فكر وثقافة
هل يفقد العقل قدرته على القيام بوظيفته؟!
نعم قد يفقد العقل فاعليته، أو يتعثر في طريقه، نتيجة تقصير الإنسان وتفريطه، إما إهمالاً وتسامح، لعدم شعوره بالمسؤولية، أو لتغلب عوامل ومؤثرات أخرى عليه، من كسل، أو ضجر، أو شهوة، أو غضب، أو تعصب، أو تقليد أو غير ذلك مما يقف في طريق العقل ويمنعه من أداء وظيفته.

 فمثلاً: من أهم الأمور الدنيوية التي يحبها الإنسان ويهتم بها صحته البدنية، التي بها قوام حياته وبقاؤه في هذه الدني. ومع ذلك نرى الناس ـ مع اشتراكهم في حبها والاهتمام بها ـ مختلفين في رعايتها والحفاظ عليه.

  فمنهم من يبذل وسعه ويجهد جهده في ذلك، بالوسائل العقلائية الميسورة، مهما كلفه" 

‏"ذلك من تعب ونصب وقيود والتزامات. فيبحث عن أفضل الأطباء وأحذقهم، ويلتزم بتوجيهات الطبيب ونظامه العلاجي غير مبال بمتاعب ذلك ومصاعبه، كل ذلك من أجل اهتمامه بصحته وحبه للحياة.

  بينما نرى آخرين لا يراعون ذلك، لا لعدم حبهم للصحة والحياة، بل إما لتغلب روح الإهمال واللامبالاة عليهم، أو لاقتصارهم في العلاج على الطرق التقليدية الموروثة، جموداً عليه، أو كسلاً عن الفحص عن الأصلح، من دون مراعاة للطرق العقلائية في اختيار الطبيب المعالج ‏"وكيفية العلاج، أو لتعصبهم ضدّ الطبيب الأفضل بنحو يصعب عليهم الاعتراف له بالفضيلة، أو لضيقهم من التقيّد بالدواء ومواعيده، أو من بعض الالتزامات الأخرى التي يفرضها الطبيب عليهم، أو لغلبة شهوتهم لما يمنعهم الطبيب منه ويحميهم عنه من طعام أو شراب وغيرهم... إلى غير ذلك مما يأباه العقل السليم، ويستهجنه العقلاء بفطرتهم.

وليس ذلك لفقدهم القوة العاقلة، بل لعدم فاعلية العقل فيهم نتيجة ما سبق، حتى يتجمد أو يُغلَب. فهم يدركون ضرر سلوكهم وكأنهم لا يدركونه، ويملكون العقل وكأنهم يفقدونه.

العقل منشأ المسؤولية دائم

ولا يجنون من عقلهم إلا تحمل المسؤولية واللوم والتقريع، ثم الندم عند الوصول للنهاية المرة حين لا ينفع الندم. وكلما كان الضرر أكبر وأفظع كان اللوم والتقريع والندم أشدّ وأعظم. ولو أنهم فقدوا العقل حقيقة لكان خيراً" ‏"لهم، حيث لا مسؤولية، ولا لوم، ولا تقريع، ولا ندم.

 وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "استرشدوا العقل ترشدو، ولا تعصوه فتندموا" (2). وفي حديث حمدان عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنه قال: "صديق كل امرئ عقله، وعدوه جهله" (3).

وفي حديث عبد الله بن سنان قال: "سألت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليهم السلام)، فقلت: الملائكة أفضل أم بنو آدم؟ فقال: قال أمير المؤمنين ‏"علي بن أبي طالب (عليه السلام) : إن الله ركب في الملائكة عقلاً بلا شهوة، وركب في البهائم شهوة بلا عقل، وركب في بني آدم كلتيهما [كليهم. علل الشرائع]. فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلب شهوته عقله فهو شرّ من البهائم" (4).

وتصديق ذلك في كتاب الله عزّ وجلّ حيث يقول: ((إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ البُكمُ الَّذِينَ لاَ يَعقِلُونَ)) (5).

وحين يقول: ((وَلَقَد ذَرَأنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِن الجِنِّ وَالإنسِ لَهُم قُلُوبٌ لاَ يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أعيُنٌ لاَ يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لاَ يَسمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنعَامِ بَل هُم أضَلُّ أُولَئِكَ هُم الغَافِلُونَ)) (6)... إلى غير ذلك.

ضرورة استغلال العقل

فعلى الإنسان أن يعرف عظمة هذه النعمة التي فضل بها وارتفع عن حضيض الحيوانية،" ‏"ويستغلها لصلاحه وسعادته، في جميع أموره وشؤونه المتعلقة به، والدخيلة في سعادته وشقائه وخيره وشرّه. ويربأ بنفسه عن التخلي عنها والهبوط إلى مستوى الحيوان أو ما دونه، ثم يزيد عليه بتحمل التبعة والتقريع واللوم، ثم الندم حيث لا يغني ولا ينفع.

الهوامش: (1) الكافي 1: 13." (2)، (3) بحار الأنوار 1: 96، 87." (4) وسائل الشيعة 11: 164، باب 9 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه، حديث: 2. (5) سورة الأنفال آية: 22. (6) سورة الأعراف آية: 179." *مقتطف من أصول العقيدة - السيد محمد سعيد الحكيم (قدس سرّه)
2024/02/21

الانفتاح والانغلاق.. أيهما نختار؟!
في عصرنا الراهن يتصاعد النقاش في موضوع الانفتاح والانغلاق بسبب صعود التكنولوجيا في العالم وهيمنتها على المسيّرات الثقافية وأدواتها النافذة مثل القنوات الفضائية والانترنيت وشبكات التواصل الاجتماعي. وبذلك فقد أثارت سؤالا مهمّا، هل ننفتح على العالم أم ننغلق؟

[اشترك]

ويبرز في ذلك رأيان أساسيان يسيران في اتجاهين متعاكسين، رأي يؤكد على أولوية الانفتاح والانخراط في المسيرة العالمية والتطبع بمفاهيمها الثقافية الحديثة، من أجل البقاء في الركب العالمي، والاندماج في حضارة الدول المتقدمة اندماجا كاملا.

الرأي المقابل يواجه إشكالية أكثر تعقيداً وتناقضاً، عندما يرتد بشكل عنيف اتجاه نفسه ومجتمعه، ويغلق الأبواب على ثقافته، ويرفض تحقيق الانفتاح والتحديث بشكل مطلق، باعتبار أن الانفتاح ليس إلا أسلوباً جديدا تستخدمه القوى الكبرى لفرض سيطرتها الاستعمارية وتكريس مبادئ الاستغلال والتبعية.

لكن الانغلاق فيه جانب سلبي حيث يخاف الإنسان من الانفتاح على هذا العالم خوفا شديدا، بسبب عدم وجود توازن ثقافي وتكافؤ فكري بين الأمم، من ناحية الآليات والإمكانات والقدرات والكفاءات، مما يؤدي إلى انكفاء وانعزال البعض عن الانفتاح، وتبرير ذلك بأن الانغلاق هو حماية وحصانة لنفسه ولأسرته ولمجتمعه ولدولته.

لكن المطلوب هو الاعتدال بين الافراط والتفريط، عبر الانفتاح الإيجابي الذي تكون فيه قواعد منهجية تحافظ على الأصول والثوابت العقائدية والدينية والثقافية الموجودة في المجتمع، فلا يمكن أن ننسلخ عن أصالتنا بحجة الانفتاح، لأن هذا يعني بأننا قد تغرّبنا تغريبا تاما وكاملا، ونزعنا عن أنفسنا أصالة أمتنا، وتخلينا عن هويتنا الحضارية.

في الجانب الآخر الانفتاح السلبي بحد ذاته خطير نجده في الكثير من الممارسات والسلوكيات الموجودة في مجتمعاتنا، بدعوى التحديث، والحداثة والتنوير، أو بحجة البحث عن التقدم المادي والتكنولوجي والاقتصادي، وهو سلبي لان الانفتاح بلا حدود لم ولن يُفدْنا بشيء.

وإذا كان المفروض أن نستورد التقدم فإننا استوردنا التخلف والسلوكيات السلبية من تلك المجتمعات من دون دراسة وتنسيق بما يتناسب مع الاختلافات الثقافية الجذرية بين المجتمعات، وعندما طبقناها في مجتمعاتنا فشلنا.

معطيات الانفتاح السلبي

أولا- الانفتاح المنسلخ من الثوابت: عندما ينسلخ الإنسان عن ثوابته وهويته وأصالته، فيكون ضعيفا إزاء مواجهة ما يصدّره الآخرون له من ثقافات لاتتناسب مع قيمه.

الثاني- الانفتاح المنفلت: وهو لا يكون ضمن قواعد مدروسة ومنظمة وفق درجات معينة من الانفتاح، فلا أهداف لهذا الانفتاح لذلك هو انفتاح منفلت وفوضوي.

الثالث- الانفتاح المنهزم نفسيا: وهو يأتي من خلال الشعور بالهزيمة النفسية نتيجة التخلف، إذ أن مجتمعاتنا تعيش اليوم حالة من الفساد والاستبداد والعنف والتخلف وعدم النظام وشيوع الفوضى، في حين هناك مجتمعات تعيش النظام والتقدم والاستقرار، مما يؤدي لشعور كثير من الناس بالانهزام النفسي أمام كل ما يأتي من تلك المجتمعات فيقبلها قبولا مطلقا، نتيجة الهزيمة النفسية.

الرابع- الانفتاح المنبثق من التبعية العمياء: حيث تغيب ثقافة التفكير المستقل، فيتم الاستسلام للحضارة الغالبة.

الخامس- الانفتاح الناتج عن القبول المطلق لثقافة الآخر: وينتج عن اعتقاد الإنسان بأن ثقافته الموجودة الآن هي ثقافة فاشلة ومتخلفة، وهذا ما يؤدي إلى القبول بثقافة الغير مهما كانت، وهذه نظرة خاطئة وليست متوازنة في التعامل مع قضية الانفتاح، وإنما نوع من الانخراط في عملية الانفتاح السلبي بداعي الانبهار بثقافة الآخر.

السادس- الانفتاح الاستهلاكي: استهلاك ثقافة الآخر وعلمه دون الحصول على ما يغير حياتنا نحو الأفضل. في حين ان الانفتاح الانتاجي مثل اليابان التي كان لديها انفتاح نسبي على التقدم الغربي حيث نجحوا في إحداث ثورة صناعية واقتصادية.

كما أن الغرب أخذ الكثير من المؤلفات العربية والإسلامية وحوّلها لصالحه، ومن خلالها انطلقت الثورة الصناعية فأخذوا الجانب الإيجابي ووظفوه لصالحهم.

اما نحن اليوم فقد استوردنا كل شيء فأصبحنا سوقا لتصريف بضائعهم، سواء كانت تجارية أو ثقافية، هم أخذوا الجيد من الحضارة الإسلامية فتقدموا، في حين أننا استوردنا الأشياء الرديئة منهم فزاد التخلف فينا.

الانفتاح الاستهلاكي ليس سوى انفتاح سلبي يكرس التبعية، ويستورد القيم الإباحية والمنفلتة، ويربي الفرد والمجتمع على الحالة النهمية في عادات السلوك والطعام والشراب، عبر الانسياق وراء دعايات إعلانية مكثفة تغسل أفكار الناس لتسويق سلعها بأية صورة كانت؛ فالانفتاح الاستهلاكي بالإضافة إلى تكريسه لقيم الاستهلاك الأعمى، يكرس سلوكيات ترتكز على الكسل والرخاء والترف وعدم الفاعلية؛ وهذا كله ينفي الغاية من الانفتاح البنّاء، وكل هذا لا يتحقق في الانفتاح الاستهلاكي، فهذا النوع من الانفتاح يقود إلى الانحطاط والتفسخ.

السابع- الانفتاح الانحرافي: يكشف عن انحراف الانفتاح عن أهدافه المطلوبة حيث تستلب كل مايرتبط بعقائدنا وقيمنا واخلاقياتنا، منتجا الاختلال الثقافي والعقائدي والانفصام عن واقعنا الديني والاجتماعي، لاسيما أننا نختلف عن تلك البلدان اختلافا كبيرا، فنحن أتباع الدين الإسلامي ولدينا قيم وعقائد وأحكام شرعية نسير في ضوئها.

فالموجة الموجودة في الغرب تحت عنوان (ما بعد الحداثة)، وهو منهج يؤمن بتفكيك كل القيم الاجتماعية والدينية، وتفكيك الجماعات والمجتمعات والهويات في تكريس مطلق للفردية، فيتم تشكيل الإنسان بهوية جديدة تقوم تحت تبرير الحرية الشخصية واللذة والمنفعة، وقد قدِم إلى بلادنا من خلال موجات مكثفة وعاصفة عبر الاثير الفضائي.

الثامن- الانفتاح المنتج للذنوب والمعاصي: هناك من يتجاوز الحدود الشرعية وقد يرتكب ذنبا أو معصية ما بحجة التمدّن والتحرر ويظن أنه عندما يقوم بمثل هذه الأشياء فهو شخص متقدم ومتنور وحداثوي، وقد يعتبر البعض ان الأحكام والالتزامات الشرعية والأخلاقية أحد أنواع التخلف، فيحاول أن يتجاوزها حتى يعتبر تقدّميّا في سلوكياته.

مثل هذه السلوكيات لا تساعد الإنسان على التقدم بل تؤخره كثيرا، لأن الذنوب هي أخطاء كبيرة يقع فيها الإنسان، وعندما يصر على ارتكاب الذنوب سوف تتراكم عليه، وسوف تصبح جبلا كبيرا يثقل كاهله، لذلك نلاحظ أن كثيرا من الأمم وعلى مر التاريخ انهارت بسبب استمرارها في ارتكابها للذنوب والمعاصي، فعندما يُقال لا تسرق ولا تكذب ولا تزني، يجب أن لا نتصور أنها مفردات وكلمات فقط، وإنما هي قضايا تنبثق من نظام تكويني، لذلك يؤدي الإصرار عليها إلى اختلال المجتمع وانحرافه وتفككه.

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) انه قال: (احذر سكر الخطيئة، فإن للخطيئة سكرا كسكر الشراب، بل هي أشد سكرا منه، يقول الله تعالى: صم بكم عمي فهم لا يرجعون).

وعن الامام علي (عليه السلام) انه قال: (أعظم الذنوب عند الله ذنب أصر عليه عامله).

تاسعا- الفوضى الثقافية والأخلاقية: من المحاذير الأخرى للانفتاح المطلق هو الانخراط في الفوضى الثقافية والأخلاقية التي يعيشها العالم، بسبب كثافة تكنولوجيا التواصل الاجتماعي، وعن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) انه قال: (من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس)، فعندما يدخل الإنسان في هذه العوالم الفوضوية الكبيرة عبر شبكات ومواقع التواصل والانترنيت، ولا توجد لديه حصانة فإنه سوف يتأثر كثيرا ويتشبع بتلك الثقافات المنحرفة، فيستمر بارتكاب الذنوب، بسبب الانسجام النفسي الذي يحصل لديه نتيجة لاستماعه أو مشاهدته لما يعلنه المعلنون عبر الأنترنيت ومواقع التواصل.

2023/12/31

أسئلة وأجوبة عن «القبر».. ماذا سيحدث هناك؟!
س1: ما عقيدتنا في سؤال الميت في قبره؟

[اشترك]

ج: يتعرض الإنسان بعد موته إلى حساب ثمَّ عقاب أو ثواب, هذه عقيدتنا, وهذا مما دلّت عليه الأدلة النقلية.

*قال الصدوق : ( اعتقادنا في المسألة في القبر أنّها حق لابدّ منها ومن أجاب الصواب فاز بروحٍ وريحان في قبره وبجنةٍ النعيم في الآخرة, ومن لم يجب بالصواب فله نُزلٌ من حميم في قبره وتصلية جحيم في الآخرة) وغيره من علمائنا مما لا شك فيه أبداً . 

س2: وهل يُعذّب الإنسان أو يُنَعّم في قبره؟

ج: يعذّب الإنسان أو ينعّم في هذه النشأة الغيبية (البرزخ) حسب أعماله, فقد ورد ((القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران)).

س3: وهل أنّ المعتزلة تُنكر عذاب القبر؟

ج: نُسب إليهم ذلك , والنسبة في غير محلها , وإنّما المنكر هو شخصٌ واحدٌ, وهو ضرار بن عمرو, وقد انفصل عن المعتزلة, وصار مع المجبرة . 

س4: ما المقصود بالقبر الذي فيه السؤال والعذاب أو النعيم؟

ج: ليس المقصود بالقبر في البحث الكلامي , هو الحفرة التي يُدفنُ فيها الإنسان, وإنّما هذا البحث بحث فقهي, يُرجع فيه إلى الكتب الفقهية لمعرفة مجموعة من أحكامه, وأمّا البحث الكلامي فلا يتحدث عن ذلك إذ القبر الكلامي: هو النشأة الغيبية التي تأتي بعد الموت وقبل البعث, وأمّا سبب تسميته بالقبر, لأنّ القبر هو بوابة لتلك النشأة الجديدة . 

س5: وما الفرق بين التناسخ والبرزخ حيث ترجع الروح لتتعلق بأبدان أخرى تماثل الأبدان الدنيوية, وهل هذا إلا قول بالتناسخ؟

ج: جوابه نفس ما تقدم من أنّ في التناسخ رجوع من الفعلية إلى القوة والإستعداد, وهذا غير متحقق في البرزخ, إضافةً إلى أنّ الأبدان المثالية في البرزخ وإنْ كانت تماثل الأبدان الدنيوية لا نفسها, ولكن هذا التعلق ليس من التناسخ في شيء إنّما رجعت الروح إلى نفس الأبدان, مع فارق كون الأبدان البرزخية ألطف من الأبدان الدنيوية, فالنفس لم تتعلق ببدن آخر غريب عن الأول الذي هو حقيقة التناسخ . 

*قال الشيخ البهائي: (( قد يتوهم أنّ القول بتعلق الأرواح بعد مفارقة أبدانها العنصرية, بأشباحٍ اُخر- كما دلّت عليه الأحاديث – قول بالتناسخ, وهذا توهم سخيف لأنّ التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلق الأرواح بعد خراب أجسادها, بأجسامٍ اُخر في هذا العالم, وأمّا القول بتعلقها في عالم آخر, بأبدان مثالية, مدّة البرزخ. إلى أنْ تقوم قيامتها الكبرى, فتعود إلى أبدانها الأولية بإذن مُبدعها, فليس من التناسخ في شيء))(1). 

الهوامش: (1) بحار الأنوار,ج6,ص277.
2023/12/22

تأملات في خطبة الزهراء: مغالطة الفتنة في إبطال الحق وتصديق الكذب
(وَلَبِئْسَ ما تَأَوَّلْتُمْ، وَساءَ ما أَشَرْتُمْ) أمام الإنسان في حياته ثلاثة خيارات، تُصبح بالنتيجة خياريْن، أما أن يكون مع الحق، أو يكون مع الباطل، أو ثالثا أن يكون بينهما، أي يقف على الحد الفاصل بين الاثنين (الحق والباطل)، فيأخذ من هذا قليلا ومن ذاك قليلا فيمزج بينهما.

[اشترك]

فيجعل هذا خيارا له لكي يعتاش به ويبرر أسلوب حياته وخياراته الخاطئة، ولكن هذا الإنسان الذي يلجأ إلى الخيار الثالث هو في الواقع يضرب الحق في صميمه، فيزوّر الحقيقة عن أصلها، فيقف مع الباطل ومع الزيف، وهذا المزج هو الباطل بعينه وصناعة للفتنة الهوجاء.

وعن الامام علي (عليه السلام): (إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالًا عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنى).(1)

وتطرقنا الى الذين حاولوا الوصول إلى السلطة لكي يستمكنوا ويسيطروا ويتبعوا أهواءهم من خلال خلق الزيف في التاريخ وتحريف حركة الإسلام، فأجابتهم السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها: (ابتدارا، زعمتم خوف الفتنة ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)(2).

هذا الإنسان الذي يزعم الفتنة ويمزج بين الحق والباطل، لأجل خلق شيء آخر، نوع من التبريرات الانتهازية التي تعبر عن الطمع والشهوات والأمزجة الشيطانية.

(وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ، وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) البقرة41/42.

ذكرنا في فتنة المغالطة عنوانيْن، وسوف ندخل في العنوان الثالث في هذا المقال.

العنوان الأول الذي ذكرناه حول وجوه المغالطة في الفتنة هو: خوف الوقوع في الفتنة يؤدي إلى الفتنة وإلى صناعة الفتنة، كما تفعل كثير من الحكومات والسلطات، فيقومون بتخويف الناس من الناحية الأمنية، ولكنهم يقودون البلاد إلى الفوضى والاختلال الأمني وتفاقم القمع وتصاعد هوس السيطرة على الناس.

العنوان الثاني: الطموحات الوهمية القائمة على المؤامرة، أي أنهم يقومون بعملية معينة من أجل إشباع طموحاتهم الخاصة، فيخدعون الناس ويكذبون عليهم في قضية السلطة من خلال وضع تابوهات واساطير مضللة.

العنوان الثالث: تغليف الصدق بالكذب، والكذب بالصدق

أي جعل الشيء الصادق كاذبا، وجعل الشيء الكاذب صادقا، هذه المغالطة عملية مارسوها كتحريف وتزييف، لكي يُخدَع الناس بهذا الأمر، وحتى يقوم بعض الناس بتبرير أعمالهم، فيمزجون بين الكذب والصدق لخلق شيء آخر، يناسب مطامعهم وطموحاتهم العمياء.

تقول الآية القرآنية: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ) العنكبوت 4.

إن الحياة عبارة عن تحدٍّ وامتحان وابتلاء أمام الناس. فالإنسان في الحياة يريد أن يعيش ويحتاج إلى المال، فالتحدي والاختبار الكبير الذي يقف أمامه، هو أما أن يذهب نحو المال الحرام، أو يختار الذهاب في طريق المال الحلال، هذه هي الفتنة وهي الاختبار الحقيقي للإنسان، فالذي يسقط في هذا الامتحان، هو الذي يلهثُ وراء المال الحرام.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (حب المال سبب الفتن)، (حب المال يفسد الأعمال ويقوي)، الآمال)، (حب المال يوهن الدين ويفسد اليقين).(3)

لكن الإنسان الجيد والمستقيم، هو الذي يذهب وراء المال الحلال، وهذا هو الهدف الحقيقي من الحياة، وهو أن يُربَّى الإنسان تربية على أن يكون صادق في حياته، وحتى يسلك طريق الحلال، ولا يسلك طريق الحرام والكذب، فكيف نعلم أن هذا الإنسان صادق في شعاراته، إنه يصلّي ويصوم ويفعل الكثير من الأمور الجيدة والصحيحة، لكنه حين يدخل في امتحان السلطة والمال يسقط في هذا الامتحان.

فالإنسان نعرفه من خلال الامتحان والاختبار، وكلما يجتاز الإنسان الامتحان بنجاح، يُربّى تربية صالحة فيسمو، ويرتقي، أما الإنسان الذي يسقط في مضلات الفتنة ولا يتدارك نفسه فيصلحها، ولا يصلح عمله، سوف يسقط مرة ثانية وثالثة، حتى يصبح في ورطة شديدة، إلى أن تنطبق عليه الآية الكريمة (فليعلمن الله الذين صدقوا)، حيث يصدق فعله مع كلامه ولا يتناقض فعله مع كلامه. (وليعلمن الكاذبين)، الله سبحانه وتعالى يعلم من هو الصادق ومن هو الكاذب، ولكن حتى هو الشخص نفسه يعلم وحتى يعلم الناس به أيضا، فعند الامتحان يبان الإنسان، ويتوضح ويتجسد في امتحانه، وليس في أقواله.

(أم حسب الذين يعلمون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون)، هنا تكمن المغالطة التي تحدث في عملية الخلط، واستخدام الإنسان لمنهج (الغاية تبرر الوسيلة)، ويستعمل أساليب الكذب.

فحين يجلس في محلّه (متجره) ويأتيه المشتري ويسأله، هل هذه البضاعة أصلية أم مقلَّدة؟، فيكذب على المشتري ويقول له إن هذه البضاعة أصلية، وبالتالي يبيعها بثمن عالٍ، وهي لا تستحق هذا الثمن، لكنه يبيعها بهذا المقدار الكبير من المال بالكذب، ويحسب هذا الأمر شطارة وذكاء.

بالنتيجة يربح ماديا من سلوكه الخاطئ هذا، ولكن بالنتيجة (ساء ما يحكمون)، فهذا الإنسان الكاذب والذي يتربَّح بالكذب، تنطبق عليه جملة الآية القرآنية (ساء ما يحكمون)، فهو يخدع نفسه، ويخدع الآخرين، لكنه بالنتيجة لا يخدع الله سبحانه وتعالى، ولا يمكنه أن يخدع الواقع، لأن الواقع هو صدق في تكوينه يتعامل مع الصادقين، ولا يتعامل مع الكاذبين.

الكاذبون أناس منبوذون، فالناس لا يتعاملون معهم، فالصدق يوصل الإنسان إلى النجاح، أما الكذب فسوف يُسقِط الإنسان في الامتحان، سقوطا مشينا في العار والذلة.

(وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) آل عمران141/142.

التاريخ يكشف زيف المغالطة

الذين وجّهت لهم السيدة الزهراء (عليها السام) خطبتها وكلامها، حاولوا أن يستخدموا المغالطات والاستدلالات والقياسات الباطلة، من خلال خلط الصدق بالكذب، ولكن (ساء ما يحكمون)، لقد تصوّروا بأنهم يستطيعوا أن يخدعوا الناس، ولكن الزهراء (عليها السلام) كشفت في خطبتها كل الحقيقة، ووضعت كل القواعد الصحيحة للحكم وللسلطة وللإسلام.

لذلك انكشف هؤلاء، وانكشفت خطتهم، وانكشفوا في التاريخ أيضا، فالكاذب ينكشف دائما، والصادق هو الذي ينجح في حركة التاريخ ولو بعد حين، فالناس سوف يبحثون ويفهمون الحقائق عبر التاريخ.

(وهم لا يفتنون) أي لا يختبرون وعن الصادق عليه السلام (معنى يفتنون: يبتلون في أنفسهم وأموالهم، وعن النبي صلى الله عليه وآله) أنه لما نزلت هذه الآية قال: لابد من فتنة يبتلى بها الأمة بها، ليتعين الصادق من الكاذب، لان الوحي قد انقطع، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة).(4)

أين هم ذهب الناس بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كل واحد منهم خاف على أمواله وأولاده وانعزل وذهب بعيدا، أليس هذا بامتحان؟

فهو كان مع رسول الله وحضر في يوم الغدير، ورأى وسمع كل الأحاديث التي قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويعرف الآيات القرآنية التي وردت في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن عندما جاء الامتحان سقط هذا الإنسان فيه، وهكذا نعلم الصادق من الكاذب عندما يحين وقت الامتحان.

لماذا اتخذ الناس موقف الحياد؟

لقد انقطع الوحي، وتوفيَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبقيَ السيف عندما انحرفت الأمة عن طريق الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وابتعدوا عن منهج الغدير، فبرزت الفتنة بالسيف واشتعلت النزاعات بسبب هذا الانحراف، وحدث الصراع على السلطة، بسبب سكوت الناس، لأنهم وقفوا موقف الحياد ولم يقفوا مع الحق، لكن الذي يقف موقف الحياد لن يكون ناجيا، لأن الذي ينجو هو الذي يقف مع الحق، أما المحايد فهو يقف مع الباطل، هنا أدت هذه المواقف الخاطئة إلى بقاء السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة.

علينا أن نلاحظ هذه النقطة، عندما تحين الفرص الجيدة والكبيرة للتحول والتغيير والتقدم في الأمة، يحاول بعض الناس الانتهازيين الاستيلاء على هذه الفرصة، وتحويلها إلى صالحهم، ولكن هم يدمرون هذه الأمة بالفساد والاحتكار والسيطرة والاستبداد والهيمنة، يدمرون الأمة وتاريخها ومستقبلها، فتسقط المجتمعات وتقبل بالذل، فهي شريكة كذلك أيضا في هذا الأمر كما حصل بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

تضييع الفرص يؤدي إلى النزاعات

وكما يحصل اليوم في مجتمعات كثيرة، تأتيهم الفرص بعد أن كان يحكم عليهم طاغوت ومستبد وظالم، ولكن عندما فرَّج الله عنهم جاء هؤلاء الذين كانوا ضد هذا الطاغوت الظالم وأصبحوا يحكمون الناس، فساروا بسيرة الطاغوت نفسه وضيعوا الفرصة الحقيقية للتقدم والبناء والنجاح، وانحرفوا عن السير في طريق الصادقين وعن الحقيقة والحق، ولهثوا وراء المغانم والشهوات والأهواء والأموال والأولاد والسيارات الفارهة.

إن هذا التضييع للفرص هو في الواقع يؤدي إلى اشتداد التخلف والنزاع والصراع في الأمة، وبالتالي إلى ضياعها، وكما يقول الإمام الصادق (وبقي السيف)، يعني الفوضى، والعصابات، والمافيات، وافتراق الكلمة، فئويات وصراعات ومن ثم بالنتيجة حدوث الحروب الأهلية، (وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة)، ما دام يبقى هؤلاء الذين يسقطون في الامتحان يفشلون في استثمار الفرص الحقيقية.

وهكذا فإنهم يسقطوا في الامتحان من أجل لذات فانية، ومن أجل أموال ذاهبة، ومن أجل فرصة قصيرة المدى يضيعون الأمة كلها، وهذا من أشدّ الأشياء سوءا على الإنسان الذي يسقط في الامتحان سقوطا كبيرا قويا ظاهرا يجعله في مصاف الفراعنة، فالإنسان الذي يسقط في هذا الامتحان هو بائس خاسر تلحقه لعنة الأجيال.

العنوان الرابع: قلب الحق باطلا والباطل حقا

هذا الوجه من وجوه المغالطة أعظم مرتبة، فالكذب والصدق هما امتحانات سلوكية عملية، لكن قلب الحق باطلا والباطل حقا هو امتحان عقائدي للإنسان، فما المقصود بالعقائدي هنا؟، يعني ان يقوم الفاعل بتحويل الحق إلى باطل والباطل إلى حق من أجل حصوله على الشرعية التي يريدها في الحياة.

على سبيل المثال، هناك من يأتي ويقول لماذا تحرّمون الخمر؟، هل لأنه مسكر؟، إذن إذا شربه شخص ما ولم يسكرهُ فهو ليس بحرام، لاحظ كيف تمت عملية قلب الباطل حقا وبالعكس، من خلال جعل الحرام حلالا، فقلب الحق باطلا تمثل مشكلة كبيرة، كما جاء في الآية القرآنية: (لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ) التوبة 48.

الحق يبدد ضباب الباطل

يقلّبون الأمور بحسب مزاجهم، حتى يظهر أمر الله ويبدد أوهام الزيف، فينجلي الضباب وتظهر الأرض، كذلك فإن الباطل ينجلي لأنه زيف وغير حقيقي، ويظهر أمر الله لأنه الحق.

(كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) الرعد 17.

هذا الأمر واضح على مرّ التاريخ، لذلك نلاحظ أن التاريخ دائما يكشف بأن الطغاة ذاهبون، والحقيقة والحق وأمر الله باقٍ.

وقد تكلمت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها عن قضية مغالطة الفتنة وقلب الحق باطلا وقلب الباطل حقا، في قضية فدك، وكيف انهم قاموا بتحوير الحكم الشرعي حول الإرث من اجل سلب فدك.

حيث قالت (عليها السلام):

(مَعاشِرَ النّاسِ المُسْرِعَةِ إِلى قِيلِ الباطِلِ، المُغْضِيَةِ عَلى الفِعْلِ القَبيحِ الخاسِرِ {أَفَلا يَتَدَبَّرونَ القُرآنَ أَمْ عَلى قُلوبِهِم أَقْفالُها} كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلوبِكُمْ ما أَسَأتُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ، فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأَبْصارِكُمْ، وَلَبِئْسَ ما تَأَوَّلْتُمْ، وَساءَ ما أَشَرْتُمْ، وشَرَّ ما مِنْهُ اعتَضْتُمْ، لَتَجِدَنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقيلاً، وَغِبَّهُ وَبيلاً إِذا كُشِفَ لَكُمُ الغِطاءُ، وَبانَ ما وَراءَهُ الضَراءُ، {وَبَدا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَكونوا تَحْتَسِبونَ} وَ {خَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلونَ}).(5)

وهذا إشارة الى ان بعض الناس بمجرد أن يسمعوا الباطل يصدقوا به ويضعوه في أذهانهم ويتناقلونه فيما بينهم، كالتهم الجزافية دون التحقق من حقيقة ما سمعه وهذا الاستمرار في تناقل الباطل دون التمحص هو معنى (قيل الباطل)، وما اكثر من يستلذون بنقل الباطل والكلام التافه خصوصا اذا كان ينم عن حسد وبغض للآخرين.

