - ألفرد راسل والاس (بالإنجليزية: Alfred Russel Wallace) ولد في 8 يناير 1823 وتوفي في 7 نوفمبر 1913 هو عالم طبيعة بريطاني، ومستكشف، وعالم جغرافيا، وعالم أحياء وعلم الإنسان وهو الذي طرح نظرية التطور بالانتقاء الطبيعي بصورة مستقلة عن داروين واشتهر بها.

([6]) - خرافة الإلحاد ص 299.

([7]) - نشأة الإنسان والإنتقاء الجنسـي، تشارلس داروين، ترجمة مجدي محمود الملجي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط الأولى 2005، ج3 ص 220.

([8]) - هو أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، والكاتب الرئيسـي إعلان الاستقلال (1776) وثالث رئيس للولايات المتحدة (1801–1809) .

([9]) - كهنة الإلحاد الجديد، كتور هيثم طلعت، ص 159 /http://laelhad.com   

([10]) - توماس ناغل (بالإنجليزية: Thomas Nagel) هو فيلسوف أمريكي من مواليد 4 تموز/يوليو 1937، وهو حالياً بروفيسور متقاعد من جامعة نيويورك والتي درّس فيها منذ 1980. تشمل اهتمامات ناغل الفلسفية كل من مواضيع فلسفة العقل وفلسفة السياسة والأخلاقيات.

([11]) - اسما عيل عرفة، الإلحاد والأخلاق، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

([12]) -  أنتوني فلو، هناك أله، ملحق الالحاد الجديد كتبه روي أبراهام فارغير، تجرمة الدكتور صلاح الفضلي،  ص 191.

([13])([13]) - اسما عيل عرفة، الإلحاد والأخلاق، http://midan.aljazeera.net/intellect/philosophy/2017/9/19

([14]) - ميليشيا الإلحاد، عبد الله العجيري، تكوين للدراسات والبحوث، الطبعة الثانية، 2014م ، ص 152.

([15]) - المصدر السابق، ص 150.

2019/10/14

السلوك الإنساني.. بين الديني والوضعي

السلوك في الواقع البشري لا يتحرك على أساس من الوعي والوجدان الانسانيين بقدر ما يتحدد بحدود الظرف التاريخي وعوامله المادية, بل ان للوعي والوجدان لدى الانسان شكلا يحدده الظرف التاريخي غالبا, فالعبودية لم تنته كمرحلة تاريخية إلا بفعل الآلة ـ التي مثلت السبب الاكثر فعالية ـ حين سدّت مسد اليد البشرية, وحين تم ذلك اليوم تولد, لدى العنصر الابيض, شعور بقبح الرق والتفريق على اساس اللون, في حين انه كان يرى في ذلك التفريق الصورة الطبيعية للحياة, فلو قدّر للحياة اليوم ان تفقد التطور الآلي والتكنلوجي ويعود الانتاج الزراعي والصناعي الى حاجته الاولى لليد البشرية لاستتبع ذلك ـ آليا ـ تبدل الشعور الرافض للتفريق العنصري بالشعور السابق في التعايش الطبيعي مع فكرة الرق والعبودية. إن الطريقة التي تصنع للحياة صورتها الايجابية تكمن في جعل الانسان يعيش ضمن اطار يتجاوز الواقع التاريخي ليعيش انسانيته بشكلها الثابت المحض, وهذا ما يمثل ماهية الدين السماوي بربط الانسان بالمطلق وهو الله سبحانه. هنا نكون امام دعوى لشد ما يطلقها الطرف المناوئ للدين, سواء في حقيقته او دوره خارج اطار المعتقد والشعيرة, في أننا نلمس ذلك التجاوز للواقع التاريخي في نماذج مؤمنة وكافرة على السواء, وهذا حق ولكن:

1ـ ان وجود نماذج ـ مؤمنة وكافرة على السواء ـ تجاوزت الواقع التاريخي لا يتجاوز افرادا محدودين يمكننا تسميتهم بالأبطال التاريخيين, ولا يمكن ان نعتمد فيما يصنع للحياة ـ بشكل شمولي ـ صورتها الايجابية, على طريقة لا تنتج غير افراد محدودين.

2ـ إن تجاوز الكافر للواقع التاريخي ينبع من خصوصيات ذاتية توفرت لديه, فيما يمثل الدين السماوي منهجا شموليا يدفع النوع الانساني لتجاوز الواقع التاريخي.

3ـ وإذا ما قيل في أن الكفر يعتمد منهجا شموليا ايضا وهو الانسانية, سنكون إزاء منهجين لتجاوز الواقع التاريخي وهما الانسانية لدى الكافر والارتباط بالله جل وعلا لدى المؤمن, فأيهما أقدر على خلق ذلك التجاوز؟!

إن مشكلة الانسانية التي يعتمدها الكافر, هي انها فكرة من داخل التاريخ ـ سواء كونها انفعالا نفسيا او فكرة عقلية تنظم علاقة الذات بالآخر ـ وتنشأ بفعل عوامل التاريخ كما بيّنت في مثال العبودية انفا, فيما يعتمد المؤمن على فكرة الارتباط بالله المطلق المتجاوز للتاريخ وهذا ما يحسم الامر لصالح المؤمن على الصعيد المنطقي في حدود هذه النقطة.

4ـ إن الايمان بالله المطلق الخالق وما يؤديه من ايمان بأن البشر, على الاطلاق, مخلوقون من قبل الله, يجعل من الله والفرد والاخر ثالوثا يسبح في الفراغ متجاوزا كل العوالق المادية والتاريخية التي شوهت مفهوم الانسانية في كل الحضارات التي قامت على اساس جغرافي كالبابلية والمصرية او اساس قومي كالإغريق والرومان او الاساس التكنلوجي كما في اروبا وامريكا اليوم, وكل ما نظّّر به الفلاسفة حول علاقة الفرد بالآخر بدءا بمقولة الناس عبيد وبربر لأرسطو وانتهاء بإنسان نيتشه السوبرمان. يقول نبي الاسلام ص " كلكم سواسية كأسنان المشط" و " كلكم لادم وآدم من تراب". إن سور القضيتين (كل) بما يعنيه من دلالة تشمل البشر كافة, على اختلاف الاعراق والالوان والأمصار, هو التمثيل الحقيقي لمفهوم الانسانية , ولما كان أثر الاختلاف في الاعراق والالوان والامصار هو تجسيد للواقع التاريخي, كان الـ ( كل), بما يعنيه من دلالة تشمل البشر كافة, هو خروج عن الواقع التاريخي.

إن عملية الارتباط بالله ليست وصفة جاهزة يحققها الانسان من خلال الهوية العقائدية, بل هي جهد نفسي جبار (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) (الانشقاق6), وبهذا تبطل الدعوى التي يعتمدها الطرف المناوئ للدين والمتقومة على اساس من اعتبار المجتمعات الاسلامية ممثلا لفكرة الايمان وبالتالي محاكمة فكرة الايمان على اساس ذلك الاعتبار.

5ـ إن الكدح متاح للمؤمن والكافر ولكن الاختلاف فيما ينتهي اليه ذلك الكدح. فسارتر الملحد حين عظّم من استقلالية الانسانية اعتمادا على صدفة وجوده أدى ذلك الى ما أطلقه البير كامو من دعوى للانتحار, وتقديس فلاسفة النهضة للفكر الوضعي ومركزية الانسان أدى هو الاخر لان تكون اوروبا مسرحا مرعبا خلال الحربين العالميتين, حيث ان الانسانية في معطيات الفكر الوضعي تعني اصالة اللذة والمنفعة, في حين ينتهي الكدح المؤمن الى الثالوث السابح في الفراغ وفيه تقنن اللذة والمنفعة من خلال الارتباط بالمطلق.

6ـ الهوة السحيقة الموجودة بين عملية الارتباط بالمطلق بشرطها الكدح وبين الواقع المعاش لايعني عدم صلاحيتها وحتمية اعتمادها كوسيلة فضلى تصل بالبشرية الى الحالة المثال,انها فكرة مثالية وليست خيالية والفارق كبير. كما ان الهوة الموجودة بين فكرة التقيد بالشروط الصحية واعتماد النظافة وبين الواقع المعاش لقبيلة بدائية لايعني خطأ الفكرة او يمس ضرورة التقيد بها إذا ما ارادت القبيلة الوصول الى حياة صحية مثالية. بمعنى ان من الخطأ ان نحاكم الفكرة على اساس الواقع حين تكون الفكرة هي الاداة لتغيير الواقع

2019/09/18

العنف في السيرة النبوية -٢- «دعوى الارهاب في مقوماتها المنطقية» (الجزء الثاني)

إن الطموح السياسي والطمع بالسلطان عند فقير يرعى الأغنام في مكة الموغلة في الجاهلية بما فيها من خضوع للدولتين العظميين الروم وفارس،  لن يتجاوز حدود الوصول إلى ما وصل اليه ملوك الحيرة أو الغساسنة.

ولا يمكن في أي حال من الأحوال أن يفكر ذلك الفقير بانتزاع ملك كسرى أو قيصر. فالتراث الأدبي الذي وصلنا عن العصر الجاهلي والتاريخ الاجتماعي لتلك الفترة يضعنا أمام صورة واضحة لوعي أبناء ذلك العصر في جزيرة العرب..

يقول الشاعر الجاهلي:

ولقد شربت من المدامة بالصــغير وبالكبــــير

فإذا انتشــيت فإنــــــني رب الخورنق والسدير

وإذا صحوت فإنــــــنيرب الشويهة والبـــعير

إنه سيحاول أن يتسيّد مكة من خلال امتلاك مفاتيح الكعبة وخدمة الحاج والغلبة في إخضاع بيوتاتها كما فعل جده قصي بن كلاب. وإذا جمح به طموحه إلى الرغبة بتوحيد العرب تحت سلطانه، فلابد له ـ بفعل وعيه كجاهلي في الجزيرة العربية والظروف المحيطة به ـ من أن يتجه إلى القبيلة، المكوّن الأساس لذلك المجتمع. فبعد أن يتسيّد مكة كخطوة أولى، يعمد إلى بث التآلف والتخالف بين القبائل حسبما تمده به قدرته حتى تتوحد تحت سلطانه كما فعل جنكيز خان ـ مثلا ـ في توحيد المغول. ولو فرضنا أن طموحه قد تجاوز الممكن فوصل به إلى تصميم على منازعة الروم أو الفرس فلن يكون له ـ حينها ـ من وسيلة سوى القبيلة وما فعله جنكيز خان حين غزا الأرض. وآخر ما يمكن أن نعقله لطامح كهذا هو أن يتكلف مؤونة الخوض في قضايا العقائد والسلوك التي نلمس أنّى سرنا في ثنايا سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من الجهد والمثابرة في الدعوة لها والعمل على غرسها في النفوس حتى جعلها (صلى الله عليه وآله) القضية الأم في دعوته حيث قال (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق).

     إن النظرة التحليلية لمجريات السيرة النبوية في الفترة المكية تجعلنا نتبيّن مايلي:

  1.  كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قبل البعثة ذا شخصية معروفة للجميع بالخصال الفاضلة وله عند الجميع موضع الاحترام والتقدير. حتى أن أهل مكة كلها كانوا ينادونه الصادق الأمين. وقد اشترك في مطلع شبابه بحلف الفضول الذي هو حلف اجتمع عليه نفر من بيوتات مكة لإنصاف المظلوم من ظالمه. وقد قال عنه (صلى الله عليه وآله ) فيما بعد (لقد شهدت مع عمومتي حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت (.[1]
  2. وحين أمر أن ينذر عشيرته في بدء الدعوة "قال ابن عباس: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين)  خرج رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فصعد على الصفا فهتف: يا صباحاه! فاجتمعوا إليه. فقال: يا بنى فلان، يا بنى فلان، يا بنى عبد المطلب، يا بنى عبد مناف! فاجتمعوا إليه. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح الجبل أكنتم مصدقى؟ قالوا: نعم ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك!أما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام فنزلت ((تبت يدا أبي لهب و تب[2])).[3]
  3. إن أية حركة معاكسة للخط العام المنحرف لمجتمع الجزيرة العربية أو اتجاه مناهض للقيم السائدة، مقطوعا عن الوحي وضمن واقع أبناء الجزيرة، لن يكون القائم به سوى واحد من اثنين؛ إما رجل له بعض الحكمة والعقل كعثمان بن مظعون[4] وآخرين في مكة، أو رافض للطبقية الجاهلية فيعمد إلى خلق شيء من الاشتراكية عن طريق الإغارة على ما عند الأغنياء لإعطاء الفقراء كما فعل عروة بن الورد. ولا شك في أن ما قدمه النبي (صلى الله عليه وآله) من رسالة، ما زالت رغم أربعة عشر قرناً على بدئها راسخة في نفوس أكثر من مليار إنسان، لا يمكن أن يقاس بهذين النموذجين.
  4. الرفض القاطع ـ ومنذ اللحظة الأولى للدعوة ـ لعبادة الأصنام رغم ما تشكل هذه الأصنام من قداسة قصوى لدى أهل مكة بل عموم العرب، وجعل نبذ هذه العبادة ـ من قبل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ـ النقطة الأم التي يقوم عليها الصراع. بمعنى أنه راح منذ أول انطلاقة دعوته يلهب نفوس الجميع بالعداء له بضرب قدس أقداسهم ليقف أمام هذا الطوفان وحيدا. فهل يمكن لطامع في زعامة أو سلطان أن ينحو هذا النحو؟!

إننا نلاحظ في نبوة مزيفة كالتي ادعاها مسيلمة الكذاب كيف سارع إلى تملق أتباعه وإرضائهم كي يتبعوه، بأن وضع عنهم الزكاة وعدداً من الفرائض وأباح لهم الخمر والنساء.

  1. ثم إنه (صلى الله عليه وآله) اعتمد في دعوته فكراً لا يستميل به لوناً أو قبيلة أو شريحة معينة، فكراً يخاطب عقل الإنسان ووجدانه. فالتف حوله من علية البيوتات المكية جاهاً وحسباً كسعد بن أبي وقاص وعثمان بن عفان ومن له الحظ الوافر في الحكمة كعثمان بن مظعون والشاب المترف الأرستقراطي مصعب بن عمير والعبد المملوك بلال بن رباح والفقير المعدم عمار بن ياسر، جمعهم حوله بدعوة أول كلمة فيها "اقرأ" (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ *عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[5]

يتبع...


