فكر وثقافة
هل استبدال الدين بالعلمانية أفضل للعالم؟
يرتكز هذا السؤال على أن العلمانية وفصل الدين عن الدولة هو الذي مهد الطريق أمام الحضارة الحديثة، ويبدو أن ذلك اختزال مخل للطموح السامي الذي يسعى الإنسان لتحقيقه، وفي نفس الوقت تحجيم للإسلام وابعاده عن الأدوار الأساسية في الحياة.

فالإسلام ليس مجرد هوية مجتمعية يمكن تبديلها بهوية اجنبية وإنما يمتلك الإسلام رؤية معرفية وإطار فكري شديد التأثير والفاعلية، فمصادرته تعني مصادرة الإنسان بكل ما يحمل من تاريخ وحضارة وخبرة طويلة في المجال الفكري والثقافي، فالإسلام كنظام معرفي ومبادئ قيمية يستعصي على التهميش والإهمال، والفشل الذي رافق الفكر الكنسي في قدرته على الصيرورة والمواكبة، لا يمكن تعميمه على الإسلام، وبالتالي نقل تجربة الصراع العلماني مع الكنيسة إلى الصراع مع الإسلام محاولة غير ناضجة؛ لأنها تنطلق من فهم غير حقيقي للإسلام عمل على مقايسة الإسلام بالمسيحية، فالكنيسة شكلت في تلك الفترة عقبة حقيقية أمام التقدم العلمي في حين أن الإسلام وبكل مبادئه وتوصياته يشجع على البحث العلمي ويفتح الطريق أمام ابداع العقل الإنساني، وإشكالية العلمانية العربية هو إصرارها على تعميم الموقف الكنسي على الإسلام، فالعلمانية العربية مستلبة فكرياً وثقافياً بما حدث في عصر التنوير في أوربا، فبدل أن تعمل على تأسيس خطابها الخاص المتناسب مع البيئة الثقافية للإنسان المسلم، نجدها تصر على استيراد ذلك الخطاب الذي انتجه عصر التنوير في قبال الكنيسة، فكرست جهدها على محاربة الإسلام بحجة أنه مخالف للحداثة والتطور، في حين أن السلام لم يمنعهم من ذلك ولم يقف حجر عسرة أمام تطلعاتهم كما فعلت الكنيسة.

ومن الأمور التي يروج لها الفكر العلماني هو تحديد الإسلام وحصره بالقراءة السلفية، لكي يسهل ضربه ومصادرته عندما يفشل أمام متطلبات الحاضر، وهذا تحامل غير مبرر لأن الإسلام ضمن القراءات الأخرى يتمتع بقدرة كبيرة على استيعاب المتغيرات وتوظيفها حضارياً، وبالتالي هناك مقاربات إسلامية اكثر نضجاً وفهماً لتحديات الواقع المعاصر، كلها تسعى لتقديم تصور للإسلام يتسم بالأصالة والانفتاح، وما تعنيه الأصالة ليس تحجراً ورجعية؛ وإنما اصالة الدين المنبعث من اصالة القيم، وما يعنيه الانفتاح ليس تبعية واستسلام؛ وإنما انفتاح ببصيرة العقل المستبصر بالوحي. 

فليست الإشكالية الثقافية هي عدم الاعتراف بالصيرورة فحسب كما عند السلفية - وإن كان عدم الاعتراف بها جمود وتخلف ورجعية - وإنما الإشكالية الأخطر هو الإيمان بالصيرورة دون الإيمان بوجود قيم كبرى ناظمة لها ومتحكمة فيها كما هو حال العلمانية، فالصيرورة بدون تلك القيم هي مجرد حركة عبثية، والإنسان الذي تجره المتغيرات دون هدى ولا بصيرة انسان فاشل تصنعه الظروف دون أن يصنعها.

صحيح ليس من البساطة تكوين هذا الوعي والأمة مثقلة بكل هذه الاحباطات، وصحيح ايضاً بأن القفز من سفينة الإسلام قد يكون أسهل الحلول عند البعض؛ لأن الركون للحياة والاستسلام لضغوطها لا يحتاج إلى عناء أو حافز، ومع ذلك فإن خسارة الإنسان لدينه ليس خسارة هوية فحسب، وإنما خسارة الإنسان لكل شيء حتى إنسانيته. فقيمة الإنسان بالقيم التي تتحلى بها روحه، والكلام عن القيم هو ذاته الكلام عن الروح لا يستقيم أمرهما إلا معاً، ومن هنا لا يمكن قبول أي تصور ثقافي يهمل القيم الكبرى والمثل العظمى التي ينادي بها الإسلام، لأن عندها سيكون تصور ناقص لا يعبر عن حقيقة الإنسان.