وعن الامام علي (عليه السلام):

(أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ أَمَا إِنَّهُ قَدْ يَرْمِي الرَّامِي وَتُخْطِئُ السِّهَامُ وَيُحِيلُ الْكَلَامُ وَبَاطِلُ ذَلِكَ يَبُورُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ وَشَهِيدٌ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ إِلَّا أَرْبَعُ أَصَابِعَ. فسُئل (عليه السلام) عن معنى قوله هذا فجمع أصابعه ووضعها بين أذنه وعينه، ثم قال: الْبَاطِلُ أَنْ تَقُولَ سَمِعْتُ وَالْحَقُّ أَنْ تَقُولَ رَأَيْتُ).(6)

نتائج فقدان العقل الاستدلالي

وتناقل الكلام الباطل مشكلة موجودة عند بعض الناس بسبب عدم امتلاكهم للعقل الاستدلالي، فحين يسمع الإنسان كلمة أو خبرا منقولا فالمطلوب أن يحقق فيه، فيذهب ويسأل ويقرأ ويحقّق بدقة، حتى يعرف هل هذا الكلام حق أم باطل؟، فلا يصح الإسراع إلى التقاول، لأنه قول الباطل باطل، وسوف يؤدي إلى باطل آخر، يضرب الآخرين في الصميم ويضيّع حقوقهم.

بالنتيجة يؤدي ذلك إلى انحراف الأمة، فحين تعيش هذه الأمة كلها على أقاويل كاذبة، وعلى إشاعات، تتحول الى أفكار زائفة، فماذا سيكون وضع هذه الأمة؟، إنها سوف تكون في الحضيض، ولا ترى النور، بل تعيش في الظلام.

(المغضية عن الفعل القبيح الخاسر)، فحين يكون الإنسان مقيما على قيل الباطل يستسيغ العيش في أجوائه الرديئة، فعندما يرى الأفعال القبيحة لايهتم مهما كانت قباحتها واضرارها.

مثلا يتعايش في بلده مع الرشوة والفساد، فيغمض عينيه، مع أنه لا توجد مشكلة فيه اذ هو ليس بفاسد، لكنه يغمض عينيه عن الباطل، ويستسلم للأفعال القبيحة المنتجة للدمار والخسران.

لا تغلقوا قلوبكم على أقوال باطلة

عندما رأيتم ما حدث في قضية الخلافة وقضية أمير المؤمنين (عليه السلام)، لماذا غضضتم ابصاركم عن الفعل ذلك القبيح الخاسر الذي اخرج الامة عن طريق الربح والفوز وادخلها في متاهات الخسارة والهزيمة؟ (أفلا تتدبرون القرآن) افتحوا قلوبكم، ولا تبقوها قائمة على أقوال باطلة، ولا على أفكار زائفة، فقلب الإنسان لابد أن يكون منفتحا على الفهم السليم والمعرفة الصحيحة، وعلى الاستدلال العقلاني، فيقوده في السير وراء الحق وترك الباطل، ولا ينساق وراء القيل الباطل المنتشر في المجتمع، الذي يبرر الأفعال القبيحة.

لا يحلّل الحرام ولا يحرّم الحلال بحسب أهوائه ومصالحه، فهناك من لا يعجبه أن يعطي الخمس والحقوق الشرعية، ويقول لماذا أعطي الخمس والحقوق الشرعية، فهذه أموالي، ومن يقول إن الخمس واجب، وهكذا نلاحظ الكثير من هذه التبريرات الباطلة، حيث يحاول من خلالها بعض الناس أن لا يلتزموا بالحقوق والأحكام الشرعية، فيبتعدون عن الحلال بأقوال باطلة، ويغضّون ابصارهم عن الأفعال القبيحة والمحرمات التي تتصاعد في المجتمع مع تزايد ارتكاب المحرمات حتى تصبح قلوبهم منغلقة على التطبع مع الباطل.

لابد للإنسان أن يكون شفافا مع نفسه، شفافا مع الحق حتى يكون مع الصادقين ومع المحقّين، ولا يسير في طريق الانحراف، ولا يغمض عينيه ويسير في طريق الباطل، ويشعر بأنه لا يعاني من مشكلة، ولكن (ساء ما يحكمون) وساءت طريقة تفكيرهم في اختياراتهم العمياء، فأمر الله واحد لايتغير بأهواء الناس، والحق واحد لاينقلب الى باطل بمزاجهم، والحقيقة واحدة تمحو كل زيف تخلقه الأوهام الملبسة بالمعاصي.

لذا لابد على الإنسان أن ينتبه وأن يذهب وراء الحقيقة، ويبتعد عن التبريرات والأفعال القبيحة والأقوال الباطلة، ويسير وراء الحق بعيدا عن المغالطة، فالمغالطة مرض فكري في داخل الإنسان، قد يؤدي به الى تبرير الأفعال الخاطئة وخداع الناس بهذه الأفعال ويجرّهم إلى ما يريد إرضاءً لأهوائه وشهواته.

نسأل الله سبحانه وتعالى، أن نسير في خطى السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) ونعمل وفق ما جاء في خطبتها الكريمة الكبيرة، من أجل الوصول إلى السير في الطريق السليم، وهو طريق أهل البيت (عليهم السلام).

الهوامش: (1) نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع)، خطبة رقم 50.
(2) الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج ١ - الصفحة ١٣٧.
(3) عيون الحكم والمواعظ - علي بن محمد الليثي الواسطي - الصفحة ٢٣١.
(4) بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٤ - الصفحة ٤٢.
(5) الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج ١ - الصفحة ١٤٤.
(6) نهج البلاغة - خطب الإمام علي (ع)، خطبة رقم 141.
2023/12/08

دعاية كاذبة: الدين سبب الحروب والدمار في العالم!
يعزف دوكنز على اسطوانة يستمع لها الملحدون دوماً وهي أن الدين أصل لكل الشرور في الدنيا فلولا الدين لما كان هناك انتحاريين أو حروب صليبية أو فتن في ايرلندا الشمالية أو طالبان التي تجلد النساء وتدمر تماثيل بوذا!

[اشترك]

الجواب:

هذا الكلام مجرد ادعاء يفتقر إلى أبسط الأسس المنطقية في الاحتجاج والمخاصمة، فالحروب رافقت التاريخ الإنساني منذ بداياته الأولى، والذي يختصر دواعي الحروب وأسبابها في الدين لا يكون متعدياً على الدين فحسب وإنما متعدي أيضاً على أبجديات التفكير المنطقي والمقاربة الموضوعية للأشياء، فالنظار للكتب المهتمة بالحروب البشرية يجد أنها ترصد الحروب في التاريخ البشري ابتداءً من الحضارة السومرية والمصرية اللتان يعود تاريخهما إلى 3000 عام قبل الميلاد إلى يومنها هذا، فالتاريخ البشري ضمن هذه الزاوية لا يعدو كونه سلسلة من الحروب التي لا تنتهي، مما يحتم على الباحث الموضوعي رصد خيارات غير متناهية لأسباب هذه الحروب، وهو الأمر الذي توقف عنده علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلماء النفس والسياسية والتاريخ، وكل فريق يرصد من زاوية تخصصه واهتمامه مجموعة من الأسباب، فالحروب ليست ظاهرة استثنائية يمكن إهمالها وتجاوزها، وإنما هي من أكثر الظواهر حضوراً وتأثيراً في الاجتماع الإنساني وبخاصة في العصور الحديثة، ففي الفترة ما بين عامي 1740 و1897، شهدت أوروبا وحدها قرابة 230 حربا وثورة على أراضيها، وقد حصدت هذه الحروب أرواح ملايين من البشر، فالحروب التي نشبت بين عامي 1740 و1897 تسببت في قتل 30 مليون شخص، وتسببت الحربة العالمية الأولى في قتل ما بين 5 ملايين إلى 13 مليون شخص، أما الحرب العالمية الثانية فتجاوزت كل هذه الأرقام لتحصد أرواح 50 مليون شخص، ومازال العالم يتوقع نشوب حرب عالمية ثالثة يمكن أن تكون مدمرة للكرة الأرضية، فهل من المنطق اغفال مطامع الدول الكبرى وتنافسها المحموم في السيطرة على موارد العالم وتعليق الأمر على الاديان؟

ولا ندري لماذا أهمل دوكنز نظرية التطور في تفسير ظاهرة الحروب بين البشر، فبحسب هذه النظرية البشر مخلوق من جينات أنانية تستوجب استنساخها وتكرراها بحسب قانون الارتقاء الطبيعي والبقاء للأصلح، ولذا من الطبيعي أن يحاول البشر الحصول على الموارد التي تساعده على البقاء والقتال من أجلها، فبمجرد أن يشكِّل الآخرون تهديدا لبقائهم، فإنهم لا يترددون لحظة في إعلان الحرب عليهم.

ولماذا أهمل دوكنز تفسيرات البيولوجيا والتي ترى الرجال مهيؤون بيولوجيّا لخوض الحروب لأنهم يتمتعون بكميات كبيرة من هرمون التستوستيرون المرتبط بسلوكيات عدوانية، ويعانون من انخفاض هرمون السيروتونين (المسؤول عن تنظيم الحالة المزاجية)، وقد وجدت تجارب بحثية بالفعل أن حقن الحيوانات السيروتونين يجعلها أقل عدوانية.

وغير ذلك من أسباب الحروب التي تحدث عنها العلماء بحسب تخصصاتهم العلمية، ولم نجد من بينهم من يجعل الدين هو السبب المباشر للحرب، صحيح يمكن استقلال الدين في الحروب كما يتم استقلال القبيلة أو الهوية الوطنية؛ بل استقلال الإلحاد أيضاً بحجة القضاء على الأديان، فهناك فرق بين أسباب الحروب وبين الشعارات التي يمكن توظيفها في هذه الحروب، فالشعار لا يعدو كونه خطاباً دعائياً لتوليد المزيد من الحماسة والاندفاع، ولا يخفى قدرة البشر الفائقة في توظيف كل شيء في التجاه الذي يريده، فبحسب مصالحه يمكن أن يوظف الدين في السلام ويمكن أن يوظف ذات الدين في الحرب والقتال.

 فالقول بأن الدين هو أصل الشرور والحروب والكراهية ليس إلا دعاية كاذبة تحركها إيدلوجيا حاقدة على الدين، والعجيب أن الإلحاد كيف جاز له أن يحكم بقبح الحروب والقتال والكراهية وهو الذي يرفض أي مبدأ أخلاقي ولا يعترف بحقيقة موضوعية للشرور؟ وقد صرح ريتشارد دوكنز نفسه بذلك حينما قال: "في هذا العالم لا يوجد شر ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرحمة". ويقول أيضاً: "إنّه من العسير جدًا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينية".

فمن يرفض الأديان لا يحق له أن يتهم الأديان بالشرور والكراهية؛ لأنه لا يمتلك أي بديل أخلاقي طالما كانت الطبيعة والمادة هي القيمة الوحيدة المتحكمة في حياة الإنسان، ولذلك نجد البعض صرح بتحميل الإلحاد الدارويني مسؤولية ما وقع من دمار في الحرب العالمية، والسبب في ذلك هو الفلسفة العنصرية التي أسسها تشارلز داروين في كتابه أصل الإنسان، والذي حاول فيه البرهنة على وجود تمايز حقيقي بين البشر، والنتيجة المتحصلة من هذا التمايز العرقي؛ هو منح العرق المتحضر الحق في القضاء على العرق الهمجي، ضمن قانون البقاء للأصلح والانتقاء الطبيعي، يقول داروين: "في مرحلة مستقبلية معينة، ليست ببعيدة، سوف تقوم الأعراق البشرية المتحضرة على الأغلب بالقضاء على الأعراق الهمجية واستبدالها في شتى أنحاء العالم". ولهذا النمط من التفكير نجد عالم التاريخ الأمريكي توماس ناب من جامعة لويال يقول: "كان الناس ينتظرون الحرب قبل عام 1914م بمنتهى الشغف، وكانوا يتمنون قيام الحرب، وكان الدافع لسيطرة هذا الفرح عليهم هو سيطرة الداروينية الاجتماعية على الناس في تلك الفترة حيث طُبقت في مدارس أوربـا، فهي ترى الحرب دافعـا للرقي للأقوى ودافع للنشاط" (كهنة الإلحاد الجديد، ص 159)

وفي المحصلة أن السلوكيات المتطرفة والعدائية تعبر عن شخصية الإنسان المتطرفة، والدين غير مسؤول عن السلوك الذي لم يأمر به، حتى لو تحول هذا السلوك لفعل جماعي تحت مظلة الدين، وبالتالي إن جاز الدفاع عن الدين بوصفه قيم سامية وأخلاق نبيلة، لا يجوز الدفاع عن السلوك اللاأخلاقي مهما تستر بستار الدين، فالإسلام يؤسس لاجتماع إنساني يقوم على التعارف والتعاون والتكامل، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، ويقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، بل الإسلام ارتقي بالإنسان إلى مستوى حرم عليه السخرية والعنصرية والتنابز بالألقاب ناهيك عن القتل والاعتداء، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وغير ذلك من التعليمات، أما شرعية القتال في الإسلام فقد جعلها محصورة ضمن حدود واضحة ومنضبطة وقد اشرنا لها في اجابات سابقة.

2023/11/27

كتابات «حقوق الإنسان».. ما عندنا أفضل مما عندكم!
عند النظر في الكتابات الإسلامية المعاصرة التي عالجت فكرة حقوق الإنسان، يلاحظ أن هناك تشابهاً كبيراً بين هذه الكتابات، الملاحظة التي من السهولة التعرف عليها وبدون عناء، وذلك حين التأمل في هذه الكتابات وفحصها والعودة إليها، الأمر الذي يظهر هذه الكتابات كما لو أنها تكرر نفسها، وتعيد إنتاج ما تطرحه من وقت لآخر، وبشكل يجعلها أو يجعل بعضها يتسم بالرتابة والسكونية والتقليدية.

[اشترك]
وحين توقف الشيخ محمد مهدي شمس الدين أمام هذه الكتابات في محاضرة له حول حقوق الإنسان في الإسلام سنة 1988م، وجد أنها تنطلق في الأغلب من ثلاث خلفيات هي:
الخلفية الأولى: الروح الدفاعية، فبعض الأبحاث طرحت للدفاع عن الإسلام أمام من يتهمه بمخالفة حقوق الإنسان، فهو بمثابة متهم يدافع عن نفسه.
الخلفية الثانية: خلفية التناظر، بعض الأبحاث كتبت لبيان احتواء الإسلام على حقوق الإنسان نظير ما لدى الفكر الغربي من حقوق للإنسان، وإنه ليس شاذاً في ذلك أو متخلفاً عنه.
الخلفية الثالثة: خلفية التظلم، حيث يعرض المسلمون ظلاماتهم ويحتكمون بها على حقوق الإنسان.
وهناك خلفية رابعة لم يشر إليها الشيخ شمس الدين، وهي خلفية السبق والتفوق التي تظهر وتؤكد أن الإسلام سبق العالم والثقافات الإنسانية في التعرف على حقوق الإنسان وإقرارها وتعريف الإنسانية بها، وبشكل يتفوق على ما توصل إليه الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر.
والملاحظ أن هذه الخلفيات الأربع ما زالت تهمين وتوجه معظم الكتابات الإسلامية الراهنة في مجال حقوق الإنسان.
ولعل من أكثر هذه الخلفيات الأربع وضوحاً، هي خلفية التناظر التي تجلت بوضوح كبير في التمسك بمنهجية المقاربات والمقارنات، فهناك العديد من الكتابات الإسلامية التي عرفت بنفسها عن هذه المنهجية، وكشفت عنها، وأشارت إليها في عناوينها الخارجية.
وهذا النمط من الكتابات الغرض منه عادة محاولة استظهار التفاضل، وتعزيز التمايز، والكشف عن الفروقات والمفارقات لأجل الخروج بنتيجة مفادها أن ما عندنا هو أفضل من ما عند غيرنا، وبالتالي علينا أن نلتفت إلى ما لدينا ونرجع إليه، ونستند عليه، ونأخذ منه، لا أن ننبهر بما عند غيرنا وننساق وراءه.
ويسجل على هذه الكتابات أيضاً، أن أغلبها يفتقد إلى العمق القانوني والخبرة القانونية، مع ارتباط هذا الحقل الشديد بالقانون، ويكشف عن ذلك أن معظم هذه الكتابات صنفها كتاب غير متخصصين في مجالات القانون، الأمر الذي ترك أثره سلباً على هذه الكتابات من جهة مستويات العلمية والدقة والإحكام.
وكنا نريد ونطمح أن يتعرف الغرب والعالم على نظريات الإسلام في مجال حقوق الإنسان عن طريق هذه الدراسات القانونية المتخصصة، التي تستجلي رؤية الإسلام بدقة وعمق وشمول، خصوصاً أن الغرب كما يقول عنه الدكتور مراد هوفمان في كتابه (الإسلام كبديل) الصادر سنة 1993م، يطيب له أن يدعي بأن للنظام القانوني في الغرب قيمة عالمية شاملة تنطبق على كل زمان ومكان، ومن جهة أخرى يقابلنا بعض رجال القانون الغربي في كثير من الأحيان بالرأي، أن الأنظمة القانونية في العوالم الحضارية الأخرى، وبالذات في عالم الإسلام هي همجية وبربرية قاسية، هذا مع العلم أنهم يجهلون بكل تأكيد هذا النظام القضائي.

2023/11/23

لو حكم الإمام علي بعد النبي.. هل لأصبح حال الأمة أفضل؟
الإجابة على مثل هذه الأسئلة تكون اجتهادية بالضرورة؛ وذلك لأنها تحكي عن شيء نفترض حدوثه وهو لم يحدث بعد، فمهما كانت تصوراتنا دقيقة فهي لا تخرج عن كونها محض افتراض لا يمكن الجزم بصحته.

[اشترك]

ويبدو أن السبيل الوحيد لتصور واقع نفترض حدوثه، هو دراسة العلاقة المنطقية بين السبب والمسبب، فمثلاً يمكننا أن نتصور الحال الذي سيكون عليه المريض إذا افترضنا تناوله للدواء أو افترضنا عدم تناوله له، وكذلك يمكننا أن نتصور الحال الذي ستكون عليه المباني والبيوت إذا افترضنا حدوث زلزال أو اشتعال حرب مدمرة، وهذه النماذج البسيطة يمكن أن تتطور في نماذج وامثلة أكثر تعقيداً، فتطور العلوم البشرية يعود بشكل أو باخر لهذه القدرة التنبئية.

إلا أن المفارقة تكمن في أن الأمور المادية خاضعة لعلاقات ضرورية بين الأسباب والمسببات، وهو خلاف ما عليه الفعل الإرادي للإنسان، فالسلوك الإنساني غير خاضع لمعادلات رياضية، ولذا من الصعب التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه حاله إذا تغيرت ظروفه، فالخيارات دائماً تظل مفتوحة، فمثلاً لو افترضنا تطبيق نظرية اقتصادية على دولة فإن ذلك سيحقق انتعاش اقتصادي، فإن هذه الفرضية ستظل في دائرة الاحتمال الذي لا يمكن الجزم بتحققه، وينطبق هذا الامر ايضاً على السياسة والاجتماع وجميع ما له علاقة بإرادة الإنسان.

وما نريد التأكيد عليه من هذه المقدمة هو أن التنبؤ بما يكون عليه حال البشرية في المستقبل من الأمور الغيبية، والسبيل الوحيد لمعرفة ذلك هو فقط ما اخبرت به النصوص الدينية، فبالمقدار الذي تحدثت عنه النصوص يمكننا معرفة ذلك والجزم به، ومن أمثلة ذلك النصوص التي تحدثت عن ظهور الإمام المهدي وما يكون عليه حال الأرض بعد ظهوره، فمن خلال هذه النصوص يمكننا الجزم بأن الأرض سيرثها الصالحون وإنها ستملأ قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.

وعليه حتى نتمكن من رسم تصور عام لما ستؤول إليه الأمة الإسلامية في حال عاد الأمر إلى الائمة الذين امر الله باتباعهم، لابد من الوقوف أولاً على القاعدة العامة التي تحكم سنن الحياة، ويمكن ايجاز تلك القاعدة بالقول إن الله خيّر الإنسان بين اتباع أمره أو اتباع هوى نفسه، وفي ذلك يقول تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، ويترتب على هذين الخيارين أمور لها علاقة بالآخرة وأمور لها علاقة بالدنيا، ففي الآخرة تقول بقية الآيات: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا). أما ما يترتب على هذين الخيارين في الدنيا فقد اشارت إليه آيات كثيرة، ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ)، ويقول تعالى: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا)، وكل هذه الآيات وغيرها تخبرنا عما يمكن أن يكون عليه حال البشرية إذا التزمت حقيقتاً بما أمر الله تعالى به، وبما أن ذلك لم يحصل فحينها يتحمل الإنسان كل ما يصيبه من ظلم وويلات، يقول تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، ويقول: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ).

وعليه كل ما أصاب الأمة الإسلامية من ظلم وفساد هو بسبب ابتعادها عن أمر الله وإرادته، فلم تكتفي الأمة بإزالة أهل البيت (عليهم السلام) عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، وإنما وقفت مع طواغيت الأمة من أمثال بني أمية وبني العباس وحاربتهم حتى قتلتهم إمام بعد إمام ولم يبقى إلا الامام الحجة الذي حفظه الله لكي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فلو أن الأمة سلمت لولاة الأمر الذين أمر الله بطاعتهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم، وقد اشار سلمان الفارسي لذلك في خطابه عندما انقلبت الأمة على أمير المؤمنين حيث قال: " الحمد لله الذي هداني لدينه بعد جحودي له، إذ أنا مذكي  لنار الكفر، أهل لها نصيبا، وأتيت لها رزقا حتى ألقى الله عز وجل في قلبي حب تهامه، فخرجت جائعا ظمآن قد طردني قومي وأخرجت من مالي ولا حمولة تحملني، ولا متاع يجهزني، ولا مال يقويني، وكان من شأني ما قد كان، حتى أتيت محمدا (صلى الله عليه وآله) فعرفت من العرفان ما كنت أعلمه، ورأيت من العلامة ما خبرت بها فأنقذني به من النار، فنلت من الدنيا على المعرفة التي دخلت عليها في الاسلام، ألا أيها الناس اسمعوا من حديثي ثم اعقلوه عني، قد أوتيت العلم كثيرا، ولو أخبرتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة: لمجنون وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان ألا إن لكم منايا تتبعها بلايا، فإن عند علي (عليه السلام) علم المنايا وعلم الوصايا وفصل الخطاب، على منهاج هارون بن عمران قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): [أنت وصيي وخليفتي في أهلي بمنزلة هارون من موسى] ولكنكم أصبتم سنة الأولين، وأخطأتم سبيلكم والذي نفس سلمان بيده لتركبن طبقا عن طبق، سنة بني إسرائيل القذة بالقذة أما والله لو وليتموها عليا لأكلتم من فوقكم، ومن تحت أرجلكم، فأبشروا بالبلاء واقنطوا من الرخاء..." (بحار الأنوار ج22 ص 387).

المقال رداً على سؤال: يسأل البعض ماذا يحصل لو حكم أمير المؤمنين صلوات الله عليه بعد رسول الله صلى الله عليه وآله مباشرة.. هل كانت حال الأمة سيتغير نحو الافضل؟
2023/11/20

هل يخلّد الشيعي العاصي في النار؟
س: هل الشيعي الموالي يخلد في نار جهنم؟ حتى مع تركه للفرائض للصلاة والصيام مثلًا؟ نحن نعلم أن من أحب آل البيت يقتدي بهم ولكن لو ترك فرائض سواء كانت صلاة أم صيام هل يمكث في نار جهنم أم أنه يعذب في النار ثم يدخل إلى الجنة؟

[اشترك]

الجواب : إذا خرج الإنسان العاصي من الدنيا وهو على ولاية أهل البيت عليهم السلام لم يخلد في النار، وإن كان قد يطاله العذاب على معاصيه .

 

2023/11/14

الفقراء في الجنة: هل هدف الدين تسكين جراحات الإنسان؟
أولاً: الدين لم يكن مجرد ظاهرة عابرة في التاريخ الإنساني، كما أنه لم يكن حالة وقتية رافقت الإنسان في لحظات العسر والشدة، بل هو أكثر الحقائق حضوراً في تاريخ الإنسان وحاضره، وعليه من الاجحاف وعدم الموضوعية تفسير الدين الذي بدأ ببداية الإنسان على الأرض ومازال يزداد حضوراً وتوسعاً وتجذراً بكونه مجرد وهم لتسكين الجراح، وعليه لا يمكن لأي باحث موضوعي يترفع عن تحيزاته الايدلوجية أن يتبنى هذا الرأي لتفسير نشوء الأديان.

[اشترك]

 ثانياً: الوهم النفسي وإن كان له وجود في الحياة الإنسانية إلا أنه سريعاً ما يتسرب ويضمحل أمام العقل واسئلته المحرجة، ولذا لا يربط العقلاء حياتهم ومصيرهم بمجرد وهم لا تدعمه أي حقائق علمية أو عقلية، والحالات النفسية كما هو مؤكد ليس لها ثبات يمكن الارتكاز عليه، فهي دائماً في حالة من الاضطراب والتبدل المستمر بحسب الظروف الخارجية، وعليه كيف لعاقل أن يفسر وجود الاديان واستمرارها على أساس حالة نفسية تفتقر لأبسط عوامل الثبات والاستقرار؟

ثالثاً: الأديان ترتكز على مبررات فطرية وعقلية لا يمكن اهمالها وتجاهلها، فاضطرار الإنسان إلى معرفة من أوجده من جهة، وحاجته إلى الكمال من جهة أخرى، وتطلعه إلى مصير الحياة ومستقبلها المجهول من جهة ثالثة، يحتم عليه التطلع إلى الغيب والبحث خارج حدود المادة، وهذا النوع من الوعي المتسامي عن المادة والمترفع عن الحس، يمثل جانب الإشراق في الإنسان، يقول بارتيلمي سانت هيلير: "هذا اللغز العظيم الذي يستحدث عقولنا: ما العالم؟ ما الإنسان؟ من أين جاء؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب يقود عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة لا توجد أمة، ولا شعب، ولا مجتمع، إلا وضع لها حلولاً جيدة أو رديئة، مقبولة أو سخيفة، ثابتة أو متحولة". ويقول: شاشاوان: "مهما يكن تقدمنا العجيب في العصر الحاضر... علمياً، وصناعياً، واقتصادياً، واجتماعياً، ومهما يكن اندفاعنا في هذه الحركة العظيمة للحياة العملية، وللجهاد والتنافس في سبيل معيشتنا ومعيشة ذوينا، فإن عقلنا في أوقات السكون والهدوء – عظاماً كنا أو متواضعين، خياراً كنا أو أشراراً _ يعود إلى التأمل في هذه المسائل الازلية: لما وكيف كان وجودنا ووجود هذا العالم؟ وإلى التفكير في العلل الأولى أو الثانية، وفي حقوقنا وواجباتنا؟) (عبد الله دراز ص 83)

 وبذلك يتضح أن نشوء الأديان له علاقة بواقع تلك الاسئلة الوجودية المتأصل في كل إنسان، فلو لم يكن التدين حالة اصيلة وضرورة فطرية لما وجدنا هناك دين في المجتمعات الإنسانية، وهذا ما يؤكده معجم (لاروس) للقرن العشرين الذي جاء فيه: إن الغريزة الدينية: مشتركة بين كل الاجناس البشرية، حتى أشدها همجية، واقربها إلى الحياة الحيوانية.. وان الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية. ويقول: إن هذه الغريزة الدينية لا تختفي، بل لا تضعف ولا تذبل، إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جداً من الأفراد.

 وهذا خلاف الإلحاد الذي يعد مساراً معاكساً لتاريخ الإنسان وفطرته المتدينة، ومن هنا لم يجد الإلحاد طريقاً لتبرير موقفه إلا بتقديم تفسيرات مشوهة لنشوء الأديان.

رابعاً: كون الدين يضمد جراحات المكلومين ويسكن آلامهم يعد أمراً إيجابياً يحسب للأديان وليس عليها، وفي ذلك اعتراف من الإلحاد على أن الدين له قدرة على جعل الحياة أكثر هدواً واطمئناناً، ونحن هنا نؤكد معهم على هذه النتيجة ونختلف معهم في التفسير الذي قدموه؛ فالوهم النفسي لا يمكن أن يحقق هذه الحالة من الاطمئنان والاستقرار، وإنما التفسير المقنع الذي يقدمه الدين لفلسفة الحياة هو الذي يحقق هذه الحالة للإنسان.

المقال رداً على سؤال: ريتشارد دوكنز يقول بأن الغاية الأساسية من الدين هي تضميد جراح المكلومين وتسكين آلامهم والقول بأن تعويض الخسارة  اذا لم تعوض بالدنيا فسيكون بالآخرة.. ويسميه اطفاء الجراح بالوهم! لم نقف على هذه المقولة المنسوبة لريتشارد دوكنز حتى نتعرف على خلفياتها وسياقاتها التي ذكرت فيها، ولذا سيكون الرد على المقولة بعيداً عن قائلها بوصفها مقولة يمكن لأي ملحد أن يتبناها.
2023/10/31

ما الفرق بين البحث التاريخي والبحث الفقهي؟
أولاً: إن الغاية من البحث في الأحكام تفرض تحصيل الحجة القاطعة للعذر فيها نفياً أو إثباتاً.. وينعكس ذلك على مقام العمل والممارسة، من حيث جواز التعبد والإلتزام بالحكم، وحصول الأمن من العقوبة، وتحصيل المثوبات عليه، أو التعرض للغضب الإلهي، واستحقاق المقت، والطرد، والحرمان من الألطاف والرحمات، لو تركه عن عمد واستخفاف.

[اشترك]

وربما كان ما يؤدي إلى المثوبة أو العقوبة هو نفس الإلتزام القلبي بالشيء، أو نسبة الحكم أو الأمر إلى الله تعالى، أو إلى أنبيائه ورسله، وإلى الأئمة الذين جعلهم ناطقين عنه، وهداة إليه، وأدلَّاء على سبل نيل رضوانه..

وهذا الواقع قد فرض على الإنسان الإلتزام بضوابط توفِّق بين الغايات، وبين وسائل الوصول إليها، وكيفيات التعاطي معها.

وكان منها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ:

1 ـ عدم جواز نسبة شيء إلى الشرع والدين ما لم يُعلم بالحجة القاطعة للعذر أنه منه.

2 ـ لكن يجوز العمل بما يحتمل أنه من الشرع إذا بلغه ـ ولو بسند ضعيف ـ ثواب عليه، فيأتي العامل به برجاء المطلوبية، شرط عدم نسبته إلى الدين، ما دام لم يثبت بالدليل المعتبر أنه منه.

هذا إن لم نقل: إن أخبار من بلغ تفيد استحباب ما ورد الوعد بالثواب عليه.

فظهر بذلك: أن المعيار في الأمور الفقهية: هو الحجة المعتبرة على الإثبات أو النفي.

ثانياً: بالنسبة إلى القضايا التاريخية، مثل ما جرى على السيدة الزهراء «عليها السلام»، فيلاحظ: أن الغاية من البحث فيها تختلف عن الغاية من البحث في الأحكام بنحوٍ أو بآخر، فإن المطلوب قد لا يكون هو تحصيل الحجة القاطعة على حصول الشيء، وقد يكون المطلوب أيضاً الإلتزام بشيء تجاه النتيجة التاريخية، ولو مثل تحديد طبيعة العلاقة مع من صنع الحدث، أو مع المشاركين فيه، والممالئين عليه، لكي تكون علاقة ولاء وحب وطاعة، واقتداء، وانصهار وانبهار؟!

أو هي علاقة رفض وتبرٍّ، وعداء؟!

أو هي علاقة ثقة واعتماد؟!

أو هي علاقة ريبة وحذر، وتجنب لمواضع الخطر، والضرر، ولاسيما فيما يرتبط بقضايا الدين، ومصادر أخذها، وحفظ نظام الأمة، وغير ذلك؟!

فإن كانت حالة عداء، ونفور، وبراءة، فلا بد من أن يثبت منشؤها بمبرر وحجة، لكي يتحدد نوع التعامل، وطبيعة الموقف، بالإستناد إليه..

وكذلك الحال إذا كانت العلاقة علاقة حبٍّ وولاء، وطاعة، واقتداء، فلا بد من إثبات مبررات الإلزام بهذا الحب، وبهذه الطاعة، واستحقاق هذا النوع من الطاعة بالبراهين الساطعة، والقاطعة للعذر، ولو كانت من نوع المعجزة، التي تفرض البخوع والخضوع المطلق لمضمونها.

وإن كانت العلاقة المطلوبة هي علاقة الثقة والإعتماد، فلا بد من تلمّس مبرراتها أولاً، وإثباتها بنحو مقنع ومقبول ثانياً.

   وإن كان المطلوب هو الحذر، والتحرز، وتحصيل الإطمئنان إلى السلامة من الأخطار والأضرار، فإن الشارع قد أمضى حكم العقل بلزوم الحذر في موارد كهذه، إذا كان احتمال الضرر أو الخطر يعتدُّ به عند العقلاء.