[1] البداية والنهاية - ج 2 ص 355

[2] المسد 1

[3] تفسير مجمع البيان 7: 322

[4] كان قد حرم على نفسه الخمر في الجاهلية ويأنف من عبادة الاصنام وفيه قال أمير المؤمنين عليه السلام ()كان لي فيما مضى أخ في الله، وكان يُعظمه في عيني صِغرُ الدنيا في عينه، وكان خارجاً من سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان أكثر دهره صامتاً، فإنّ قال بدّ القائلين ونقع غليل السائلين، وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإن جاءَ الجِدّ فهو ليثُ غابٍ وصِلُّ وادٍ، لا يدلي بحجّة حتّى يأتي قاضياً، وكان لا يلومُ أحداً على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذارَه، وكان لا يشكو وجعاً إلاّ عند برئه، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السكوت، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلّم، وكان إذا بدهه أمران نظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه، فعليكم بهذه الأخلاق فالزموها وتنافسُوا فيها، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خيرٌ من ترك الكثير ((،  الشبكة العنكبوتية، مؤسسة الإمام علي عليه السلام، لندن

[5] العلق 1ـ 5

2019/08/28

العنف في السيرة النبوية -٢- «دعوى الارهاب في مقوماتها المنطقية» (الجزء الأول)

لا يمكن أن نأخذ بالاتهام الموجّه الى النبي (صلى الله عليه وآله) في أنه تبنى سياسة القتل والاعتداء، وأن نفسّر النشاط الحربي في السيرة النبوية على أنه إرهاب وتعسف، بشكل مقطوع عن الدوافع والأسباب. ويجب على القائل على النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) قول الزور هذا أن يقدم لنا رؤية واضحة ومتناسقة لعموم السيرة النبوية وقد انسجمت مع تفاصيلها هذه التهمة وإلا فهو الهراء المحض.

 إننا في مسعى النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ومشروع الثورة التي انطلق في الدعوة لها من غار حراء إلى نهاية عمره الشريف، إزاء أحد دافعين، النبوة الحقة أو الطموح السياسي.

إن إي اتهام للنبي (صلى الله عليه وآله) بتبني سياسة القتل والعدوان هو بمثابة سلب لصفة النبوة عن شخصه المقدس. حيث أن هذه الصفة بمحتواها الفعلي تعبير عن الوسيلة التي أرادها الله، المتعالى الذي لا يضره إن التزم الناس جادة الصواب أم حادوا عنها (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) لتبليغ الناس ما يدركون به سعادتهم وصلاحهم، والله غني عمّن يُكره من أجله الناس على اتباع أوامره ونواهيه، وهو القادر على جعلهم في غاية الامتثال والخضوع (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا).

ثم إن الهداية والصلاح وهما الغاية من أوامره ونواهيه أفعالٌ قلبية وامتثالٌ ذاتي لا ينفع في تحقيقه القتل والإكراه إن لم ينفع النصح والإرشاد. ولو تأملنا القرآن الكريم لطالعتنا أمثلة لا حصر لها في الدلالة على هذا، منها أن القرآن قد جعل فرعون مصر نموذجاً أعلى لما يمكن أن يكون عليه الكفر والطغيان. ولكنه طغيان على نفسه ونموذج أعلى في معايير البشر. أما الله فحاشا أن يكون لذي شأنٍ شأنٌ في جنبه. لهذا كان لزاما على الله المطلق أن ينظر من عليائه إلى ما ألحق فرعون بنفسه من الشقاء، ويشفق عليه فهو العزيز الرحيم، فيأمر رسوله اليه موسى (عليه السلام) وأخاه هارون أن يقولا له قولا لينا. لأن الله إنما أرسلهما رحمة منه لإنقاذ فرعون من شرور نفسه والقول اللين هو الأنسب في مقام كهذا (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). وحين لم يرعو لمنطق القول تنزلا معه إلى منطق الحس (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ). ولمّا أصرّ فرعون إلا أن يعاند بعد إلزام الحجة أمَرَ الله داعيته موسى (عليه السلام) أن يتركه وينصرف عنه. وعلى هذا فإن انتهاج الإرهاب والاعتداء من قبل النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لن يكون منطقيا إذا قطعنا بنبوته وأنه مرسل من قبل الله.

وأتجاوز هنا مبحث الدلائل القاطعة بثبوت النبوة له (صلى الله عليه وآله)، وللقارئ الكريم أن يرجع في هذا الموضوع لما شاء من كتب العقائد الإسلامية التي أغنت وسدت على المنكر والمشكك كل طريق، وأكتفي بالإشارة إلى ما قاله الكاتب البريطاني توماس كارلايل "هل رأيتم قط.. أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً عجباً.. إنه لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب! فهو إذًا لم يكن عليماً بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك فما ذلك الذي يبنيه ببيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد، وليس جديراً أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرناً يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن. وإني لأعلم أن على المرء أن يسير في جميع أموره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته.. كذب ما يذيعه أولئك الكفار وإن زخرفوه حتى تخيّلوه حقاً.. ومحنة أن ينخدع الناس شعوباً وأمماً بهذه الأضاليل" ، إن محمداً (صلى الله عليه وآله) لم يتلق دروساً على أستاذ أبداً، وكانت صناعة الخطّ حديثة العهد آنذاك في بلاد العرب. ويظهر لي أن الحقيقة هي أن محمداً (صلى الله عليه وآله) لم يكن يعرف الخط والقراءة، وكل ما تعلم هو عيشة الصحراء وأحوالها وكل ما وفق إلى معرفته هو ما أمكنه أن يشاهده بعينيه ويتلقى بفؤاده من هذا الكون العديم النهاية.. إنه لم يعرف من العالم ولا من علومه إلا ما تيسّر له أن يبصره بنفسه أو يصل إلى سمعه في ظلمات صحراء العرب، ولم يضره.. أنه لم يعرف علوم العالم لا قديمها ولا حديثها لأنه كان بنفسه غنياً عن كل ذلك. ولم يقتبس محمد (صلى الله عليه وسلم) من نور أي إنسان آخر ولم يغترف من مناهل غيره ولم يكن في جميع أشباهه من الأنبياء والعظماء – أولئك الذين أشبههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور – من كان بين محمد (صلى الله عليه وسلم) وبينه أدنى صلة وإنما نشأ وعاش وحده في أحشاء الصحراء.. بين الطبيعة وبين أفكاره."

وإذا امتنع المتهِم عن الأخذ بالنبوة كمحرك أساس للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في مشروعه الثوري العملاق، صار لزاماً عليه أن يقدم الطرح المنطقي الذي ينسجم فيه دافع الطموح السياسي مع واقع الدعوة الإسلامية ومجرياتها.

يتبع...

2019/08/27

العنف في السيرة النبوية -١- «المدخل»

لطالما اتخذت علاقة الغرب بالإسلام حالة الصراع الدائم،  واتخذ هذا الصراع ألواناً متعددة بدءاً بالصدام المباشر والمتمثل بالحروب الصليبية التي استمرت زهاء القرنين من الزمن حين أعلن البابا أريان الثاني (عام 1095م) الحرب تحت راية الصليب ضد المسلمين لاسترداد بيت المقدس، ومع إطلالة الثورة الصناعية في أوربا في القرن الثامن عشر كناتج عملي للثورة الكبرى التي حققها الأوربيون في واقعهم الحضاري من خلال مايسمى بـ (عصر النهضة) وما أفرزته هذه الثورة من حاجة ماسة الى عنصري الصناعة الأساسيين، المواد الخام والسوق،  مما حدا بالدول الأوربية الى إطلاق مشاريع استعمارية ضخمة في الدول الإسلامية لما تتمتع به من وفرة في المواد الخام والموارد الطبيعية. وفي ما يتعلق بالإسلام فإن الدول الأوربية في سعيها الحثيث آنذاك إلى بسط هيمنتها على دولة المسلمين ولِما خبرته في الحروب الصليبية من حقيقة ما يتمتع به الإسلام من قدرة على توحيد المسلمين تحت رايته وبث القوة فيهم،  راحت تعبئ ـ إضافة إلى قواتها العسكرية الغازية ـ قوات الفكر المغرض وتنشرها على امتداد الجبهة العقائدية والفكرية الإسلامية. فكانت حركة الاستشراق وعملها الدؤوب في تشويه حقائق التاريخ الإسلامي وإنزال المقدس الديني، كالنص القرآني والنبوة، إلى دائرة النسبية والخضوع إلى عوامل التاريخ.                    

  وتبدأ مع تماس الأوربيين بتجربتهم العلمانية ورقيهم الحضاري مع المسلمين دوامة البحث عن سبل الرقي والتطور في المجتمع الإسلامي من خلال مسايرة التجربة الأوربية في إقصاء الدين والحكم على الإسلام بالجمود أو ضرورة التصرف بمفرداته التشريعية بما ينسجم مع معطيات الواقع المتجدد.

وبعد انتهاء ما يسمى بالحرب الباردة وانهيار المعسكر الشيوعي وتفرد الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى تحكم العالم،  شهد الصراع الإسلامي الغربي لوناً جديداً تمثل بالسعي الحثيث في إلصاق فرية العنف والدموية بالإسلام،  وإظهاره مظهر الجسم الناقل لفايروس الإرهاب  في كل أنحاء عالمنا المعاصر.

وعلى امتداد زمن الصراع نهض عدد لا يحصى من الكتاب الإسلاميين للدفاع عن الإسلام وصد الهجمات المغرضة عن حياضه. فكان لهم الأثر البالغ والدور الفعال في هذا الخصوص. وماتغص به المكتبة الإسلامية من عناوين عقائدية وفكرية وفقهية خير شاهد على ذلك.

وفي هذا المضمار نجد ان من النافع والضروري التصدي بتقديم هذا الملف الذي هو مساهمة متواضعة في التصدي لفرية أن العنف والإرهاب من نتاج الفكر الإسلامي وأن ما تقوم به منظمتا القاعدة وداعش اليوم وما تحملانه من تطرف أو تمارسانه من سلوكيات بعيدة تماماً عن الإنسانية هو تجسيد فعلي لمحتوى الإسلام ومضامينه الفكرية،  من خلال تسليط الضوء على السيرة النبوية الوضاءة وما حملته من معاني الخير والسلام والإنسانية،  والرد على الاحتجاجات والادعاءات الرامية إلى تصوير الجانب الحربي من دعوة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) من حروب وغزوات على أنه مصداق لمبادرات العنف والاعتداء التي يتبناها الدين الإسلامي.

يتبع...

2019/08/26

الكوجيتو العلوي هو الحل!

- الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة رأي موقع "الأئمة الإثني عشر"

إن الحل الناجع والأساس الذي علينا أن نعتمده في خلق ثقافة إسلامية حقيقية تنفض عن واقعنا المؤلم كل أدران الانحطاط الفكري وتحصن الإسلام وأبناءه, يكمن في قولة فاه بها أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) في موقعة الجمل حين سأله الحارث بن حوط

ـ أيجتمع الزبير وطلحة وعائشة على باطل!

فأجابه الإمام (عليه السلام):

ـ يا حارث إنه ملبوس عليك. إن الحق والباطل لا يعرفان بالناس ولكن اعرف الحق  تعرف أهله، واعرف الباطل تعرف من أتاه..

لقد سبق الإمام علي (عليه السلام) في قولته هذه الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت بفكرة الكوجيتو, والدعوة إلى الشك العلمي المطلق, وأن يكون العقل برائده الحق هو المعيار الثابت الذي تتهاوى عنده كل المسلمات والثوابت والمسميات وعوالق التسليم والعقائد المسبقة, ويعاد النظر في كل القضايا المأخوذ بها على أساسٍ هو الحق, ولاشك أن الحق هو ماتقره الضرورة المنطقية وتنزله منزل الثابت والحتمي والباطل كل ما هو خلاف ذلك..

ولتطبيق كوجيتو الإمام علي (عليه السلام) سنقوم بحجب كل المسميات وخلع الرواسب العقائدية والبيئية ونتساءل، على أساس من هذا، مثلاً:

  1. لو نظرنا ـ على امتداد التاريخ البشري ـ إلى أي تكوين ذي هرمية اجتماعية تنتهي برئيس، من أبسط تلك النماذج وهي القبائل البدائية التي تخضع لكبير أو زعيم فيها في بدايات التاريخ إلى يومنا هذا, نجد الاستخلاف ومن يسد مسد الزعيم مسألة مفروغاً منها ولا يمكن تجاهلها. بل إن التجاهل هو قضية غريبة وغير قابلة للطرح عند الإنسان. فهل يعقل بعد هذا, في مشروع نتفق على أنه أعظم مشروع للبشرية ويخاطب الناس جميعاً على البعدين الزماني والمكاني, أن يتجاهل رئيس الدولة الذي نهض بهذا المشروع أمر الخلافة بعده بشكل تام وكلي, وقد أخبر عن موته وأنه مفارق هذه الحياة, وهو يعلم حين وفاته بمقدار الخطر المحدق بدولته من نواح شتى, وبالطريق الطويل الذي مازال ينتظر مشروعه؟!

وكيف لم يخطر في ذهن أيٍ ممن كانوا مع الرئيس من أناس ـ يعتبرون ذوي دراية استثنائية في التاريخ البشري ـ أي تساؤل عن مسألة الخلافة وكأنها مفردة من خارج الوعي الإنساني؟!

والطريف أن من كانوا معه, تجمعوا في اللحظة الأولى لموت الرئيس ليناقشوا أمر الخلافة, منطلقين من أنه أمر لا يمكن إلا أن يفَكرّ فيه ويُبت, وإلا ضاعت الأمة وتفرقت وذهب المشروع العالمي أدراج الرياح, لينتهي اجتماعهم بإقرار مفهوم عدوّه القاعدة والأساس في اختيار الخليفة. ثم لا نجد أحداً من الناهضين بهذا المشروع والمتصدين لقيادة الدولة يتطرق للمفهوم الذي اعتُمد كقاعدة وأساس, أو يتعامل مع أمر الاستخلاف بصورة تمس حتمية التفكير فيه واتخاذ القرار بشأنه!

  1. لنفترض أن مؤامرةً دنيئة انتهت بمقتل رجل يعد من أنبل وأفضل 10 رجال في تاريخ الإنسانية, وليكن عدد المتآمرين 100 شخص. ولأي سبب كان لم يلق القبض على المتآمرين ويقدموا للقصاص. ولنفرض أن السبب في ذلك هو أن مسؤولاً استلم رشوة مالية ونجح في حجبهم عن العدالة, فانتفض عدد من الأشخاص الغيورين على الدولة ومجرى العدالة فيها, ونادوا بضرورة فضح هذه المفسدة الإدارية وتسليم القتلة إلى القضاء, فهل يعقل أن يسمح لهؤلاء الغيورين ـ ولأي سبب كان ـ أن يشعلوا حروباً تقصم ظهر الدولة ويروح ضحيتها عشرات الآلاف من أبناء البلد الأبرياء, لتحقيق الغاية في الاقتصاص من 100 شخص؟!
  2.  لنتخيل حزباً يتبنى قيماً فاضلة قاد ثورة ضد الحكومة الجائرة المستبدة الفاسدة التي يؤثر أقطابها أنفسهم بالمال تاركين الشعب يعاني. ثم نجح ذلك الحزب باستلام مقاليد الحكم، وتسامح مع أقطاب الحكومة المنحلة الذين لم يتركوا جهداً في محاربته دفاعاً عن مصالحهم ومراكزهم, تسامح معهم بأن يعفو عنهم شريطة أن ينتموا إلى حزبه  ويعيشوا القيم الفاضلة التي يدعوا إليها، وإلا أنزل بهم ما يستحقون من قصاص. وبعد عشر سنوات ساءت احوال الدولة وعادت إلى ما كانت عليه من الفساد والطبقية, والتفتنا فوجدنا أقطاب الحكومة السابقة يحتلون المراكز القيادية في الدولة. فهل يعقل أن نفسر الانحراف بأن رجلاً طارئاً على الأحداث لا يملك غير فكرة معينة هو السبب وراء كل ذلك, وأما اقطاب الحكومة السابقة فبريئون براءة الذئب من دم يوسف, إذ أنهم انتموا إلى الحزب الصالح وحسن انصهارهم بقيمه الفاضلة, ولا يجوز حتى سوء الظن بهم؟!
  3. لنتصور حكومة اتبعت سياسة ما في الرعية, وتعاملت مع الشعب تعاملاً معيناً. ثم تفجرت من الرعية ثورة عارمة تقودها جهة ما منددة بسياسة الحكومة وتصفها بأنها جائرة وغاشمة وفاسدة, حتى نجحت هذه الجهة في إسقاط تلك الحكومة, وأبادت كل أفرادها لتكون هي حكومة جديدة, فهل يمكن بعد هذا أن ننزه الحكومتين وأن نعتبر كليهما مثالاً إنسانياً رائعاً وأن على الإنسانية أن تقتدي بهما؟
  4. لنتفق أن المشروعَ مشروعٌ إلهي جاء ليسد عجز الإنسان لطبيعته البشرية في الوصول إلى شريعة ومنهاج متكاملين. فهل يعقل أن نسلم هذا المشروع إلى أناس لا يتجاوزون الطبيعة البشرية ليبتوا فيه ويقرروا مفرداته ويضيفوا إليه من آرائهم ما يحسب عليه. ولنتفق أن المشروع يُعنى بالإنسان على مر العصور ثم نوقف البت فيه على أولئك النخبة التي عاشت قبل 1500 سنة في إطار من الطبيعة البشرية وحدود وعيها, ثم نعالج القضايا المعاصرة بطرح يتقوّم باستلهام بشري للمنجز البشري الذي قدمته  تلك النخبة ونصرح بأن هذا الطرح يتفوق على كل الأطروحات الإنسانية الأخرى لأنه من السماء؟!

لو أجبنا عن مثل هذه التساؤلات بما يمليه علينا الكوجيتو العلوي, بحجب المسميات وبمعزل تام عن رواسب المسبقات، فلن نحل ـ عندئذ ـ مشكلة العنف فقط , وإنما نضع حداً لكل الضياع الذي يعيشه المسلمون منذ قرون.

2019/08/21

المقدس وحرية الإنسان: لا لهدم الثوابت والمقدسات

*محمد محفوظ

ثمة قضايا عديدة ومتنوعة، تثير النقاش والجدل حول طبيعة العلاقة المتصورة بين مقدسات الانسان، ونزعاته العميقة في الحرية والانعتاق من كل القيود التي تكبل حريته وتمنع انطلاقته الإنسانية.

ويبدو أن هذه المسألة تعود إلى طبيعة العلاقة المتصورة بين المقدس والحرية.. فهناك أطراف تتصور أن الحرية بكل آفاقها وأشكال ممارساتها الخاصة والعامة، هي القيمة الكبرى التي ينبغي الدفاع عنها، ورفض أي شكل من أشكال تقييدها أو تحييدها.

لهذا فإن هذه الأطراف تقف موقفا إيجابيا ومؤيدا لكل فرد أو جهة مارست حريتها وعبرت عن قناعتها بحرية تامة.. وفي مقابل هذه الأطراف، هناك أطراف أخرى ترى أن الحرية هي قيمة من مجموعة قيم ومثل عليا، ولا يمكن على الصعيد العملي من التعامل مع هذه القيمة بمعزل عن المنظومة القيمية الكاملة، التي تحدد بعض الحدود والضوابط على مستوى الممارسة.

وإن هذه الحدود والضوابط ليست تقييدا لقيمة الحرية، وإنما في هذا الموضوع أو القضية الأولوية لقيمة أخرى مختلفة عن قيمة الحرية.. وهكذا تتباين وجهات النظر، وستبقى العلاقة بين المقدس والحرية علاقة شائكة وقلقة، وتتطلب المزيد من إعمال العقل والفكر لبناء تصور متكامل لطبيعة العلاقة بين المقدس والحرية.

وفي سياق بلورة الرأي أو خلق مقاربة نظرية جديدة للعلاقة بينهما نود إبراز النقاط التالية:

1- مع الحرية وضد الإساءة:

الحرية الحقيقية للإنسان تبدأ حينما يثق الإنسان بذاته وعقله وقدراتهما، وذلك لأن التطلع إلى الحرية بدون الثقة بالذات والعقل، تحول هذا التطلع إلى سراب واستلاب وتقليد الآخرين بدون هدى وبصيرة.. لذلك فما لم يكتشف الإنسان ذاته ويفجر طاقاته المكنونة، فلن يستطيع اجتراح تجربته في الحرية وبناء واقعه العام على قاعدة الديمقراطية والشراكة بكل مستوياتها.. وكما يقول الدكتور (علي حرب) إن الحرية ليست هواما ليبراليا كما يتخيلها السذج من الحداثيين الحالمين بفراديس أرضية أو بديمقراطيات مثالية.. هذه أكبر عملية خداع مارسها، ولا يزال، المثقفون العرب والغربيون فيما يخص تحديث المجتمعات العربية وتطورها.. ذلك أن الذي يمارس حريته هو الذي يجترح قدرته ويمارس سلطته وفاعليته، بما ينتجه من الحقائق أو يخلقه من الوقائع في حقل عمله أو في بيئته وعالمه..

ومن لا سلطة له لا حرية له.. ولذا فالحرية عمل نقدي متواصل على الذات، يتغير به المرء عما هو عليه، بالكد والجهد، أو المراس والخبرة، أو السبق والتجاوز أو الصرف والتحول، ما يجعل إرادة الحرية مشروعا هو دوما قيد التحقق بقدر ما يشكل صيرورة متواصلة من البناء وإعادة البناء..

من هنا ووفق هذا المنظور مع الحرية كقيمة مركزية في منظومتنا القيمية والفكرية، وضد الإساءة التي قد تمارس باسم الحرية وهي ليست من الحرية في شيء، من الحرية أن تمارس قناعتك في أي موضوع، ولكن ليس من الحرية أن تسيء إلى الآخرين ومقدساتهم..

وعليه فإن فك الارتباط بين ممارسة الحرية والتصرف بإساءة إلى ثوابت الآخرين ومقدساتهم تتجلى العلاقة على نحو إيجابي بين المقدس والحرية.. بمعنى أن المقدس لا يقيد حرية الإنسان، لأن هذه الحرية من لوازم إنسانية الإنسان، ولكنه (أي المقدس) يرفض الإساءة المعنوية والمادية لأي إنسان آخر أو منظومة عقدية أخرى..

لهذا فإن فك الارتباط بين الالتزام بقيمة الحرية وأشكال الإساءات التي تمارس يساهم في تعميق مفهوم الحرية في الواقع الاجتماعي، ويزيل العديد من الهواجس والالتباسات التي يعيشها بعض الناس تجاه قيمة الحرية..

فالحرية ليست تفلتاً من الأخلاق، وليس تشريعا للإساءة، وليست وسيلة لهدم الثوابت والمقدسات، وإنما هي ممارسة عقلية ونقدية، تستهدف تظهير الحقائق باستمرار، ومنع قمع السؤال مهما كان موضوعه، وإبرازا مستديما لإنسانية الإنسان التي لا يمكن أن تتجلى بدون الحرية قولا وفعلا..

2- المقدس لا يشرع للتطرف وهتك الحرمات:

وفي مقابل الحرية التي ترفض الإساءة المعنوية والمادية لأي طرف من الأطراف، فإن المقدس لا يشرع في سياق الدفاع والذود عنه ممارسة التطرف والتشدد والغلو أو هتك الحرمات والأملاك العامة والخاصة.. لأن كل هذه الأشكال ليست دفاعا عن المقدس وثوابته، وإنما هي افتئات بحق المقدس.

لهذا فإننا في الوقت الذي نمارس النقد تجاه أولئك النفر الذي يمارس الإساءة المعنوية والمادية بحق الآخرين باسم الحرية، في ذات الوقت نرفض ممارسة التطرف وقتل الأبرياء وهتك الحرمات والإضرار بالأملاك الخاصة والعامة باسم الدفاع عن المقدس وثوابت الأمة.. فالمقدس لا يتم الدفاع عنه، بوسائل وآليات يرفضها ولا تنسجم ونظام قيمه التشريعي والأخلاقي.. فالمقدس لا يتم الدفاع عنه بهدم قيم الحرية وهتك الكرامة الإنسانية، وإنما يتم الدفاع عنه، بالالتزام بهذه القيم ومقتضياتها المتنوعة.. كما أن الحرية كقيمة وممارسة، لا يتم الدفاع عنها، عبر ارتكاب الموبقات والمحرمات، ومصادمة الناس في مقدساتهم، وإنما من حقك الأصيل أن تعبر عن قناعاتك وأفكارك، دون أن تتعدى على حقوق الآخرين المعنوية والمادية.. فكما أن من حقك أن تؤمن بفكرة وتعبر عنها، فمن حق الآخرين أيضا الإيمان بفكرة والتعبير عنها.. وإيمانك بفكرة، لا يجعلك أنت الوحيد القابض على الحق والحقيقة، كما أن إيمان الآخرين بذلك، لا يجعلهم وحدهم هم القابضين على الحقيقة..

فنحن مع الحرية وهي حق مصان للجميع، وهذا الحق لا يعني بأي حال من الأحوال، أنه يشرع لأحد حق الافتئات على مقدسات الناس وكراماتهم.

فالحرية هي بوابة الدفاع عن المقدس وثوابت الأمة.. والمقدس ليس نقيضا للحرية، بل هو أحد المدافعين عنها، والمانحين لها مضامين إنسانية وحضارية.

فالتعصب لا يحمي المقدسات، بل يشوهها، ويخيف الناس منها.. كما أن العنف لا يوقف الإساءات التي قد تمارس تجاه مقدسات الأمة وثوابتها.

لهذا فإننا نعتقد أن الإساءات المعنوية والمادية تبعد العلاقة على المستوى الإنساني بين الحرية والمقدس، كما أن التعصب والتطرف وانتهاك الكرامات والحرمات، تعمق الفجوة بين المقدس والحرية.

والصورة المثلى التي تنشدها المجتمعات العربية والإسلامية، هي أن تعيش حريتها كاملة على قاعدة احترام مقدساتها.

2019/08/08

هل يتوافق الدين مع الديمقراطية؟

- العلاقة بين الدين والدولة

- الآراء الواردة في هذا المقال لا تمثل بالضرورة رأي موقع "الأئمة الإثني عشر"

هناك - على ما أرى - سؤال مركزي لا يزال يبحث في الاجتهاد العربي عن استقرار فكري: هل الإسلام والديمقراطية على تعارض أم توافق؟

بنظري: هناك قدر من تعارض، وقدر من توافق. أرى التعارض على محورين، والتوافق على محور ثالث أجده الأعم والأهم في تنظيم الشأن الإنساني وتطويره للأمثل.

محورا التعارض هما (1) المرجعية، و(2) مجال الاهتمام.

مرجعية الإسلام لاهوتية، مثبتة في نصوص منزلة مقدسة.

مرجعية الديمقراطية ناسوتية، متبلورة من إجتهاد إنساني متحرك.

مجال اهتمام الإسلام: صلاح الشأن الإنساني في الدنيا، وسلامة المصير في الآخرة.

مجال اهتمام الديمقراطية: صلاح وسلامة الشأن الإنساني في الدنيا فحسب.

محور التوافق

محور التوافق أراه على أرضية الأخلاق: الأخلاق ليس بمعنى آداب ظاهرية، بل كما هي شُخصت في الفكر الحضاري قديمه وحديثه، دينية وفلسفية: الأخلاق مسلكاً عمليا ملتزما بالمبادئ الصائنة للحال الإنساني والمرتقية به إلى الأمثل باطراد، بصرف النظر عن فارق دين أو ثقافة أو عرق أو جنس أو موطن.

في نسق هذا الفهم للأخلاق، الوحي الموحى للأنبياء، والفكر الملهم للحكماء، سويا يشخصان المبادئ الأربعة التي تقوم عليها الأخلاق، بمبادئ العدل والمساواة وكرامة الإنسان والشورى. كلاهما يؤكد لزومية الارتكاز في هذه المبادئ لأجل ضمان سلامة الإنسان، فردا ومجتمعا، ولأجل دفع الحراك الإنساني عامة نحو الصلاح والنماء.

من هنا أزعم أن أرضية الأخلاق القائمة على المبادئ المؤصَلة في فطرة الإنسان، والمتنامية في وعيه عبر العصور، والتي دأبا ذكر بها الأنبياء وندب إليها الحكماء، هي التي تشكل محور التوافق بين الدين المنزل والديمقراطية الإنسانية، وأن محور التوافق هذا هو أعم وأعمق وأجدر وأهم من محوري التعارض، أي أن محور الأخلاق مقدم على محوري المرجعية ومجال الاهتمام.

الديمقراطية مدنية علمانية، مع أن العلمانية لا تكون ديمقراطية في جميع الحالات، إذ قد ينشأ منها ما هو متناقض مع روح الديمقراطية الملتزمة بالمبادئ. في الديمقراطية الملتزمة نفَس حضاري تتشاركه الأديان. بقدر ما يتنشط في أيما دين هذا النفَس الحضاري يغدو ذلك الدين أرحبَ استيعابا للمنهاج الديمقراطي، وأكثرَ توافقا مع المعطى الحضاري، دينيه وفلسفية.

في المقابل، ليست الديمقراطية معادية الدين، إنما هي غير مستمدة منه، غير مقيدة به، وليست قائمة عليه. الديمقراطية بطابعها المدني تسع الدين والعلمانية معا، تستوعب منظوريهما المتمايزين، ومن ثم تحملهما على التعايش، بل وعلى التثاقف والتعاون فيما يثري المعرفة والفكر، ويعزز مكارم الأخلاق في الخبرة الإنسانية.

من وجه آخر، الديمقراطية ترعى الدين، تحمي حرية المعتقد، وتصون حق المتدينين في ممارسة شعائر ما لهم من دين. بمثل ذلك هي تحمي وتصون مختلف المذاهب في المعرفة والفكر الفلسفي.

لا تولد ديمقراطيةٌ كاملةً، ولا يوجد في خبرة أيما أمة معاصرة نظام ديمقراطي اكتمل فما عاد بحاجة لتطوير. الممارسة الديمقراطية عمل اجتهادي إنساني، لذا أبدا قابل للتطوير. أمم الأرض – بما فيها أمتنا العربية - مدعوة للتسابق والتعاون في مجال الاجتهاد الديمقراطي الإنساني، وللإسهام في تصويبه وتطويره لما هو أوفى وأمثل باطراد.