وعطفاً على ما تقدم نقول ما يلي:

أولاً: إن موارد لزوم الولاء والطاعة قد تكفَّل الشارع الحكيم بالإعلان عنها، وتعريف الناس بها، بالطرق اليقينية، كالمعجزات، والإخبار عن الغيب، وظهور العلم الخاص الذي لا يحصل البشر عليه بالطرق العادية، وغير ذلك. فالبحث إنما يكون في هذا المورد في هذه الدائرة.. ويجب أن ينتهي إلى النتيجة المتوخاة..

ثانياً: بالنسبة لعلاقة الرفض والبراءة، والعداء، نقول:

إن الشارع الحكيم قد تكفل أيضاً ببيانها، حيث وضعها ضمن عناوين واضحة وصريحة، ومحددة.. فلم يُجز مثلاً تولي الكافرين، أو معونة الظالمين، والضالين، والجاحدين، والذين يحاربون الله ورسوله، وغير ذلك.. وترك للناس مهمة التعرف على أشخاص هؤلاء وأحوالهم من خلال تصرفاتهم ومواقفهم، وغير ذلك.

ثالثاً: بالنسبة لعلاقة الثقة والإعتماد نلاحظ: أنه أيضاً قد وضعها ضمن عناوين يحتاج البشر إلى التعرّف عليها، من حيث توفرها أو عدمه في الأشخاص الذين يريدون التعامل معهم، وأرشد إلى وسائل الحصول على هذه المعرفة، فنلاحظ على سبيل المثال قوله تعالى: ?وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ?(1)، فإن من السذاجة غير المبررة الإستنامة لمن يخالفك في الدين، ويرى أنك لا حرمة لك، ولا لمالك، ولا لعرضك، ويجيز لنفسه العدوان عليك، وكل ما يعود إليك.

وكذلك الحال في قوله «عليه السلام»: «لم يخنك الأمين، ولكنك ائتمنت الخائن».

ولأجل تحصيل هذا الإعتماد اشترطت العدالة في الشهادة، وفي القضاء، وفي إمام الجماعة، وغير ذلك.. واشترط التبين والتثبت في الأخبار المنقولة إليك.. ولا يختص ذلك بالمؤمن، بل يعمُّ المؤمن العادل والفاسق، والموافق في المذهب وغير الموافق.. واشترط الصدق في من تريد أن تكون معه، فقال: ?وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ?(2)..

وأمثلة ذلك كثيرة لا يكاد يمكن إحصاؤها.

ويلاحظ: أن الشارع الحكيم لم يصعِّب الأمور في تحصيل ما يمكن أن يكون سبباً للإعتماد في مثل هذه الموارد، إذا كان الأمر يرتبط بالأمور الشخصية والعادية التي يوجب تصعيبها إرباكاً، واختلالاً في حياة الناس.. فاكتفى مثلاً بحسن الظاهر للاستدلال به على الباطن، وجعل سوق المسلمين علامة على حلية أو طهارة ما يطلب فيه ذلك.. واكتفى بحمل فعل المسلم على الصحة، بسؤال أهل الخبرة، ونحو ذلك.. مما شأنه تيسير الأمور وانتظامها، وقد أشار تعالى إلى هذا التيسير، فقال: ?يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ?(3).

رابعاً: بالنسبة للأمور التي وجب فيها الحذر، وهي الأمور المهمة  التي يوجب الإخلال فيها خطراً على الإنسان، أو على دينه، وآخرته، فقد قال تعالى: ?وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ?(4).. فحرَّم الإقدام على كل ما يحتمل فيه الخطر والضرر الذي لا يقدم عليه العقلاء..

ومن موارد ذلك: الإعتماد والأخذ ممن ظهرت فيه الإختلالات في أمور الدين والسلوك، فلم يجز له أخذ معالم دينه وحقائقه منه، فإنه إن لم تثبت أهليته للإعتماد عليه والوثوق به، فإنه يكون اعتماداً على فاسد، ومفسد، يخشى منه أن يحرِّف الدين، ويغير حقائقه، ويتلاعب بنصوصه، بحيث تتناسب مع مصالحه وأهوائه، وأهدافه التي يحتمل أن تكون شريرة وهدامة..

كما أن طاعته قد تؤدي إلى الإطاحة بمصلحة الدين والأمة، وهدم مستقبلها، وإشاعة الفساد والمنكرات فيها، وتقويض كيانها، في الدنيا والآخرة..

وهذا أمر عظيم، وخطر هائل، لا بد من تجنبه بكل حيلة ووسيلة، ولا يجيز الإقدام عليه عاقل، بل ولا عالم أو جاهل، لأنه يؤدي إلى الإطاحة بالغايات الإلهية، وإبطال جهود الأنبياء، والأوصياء، والأولياء والعلماء، وتضييع دماء الشهداء..

وأدنى احتمال لهذا الأمر يدعو للحذر، ويحتِّم تجنب الخطر. لأن القضية لا تقتصر على التعرض لتعب يسير، أو مرض يعرض لشخصٍّ، أو خسارة مالية، أو تلف للمزروعات، أو عاهة في الأشجار والثمار، أو تلوث في المياه والأنهار، أو غير ذلك..

بل تتعدى ذلك كله إلى خسارة الدين، والقيم، والأخلاق، والدمار، والبوار للسعادة في الدنيا والآخرة..

وواضح: أن احتمال حصول هذا الأمر مهما كان ضعيفاً، يكون منجِّزاً لوجوب الحذر، ويحتِّم موقفاً عملياً جازماً وحازماً في الإبتعاد عن كل ما يوجبه.

ونذكر على سبيل المثال: أن من يحتمل أن يكون قد أغضب الزهراء «عليها السلام»، التي يوجب غضبها غضب الله، أو تجرأ على الله، وعلى أوليائه، وأوصيائه.. فيتحتم تجنب الأخذ منه، والإبتعاد عنه، ويجب الحذر منه.. إلا أن يزول هذا الإحتمال من أساسه بالدليل القاطع، والبرهان الساطع.

فظهر: أن الخبر الضعيف، والمرسل الذي يوجب احتمالاً من هذا النوع ينتج لنا حكماً عقلياً إلزامياً بالمنع من الطاعة والإنقياد له، فضلاً عن بلوغ درجة الحب والولاء، والمعونة، والإنتماء، وغير ذلك مما يتوقف على ثبوت مبرراته، ومقتضياته على نحو القطع واليقين..

وأن لم يوجب ذلك بمجرده البغض والعداوة، ولزوم الإشهار بالبراءة.

وهل يتحقق هذا الثبوت، ويمكن حصول هذا اليقين مع احتمال صدور أي اهانة، أو استهانة منه بأولياء الله، وأئمة الهدى، والأدلاء على الحق؟!

ولا يحصل اليقين بعدم صدور ذلك منه، لمجرد ضعف السند، أو ضعف الإحتمال، أو إثارة أي شبهة في الثبوت، بل لا بد في مثل هذه الأمور الحساسة من ثبوت العدم، والنفي القاطع لكل ريب، والنافي للإحتمال، مهما كان ضعيفاً.

فإن لم يمكن ذلك، فلا يجوز ترتيب آثار الإنتفاء، لأنه لم يتحقق في من أصبحت تحوم حوله الشبهة، وصار في موضع التهمة.

فاتضح مما ذكرناه: الفرق بين البحث في ثبوت الأحكام الفقهية، وبين البحث في الشأن التاريخي، ولاسيما إذا كان مرتبطاً بالدين، أو بالأنبياء، والأوصياء، والأولياء المعصومين.

فلا يكفي مجرد حسن الظن بمن يحتمل صدور الإساءة منه لترتيب آثار ثبوت الصلاح، والفلاح، إلا فيما لا يمسّ الدين، ولا ربط له، ولا خطر منه على مستقبل الناس، والفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة..

أما المناقشة في صحة نسبة بعض الكتب إلى مؤلفيها، لوجود بعض الإشتبهات فيها، أو لأي سبب كان، فلا تثبت أن مضامينها مكذوبة، أو محرفة.

كما أن وجود الرواية أو الخبر ـ اتَّحد أو تعدد ـ في مصادر يعلم أن مؤلفيها يوالون من تنسب إليه تلك السقطات والإساءات مع ظهور حرص أولئك المؤلفين على تنزيه المتهمين وتبرئتهم، والدعوة إلى موالاتهم، بل إلى تقديسهم، يمثل قرينة تقوِّي احتمالات صدور تلك السقطة، أو الإساءة ممن تنسب إليهم، ولو لم يصل الأمر إلى درجة اليقين..

وتتأكد التهمة إذا كان بعض أولئك المؤلفين الموالين لمن ينسب إليه ذلك إذا أوردوا الرواية في مؤلفاتهم.. ولم يعلنوا رفضهم لها، بالدليل.. لأن ذلك يكون بمثابة اعتراف بمضمون تلك الرواية، حتى لو كانت منقولة بأسانيد مطعون في صحتها عند ذلك الفريق..

فمثلاً نحن نعلم: بأن صاحب كتاب فرائد السمطين قد أورد في كتابه بعض ما ذكره الشيخ الصدوق في كتبه، مما يتضمن ما لا يروق لمؤلف كتاب الفرائد من الناحية الإعتقادية.. ولم يعقِّب عليه بما يبطله، فإيراده له على هذه الحال يعني ـ على الأقل ـ: أنه لا يملك ما يصح الإعتماد عليه في إبطال مضمون ما ينقله..

ولنفترض جدلاً ـ وفرض المحال ليس محالاً ـ: أن رواية ضرب الزهراء «عليها السلام»، وكسر ضلعها منحصرة بكتاب سُليم بن قيس، فإن ذلك لا يعني أن الرواية مكذوبة، وإن كانت غير معتبرة، بسبب ضعف سندها، أو لأي سبب آخر، فإن عدم اعتبار الرواية، إنما يمنع من حصول اليقين بوقوع مضمونها، ولا يرفع احتمال وقوعه، ووجوب الحذر، كما تقدم.

ولماذا يصر بعض الناس على ادِّعاء نسبة الكذب إلى الشيعة في موضوع ضرب الزهراء «عليها السلام»؟!

ولماذا يتجاهلون حقيقة: أن عشرات المصادر لغير الشيعة الإمامية قد ذكرت مظلومية الزهراء.. فإذا ضمَّت إلى روايات الشيعة، فإنها قد تصل إلى المئات.. فلماذا لا يريدون الإعتراف حتى باحتمال حدوث شيء من مضامينها، مع أن البخاري ـ وهو كما يدَّعي البعض ـ أصحّ كتاب بعد القرآن يصرح: بأن فاطمة «عليها السلام» ماتت وهي واجدة على أبي بكر؟!

فلماذا يطلب منَّا هؤلاء: أن نبرئ أبا بكر من فعل ما أوجب وجد الزهراء عليه، وغضبها منه، حتى لو كان وجدها لأجل قضية فدك، وتكذيبه لها في قولها: إن رسول الله «صلى الله عليه وآله» قد نحلها إياها، مع تصريح القرآن بطهارتها، وعصمتها؟!

ولماذا يطلب منَّا: أن نتولى، ونطيع، ونعترف بصواب، وصحة أفعال هذا الرجل، وأن نأخذ معالم ديننا منه، مع احتمال أن يكون قد أغضب مَن يغضب الله لغضبها، ويرضى لرضاها، ومات على تلك الحال؟!

   ويمكن للسائل الكريم أن يجد طرفاً من مظلومية الزهراء «عليها السلام» في المصادر التالية، التي تزيد على أربعين مصدراً، وليست هي من مصادر الشيعة الإمامية:

   1 ـ الإمامة والسياسة لابن قتيبة ج1 ص20.

   2 ـ المغني للقاضي عبد الجبار: ج 20 ق 1 ص 335.

   3 ـ الملل والنحل للشهرستاني: ج 1 ص 57.

   4 ـ الفرق بين الفرق للبغدادي: ص 148.

   5 ـ الخطط للمقريزي: ج2 ص 346.

   6 ـ الوافي بالوفيات للصفدي: ج6 ص17وج3 ص344 وج17 ص311.

   7 ـ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي: ج2 ص60 وج16 ص235 و 236 و 271 وج14 ص193 وج6 ص49 و 50.

   8 ـ أعلام النساء لعمر رضا كحالة: ج4 ص124 و 114.

   9 ـ الأرجوزة المختارة للقاضي النعمان الإسماعيلي: ص 88 و 92.

   10 ـ فرائد السمطين للحمويني الشافعي: ج2 ص34 و 35.

   11 ـ إثبات الوصية للمسعودي: ص143.

   12 ـ كفاية الطالب للكنجي الشافعي: ص413.

   13 ـ البدء والتاريخ للمقدسي: ج 5 ص 20.

   14 ـ فاطمة بنت رسول الله، لعمر أبي النصر المصري: ص 94.

   15 ـ التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: ص 25 و 26.

   16 ـ ميزان الإعتدال للذهبي: ج 1 ص 139.

   17 ـ لسان الميزان للعسقلاني: ج 1 ص 268 و 218.

   18 ـ سير أعلام النبلاء للذهبي: ج 15 ص 578.

   19 ـ تسديد العقائد لشمس الدين الإسفراييني.

   20 ـ شرح التجريد للقوشجي (ط حجرية): ص482 و 483.

   21 ـ يحي بن محمد العلوي البصري (أستاذ المعتزلي، حسب نقله عنه في شرح نهج البلاغة ج20 ص16 و 17).

   22 ـ النقض لعبد الجليل القزويني: ص298 و 302.

   23 ـ ديوان حافظ إبراهيم المصري: ج1 ص75.

   24 ـ مروج الذهب للمسعودي: ج3 ص86.

   25 ـ المعارف لابن قتيبة (راجع مأساة الزهراء ج2 ص198).

   26 ـ الشافي لابن الحمزة الزيدي: ج4 ص202 و 173 و 171.

   27 ـ الطبقات الكبرى لابن سعد ج8 ص27.

   28 ـ الإصابة في تمييز الصحابة للعسقلاني: ج4 ص379.

   29 ـ منتخب كنز العمال: (مطبوع بهامش مسند أحمد) ج2 ص174.

   30 ـ المصنف لابن أبي شيبة ج14 ص567.

   31 ـ نهاية الأرب للنويري: ج19 ص40.

   32 ـ الإستيعاب (مطبوع بهامش الإصابة) لأبي عمر القرطبي: ج2 ص254 و 255.

   33 ـ كنز العمال للمتقي الهندي: ج5 ص651.

   34 ـ روضة المناظر لابن شحنة (مطبوع بهامش الكامل) ج7 ص164 و 165.

   35 ـ أنساب الأشراف للبلاذري: ج1 ص586.

   36 ـ الرياض النضرة: ج1 ص167.

   37 ـ تاريخ الخميس للدياربكري: ج1 ص178.

   38 ـ العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي: ج4 ص259 و 260.

   39 ـ المختصر في أخبار البشر لابن الوردي ج1 ص156.

   40 ـ تاريخ الأمم والملوك للطبري: ج3 ص202.

   41 ـ الإمام علي بن أبي طالب لعبد الفتاح عبد المقصود المصري: ج1 ص190 و 191.

   42 ـ صحيح البخاري..

وغير ذلك كثير..

 أما المصادر الشيعية، فحدِّث عنها ولا حرج، وهي كثيرة جداً، كما يظهر من كتابنا: مأساة الزهراء «عليها السلام»، خصوصاً الجزء الثاني منه.. مع أننا لم نستقص جميع المصادر حول هذه القضية.

على أن نفس أن تكون هذه المسألة بالذات موضع أخذ ورد في المناظرات والإستدلالات، والإستدلالات المضادة في الكتب الكلامية، وتدوينها في كتب الملل والنحل، والأنساب، والتاريخ، والحديث، والشعر، وكتب الأدب، وغيرها.. يدل على ما نقوله، فالموضوع يتجاوز حدَّ الإحتمال الظني، ومحاولة إنكاره قد جاءت في أحيان كثيرة مشوبة بالمكابرة والجحود، والتجني.

المقال رداً على سؤال: ما هو الفرق بين البحث التاريخي، ولاسيما فيما يرتبط بسلوك الأشخاص، وبين البحث الفقهي لإستنباط الأحكام؟! الهوامش: (1) الآية 73 من سورة آل عمران. (2) الآية 119 سورة التوبة. (3) الآية 185 سورة البقرة. (4) الآية 195 سورة البقرة.
2023/10/29

هل الأديان سبب الاختلاف بين البشر؟
يتّهم بعض الكتّاب الغربيين الأديان على أنّها هي سبب التفرقة والنزاع بين أفراد البشر، وهي السبب في إراقة الكثير من الدماء ، فالتاريخ شهد الكثير من الحروب الدينية ، وهكذا سعوا إلى إدانة الأديان واعتبارها من الأسباب المثيرة للحروب والمخاصمات.

وإزاء هذا القول لا بدّ من الانتباه إلى ما يلي :

أولا : أنّ الاختلافات ـ كما جاء في الآية المذكورة ـ لا تنشأ في الحقيقة بين الأتباع الصادقين لدين من الأديان ، بل هي بين أتباع الدين ومخالفيه. وإذا ما شاهدنا صراعا بين أتباع مختلف الأديان فإنّ ذلك لم يكن بسبب التعاليم الدينية ، بل بسبب تحريف التعاليم والأديان وبالتعصّب المقيت ومزج الأديان السماوية بالخرافات.

ثانيا : إنّ الدين ـ أو تأثيره ـ قد انحسر اليوم عن قسم من المجتمعات البشرية ، ومع ذلك نرى أنّ الحروب قد ازدادت قسوة واتساعا وانتشرت في مختلف أرجاء العالم. فهل أن الدين هو السبب ، أم أنّ روح الطغيان في مجموعة من البشر هي السبب الحقيقي لهذه الحروب ، ولكنّها تظهر اليوم بلبوس الدين ، وفي يوم آخر بلبوس المذاهب الاقتصادية والسياسية ، وفي أيّام اخرى بقوالب ومسمّيات أخرى؟! وعليه فالدين لا ذنب له في هذا ، إنّما الطغاة هم الذين يشعلون نيران الحروب بحجج متنوّعة.

ثالثا : إنّ الأديان السماوية ـ وعلى الأخصّ الإسلام ـ التي تكافح العنصرية والقومية ، كانت سببا في إلغاء الحدود العنصرية والجغرافية والقبلية ، فقضت بذلك على الحروب التي كانت تثار باسم هذه العوامل. وعليه فإن الكثير من الحروب في التاريخ قد خمدت نيرانها بفضل الدين. كما أنّ روح السلام والصداقة والأخلاق والعواطف الإنسانية التي ترفع لواءها جميع الأديان السماوية ، كان لها أثر عميق في تخفيض الخصومات والمشاكسات بين مختلف الأقوام.

رابعا : أنّ من رسالات الأديان السماوية تحرير الطبقات المحرومة المعذّبة ، وكانت هذه الرسالة هي سبب الحروب التي شنّها الأنبياء وأتباعهم على الظالمين والمستغلّين ، من أمثال فرعون والنمرود. إنّ هذه الحروب التي تعتبر جهادا في سبيل تحرير الإنسان ، ليست عيوبا تلصق بالأديان ، بل هي من مظاهر فخرها واعتزازها وقوّتها. إنّ حروب رسول الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مع المشركين من العرب والمرابين في مكّة من جهة ، ومع قيصر وكسرى من جهة أخرى ، كانت كلّها من هذا القبيل.

هناك عدّة أهداف للأديان الإلهيّة ، منها تهذيب النّفوس البشريّة وإيصالها إلى المقام القرب الإلهي ، ولكن من أهمّ الأهداف أيضا هو رفع الاختلافات.

لأنّ هناك بعض العوامل من قبيل القوميّة والرّس واللّغة والمناطق الجغرافية دائما تكون عوامل تفرقة بين المجتمعات البشريّة ، والأمر الّذي بإمكانه أن يوحّد هذه الحلقات المختلفة ويكون بمثابة حلقة اتّصال بين أفراد البشر من مختلف القوميّات والألوان واللّغات والمناطق الجغرافية هو الدّين الإلهي ، حيث بإمكانه أن يهدم جميع هذه السدود ، ويزيل تمام هذه الحدود ، ويجمع البشريّة تحت راية واحدة بحيث نرى نموذجا من ذلك في مناسك الحجّ العباديّة والسياسيّة.

وعند ما نرى أنّ بعض الأديان والمذاهب هي السبب في الاختلاف والنّزاع بين طوائف البشر ، لأنّها قد خالطتها الخرافات واقترنت بالتّعصب الأعمى ، وإلّا فإنّ الأديان الإلهيّة لو لم تتعرّض للتحريف لكانت سببا للوحدة في كلّ مكان.

مقتطف من تفسير الأمثل
2023/10/22

لماذا يفرض على الإنسان إما دخول الجنة أو النار؟
ما هو الهدف الرئيسي من دخولنا الجنة والنار؟ الجواب من سماحة السيد ضياء الخباز:

ابتداءً لا بدّ أن يُعلم : أنّ هنالك فرقاً بين الاستحقاق والتحقق ، فدخول الجنة والنار يمر بمرحلتين :

مرحلة الاستحقاق ، وهي : ما تتولد عن أعمال الشخص في الحياة الدنيا ، فإنه قد يستحق بها النعيم والجنة وقد يستحق بها النار والعقاب .
ومرحلة التحقق ، وهي : ما يكون مصير الإنسان إليها يوم القيامة .

إذا عرفنا ذلك فالمهم أن نعرف : أن دخول الجنة إذا تحققت مرحلته الأولى فلا بدّ أن تتحقق مرحلته الثانية ، لأنّ الله تعالى قد وعد بها ، وخُلف الوعد قبيح ، فلا يمكن أن يصدر منه تعالى شأنه .

وأما بالنسبة لدخول النار فليس كذلك ، إذ قد تتحقق مرحلته الأولى ، ولا يلزم أن تتحقق الثانية ، لإمكان أن يشمل عفو الله تعالى عباده العاصين فلا يعاقبهم ، وإن كانوا بمخالفتهم يستحقون العقاب .

وعلى ضوء ما تقدم نقول : إنّ الهدف من الجنة هو النعيم ، ومكافأة الإنسان المطيع بالحسنى ، وهو ما يقتضيه عدل الله تعالى وإحسانه ، وأما الهدف من دخول النار : فالصحيح – طبقاً لما تقدم – أن نصيغه بصياغة أخرى فنقول : إنّ الهدف من ( استحقاق العقاب ) هو ترهيب الإنسان وتخويفه ، لئلا يتعمد مخالفة القانون الإلهي ، الذي قد قننه الله تعالى لأجل مصلحة العبد وصلاحه .

فيكون ( التهديد بالعقاب والتوعد بالنار ) نظير التهديد الذي يصدر من المقنن الوضعي حماية لقوانينه ، أو التهديد الذي يصدر من أحد الوالدين لولدهما حرصاً على مصالحه .

2023/10/15

رأي الشيخ المفيد في «عذاب القبر»
الكلام في عذاب القبر بطريقة السمع دون العقل. وقد ورد عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا: "ليس يعذب في القبر كل ميت، وإنما يعذب من جملتهم من محض الكفر، ولا ينعم كل ماض لسبيله، وإنما ينعم منهم من محض الإيمان محضا، فأما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم".

وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة.

فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه.

وأما كيفية عذاب الكافر في قبره، ونعيم المؤمن فيه، فإن الأثر أيضا قد ورد بأن الله تعالى يجعل روح المؤمن في قالب مثل قالبه في الدنيا، في جنة من جنانه، ينعمه فيها إلى يوم الساعة، فإذا نفخ في الصور أنشأ جسده الذي بلي في التراب وتمزق، ثم أعاده إليه وحشره إلى الموقف، وأمر به إلى جنة الخلد، فلا يزال منعما ببقاء الله عز وجل.

غير أن جسده الذي يعاد فيه لا يكون على تركيبه في الدنيا، بل يعدل طباعه ويحسن صورته فلا يهرم مع تعديل الطباع، ولا يمسه نصب في الجنة ولا لغوب.

والكافر يجعل في قالب كقالبه في الدنيا، في محل عذاب يعاقب به، ونار يعذب بها حتى الساعة، ثم ينشأ جسده الذي فارقه في القبر، ويعاد إليه، ثم يعذب به في الآخرة عذاب الأبد، ويركب أيضا جسده تركيبا لا يفنى معه.

وقد قال الله عز وجل: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).

وقال في قصة الشهداء: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) وهذا قد مضى فيما تقدم.

فدل على أن العذاب والثواب يكون قبل القيامة وبعدها، والخبر وأرد بأنه يكون مع فراق الروح الجسد في الدنيا.

والروح هاهنا عبارة عن انفعال الجوهر البسيط، وليس بعبارة عن الحياة التي يصح معها العلم والقدرة، لأن هذه الحياة عرض لا يبقى، ولا يصح عليه الإعادة.

فهذا ما عول عليه أهل النقل، وجاء به الخبر على ما بيناه.

المصدر: المسائل السروية
2023/10/04

صحيفة أعمالك يوم القيامة.. هل هي من الورق؟!
‏لقد تحدّثت آيات قرآنية وروايات عديدة عن صحيفة أعمال الإنسان. وكلّ هذه الآيات والرّوايات تؤكّد علی أنّ جميع الأعمال و جزئياتها و تفصيلاتها تكون مدوّنة في صحيفة الأعمال، و في يوم البعث و القيامة، يستلم الإنسان صحيفة عمله بيمينه إذا كان محسنا و يتناولها بشماله إذا كان مسيئا.

ففي الآية (١٩) من سورة الحاقة نقرأ! فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ‌ وفي الآية (٢٥) من نفس السورة نقرأ قوله تعالی حكاية عن الإنسان الخاسر: وأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ‌. وفي الآية (٤٩) من سورة الكهف نقرأ قوله تعالی: ووُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَی الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَ يَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها، وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً.

‏وفي حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام، يتعلق بالآية- مورد البحث- اقْرَأْ كِتابَكَ ...

‏قال: «يذكر العبد جميع ما عمل، وما كتب عليه، حتی كأنّه فعله تلك الساعة، فلذلك قالوا يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلّا أحصاها‍».

‏وهنا يطرح هذا السؤال؛ عن ماهية هذه الصحيفة وكيفيتها؟

‏ممّا لا شك فيه أنّها ليست من جنس الكتب والورق والصحف العادية، لذا فإنّ بعض المفسّرين قالوا بأنّ صحيفة الأعمال ليست سوی «روح الإنسان» والتي تكون جميع الأعمال مثبتة فيها لأنّ أي عمل نعمله سيكون له أثر في روحنا شئنا أم أبينا.

‏وقد تكون صحيفة الأعمال، هي أعضاء جسمنا وجلودنا، و الأعظم من ذلك هو أنّ الصحيفة قد تكون متضمّنة في الأرض و الهواء و الفضاء الذي يحيطنا و الذي نعيش فيه، لأنّ هذه المفردات هي و وعاء أعمالنا، فترتسم الأعمال في أفق الأرض الهواء و الوجود الذي حولنا، هذا الوجود الذي تنحت في ذراته أعمالنا أو آثارها وعلی الأقل.

‏وإذا كانت هذه الآثار غير محسوسة اليوم، ولا يمكن دركها في الحياة الدنيا هذه، إلّا أنّ ذلك- بدون شك- لا يعني عدم وجودها؛ فعند ما نرزق بصرا جديدا آخر (في يوم القيامة) فسوف يكون بإمكاننا أن نری جميع هذه الأمور، ونقرؤها.

‏علی أنّ استخدام الآية الكريمة لتعبير (اقرأ) ينبغي ألا يغيّر من تفكيرنا شيئا إزاء ما ذهبنا إليه آنفا، لأنّ كلمة «اقرأ» تتضمّن مفهوما واسعا، وتدخل الرؤيا بمفهومها الواسع هذا، فنحن مثلا و في تعابيرنا العادية التي نستخدمها يوميا نقول:

‏قرأت في عيني فلان ما الذي يريد أن يفعله، كما أنّنا في عالم اليوم أخذنا نستخدم كلمة «اقرأ» بخصوص الأشعة التي تؤخذ للمرضی، هذا بالرغم من أنّ الأشعة، هي صورة تخضع للمشاهدة لا للقراءة، وهذا المثال و الأمثلة التي سبقته‌ تؤكد ما ذهبنا إليه أنّ المشاهدة تدخل في إطار المعنی الواسع للقراءة.

‏وقد تقدم في عدّة آيات أنّ تفصيلات صحيفة الأعمال هذه، لا يمكن إنكارها بأي وجه، لأنّ الآثار الحقيقية الموضوعية (أي الخارجية) والتكوينية للعمل تشبه كثيرا الصوت المسجّل للإنسان، أو الصورة المأخوذة له، أو بصمات أصابعه، وأيّا من هذه الآثار لا يجد الإنسان إلی نكرانها سبيلا!

*مقتطف من تفسير الأمثل
2023/10/03

هل تغيّرت القصيدة الحسينية في عصر الاستهلاك؟!
كيف يمكن أن تساهم القصيدة الحسينية في التوعية الفكرية وإحداث التغيير الاجتماعي؟

يعد الشعر تاريخيا ولا يزال ليس في العراق فقط وإنما في كل الثقافات والحضارات قوة مؤثرة جدا في بناء السلوكيات الاجتماعية، لأنه يعطي وزنا معينا وقافية معينة تصل إلى الذهن وتؤثر بسرعة على المتلقي.

فكيف إذا كان الشعر عاطفيا وجدانيا، يعبر عن قضية فيها الكثير من الظلم، ويعبر عن مصيبة وعن حزن وألم عظيم، لذلك كان الشعر والقصيدة الحسينية هي أكبر مؤثر في عملية بناء النسيج الاجتماعي، على مر التاريخ، حتى الحكام رأوا في هذا الأمر قوة لهذا المجتمع فدعم بعض الحكام العقلاء هذه القضية، وأكثر الطغاة حاربوها بشدة. ونلاحظ ذلك في المجتمع العراقي وتأثره الواضح بالشعر والقصيدة الحسينية، وذلك أنه يعبر بعمق عن وجدان المجتمع وإحساسه بالظلم الموجود في افراده.

كان الشعر الحسيني والقصيدة الحسينية تستنهض الشعب والمجتمع ضد الظالم، فكانت عملية بناء فكري مستمرة وعملية بناء التزام اجتماعي تؤدي الى التماسك والوحدة الاجتماعية، بالنتيجة أدى ذلك إلى أن يتمكن المجتمع العراقي من أن يواجه الظالمين عن طريق القضية الحسينية، وخصوصا من خلال الشعر الحسيني والشعائر الحسينية.

ولكن بعد أن دخلنا زمنا جديدا، وأُزيلت تقريبا كثير من الموانع التي كانت موجودة في السابق، دخلنا في زمن الحداثة التكنولوجية وعالم الاستهلاك، فتغيرت بعض التوجهات في التعامل مع القصيدة الحسينية ومع الشعر الحسيني، فعالم الاستهلاك خطير لأنه يبتلع كل شيء ويلونها بأساليبه، يأخذ المبادئ والقيم والمُثُل ويحيكها بطريقته الخاصة، يقلبها عالم الاستهلاك فيفرغ تلك المثل والقيم من محتواها العميق، ويجعلها مجرد حالة سطحية.

ولكن الشعر الحسيني على طول التاريخ كان يعبر عن كفاح الإنسان ونضاله، ومقاومة الإنسان وصبره في مواجهة السجون والتعذيب والقمع والمطاردة والتهجير، وكان الشعر الحسيني دائما يغذي الإنسان بالأمل، بالتفاؤل والمحبة والعطاء والاستمرار، الآن ومع دخولنا العالم الاستهلاكي لاحظنا ظهور أشياء جديدة، تغيرت الملابس، وتغيرت الأشكال وتغيرت الكلمات وتغيرت السلوكيات، وأصبح العالم كما يضع في انطباعاتنا أكثر سطحية عما كان في السابق.

وهذا يحتاج في رأيي إلى دراسة وقراءة معمقة للوقوف أمام هذه الحالة الاستهلاكية قد تخرج القصيدة الحسينية من محتواها الاصيل.

التفريغ العاطفي المجرد

من الإشكالات التي تواجهها القصيدة في زمن الاستهلاك، التفريغ العاطفي المجرد عن السلوك، وحتى الشعر يحاول التأثير العاطفي بدون أي معنى مجرد إحداث تأثير عاطفي من دون أن تكون هناك موعظة فكرية أو توجيه أخلاقي أو سواها، نلاحظ كذلك استخدام مفردات العنف الاجتماعي أكثر في الشعر والقصيدة، كذلك نلاحظ أن الشاعر أو الرادود يجعل من القصيدة معبرة عن العرف فقط، دون الاستلهام من الخطاب الحسيني الذي يوجد فيه الكثير من الأفكار والتوجيهات والمواعظ القيّمة لبناء المسؤولية الاجتماعية، وترسيخ الحرية والتخلص من الذل والاستعباد، وبناء الالتزام الاجتماعي والتمسك بالدين والإسلام الحقيقي.