في إطار هذا الترافد في المسعى، دينيا نظرنا أم ديمقراطيا لانجد واجبا أعلى من واجب إقامة العدل، ولا ضرورةً ألحَ من ضرورة تطبيق المساواة، ولا لزوميةً ألزمَ من صون كرامة الإنسان، ولا استحقاقاً أوكدَ من إرساء حوكمة رشيدة قوامها مبدأ المشاركة العامة في صنع القرار المعني بتنظيم وإدارة أيما شأن وطني مشترك.

في هذا الارتقاء للأسمى لا نرى نفعا للإنسانية أجدى من نفع يأتي من غرس حب الفضيلة والمعرفة في الأجيال، إذ بهما معا تتحصن الشعوب ضد خطيئة الاستبداد، وتردأ عن نفسها رذيلة الفساد.

الإسلام والديمقراطية كلاهما يندب إلى الفضيلة والمعرفة: كلاهما يأمر بإقامة العدل وتحقيق المساواة وصون كرامة الإنسان والعمل بالشورى والتحلي بمكارم الأخلاق. فإذا كانت لكل منهما مرجعيته ومجال اهتمامه، فليكن ولا ضير، طالما ظل الهم مشتركا والسعي مترافدا في تطوير الحال الإنساني للأوفى والأمثل.

من هنا أرى الإسلام على توافق مع الديمقراطية أكثر منه على تعارض، وأرى الديمقراطية بطابعها المدني أكثر حصانة للإسلام من أيما نظام غير ديمقراطي. من هنا، كأمر أساس، أرى أن يكون تحقيق الاستحقاق الديمقراطي في الحياة العربية شأنا مدنيا: قائما على الاجتهاد الإنساني المتبلور بتبلور المعرفة الإنسانية، وفي المقابل، مراعيا للإسلام، موقرا لشعائره، ومسترشدا بالمبادئ المشتركة بين الإسلام والديمقراطية: مبادئ العدل والمساوة وكرامة الإنسان والشورى إطارا لحوكمة رشيدة.

2019/08/06

يحيي العظام وهي رميم: هل تعود أبداننا يوم القيامة كما كانت في الدنيا؟

بعد ضرورة وقوع المعاد عند سائر المؤمنين عامة، وظهور النصوص الشرعية ـ قرآناً وسنة ـ في عودة الأبدان، يقع السؤال عن وجه اختلاف في شأنه: هل هو جسماني أو روحاني وجسماني؟! فما سبب هذا الاختلاف وما وجهه؟ هذا هو السؤال الذي يحاوله المقال تفهمه.

يُنقل أنّ أُبي بن خلف جاء النبي (صلى الله عليه وآله)، فأخذ عظماً بالياً من حائطٍ، ففتّه ثمُّ قال: يا محمد إِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً، وفي شأن أُبي وصنيعه هذا، نزل قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ Q قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) [يس: 79]

ينطلق أُبي بن خلف أو غيره من المشركين والكفار آنذاك في إنكار عودة البدن بعد تلاشيه، من عدم إيمانهم بأصل وجود الحياة بعد الموت: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ) [الجاثية: 24]، لكن ما معنى وأسباب اختلاف المؤمنين بوجود الحياة بعد الموت والدار الآخرة في أمر المعاد: هل هو جسماني فقط، أو روحاني وجسماني ؟!.  

 ومعنى أن يكون المعاد جسمانياً هو: عودة الأبدان بعد موتها وترجع كما كانت في الحياة الدنيا، بينما الروحاني يعني: بقاء النفس الإنسانية بعد أن تفارق البدن بالموت إمّا منعمة أو معذبة وفق عملها في الدنيا.

 وبالرغم من الضرورة العقلية لوجود الحياة بعد الموت، والبداهة الدينية للمعاد الجسماني، "وجوب إيفاء الوعد والحكمة، يقتضي وجوب البعث، والضرورة قاضية بثبوت الجسماني من دين النبي (صلى الله عليه واله) مع إمكانه " (تجريد الاعتقاد ص548)، لكن ثمة أربع مسائل رئيسة كانت مثاراً للجدل؛ ما أفضى لوقوع اللغط في كيفية المعاد، بعد الإيمان بوقوعه جزماً، وتلك الأسباب على الإجمال قبل التفصيل:

أولاً- الاختلاف في تحديد هوية الإنسان، هل النفس الإنسانية جسم أو هي كيان مجرّد عن المادة؟

ثانياً- الاختلاف في تحديد نوع النعيم والعذاب في العالم الآخر، هل هما عبارة عن لذة أو ألم حسيان وللبدن فقط أم هما سعادة وشقاء روحيان ؟

ثالثاً- الموقف من قاعدة: (إعادة المعدوم بعينه)، هل أنّ ذلك مستحيل أم جائز؟

رابعاً- الاعتراضات على المعاد الجسماني.

ما الانسان؟!

كل المدارس والمذاهب الفلسفية والفكرية، مهما اختلفت او اشتركت فإنها تتحدد معالمها في ضوء هذا السؤال، ينجر هذا للعديد من الأفكار والعقائد الدينية، ومسألة كيفية عودة الإنسان ورجوعه في العالم الآخر، عالم الخلود ويوم القيامة.

    إنّ الإنسان، زوجٌ تركيبي من: بدن ونفس - جسم وروح - مادة وصورة – جنس وفصل – لكن ثمة اختلاف وقع لا في جسمه وبدنه وهيئته الظاهرة بل في الجانب الغير المنظور منه، أعني في روحه ونفسه وفصله المقوم، وما يحدد هويته ويكون الإنسان إنساناً، هل هو الآخر جسماً أو جسمانياً (عرض) أم هو كيان مجرد عن المادة وشوائبها ؟! وهذا التعدد في النظر للإنسان هنا في هذه الحياة ألقى بظلاله على إنسان ما بعد الحياة، فمن رأى جسمانية الروح نحى لجسمانية المعاد فقط، ومن يرى تجردها لم يقصر المعاد على الجسماني منه، بل إما ينفيه ويحصره بالروحاني أو يضم للجسماني الروحاني ويقول بالمعادين معا، هذا هو أول أسباب الإختلاف.

اللذة والألم، حسّيان وروحيّان

والسبب الآخر هو الاختلاف في تحديد نوع الآلام واللذائذ في العالم الآخر، فمن يرى أنها حسية جزئية فقط يرى انه جسماني ومن يرى أنّها روحية عقلية كلية كان من القائلين بالروحاني، ومن يرى وجود النوعين هناك قال بالمعادين.

  واللذة الحسية هي: لذة الأكل والشرب والجنس وكل ما يوجب النشوة والارتياح للبدن عبر الحواس، وهي مرهونة بمدة وتحتاج لعدة، خلافاً للذة الروحية، فهذه سعادة لا تنتمي لعالم البدن بل للروح والنفس، كنشوة الحب والعلم والعبادة بحضور قلبٍ، والارتياح النفسي الناتج من مساعدة فقير، والشجاعة وسائر الصفات النفسية الكمالات الروحية، ويقابلهما: الألم الحسي، والألم الروحي.

القائلون بالمعاد الجسماني والروحاني معاً جمعوا بين الحكمة والشريعة، بين العقل والدين، ذلك أن اجتماع اللذتين أو السعادتين (سعادة الأرواح وسعادة الأجساد)، الآن في الدنيا وهنا على الأرض هدف بعيد المنال أو مستحيل، نظراً لضعف الروح المسجونة في زنزانة البدن، فالاستغراق في عالم المعنى والروح يفوت معه الانشغال باللذات الحسية وبالعكس، ومن ثمّ قالوا: الجنة جنتان: روحية وجسمية، فمن كان يؤدي الفرائض ببدنه وحسب دون حضور الروح كان نصيبه الجنة الجسمانية وبالعكس.

قاعدة: إعادة المعدوم بعينه

وثالث العوامل المؤثرة على الاختلاف في مسألة حشر الأبدان هو الموقف من قاعدة الفلاسفة: إعادة المعدوم بعينه مستحيلة؛ بينما يرفض معظم المتكلمون الاستحالة ويرون إمكان إعادة المعدوم بعينه وجوازه، ولتوضيح القاعدة قبل أن نجادل المتكلمين نأخذ المثال الآتي: لو كتبتَ جملة على السبروة كجملة (الحمد لله) ومسحتها ثمّ كتبتّها مرة أخرى، فهل الجملة الثانية إعادة لنفس الجملة الأولى بعينها أو مثلها؟!، يقول الفلاسفة: إنّها مثل الأولى لا عينها، وطبقاً لموقف بعض المتكلمين: إنّها عين الأولى.

 والحقيقة فإنّ موقف الجواز منطلق من فهم ملتبس في فهم الموت للكائن البشري وعودته مرة ثانية في الحياة الأخرى، لقد اعتبروا الموت إعدام والعودة إيجاد بعد إعدام، والواقع ليس كذلك، فلا موت الإنسان يعني فناؤه و عدمه، ولا الإعادة تعني بالضرورة: إيجاد الأجزاء بعد إعدامها، بل للإعادة معنى آخر هو: جمع الأجزاء وتأليفها بعدما تشتتْ وتفرقتْ، "وعمدة ما دعاهم إلى القول بجواز الإعادة زعمهم أن المعاد وهو مما نطقت به الشرائع الحقة من قبيل إعادة المعدوم. ويردّه: أن الموت نوع استكمال لا انعدام وزوال". (بداية الحكمة ص25).

إثارات على المعاد الجسماني

مثلما لاحظنا حتى الآن: لا مبرر يدعو للتشكيك في المعاد الجسماني، لا من حيث العقل كما نصّ ابن سينا في الشفاء، ولا جهة النقل بل هو ما نطقت به نصوص الإسلام، فثمة نعيم في الجنة يوصف بما نعرف من نعيم في الدنيا، من أنهار، وعيون جارية، وثمار، وفاكهة وأزواج، وفرش وسرر، وفي النار أيضاً، يجري الحديث القرآني عن اسوداد وجوه وعن وقود النار، وعن جلود تنضج بعد اكتواء وتبدل بغيرها، وعن كيّ الجباه والجنوب، وهلمّ جراً، بل المعاد الجسماني هو ثابت في عامة الملل، لكن ليس هذا كل ما في الأمر، فالاعتقاد بعودة البدن في الحشر، كغيره لم يخلو من إثارات واعتراضات، مثل شبهة الآكل والمأكول، والتناسخ، ومشكلة مكان الجنة والنار، وغير ذلك من اعتراضات وجًهت صوب المعاد الجسماني، مما يمكن العثور عليه في كتب العقائد والمدوّنات الكلامية، ككتاب: تجريد الاعتقاد للطوسي وشرحه: كشف المراد للحلي.

 وآخر ما كُتب ـ على حد علمي ـ حسب المنهجية الكلامية الإمامية هو: (المعاد الجسماني العنصري في الكتاب والسنة والشبهات المثارة حوله، للسبحاني) فقد جمع فيه هذه الإثارات وحاول معالجتها، وقد طبع كرسالة أولى ضمن كتاب، صدرتْ الطبعة الأولى منه عن مؤسسة الإمام الصادق سنة :1433هـ - 2012م، بعنوان: (شبهات وردود – رسائل أربع في الكلام والفقه، ترد على الشبهات الواردة حول المعاد الجسماني، والسعادة والشقاء الذاتيين، والإرتداد، ونظام الرق في الإسلام).

ختاماً

القول بحشر الأبدان والأرواح، والاعتقاد بالمعاد الجسماني والروحاني، هو القول المحقق الثابت عند عامة الأعلام، بيد أنّ بين "هؤلاء القائلين بالمعادين جميعا، اختلفت كلماتهم في أن المعاد من جانب البدن أهو هذا البدن بعينه أو مثله و كل من العينية أو المثلية أ يكون باعتبار كل واحد من الأعضاء و الأشكال والتخاطيط أم لا والظاهر أن هذا الأخير لم يوجبه أحد بل كثير". (الأسفار العقلية الأربعة، ج 9ص165).

2019/08/05

تمرّد على الدين أم الواقع: لماذا يتجه الشباب نحو الإلحاد؟!

من الأمور التي شغلت الساحة هذه الفترة قضيّة هروب بعض الفتيات وإعلانهنّ الإلحاد، وهذه المسألة تستدعي منّا وقفة مطوّلة عندها لبحث أسبابها وبواعثها: فما الذي يدفع شابّة في مقتبل العمر أن تتخلّى عن دينها وأهلها وبلدها لتلتحق ببلد آخر وتنسلخ عن هويّتها الدينيّة والوطنيّة؟!

إنّ كثيرا من حالات الإلحاد التي رأيناها وسمعنا بها وقرأنا عنها هي في حقيقة الأمر ليست كذلك، فعندما تسأل هذا الملحد: ما هو إلحادك؟

فسيقول: أنا أنكر وجود الله!

وإذا سألته ثانيا وقلت: صف لي الإله الذي تنكر وجوده؟

ستجد أنّ الإله الذي ينكره هو إله نسجته مخيّلته نتيجة عوامل داخليّة وخارجيّة، وليس الإله الذي قام عليه البرهان العقلي ونادت به الأديان السماويّة، بل هو في حقيقة الأمر صورة مشوّهة لفكرة الإله هي في حقيقة الأمر مزيج بين ثقافة شعبيّة وعادات وتقاليد وسلوكيّات أفراد مقرّبين منه!

ففي النهاية هو لم يكفر بالله ولم يكفر بالدين بل كفر بشيء آخر لعلّك أنت أيضا كافر به، وقد وجّهت هذا السؤال لأحد الملحدين في مرّة من المرّات فأعطاني صفات ماديّة للإله أشبه ما يكون بآلهة اليونان والإغريق، فقلت له: أنا أيضا ملحد مثلك لأنّي أكفر بهذا الإله أمّا الإله الحقيقي فأنا مؤمن به، وأنت لو عرفته ستؤمن به قطعا.

هكذا فإن حالة التمرّد التي يعلنها الملحد ليست على الدين كما ظننّ بل هو تمرّد على واقع مرّ يعشه غلّفته الثقافة الشعبيّة باسم الدين:

فمن الأمور التي يعيش تحت وطأتها كثير من البنات مثلاً، قضيّة سوء استغلال الوالدين لسلطتهما بحيث يتمّ استغلال مفهوم "برّ الوالدين" في التحكّم التام في حياة البنت سواء في قضيّة الدراسة أو العمل أو الزواج بل في كلّ تفاصيل الحياة بحيث لا يترك للبنت أيّ مجال للاختيار وكأنّ المسألة عبوديةﱠ.

بل قد تصل القضيّة إلى استعمال العنف الشديد من الوالدين، وقد وقفت على بعض الحالات التي دخلت البنت المستشفى بسبب ضرب الأب أو الأم، وطبعا عندما تسأل عن سبب هذا سيأتيك الجواب سريعا منهم بأنّ الله قد أعطاني هذا الحقّ ولي ولاية على ابنتي بل حتّى المجتمع قد يقبل هذا من الوالدين ويتغاضى عنه.

وعندما تنتقل البنت إلى بيت الزوجيّة ستجد بانتظارها من يسيء استخدام سلطته أيضا باسم الدين وهو "الزوج" الذي لن يكون حاله أفضل من الوالدين، فقد يمنعها من الخروج تحت عنوان "الإذن" وقد يعنّفها تحت عنوان "واضربهنّ" وقد وقد وقد...

فالمرأة ترى أنّها في واقعها مضطهدة مظلومة وكلّ هذا يغلّف باسم الإله الدين فستتشكّل في ذهنها صورة الإله الشرّير الإله السادي الذي يسمح بالضرب والتعذيب للمرأة والذي يفضّل الذكور على الإناث وبالتالي تتولّد في دواخلها حالة الكراهة لهذا الإله.

 ومن هنا تبدأ حالة التمرّد على الشيء الذي سبّب اضطهادها وظلمها وهو "الإله والدين"، ولكن في حقيقة الأمر هي تمرّدت على واقع اجتماعيّ مغلّف بغلاف ديني لا أنّه تطبيق اجتماعيّ سليم للدين الإلهي وشتّان بين الأمرين!

ومن هنا مواجهة هذه المشكلة تبدأ بتقييم هذه الظواهر الاجتماعيّة لا سيما الأسريّة منها وعرضها على ميزان الشرع بدون مجاملة، والأهمّ من هذا خلق وعي عام في المجتمع لرفض مثل هذه الممارسات كالضرب والتعنيف والحرمان فكما أنّ الأبناء يعقّون آباءهم كذلك الآباء قد يعقّون أبناءهم فيكونون سببا في عقوقهم عند الكبر.

2019/07/31

قد يكون الملحد خلوقاً.. فما الحاجة إذن إلى الدين؟

الملحد قد يكون طيبا، خيرا، دون أن يؤمن بالله؟!

الرد الكلاسيكى على البرهان الأخلاقي عند أعلام "الإلحاد الجديد" وعوام الملاحدة هو: "هناك ملاحدة على خلق عال حميد رغم أنهم لا يؤمنون بإله فكيف تلزموننا بالإيمان بإله ليكون المرء على خلق وخير؟!"

الجواب:

أولا: القضية ليست: غياب الإيمان بالله ووجود الأخلاق الذاتية، وإنما: غياب الله ووجود الأخلاق الموضوعية.. ليست هي: الحاجة إلى الإيمان لوجود الأخلاق، وإنما: الحاجة إلى وجود الله لتكون هناك أخلاق موضوعية يحتكم إليها الجميع؟ فإننا لن نعرف الصلاح حتى نحتكم إلى قواعد موضوعية خارج أذواقنا ومواجيدنا.

إن السؤال غير متعلق بالالتزام بالقيم الخيرة، وإنما بإثبات الحقيقة الموضوعية للمبدأ الأخلاقي؟ إذ إن الإيمان بأن الطبيعة هي كل شيء ولا شيء ورائها يلزم منه - كما يقول الفيلسوف الملحد مايكل روس - أن "الأخلاق الموضوعية مجرد وهم".

ثانيا: حديثنا متعلق بالجانب الأنطولوجي للأخلاق لا الجانب الإبستيمولوجي: فنحن نناقش حقيقة وجود الأخلاق بمعزل عن ذوق الفرد والمجتمع، ولا نبحث الآن في سبيل الوصول إلى هذه الأخلاق، إذ إننا نقرّ أن الإنسان الملحد والمؤمن بالله يملكان الوصول إلى جوهر[1] الخلق السليم دون عون وحي، إذ إن الميل الخلقي منقوش في قلب كل إنسان (وهدينه النجدين) ولكننا ننكر أن يكون تفسير حجيه السلطان الأخلاقي ممكنا دون أن يقوم على الإيمان بوجود من قنن هذا القانون الأخلاقي بصورة متعالية على البشر، ليكون واحدا، وملزما لهم جميعا.

ثالثا: الملحد لا يملك أن يكون إنسانا خيرا، ضمن منظومته التصورية؟ إذ إن المادية الصرفة لا تعترف بالخير والشر، والحق والباطل. والحكم بخيرية ملحد يفترض انسلاخ الملحد من منظومته إلى منظومة إيمانية تؤمن بالخير والشر، وتقيم أمرها على مفهوم تميز الإنسان وتكريمه، وذاك تناقض. إن الملحد بإمكانه أن يعمل صالحا لكن ليس بإمكانه أن يكون صالحا لأن إلحاده لا يعترف بقيمة الصلاح.

رابعا: الملحد يؤمن أنه - هو نفسه - لم يفز بحظ الوجود اليوم إلا لأن أجداده من الكائنات الدنيا قد استطاعوا أن يأكلوا الكائنات الأضعف التي أفناها الانتخاب الطبيعي. وإذا كان منطق الانتهاش هو الذي خدم وجوده فلم عليه أن يتخلى عنه الآن ضرورة لا ذوقا؟!

إذا كانت الأخلاق موضوعية، فما الحاجة إذن إلى الدين؟

ما الحاجة إلى الدين إذا كانت الأخلاق موضوعية تُعلم بضرورة النفس

دون اكتساب من تعليم وحي؟

الجواب:

اولا: يجب الا نخلط بين الحاجة إلى وجود الله لإثبات إمكان الأخلاق الموضوعية، والحاجة إلى الله لتفصيل المنظومة الأخلاقية؟ إذ إن وجود الله ضرورة لأن توجد أخلاق متعالية ملزمة للإنسان دون أن تكون نابعة من ذاته، وهو ما يتعلق به البرهان الأخلاقي، لكن يبقى أمر تفصيل السلوك الأخلاقي منفصلا عن ذلك.

والإنسان قادر على إدراك الحقيقة الذاتية لكثير مما هو حسن أو قبيح بمعزل عن الشرائع السماوية؟ ولذلك قال القرآن في وصف! قبائح المشركين قبل الرسالة الخاتمة: وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28الاعراف)

ثانيا: اتفاق البشر على كثير من القيم الأخلاقية حجة للدين لا ضده؟ إذ تظهر تساوق الخلق والامر الالهيين، فقد خلق الله الإنسان على صفة الاستواء الأخلاقي، وألهمه معرفة الخير والشر، سواء اهتدى بعد ذلك إلى الإيمان بالله ام جحده، ثم أمره بما يوافق ما فظره عليه، وانحراف الإنسان ذوقياً عن القيم التي نزل بها الوحي انحراف في الإنسان عما جبل عليه. قال الله سبحانه في الحديث القدسي (إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً)

ثالثا: تفصيل دقائق المنظومة الأخلاقية بما لا يجعل للهوى سلطانا على سلوك الإنسان لا يستقيم دون وحي؟ إذ إن اتفاق البشر على مجموعة كبيرة من الأحكام الأخلاقية لا يمنع اختلافهم في أخرى بسبب عوامل البيئة والثقافة والهوى والمصلحة الشخصية. ووظيفة الوحي إحكام المتشابه ومنع الانحراف عن حدود الأحكام.

رابعا: يتحرك الإنسان بالرهبة كما الرغبة ولذلك يحتاج الدين ليحذره مغبة مفارقة الخلق القويم، ويحفزه بالوعد بالنعيم ليلازم طريق الاستقامة الأخلاقية. فالمعرفة الأولية بأصول الخلق الحسن لا تغني عن الحاجة إلى الدين لأن المعرفة وحدها ليست ضمانة للالتزام الأخلاقي.


[1] جوهره لا جميع تفاصيله؟لسلطان الهوى والبيئة في الانحراف أحيانا بمفاهيم الواجب والمحظور.

2019/06/25

العلمانية: عزل الدين عن الحياة... ما لله لله وما لقيصر لقيصر!

العلمانية كلمة مترجمة عن كلمة « Secularism » الإنجليزية وهي اللا دينية أو الدنيوية، بمعنى عدم الصلة بالدين أو تكون الصلة بالدين علاقة تضاد. فقد قالت دائرة المعارف البريطانية في هذه المادة «بأنها حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها..».

وقال المستشرق «آربري» في كتابه «الدين في الشرق الأوسط» عن هذه المادة: «إن المادية العلمانية والإنسانية والمذاهب الطبيعية والوضعية كلها أشكال للا دينية، واللا دينية صفة مميزة لأوربا وأميركا، ومع أن مظاهرها موجودة في الشرق الأوسط فإنها لم تتخذ صيغة فلسفية أو أدبية محددة..»([1]).

ولكن بما أن الغرب لم يفهم من الدين والعلم إلا التضاد فما كان دينياً لا يكون علمياً وما يكون علمياً لا يكون دينياً فقد ترجموها إلى العلمانية مع أنه لا علاقة لهذه الفكرة اللا دينية بالعلم، وإنما هي فكرة لعزل الدين عن حياة الإنسان بحيث لا يكون للدين سلطة في توجيه الفرد أو المجتمع أو تثقيف الفرد والمجتمع أو تربيتهما أو التشريع لهما، بل ينطلق الفرد والمجتمع في حياته استناداً إلى عقله وغرائزه ودوافعه النفسية فقط.

وعلى هذا، فإن الشريعة الإسلامية (التي نظّمت حياة الفرد والمجتمع بواسطة القرآن الكريم والسنة النبوية وأوجبت اتباع الهدى والعقل وحذّرت من اتباع الهوى والشهوات) تتناقض تناقضاً أساسياً مع العلمانية (اللا دينية) قال تعالى مخاطباً رسوله الكريم (ص) (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون )، وقال تعالى: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين )...

مبرّرات العلمانية في الدولة الغربية

ذكر القرضاوي مبررات ثلاثة لظهور العلمانية (الحداثة) في الدول الغربية:

1 - وقوف الكنيسة ضد العلم بإرهابها الفكري والسياسي، حيث اقترفت الكنيسة ومحاكم التفتيش الظلم ضد العلماء والمفكرين باسم الدين.

2 - فلسفة الغرب التي كانت متمثلة في فلسفة أرسطوا الذي هو من الفلاسفة المؤلهين الذي يرى مذهب التفويض القائل بأن الله تعالى لا يتدخل في شؤون خلقه وهو غائب عنهم، خَلَقهم ولا يدبّرهم، فهو مالك ولا يحكم كملك الإنجليز أو كصانع الساعة.

3 - ما جاء في نصوص الديانة المسيحية من شطر الإنسان شطرين وقسمة الحياة قسمين نصفاً للدين ونصفاً للدولة، فقد ورد في الإنجيل: «دَعْ ما لقيصر لقيصر وما لله لله» وطبعاً ما يخصّ قيصر هو الدنيا والمجتمع والسلطان والدولة فتُترك له، وسيكون ما يخص الله هو الدين وشؤون الروح فتُترك له..

لا مجال لمبرّرات العلمانية في الإسلام

إن المبررّات الثلاثة التي تذكر لنشوء العلمانية في الغرب ليس لها أي نصيب في الإسلام وذلك:

1 - إن الإسلام يؤيد العلم ويدعو إليه، وإليك النصوص التي ترشد إلى العلم ومرادفاته... قال تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أوَ لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد)... (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم)، (وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسهم أفلا تبصرون )، (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)...

2 - ثم إن الإسلام لم يجعل الله مالكاً غير حاكم... بل الله هو الحاكم في هذا الكون تكويناً وتشريعاً، قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمةً وبشرى للمسلمين)، وقال تعالى: (إن الحكم إلا لله).

فنظم الله سبحانه حياة الفرد والأسرة وشؤون المبادلات والمعاملات في المجتمع، وعنى بشؤون الإدارة والمال والسياسة الشرعية وحقوق الراعي والرعية وما تتطلبه علاقات المسلمين بغيرهم من الأمم المسالمين والمحاربين.. ونظرة سريعة وبسيطة إلى كتب الفقه نجد الاهتمام بما ذكرنا مفصّلاً.

الخلاصة: إنه لا يوجد في التشريع الاسلامي انقسام في حياة الانسان بين الله وقيصر، بل قيصر وما لقيصر لله تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين)...

الإسلام لا يعرقل تطور المجتمع:

إن نظرة الدين إلى الحقيقة الثابتة وتصوراته عن الكون والحياة والإنسان لا يلزم منها شلّ تطور المجتمع وعرقلة التقدم العلمي وذلك:

أ - فإن الحقيقة الثابتة الفلسفية التي هي بمعنى مطابقة الفكرة للواقع الخارجي هي عبارة عن إمكان المعرفة وحصول اليقين بالواقع الموضوعي الخارجي. وهذه الحقيقة دعا إليها الإسلام وحث على معرفتها كحقيقة واقعية.

ب - كما أن الدين الإسلامي قد دعا إلى التقدم العلمي واحتضان العلماء في مختلف المجالات (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)، وقد أراد الإسلام للمجتمع الإسلامي أن يكون نموذجياً في الطليعة بحثِه على العلم والعمل.

ج‍ - خطّط الإسلام للجانب المتغير من الحياة فوضع القواعد العامة مثل:

1 - الأحكام الحاكمة على الأدلة الأولية والأحكام الاضطرارية، التي يُستند إليها عند عدم التمكن من الأحكام الأولية، مثل لا ضرر ولا حرج، ومثل ما من شيء إلا وقد أحلّه الله لمن اضطر إليه.

2 - فتح منطقة الفراغ التي يملؤها الحاكم الإسلامي (الفقيه العادل) على ضوء مشورته لأهل الاختصاص في دائرة المباحات على الأقل.

د - على أن الثبات في العناوين لا يلزم منه عدم التطور في المصاديق كما في (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)، فإن إعداد القوة وإن كان شيئاً ثابتاً إلا أنه مختلف المصاديق من مكان إلى آخر ومن زمان لآخر كما هو واضح.

وبهذا الذي تقدم: يثبت عدم التناقض بين الثوابت في الشريعة الإسلامية والمتطورات والمتغيرات التي يحتاجها التقدم العلمي...

وهناك حقوق للمسلم على غيره في الدولة الإسلامية لأنه أكثر مسؤولية من غير المسلم، وهذا هو التوازن بين الحقوق والمسؤوليات، كالعامل الفني والعامل غير الفني، والعامل لساعات أكثر من العامل لساعات أقل حيث يكون أجر الأول أكثر من الثاني لكثرة مسؤولياته من مسؤوليات الآخر.


من كتاب: (بحوث في الفقه المعاصر) للشيخ حسن الجواهري، ج3 ص17.


[1] راجع العلمانية في مواجهة الإسلام / للدكتور القرضاوي: 4 – 5..