التأثير في التغيير الاجتماعي

وتسهم القصيدة الحسينية في التغيير الاجتماعي من خلال:

أولا: لابد أن ينبثق الشاعر من داخل حركة فكرية ثقافية اصيلة، فالثقافة الغالبة ثقافة العولمة والحداثة وما بعد الحداثة، التي أثرت كثيرا على تفكير الناس واغرقتهم في عالم الاستهلاك، وفي مواجهة الغزو الثقافي يحتاج الشعر إلى حركة فكرية اصيلة تملك تأثيرا اكبر على الناس، بحيث يؤثر فيهم حاليا كما اثر في السابق، لذلك لابد أن يستخدم الشعر الحسيني في عملية البناء الاجتماعي، في قضية الكفاح ومواجهة الظلم، سابقا كان هناك إحساس بالظلم وإحساس بالقهر والكبت والقمع، فكان الإنسان مناضلا ومكافحا من أجل القضية الحسينية وكان الانتماء لها عميقا.

فالأنظمة الاستبدادية والشمولية التي تعاقبت على حكم العراق عملت على مسخ هوية الفرد وسلب هويته وجعله تابعا للحاكم المطلق ذليلا له، ولكن القضية الحسينية وقفت في مواجهة هذه الشمولية، وفي مواجهة هذا المسخ، ولكن اليوم هنالك شمولية من نوع آخر وهي شمولية الاستهلاك، التي تحاول أن تمتص الزخم الاخلاقي وتدمر القيم الفطرية ودون أن نشعر بذلك، لذلك لابد للشعراء والمثقفين أن ينتبهوا إلى عملية البناء بحيث يكون للشعر الحسيني مدلولاته السليمة في تشكيل السلوكيات الصالحة، وبناء الثقافة العميقة في الإنسان.

ثانيا: المطلوب من القصيدة الحسينية هو الاستخدام العاطفي المرتبط بالموعظة، وتوجيه الناس للابتعاد عن المال الحرام، والسرقة والخيانة والرشوة والفساد، فالشاعر أو الرادود لابد أن تكون عنده رسالة من خلال عملية استخدام العاطفة بقوة من أجل بناء السلوك النزيه، الطهارة، والنزاهة والنظافة في السلوك الاجتماعي.

ثالثا: من وظائف الشعر والقصيدة الحسينية بناء وترسيخ الانتماء الثقافي للنهضة الحسينية، وليس مجرد انتماء شكليا، بل لابد ان يكون انتماء ثقافيا بعقائده وأفكاره وأخلاقياته وسلوكياته.

رابعا: تعزيز روح الاحترام للنظام الاجتماعي، وهي مسألة غائبة في مجتمعاتنا، فنحن نعيش الفوضى، والسبب بوجود الفوضى أن الانفتاح الكبير الذي حدث لم يحصل فيه توجيه للفكر وبناء تراكمي للسلوك والثقافة، فالقصيدة الحسينية تستطيع أن تقوم بعملية تعزيز روح النظام والالتزام والانضباط الاجتماعي وتحمل الفرد لمسؤولياته.

خامسا: من اهداف القصيدة الحسينية هو التغيير الأخلاقي، فكيف يكون منتميا للامام الحسين (عليه السلام) وهناك أخلاقيات يمارسها قد تشكل نقيضا لمنهجه ومنهج أهل البيت (عليهم السلام)، فلابد للقصيدة أن تعزز التغيير الأخلاقي، حين كنت صغيرا أتذكر أنني كنت أحضر مجالس (الرادود المرحوم حمزة الزغير)، فتلك القصائد رسخت في داخلنا عمقا ثقافيا في الولاء والانتماء والهوية، ومع طول السنين في المهجر والمشكلات الأخرى بقيَ هذا الانتماء راسخا لأن تلك القصائد الحسينية عززت فينا هذا الانتماء والمشاعر الاصيلة بالهوية.

سادسا: كذلك استخدام العاطفة في القصيدة الحسينية لتعزيز عملية التوبة والاستغفار ومحاسبة الذات، وتنبيه النفس وإحداث التغيير الذاتي بشكل عام، والذي سيؤدي الى التغيير الثقافي والاجتماعي ونهضة الامة.

وأخيرا، يتم ذلك من خلال وجود منهجية وبرنامج مستدام عبر ندوات ودورات وحوارات على مدار السنة، تغذي الشعراء والرواديد بالفكر والخطاب الحسيني، فبعض القصائد التي يتم طرحها قد يوجد في بعضها خروج عن الموازين الشرعية والعقائدية، حيث المد الاستهلاكي المفرط يؤدي الى الخروج عن الأسس العقائدية، وبعضها يذهب إلى الغلوّ والتطرف والتركيز على العاطفة المجردة التي قد لا يوجد فيها معنى، فالعاطفة الحقيقية هي العاطفة الممزوجة بالعقيدة الصحيحة والالتزام السلوكي والأخلاقي والثقافي المسؤول.

2023/08/20

آية الله محمد باقر السيستاني يكتب عن «هوية الجندر» والاتجاهات الشاذّة.. كتاب جديد
ينشر موقع الأئمة الاثني عشر مقدمة كتاب جديد لسماحة السيد محمد باقر السيستاني تحت عنوان: "تكامل الذكر والأنثى في الحياة - دراسة موجزة في تكامل الجنسين ونقد الاتجاهات الشاذة الحديثة". أدناه نص ما جاء في مقدمة الكتاب بحسب ما ورد لـ "موقع الأئمة الاثني عشر":

إن أحد الأسس الفطرية المهمة للحياة الإنسانية والنوع الإنساني هو التنوع البشري الرائع المنقسم إلى الذكر والأنثى، وتكاملهما في هذه الحياة من خلال الاقتران الزوجي الأسري، وتوزيع اقتضاءات الأسرة على الجنسين وفق الملاءمات الفطرية مع تكونهما الجسدي والنفسي والسلوكي ومشاركتهما إنجاب الأولاد.

إلا أن هذا الأساس تعرض في العصر الحاضر لتحدٍ خطير من خلال اتجاهات ونظريات متعددة انتشر تسويقها باسم العلم والأدوات العلمية.

ومن أبرز تلك النظريات نظريتان:

١ - نظرية تحور معنى الذكورة والأنوثة ـــ وهما أمران معروفان للإنسان منذ نشأة الإنسانية ــــ بادعاء أنهما لا يتمثلان في التنوع الفطري الجسدي والوظيفي والنفسي والسلوكي للإنسان، بل هما يعبّران عن انطباع الإنسان عن نفسه.

فإذا رأى الذكر جسديا أنه أنثى كانت هويته أنثى سواء احتفظ بخصائصه الجسدية الذكرية، أم سعى إلى تغييرها، فله أن يتأنّث ويظهر ويتصرف ويتزوج كأنثى تماماً ويكون بين الإناث في اجتماعهن، وعلى الأسرة والمجتمع أن يتقبله ويتعامل معه كذلك رغم خصائصه الذكرية الكاملة، وكذلك الحال في الانثى!.

بل يجوز أن يختار الشخص ان يكون ذكرا وأنثى في آن واحد، او يكون حالة وسطى بمزيج من المظاهر والسلوكيات الذكورية والأنثوية حسبما يشاء!

وقد عبر عن مورد الانطباع المغاير للجسد عن الذات بالتحول الجنسي، كما عبر منذ حين عن الهوية التي يختارها الشخص لنفسه -سواء كان موافقا لجسده ام لا- بالنوع الاجتماعي أو الجندر.

٢- نظرية أخرى تنقض تكامل الذكر والأنثى في الحياة كما تقتضيه الفطرة الإنسانية بادعاء أنّ الميول الشاذة (المماثلة) هي ميول طبيعية، وأنّ الاقتران الشاذ بالمماثل يمثل خيارا للزواج على حد زواج الذكر والأنثى!.

فهاتان نظريتان تبرران السلوكيات والاقترانات والميول الشاذة، وتعتبرها  امورا طبيعية وخيارات مقبولة ومشروعة على حد الخيار السائد في المجتمع البشري من تمايز الجنسين وتكاملهما في الحياة.

وقد حدثت هاتان النظريتان في هذا العصر في بعض الأوساط العلمية على أساس أنهما من جملة معطيات العلم الحديث!.

ومن الملفت انه يجري تسويقهما ثقافيا واجتماعيا بقوة واندفاع بالغ في المجتمعات البشرية من خلال جميع الامكانات المتاحة المحلية والدولية من الجوانب المالية والقانونية والسياسية والاعلامية والثقافية والتربوية .

والواقع أن  هذه النظريات تمثل انتكاسة كبيرة في الفكر الإنساني المعاصر، بل تقهقر غريب لما يطرح باسم العلم وعجز كبير عن رصد البديهيات الفطرية الإنسانية التي يدركها عامة العقلاء الراشدين وفق ما يجدون بوجدانهم و يشهدونه بالخبرة العامة، وقد وقع من قبل التنكّر لمبادئ بديهية أخرى باسم العلوم الإنسانية.

كما ان تسويقها في المجتمع الانساني عمليا يمثل تحديا خطيرا للانسانية في احد أهم ركائزها وبناها في وجودها وديمومتها وقيمها واخلاقها ونظمها الأسري والاجتماعي.

وهذه دراسة موجزة تتضمن توضيح تكامل الذكر والأنثى في الحياة وفق القواعد العامة الراشدة للتفكير المبنية على مبادئ خمسة

١ ٠ الإدراك السليم.

٢ ٠ الفطرة الإنسانية الجسدية والوظيفية.

٣ ٠ الفطرة النفسية والسلوكية.

٤ ٠ الضمير الإنساني الذي يمثل الهدي الملائم للإنسان ويحدد ما يحسن وما يقبح منه.

٥ ٠ الحكمة الصائبة التي ترعى الصالح الإنساني.

هذا مع دراسة الموضوع وفق هذه المبادئ في المستوى الفطري، وفي المستوى العلمي المعتمد على العلوم ذات العلاقة بهذه المبادئ، من جهة وجود ابعاد للموضوع ذات علاقة بكل واحد من هذه المبادي  الخمسة.

كما تضمنت الدراسة  توضيح بداهة مبدأ التكامل بين الجنسين في الدين بداهة بالغة لا مزيد عليها، فإنه ملء تعاليم الدين ونصوصه في ذِكْر الذكر والأنثى وأحكامهما، على أنّ الدين يضمن التأكيد على أن هذا التكامل مطابق مع المبادئ الفطرية والأخلاقية والحكمية.

وكنت قد اعددت دراسة اكثر تفصيلا من بعض النواحي قبل ثلاث سنوات عندما بلغني استفحال هذه النظريات في اوساط الجاليات الاسلامية في بعض بلاد المهجر، وحدثت ظروف حالت دون إنهائها، وقد حدث في هذه الايام سعي بليغ بنشر هذه الافكار الخاطئة في داخل البلاد الاسلامية فاهتممت بايجاز البحث مع بعض الاضافات ليكون اسهل تناولا.

وقد اعددت هذا البحث في الأصل لإلقائه كمحاضرات على طلبة الجامعات ولكن حالت الظروف عن إلقائها، ولذلك اكتفيت بنشرها وذلك ليكون مذكِّرا لمن عُني بالتبصر في الموضوع وتحفيز معاني الرشد والفطرة والأخلاق والحكمة في المجتمع الإنساني بشكل عام وفي المجتمع الديني على وجه خاص.

(وسوف تنشر هذه الدراسة قريباً على شكل حلقات تدريجاً). السيّد محمّد باقر السيستاني
2023/08/12

هوس جنسيّ ودعارة قانونية: كيف يتزوّج الملحد؟!
من لا يدينُ لله بدين الحقّ لابدّ أن يكون تابعاً لأهوائهِ وشهواته، أو كما عبّر دوستويفسكي بقوله: "إذا لم يكن الإله موجوداً فكل شيء مباح".

ثم يأتي الباحث الأميركي اللا أدري ديفيد برلنسكي شارحاً ذلك بقوله: "فإذا لم تكن الواجبات الأخلاقية مأمورة بإرادة الله، ولم تكن في الوقت ذاته مطلقة، فإنّ (ما ينبغي أن يكون) هو ببساطة ما يقرّره الرجال والنساء. لا يوجد مصدرٌ آخرُ للحكم. هل هذه إلا طريقة أخرى للقول بأنه طالما أنّ الإله غير موجود، فكلّ شيء مباح؟".

وفي نفس الإطار يرى الملحدُ الأستراليّ وأستاذ الفلسفةِ الأخلاقيةِ بيتر سنجر أنّ ممارسة البشر للجنس مع الحيوانات والبهائم طالما لا تتضمّنُ أذيّة من أيّ نوع للحيوان هو أمرٌ طبيعي ومقبولٌ في إطار حميمية العلاقة بين الحيوانات والإنسان، وبالنسبة إليه: "فلا خطأ في ذلك على الإطلاق، بل إنه أمرٌ محمود طالما يؤدي إلى استمتاع الطرفين: الحيوان والإنسان"!

وعليه فمن المستحيل أن تكون هناك قيمٌ أخلاقية دون الإيمان بإلهٍ له دين يجبُ الالتزام به، وهذا ما تنبّهَ إليه الكثير من فلاسفة الإلحاد، فالفيلسوفُ الوجودي جون بول سارتر الذي دافع عن الإلحاد بشراسة نجدهُ يضطر للقول: "يجد الوجودي حرجاً بالغاً في ألّا يكون الله موجوداً، لأنه بعدم وجوده تنعدم كلّ إمكانية للعثور على قيم في عالم واضح. لا يمكن أن يكون هناك خير بدهي؛ لأنّه لا يوجد وعي لانهائي وكامل من الممكن التفكير فيه. لم يُكتب في أيّ مكان أنّ الخير موجود، ولا أنّ على المرء أن يكون صادقاً أو ألّا يكذب".

وهو الأمر ذاته الذي جعل ريتشارد دوكنز يتسقُ مع إلحادهِ ويلتزم بلا مبالاته، فيقول مقرّاً باستحالة الأخلاق: "في هذا العالم لا يوجد شر ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرحمة".

ويقول أيضاً: "إنّه من العسير جدًا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينية".

فيا معشرَ اللا دينيين ليس الأمرُ مجرّدَ اتهامكم بالسّعار الجنسي، وإنما هو أتجاهٌ تقفُ خلفه فلسفةٌ لا أخلاقيةٌ من الأساس، فمن لم يتخذ الله لهُ ربّاً لابدّ أن يتخذ من نفسه صنماً، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)، والأمرُ الذي لا يمكن فهمهُ هو محاكمةُ اللا ديني لغيره أخلاقيّاً، فكيف جاز له ذلك وهو لا يرى للإنسان مرجعاً لأفعاله غير ما تمليهِ شهواته وأهواءه؟ وكلّ ما نتمنّاهُ من صاحب هذا الكلام أن يعود إلينا ليقدّمَ لنا تبريراً أخلاقياً يدينُ فيه السّعارَ الجنسي من وحي عقيدته اللا دينية؛ بل من حقنا أن نسألَ هل في اللا دين شيء اسمهُ زواجٌ يجمعُ بين المرأة والرجل؟ وإن كان موجوداً ما هي الحاجة إليه وما هو المرجعُ الذي يستند عليه؟ وكيف يفرّقُ بين السّعارَ الجنسي وبين الممارسة الجنسية غير المسعورة؟ ومن ثم ما رأيهُ فيما نشهده اليوم من شذوذ جنسي يشرّعُ له قانونياً ودستورياً ويدرّسُ للأطفال في المدارس، وهل تقنينُ الدعارةِ في دول الغرب والأفلام الإباحية بجميع أنواعها أمرٌ محرّمٌ وسعارٌ جنسيٌ عند اللا دينيين؟

أمّا عندنا كمسلمين فالأمرُ واضح فكلّ ممارسةٍ جنسية ضمن حدود الشرع لا تعدّ سعاراً جنسياً، وكلّ ما جاء في مضمون كلامه من إساءاتٍ واتهامات للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لا نؤمنُ به ولا نصدّقُ بحدوثها، فكلّ الأخبار والأحاديث التي تنزِلُ من قدرِ رسول الله تعدّ عندنا أحاديثَ موضوعةً ومكذوبة.

هامش: المقال رداً على السؤال: "يصموننا بأننا معشر اللا دينيين نعاني من السعار الجنسي وتناسوا أنّ هذا السعار هو عند من مارسهُ مع إحدى عشر زوجة غير السراري وملك اليمين ...هو عند من كان يطوف على زوجاته في ليلة واحدة وغسل واحد ..هو عند من يرى امرأة فيشتهيها فيترك على الفور أصحابه ويذهب إلى بيته ليفرغ شهوته في أي من زوجاته ثم يعود لأصحابه فيخبرهم عن هذا..هو عند من اعتاد على مص لسان نسائه وهو صائم ..هو من تخبرنا زوجته أنه أثناء حيضها كان يلف حول أعضائها خرقة ثم يستمتع بها بعضوه الذكري الذي هو املك الناس في استخدامه على رأيها..هو الذي اشتهى زوجة ابنه بالتبني فتنازل له عنها بعد أن قضى منها وطرا ..الهوس الجنسي تجده فيما وعد به محمد أصحابه في جنته من ٧٢ حورية غير وصيفاتهن ذوات أثداء مستديرة و بياض اللؤلؤ وغشاء بكارة يتجدد كلما انفض وكل هذا والغلمان يطوفون عليهم بكئوس الخمر".
2023/08/12

أدلة ثبوت الحسن والقبح العقليّين
الدليل الأوّل.. يحكم كلّ عاقل ـ على نحو البداهة ـ بحسن بعض الأفعال ذاتاً ولزوم العمل بها ، وقبح البعض الآخر من الأفعال ذاتاً ولزوم الانتهاء عنها .

وإذا بلغ الأمر إلى الضرورة بطل الاستدلال ، ومن طلب الدليل بعد البداهة وقع في الإجحاف، ومن كابر في ذلك فقد كابر مقتضى عقله 1.

مثال : إنّا نعلم بالضرورة من خيّر شخصاً بين العدل والظلم ، ولم يكن لهذا الشخص علم بموقف الشرائع ، فإنّه سيختار العدل قطعاً، وما ذاك إلاّ لأنّ حسن العدل وقبح الظلم ذاتي وضروري عقلا .

الدليل الثاني

لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما من ينكر الشرائع ، ولكننا نرى غير الملتزمين بالدين ـ على اختلاف فصائلهم ـ :

يصفون بعض الأفعال بالحسن، ويجدون أنفسهم ملزمين بفعلها . ويصفون بعض الأفعال الأخرى بالقبح، ويعتقدون بأ نّهم ملزمون بتركها . ويسند هؤلاء تحسينهم وتقبيحهم إلى "العقل" من غير أن يكون "للحكم الشرعي" أي أثر في هذا التحسين والتقبيح والالتزام بالفعل والترك 2.

مثال : يحسّن هؤلاء العدل وأداء الأمانة والصدق النافع والوفاء بالعهد وجزاء الإحسان بالإحسان ونحوها، ويرون ضرورة الالتزام بهذه الأفعال . ويقبّح هؤلاء الظلم والخيانة والكذب الضار ونقض العهد وجزاء الإحسان بالإساءة ونحوها، ويرون ضرورة الابتعاد عن هذه الأفعال .

الدليل الثالث

إنّ الاعتقاد بالتحسين والتقبيح العقلي هو السبيل لإثبات صحة التحسين والتقبيح الشرعي، ولا يمكن إثبات الحسن والقبح مطلقاً من دون الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي .

توضيح ذلك : إنَّ إنكار تحسين وتقبيح العقل يلزم إنكار تحسين العقل للصدق وتقبيحه للكذب ، فيؤدّي ذلك إلى فقدان الثقة بتحسين وتقبيح الشرع ، وذلك لاحتمال كون الشارع كاذباً في إخباره ، فينتفي الوثوق بالشرع ، وتكون النتيجة عدم الاطمئنان بصحة تحسين وتقبيح الشرع .

وبعبارة أُخرى : إنّ استقلال العقل في تحسينه للصدق وتقبيحه للكذب هو الذي يدفع الإنسان إلى الوثوق بقول الشرع ، ولولا ذلك يبقى احتمال عدم صدق الشرع في قوله وإخباره ، فينتفي الجزم بصدقه .

توضيح ذلك : إنّ الكذب ـ حسب قول منكري الحسن والقبح العقلي ـ لا يقبح إلاّ إذا قبّحه الشرع ، فلا يعلم قبح الكذب قبل تقبيح الشرع له ، فلهذا لا يكون للإنسان قبل إيمانه بالشرع دليل على تنزيه الشرع عن الكذب ، فينتفي الجزم بصدق الشرع مطلقاً .

الخلاصة :

إنّ الجزم بعدم كذب الشارع رهن حكم العقل ، وهذا ما يثبت الحسن والقبح العقلي 3.

ولهذا قال العلاّمة الحلّي: "إنّا لو لم نعلم حسن بعض الأشياء وقبحها عقلا ، لم نحكم بقبح الكذب ، فجاز [ أي: فيؤدّي ذلك إلى جواز ] وقوعه من اللّه ... فإذا أخبرنا [ تعالى ] في شيء أ نّه قبيح لم نجزم بقبحه ، وإذا أخبرنا في شيء أ نّه حسن لم نجزم بحسنه لتجويز الكذب [ فينعدم السبيل لمعرفة ما حسّنه اللّه تعالى وما قبّحه ]"4.

الدليل الرابع

إنّ "المعجزة" هي الوسيلة التي بها يثق الناس بصدق دعوة الأنبياء . ولا يكون هذا الوثوق إلاّ بعد الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي المتمثّل في القاعدة التالية وهي: إنّ إعطاء اللّه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة قبيح ذاتاً .

ومن هنا نثق بصدق مدّعي النبوّة فيما لو جاء بالمعجزة ، لأ نّنا نؤمن بأنّ "إعطاء اللّه تعالى هذه المعجزة للكاذب في دعوة النبوّة" قبيح ذاتاً، واللّه تعالى لا يفعل القبيح . وإنّما "الحسن" إعطاء المعجزة للصادق في دعوة النبوّة .

ولكن إذا أنكر الإنسان الحسن والقبح الذاتي، فإنّه لا يصل أبداً إلى مرحلة اليقين بصدق من يدّعي النبوّة ويقدّم المعجزة لإثبات مدعاه، لأ نّه يبقى دائماً في حالة شكّ بأنّ هذا الذي يمتلك المعجزة قد يكون كاذباً في دعوته للنبوّة ، وإنّما أعطاه اللّه المعجزة عبثاً ، لأ نّه تعالى يفعل ما يشاء !

فتنسد بذلك أبواب معرفة النبي الصادق وتمييزه عن الكاذب 5.

بعبارة أخرى : لو كان "الحسن" ما حسّنه الشرع ، و"القبيح" ما قبّحه الشرع، لما قبح من اللّه تعالى أي شيء ، حتّى لو كان ذلك إظهاره المعجزات على أيدي الكاذبين . فينتفي بذلك إمكانية تصديق دعوى الأنبياء . وهذه النتيجة باطلة . لأ نّها تؤدّي إلى:

1 ـ غلق باب معرفة الأنبياء الصادقين .

2 ـ منح الكفّار العذر في إنكارهم لنبوّة الأنبياء .

ولهذا لا يوجد سبيل سوى الاعتقاد بالحسن والقبح العقلي .

الدليل الخامس

لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لم يكن للأنبياء أي دليل لإثبات لزوم توجّه الناس إلى البحث والنظر ، ووجوب تعرّف الخلق على اللّه تعالى، وضرورة اتّباع الناس لهم .

توضيح ذلك : إذا طلب النبي من أحد الأشخاص البحث والتعرّف على اللّه واتّباع سبيله .

فسيقول هذا الشخص للنبي: لماذا أبحث ولماذا أُتعب نفسي من أجل التعرّف على اللّه ، وما هو الدليل الذي يلزمني اتّباع سبيلك ؟

فإذا كان دليل ذلك هو أنّ البحث وطلب المعرفة واتّباع الرسل أُمور يحكم بها العقل لأ نّها أُمور حسنة ، وينهى عن تركها لأنّ تركها قبيح ، فأنا لا أعتقد بالحسن والقبح العقلي .

وإذا كان دليل ذلك هو الشرع ، فأنا لا أثق بالشرع، لأ نّه من قولك ، وقولك لم يثبت عندي أ نّه حجّة ، لأ نّني لم أُؤمن بك لحدّ الآن، فلا يجب عليّ اتّباعك .

وبذلك لا تتمّ الحجّة على هذا الشخص ، فيلزم الاعتقاد بوجوب الحسن والقبح العقلي .

النتيجة :

إنّ وجوب التوجّه إلى البحث والنظر ، ووجوب التعرّف على اللّه تعالى ، ووجوب اتّباع النبي أُمور "عقلية" لا "شرعية"6.

الدليل السادس

لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى . ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى . لم يكن فرق بين : العدل والظلم .

فيجوز ـ في هذه الحالة ـ أن يظلم اللّه تعالى العباد . لأنّ الظلم غير قبيح ذاتاً ، بل: يكون الظلم حسناً فيما لو أمر اللّه تعالى به . ويكون الظلم قبيحاً فيما لو نهى اللّه تعالى عنه .

وهذا باطل بالضرورة 7.

بعبارة أُخرى : لو كان الحسن ما حسّنه اللّه تعالى فقط . ولو كان القبيح ما قبّحه اللّه تعالى فقط . لم يقبح من اللّه شيء .

وتكون النتيجة :

إنّ كلّ ما يفعله اللّه تعالى حسن ولو كان ذلك ظلماً . ولكن اللّه تعالى منزّه من الظلم .

الدليل السابع

لو كان الحُسن والقبح مستنداً إلى الشرع فقط ، لم يكن فرق بين : ما عُلم قبحه من الشرع . وما عُلم قبحه من العقل .

ولكننا نجد : إنّ الشخص الذي يشكّ بالشرع فهو بالطبع : يشكّ في قبح ما علم قبحه من الشرع كقبح أكل لحم الميتة .

ولا يشكّ في قبح ما علم قبحه من العقل كقبح الظلم والخيانة 8 .

الهوامش: 1. انظر: الياقوت في علم الكلام ، أبو اسحاق إبراهيم بن نوبخت: القول في العدل ، ص45. المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي: النظر الثاني ، البحث الثاني ، ص 86. قواعد المرام، ميثم البحراني: القاعدة الخامسة ، الركن الأوّل ، البحث الثاني، ص104. كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الأُولى ، ص418. نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر، ص83. مناهج اليقين ، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، مسألة (195) ، ص230. النافع يوم الحشر، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل ، ص65. إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص255. 2. انظر: المصادر المذكورة في الهامش السابق. 3. انظر: المسلك في أصول الدين ، المحقّق الحلّي : النظر الثاني ، البحث الثاني ، ص86 ـ 87. كشف المراد، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث، المسألة الأُولى ، ص418. مناهج اليقين، العلاّمة الحلّي: المنهج السادس ، المبحث الأوّل ، ص231. النافع يوم الحشر ، مقداد السيوري: الفصل الرابع: في العدل ، ص65. إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص256. 4. كشف المراد ، العلاّمة الحلّي: المقصد الثالث ، الفصل الثالث ، المسألة الأُولى ، ص418. 5. انظر: غنية النزوع، ابن زهرة الحلبي: ج2، باب الكلام في العدل ، ص71 ـ 72. كشف الفوائد ، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث ، الفصل الأوّل ، ص248. نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر ، المطلب الثاني، ص84. إرشاد الطالبين ، مقداد السيوري: مباحث العدل ، مسألة الحسن والقبح ، ص256. 6. انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث ، الفصل الأوّل ، ص249. نهج الحقّ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة ، المبحث الحادي عشر ، المطلب الثاني ، ص84. الرسالة السعدية ، العلاّمة الحلّي: القسم الأوّل ، المسألة السادسة، البحث الأوّل ، ص55. 7. انظر: كشف الفوائد، العلاّمة الحلّي: الباب الثالث، الفصل الأوّل ، ص249. نهج الحقّ ، العلاّمة الحلّي: المسألة الثالثة، المبحث الحادي عشر ، المطلب الثاني ، ص84. 8. انظر: الياقوت في علم الكلام ، أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت: القول في العدل ، ص45. إشراق اللاهوت ، عميد الدين العبيدلي: المقصد السابع، المسألة الأُولى ، ص 307. المصدر islam4u
2023/08/10

ولاية الفقيه.. لماذا لا يعمل بها أكثر المراجع؟
لماذا لا يأخذ أكثر مراجعنا بنظرية ولاية الفقيه مع بداهتها كما اثبت ذلك العلماء والباحثون؟

لا إشكالَ ولا شبهةَ في أصل ثبوت الولايةِ للفقيه، إلا أنّ الخلافَ قد وقع في حدود هذه الولاية، وما يدورُ بين الفقهاء من نقاشاتٍ علميةٍ وفقهيةٍ له علاقة بحدود هذه الولاية، فبين من يرى ولايتهُ مطلقةً وبين من يحصرُ ولايتهُ ضمن عناوينَ محددة.

فأولُ من كتبَ في نظرية ولاية الفقيهِ المطلقة ونسبت إليه هو المحققُ الشيخ أحمد بن الشيخ محمد مهدي النراقي، صاحبُ كتاب مستند الشيعة، وقد ألَّف رسالةً خاصةً في موضوع ولاية الفقيهِ أسماها عوائد الأيام، ثم توالت البحوثُ المؤيدة والمعارضة إلى أن تبلورت هذه النظريةُ بشكلٍ عملي على يد السيد روح الله الخميني بعد انتصار الثورةِ الإيرانية، وقد نظر الإمامُ الخميني لهذه النظرية ودافعَ عنها في كتابهِ الحكومة الإسلامية.

والمقصود بولاية الفقيهِ المطلقة هو منح الفقيهِ سلطةً فقهيةً مطلقةً في ظلّ الحكومةِ الإسلاميةِ أو الإمارة الإسلامية، وقد وقع الخلافُ بين الفقهاء حول هذه السلطةِ المطلقةِ بين مؤيدٍ ومعارض.

والخلافُ الفقهي بطبيعتهِ ينحصرُ في الأدلةِ والبراهين التي يعتمدُ عليها كلّ فريق من الفقهاء، فالأمرُ لا يخضعُ للمزاج أو الميل النفسي وإنما يخضعُ لدلالةِ الأدلة طبقاً لاجتهاد كلّ واحدٍ من المجتهدين.

فهناك قدرٌ مشتركٌ بين جميع الفقهاء حول بعض الحدودِ التي يكون للفقيه فيها حقُّ الولاية، وهناك حدودٌ أخرى وقع فيها الخلاف، وعليه يمكننا القول إنّ ولاية الفقيه ثابتةٌ عند جميع الفقهاء في العناوين التالية:

أولاً: ولايتهُ على الفتوى، أي أنّ للفقيه ولايةً وسلطةً على الإفتاء.

ثانياً: ولايتهُ على القضاء، أي أنّ له ولايةً في الحكم بين المتخاصمين والفصلِ في النزاعاتِ، فالقضاء من شأن الفقيهِ الجامع للشرائط.

ثالثاً: ولايتهُ على القصّر والمجانين وكلّ من لا وليّ له، مضافاً إلى ذلك ولايتهُ على الأوقاف العامة.

رابعاً: ولايتهُ على الأمور الحسبية؛ وهي الأمورُ التي يحتسبها الشارع عليه، وهي الأمور التي ليس لها راعٍ غير الإسلام أو لا يرضى الشارع بتركها فتقعُ ضمن ولاية الفقيه.

وقد وقع إجماعُ الفقهاء على هذه الأمور الأربع، واختلفوا في بعض الحدودِ الأخرى كولاية الفقيه في إقامةِ الحدودِ والتعزيرات في عصر الغيبة، مضافاً لاختلافهم حول ولايتهِ على أمور المسلمين كما كان حالُ الإمام المعصوم، فاعتبر بعض الفقهاء أنّ كلّ هذه الأمور تقع ضمن حدودِ ولاية الفقيه في عصر الغيبة، واعتبرها البعضُ الآخر خاصةً بالإمام المعصوم كما هو رأي السيد الخوئي قدس الله روحه.

وممّا لا يخفى أنّ هناك نقاشات فقهية عميقة بين الطرفين احتوتها الكتبُ الفقيهةُ الاستدلالية.

2023/08/05

ماذا قدم لنا الدين؟ وهل انتهى مع تطوّر العلوم؟!
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5] حديثنا حول توقعات الإنسان من الدين، فما هي توقعاتنا من الدين؟ وماذا أنجز لنا الدين في حاجاتنا وتطلعاتنا؟

هناك من يقول بأن الدين انقضى وطره لأن العلوم الطبيعية والإنسانية غطت كل الحقول والمجالات، فلم تبقَ حاجة معرفية أو طبيعية إلا وأشبعها العلم، وكشف زواياها فلم يبق للدين مجال بحيث يشكل الدين عنصراً أساسياً أو حيوياً في حياة الإنسان، إذن يبقى السؤال مثار ماذا أنجز الدين في مجالاتنا وحاجاتنا وتطلعاتنا؟

هنا نتكلم عن ثلاثة محاور:

شرح المصطلحات «الدين، العلم، التوقعات».

بيان إنجازات الدين على مستوى التطلعات والتوقعات.

علاقة الدين بالعلم.

المحور الأول: شرح المصطلحات «الدين، العلم، التوقعات».