2019/06/23

العولمة: «معركة المادية» للسيطرة على العالم

في عام 1994 م تكللت بالنجاح مفاوضات جرت في أورگواى بشأن اتفاقيّة (ألجات) فتمّ تطويرها إلى اتفاقيّة عالميّة باسم: اتفاقيّة منظمة التجارية العالميّة التي بلغ عدد أعضائها سنة 1996 م إلى 128 دولة، وبذلك أصبح الاقتصاد العالمي قائماً على ثلاثة أضلاع: البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، منظمة التجارة العالميّة.

في هذا الاتجاه نشأ ما يطلق عليه حاليّاً اسم العولمة: وهو اتجاه عالمي التأثير يقوم على رفع الحواجز الاقتصاديّة والعلميّة والمعرفيّة بين الدول والشعوب، وتحرير العلاقات الدوليّة من السياسات والمؤسّسات القوميّة والاتفاقيات المنظمة لها وتقليص دور الدولة بشأنها، وإخضاعها لقوى جديدة تفرزها التقنيات وتعززها ثورة المعلومات والاتصالات التي تسمح بنقل الأموال والمعلومات والاستفادة من الخدمات بومضة كهربائيّة أو نبضة الالكترونيّة.

العولمة لها أبعاد كثيرة أهمها أربعة:

البعد الأوّل: هو البعد الاقتصادي.. الذي يقوم على حريّة الاستثمار وحريّة إقامة المصانع في أيّ دولة، وفتح الأسواق أمام المنتجات الأجنبيّة بلا حدود.

البعد الثاني: وهو البعد الاجتماعي.. وتهدف العولمة فيه إلى التحرر من النسيج الاجتماعي القومي لإحلال قيّم اجتماعيّة جديدة تربط بين الطبقات الصفوة في دول مختلفة وتخلق مبادئ تهدف إلى تحقيق أهداف الجهات المسيطرة على العالم.

البعد الثالث: البعد السياسي.. وهو يهدف إلى فرض حقوق إنسانية بمفهومها الغربي على الدول دون رعاية المعايير التي تنصّ عليها التشريعات الوطنيّة أو الدينيّة، وتهدف أيضاً إلى إطلاق الحرّيّات للأفراد والجماعات لتتجاوب مع الشركات عابرة القوميات. وتهدف أيضاً إلى تقليل سلطة الحكومة وشلّ سيطرتها.

البعد الرابع: البعد الثقافي.. وهو يركّز على إقصاء أركان الثقافة القوميّة والدينيّة وإحلال الثقافة الغربيّة مكانها، وذلك بالاستعانة بالتقنية في مجال الاتصالات والمعلومات.

أقول: كلّ هذه الأبعاد تتداخل في إقامة مجتمع واحد تحكمه البلاد الصناعيّة المتقدّمة وعلى رأسها أمريكا وتتحكّم في العالم الشركات المتعدّدة الجنسيّة وينتج منها:

1 - إن المكاسب الاقتصاديّة للعولمة هي في صالح الدول الصناعيّة المتقدمة، وتخسر الدول النامية حيث لا تتمكن من منافسة بضائع الدول المتقدمة.

2 - تعميق الفجوة الاقتصاديّة بين الدول المتقدمة والدول النامية فمثلاً:

كانت الفجوة في سنة 1870 م ( 15 سنة ).

وصارت الفجوة في سنة 1970 م ( 50 سنة ).

وصارت الفجوة في سنة 2000 م ( 350 سنة ).

الآثار الثقافيّة للعولمة

إنّ الآثار الثقافية للعولمة خطيرة جداً على البلاد الاسلامية والنامية لأن المقصود بالثقافة معناها الواسع وهو طريق الحياة وهذه الثقافة ليست في حقيقتها عالميّة أو كونية كما يقولون، بل هي ثقافة القوى العظمى التي يرى أصحابها في غرور ملحوظ: أنه يتعيّن على الأمريكيين إلاّ يترددوا في الترويج لقيّمها وألاّ ينكروا أنّ أمتهم من بين كلّ الأمم هي الأكثر عدلاً وتسامحاً وهي النموذج الأفضل للمستقبل، فهي تسعى إلى تقليص دور الدين أو الغاء دور الفكر والأسرة، والغاء دور المؤسسات التعليميّة والدينيّة كما حدث في مؤتمر القاهرة للسكان والتنمية سنة 1994 م ومؤتمر المرأة في بكّين سنة 1996 م من الإباحة الجنسيّة دون اشتراط أيّ شرعيّة وحريّة الشذوذ في تشكيل اُسر بين الرجال واُسر بين النساء وحماية المراهقين والمراهقات في عبثهم الجنسي والحمل السفاح.

ولكن تكاتف بعض الدول العربيّة والاسلاميّة أفشل هذين المؤتمرين.

وخلاصة القصد من مصطلح النظام العالمي الجديد والعولمة قد اتضح مما سبق: إنهما يهدفان إلى الدعوة المادية للسيطرة على العالم بكفٍّ من حديد أو بعولمة العالم عن طريق البعد الاقتصادي والثقافي والسياسي والاجتماعي أو بالمنهجين معاً وأما الشعارات المرفوعة للديمقراطيّة والحرّيّة والسلام وحقوق الانسان ما هي إلا شعارات مزيّفة لم يعمل بها من قبل الجهات المصدرة لها في يوم من الأيام.

إذن نستطيع أن نقول: إنّ النظام العالمي الجديد والعولمة هي معركة حقيقية بين المادية والإلهية (المتمثلة بالكفر والاسلام في هذا العصر لأن المسيحيّة واليهوديّة قد خرجت عن دائرة الحكم ودخلت دائرة العبادات الشخصية المبتعدة عن الحكم). وأخطر ما في هذه الدعوة لبسها ثوب العصر الجديد المترقي فقد ينخدع بها من لم يطّلع على معالم الدين «الاسلام» عقيدة ونظاماً وينخرط تحتها ملتزماً وداعياً لإِبعاد النظام الاسلامي عن الساحة الاجتماعيّة والحكم والابقاء به في ساحات المساجد للتهجّد والدعوات فقط.


*من كتاب: (بحوث في الفقه المعاصر) للشيخ حسن الجواهري، ج4 ص127.

 

2019/06/15

ماذا تعرف عن «أشراط الساعة»؟!

الأشراط جمع شرط، وهي العلامة، ويقال لعلامات اقتراب القيامة: أشراط الساعة، وقد بحثت كثيراً في مصادر الشيعة والسنّة، ولم يشر القرآن إليها إلاّ في هذه الآية (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ).

ومن أجمع الأحاديث وأكثرها تفصيلاً في هذا الباب، الحديث الذي رواه ابن عباس عن النّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في قضية حجّة الوداع، وهو يعلّمنا كثيراً من المسائل، ويحتوي على نكات ودقائق كثيرة، ولهذا نورده كاملاً:

قال ابن عباس: حججنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حجّة الوداع وهي آخر حجّة حجّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته ـ فأخذ بحلقة باب الكعبة ثمّ أقبل علينا بوجهه فقال: «ألا أخبركم بأشراط الساعة»؟ فكان أدنى الناس منه يومئذ سلمان رحمة الله عليه فقال: بلى يا رسول الله.

قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ من أشراط الساعة إضاعة الصلوات، واتباع الشهوات، والميل مع الأهواء، وتعظيم أصحاب المال، وبيع الدين بالدنيا، فعندها يذاب قلب المؤمن في جوفه كما يذاب الملح في الماء مما يرى من المنكر فلا يستطيع أن يغيّره».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: إنّ عندها يليهم أمراء جورة، ووزراء فسقة، وعرفاء ظلمة، وأمناء خونة».

فقال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده ـ يا سلمان: إنّ عندها يكون المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، ويؤتمن الخائن، ويخوَّن الأمين، ويصدّق الكاذب، ويكذّب الصادق».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: فعندها تكون إمارة النساء، ومشاورة الإماء، وقعود الصبيان على المنابر، ويكون الكذب ظرفاً، والزكاة مغرماً، والفيء مغنماً، ويجفو الرجل والديه ويبرّ صديقه، ويطلع الكوكب المذنب».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: وعندها تشارك المرأة زوجها في التجارة [ويبذل كل منهما قصارى جهد خارج المنزل لتحصيل المال] ويكون المطر غيضاً، ويغيض الكرام غيضاً، ويحتقر الرجل المعسر، فعندها تقارب الأسواق، قال هذا: لم أبع شيئاً، وقال هذا: لم أربح شيئاً، فلا ترى إلاّ ذاماً لله».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: فعندها يليهم أقوام إن تكلّموا قتلوهم، وإن سكتوا استباحوهم، ليستأثرون بفيئهم، وليطؤن حرمتهم، وليسفكن دماءهم، وليملؤن قلوبهم دغلاً ورعباً، فلا تراهم إلاّ وجلين خائفين مرعوبين مرهوبين».

فقال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: إنّ عندها يؤتى بشيء من المشرق، وشيء من المغرب [فقوانين من الشرق، وقوانين من الغرب] يلون أمّتي، فالويل لضعفاء أمّتي منهم، والويل لهم من الله، لا يرحمون صغيراً، ولا يوقّرون كبيراً، ولا يتجافون عن مسيء، جثّتهم جثة الآدميين، وقلوبهم قلوب الشياطين».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: وعندها يكتفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ويغار على الغلمان كما يغار على الجارية في بيت أهلها، وتشبه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال، وتركب ذوات الفروج السروج [ويظهرن أنفسهن ] فعليهن من أمّتي لعنة الله».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: إنّ عندها تزخرف المساجد كما تزخرف الكنائس وتحلى المصاحف [دون أن يعمل بها] وتطول المنارات، وتكثر الصفوف، قلوب متباغضة، وألسن مختلفة».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: وعندها تحلّى ذكور أمّتي بالذهب، ويلبسون الحرير والديباج، ويتّخذون جلود النمور صفافاً».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: وعندها يظهر الزنا، ويتعاملون بالعينة والرشا، ويوضع الدين وترفع الدنيا».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: وعندها يكثر الطلاق، فلا يقام لله حد، ولن يضرّوا الله شيئاً [وإنّما يضرّون أنفسهم]».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: وعندها تظهر القينات والمعازف، وتليهم أشرار أُمّتي».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: وعندها يحج أغنياء أمّتي للنزهة، ويحج أوساطها للتجارة، ويحج فقراؤهم للرياء والسمعة، فعندها يكون أقوام يتعلّمون القرآن لغير الله، ويتّخذونه مزامير، ويكون أقوام يتفقّهون لغير الله، ويكثر أولاد الزنا، ويتغنّون بالقرآن، ويتهافتون بالدنيا».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: ذاك إذا انتهكت المحارم، واكتسبت المآثم، وسلّط الأشرار على الأخيار، ويفشو الكذب، وتظهر اللجاجة، وتفشو الفاقة، ويتباهون في اللباس، ويمطرون في غير أوان المطر، ويستحسنون الكوبة والمعازف، وينكرون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى يكون المؤمن في ذلك الزمان أذلّ من الأمة، ويظهر قرّاؤهم وعبادهم فيما بينهم التلاوم، فأولئك يدعون في ملكوت السماوات الأرجاس الأنجاس».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: فعندها لا يخشى الغني على الفقير، حتى أنّ السائل يسأل في الناس فيما بين الجمعتين لا يصيب أحداً يضع في كفه شيئاً».

قال سلمان: وإنّ هذا لكائن يا رسول الله؟

قال: «إي والذي نفسي بيده. يا سلمان: فعندها يتكلم الرويبضة».

قال سلمان: ما الرويبضة يا رسول الله فداك أبي وأمّي؟

قال: «يتكلّم في أمر العامة من لم يكن يتكلّم، فلم يلبثوا إلاّ قليلاً حتى تخور الأرض خورة، فلا يظن كلّ قوم إلاّ أنّها خارت في ناحيتهم، فيمكثون ما شاء الله، ثمّ يمكثون في مكثهم، فتلقي لهم الأرض أفلاذ أكبادها» قال: «ذهباً وفضة»، ثمّ أومأ بيده إلى الأساطين، فقال: مثل هذا، فيومئذ لا ينفع ذهب ولا فضة ـ ويحل أمر الله ـ فهذا يعني معنى قوله: (فقد جاء أشراطها)[1]


[1] تفسير علي بن إبراهيم طبقاً لنقل نور الثقلين، وتفسير الصافي، ذيل الآية مورد البحث.

2019/06/15

الفقه المعاصر: تعدد معاني «النص الديني» لا دليل عليه

قد يتصوّر إن أدوات الفقيه المنهجيّة كانت ضرورة للحاجات المحدودة العلمية السابقة (قبل تطور العلوم) كما كانت افرازات للحاجات المحدودة التي كانت تتطلبها المجتمعات البدائية، أما الآن وبعد هذا الانفجار الهائل للعلوم وتكاثر التخصصات في المجالات المنهجية، لسنا في حاجة لتلك الأدوات، حيث توجد أدوات أكثر تطوراً يمكن أن تعطينا نتائج عملية أدق وأفضل.

وجوابها: إن أدوات الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي هي (القرآن والسنة والعقل العملي والنظري...)، والقرآن: هو معجزة الله الخالدة وهو كلام الله للبشر، فهو ليس ضرورة لمرحلة علميّة سابقة أو افرازاً لحاجة محدودة كانت تتطلبها المجتمعات البدائية، بل هو كتاب هداية للبشرية، فيه من التشريعات ما تحتاجه البشرية في كل مراحل حياتها وتطوراتها، ولهذا تراه مسايراً للحياة الجديدة التي تختلف عن الحياة القديمة وتراه مسايراً للعلم والعدل وكل ما يتطلب من الخير والصلاح وبعيداً عن الظلم والفساد.

وكذا السنة النبويّة: التي هي مصدر من مصادر التشريع الاسلامي، ليست هي لمرحلة خاصة بدائية، بل كما جاء في الحديث: حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة، وجاء في الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال: ما من شيء يقربكم إلى الجنة ويبعدكم عن النار إلاّ

أمرتكم به، وما من شيء يقربكم إلى النار ويبعدكم من الجنة إلاّ نهيتكم عنه.

وكذا حكم العقل العملي والنظري، فإنه ليس ضرورة لمرحلة سابقة تطلبتها المجتمعات البدائية، بل هو حكم عقلي وادراك لما ينبغي أن يعلم أو يعمل، وهذا لا يتغير بالانفجار الهائل في العلوم وتكثر الاختصاصات في المجالات المنهجية.

إذن هذه المصادر يحتاجها كل انسان آمن بالشريعة الاسلامية لاستنباط الأحكام الكلية (إذا كان مجتهداً فيها).

نعم هناك وسائل لإثبات مواضيع الأحكام وتشخيصها، فكانت وسائل بدائية والآن تطور العلم لإيجاد وسائل أدق وأفضل لتشخيص موضوع الحكم، فالكرّ كان يوزن بموازين قديمة ليست دقيقة، والآن يوزن بموازين أكثر دقة، فتكون الأدوات أفضل من ناحية تشخيص الموضوع، وهذا لا بأس به، ولكن ليس بمعنى ترك التحديد للكرّ بالمساحة التي هي مثلاً ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار بل إذا أردنا تحديد الكرّ بالوزن نتّبع الوزن الأدق، ولكن إذا أردنا تحديد الكر بالمساحة فنتبع الطريقة الشرعية لذلك وهي طريقة عرفية سهلة يعرفها من لم يكن له علم بالموازين الدقيقة.