العلم: العلم هو المعرفة التي تعتمد على الدليل والبرهان سواء كان الدليل تجريبياً أم كان عقلياً، كل معرفة تعتمد على دليل فهي علم.

ما هو الدين؟

الدين: هنا عدة تعريفات للدين: تعريف في علم الاجتماع، وتعريف في علم النفس، وتعريف في علم الفلسفة.

التعريف الأول: الدين في علم الاجتماع

يعرِّف عالم الاجتماع دوركايم الدين بأنه منظومة متماسكة من المعتقدات والممارسات المتعلقة بأمور مقدسة. ويجمع المنتمين إليه بإيلاف أخلاقي موحد.

التعريف سليم، ولكنه أهمل عنصر مهم وهو عنصر الإيمان بإله، يقول واضع هذا التعريف: أنا أريد أن أضع تعريفاً يجمع كل الأديان لا خصوص الأديان التوحيدية، وبما أن من الفرق البوذية من لا يؤمن بإله لذلك حتى أجمع الأديان كلها اكتفيت بهذا العنوان بأمور مقدسة.

لكن هذا الإعراض عن هذا القيد أو هذه الخصوصية تخرج الدين عن كونه ديناً، العرف العقلائي في جميع الأزمنة يرى أن مفهوم الدين لا ينفك عن الإيمان بإله، دين يعني إيمان بإله، الإيمان بالإله عنصر مقوم للدين في العرف العقلائي كله، في جميع الملل والأجيال، فإسقاط هذه الحيثية لا يجعل التعريف دقيقاً، والفِرَق التي لا تعترف بإله ليست هي دين هي مذهب فكري.

فإذن الدين متقوم بالإيمان بإله، وهو عنصر ضروري في تعريف الدين.

التعريف الثاني: الدين في علم النفس

علماء النفس مدارس متعددة وكل مدرسة تُعرِّف الدين من زاوية مختلفة، يقول فرويد: الأفكار الدينية هي معتقدات وتوكيدات متعلقة بوقائع العالم الخارجي أو الداخلي، وهي تعرفنا أشياء لم نكتشفها بأنفسنا ويُطلب منا فعل الإيمان بها.

هذا التعريف يعرِّف ميدان الأفكار الدينية، أي عندما نريد أن نميز الأفكار الدينية والأفكار العلمية، وبين الأفكار الدينية والأفكار الفنية نجعل هذا المائز، نقول: المائز بين الأفكار الدينية وغيرها أن ميدان الأفكار الدينية هو معتقدات وتوكيدات تتعلق بالعالم خارجياً وهو العالم الذي نعيش فيه، أو داخلياً وهو عالم النفس ومشاعرها وخواطرها.

هذا تعريف لميدان الأفكار الدينية وليست تعريف للدين بما هو دين لذلك نحتاج إلى التعريف الثالث.

التعريف الثالث: الدين في علم الفلسفة

يُعرَّف الدين في موسوعة ستانفورد الفلسفية بأنه حركة الشعور نحو المطلق اللامتناهي عبر منظومة من المعتقدات التي تتعلق بالوجود المرئي واللا مرئي من جهة رجوعه إلى القوة الغيبية؛ وهي فترة اختبار أو تطهير لا تتم إلا بالتوافق بين السلوك البشري والتعاليم الأخلاقية والتشريعات من جهة كونها مطلباً إلهياً.

هذا التعريف للدين يشتمل على أربعة عناصر:

العنصر الأول: شعور نحو المطلق؛ الدين يعتمد على الشعور والتوجه نحو اللامتناهي، توجه المتناهي نحو اللامتناهي.

العنصر الثاني: الاعتقاد بأن الوجود مرئي أو لا مرئي؛ أي عالم مادي أو غير مادي، عالم شهادة أو عالم غيب، العالم كله مرئي وغير مرئي يرجع إلى القوة الغيبية، أي يرجع إلى ذلك المطلق اللامتناهي.

العنصر الثالث: أن الدين هو عبارة عن فترة اختبار وتطهير، وسننتقل إلى فترة القرار «الدنيا دار ممر والآخرة دار مقر» نحن الآن لا نعيش استقرار بل فترة اختبار وننتقل إلى عالم فيه النتائج.

العنصر الرابع: أن هذا التطهير وهذا الاختبار ولا يتم إلا بالتوافق بين السلوك الإنساني وبين التعاليم الخلقية والتشريعات الإلهية، وإلا لا يحصل نجاح في الاختبار أو تطهير.

ما هي توقعاتنا من الدين؟ وهل الدين يلبي حاجاتنا أو لا؟

أبراهام ماسلو قسَّم الحاجات الأساسية إلى سبع حاجات:

الحاجات الفسلجية: يحتاج الإنسان إلى الطعام والشراب والتنفس.

الحاجة إلى الأمن النفسي والشعور بالهدوء والاستقرار.

الحاجة إلى الحب: يحتاج الإنسان إلى الدفء العاطفي بينه وبين غيره.

الحاجة إلى التقدير الاجتماعي: أن يشعر بأن كفاءته وجهده محل تقدير وتثمين اجتماعياً.

الحاجة إلى بروز الطاقات: حيث يعطى المجال ليبرز موهبته وطاقاته.

الحاجة إلى الفهم والمعرفة: كل إنسان يحتاج إلى أن يتعرف ويفهم.

حاجة الإنسان إلى تذوق الجمال بجميع معانيه.

المحور الثاني: بيان إنجازات الدين على مستوى التطلعات والتوقعات..

ماذا قدم لنا الدين في هذه الحاجات السبع الأساسية؟

في الجواب ثلاث اتجاهات: اتجاه الحد الأدنى، اتجاه الحد الأعلى، اتجاه الحد المعتدل.

اتجاه الحد الأدنى: يقول الباحث الإيراني عبد الكريم سروش الدين لم يقدم أي شيء، قدَّم فقط العلاقة بين الإنسان وربه، لم يقدم لنا الدين إنجازاً أكثر من أنه قال اعبدوا ربكم، والعلم هو الذي غطى الحاجات.

اتجاه الحد الأعلى: يقول أن الدين غطى كل الحاجات وملأ كل الحقول وقام مقام العلم، لأن الدين ملأ الحقول المعرفية كلها وأبان الحقائق على مستوى التكنلوجيا، وعلى مستوى الفلك، وعلى مستوى الوقاية من الأمراض والأوبئة، وعلى مستوى العلوم الإنسانية. الدين غطى كل شيء لأن القرآن يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]

اتجاه الحد المعتدل وهو الصحيح : الدين لا يقوم مقام العلم ولا يضع نفسه موضعه، الدين ليس علماً حتى يتحدث عن التكنلوجيا وعن الفلك، ويتحدث عن كيف يقي الإنسان نفسه من الأمراض والأوبئة، الدين لا يضع نفسه موضع العلم إنما الدين عالج حاجات فطرية أساسية في شخصية الإنسان فهو بالحد المعتدل والوسط في إشباع حاجاتنا وتوقعاتنا.

ما هي علاقة الدين بالإنسان هل هي علاقة القلم والورقة بحيث أن الدين قلم والإنسان ورقة، والدين يكتب فيها ما يريد؟ أم أن علاقة الدين بالإنسان علاقة المزارع بالبذرة يريد تنميتها واستثمارها وبروزها؟

ليست علاقة الدين بالإنسان علاقة قلم وورقة، وإلا هذا معناه أن الإنسان ليس محتاجاً إلى الدين كما الورقة لا تحتاج القلم، هي ورقة صار هناك قلم أو لا، ويمكن أن يكتب فيها القلم ما يصلح ويمكن أن يكتب ما يضر، لو كانت علاقة الدين بالإنسان علاقة قلم وورقة إذن هذا يعني أن الإنسان لا يحتاج إلى الدين وأي قلم يستطيع أن يقوم مقام قلم الدين.

والصحيح هو أن علاقة الدين بالإنسان علاقة المزارع بالبذرة، الإنسان بذرة تملك حاجات واستعدادات فطرية، فكما أن هذه البذرة تمتلك الاستعداد لأن تكون شجرة تفاح، وهذه البذرة تمتلك الاستعداد لأن تكون شجرة ليمون، هذه البذرة لا تنتج الليمون وهذه البذرة لا تنتج التفاح، كل بذرة عندها استعداد فطري لثمرة معينة.

الإنسان يختلف عن الحيوان وعن الجماد، الإنسان بذرة تمتلك استعدادات فطرية فجاء الدين لإحياء الفطرة واستثمارها وتنميتها بحيث تعطي وتنتج، هنا مركز الدين، هنا تأتي توقعاتنا من الدين، توقعاتنا من الدين أنه يحيي فينا الفطرة وينمي الاستعدادات والحاجات الفطرية التي نمتلكها بالطبع والجبلة.

الدين أشبع الحاجات الفطرية في الحقل الفلسفي، في الحقل المعرفي، في الحقل الإنساني، في الحقل النفسي، وفي الحقل الاجتماعي، هذه الحقول الخمسة دخل الدين فيها ولبى الحاجات الفطرية من خلالها.

الحقل الأول: الحقل الفلسفي

كل إنسان بطبعه عنده أسئلة فلسفية ثلاثية: من أين جئت؟ وإلى أين أذهب؟ وما هو الطريق بين المجيء والذهاب؟ حتى الطفل يسأل هذه الأسئلة لأنها أسئلة فطرية، والدين التفت إليها من أول يوم ووضع فلسفة للإجابة عن هذه الأسئلة الفطرية، فحدد المبدأ، وحدد المنتهى، وحدد العلاقة بين المبدأ والمنتهى من خلال الدليل والبرهان، قال تعالى: ﴿الم «1» ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ «2» الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ «3» وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ «4»﴾ [البقرة: 1 - 4]

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ هذا المبدأ، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ «3» وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهذه حلقة الوصل بين المبدأ والمنتهى، ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ هذا المنتهى. هذه الآية تعكس لنا الدين، والدين أجاب عن الأسئلة الثلاثة فيها.

الحقل الثاني: الحقل المعرفي

كل إنسان بفطرته عنده فضول الاكتشاف والمعرفة، وهنا أيضاً دخل الدين على هذه النزعة الفطرية فوضع عدة عناصر: عنصر الإرشاد إلى التأمل، عنصر الإثارة، وعنصر الاستدلال. أولاً يدعوك إلى التأمل، ثم يطرح عليك إثارات، ثم يضع لك أدلة ترشدك إلى نتيجة الإثارة.

العنصر الأول الإرشاد إلى التأمل.

يقول القرآن الكريم: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: 20] تأمل، حرك عقلك، بادر، اكتشف.

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53] ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24] ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 164] ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ «17» الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ «18»﴾ [الزمر: 17 - 18]، كل هذه الآيات عنصر إرشاد إلى التأمل والتفكير.

العنصر الثاني: عنصر الإثارة

يطرح القرآن ظواهر طبيعية غريبة ويأمرك بالتفكير فيها، كان العرب في زمن الجاهلية الذين لا يعرفون هذه الأمور، العرب الذين استقبلوا القرآن استقبلوا شيئاً فوق مستواهم، طرح لهم قضايا وظواهر لم يألفوها ولم يعرفوها وأمرهم بالتأمل فيها، يأتي القرآن ويسبب لهم صدمة معرفية ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: 88]

ويقول في آية أخرى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: 30]

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ «19» بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ «20»﴾ [الرحمن: 19 - 20]

﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]

طرح القرآن ظواهر طبيعية أمرك بالتفكر فيها والتأمل؛ لتغذية النزعة الفطرية نحو الفضول المعرفي والاكتشاف، وهذا يسمى عنصر الإثارة.

العنصر الثالث: عنصر الاستدلال

القرآن ليس كتاب موعظة وكتاب هداية فقط بل كتاب استدلال أيضاً، فيطرح أدلة ومنها قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] هذا استدلال على أن التعدد يقود إلى الفشل والفساد.

ويقول القرآن الكريم: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35] هذا استدلال.

ويقول: ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ «78» قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ «79»﴾ [يس: 78 - 79]

﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ «58» أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ «59»﴾ [الواقعة: 58 - 59]

هذه كلها استدلالات تصدم الفطرة وتحركها نحو المعرفة.

إذن القرآن لبى الحاجة الفطرية وهي الفضول المعرفي من خلال هذه العناصر الثلاثة.

الحقل الثالث: الحقل الإنساني

الإنسان بفطرته ينحو نحو إعمار الأرض وإقامة الحضارة، يختلف عن الحيوان، الحيوان هدفه مأكله ومشربه، أما الإنسان منذ أول يوم عاش على الأرض صار يفكر كيف يبني وكيف يؤسس وكيف يقوم بحضارة ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61] أي طلب منكم إعمارها وإقامة الحضارة عليها.

نحن اليوم نعيش الحضارة الرأسمالية من شرق الأرض إلى غربها فماذا قدَّم المنطق الرأسمالي وماذا قدَّم المنطق الديني؟

كلاهما يدعو إلى إقامة الحضارة، ولكن الدين يتميز بشيء يقول لا حضارة بدون ركنين، الحضارة لا يكفي فيها التقدم التكنلوجي والتعمق في الفضاء والسيطرة على ثروات الكون، هذا جزء من الحضارة، الحضارة الإنسانية لا تقوم إلا على ركنين: العدالة والأخوة، لذلك الدين يدعو إلى حضارة تقوم على عدالة وأخوة.

الركن الأول: العدالة

لا توجد حضارة بدون اقتصاد لأن الاقتصاد هو عصب الحضارة، الدين ما أتى بعلم اقتصاد، ولكن يمتلك مذهب اقتصادي حيث وضع مبادئ، ومن خلال هذه المبادئ شرَّع قوانين حفظاً لتلك المبادئ، الدين قال عندي مبدأ وهو العدالة ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]

هذا المبدأ اقتضى أن نضع تشريعات منها حرمة الربا لأن الربا يتنافى مع العدالة، يكدس الثروات عند فئة معينة من المجتمع، الدين يرفض الربا رفضاً قاطعاً لأنه لا ينسجم مع مبدأ العدالة ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]

﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وقال في تشريع آخر: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: 7]

الدين يمنع تكدس الثروات في فئة معينة وهي فئة الأغنياء، لابد من التوازن بين مستوى الإنتاج ومستوى التوزيع كلاً بحسب جهده وحسب إنتاجه، توزيع الثروة يكون على طِبْقِ الإنتاج والكفاءة لأجل ذلك شرَّع الدين هذه القوانين ليُحفظ بها مبدأ العدالة، تشريعٌ يتميز به على كل الإيديولوجيات وهو شراكة الفقير مع الغني في الثروة، لا يوجد منطق في العالم اليوم يقول أن الفقير شريك في ثروتك، أنت تقول هذه ثروتي من عرقي ومن كد يميني أنا الذي تعبت عليها، والدين يقول نعم أنت تعبت عليها ولكن الفقير شريك معك، أنت عندما تعطي الفقير صدقة أو زكاة فأنت لست متفضلاً عليه، هذا ملكه، يقول القرآن الكريم: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ «24» لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ «25»﴾ [المعارج: 24 - 25]

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 60]

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: 41]

هذا المبدأ ما وضعه منطق آخر، ما وضعته إيديولوجية أخرى، الدين وضعه حفظاً لمبدأ العدالة والتوازن في توزيع الثروة كي لا يكون دولة بين الأغنياء.

الركن الثاني: الأخوة

حضارة بلا أخوة هي ليست حضارة، نسأل المنبهرين بالحضارة الغربية انظر للحضارة الغربية الإنسان فيها مثل الآلة الميكانيكية يعمل ليلاً ونهاراً، أين علاقات الأرحام، أين العلاقات الأسرية الحميمة، أين التراحم بين أبناء المجتمع؟ أين التواصل الإنساني؟

الدين يريد حضارة لكن حضارة أخوية ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] ويقول القرآن الكريم: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]

ويقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]

ويقول القرآن الكريم: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]

مبدأ الأخوة جعله الدين أساساً للحضارة، حضارة بلا أخوة ليست حضارة إنسانية بنظر الدين، صلة الرحم، بر الوالدين، التراحم والتواصل بين أبناء المجتمع، حتى في البنيان القديم الهندسة فيها لم تكن هندسة اعتباطية بل هادفة، البيوت متلاصقة متداخلة يربط بعضها البعض الآخر، الهندسة من البناء بهذا الشكل وبهذا النوع بحيث أن البيوت مترابطة متلاصقة ومنفتح بعضها على البعض الآخر هندسة هادفة إلى جعل المجتمع أسرة واحدة، ولذلك كان الجيران يعيشون أسرة واحدة، يتفقد بعضهم بعضاً، يعيش بعضهم آلام البعض الآخر، طريقة البنيان فرضت عليهم أن يكونوا أسرة واحدة، هندسة البنيان جعلت تلك الأحياء وتلك المباني بمثابة البيت الواحد، يقول القرآن الكريم: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [يونس: 87] أبوابها متقابلة، كل بيت بابه يقابل البيت الآخر حتى يتحقق مبدأ التواصل والأخوة بين الجيران، ورد عن النبي محمد (ص) : ما زال أخي جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه.

إذن الدين قال لنا أن الحضارة الإنسانية هي الحضارة التي تعتمد على العدالة والأخوة وبدون هاذين الركنين ليست الحضارة حضارة إنسانية.

الحقل الرابع: الحقل النفسي

غطت مدارس علم النفس كثيراً من الحقول التي يحتاج إليها الإنسان، الدين هو المصدر لعلاجها، الدين هو المصدر لتوفير الأمن النفسي، كلما تقدم العلم، وكلما تقدمت التكنولوجيا زاد القلق في الإنسان وعاش الإنسان ألوان من القلق والخوف، وألوان من الاضطراب، هذه الحالة المريرة التي يعيشها الإنسان من القلق والاضطراب من المستقبل، هل يستطيع علم النفس توفير الأمن المعالج لها؟ هل يستطيع الطب النفسي بمختلف ألوانه أن يوفر الأمن النفسي لهذه الحالة من القلق والاضطراب؟

يبقى الدين هو مصدر توفير الأمن النفسي الذي يقتلع حالة القلق والاضطراب، حالة التموج في داخل النفس، الدين وضع لك علاج تصلي لربك كل يوم خمس مرات وتقف بين يديه، الصلاة علاج للقلق، علاج للاضطراب، وعلاج للكآبة ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ «1» الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ «2»﴾ [المؤمنون: 1 - 2]

الصلاة الخاشعة علاج للاضطراب والقلق لم تقدمه إيديولوجية أخرى كما قدمها الدين، لذلك يقول القرآن الكريم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]

﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]

الحقل الخامس: الحقل الاجتماعي

ما زال علم الاجتماع إلى اليوم يعتبر البعد الاجتماعي بعداً أصيلاً في شخصية الإنسان، لكن كيف نحافظ على هذا البعد الاجتماعي؟ ربما يتضاءل ويتبخر البعد الاجتماعي نتيجة انغماس الإنسان في الحضارة المادية، هنا يأتي الدين ليشبع هذه الحاجة وهذا البعد الأصيل في شخصية الإنسان، الإنسان يعيش صراعاً بين نزعتين: نزعة الاستئثار، ونزعة الإيثار.

نزعة الاستئثار: الإنسان بطبعه يريد أن يتملك الأشياء ويحوزها ويأخذها لنفسه، طبيعة الإنسان طبيعة الاستئثار والأخذ والحيازة.

نزعة الإيثار: أن يقدم بالمجان، أن يقدم عطاء بلا مقابل.

الإنسان بطبعه يعيش الصراع بين الاستئثار والإيثار، من الذي يتدخل ليغلب نزعة الإيثار على نزعة الاستئثار؟ يعالج الدين حاجة فطرية في الإنسان ليغلب نزعة الإيثار على نزعة الاستئثار، الدين هنا يتدخل ليعلم الإنسان كيف يذيب الأنانية والأنوية، كيف يخرج من طوق الانا إلى طوق الغير، كيف يقدم عطاء سخياً بلا مقابل، كيف يعيش روح الإنتاج والعطاء للآخرين، الدين يصر على هذه النقطة عندما يأمر بالصدقة، عندما يأمر بالعطاء، عندما يقول لك: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: 35]

وعندما يقول لك: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] الكثير منا يعطي الفقير ما رغب عنه وفاض عن حاجته، هذا ليس هو الدين لأنه لا يعلمنا غلبة نزعة الإيثار على نزعة الاستئثار، لن تغلب نزعة الإيثار على الاستئثار حتى تنفقوا مما تحبون، فابذل جزء مما عندك من نعم وثروة حتى تتغلب على نزعة الاستئثار.

إذن الدين أشبع الفطرة وغطى حاجات فطرية أساسية، في الحقل الفلسفي، وفي الحقل المعرفي، وفي الحقل الإنساني، وفي الحقل النفسي، وفي الحقل الاجتماعي.

المحور الثالث: علاقة الدين بالعلم

الدين لم يضع نفسه موضع العلم، العلم له ميدانه والدين له ميدانه، العلم يخبرنا ماذا يوجد والدين يخبرنا لماذا يوجد، مثلاً العلم يقول لنا هذا الكون يقوم على قوى أربع: القوة الكهرومغناطيسية، قوة الجاذبية، القوة النووية، والقوة الإشعاعية. والدين يقول إذا كان الكون يقوم على القوى الأربع إذن هذا يكشف عن دقة المصمم، أن الذي صمم الكون كان دقيقاً.

إذن الدين يستثمر العلم، العلم يطرح حقيقة، والدين يقود الحقيقة للوصول إلى الله تبارك وتعالى، لماذا وجدت هذه القوى الأربع؟ لكي تحفظ توازن الكون وتؤهل الإنسان لحضارة مستقرة.

يقول الفيلسوف جورج ستارم: الإنسان يحتاج إلى مثلث: فن، ودين، وعلم. وبدون هذه الثلاثية لا يستطيع أن يعيش، الإنسان يحتاج إلى الفن لأن الفن هو الذي يبرز الجمال فيضفي البهجة على الحياة، ويحتاج إلى الدين لأن الدين هو الذي يطهر الروح فيضفي المحبة في الحياة، ويحتاج إلى العلم لأن العلم هو الذي يغذي العقل بالصدق والحق.

ويقول الفيلسوف باربر: الدين والعلم تكامل وليس صراع، الدين ثورة داخلية والعلم ثورة خارجية، الدين ثورة في الداخل يطهر الروح ويهذب النفس ويرشد السلوك، والعلم ثورة خارجية يقدم الإنجازات المادية، العلم يوفر الأمن الخارجي والدين يوفر الأمن الداخلي، العلم يوفر الأمن من الأمراض والأوبئة، والدين يوفر الأمن من القلق والاضطراب والنوازع النفسية.

إذن بين الدين والعلم تكامل وتوائم، ولو ترك العلم وحده بدون دين لدمر العالم، العلم بدون رادع ديني يدمر الأرض بالأسلحة الفتاكة، العلم بدون رادع ديني يملأ الأرض بالأوبئة التي تقضي على الوجود البشري، العلم بدون رادع ديني يحول الإنسان إلى أداة ميكانيكية، أنت ستصبح أداة يديرك جهاز الذكاء الصناعي أينما كنت، إذن الدين يشكل رقيب على العلم، لولا رقابة الدين لربما وصل العلم إلى تدمير البشرية كلها.

الدين يشكل رقيب عتيد على العلم ورادع عن أن يتحرك العلم تحركاً مدمراً للبشرية، وفي نفس الوقت الدين يحتاج إلى العلم، مثلاً الدين يقول يشترط في صحة الصلاة استقبال القبلة، ولكن العلم هو الذي يحدد القبلة، الدين يقول لا يصح الصوم ولا الحج إلا في شهر معين، والشهر يتحقق ببزوغ الهلال، والعلم هو من يحدد وجود الهلال ومواصفات الهلال وإمكانية رؤية الهلال، فالدين يعتمد على العلم وبينهما تكامل.

نظرية الانفجار تقول أن هذا الكون له عمر وليس أزلي، جاء منذ زمن معين يقدر ب 13.7 مليار سنة، والدين يقول بما أن للكون عمراً بحيث أنه لم يكن ومن ثم كان فما هو مصدر وجوده وما هو مصدر كينونته، العلم يقدم شيء والدين يستثمره في سبيل إثبات وجود الخالق تبارك وتعالى.

إذن بالنتيجة بين الدين والعلم تلاؤم وتكامل، وليس بينهم صراع، لأجل ذلك أهل بيت النبوة صلوات الله وسلامه عليهم وهم نماذج الدين ومطالع الدين، جمعوا بين الدين والعلم، هم الدين وهم العلم «السَّلاَمُ عَلَى مَحَالِّ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَ مَسَاكِنِ بَرَكَةِ اللَّهِ وَ مَعَادِنِ حِكْمَةِ اللَّهِ وَحَفَظَةِ سِرِّ اللهِ»

عليٌ هو الدين لذلك يقول النبي (ص): برز الإيمان كله إلى الشرك كله. وعلي يمثل العلم يقول الرسول (ص): أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأتها من بابها. إنما المصطفى مدينة علم وهو الباب من أتاه أتاها.

وكان يقول عليٌّ (ع) : كمال الدين طلب العلم والعمل به.

عليٌّ يمثل الدين والعلم، وأبناء علي يمثلون الدين والعلم، لذلك يقول سيد الشهداء لأمير المدينة: نحن أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومهبط الملائكة، ويزيد رجل فاسق شارب للخمر وقاتل للنفس المحترمة ومثلي لا يبايع مثله.

المصدر: almoneer
2023/08/03

كيف يموت الإنسان؟.. حقائق علمية وفلسفية صادمة!
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.. الآية المباركة تحدثت عن أمر يبغض الإنسان أن يتحدث عنه، وتناولت موضوعا يكره الإنسان ذكره، ألا وهو الموت، الإنسان بطبعه يكره ذكر الموت، ويحاول أن يتغافل عن موضوع الموت، مع أنه يؤمن أن الموت حقيقة ومصير حتمي، ومع ذلك يحاول أن لا يتصور ولا يتذكر ولا يفكر بالموت، الإنسان بطبعه يعيش حالة القلق من الموت، ومع ذلك فإنه يتناساه أو يتغافل عنه. أولا: الموت بمنظور علم النفس:

علم النفس تحدث عن الموت بشكل مسهب ومفصل عن الظواهر وعن الأمراض النفسية الأخرى، تحدث عن القلق، الهلوسة، تحدث عن أغلب الأمراض النفسية، ولكن عندما يصل علماء النفس إلى الموت، فإنهم يتحدثون بنزر قليل عن الموت وعن القلق من الموت، مع أن ظاهرة القلق من الموت هي أكبر ظاهرة، هي الظاهرة التي تحتل المجال الأوسع في نفوس الناس، ومع ذلك فإن علماء النفس عندما يقفون عند هذه الظاهرة، يتناولونها بنزر من الكلمات.

الدكتور محمد أحمد عبد الخالق، في مجلة عالم المعرفة، في عدد 111 يقول:

حاول الأطباء النفسانيون أن يقوموا بدراسات ميدانية عن القلق من الموت، ولكن الدراسات لم تعطي نتائج في هذا المجال كما أعطت في المجالات الأخرى، لأن الفاحص الذي يقوم بالدراسة، والمفحوص الذي تجرى عليه الدراسة، كلاهما لا يحب أن يتحدث عن الموت، ولا يحب أن يتكلم ولا يجيب عن الأسئلة ولا أن يركز في الحديث عن الموت.

التحدث عن الموت شيء مبغوض، ومكروه، الإنسان قلق من الموت، لأن جميع العلل لها دواء إلا الموت، الإنسان يبغض الفشل، يبغض المرض، يبغض الفقر، يبغض الجهل، ولكن لا يبغض هذه الأشياء كما يبغض الموت، هذه الأشياء يمكن علاجها، أما الموت فلا علاج له، الموت آخر علة يعتلها الجسم العليل، الموت علة لا دواء لها

يا موت ما أقساك من نازل

تختطف  العذراء من خدرها              تنزل   بالمرء  على  رغمه

وتأخذ   الواحد   من   أمه

لماذا نقلق من الموت؟

لأن الموت يعني فراق لذة الحياة، ونحن نحب لذة الحياة، لأن الموت يعني فراق الأحبة والأهل، الحسن الزكي عليه السلام يبكي وقت احتضاره، يقال: يا أبا محمد، أنت سيد شباب أهل الجنة، فما يبكيك؟ قال: ”أبكي لخصلتين: هول المطلع، وفقد الأحبة“.

نحن نقلق من الموت لأن الموت بداية مصير مجهول، عالم مجهول لا نملك عنه خبرة، ولا نملك فيه تجربة، لذلك نقلق منه، نحن نقلق من الموت، لأن وراء الموت محاسبة، وسجلا ينتظرنا، وملفات تستقبلنا.

ولو   أنا   إذا   متنا  تركنا

ولكنا    إذا    متنا    بعثنا                لكان  الموت  راحة كل حي

ونسأل يومها عن كل شيء

نحن نتحدث عن الموت لأن الموت من الحقائق، ونحن في موسم وأجواء كربلاء، والموت جزء من تراث كربلاء، الموت احتل مساحة واسعة في خطب الحسين وكلماته، في يوم كربلاء قال: ”خط الموت على ابن آدم مخط القلادة على جيد الفتاة“ ....

بما يتحقق الموت، بموت القلب، أم بموت الدماغ؟

لدينا قلب، ولدينا دماغ، القلب مضخة دم لا أكثر، ولذلك يمكن استبدالها بمضخة صناعية، القلب يضخ الدم وإذا توقف عن النبض والضخ، يتوقف الدم عن الورود إلى الأعضاء، الدم يحمل معه نسبة من الأكسجين لجميع الأعضاء، إذا توقف ورود الدم على الأعضاء، نتيجة توقف ضخ الدم من قبل القلب، إذا تموت الأعضاء بالتدريج.

الدماغ يزن 1200 غرام وهو مكون من ثلاثة أجزاء: مخ، مخيخ وجذع المخ، المهم هو جذع المخ، فهو محور البدن كله، جذع المخ كشبكة الاتصالات في جميع خلايا البدن وهي التي توزع مسؤولياتها ووظائفها، يعني إذا مات جذع الدماغ، ماتت الوظائف الحيوية لهذا البدن، والدماغ إذا مات لا يعود، القلب يمكن أن يستبدل، لكن الدماغ لا يمكن استبداله.

عادة الإنسان يموت قلبه، يتوقف عن النبض، بعدها بخمس دقائق يموت الدماغ، تموت الكلية بعد 20 دقيقة أو أكثر، وهكذا تموت بقية الأعضاء، عادة هكذا الموت، ولكن أحيانا قد يموت الدماغ قبل القلب، يصيبه حادث، أو يصبح فيه نزيف، فيموت دماغه قبل قلبه، فالدماغ مات والقلب لا زال ينبض، في مثل هذه الحالة، لدينا إنسان على السرير في المستشفى، مات دماغه، والجهاز عليه - جهاز الإنعاش - ومات دماغه، وحكم الأطباء بأنه لن يعود إلى الحياة ولا بنسبة 1 إلى 1000، فبماذا نحكم عليه؟

جامعة هارفرد سنة 1980م قرروا أن الموت الطبي هو موت الدماغ، ولكن الفقهاء - فقهاء الإمامية - اختلفوا على قسمين، والقسم الأغلب منهم، سيدنا الخوئي، السيد الإمام، السيد السيستاني، شيخنا التبريزي، وأمثالهم من الفقهاء، قالوا: الموت موت القلب، مادام قلبه ينبض، إذا فهو لم يمت، وإن مات دماغه، لا يجوز التصرف فيه، يعني لو أن الطبيب رأى أن هذا الإنسان بقي على السرير خمسة أشهر مثلا، الدماغ مات، والجهاز عليه، وقلبه لم يمت، قد يقول الطبيب نحن نحتاج إلى هذا الجهاز، فيرفع الجهاز، وبمجرد أن يرفع الجهاز عن هذا الإنسان، فإن قلبه يتوقف عن الحركة.

قسم من فقهائنا يقول: قتله، فيجب أن يدفع الدية، لأنه قتله برفع الجهاز عنه، إلا إذا كانت هناك حالة تزاحم، مثلا شخص أحضروه الإسعاف، ومازال دماغه حيا، فهو أحوج إلى هذا الجهاز، ويمكن رفع الجهاز من هذا ووضعه على المريض الجديد، وإلا إذا لم يكن هناك حالة تزاحم، فلا يجوز رفع الجهاز، لأن هذا يعتبر قتل، مثلا لو كان هذا الميت في مستشفى أهلي، فبقاء الجهاز عليه يحتاج لأموال، ومن أين تؤخذ الأموال لمدة خمسة أشهر أو سنة، يقول الفقهاء: تؤخذ أجرة الجهاز من أمواله هو، وإذا ولم تكن له أموال، يؤخذ من مال الزكاة، سهم سبيل الله، يعني من بيت مال المسلمين.

وقسم آخر من فقهائنا يقول: الموت موت الدماغ، إذا قال الأطباء مات دماغه، ولن يعود للحياة ولو بنسبة 1 إلى 1000 إذن يعتبر مات، تترتب عليه آثار الموت، وإن كان قلبه مازال ينبض.

لماذا هذا الخلاف؟

عندما نرجع إلى الفقه، والأبحاث الفقهية، الفقهاء يقولون موضوعات الأحكام الشرعية على ثلاثة أقسام:

1- الموضوعات الصرفة

مثلا أنت تقرأ الأحكام الشرعية، إذا خرج الإنسان من بلده قاصدا قطع 22 كيلو، فإنه يصلي قصرا، هذا حكم موضوعه الخروج من بلده، الذي يحدد لنا حدود البلد هو العرف الخاص.

2- الموضوعات الشرعية

يعني موضوعات حددها أهل البيت أنفسهم، فنحن نرجع إليهم في تحديدها، مثلا: القبلة، نحن الآن في الشرق والقبلة في الغرب هل ينحرف الإنسان إلى اليمين أو إلى اليسار في توجهه للقبلة، هذه الموضوعات حددتها الروايات عن أهل البيت، إذا القبلة من الموضوعات الشرعية، التي حددتها النصوص، إذن يرجع إلى النصوص.

3- الموضوعات المستنبطة

هي عناوين وردت في النصوص، في الآيات أو في الروايات، وهذه العناوين يرجع في تحديدها إلى العرف العربي، وليس عرف البلد، ليس العرف الخاص، بل العرف العام، مثلا عندما تقرأ قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ماذا يعني بالصعيد؟ هذا عنوان ورد في النص، يرجع في تحديده للعرف العربي، العرب ماذا يفهمون من كلمة الصعيد.

بعض فقهائنا مثل السيد الخوئي قدس سره يقول: بما أنها لم تلقى على فئة خاصة فالمرجع في فهمها العرف العربي العام، لا فئة من المجتمع، ولا فئة خاصة، مثلا: عندما تفتح الرسالة العملية، تقرأ أنه إذا خرج المني من الإنسان، وجب عليه الغسل، والمرأة هل يخرج منها مني؟ الطب يقول المرأة لا مني لها، يعني أن السائل المنوي الذي يحمل حيوانات منوية، لا يخرج من المرأة، لا يخرج إلا من الرجل، ولكن هناك رواية معتبرة عن الإمام الصادق عليه السلام ”إذا أمنت المرأة أو الأمة فإن عليها الغسل جامعها الرجل أم لم يجامع، في يقظة أم في منام“ قد يشك البعض في هذه الرواية، وهذه الرواية تخالف المنطق العلمي، أن المرأة لا إمناء لها، فنقول أن المرجع العلمي ليس هو العرف الخاص، وهو عرف الأطباء، بل المرجع في العناوين هو العرف العربي العام.

العرف العربي العام يفهم كما أن الرجل تنزل منه مادة منوية، فالمرأة أيضا عندما تشتد بها الشهوة وتصاب برعشة معينة، تنزل رطوبة من رحمها، وتلك الرطوبة لا تحمل خصائص المادة المنوية للرجل، لكنها هي مني المرأة، العرف العربي يسميها مني، كما يسمي السائل من قبل الرجل مني، مع أن الخصائص الكيميائية لكل منهما مختلفة، لكن العرف العربي يسميها مني، إذا حصل للمرأة هذا وجب عليها الغسل.

إذا المرجع في تحديد العناوين الواردة في النصوص، آيات، روايات، العرف العربي العام، وليس التحديد العلمي من طب أو هندسة أو ما شابه ذلك، بهذا عرفنا أن من يقول بأن الموت هو موت الدماغ، يقول بأن العرف العربي هكذا يفهم، ومن يقول أن الموت موت القلب، يقول بأن العرف العربي هكذا يفهم.

ثانيا: الموت بالمنظور الفلسفي:

الفلاسفة يقولون بأن الموت انفصال شعاع الروح عن الجسم، وهناك عدة أمور توضح هذا:

الأمر الأول:

إذا أردنا أن نفهم الموت، فعلينا أولا أن نفهم الحياة، لأن الموت هو فقدان الحياة، الفلاسفة يقولون: إذا وضعت النطفة في رحم المرأة، واستقرت ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ النطفة تتحرك في اتجاهين، اتجاه مادي، واتجاه معنوي.

الاتجاه المادي: شرحه لنا القرآن ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾.

الاتجاه المعنوي «التجريبي»: يعني أن النطفة تكتسب الحياة، والحياة لها ثلاث درجات:

أول درجة في الحياة: هي الحياة النباتية، حياة النمو.

الدرجة الثانية من مراحل الحياة: هي الحياة الحيوانية يعني حياة الإحساس والحركة.

الدرجة الثالثة من درجات الحياة: هي الحياة الإنسانية، يعني حياة العقل والإدراك.

إذا وصلت النطفة إلى درجة العقل والتفكير، أصبحت إنسانا، حقيقة الحياة أنها ليست شيئا ماديا، كثير من الناس يتوهم أن الحياة هي موجودة بالداخل، وعندما يأتي ملك الموت يأخذها ويطلقها كالعصفور، وتطير في الجو.

الحياة ليست شيئا ماديا، الحياة طاقة، يعني شعاع يحيط بالبدن، ليس هناك شيء في داخل البدن اسمه الروح، الروح هي الحياة، والحياة هي طاقة شعاعية تدبر هذا البدن، مثل جهاز التحكم، أنت تحرك به السيارة إلى اليمين أو الشمال، فالروح أيضا تحرك البدن، تجعله يتنفس ويأكل ويمشي ويشرب وهكذا، فالروح تحرك هذا البدن، تتعلق به تعلق التدبير والتصرف، فالروح والحياة هي طاقة إشعاعية تدبر البدن وتديره ﴿فَإِذَا سَوَّيْته وَنَفَخْت فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ بمعنى أعطيته طاقة إشعاعية تديره وتدبره، فإذا جاء ملك الموت ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَك الْمَوْت الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فعندما يأتي ملك الموت فإنه يقطع هذا الشعاع عن البدن، مثلما تقطع الطاقة الكهربائية عن الجسم، فالموت هو انفصال شعاع الروح عن البدن، فإذا انفصل الشعاع يترتب أثران:

الأثر الأول:

الإحساس يموت، ماعدا السمع، فإنه يبقى، آخر حاسة تبقى للإنسان هي حاسة السمع، ولذلك أول حاسة يذكرها القرآن هي حاسة السمع ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ آخر حاسة يفقدها الإنسان هي حاسة السمع، ولذلك في الروايات ”إذا مات الميت يسمع بكاء أهله، ويسمع حديثهم“.

الأثر الثاني:

أن الروح إذا فارقت الجسد المادي، تتلبس بجسد مثالي يعني ليس جسدا ماديا، لا يشغل حيزا من الفراغ، ليس له طول وعرض وعمق، جسد يشبه البدن في صورته، ولكنه ليس ماديا، ولذلك إذا انطلقت الروح ﴿كَلاَّ إِذَا بَلَغَتْ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ يرتقي الشعاع إلى أن يصل إلى العالم الآخر، الروايات تقول أن الأرواح موجودة، ”دعوها فإنها أقبلت من هول عظيم“ يعني أن الانفصال عن الجسد ليس بالشيء السهل، القرآن يعبر عنها بالسكرات، ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق : 19]

أنا الآن في هذا المكان على المنبر، لا أدري ماذا يوجد بالجنوب، لأن المكان يحدني، إذن الزمان حد والمكان حد، فأنا لا أدرك ما وراء الحد، أما إذا مات الإنسان، تحرر من الجسد، فتحرر من الزمان والمكان، وتحرر من الحدود، فإذا تحرر من الزمان والمكان صار إدراكه إدراك إطلاقي، يعني يدرك ما وراء الزمان والمكان، من دون فرق سواء كان مسلم أو كافر، الجميع يصبح لديه حياة إدراكية إطلاقية، لا تعرف حدود الزمان والمكان ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ الزمن غطاء، المكان غطاء، هذه كلها أغطية ورفعت عن الإنسان، فيستطيع أن يرى الملائكة والجن والأشباح، الأرواح، العقول الكلية، يرى عوالم غريبة، ما كان يراها وهو في الحياة، ولهذا الشخص العادي يفاجأ بما يرى، أما الشخص الذي انكشفت له العوالم في الدنيا، هناك قسم من الناس اكتشفوا هذه العوالم قبل أن يموتوا، اكتشف عالم الأرواح والأشباح والملائكة والجن، فإذا ماتوا لا يغير الموت من حياتهم شيء، لأنهم اكتشفوها قبل موتهم، يقول الإمام علي : ”لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا“ الغطاء يعني الموت.

الحياة البرزخية، حياة إطلاقية، ونفس هذه الحياة الإطلاقية، تنقسم إلى قسمين: حياة انفصالية، وحياة اتصالية.

الحياة الانفصالية: مثل حياة الأشخاص العاديين، إذا ماتوا موتة عادية، يصبح لديهم إدراك للزمان والمكان، لكنهم ينفصلون عن الأرض، الجسم يبقى في الأرض، وإن كانوا يدركون ما وراء الزمان والمكان، أرواحهم تنفصل عن الأرض.

الحياة الاتصالية: بعض الأشخاص حتى إذا ماتوا، يتحركون على الأرض، ويتجولون عليها، لا ينفصلون عن الأرض، يبقون عليها متحركين، حتى بعد موتهم، وهم الشهداء ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ الشهداء موجودون بيننا ولكن لا نشعر بهم، يشهدون أعمالنا، يوما بيوم، لحظة بلحظة، ولذلك سموا بالشهداء، يشهدون أعمال من هم على الأرض، ويعيشون حياة إطلاقية، وحياة اتصالية، أكرم حياة تعطى لهم ﴿وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ لذلك قال الحسين : ”إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما“ ”صبرا بني عمومتي، ما الموت إلا قنطرة“ مجرد جسر قصير تنطلقون منه إلى حياة ثانية.

القرآن الكريم يقسم الأجل، إلى أجل حتمي، وغير حتمي:

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ﴾ هناك أجل غير مسمى، مفتوح، وهناك أجل مسمى، ليس معينا، أجل معين وغير معين:

الأجل الغير مسمى: هو الأجل غير الحتمي، فلان يموت بحادث سيارة، إن خرج اليوم الفلاني بالساعة الفلانية، فلان يموت بالمرض الكذائي، إن شرب الماء الفلاني أو أكل الأكل الفلاني، فلان يموت، يسقط من أعلى شاهق إلى الأرض إن صعد إلى تلك الدار، كل هذا أجل غير حتمي، يعني أنه معلق على أمور اختيارية، احترازية.

الأجل غير المسمى: هو الأجل الذي يعلم الله أن الإنسان سيختاره، يعلم الله أن هذا الإنسان سوف يختار هذا النوع من الأجل، هو بنفسه ذهب إلى العراق مثلا باختياره وبإرادته وضحى بنفسه، إذن هو اختار أجله.

قد يسأل البعض، كيف هو يختار أجله والله تعالى يقول: ﴿فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾ الأجل ليس بيد الإنسان، هو مكتوب، أم كيف يقول الله تعالى في كتابه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.

أولا: قد يكون الأجل أحيانا غير حتمي، وليس دائما، يعني أنه قد يكون حتميا، وقد لا يكون، يعني أنه يكون منصبا على اختيار الإنسان.

ثانيا: هناك فرق بين اختيار السبب، وبين اختيار النتيجة، الموت هو النتيجة، فأنت لا تختار النتيجة، فهي بيد الله، لأن الإنسان قد يسقط من ألف متر ولا يحصل له شيء، إذن النتيجة وهي الموت ليست بإرادة الإنسان واختياره، بل هي بيد الله، إنما نحن نتحدث عن السبب، هل تموت بالحادث، أم بالرصاص، أو بالمرض، هذا سبب، فتحديد السبب بيد الإنسان وبإرادته، فهناك فرق بين النتيجة والسبب، النتيجة ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ لكن السبب وهو كيفية الموت، بيد الإنسان وبإرادته، في بعض الأحيان هو يحدد سبب موته من حيث لا يشعر ولا يدري.

ثالثا: الموت بالمنظور السلوكي، العملي:

كلنا نكره الموت، فماذا أعددنا للموت، كلنا نريد أن نتغاضى عن الموت، لماذا نتذكر الموت وهو بغيض إلى هذه الدرجة؟

لابد لنا أن نتذكر الموت، فذكر الموت هو الحاجز الوحيد عن ارتكاب المعصية، الموت هو الرادع الداخلي عن ارتكاب المعصية، إذا تغافلت عن الموت، ارتكبت المعصية، الكذب، الغيبة، عقوق الوالدين، العلاقات الغير مشروعة، ولكن ذكر الموت يقف حاجزا ورادعا عن ذلك، ولذلك ورد عن الرسول محمد صلى الله عليه وآله : ”أكثروا من ذكر هادم اللذات“ اجعل الموت نصب عينك دائما، اجعل الموت ماثلا أمام عينك دائما، وإذا رأيت جنازة محمولة = فاعلم بأنك بعدها محمول

لابد أن أجعل الموت ماثلا أمامي، وشاخصا أمام عيني، لأنه الرادع الذي يردعني عن المعصية، ورد عن أمير المؤمنين : ”كفى بالموت واعظا، وكفى بالأجل حارسا“ الموت هو الواعظ، أنا عندما أتعرض لإغراءات من امرأة أجنبية، من خلال المحادثات، أو السوق، أو من خلال الأماكن الأخرى، أو المرأة عندما تتعرض لخداع الرجل الأجنبي، أقدم على المعصية، على الرذيلة، فما الذي يمنعني غير ذكر الموت، لو كان الموت ماثلا أمامي لما تجرأت وارتكبت المعصية، أنا أحب وأشتهي وأرغب أن أشاهد الفلم الخليع الإباحي من خلال شاشة التلفاز، أو من خلال المواقع الإباحية في الإنترنت، هذه المواقع الخلاعية، أتعلم منها العلاقات الغير مشروعة، فما الذي يحجزني عن هذه الرذيلة وعن هذه المعصية إلا الموت، لذلك علينا أن نربي أنفسنا على ذكر الموت، علينا أن نستحضر الموت أمامنا دائما، علينا أن نجعل الموت يعيش معنا في سلوكنا وفي نبضات قلوبنا، حتى يكون لنا رادعا وحاجزا عن مزاولة الرذائل والمعاصي.

هناك طريقان لأن نربي أنفسنا على ذكر الموت:

الطريق الأول:

قراءة سيرة أهل البيت عليهم السلام إن سيرتهم مشبعة بذكر الموت، واستحضار الموت، ابن شهاب الزهري رأى زين العابدين  في ليلة من الليالي وهو يحمل جراب على ظهره، قال: إلى أين سيدي بهذا الجراب؟ قال: إلى سفر أعددت له زادا، وفي اليوم الثاني رأى الإمام في المدينة، قال: سيدي تقول إنك في سفر، ولم تسافر؟ قال: ليس السفر ما ظننت، إنه سفر الموت.

كلنا مسافرون، أنا مسافر ولست مقيم، لابد أن يتذكر الإنسان أنه مسافر، أنا مسافر،

وما المال والأهلون إلا وديعة            ولابد  يوما  أن  ترد  الودائع

****

ألا إنما الإنسان ضيف لأهله              يقيم  قليلا  عندهم  ثم يرحل

ليس السفر ما ظننت، إنه سفر الآخرة، وما زاد سفر الآخرة؟ قال: زاده الورع عن محارم الله، وبذل الندى في الخير.

إذن نحن مسافرون إلى حفرة منتنة، مظلمة، موحشة، الرسول  يقول: "إذا وضع الميت في قبره

أشد ساعة هي هذه الساعة، بمجرد أن يسجى الإنسان على التراب، ويشعر بوخز التراب، تراب نتن، يرى بينه عظام الموتى، والديدان التي تأكل من جسده، وتنهش لحمه، وهو لا يستطيع دفعها، ولا يستطيع منعها، حفرة مظلمة، موحشة، هذه أشد ساعة على الإنسان، يتمثل له ثلاثة: أولاده، يقول: أولادي ربيتكم تعبت عليكم أنتم تحبونني أما يعز عليكم أن تتركوني في هذه الحفرة الموحشة! يجيبه أولاده: ماذا نصنع، نشيعك إلى قبرك، ونواريك في حفرتك، وتتمثل إليه أمواله، يقول: أموالي أنا موظف راقي، ولدي ادخار كبير، ولدي عقار وأراضي، أين هي أموالي، ماذا تنفعني؟ تجيبه أمواله: ليس لك عندنا سوى سترة بيضاء، تواري بها عورتك، والبقية لغيرك، ويتمثل له عمله، هذا العمل أثقل شيء على قلبه، العمل هذا كله ذنوب ومعاصي، صفحات سوداء مظلمة، ماذا أصنع بهذا العمل! يجيبه عمله: أنا قرينك في قبرك، وصاحبك عند نشرك، أنا الذي لا أفارقك ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾.

الطريق الثاني:

أدعية أهل البيت عليهم السلام قراءتها صباحا، مساء، تربطنا بالآخرة، وتذكرنا بالموت، تعلمنا كيف نمتنع عن الرذيلة، تغذي أرواحنا برصيد روحي عظيم، لنقرأها، لنتأملها، زين العابدين  يمد لنا لمساته الشفافة «وما لي لا أبكي، ولا أدري إلى ما يكون مصيري، وأرى نفسي تخادعني، وأيامي تخاتلني، وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت، فمالي لا أبكي، أبكي لخروج نفسي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لضيق لحدي، أبكي لظلمة قبري، أبكي لسؤال منكر ونكير إياي، أبكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا، حاملا ثقلي على ظهري، أنظر مرة عن يميني، ومرة عن شمالي، إذ الخلائق في شأن غير شأني» «وارحمني صريعا على الفراش، تقلبني أيدي أحبتي، وتحنن علي محمولا قد تناول الأقرباء أطراف جنازتي، وتفضل علي ممدودا على المغتسل، يغسلني صالح جيرتي».

2023/07/11

لماذا نحزن؟ وكيف نتخلّص من الحزن؟
إن الأفكار التي نمتلكها في حياتنا وتنبثق في إيماننا وتتأثر بها قلوبنا، هي التي تصنعنا، وسلوكنا عبارة عن تجسيد لها، وهذه الأفكار هي التي تصنع مشاعرنا، أو المواقف، أو القرارات التي تصدر منّا، فنحن نتربّى منذ الصغر على أفكار معينة وأنماط معينة وقوالب فكرية خاصة، عندما نتلقى التوجيهات التربوية، افعل هذا ولا تفعلْ ذاك.

هذه الأفكار التي نتربّى عليها، هي التي تصنع شخصياتنا، على سبيل المثال، إذا تعرّض شخص ما إلى نوع من الاستفزاز، وتنمّر عليه أحدهم، أو خاطبه بكلام جارح، أو استفزه بطريقة مسيئة من أجل أن يثيره، فالشخص الذي يتربى على نمط فكري معين ويشعر بأنه إذا لم يواجه هذا الشخص فسوف يقول الناس عنه بأنه ضعيف، فيواجه هذا الاستفزاز برد فعل عنيف.

ويتصادم مع الشخص الذي استفزه، ويؤدي ذلك إلى توتره وقلقه واضطرابه مما يؤثر على صحته الجسدية فيرتفع ضغط الدم وتتصاعد ضربات قلبه، وتتأزم صحته النفسية بسبب هذا الاستفزاز الذي واجهه برد فعل انفعالي، فالنمط الفكري الذي تربّى عليه هو الذي جعله يفعل هذا الشيء.

أما إذا كان ملتزم بنمط فكري آخر، كأن يقول لنفسه، إذا استفزني شخص ما سوف أبتعد عنه جانبا ولا أجيبه ولا أتكلم معه، بل أقول له سلاما، (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) الفرقان 72، (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) الفرقان 63.

حينئذ هذا الإنسان تكون أعصابه هادئة مستريحة، ونفسيته ومشاعره متوازنة، لا يستفزه الغضب.

ما هي البرمجة الفكرية؟

فنحن عبارة عن مجموعة أفكار نحملها منذ الصغر، وهي التي تتحكم في مواقفنا وعواطفنا، وحياتنا كلها، فالبرمجة الفكرية الموجودة لدينا أساسا، هي التي حصلنا عليها من خلال التربية الأسرية، والتنشئة الاجتماعية، ومن خلال التربية المدرسية، أو الاحتكاكات واللقاءات الاجتماعية، هذه الأمور هي التي جعلت شخصيتنا على ما هي عليه.

إن البرمجة الفكرية التي نحتاج لها دائما هي البرمجة الأساسية في عملية بناء الشخصية السويّة الصالحة، لذلك نحن نحتاج إلى أن نقرأ المفاهيم، والأفكار الواردة في حياتنا، حتى نستطيع أن نتحكم بحياتنا، وتكون لدينا قدرة وإدارة حكيمة لشخصياتنا، وقيادة حياتنا نحو المنطلق والاتجاه الصحيح، أو الطريق القويم الذي لابد أن نسير فيه.

مفهوم الحزن

لذلك من المهم جدا أن نعرف الأفكار والمفاهيم التي تتحكم بنا، ومن هذه المفاهيم، مفهوم الحزن، فكيف نعرف ونفهم الحزن، وما هو معناه، وكيف نبرمج الحزن في حياتنا؟

الحزن هو شيء حتمي موجود عند الإنسان كالفرح، علما أن الفرح والحزن نقيضان، أو ضدّان أحدهما في مقابل الآخر، فكيف نتعامل مع مفهوم الحزن في حياتنا؟

الحزن الذي هو نقيض الفرح أو نقيض السرور، هو حالة من الغمّ والكآبة التي يشعر بها الإنسان، تجاه قضية أو موقف أو نتيجة خسارة أو مصاب، وهذا الحزن يتسبب بوجود شعور بالألم في داخل الإنسان، والانزعاج وعدم الارتياح، وبالتالي عدم وجود حالة من الاطمئنان والاستقرار والفرح أو السرور. فهو كما يُقال عنه هو ألم نفسي حيث يشعر الإنسان بالعجز وعدم القدرة على تمشية حياته أو إدارتها.

الاكتئاب هو الحزن الشديد

فيُصاب بنوع من الهمّ والغمّ والأسى والكآبة، وهذا الاكتئاب الموجود والمنتشر في العالم اليوم، هو نوع من أنواع الحزن الشديد الذي يشعر به الإنسان، وهذه المشاعر عادة ما تكون سلبية، والانسان الذي يكون حزينا يكون هادئا جدا، ومنفعلا، وعاطفيا، وانطوائيا، منعزلا، ويشعر بعدم وجود فاعلية مع الحياة ومع الآخرين. ولا يشعر الإنسان بأنه يمتلك القدرة الذاتية على الحركة في حياته.

كتاب جامع السعادات للشيخ النراقي، يعرّف الحزن بأنه التحسر والتألم، لفقد محبوب، أو فوت مطلوب. وهو أيضا، كالاعتراض والانكار، ومترتب على الكراهة للمقدرات الإلهية. ويقول: إن سبب الحزن شدة الرغبة بالمشتهيات المادية، والميل إلى مقتضيات الشهوة وتوقع البقاء للأمور المادية.

وبعبارة ملخَّصة الإنسان الذي لديه توقّعات مادية في حياته، وهي أساس وسبب ومحور الحزن، فارتباط الإنسان بهذه التوقعات يجعله بالنتيجة حزينا باستمرار، لأنه يتوقع بقاء هذه المكاسب المادية، ويتوقع الحصول على المزيد منها.

القرآن يساعدنا على فهم الحياة

من المهم جدا أن نتبصر ونتدبر ونتأمل في الآيات القرآنية ونقرأها قراءة دقيقة، لأنها تعطينا طريقا لفهم الحياة، فالقرآن يناقش مشاعرنا وعوطفنا حيث يعطينا القدرة على التعامل معها، وقد تطرق القرآن كثيرا للحزن، ولماذا يحزن الإنسان، فيقول تعالى:

(أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) {يونس/64}.

لقد بحثت عن هذه العبارة (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، ووجدتها في 12 اثنتي عشر آية قرآنية، ويمكن ان يكون أكثر من ذلك، فهناك تأكيد على هذه القضية، وهناك آيات تتضمن نفس المعنى، ويعني ذلك ان الخوف والحزن امران سلبيان في الإنسان، الا أولياء الله، المؤمنون، المتّقون هؤلاء لا خوف ولا حزن عليهم، بل لهم البشرى والفوز.

وفي التفاسير فإن (فلا تحزنوا)، معناه ليس ذلك بنهي عن تحصيل الحزن، فالحزن ليس يحصل بالاختيار، ولكن النهي بالحقيقة إنما هو عن تعاطي ما يورث الحزن واكتسابه، وإلى معنى ذلك أشار الشاعر بقوله:

من سرّه أن لا يرى ما يسوءه... فلا يتخذ شيئا يبالي له فقدا

فالحزن شيء طبيعي عند الإنسان، فهو من ضمن المشاعر، الحب، الحزن، الفرح، هذه مشاعر موجودة عند الإنسان، ولكن الإنسان هو الذي يختار الحزن في حياته، عندما تكون أفكاره ومشاعره مرتبطة او متعلقة بأشياء خارجية.

التعلق بالماديات وصناعة الحزن الشديد

على سبيل المثال، أحدهم يشتري مزهرية ثمينة غالية الثمن، يضعها في البيت لجمالها ويعتز بها، لكن أحد أطفاله الصغار يحطم المزهرية، فنلاحظ أن صاحب أو صاحبة المزهرية تشعر بحزن شديد، وتقوم بمعاقبة الطفل، فهذا التعلق بالماديات يجعل الإنسان يشعر بالحزن لفقدان أبسط الأشياء وليس اثمنها فحسب.

مثلا بعض الأشياء التي تضيع من الإنسان، أو يفقدها، أو يخسرها، فتراه يتحسّر دائما ويندم، وهذا التحسّر والندم هو بالدرجة الأولى من شيمة الذين لم يقدموا العمل الصالح في الدنيا، وتكون حسرتهم في الدنيا والآخرة. وحتى المؤمنون يتحسرون في الآخرة على الأشياء التي لم يفعلوها.

فهذه الحسرة الموجودة عند الإنسان وتعلقه بالأمور المادية، هو الذي يجعله حزينا، لذلك فإن الإنسان المدني المعاصر ويسميه البعض، الإنسان التكنولوجي أو الرقمي، وجيل الملينيوم وجيل زد وجيل ألفا، أصبح أكثر حزنا من الأجيال السابقة.

ويمكن ملاحظة ذلك عند الدخول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، بعد فترة يسود شعور بالحزن والكآبة، وهذا يدل على أن الحزن أصبح متلازما مع طبيعة الحياة المعاصرة، وأصبح سمة راسخة في دواخل الانسان الرقمي، فالحياة المادية أصبحت معقدة جدا، ففي السابق لم تكن هذه التعقيدات الكثيرة، فالحياة كانت بسيطة وكان شعور الانسان بالحزن على الأشياء التي يخسرها أو يفقدها اقل بكثير.

تصاعد الحياة المادية المعقدة

الإنسان يكون حزينا على الأشياء التي لا يملكها، الأشياء التي يراها فيريد امتلاكها، يرى البيت الجميل، فيقول لنفسه لماذا لا أمتلك مثل هذا البيت، وحين يرى سيارة فارهة، أيضا يقول لنفسه لماذا لا أمتلك مثل هذه السيارة، وحين يتصفح شبكات التواصل وما تعرضه من سلع، فيقول لنفسه، هذا القميص الجميل ليس موجودا عندي ولا هذا التلفاز الحديث.

وهكذا أصبحت الحياة مادية معقدة بشكل متصاعد مع نمو ثقافة الاستهلاك الشديدة عند الناس، وكلّما تتضخّم المادة عند الإنسان يتضخّم حزنه، وتتضاعف أحزانه، وعندما تتعقد الحياة المادية للإنسان، فإنه حتى التفاعل الاجتماعي المعنوي الروحي يصبح متضائلا وقليلا عنده، لأن المادة سيطرت عليه، فأصبح الإنسان يتجنب التفاعلات الاجتماعية، والاحتكاك الاجتماعي، حتى العلاقات مع العائلة والأقارب والجيران بدأت تقل وتضعف مع مرور الزمن.

سابقا كان الناس فقراء، ولا يمتلكون الأموال، فتجدهم رحماء فيما بينهم، ويسألون عن بعضهم بعضا، ويساعدون بعضهم بعضا، الآن نلاحظ أن إمكانيات الناس المادية أصبحت جيدة، لكن قلّتْ التفاعلات الاجتماعية فيما بينهم، وبالنتيجة افتقد الإنسان الدوافع المعنوية التي تجعل منه أكثر تفاعلا مع الآخرين، فأصبح كسولا ويحب البقاء في البيت، والانشغال باللهو والمتعة.

يوجد مثال لطيف لتقريب المعنى، الطفل الصغير يلعب كثيرا، وهذا الطفل نراه يلعب طوال ساعات النهار ويكون بعض الاطفال كثير الحركة مفرطا في اللهو واللعب، أو ما يسمى بفرط الحركة، فما هو السبب الذي يجعل الطفل يقوم بمواصلة اللعب بهذه الكثرة؟، أنا شخصيا أحلّل هذا الأمر، بأن استمرار هذا الطفل باللعب هو نتيجة لعدم حصوله على الإشباع العاطفي، وهو لا يشبع لأنه هناك أسباب داخلية باطنية تؤدي الى عدم اشباعه.

فيمكن لو أن الأم عانقته عناقا بسيطا ومنحته بعض المحبة وكذلك الأب، سنلاحظ أن هذا الطفل يهدأ، فهي لحظات من المحبة والدعم المعنوي لهذا الطفل تؤدي به إلى الاستقرار والهدوء، لأن هذا الطفل حزين في داخله ويفتقد للمحبة، فيحتاج إلى حنان عاطفي ودفء عاطفي حتى يستقر قلبه، ويزول قلقه وخوفه وحزنه.

فالنشاط الكثير الذي لاحظناه عند الطفل هو تعبير عن شيء داخلي، لذلك نلاحظ بعض الناس مكتئبين، لأنه منشغل على الدوام وبشكل متواصل دونما توقّف، فهو لديه خوف وحزن داخلي فيحاول أن يغطي حزنه الداخلي بهذا الانشغال والحركة النشيطة المتواصلة، وهناك بعض الناس يحدث معه العكس، فيظهر عليه الحزن الشديد وينعزل عن الناس في داخل بيته.

الخوف مما هو آتٍ

إن كل شخص منا يوجد في داخله خوف وحزن، بحسب ما طرحته الآيات القرآنية والروايات الشريفة، فهناك شيئان هما الخوف مما هو آت والحزن على ما فات.

الخوف مما هو آتٍ، بمعنى هناك قلق مما قد يتعرّض له في المستقبل، فالإنسان لا يعرف ما الذي سيحدث له في الغد، ولا يعرف ما الذي سيحدث لأهله أو لأبيه أو لأخيه، فدائما يوجد خوف، فبعض الناس يخافون من أشياء كثيرة، والخوف مما هو آت، يسمى همّ، والذي يحمل الهم هو المهموم.

الحزن لما فات

والحزن لما فات، هو الذي يحدث نتيجة ما يفقده الإنسان، ويعبر عنه بالغمّ، فالذي يحمل الغم هو المغموم الذي فقد شيئا ويتحسّر على فقدانه، كأن يكون قد خسر أموالا.

وهناك بعض الناس يخافون من الفشل دائما، فتراه محتاطا وحذرا دائما، ويخاف الكلام والحركة ويخاف من العمل ويمتنع عن الإقدام على فعل أي شيء بحيث يغلفه اليأس من النجاح.

هناك أشخاص يشعرون بالفشل دائما، بسبب وجود اليأس في داخلهم، فلا يُقْدِم أحدهم على أعمال ناجحة، وكذلك الخوف من الخسارة، والخوف على الموجود، وكذلك الحزن على المفقود، هذه الأمور هي من مظاهر الفشل.

تقول الآية القرآنية: (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) الحديد 23. فالإنسان الذي يعيش الحالة المادية ومنغمس فيها، فهو يشعر بالخوف دائما، والقلق والحزن، على ما فاته، وإذا حصل على شيء ما فإنه يفرح به فرحا شديدا، وهذه من الحالات التي تجعل الإنسان متعلقا بالدنيا تعلّقا شديدا.

من هو الإنسان الذي يتعرض لهذه الحالة؟، يحزن على ما فاته، ويفرح بما يحصل عليه وما ناله، إنه الإنسان الذي المتعلق بالدنيا، المختال، الفخور، المتعلق بحب الدنيا، يمتلك البيوت والأموال والأرصدة، فيكون مغرورا بهذه الدنيا، وبهذه الممتلكات، هناك بعض الناس من شدة انغماسهم في الدنيا يفقدون توازنهم، بحيث ينسى ان المال مجرد وسيلة لكي نواصل العيش، ونسيّر حياتنا، نأكل بمقدار ما نحتاجه، ونلبس بطريقة متوازنة، لكن عندما تصبح الأموال غاية وهدفا للإنسان، نلاحظه يتصارع ويتصادم مع أقرب الناس إليه.