وعلى كل حال: لا يجوز الخلط بين أدوات الأحكام الشرعية وأدوات تشخيص مواضيع الأحكام الشرعية، فالعلوم الحديثة تنفع في تشخيص مواضيع الأحكام لا في الأحكام الشرعية ولا في أدلتها.

نعم إذا كان للمقولة السابقة حضّ فهو في كلام الآدمي وأدواته في التعامل مع الآخرين ولكن النصوص الدينية ليست كلاماً آدميّاً، وكذا الحكم العقلي فهو لا يتغير نظرياً كان أو عملياً.

وعلى كل حال: فانّ مرجعيتنا في السلوك والفكر هو كلام الله وسنة الرسول الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وحكم العقل العملي

والنظري، وأين هذا من فكر البشر، فإنه لا يقاس بالفكر الديني (الإلهي) المتمثل بالقرآن والسنّة، وقد قال تعالى في القرآن الكريم في أول سورة البقرة (ألم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) وقال تعالى: (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيم حَمِيد) (1) وقال تعالى: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً) (2).

وهذه الآية وهي كلام الله لا تعني ان البشر والجن لا يتمكنون من تكوين آيات وألفاظ القرآن الكريم، بل إنما تعني أيضاً - وهو الأظهر - عدم امكان الجن والإنس على أن يأتوا بمثل أفكار ونظريات وأحكام القرآن الكريم التي هي قادرة على الصمود بالرغم من امتداد الزمن (3).

نعم من ورث الموروثات الخاطئة من غير تمحيص ولا مراجعة، ومن تبع الدعاية وأنشطتها الاعلامية التي تصنع مفاهيم مغلوطة بفعل ما تمارسه من أساليب خدّاعة لجعل العصري أحسن حالاً مما سبقه، ومن يقرأ النصوص الدينية قراءة سريعة انفعالية ويكون متأثراً بموروثاته الخاطئة، ومن يتبع غيره من دون وعي منه، تتشكل عنده قواعد خاطئة تتحكم في كثير من مواقفه الثقافية والاجتماعية والسياسية، فينادي بالجديد معتبراً ذلك قاعدة كلية في كون كل جديد أحسن حالاً من كل قديم، وهذا هو مصيبة كل من لم

يملك رأياً اجتهادياً وتخصصياً، ويدخل في مجال التخصص ويتكلم وكأنه مجتهد ولكن لا حضّ له من الاجتهاد الصحيح.

والخلاصة: ان نظرية القراءة الجديدة للنصوص الدينية التي تعني أن النص يمكن أن تكون له معان متعددة ومتضادة تعتبر كلها صحيحة ولا رجحان لأيّ منها على الآخر، لهي نظرية لا دليل عليها، بل الدليل يقف ضدها لما ثبت من أن النص لا يكون له أكثر من معنى واحد وهو المعنى الظاهر من اللفظ أو الصريح فيه الذي هو حجة على السامع والمتكلم وهو الذي يسعى إليه لمعرفته، ففي الحقيقة ان المتدينين هدفهم الأصلي هو معرفة مراد المتكلم (قرآن وسنة) للعمل على وفقه للحصول على مرتبة الطاعة لتحقيق رضا الله تعالى والقيام بحق مولوية المولى الثابتة بالعقل، من أجل نيل سعادة الدارين.

وفهم المعنى الواحد من النص الديني له موازين وأصول معيّنة عيّنتها اللغة وأصول الفقه، فليست عملية الفهم من النصوص عملاً عشوائياً، ففي كل فن لا يُقبل ولا يُعقل أن يحاول غير ذوي الاختصاص ابداء الرأي، ففي علم الفقه وعلم الأصول وعلم المنطق والتفسير وأشباهه يكون ابداء الرأي فيها للمتخصصين في هذه العلوم (المجتهدون) ولا يسمح لأي فرد آخر التداخل في إبداء النظر والرأي ما دام لم يعرف أصول ومبادئ هذه العلوم وغاياتها وغير متضلع فيها.

نعم قد يكون النص محتملاً لمعنيين أو أكثر إلا انه توجد موازين ومعايير لترجيح أحد المعنيين على الآخر، فليس من الصحيح القول بعدم وجود مرجحات لأي معنى على آخر إذا كان النص يحتمل معاني متعددة، بل المرجحات لمعرفة أحد المعاني على غيره أمر ممكن بواسطة اتباع القرائن وقواعد اللغة.

وقد تطرقنا إلى الصيحات الداعية إلى الدعوة إلى القراءة الجديدة للنص الديني ورددناها رداً علمياً وأثبتنا أنّ المنهجية الدينية في فهم النصوص الدينية قائمة على منهج علمي رصين، والدعوة إلى نبذه عبارة عن الدعوة إلى نقض الصرح القائم على كلام الله وسنّة النبي وحكم العقل النظري والعملي والذهاب إلى الفوضي وغلق باب الاستفادة من النصوص الدينية، حسب القواعد العرفية واللغوية وقطع الرابطة بيننا وبين الدين الذي نحن مكلفون بالالتزام به للنجاة في الآخرة والسعادة في الدنيا.


من كتاب: (بحوث في الفقه المعاصر) للشيخ حسن الجواهري، ج4 ص86.

 

2019/06/13

من يحاسبنا يوم القيامة؟!

من الأسماء التي أطلقها اللّه سبحانه على يوم القيامة «يوم الحساب».( [1])، أي اليوم الذي يوقف فيه اللّه سبحانه عباده ليحاسبهم على ما اقترفوه من أعمال في الحياة الدنيا، وهذا الأمر بدرجة من الوضوح والتسليم به ممّا جعل الإمام علياً (عليه السلام) يعتبر التفريق بين الحياة الدنيا و الآخرة قائماً على هذا الأساس، حيث اعتبر الأُولى دار العمل والثانية دار الحساب، فقال (عليه السلام) :«واليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل».( [2])

كما وردت في هذا المجال روايات كثيرة بالإضافة إلى الآيات، وقد جاءت في تلك الآيات والروايات سلسلة من العناوين الجديرة بالبحث والدراسة، لما فيها من المعاني والمفاهيم الشامخة، ولاشتمالها على البحوث المهمة التي يمكن أن تكون مفتاحاً لحلّ الكثير من الإشكالات والشبهات التي قد تثار في هذا المجال. ومن هذه التساؤلات التي تثار هنا:

1. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال؟

2. من المحاسب؟

وسنتناول هذين التساؤلين واحداً تلو الآخر:

1. ما هو الهدف من وراء محاسبة الأعمال؟

إنّ حقيقة الحساب هي: الاطّلاع والوقوف على بعض المجهولات من خلال الاستعانة بالمعلومات المسبقة، وبعبارة أُخرى: انّ حقيقة الحساب ليس إلاّ حلّ المجهولات عن طريق المعلومات.

وعلى هذا الأساس تظهر هذه الحالة على حياة الإنسان بصورة جلية باعتبار كونها أمراً واقعياً لا ينفك عن حياته، لأنّ الإنسان دائماً يعيش حالة من القلق على مستقبله ومصيره ويحاول معرفة ثمار ونتائج سعيه وجهده ومقتنياته المادية والمعنوية، ولذلك يسلك طريق الحساب والمحاسبة.

ومن هنا نعلم أنّ واقعية المحاسبة والحساب الرائجة والمتداولة بين أفراد النوع الإنساني تحمل في طياتها نوعاً من الجهل وتخفي في أعماقها نوعاً من عدم المعرفة، وبما أنّ اللّه سبحانه وتعالى منزّه عن كلّ جهل، وانّ السرّ والعلن والخفاء والظهور بالنسبة إليه على حدّ سواء، فما هي الحاجة إذاً للحساب والمحاسبة ياترى، إذ بإمكانه سبحانه أن يعمل بعلمه المطلق ويثيب المحسن ويعاقب المسيء على أساس من الحكمة والعدل الذي يعيّنه هو سبحانه، وحينئذ تكون عملية إقامة محكمة للعدل والحساب والسؤال لغواً لا طائل وراءه، وبالنتيجة فإنّ هذا العمل لا يلائم الحكمة الإلهية ولا يتطابق معها؟ والجواب عن هذه الشبهة هو: ليس الهدف من إقامة الحساب والمحاكمة يوم القيامة ( يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ )( [3]) هو انّ اللّه سبحانه يطّلع على أعمال عباده الحسنة منها والسيّئة واستحقاق الثواب أو العقاب، من خلال طرحه سبحانه سلسلة من الأسئلة على عباده، لأنّ اللّه سبحانه ـ و كما جاء في متن السؤال ـ يعلم بكلّ شيء، ولذلك فهو غني عن إقامة المحكمة لتحقيق ذلك الغرض، بل أنّ المقصود حقيقة من وراء إقامة محكمة الحساب شيء آخر، وهو: إراءة عدله وجوده وحكمته سبحانه عند المحاسبة، وليتّضح ذلك للجميع بنحو لا يرتاب فيه أحد حتى أُولئك الذين كانوا في شكّ من ذلك في الحياة الدنيا يتّضح لهم عدله ورحمته سبحانه بنحو لم يبق لهم مجال للاعتذار أو الاعتراض.

ومن هنا يمكن القول: إنّ مسألة «الحساب» في العالم الآخر ليست بمنزلة الامتحان والابتلاء والاختبار في الحياة الدنيا والتي تجري بين العباد لكسب المعرفة والتعرّف على جوهر الأفراد وحقائقهم، أو معرفة أُمور أُخرى، بل أنّ الامتحان الإلهي له علله وأهدافه الخاصة التي منها إقامة الحجة على العباد.( [4])

2. مَن المحاسب؟

دلّت الأُصول التوحيدية على أنّ جميع العلل والأسباب تنتهي إلى خالق واحد ومدبّر فرد، هو مبدأ جميع الموجودات، وهو مسبب الأسباب كلّها.

وهنا يقع الكلام  في البحث التالي: من المعلوم أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد أقام النظام الدنيوي على أساس قانون العلّية والمعلولية، وانّه  منح بعض مخلوقاته صفة المدّبرية فقال سبحانه: ( فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً )( [5]) ، فهل ياترى أنّ عالم الآخرة يقوم على أساس قانون العلّية والمعلولية أيضاً بنحو يمنح اللّه سبحانه بعض مخلوقاته صفة المحاسب ويوكل إليهم محاسبة العباد؟ أو أنّه سبحانه هو الذي يتكفّل بهذا الأمر الخطير والحسّاس؟

إنّ ظاهر، بل صريح بعض الآيات، انّ اللّه سبحانه هو الذي يتكفّل بعملية المحاسبة وهو المحاسب يوم القيامة، قال سبحانه:

( ...فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ ) .( [6])

وقال أيضاً:

( إِنَّ  إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ) .( [7])

وفي آية أُخرى:

( إنْ حِسابُهُمْ إِلاّعَلى رَبّي لَوْ تَشْعُرُونَ ) .( [8])

ويقول عزّ من قائل:

( ...وَكَفى بِاللّهِ حَسيباً ) .( [9])

هذه الآيات صريحة في أنّ المحاسب هو اللّه سبحانه، ولكنّ هناك طائفة أُخرى من الآيات الكريمة تشير إلى أنّ المحاسب في ذلك العالم هو الإنسان نفسه حيث هو يقوم بمحاسبة نفسه بنفسه من خلال قراءة كتابه بنفسه وحينئذ لا حاجة إلى محاسب آخر، يقول سبحانه: ( وَكُلَّ إِنْسان أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَة كِتاباً يَلْقيهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَومَ عَلَيْكَ حَسيباً ) .( [10])

ولكن الإمعان في الأمر  يظهر لنا أنّ هذه الآيات لا تنافي  الآيات الآنفة الذكر، وذلك لأنّ مفاد هذه الآية انّه تتجلّى في العالم الآخر أمام الإنسان أعماله وأفعاله التي اقترفها بصورة كتاب يبرز ويظهر أمام نظر الإنسان، بنحو يرى الإنسان واقع أفعاله التي قام بها في الحياة الدنيا بصورة لا يبقى فيها مجال لأيّ إنكار أو تخلّص أو تنصّل عن المسؤولية، ولذلك يصل الأمر بالإنسان إلى درجة يشهد هو على نفسه وعلى أعماله.

وبعبارة أُخرى: أنّ الآيات السابقة تشير إلى حقيقة جلية وهي أنّها تنفي وجود أيّ محاسب في ذلك العالم إلاّ اللّه سبحانه وتعالى وحده، وأمّا هذه الآية  فإنّها تشير إلى كيفية المحاسبة التي يقوم بها اللّه سبحانه وتعالى، وانّها تكون بالنحو الذي تعرض أعمال العباد وأفعالهم أمام كلّ واحد منهم بحيث يطّلع كلّ إنسان على ما بدر منه وما صدر من أفعال، وليحكم هو بنفسه على نفسه.

حكم الروايات في هذه المسألة

لقد حظيت هذه المسألة باهتمام الرسول الأكرم وأهل بيته عليه و(عليهم السلام)   فقد وردت روايات كثيرة في هذا المجال، فطائفة من هذه الروايات تؤيّد الرأي الأوّل الذي ذهبت إليه الآيات الكريمة، وأنّ اللّه سبحانه هو المحاسب يوم القيامة، يقول أمير المؤمنين(عليه السلام) في حقّ عائشة وخصومتها معه: «وأمّا فلانة فأدركها رأي (رائحة) النساء، وضِغْنٌ غلا في صدرها كمِرجَلِ القَيْنِ، ولو دعيت لتنال من غيري ما أتت إليّ، لم تفعل، ولها بعد حرمتها الأُولى، والحساب على اللّه تعالى».( [11])

ولكن يظهر من بعض الروايات الأُخرى أنّ اللّه سبحانه قد أوكل أمر المحاسبة إلى أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .

روى عبد اللّه بن سنان عن الإمام الصادق(عليه السلام) ، أنّه قال:

«إذا كان يوم القيامة وكّلنا اللّه بحساب شيعتنا».( [12])

وقد ورد في تفسير قوله تعالى:  ( ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ) أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) قال:

«إذا كان يوم القيامة جعل اللّه حساب شيعتنا إلينا».( [13])

وجاء في الزيارة الجامعة الكبيرة:

«وَإِيابُ الْخَلْقِ إِلَيْكُمْ وَحِسابُهُمْ عَلَيْكُمْ»  .