استنزاف الإنسان لروحه

بالنتيجة يؤدي به ذلك إلى السقوط في فراش المرض، فيخسر نفسه، فما الذي استفاد منه هذا الإنسان الذي تصارع وتصادم من أجل المال، فاستنزف روحه ونفسه وذاته وتصادم مع أقاربه أو أخيه أو مع أناس آخرين، لقد خسر صحته واضاع نفسه، وبعضهم يُصاب بسكتة قلبية أو جلطة دماغية، وبعضهم يصاب بارتفاع ضغط الدم ويتعرض لأمراض كثيرة تقوده إلى نهايته، بسبب التحسّر والحزن والفرح بالأموال.

هذه الآية القرآنية التي ذكرناها أعلاه، تعطينا توضيحا عن ضرورة انقلاع الانسان لنفسه عن الدنيا، وأشيائها، حتى يستطيع أن يعيش مرتاحا، ويحصل على الفرح الحقيقي، والسرور الحقيقي، فعندما يقول تعالى: (لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم)، يعني أن تحصِّلوا السعادة الحقيقية، والسرور الحقيقي، فانقلاع الحزن من الانسان وحصوله على السرور الحقيقي يتم له عندما لا يأسى على ما فاته ولا يفرح بما آتاه، هذا هو الفرح الحقيقي.

والمختال هو من أخذته الخيلاء وهي التكبر عن تخيل فضيلة تراءت له من نفسه، والفخر المباهاة في الأشياء الخارجة عن الانسان كالمال والجاه، فالاختيال والافتخار ناشئان عن توهم الانسان أنه يملك ما أوتيه من النعم باستحقاق من نفسه. فإذا حصل على أموال يقول لنفسه وللآخرين بأنه حصل عليها بجهده وعمله، فلا يشكر الله سبحانه وتعالى، فيكون بخيلا مغتمّا، يفكر بنفسه فقط، ولا يفكر بالآخرين.

عملية إعادة إنتاج الذات

من خلال رؤية الإمام علي (عليه السلام)، نحاول أن نصل إلى معنى البرمجة الفكرية التي تطرقنا إليه، وكيف يمكننا أن نبني هذه البرمجة الفكرية لنا في شهر رمضان المبارك، وهي عملية إعادة إنتاج الذات، أي إعادة إنتاج أنفسنا في شخصيات جديدة، وأهم نقطة في هذا الجانب هي أن نعيد تجديد أفكارنا، التي خلقت لنا أوهاما وانحرافات وإشكالات، فمطلوب منا القيام بتهذيب شخصياتنا وتزكية أنفسنا.

يقول الإمام علي (عليه السلام) في رواية مهمة تتطلب الانتباه الجيد لها:

(الزُّهْدُ كُلُّهُ بَيْنَ كَلِمَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: -لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَ لا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ- وَمَنْ لَمْ يَأْسَ عَلَى الْمَاضِي وَ لَمْ يَفْرَحْ بِالْآتِي فَقَدْ أَخَذَ الزُّهْدَ بِطَرَفَيْهِ)، يعني الإنسان الذي لا يفرح بما عنده وما حصل عليه، ولم يحزن على ما فقده، فقد أخذ الزهد بطرفيه.

لقد بحثت كثيرا في الشروح عمّا تعنيه كلمة (بطرفيْه)، إلى أن وجدت هذه الرواية تفسّر معنى كلمة (بطرفيْه)، فالزهد هو واحد عند الإنسان فلا يفرح بما آتاه ولا يحزن على ما خسره، ولكن ما معنى (فقد أخذ الزهد بطرفيه)؟

إنها تعني بأن الإنسان الزاهد هو الإنسان الرابح في الدنيا والآخرة، أي أنه يربح الدنيا ويربح الآخرة أيضا، كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): (وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ أَنَّ الْمُتَّقِينَ ذَهَبُوا بِعَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ فَشَارَكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ ولَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي آخِرَتِهِمْ سَكَنُوا الدُّنْيَا بِأَفْضَلِ مَا سُكِنَتْ وَ أَكَلُوهَا بِأَفْضَلِ مَا أُكِلَتْ فَحَظُوا مِنَ الدُّنْيَا بِمَا حَظِيَ بِهِ الْمُتْرَفُونَ وَأَخَذُوا مِنْهَا مَا أَخَذَهُ الْجَبَابِرَةُ الْمُتَكَبِّرُونَ ثُمَّ انْقَلَبُوا عَنْهَا بِالزَّادِ الْمُبَلِّغِ وَالْمَتْجَرِ الرَّابِحِ أَصَابُوا لَذَّةَ زُهْدِ الدُّنْيَا فِي دُنْيَاهُمْ وَ تَيَقَّنُوا أَنَّهُمْ جِيرَانُ اللَّهِ غَداً فِي آخِرَتِهِمْ لَا تُرَدُّ لَهُمْ دَعْوَةٌ وَ لَا يَنْقُصُ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ لَذَّةٍ).

كلمة (ذهبوا) تعني أخذوا الشيء أي حصلوا عليه، أما عاجل الدنيا فهو الشيء الذي يحصل عليه الآن، وآجل الآخرة هو الشيء المؤجَّل، فحصلوا على الدنيا والآخرة.

المتقون يشاركون أهل الدنيا بالانتفاع

(وشاركوا أهل الدنيا)، فالدنيا صارت ملْكا لهم، أما أهل الدنيا المتعلقين بها فقط، فذهبوا إلى جهنم وإلى العذاب، لكن المتقين شاركوا أهل الدنيا بالانتفاعات وبالمتع وبالملذات وبالحياة المادية فربحوا الدنيا وربحوا الآخرة أيضا، ولم يشاركوا أهل الدنيا في آخرتهم وذهبوا إلى الجنة.

(بالزاد المبلِّغ) يعني حين يسافر الإنسان إلى مكان معيّن مثلا يذهب إلى الحج وسابقا كانت الطرق بعيدة، فيحتاج المسافر إلى زاد يوصله من كربلاء إلى مكة مثلا، فيوجد لديه طعام كاف يوصله الى مقصده، فهؤلاء المتقون الذين حصلوا على الدنيا والآخرة حصلوا على الزاد الذي يبلغ بهم للآخرة، فالزاد المبلّغ يعني المخزون الكبير من الأعمال الصالحة والحسنات التي ساعدتهم على الوصول إلى الجنة في الآخرة.

(والمتجر الرابح) يعني استثمروا في التجارة الحقيقية المربحة فحصلوا على كل اللذات، حصلوا على الدنيا، وحصل على كل ما حصل عليه الآخرون. لكنهم حصلوا على كل ذلك بطريقة تفكير ثانية، طريقة تفكير ساعدهم عليها الله تعالى، (أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، بطريقة الارتباط بالله سبحانه وتعالى، وعدم التمسك بالماديات، فجعلوا من المادة وسيلة.

مثال على ذلك، إذا كان هناك طعام لذيذ أمام الإنسان، وهو جائع فيأكله، هناك إنسان يأكل الطعام الكثير الى حد التخمة، وهناك إنسان يأكل من هذا الطعام اللذيذ بقدر احتياجه، فأيهما يلتذّ أكثر من الآخر؟، بالطبع يفوز الإنسان الذي أكل بقدر حاجته، فيلتذّ بقيمة الطعام الذي تناوله ويحس بهذه اللذة، أما المتخَم فإنه لا يلتذ، بل يشعر أن الطعام سينفجر في بطنه.

التكامل بين المعنوي والمادي

كذلك الأمر بالنسبة للمؤمن، فهو يشعر في الدنيا باللذة الحقيقية، لأنه لديه تكامل بين الجانب المادي والجانب المعنوي، كما حصل مع الطفل الصغير الذي سبقت الإشارة إليه، فالطفل الصغير يحتاج إلى الاهتمام المادي بشكل جيد، مثل شراء الألعاب والدمى له والملابس الجديدة أيضا، والطعام الجيد وحلوى الأطفال، ولكنه يحتاج أيضا إلى العناق والمحبة والعاطفة لكي تكتمل شخصية هذا الطفل.

كذلك الأمر بالنسبة للمؤمن، يجب أن يتكامل في الجانب المعنوي والجانب المادي، ويحصل على الأشياء من هذا الطريق، حينئذ يشعر بمعنى التجارة الرابحة في الحياة، فالطريقة الصحيحة التي نحتاجها لكي نزيل الحزن والغموض والهموم من داخلنا، بأن نقضي على تعلقنا بالماديات، ونجعلها وسيلة لنا وطريقا لتسيير حياتنا، وليس هدفا أو غاية لنا.

بعض الآباء والأمهات يعلمون أطفالهم منذ الصغر على أن المال غاية وهدف، فيكبر الطفل الصغير وينمو وهو مثخَن ومنشغل بكيفية النجاح في حياته المادية، فينشغل بوضعه المادي، وبدراسته، وبتجارته، وبتأمين سيارته وبيته وزواجه، إلى أن يصل إلى عمر 50، أو 60 أو 70 سنة، حينها يصحو على فراغ كبير في حياته.

لأنه حصل على كل الأشياء المادية، لكنه لم يحصل على الحاجات المعنوية، وهذا خلل موجود وواضح، لذلك على الإنسان أن يتعامل مع الدنيا على أنها وسيلة وليست غاية، وهذا أهم طريق للتخلص من الحزن.

من أسباب الحزن التي يمكن أن نلاحظها:

أولا: التعلق بالماديات والابتعاد عن المعنويات

وهنا يمكن ان نعرف مفهوم السعادة، فكلما يزداد تعلق الإنسان بالماديات، تزداد تعاسته، وكلما ينفصل الإنسان عن الماديات، ويروض نفسه، ويبتعد عن التعلق بالماديات، تزداد سعادته ويشعر بالسرور، مثال على ذلك إذا ذهبتم إلى حفلة أو دعوة لتناول الطعام في أحد المطاعم، فبعد انتهاء هذه الحفلة أو الدعوة سوف تشعرون بنوع من الكآبة والحزن.

بينما إذا ذهبتم إلى زيارة مرقد الإمام الحسين (عليه السلام)، فبعد انتهاءكم من هذه الزيارة سوف تشعرون بأن القلب مملوء بالفرح والسرور، هل لاحظتم هذا الفرق بين الحالتين؟، لأن الحفلة أو الدعوة إلى المطعم هي جانب مادي، أما الزيارة للإمام (عليه السلام) فهي جانب معنوي، فالسعادة تتحقق في الجوانب المعنوية.

من هنا علينا أن نربي أطفالنا على الجوانب المعنوية في السعادة، حتى يتخرجوا من مدرسة الحياة وهم سعداء في حياتهم.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (ثمرة المقتنيات الحزن)، يعني كلما تزداد ممتلكات الإنسان يزداد حزنه، لأنه يخشى عليها من الفقدان أو الضياع، فيشعر بالقلق من خسارته المحتمَلة لهذه الممتلكات.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (اجعل همك لآخرتك وحزنك على نفسك فكم من حزين وفد به حزنه على سرور الأبد وكم من مهموم أدرك أمله) فعندما يكون حزن الإنسان على نفسه، وليس على أشيائه المادية، حينئذ سوف يبدأ بعملية إصلاح نفسه وبناء ذاته.

ثانيا: التشكيك بالقدر الإلهي

من أسباب الحزن الأفكار السوداوية التي تشكك (ولو لا شعوريا) بالمقادير الإلهية، فالإنسان الذي يرفض القدر الإلهي سيفشل، لأنه عبارة عن امتحان للإنسان، وابتلاء له، الابتلاء فتنة حيث يمحَّص الإنسان من أجل بناء شخصيته وتطوير ذاته، فالابتلاء يحدث من أجل تقوية الإنسان، لذلك يتحول إلى نعمة وليس نقمة، البعض ينظرون إلى الابتلاء على إنه نقمة، فيشككون بالقدر الإلهي، لذلك فإن الإنسان الذي يشكك بالقدر الإلهي يصبح إنسانا ظلاميا، وأفكاره سوداوية بائسة. فنرى هذا الإنسان كئيبا وحزينا دائما، لذلك لابد للإنسان أن يستسلم دائما للقدر الإلهي، ويرضى بأقدار الله سبحانه وتعالى.

عن الإمام علي (عليه السلام): (نعم الطارد للهم، الاتكال على القدر)، بأن لا يخاف الإنسان من القدر، فيستقبل القدر ويعتبره نوعا من تهذيب النفس وتنقية الذات.

ثالثا: الانغماس في المعاصي

ومن أسباب الحزن أيضا، الانغماس في المعاصي، والتهاون في ارتكاب الذنوب، فالإنسان المنغمس في المعاصي قد لا يشعر بالأثر الوضعي للمعصية عليه، ولكن مع كل معصية تصبح في قلبه نقطة سوداء، فإذا لم يعالج هذه النقطة السوداء ويزيلها من قلبه، سوف تزداد النقاط السوداء في هذا القلب.

وكلما ازدادت النقاط السوداء في قلب الإنسان يزداد ظلاما وعتمةً، إلى أن يصبح قلبه سوداويا، وحينئذ سوف يتغير الإنسان، ولابد أنكم لاحظتم بعض الناس حين يتغيرون وتتغير حياتهم نحو الأسوأ، هؤلاء أصبحت قلوبهم ممتلئة بالسيئات، فيصعب إصلاحهم، لكن الإنسان الذي يرتكب معصية ثم يفكر بالتوبة ويتوب إلى الله تعالى، سوف تدخل نقطة بيضاء في قلبه مباشرة، لتزيح نقطة سوداء عنه، فهناك صراع بين النقاط السوداء والبيضاء في قلب الإنسان، إلى أن يتغلب أحدهما على الآخر.

وكما يهتم الانسان بقلبه المادي من حيث الصحة الجسدية، كذلك عليه الاهتمام بقلبه المعنوي من حيث عدم ارتكابه للذنوب والمعاصي والسيئات والرذائل، فالانغماس في المعاصي ومواصلة ارتكاب الذنوب سوف يؤدي بالإنسان إلى الحزن، لأن ضمير الإنسان يؤنّبه كونه ارتكب شيئا لا يتلاءم معه، ولا يتلاءم مع نفسيته ولا مع إنسانيته، ولا ينسجم معه، تماما كالإنسان الذي يأكل طعاما سيّئا ويصاب بالمرض، فإن هذا الطعام لا يتلاءم مع جسمه، ولهذا يؤثر على صحّته.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (سرور المؤمن بطاعة ربّه، وحزنه على ذنبه)، فكلما أطاع الإنسان الله أكثر يصبح أكثر سرورا وأكثر فرحا، ويزداد حزنه بسبب ذنوبه أيضا.

رابعا: غياب الإنفاق الاجتماعي

ومن أسباب الحزن أيضا، التفكير بالذات والابتعاد عن المسؤولية الاجتماعية، وعدم وجود العطاء والإنفاق في سبيل الله، أو الإنفاق الاجتماعي، لذلك فإن الإنسان الأناني هو إنسان حزين، ويمكن أن تلاحظوا ذلك بوضوح، فحتى لو امتلك مليارات الدولارات يبقى حزينا، لأنه لا لذة مع عدم وجود الآخرين في حياته، فالآخرون هم السبب الأساس الذي يجعل حياتنا جميلة، فلا يتصور الإنسان أن وجوده فقط يكفيه، كلا لابد من وجود الآخرين في حياته.

فوجود الآخرين معك هو الذي يجعل الحياة جميلة، ويجعلها وردية، ورائعة، فلذلك كلما يتفاعل الإنسان مع المجتمع في مجالات العطاء والإنفاق المعنوي والمادي والتفاعل الاجتماعي سوف يلاحظ هبوط نسبة الحزن في داخله، وهنا أنا أركز على العلاقات المعنوية وليست العلاقات المادية، فهنالك بعض الناس يجعل من علاقاته مادية بحتة.

المال عبء على الإنسان

فيذهب مع أصدقائه إلى المقاهي، وتخرج المرأة إلى الأسواق مع صديقاتها، هذه العلاقات مادية، وأنا هنا أقصد في بحث العلاقات المعنوية الحقيقية التي يوجد فيها تفاعل، وتفانٍ وإخلاص وعطاء ذاتي، وإنفاق من أمواله ومن نفسه، فالمنفقون في سبيل الله يشعرون دائما بالفرح والسرور، وتلاحظ وجوههم مشرقة دائما، وتشعر بأنهم مرتاحون ومطمئنون دائما، لأن المال عبء على الإنسان.

المال المكدّس في البنوك أو في البيت، أو بصيغة عقارات وسواها فهذا عبء على الإنسان، لأن المال هو وسيلة، فعندما ينفق الإنسان المال في سبيل الله، فإنه يقضي حوائج المحتاجين، يقضي حوائج أقاربه وأرحامه، فهذا العمل يمنحه الفرح والسرور.

وعن الإمام علي (عليه السلام):

(وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ وَسُوءُ الضَّمَائِرِ فَلَا تَوَازَرُونَ وَلَا تَنَاصَحُونَ وَلَا تَبَاذَلُونَ وَلَا تَوَادُّونَ، مَا بَالُكُمْ تَفْرَحُونَ بِالْيَسِيرِ مِنَ الدُّنْيَا تُدْرِكُونَهُ وَلَا يَحْزُنُكُمُ الْكَثِيرُ مِنَ الْآخِرَةِ تُحْرَمُونَهُ، وَيُقْلِقُكُمُ الْيَسِيرُ مِنَ الدُّنْيَا يَفُوتُكُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِكُمْ وَقِلَّةِ صَبْرِكُمْ عَمَّا زُوِيَ مِنْهَا عَنْكُمْ كَأَنَّهَا دَارُ مُقَامِكُمْ وَكَأَنَّ مَتَاعَهَا بَاقٍ عَلَيْكُمْ، وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الْآجِلِ وَحُبِّ الْعَاجِلِ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً عَلَى لِسَانِهِ صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَأَحْرَزَ رِضَى سَيِّدِهِ).

أي في الدنيا، فالإنسان الذي يجمع الأموال ويقوم بتكديسها فإنه خسِر ولم يربح، أما الإنسان الذي ينفق أمواله في سبيل الله فهذا هو الذي يحقق الربح.

لذلك توجد آيات قرآنية تذكر الإنفاق مع الخوف والحزن، هؤلاء الذين ينفقون في سبيل الله لا يحزنون، (الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) البقرة 274. فالإنفاق تزكية للذات عبر اقتلاع الحزن المادي منها.

فكيف يمكن مواجهة الأحزان: أولا: الرضى بقضاء الله

إن التسليم لأمر الله تعالى يؤدي إلى تقليل الهموم، وكلما كان الإنسان راضيا ومسلّما أمره لله خفّت همومه وأحزانه، فيتخلص من نفسه ومن التمركز في محوريّته وذاته، ويذهب نحو الله تعالى، فهكذا الإنسان تزول من قلبه ونفسه الهموم.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (من رضي بما قسم الله له لم يحزن على ما في يد غيره)، هل لاحظتم بعض الناس وهم يتساءلون لماذا فلان من الناس يمتلك بيتا وأنا لا أمتلك بيتا؟، أو عنده أموالا وأنا لا أمتلك أموالا، هؤلاء الناس يكونوا حزينين ومهمومين، بسبب هذا التفكير، أما إذا رضيَ الإنسان بما قسم الله له، سيزول عنه هذا الهم والغم، لأن الرضا ينفي الحزن.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (وَمَنْ رَضِيَ بِرِزْقِ اللَّهِ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ)، إن رزق الإنسان مضمون، فالرزق مضمون للجميع، وعلى الإنسان أن لا يحزن، فإذا كان راضيا لا يوجد لديه حزن ولن يحزن على ما فاته من الرزق.

وعنه (عليه السلام): (الدهر يومان: يوم لك ويوم عليك، فإن كان لك فلا تبطر، وإن كان عليك فلا تضجر)، هناك بعض الناس يشعرون بالضجر دائما، ويتساءلون لماذا لا نمتلك كذا وكذا، وعندما يحصلون على ما يريدون يبقون على ضجرهم، ولا يقدرون النعمة التي بين أيديهم ولا يرونها وهي حولهم، بل يرون النعِم الموجودة عند الناس فقط، وهذا خطأ كبير، لأن الإنسان الذي تكون عينه نحو ممتلكات الناس، يعيش الهمّ والغمّ دائما.

ثانيا: الاستثمار الذكي لأعمارِنا

عن الإمام علي (عليه السلام): (كيف يفرح بعمر تنقصه الساعات)، لو أننا نجلس في أواخر ساعات اليوم ونحسب الثواني والساعات التي انقضت في هذا اليوم، وماذا فعلنا فيها، وكيف استثمرناها؟، وكم ضاع منها وكيف فقدناها؟

وحين كنّا صغارا بدءًا من طفولتنا وإلى الآن، كم استفدنا من حياتنا؟، وكم استثمرنا من أعمارنا، فهذا العمر تنقصه الساعات، فهنا (عليه السلام) ينبهنا الى أهمية على البرمجة الفكرية حيث يقول: (مَا فَاتَ الْيَوْمَ مِنَ الرِّزْقِ رُجِيَ غَداً زِيَادَتُهُ وَمَا فَاتَ أَمْسِ مِنَ الْعُمُرِ لَمْ يُرْجَ الْيَوْمَ رَجْعَتُهُ)، فالرزق يمكن استرجاعه إذا خسره الإنسان، أما العمر فلا يمكن استرجاعه، فإذا خسر الإنسان عمره لا يمكن أن يستعيده مرة أخرى، فأيهما أفضل العمر أم الرزق؟، نحن نخسر أعمارنا من أجل أرزاقنا، لذلك نلاحظ أن أعمارنا بالنتيجة تذهب هدرا.

هذا الأمر معناه أن نهتم بالبرمجة الفكرية، ولا يعني أن الإنسان يترك العمل، بل معنى ذلك الاستثمار الذكي لأعمارنا، وكيف يستفيد الإنسان من عمره ويقدر لحظات حياته ويستثمرها بالطريقة الذكية بالاستفادة من لحظات الخير وذخيرة العمل الصالح، حتى تصبح حياة الإنسان ذات معنوية متجددة في الدنيا ومربحة في الآخرة.

ثالثا: الاستثمار الذكي للأموال

أي الإنفاق والعطاء، فعن الإمام علي (عليه السلام): (إِنَّ أَخْسَرَ النَّاسِ صَفْقَةً وَأَخْيَبَهُمْ سَعْياً رَجُلٌ أَخْلَقَ بَدَنَهُ فِي طَلَبِ مَالِهِ وَلَمْ تُسَاعِدْهُ الْمَقَادِيرُ عَلَى إِرَادَتِهِ فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا بِحَسْرَتِهِ وَقَدِمَ عَلَى الْآخِرَةِ بِتَبِعَتِهِ).

إنه لم يحصل شيئا من أمواله رغم التعب الكبير الذي بذله، قبل أيام توفيَ ملياردير في عمر 55 سنة، فما فائدة المليارات والأموال التي كان يمتلكها، فمن يمتلك الأموال لابد أن يستثمرها بشكل ذكي وفي العطاء والإنفاق، ولا يكون عبدا للأموال والأشياء.

رابعا: تأطير الدنيا ولذّاتها والتحكم بها بالتعقّل

على الإنسان أن يتحكم بالدنيا التي يعيش فيها، فالإنسان الذي يقود سيارة ولا يعرف قيادتها، فإن هذه السيارة سوف تقوده إلى الهاوية، إلى حادثة اصطدام ومن ثم إلى الموت، أما الإنسان الذي يتعلم ويتقن قيادة السيارة، فإنه حينئذ يستطيع أن يقودها بشكل جيد ولا يخشى الحوادث أو الأخطار، كذلك الدنيا، إنها تشبه السيارة، فعلى الإنسان أن يتحكم بها ويديرها بالتعقّل والحكمة ويسيطر على لذاتها، ولا تكون لذات الدنيا هي المسيطرة على الإنسان.

هناك بعض الناس تسيطر عليهم لذاتهم وشهواتهم، فيركضون وراءها ويصبحون عبيدا لها، ولا يحرصون على أنفسهم، لذلك يجب السيطرة عليها من خلال التعقل، ومن خلال ترسيخ اليقين، بأن هذه الدنيا فانية، وهذه اللذة فانية ولا قيمة لها، وأن الإنسان مخلوق وباقٍ لشيء أكبر وأعظم، وأن هذه المادة لا قيمة لها، هذا هو اليقين الذي يزيح عن المرتابين الشك بوجود الحساب والعقاب والثواب.

فكل إنسان عاقل سوف يعرف بأنه يسير في طريق طويل ممتد أمامه، ويجب أن يكون عنده يقين بهذا الطريق الطويل، فيتعقّل ويعقل دنياه ويسيطر عليها ويتحكم بها.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (مَا لِعَلِيٍّ وَلِنَعِيمٍ يَفْنَى وَلَذَّةٍ لَا تَبْقَى نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُبَاتِ الْعَقْلِ وَقُبْحِ الزَّلَلِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ)، فعليكم بالعقل، هذا ما يوصي به الإمام علي الناس، فالذين وصلوا إلى السلطة وتربعوا على العروش في النهاية ماتوا جميعا، فالذين عارضوا الإمام علي (عليه السلام) وقاوموه وصارعوه وكانوا أعداء له، إلى أين وصلوا؟ وإلى أين ذهبوا؟ إنهم جميعا ماتوا وذهبوا.

هذا العقل الذي منحه الله سبحانه وتعالى لنا بمثابة نعمة كبيرة، فعندما ينام العقل تحدث المصائب، وتحل الكوارث بالإنسان، وأغلب حياتنا نعيشها ونحن في حالة سبات حيث عقولنا نائمة ولا نفكر بها.

حول هذا الموضوع نقرأ في جامع السعادات هذه العبارة الجميلة: (حب الفانيات والتعلق بما من شأنه الفوات خلاف مقتضى العقل، وحرام على العاقل أن يفرح بوجود الأمور الفانية، أو يحزن بزوالها)، هنا الهدف والغاية وهي أن نتعقّل حياتنا، ونتعقّل لذاتنا.

(لكي لا تحزنوا) تعني أن نُخرج الحزن المتعلق بالمال والملذات، ونذهب وراء غايات أكبر وأعظم في حياتنا.

وأن ننظر إلى الله سبحانه وتعالى، وإلى أهل البيت (عليهم السلام) ونعرف أن هناك غايات أكبر وأعظم لأننا نحتاجها في البرمجة الجيدة لأفكارنا لكي نحصل على السعادة الحقيقية عبر التعامل الحكيم مع الأمور المادية، وفي انتظار العواقب الحسنة والجيدة في مديات حياتنا.

2023/05/30

هل المثلية الجنسية خارجة عن اختيار الإنسان؟
يتحدّثُ دعاةُ العلمانيّةِ عن أنَّ المثليّةَ الجنسيّةَ ليسَت اختياراً؟ هل هيَ كذلك؟ وماذا يترتّبُ على الجواب؟ هل يمكنُ تعديلُ الميولِ إذا كانَت فيزيولوجيّةً ومخلوقةً معَ الإنسان؟

 [اشترك]

الجوابُ من سماحة الشيخ معتصم السيد أحمد:

 يُمارسُ الخطابُ العلمانيُّ والإلحاديُّ الكذبَ بنيّةِ تخريبِ النّظمِ الأخلاقيّةِ للمُجتمعات، حيثُ يتلاعبُ بالحقائقِ العلميّةِ ويُضخّمُ افتراضاتٍ ما زالَت في مرحلةِ البحثِ والتحقيق، كما يحرّفُ العلومَ لتحقيقِ أهدافِه الخاصّة، ويستخدمُ التشويشَ والخداعَ لإخفاءِ الحقائقِ العلميّةِ الواضحة.  

 لذا، لا يُعَدُّ الإلحادُ موثوقاً في تعريفِنا بمُنجزاتِ العلومِ الحديثة، نظراً لأنّه لا يعتبرُ القيمَ الأخلاقيّةَ مُحدّداتٍ أساسيّةً للسلوكِ الإنساني، وبالتالي يمكنُ أن يستخدمَ منجزاتِ العلومِ في تعكيرِ صفوِ القيمِ الأخلاقيّة. 

 يعملُ الإلحادُ على تغييرِ النظرةِ السائدةِ لدى البشرِ حولَ الشذوذِ الجنسي، والذي يعتبرُ عندَ الجميعِ انحرافاً عن الطبيعةِ الإنسانيّة، والأمرُ المؤكّدُ أنَّ الشذوذَ الجنسيَّ يُمثّلُ انحرافاً عن السلوكِ الإنسانيّ الطبيعيّ، ولذا فإنَّ الإلحادَ يحاولُ تبريرَ هذه الممارسةِ المُنحرفةِ حتّى لو تطلّبَ ذلكَ التضحيةَ بحُرّيّةِ الإنسانِ في اختياراتِه.

 فإنَّ الزعمَ بأنَّ الشذوذَ الجنسيَّ يعودُ إلى جيناتٍ وراثيّةٍ يعني أنَّ الشخصَ يمارسُه بشكلٍ غيرِ إراديّ ولا يمكنُه التحكّمُ فيه، وهذا يُشكّلُ صورةً سلبيّةً للإنسانِ، حيثُ يتمُّ مصادرةُ حُرّيّتِه وتقييدِه في اختياراتِه.

 ومنَ الغريبِ أنَّ الإلحادَ لا يستندُ إلى أيّ حقائقَ علميّةٍ مُؤكّدةٍ في هذا الشأن، بل يعتمدُ على افتراضاتٍ لا يمكنُ الوثوقُ بها.

 وكمثالٍ على ذلكَ، فإنَّ عالِمَ الوراثةِ الأميركيَّ الشهير دين هامر، الذي يدعمُ المثليّةَ الجنسيّة، نفى أن يكونَ هناكَ جينٌ يتحكّمُ في المثليّةِ الجنسيّة، وأكّدَ أنَّ أيَّ محاولةٍ لإثباتِ وجودِ جينٍ كهذا هيَ محاولةٌ عبثيّةٌ، أو كما عبّرَ جون غريلي بقوله: لا يمكنُ ربطُ عواملَ كيميائيّةٍ بسلوكٍ مُعيّنٍ بشكلٍ ميكانيكيّ، فالارتباطُ لا يعني السببيّةَ.  

 كما أجرى فريقٌ منَ الباحثينَ في جامعةِ "نورث ويستيرن" الأميركيّةِ دراسةً علميّةً في عام 2014 شملَت فحصَ الحمضِ النوويّ لـ400 ذكراً منَ المثليّينَ الجنسيّين، ولم يتمكَّن الباحثونَ منَ العثورِ على جينٍ واحدٍ يمكنُ أن يكونَ مسؤولاً عن توجّهاتِهم الجنسيّة!

 وعلى الرّغمِ مِن أنَّ بعضَ الأبحاثِ تشيرُ إلى أنَّ الجيناتِ قد تؤثّرُ على بعضِ الميولِ السلوكيّة، إلّا أنَّ السلوكَ الإنسانيَّ يبقى رهيناً لإرادةِ الإنسانِ واختياراتِه التي تُمليها عليهِ قيمُه الأخلاقيّة.  

 وعليهِ، فإنّه لا يمكنُ تفسيرُ السلوكِ الإنسانيّ بشكلٍ كاملٍ اعتماداً على الدوافعِ البيولوجيّة فقط، بل يتطلّبُ الأمرُ أيضاً النظرَ في الإرادةِ والاختياراتِ التي يقومُ بها الإنسانُ بناءً على قيمهِ الأخلاقيّة. 

 يقولُ أستاذُ الدراساتِ العائليّة بجامعةِ نبراسكا "دوغلاس أبوت" إنَّ الزعمَ بوجودِ جينٍ يتحكّمُ في سلوكِ الإنسانِ هوَ مُبالغةٌ يصدّقُها البسطاءُ منَ الناس.

وبالتالي، حتّى إذا افترَضنا أنَّ وجودَ جينٍ مُعيّنٍ يؤثّرُ على السلوكِ الجنسي، فلا يمكنُ اعتبارُه مسؤولاً بشكلٍ تلقائيّ عن الشذوذِ الجنسي، حيثُ يبقى الإنسانُ حرّاً في اختياراتِه وأفعالِه، ويعتمدُ سلوكُه على عدّةِ عواملَ مُختلفةٍ، بما في ذلكَ القيم الأخلاقيّة والمُجتمعيّة والثقافيّة التي ينتمي إليها، بالإضافةِ إلى إرادتِه الحُرّةِ والتحكّمِ في نفسِه. وعلى هذا، يتميّزُ الإنسانُ عن الحيواناتِ الأخرى بقدرتِه على التحكّمِ في نفسِه وعدمِ الاستجابةِ العمياءِ للحوافزِ البيولوجيّة، ومنَ الواضحِ أنَّ أيَّ محاولةٍ لتجاهلِ الإرادةِ الإنسانيّة سيؤدّي إلى آثارٍ سلبيّةٍ كبيرةٍ على مُستوى الهويّةِ الإنسانيّةِ والمُجتمعيّة.

 وينطبقُ ذلكَ حتّى على الحوافزِ البسيطةِ مثلَ الجوع، فعلى الرغمِ مِن أنَّ الإنسانَ يشعرُ بالجوعِ بصورةٍ غيرِ إراديّة، فإنّه لا يمكنُه الاعتمادُ على هذا الحافزِ وحدهِ في اتّخاذِ قراراتِه، وإنّما يجبُ عليه أن يتّبعَ قيماً ومبادئَ أخلاقيّةً لتحديدِ سلوكِه.

2023/05/07

ما هي حدود حرية التعبير؟
 ما هي حدود حرية التعبير؟ وفق منظور الدين.. وهل الاسلام كفلها للجميع؟ حتى لو الآراء تعارض بعض احكامه.. حيث ان المسلمين في الغرب يطالبون بالحريات وحق التعبير، وفي بلاد المسلمين هناك منع لبعض الفئات من التعبير عن عقائدهم بدعوى انها كفر او ضلال؟

[اشترك]

يؤكد الإسلام على حرية التعبير كحق أساسي يجب أن يتمتع به الجميع، فالحرية من الشروط الأساسية لتحقيق النهوض والتطور والازدهار في المجتمعات الإسلامية.

 وبناءً عليه، تقع على عاتق المسلمين مسؤولية احترام حقوق الآخرين في العيش والتعبير عن آرائهم ومعتقداتهم.

مع ذلك، يجب أن يتم تقييد هذا الحق بمجموعة من القيود والشروط، حتى لا يتعارض التعبير مع حقوق الآخرين.

 فحرية التعبير لا تعني الإساءة للدين أو للقيم الإسلامية أو إثارة الفتنة في المجتمعات الإسلامية.

 وبالتالي، يتعين على المتحدثين ممارسة حقهم بمسؤولية ووعي تجاه الواجبات الاجتماعية والأخلاقية.

 ومن المهم فهم أن هناك اختلافات كبيرة في الأنظمة القانونية والسياسية والاجتماعية والثقافية بين الدول الإسلامية المختلفة، وقد تختلف القوانين والتطبيقات في بعض هذه البلدان.

ولذلك، يجب التعامل مع هذا الموضوع بحكمة وتوازن، والعمل على تحقيق توازن بين حرية التعبير واحترام القيم الإسلامية وحقوق الآخرين.

 ويمكن تحقيق ذلك من خلال الحوار والتفاهم بين الأفراد والجماعات المختلفة، والعمل على تعزيز الوعي بحقوق الإنسان وقيم الحرية والتسامح في المجتمعات الإسلامية.

 بالإضافة إلى ذلك، يجب على الجميع النظر إلى حرية التعبير على أنها فرصة لتعزيز النقاش والحوار البناء حول القضايا المختلفة، وليس فرصة للتعرض للآخرين أو إهانتهم، فالواجب أن يعبر الجميع عن آرائهم ومعتقداتهم بدون خوف أو تهديد، وفي نفس الوقت يجب أن يكون ذلك في ظل الاحترام المتبادل بين المختلفين في الآراء والمواقف، وبهذا الشكل تصبح حرية التعبير من أهم العوامل المساهمة في إزالة أسباب التوتر والانقسامات في المجتمعات الإنسانية.

وأخيراً، يجب على المسلمين العمل على نشر الوعي بأهمية حرية التعبير والدفاع عنها، وذلك من خلال التعليم والتوعية والنشر والإعلام، وتعزيز الثقافة الحوارية والتعايش السلمي بين الثقافات المختلفة.

 وعندما يعمل الجميع على تحقيق هذه الأهداف، فإن حرية التعبير ستكون على ما يرام في المجتمعات الإسلامية، وستساهم في نهضتها وتطورها وازدهارها.

2023/04/15

هل أثبت العلم وجود الأنبياء في الحضارات القديمة؟
خزعل الماجدي (باحث عراقي) يقول إن الحضارات القديمة المفترض وجود الانبياء في عصرها كالسومرية والأكادية وغيرها ذكرت تفاصيل دقيقة عن حياة البشر والحروب والمأكولات وغير ذلك ولكنها لم تتعرض لذكر الانبياء والرسل وهذا يدل على انهم وهميون ألف قصصهم بني اسرائيل بناء على تراث مسروق من مناطق أخرى.

[اشترك]

ناقشنا بعض مقولات خزعل الماجدي في ردود سابقة ونختصر الإجابة على هذا الإشكال في النقاط التالية:

أولاً: عند دراسة حضارات الشرق الأوسط القديمة، نجد أنها تهتم بشكل رئيسي بالحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وبالتالي، فإن غياب ذكر الأنبياء والرسل في تلك الحضارات لا يعني بالضرورة عدم وجودهم.

ثانياً: إن الأديان السماوية الثلاثة تشير جميعها إلى وجود الأنبياء في عصور مختلفة، وليس فقط في عصر بني إسرائيل. وعلى سبيل المثال، فإن الإسلام يعترف بوجود الأنبياء منذ آدم وحتى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا يشمل الأنبياء الذين عاشوا في الشرق الأوسط القديمة.

ثالثاً: ادعاء أن حضارات الشرق الأوسط القديمة اقتبست قصص الأنبياء من تراث مسروق هو افتراض لا يستند إلى أي دليل قوي. فعلى سبيل المثال، فإن قصة الخلق في الإسلام واليهودية والمسيحية تتشابه بشكل كبير، وهذا يشير إلى وجود نمط مشترك في القصص الدينية عبر الحضارات المختلفة.

وأخيراً، فإن وجود الأنبياء في حضارات الشرق الأوسط القديمة لا يمكن إثباته بشكل علمي أو تاريخي بالضرورة، ولكن يمكن الاعتماد على الأدلة الدينية والروحية والمعتقدات الإلهية التي تشير إلى وجودهم ورسالتهم.

2023/04/13

في عصر الـ «تيك توك».. هل ننجح في دعوة الناس الى التمسّك بالقرآن؟!
مع انتشار وسائل الترفيه هل ننجح في دعوة الناس للقرآن الكريم والتدبر في آياته؟

[اشترك]

نعم، من الممكن أن ننجح في دعوة الناس إلى التمسك بالقرآن الكريم والتدبر في آياته على الرغم من انتشار وسائل الترفيه في عصرنا الحالي، فالقرآن الكريم هو كتاب إلهي يحتوي على الحقائق العظيمة والمعارف الأسمى التي تساعد الإنسان على فهم وجوده في هذه الحياة ودوره في الكون، وبالتالي مهما كان الإنسان منشغلاً بالدنيا لابد له من الرجوع إلى القرآن والاستنارة بآياته، ومن هنا يجب أن لا يستسلم الدعاة إلى الله أمام وسائل الترفيه التي تشغل الناس عن دينهم وقرآنهم، فلابد أن يأتي اليوم الذي يعرف الناس فيه أهمية القرآن في حياتهم.

فالواجب علينا الترويج المستمر لقيم الإيمان والتقوى والأخلاق، والتي تعتبر قيماً مهمة في تنمية الشخصية الإنسانية والمجتمعية، كما يجب تشجيع الأفراد على قراءة وتدبر القرآن الكريم من خلال النشرات الدعوية والدروس والمحاضرات والخطب في المساجد والمدارس والمجتمعات المحلية، وكذلك عن طريق القنوات الفضائية والإذاعة والإنترنت.

ومن المهم أن نحاول إيجاد طرق جديدة لجعل القرآن الكريم أكثر جاذبية للشباب والأجيال الجديدة، مثل استخدام الوسائط الرقمية والتكنولوجيا الحديثة لنشر المعرفة القرآنية وتعليم التدبر في الآيات.

كما يمكن استخدام التطبيقات الذكية والمنصات الرقمية الأخرى لتعليم القرآن الكريم وتشجيع التدبر في آياته. على سبيل المثال، يمكن إطلاق تطبيقات تفاعلية للتفسير والتدبر في الآيات، وإنشاء مواقع إلكترونية متخصصة تحتوي على محتوى تعليمي للقرآن الكريم بأساليب مبتكرة وجذابة.

وفي الجملة يمكن استخدام وسائل الإعلام المختلفة للترويج للتدبر في القرآن الكريم وجعله جزءً من حياة الأفراد، فمثلاً يمكن إنتاج برامج تلفزيونية وإذاعية تتحدث عن التدبر في القرآن الكريم وتفسير آياته، كما يمكن إنتاج مقاطع فيديو قصيرة على منصات التواصل الاجتماعي تتحدث عن آيات محددة وتشجع على التدبر فيها، كما يمكن الاستفادة من وسائل الإعلام الرقمية، مثل اليوتيوب والبودكاست، لإنتاج محتوى تعليمي للتدبر في القرآن الكريم ونشره على الإنترنت.

وفي المحصلة إن دعوة الناس للقرآن الكريم تتطلب جهودًا متعددة ومستمرة، كما أنها بحاجة دائمة إلى ابتكار وسائل وأدوات أكثر جاذبية وإثارة، وقد ذكرنا في إجابة سابقة أن الترفيه عن النفس وترويحها غريزة متأصلة في الإنسان لا يمكن كبتها ومصادرتها، وفي المقابل لا يترك لها الباب مفتوحاً على مصراعيه لتصبح الهم الاكبر للإنسان وشغله الشاغل، ولذلك كان الدين ضرورة لترويض الغرائز وتهذيبها حتى لا تكون عائقاً يحول بين الإنسان وبين الغايات التي خلق من أجلها، ومن هنا لا يعد الترفيه عن النفس من الخيارات الأصيلة في حياة الإنسان، كما لا يعد مساراً صالحاً يستنفذ الإنسان عمره من أجله، وإنما هو مجرد استثناء عارض يلجا إليه الإنسان ليستريح فيه أثناء مسيره الجاد.

2023/04/11

ما هي مساهمات الحوزة العلمية في «علم التاريخ»؟
تعد الحوزة العلمية من أبرز المؤسسات التعليمية المتخصصة في تعليم العلوم الدينية والعربية، وتضم مجموعة من العلماء والباحثين المتخصصين في مجالات مختلفة، بما في ذلك علم التاريخ، وعليه تصبح مساهمة الحوزة في جميع العلوم والمعارف من خلال الطلبة والعلماء الذين يتخرجون منها، وإذا أردنا ان نبين مساهمة الحوزة في علم التاريخ يمكننا أن نذكر بعض النقاط في هذا الشأن.

[اشترك]

  1. تعمل الحوزة على توفير المصادر الأصلية والثانوية للتاريخ الإسلامي، مضافاً للمصادر المتعلقة بتاريخ الحواضر الإسلامية العربية والإيرانية والعثمانية والهندية وغير ذلك.
  2. تقوم الحوزة بتدريس الكثير من الأبواب في التاريخ لطلابها.
  3. تقوم الحوزات بالإشراف على طباعة المخطوطات التاريخية والتحقيق في بعض المصادر القديمة.
  4. تقوم بعض الحوزات بعقد المؤتمرات والندوات وإصدار النشرات العلمية التي تساعد في تطوير علم التاريخ.

وبالإضافة إلى ذلك، تساهم الحوزة العلمية في تطوير وتحديث مناهج تعليم علم التاريخ وتقديم الدعم اللازم للطلاب والعلماء الشباب الذين يرغبون في العمل والبحث في هذا المجال، مما يساعد على تطوير وتقدم علم التاريخ في المجتمعات الإسلامية والعربية.

2023/04/11

لماذا يتطور الغرب ويتراجع المسلمون؟!
تطور العالم الغربي بسبب الليبرالية الغربية، فالليبرالي الغربي يؤمن أن مرجعيته هي العقل وحـده، أما المجتمعات الإسلامية تخلفت بسبب تمجيدهم وتقديسهم للتراث الإسلامي، فاعتمادهم على التراث كمرجعية مطلقة.. جعلهم يراوحون مكانهم كرحى الطاحون.. لكن من دون انتاج الطحين!

[اشترك]

كل ما تم ذكره يعبر عن وجهة نظر محددة وقد تكون مفرطة في تقييمها للمجتمعات الغربية والإسلامية، فالادعاء بأن تطور العالم الغربي يرجع إلى الليبرالية الغربية وحياد العقل الليبرالي لا يمكن قبوله على إطلاقه، فالتطور الغربي يعود إلى عوامل متعددة منها الاستكشاف والاكتشاف والتجارة والثورة الصناعية والتكنولوجيا وغيرها، ومن ثم تأتي النظم السياسية والاجتماعية كبيئة حاضنة لكل ذلك التطور.

أما أتهام المجتمعات الإسلامية بأنها اعتمدت على التراث وحده في فهم العالم والحياة والمجتمع، فهو لا يعدو أن يكون اتهام فيه الكثير من التحيز والتعميم، فمما لا شك فيه إن الكثير من المسلمين فهموا الإسلام على أنه دعوة إلى العلم والتعقل، وقد قدموا بالفعل الكثير من المساهمات العلمية والتجريبية التي كانت بمثابة الأرضية التي انطلق منها عصر النهضة الأوربية، إلا أن تسلط الحكومات الشمولية في طول التاريخ الإسلامي هي التي تسببت في تجميد العقل الإسلامي وتحجيره، وعليه مازالت الفرصة متاحة أمام المسلمين في بناء حضارة تعزز التقدم الغربي وتضيف عليه بعدها الروحي والأخلاقي، فالإسلام لا يرفض ما حققه الغرب من تقدم علمي وتكنلوجي وإنما يسعي لإضافة بعده الروحي والأخلاقي على ذلك التقدم، وبالتالي ليس هناك تنافر حتى ننتصر للغرب على حساب الإسلام أو ننتصر للإسلام على حساب الغرب وإنما هناك تكامل يجب أن نفكر في تحقيقه بشكل أكثر تفاؤل.

2023/04/11

كيف يحدث الانهيار والسقوط؟: السيد محمد باقر السيستاني يجيب...
قَبَسٌ قَيِّمٌ مِن السُنَن القرآنيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة في الانهيار والسقوط : 1 – مِن الواضح أنَّ القرآن الكريم هو رسالة اللهِ تعالى إلى الخَلق جميعاً، ونحن منظورون بآياتِ القرآن الكريم جميعاً ، كما كان المشافهون بها من قبلنا كذلك.

[اشترك]

2 – في كلِّ آيةٍ قرآنيّةٍ رسائلٌ إلينا ، إمّا بالمطابقة أو على منهج الأمثال ، فعلى الإنسان أن يتخذَ مِن موضوع الآياتِ مَثلَاً، ويرتقي بذلك إلى ما يناسب حاله ووضعه.

3 – مِن سُنَن اللهِ سبحانه في القرآن الكريم ، أنّه إذا وقع الاستكبارُ والعلو والفسادُ، فإنَّ عاقبةَ ذلك، وبحسب السُنَن التاريخيّة في الحياة إلى الضِدِّ ، لامحالةِ ، مِن السقوط والذلّ والصغار .

4 - ما مِن قومٍ أو جماعةٍ ، أو ما مِن ثقافةٍ استَعلَت أو استكبرَت أو ظلَمَت ، إلّا وكان ذلك مُنزلقاً إلى سقوطها وانهيارها، مهما طال أمدها.

5 – إنَّ الاستكبار والظلم والعلو والتنكّر للحقائق الواضحة والعصبيّات الضيّقة – هذه جميعها تؤثّر في الانهيار ، لا محالة، وهذا التأثير إذا كان باسمِ الدِّين فسوف يكون أكثر إيلاماً وضرراً، وأكثر تشويهاً للحقيقة، وأكثر إضراراً بالمؤمنين .

6 – إنَّ دولةَ أهلِ البيت (عليهم السلام) الموعودة على يدِ الإمام المَهدي(عجّل اللهُ فرجَه الشريف) ستُمثّل انتصاراً لله سبحانه واتّجاه الحقِّ .

7 – أيّ مجتمعٍ يُريد اللهُ سبحانه أن يذلّه باستحقاقٍ منه، يُسلِّط عليه الشرارَ والسفهاء والمفسدين والمستكبرين والمُستَعلين برضا نفس المجتمع.

 وفي السُنَن الاجتماعية المجتمعُ هو مَن يولّد القادةَ، ويخضع لهم، وكما تكونوا يولّى عليكم.

سماحة السيّد الأُستاذ مُحَمَّد باقر السيستاني (دامت بركاته) ليلة السابع من شهر رمضان المبارك - 1444هجرية. مرتضى علي الحلّي - النجف الأشرف
2023/04/01

لماذا يدفنون الموتى بجوار الإمام علي (ع)؟
ما هو الدليل على أفضلية الدفن بجوار الإمام أمير المؤمنين، وأن ذلك يكون نافعا للميت، وكيف نوفّق بينه وبين ما هو ثابت في الدين من أنه لا ينفع الإنسان إلا عمله؟!

[اشترك]

صحيح أن الإنسان إنما يحاسب على أعماله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} سورة الزلزلة (7-8) ، ولكن من لطف الله ورحمته بعباده، وحبه لهم ولخيرهم، أن فتح أبوابا كثيرة جدا لمنفعتهم وسعادتهم، سواء فيما يضاعف حسناتهم، أم يرفع درجاتهم، أم يغفر ذنوبهم ويتجاوز عن سيئاتهم، أم يخفف عنهم...ومن ذلك -على سبيل المثال- أن جعل الشفاعة لغفران بعض الذنوب والمعاصي، كما جعل سبحانه وتعالى أعمال المؤمنين لبعضهم نافعة لهم جميعهم، وفي مضمون الأحاديث الشريفة: (ادعني بلسان لم تعصني به) وقد فسّر ذلك بدعاء المؤمنين لبعضهم البعض، وليس ذلك محصورا في الدعاء، بل يشمل كل عمل صالح، كالاستغفار والصدقة وقراءة القرآن والصلاة... وغيرها من الأعمال التي يمكن للمؤمنين أن يقوموا بها نيابة عن بعضهم البعض، أو أن يهدوا ثوابها لأرحامهم وأقاربهم وأصدقائهم، ولمن أحبوا من المؤمنين، بل من لطفه ورحمته سبحانه أنه إذا مات المؤمن وفي ذمته بعض الأعمال العبادية من صلاة وحج وصوم...فإنها تسقط بأدائها عنه، كما جعل عز وجل خصوصيات لبعض الأماكن يتضاعف فيها الأجر والثواب، فالصلاة والدعاء وقراءة القرآن في المساجد ليست كما هي في البيوت، وفضل أدائها في البيت الحرام، والحرم النبوي الشريف، والمشاهد المقدسة، أعظم بكثير من أدائها في سائر المساجد الأخرى، وذلك للخصوصية التي تمتاز بها هذه الأماكن على غيرها، ولذلك ورد أن الإمام الهادي عليه السلام أصيب بمرض فطلب من أحد أصحابه أن يذهب إلى كربلاء ويدعوا له بالشفاء تحت قبة سيد الشهداء عليه السلام، وحين سئل: لماذا لا يدعو لنفسه وهو إمام ودعاؤه قطعا مستجاب، كما أن دعاءه لنفسه أفضل من دعاء غيره له، أجاب عليه: (إن لله بقاعا يحب أن يدعى فيها فيجيب، وإن بقعة جدي الحسين عليه السلام من تلك البقاع)، وراجع تفاصيل الحادثة ومصادرها في ص256-259 من كتاب (حياة الإمام الهادي) للشيخ باقر شريف القرشي.

وإذا فهمنا هذه المقدمة واستوعبناها جيدا، حينها نفهم أن الله عز وجل اختار بعض الأماكن وفضلها على بعضها، وجعل لها خصوصية ليست لغيرها، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}، القصص (68)، والآية مطلقة فتشمل الاختيار التشريعي والاختيار التكويني، فكما يختار سبحانه الرسل والأنبياء والأئمة والأوصياء، كذلك يختار الدين الذي يريد، والتشريع الذي يريد، والأماكن التي يريد، ويفضلها على غيرها، ويجعل لها خصوصية عنده سبحانه وتعالى، تماما كما اختار الوادي المقدس، وجعل له حرمة وقداسة إلى حدّ أن قال لكليمه موسى عليه السلام كما في الآية (12) من سورة طه: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى}، فما بالك إذن ببيته الحرام الذي نصّ القرآن على بركته، وأنه هدى للعالمين، فقال في الآية (96) من سورة آل عمران: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}، وكذا الحرم النبوي الشريف، الذي يضمّ جثمان خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، ومشاهد الأئمة المعصومين الذين هم حججه على الناس أجمعين، كيف لا تكون لها حرمة وقداسة، تجعل لها خصوصية عنده سبحانه وتعالى، سواء بالتعبد فيها، أم بغير ذلك من الأمور؟! 

والإمام علي صلوات الله وسلامه عليه، هو (أمير المؤمنين، بل نفس النبي، وباب مدينة علمه، وقسيم الجنة والنار...) كما ورد في الكثير من الأحاديث والأخبار، فقطعا لمجاورته والدفن بقربه وجواره خصوصية عند الله عز وجل، عبّر عنها أحد الشعراء بقوله:

إذا مت فادفني إلى جنب حيدر*أبي شبر أكرم به وشبير

فلست أخاف النار عند جواره*ولا أتقي من منكر ونكير

فعار على حامي الحمى وهو في الحمى*إذا ضاع في المرعى عقال بعير

وليس هذا خيال شاعر جنح به جنون الشعر إلى الشطحات، وإنما هو تضمين لحقيقة استلهمها الشاعر مما أكدته الأحاديث والروايات، ومنها ما رواه العلامة المجلسي في ج79ص68 من بحاره عن (إرشاد القلوب للديلمي) روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه كان إذا أراد الخلوة بنفسه أتى طرف الغري، فبينما هو ذات يوم هناك مشرف على النجف فإذا رجل قد أقبل من البرية راكبا على ناقة وقدامه جنازة، فحين رأى عليا عليه السلام قصده حتى وصل إليه وسلم عليه، فرد عليه السلام وقال: من أين؟ قال: من اليمن. قال: وما هذه الجنازة التي معك؟ قال: جنازة أبي لأدفنه في هذه الأرض. فقال له علي عليه السلام: لم لا دفنته في أرضكم؟ قال: أوصى بذلك وقال: إنه يدفن هناك رجل يدعى في شفاعته مثل ربيعة ومضر. فقال عليه السلام له: أتعرف ذلك الرجل؟ قال: لا. قال: أنا والله ذلك الرجل، ثلاثا، فادفن فقام ودفنه).

وفي ص58 من (فرحة الغري) عن عقبة بن علقمة قال: اشترى أمير المؤمنين عليه السلام أرضا ما بين الخورنق إلى الحيرة إلى الكوفة. وفي خبر آخر: ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين بأربعين ألف درهم، وأشهد على شرائه، قال: فقلت له: يا أمير المؤمنين تشتري هذا بهذا المال وليس ينبت قط؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: كوفان كوفان، يرد أولها على آخرها، يحشر من ظهرها سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، فاشتهيت أن يحشروا من ملكي)، والمراد بالسبعين الكثرة دون العدد، كما في قوله تعالى في الآية (80) من سورة التوبة: {اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ}.

كما ورد أن الدفن هناك يسقط عذاب القبر، وينجي من مساءلة منكر ونكير، بل دلّت الأحاديث الشريفة على أنه ما من مؤمن يموت في شرق الأرض أو غربها، أو أية بقعة من بقاعها، إلا وألحق الله روحه بذلك الوادي المقدس، كما في أصول الكافي، كتاب الجنائز، باب في أرواح المؤمنين، ج3ص245 عن حبة العرني عن أمير المؤمنين من جملة حديث: (...ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الأرض، إلا قيل لروحه: الحقي بوادي السلام، وإنها لبقعة من جنة عدن)، وفي المصدر نفسه ص245-246 عن أحمد بن عمر رفعه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن أخي ببغداد وأخاف أن يموت بها. فقال: ما تبالي حيثما مات، أما إنه لا يبقى مؤمن شرق الأرض وغربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام. قلت له: وأين وادي السلام؟ قال: ظهر الكوفة، أما إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون).

إلى غير ذلك مما ورد في فضل الدفن في تلك البقعة المباركة، وجوار ذلك الإمام العظيم، مما ورد في الأخبار، وتسالم على صحته علمائنا الأبرار، مما لا نرى داعيا للإطالة بنقله.

2023/03/30

المعرفة الفطرية: هل تحتاج الفطرة إلى دليل أو البحث عنها؟
يقال إن الايمان بالفطرة.. يعني يولد الإنسان وهو مؤمن بالله، لكن لو رأينا مثلاً بعض القبائل البدائية في العالم تجدهم يؤمنون إما بالأصنام أو بظواهر الطبيعة ولا يكاد يلتفتون لله الا عن طريق الاكتساب من رجل دين أو غيره...هل الفطرة تحتاج لدليل أو للبحث عنها؟

[اشترك]

 وحتى يتضح الجواب لابد من التفريق بين الهداية التكوينية والهداية التشريعية. وبمعنى آخر: أن هناك هداية فطرية يشترك فيها جميع البشر، وهناك هداية خاصة يختارها الإنسان بمحض إرادته، فالبشر على نحو التكوين مهتدين جميعاً كما قال تعالى: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) وقوله: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) وقوله: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وقوله: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)، وغير ذلك من الآيات التي تكشف عن الهداية التكوينية لكل البشر.

 وهذه الهداية هي الفطرة التي فطر الناس عليها، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها).

 ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الهداية التشريعية عن طريق الأنبياء والرسل، ومن هنا فإن رسالات الله هي التي تتكفل ببيان ما يجب أن يكون عليه المهتدي من أعمال وأحكام، قال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ) فالإسلام هو نوع من الهداية التشريعية التي يتم اكتسابها عبر اتباع النبي (ص) والتصديق بما جاء به من ربه.

ويتضح من ذلك أن الهداية التشريعية لا سبيل إليها غير الرسل ولذا قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا).

 وإذا جاز لنا القول فإن المعرفة الفطرية تمثل الأرضية التي تقوم عليها تعاليم الأنبياء والرسل، ولو لا ذلك لاستحال على البشر معرفة الله أو اتباع الرسل، ففي الحديث قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزوجل: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) قال: فطرهم على معرفة أنه ربهم، ولو لا ذلك لم يعلموا إذا سئلوا من ربهم ولا من رازقهم).

 فمع كون المعرفة ثابتة في واقع الفطرة، إلا أنها محجوبة بحجب الغفلة والهوى، فلا تستقيم إلا بالتنبيه والتذكير، فالله صبغ العباد بصبغته وفطرهم على معرفته، فصاروا عارفين به عرفاناً بسيطاً، لا يعرفون أنهم يعرفون، فلا يستغنون عن تذكرة المذكرين وتنبيه العارفين.

 وبسبب تلك الفطرة تأصل الدين في العنصر البشري، فلم يكن الدين مجرد حالة طارئة أو ظاهرة عابرة، وإنما هو الحقيقة التي وجدت مع الإنسان وتستمر بوجوده أيضاً.

 وهنا لابد أن نفرق بين الدين كمظهر اجتماعي وبين المبرر الوجودي للدين.

 فالأول: له علاقة بالشعائر الدينية والطقوس العبادية، والثاني: له علاقة بالدافع الفطري الذي يحرك الإنسان داخلياً نحو المعبود.

 واشتراك البشر في ذلك الإحساس الفطري لا يعني بالضرورة اشتراكهم في المظهر العبادي والسلوكي؛ وذلك لأن السلوك الإنساني لا يتأثر بالجانب الغريزي والفطري فحسب وإنما يتأثر بالعوامل الخارجية بشكل أكبر، فكل إنسان قد يعبر عن احساسه الداخلي بشكل مختلف عن الاخر حتى وإن اشتركوا في ذلك الإحساس، ومن هنا فإن الإحساس الفطري الذي يجذب الإنسان نحو حقيقة متعالية وإن كان واحداً عند الجميع إلا أنه لا يضمن مظهراً دينياً واحداً للجميع.

 وبذلك نكتشف حجم الخطأ الذي يعمل على نفي الحقيقة الفطرية بسبب وجود اديان مختلفة بين البشر، بينما الصحيح هو أن وجود أديان وإن كانت مختلفة يدل على وجود فطرة حركت الجميع نحو البحث عن الدين، وبذلك يمكن أن فهم قول النبي (صلى الله عليه وآله): (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، ففي الحديث إشارة واضحة إلى مدى تأثير البيئة الاجتماعية على الفطرة، وبمعنى آخر فإن الإنسان بفطرته منجذب إلى الحق وإلى الله تعالى إلا أن البيئة الاجتماعية هي التي تحدد له الشكل الذي يعبر فيه عن حاجته الفطرية.

 وما نقصده بالإحساس الداخلي ليس مجرد شعور نفسي، وإنما إحساس وجودي يعبر عن عمق الحاجة الوجودية لدى الإنسان، فشعور الإنسان بوجده ليس شعوراً حقيقياً طالما لم يوجد نفسه ولا يملك لها البقاء، ومن هنا فإن الإنسان في حالة من الإحساس الدائم بحاجته لذلك الموجد المالك لوجوده، فمهما بلغ الإنسان من الغرور لا يمكنه الشعور أنه أوجد نفسه، أو أنه ممسك بزمام وجوده، فالفقر الذي يلازمه، والحاجة التي ترهقه، تجعله مدين في اصل وجوده لمن أوجده، بل حتى كمالاته الوجودية مثل امتلاكه للقدرة، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، وغيرها من كمالات، والتي قد تكون سبباً في اعتداد الإنسان بذاته وفخره بنفسه، هي ذاتها وبالتأمل فيها تجعل الإنسان في حالة من العشق الابدي والامتنان السرمدي لمن اوجدها فيه.

 وفي المحصلة: أن الدين حقيقة أصيلة من خلال الجذب الداخلي نحو المقدس، والتدين هو سعي إنساني نحو ذلك المقدس، فكل أشكال التدين هي تعبير عن هذا الإحساس الباطني المشترك بين الجميع، فالتباين على مستوى الشعائر والسلوك، لا يعني التباين في أصل الإحساس بالمقدس والتوق إليه، فالإنسان وإن كان يتمتع بخصوصية فردية إلا أنه غير موجود في الفراغ، وإنما هو طبيعة متفاعلة مع المحيط الذي وجد فيه، ومن هنا فإن بعث الأنبياء والرسل يمثل ضرورة حتمية لهداية الناس إلى دين الحق، فلو لم يتدخل الخالق لهداية الناس لدينه فإن الناس ستجد نفسها مضطرة لتختار لنفسها اديان.

2023/03/22

المؤلفون الأوائل في علم الرجال لدى الشيعة
اهتمّ علماء الشيعة بعد عصر التابعين بعلم الرجال، نذكر المؤلّفين الأوائل:

[اشترك]

1- عبداللّه بن جبلة الكناني (219) قال النجاشي: وبيت جبلة مشهور بالكوفة وكان واقفاً، وكان فقيهاً ثقة مشهوراً. له كتب، منها كتاب الرجال...1.

2- علي بن الحسن بن فضال كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم وعارفهم بالحديث، من أصحاب الامام الهادي والعسكري له كتب منها كتاب الرجال2. وهذا المعروف بابن فضال الصغير، وأبوه الحسن هو ابن فضال الكبير وكلاهما فطحيان .

3- الحسن بن محبوب السراد (150 ـ 224) الراوي عن ستين رجلا، من أصحاب الصادق له كتاب «المشيخة» وكتاب «معرفة رواة الأخبار»3.

4- أبو عمرو الكشي البصير بالأخبار والرجال، تلميذ الشيخ العياشي، وكتابه المعروف بـ «معرفة الرجال» هو الّذي لخّصه الشيخ الطوسي وأسماه بـ «اختيار معرفة الرجال» وهو الموجود في الاعصار الأخيرة .

5- الشيخ أبو العباس أحمد بن علي النجاشي (372 ـ 450) من نقّاد هذا الفن ومن أجلاّئه وأعيانه حاز قصب السبق في ميدان علم الرجال، له كتاب فهرس مصنفي الشيعة المعروف برجال النجاشي وقد طبع أخيراً محقّقاً في مؤسستنا «الامام الصادق ـ عليه السلام ـ » .

6- والشيخ الطوسي (385 ـ 460) الغني عن التعريف عمل كتابين أحدهما الفهرست والآخر الرجال ويعدّان من اُمّهات الكتب الرجالية، وتوالى التأليف في علم الرجال وأخيه علم الدراية إلى عصرنا هذا، وقد أنهى الشيخ الطهراني المؤلّفين من الشيعة في علم الرجال فبلغ قرابة خمسمائة مؤلّف شكر اللّه مساعي الجميع .

هذا عرض موجز من مشاركة علماء الشيعة في بناء الحضارة الإسلامية عن طريق تأسيس العلوم واكمالها وتطويرها، وأنت إذا وقفت على جهودهم الجبّارة في القرون الاُولى وما بعدها إلى عصرنا الحاضر، تقف على طائفة كبيرة من عمالقة العلم وجهابذة الفضل، كرسوا حياتهم الثمينة في ارساء صرح الحضارة الإسلامية ورفع قواعدها فأخلدوا لأنفسهم صحائف بيضاء ولصالح اُمّتهم حضارة انسانية، كل ذلك في ظروف قاسية وسلطات شديدة الكلب، وأضغان محتدمة، إلاّ في فترات يسيرة.

 الهوامش: 1. النجاشي: الرجال 2 / 13 برقم 561 . 2. النجاشي: الرجال 2 / 82 برقم 674 . 3. الطوسي: الفهرست 71، برقم 162، ابن شهرآشوب: معالم العلماء 333 برقم 182، الطهراني: مصفى المقال 128 . مقتطف من كتاب دور الشيعة في بناء الحضارة الاسلامية، لأية الله الشيخ جعفر السبحاني، طبعة: بيروت، دار الاضواء للطباعة والنشر، سنة 1993م.
2023/03/22