ومن  الملاحظ أنّ مضمون الزيارة الجامعة أوسع من مدلول الروايتين السابقتين، ولا تنافي بين ذلك وبين حصر الحساب باللّه سبحانه وتعالى، إذ ممّا لا ريب فيه أنّ قيام الأئمّة  بالمحاسبة ينطلق في واقعه من امتثال الأمر الإلهي، وانّ اللّه سبحانه هو الذي أوكل إليهم القيام بهذا الأمر كما أوكل سبحانه إلى بعض مخلوقاته تدبير بعض الأُمور في الحياة الدنيا، وهذا من الأُمور المسلّمة التي نطق بها القرآن الكريم.

وعلى كلّ حال فهناك روايات مستفيضة تؤكّد المنزلة السامية والمقام الشامخ لأهل البيت(عليهم السلام) في يوم القيامة، حيث جاء في بعضها أنّهم(عليهم السلام) أصحاب الأعراف، وأصحاب الشفاعة و.... وعلى هذا الأساس من الممكن أن يوكل سبحانه  إلى الأئمّة أمر محاسبة العباد جميعاً  أو محاسبة بعض عباده خاصة. وبما انّ هذه المسائل من الأُمور الخارجة عن إطار حكم العقل فيها إثباتاً أو نفياً، لذلك لابدّمن الالتجاء إلى الوحي وطلب العون منه هنا، فما يثبت من خلال هذا الطريق بصورة قطعية لابدّ من الإذعان له والخضوع أمامه.( [14])


[1] . انظر: إبراهيم:41، وسورة ص: الآيات 6و 26و 53، وسورة غافر: 27.

[2] . نهج البلاغة: الخطبة 42.

[3] . إبراهيم: 41.

[4] . ومن الطبيعي أنّ للامتحان الإلهي أهدافاً أُخرى تذكر في محلها.

[5] . النازعات: 5.

[6] . الرعد: 40.

[7] . الغاشية:25ـ 26.

[8] . الشعراء: 113.

[9] . النساء:6، الأحزاب: 38.

[10] . الإسراء:13ـ 14.

[11] . نهج البلاغة، الخطبة156، ط صبحي الصالح.

[12] . بحار الأنوار:7/ 264.

[13] . بحار الأنوار:7/ 264.

[14] . منشور جاويد:9/280ـ 285.

2019/05/29

صحوة مفاهيمية

ظل الفكر الإسلامي المعاصر يتطلع إلى أن يخوض دورة معرفية جديدة، من خلال إنجاز عطاءات فكرية متميزة، وإبداعات ثقافية أصيلة ومتجددة، والسعي نحو الارتباط والتواصل مع مشكلات الحضارة، والانشغال بعمليات النهوض الحضاري في الأمة. الأمر الذي تطلب دوما العناية بتطهير حركة الفكر الإسلامي من رواسب الانحطاط والتخلف، وتجديده ليعود أصيلا وفقا"، الأصالة التي يؤسس عليها الفكر الإسلامي معاصرته، وليستعيد من خلالها منبع الفاعلية، ويمتلك قدرة التجديد والتطوير في الحياة الإسلامية.

وعلى هذا الأساس حاول الفكر الإسلامي أن يقرأ منظومته المفاهيمية والمعرفية بمنهجية جديدة، تقوم على تجزئة الأفكار وتحليلها وتنقيتها، ومن ثم إعادة تركيبها بانسجام بين الفروع والأصول، وبين الجزئيات والكليات، وبين المقيدات والمطلقات، وبين الثوابت والمتغيرات.

وهذا ما نلاحظه في بعض القراءات الإسلامية المعاصرة لجدليات فكرية دقيقة في نطاق النظريات، ولمشكلات واقعية حادة في نطاق التطبيقات، حيث خضعت هذه الأفكار والوقائع إلى تفكيكات معرفية ومنهجية من أجل تحليل مكوناتها وعناصرها، لتشخيص النفع من الضرر، والسلب من الإيجاب، والنفع القريب من الضرر البعيد، أو الضرر القريب من النفع البعيد.

وأفضل نموذج على ذلك طريقة تكوين المعرفة بفكرة الديمقراطية، الفكرة التي كانت قابل من قبل بالشك والرفض في أغلب خطابات الإسلاميين، لأن النظر لها كان يجري في نطاق العموم والإطلاق، وباعتبارها تمثل فلسفه ومذهبة اجتماعية يفوض كل شيء للأمة بما في ذلك التشريع.

وتغير الموقف حين تغيرت الطريقة وتحولت من النظر الكلي الإطلاقي، إلى النظر التجزيئي النسبي، وذلك بعد التعرف على العناصر الإيجابية والمفيدة في فكرة الديمقراطية، وتطوير المعرفة بهذه الفكرة، والاقتناع بها، والتمسك بهذه العناصر الإيجابية، التي منها الاعتراف بالتعددية وحق الاختلاف، التعايش السلمي بين الجماعات، الفصل بين السلطات، احترام حقوق الإنسان، والالتزام بالقانون، والعمل بالدستور ... إلى غير ذلك من عناصر شديدة الأهمية.

هذا التطور المنهجي جاء نتيجة تأسيسات معرفية في المنظومة الفكرية الإسلامية من جهة، ونتيجة انفتاحات على منظومة المعارف الإنسانية من جهة أخرى، وكان من نتائجه الاقتراب من النسبية الحيوية، والتخلي عن الإطلاقية الجامدة التي كانت غالبة على تفكير المسلمين فيما مضى.

وبإمكان هذا التطور أن يضمن للفكر الإسلامي حيوية وتوازنا، ويكسبه انفتاحا وإيجابية في تعامله ونقده للأفكار والتصورات والمناهج الأخرى بمشاربها الفكرية المختلفة، وذلك انطلاقا من خلفية أن الحق والصواب يجب أخذه أنى كان مصدره، ومن أية جهة كان، وهذا يجعلنا نتوصل إلى ما نصطلح عليه بنظرية الموافقة النسبية، التي تحتاج لتأسيسات منهجية ومعرفية في الفكر الإسلامي، وذلك لكثرة الحاجة إلى هذه النظرية.

ولعل من أدلة الأخذ بهذه النظرية ما نستوحيه من قوله تعالی (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ  وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (18الزمر)، وكذلك ما نستوحيه من الأحاديث الشريفة التي تعد الحكمة ضالة المؤمن، وهو أحق بها أني وجدها.

ما نخلص إليه من هذا التمهيد، أن الفكر الإسلامي المعاصر بات يظهر وعيا وفهما ونضجا أفضل تجاه المفاهيم والقضايا الإشكالية والجدلية التي تشغل اهتمام النخب الفكرية بمشاربها المختلفة، وفي مختلف مراکز العالم، مثل قضايا الديمقراطية، والحداثة، وحقوق الإنسان، وغيرها.

ومن هذه القضايا كذلك، والتي نحن بصدد دراستها، قضية التعددية

الحزبية والسياسية، وهي القضية التي كان الفكر الإسلامي إلى وقت قريب يتعامل معها بنوع من الحساسية والحرج والتحفظ، وحسب رأي الدكتور محمد عمارة: «إن الكثير من الحركات الإسلامية المعاصرة، ولا نبالغ إذا قلنا أكثريتها إنما تقف من مبدأ التعددية، سواء في الرؤى الفكرية أو في الأوعية التنظيمية والتنظيمات الحركية، موقف الرفض العدائي، أو الريبة الشديدة، أو الشك في شرعيتها، أو في ضرورتها وجدواها» (2).

وهذا ما تغير فيما بعد نتيجة ما نسميه بالصحوة المفاهيمية التي مرت على الفكر الإسلامي، وهذه الصحوة في المعايير الحضارية هي أهم من تلك الصحوة السياسية التي شهدنا تعاظمها على امتداد جغرافيا العالم الإسلامي.


الهوامش:

 (1) القرآن الكريم، سورة الزمر، الآية ۱۸.

(2) عبد الله النفيسي، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية.. أوراق في النقد الذاتي (القاهرة:

مكتبة مدبولي، ۱۹۸۹)، ص ۳۳۰.

2019/05/28

دراسة لأكسفورد[1]: الإيمان بالله جزء من الطبيعة البشرية!

وفقا لدراسة دولية كبرى استغرقت ثلاث سنوات أفادت إنّ البشـر يميلون بطبيعتهم للإيمان وبالحياة بعد الموت، وجدت هذه الدراسة التي قادها اثنان من الأكاديميين في جامعة أكسفورد والتي بلغت كلفتها 1.9 مليون جنيه إسترليني: أنّ عمليات التفكير البشـري "متجذرة" في المفاهيم الدينية.

اشتمل مشـروع الدراسة على 57 أكاديميًا في 20 دولة حول العالم، وامتد الى تخصصات شملت الأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة.

لقد شرع البحث في تحديد ما إذا كان الإيمان بالكائنات القدسية والآخرة هو مجرد أفكار مستقاة من المجتمع أو انها مكملة للطبيعة البشرية.

وخلصت إحدى دراسات جامعة أكسفورد، إلى أنّ الأطفال دون سن الخامسة يميلون الى الاعتقاد في بعض الخصائص "فوق الطاقة البشـرية" أكثر من ميلهم الى فهم القيود البشرية.

وسئل الأطفال عما إذا كانت والدتهم ستعرف محتويات صندوق مغلق. يعتقد الأطفال في سن الثالثة أن والدتهم والله سيعرفون محتوياته دائمًا، ولكن بحلول سن الرابعة، يبدأ الأطفال في فهم أن أمهاتهم ليست عالمات بكل شيء.

اقترح بحث منفصل من الصين أن الناس عبر الثقافات المختلفة يعتقدون غريزيًا أن بعضًا من عقلهم أو روحهم سيعيش بعد الموت.

وقال المدير المشارك للمشـروع، البروفيسور روجر تريج، من جامعة أكسفورد:

"هذا المشـروع يشير إلى أن الدين ليس مجرد شيء يمارسه عدد قليل من غريبي الأطوار في أيام الأحد بدلا من لعب الغولف. لقد جمعنا مجموعة من الأدلة التي تشير إلى أن الدين هو حقيقة مشتركة من الطبيعة البشـرية في مختلف المجتمعات. وهذا يشير إلى أن محاولات قمع الدين من المرجح أن تكون قصيرة الأجل حيث يبدو أن الفكر الإنساني متأصل في المفاهيم الدينية، مثل وجود عوامل خارقة للطبيعة أو الآلهة، وإمكانية وجود حياة ما بعد الحياة أو ما قبل الحياة"

وقال الدكتور جوستين باريت، من مركز الأنثروبولوجيا والعقل بجامعة أكسفورد، الذي أخرج المشـروع، إن الإيمان يمكن أن يستمر في الثقافات المتنوعة من جميع أنحاء العالم لأن الأشخاص الذين تجمعهم الروابط الدينية "قد يكونون أكثر اقبالاً على التعاون كمجتمعات. ومن المثير للاهتمام، وجدنا أن الدين أقل احتمالاً للنمو في السكان الذين يعيشون في مدن الدول المتقدمة حيث توجد بالفعل شبكة دعم اجتماعي قوية ".([2] )


[1] أقدم جامعة في العالم الغربي المتحدث بالإنجليزية، وأقدم جامعات بريطانيا السبع العتيقة.

[2] تقرير مجلة " التليغراف " عن للدراسة : https://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-part-of-human-nature-Oxford-study.html

2019/04/23

هل يستطيع الإسلام معالجة «أزمة البطالة»؟!

يثار سؤال حول البطالة بصفتها أزمة خانقة لحاضر ومستقبل ملايين الشباب، وحيث تسجل الإحصاءات أرقاماً قياسية خطيرة لها، فما هي السبل لحل مشكلة البطالة الآخذة بالتفاقم؟

إن أنجع وأنجح وأفضل الحلول لحل مشكلة البطالة، هو مجموعة القوانين والتعاليم الإسلامية الإلهية المسجلة والمدونة في القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى ـ في ضمن تعداد أهداف بعثة النبي الخاتم محمد المصطفى (ص) ـ: [وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ][1]، فإن واحدة من أهم وأنجح الحلول لمشكلة البطالة هي إطلاق حريات الناس فإذا:

1-أطلقت الحريات التي كفلها الدين الإسلامي للناس من حيازة المباحات، وإحياء الموات (الأراضي البائرة) دون قيود وعُقد، فإن نسبة البطالة ستنخفض بشكل كبير، والتضخم سينخفض بدرجة مذهلة، والفقر سينخفض إلى حدٍ كبير.

2-وإذا أطلقت الحريات في تأسيس الشركات والمعامل والمصانع والمتاجر وغيرها حقيقة، فإن نسبة البطالة والتضخم والفقر ستنخفض أيضاً بشكل مذهل، إن لم نقل تنعدم.

إن المشكلة هي أن الناس في كل الدول يعيشون في كبت هائل وبأغلال وآصار لا متناهية، فإن أراد أحدهم أن يشيّد مصنعاً أو معملاً، أو يقوم بالتصدير والاستيراد، أو بل حتى يؤسس شركة، فإنه سيحتاج إلى كتابنا وكتابكم، وإلى المتابعة الحثيثة من دائرة إلى أخرى.

وقد يستغرق الأمر ستة أشهر أو سنة أو أكثر، وقد تكون بعض الشروط تعجيزية، وهذا يعني أنهم بحزمة قوانينهم الكابتة للحريات أضاعوا مئات الملايين من ساعات العمل للملايين من الناس الذين اضطروا للمتابعة طوال أسابيع أو أشهر.

كما أضاعوا ملايين من ساعات العمل المنتج من أوقات الموظفين في الدوائر الكابتة للحريات، بدل أن يكونوا عمالاً منتجين، كما أنهم بالمآل منعوا ولادة مئات الألوف من المشاريع التنموية والزراعية والصناعية وغيرها.

وذلك كله يعني: المزيد من الفقر، والمزيد من البطالة (المقنعّة وغير المقنعّة)، والمزيد من التضخم. عكس ما لو كان كل إنسان حراً في تشييد أي معمل أو مصنع أو شركة أو تجارة دون حاجة للإذن من الدولة، (الخادم الذي تحول إلى سيد ومولى).

إن الله سبحانه وتعالى قد منح الناس حرية وحق حيازة المباحات من بحر أو بر ومن غابة أو أجمة أو واد أو غير ذلك، ومنحهم حق عمارة الأرض وقد قال تعالى:[وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا][2]، و[خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا][3] و[وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ][4]، وإن الله سبحانه وتعالى قد أجاز لكل إنسان بأن يبني أرضاً لنفسه أو يؤسس متجراً أو معملاً، أو مزرعة أو مرعى أو غيره على أية أرض من الأراضي شاء.

فلو أن الحكومات سمحت للناس بذلك، ولم ترفع راية مقابل قوانين الله تعالى، فإن نسبة البطالة والفقر والتضخم ستنخفض بشكل رهيب، والبحث في هذه القضية طويل، ولعل في هذه الإشارة بعض الإضاءة.

 

 


[1] سورة الأعراف: 157.

[2] سورة هود: 61.

[3]  سورة البقرة: 29.

[4] سورة الأعراف: 157.

2019/04/10

2019/02/17

2019/01/29

2019/01/22

2019/01/12