وعليه فإن الإسلام لا يتجاوزه الزمن لأنه كالشمس يشرق كل يوم على واقع جديد، والإسلام كقيم ناظمة للحياة لا يمكن أن يستغني الإنسان عنها مهما تطورت الحياة وتقدمت.

ويبدو أن السبب في هذه النظرة المشوهة التي تعمل على ابعاد الإسلام عن الساحة السياسية والاجتماعية تنطلق من التجربة التاريخية للمسلمين، فالبحث في التاريخ السياسي في العالم الإسلامي أو البحث بين الخيارات الإسلامية المطروحة في واقعنا المعاصر قد يقودنا إلى صورة منفرة، إلا أننا إذا ابتعدنا عن هذا الواقع وبحثنا في النص الديني بعيداً عن ثقافتنا المنهزمة وما يحمله الواقع من خيبات وتعاملنا معه بوصفه قيم ومعايير أخلاقية لا يسعنا إلا الاعتراف بكونه هو الحل، فأسباب تخلف الأمة هو في ابتعادها عن القيم الحضارية التي نادى بها الإسلام، فالعلم والعمل والتقدم والتطور والعدل والحرية والمسواة والتنمية وغير ذلك من قيم النهوض تمثل قيماً إسلامية لا تتم العبادة إلا بها، كما أن الضمير الأخلاقي الذي ينميه الدين في نفسية الأمة هو الضامن لحصانة الأمة من الانحراف، إلا أن الامة تخلت عن قيمها وعن ضميرها الأخلاقي فكان هذا هو حالها.

وعليه السياسة في الإسلام يجب أن تكون حركة أخلاقية تسعى لبناء مجتمع تقوم روابطه على قيم الحق والفضيلة، وتعمل على رفض كل المظالم بما فيها الاضطهاد السياسي والاستئثار بالسلطة، وتسعى لتحقيق العدل والمساوة وإقامه الحقوق وتحقيق الرفاه والتنمية، والدفع بالأمم والمجتمعات الى الأمام، لتحقيق تكامل الإنسان وبناء حضارة الإسلام، وتتوسل السياسة في الإسلام لتحقيق ذلك بالصدق والإخلاص وكل قيم الفضيلة والأخلاق.

وهذا الواقع الطموح هو الذي يجب أن يتمسك به الجميع؛ لأنه يمثل الفهم الذي يتعامل مع الإسلام بوصفه رسالة للحياة وليس رسالة تتعامل مع الإنسان فقط بعد الموت وفي عالم الآخرة. 

فالإنسان في النظرة العلمانية والمادية يختلف عن الإنسان في نظرة الرسالات السماوية، ومن خلال هذا التباين بين النظرتين تتباين القيم الناظمة لحياة الإنسان، وحينها لا يمكن أيجاد قواسم مشتركة أو معايير متفق عليها يمكن أن ترجح لنا بين النظرتين، الأمر الذي يوسع دائرة الحوار ليعود بنا من جديد للسؤال الفلسفي الكبير، ما هو الإنسان ولماذا وجد وما هو الهدف من وجوده؟ ويبدو أن اهمال هذا السؤال أو الإجابة عنه في إطار البعد المادي هو السبب وراء الاختلاف بين الإسلام والعلمانية.

ومن الصعب التفصيل هنا في البناء الفلسفي للإسلام ومن ثم المقارنة بينه وبين الفلسفة المادية التي حصرت الإنسان في بعد اللذة والشهوة وتسخير الإنسان من اجل السعي الدائم للحصول على المزيد من المكاسب المادية، إلا أننا نؤكد فقط على أن الإسلام يحتفظ بمعاني خاصة للإنسان وللمجتمع وللحياة وللسعادة، ومن المعيب مصادرة تلك المعاني لصالح معاني أخرى أوجدتها العلمانية المادية، فمثلاً نمط الحياة الغربية بوصفها الصورة المثالية للعلمانية ليست إلا تشويهاً للإنسان ومسخ للحياة وتدمير للمجتمع في نظرة الإسلام.

وعليه نحن لا نسلم بان العلمانية هي الخيار المثالي للإنسان كما لا نسلم بالتقييمات العلمانية لصورة الحياة الاجتماعية والسياسية، وفي نفس الوقت لا ندافع عن الوضع الراهن أو التاريخي للإنسان المسلم، فالعلمانية قد تمكنت من صنع واقعها الاجتماعي والسياسي الذي ينسجم مع رويتها الفلسفية، في حين أن المسلمين لم يصنعوا بعد واقعهم السياسي والاجتماعي الذي يتماشى مع فلسفة الإسلام حول الإنسان والمجتمع، وهذا عجز نعترف به ونسعى لتفاديه إلا أن الصورة الكاملة للمجتمع الإسلامي سوف تكتمل عند ظهور الإمام المهدي المنتظر وحينها ستضح المسافة الفاصلة بين الإسلام وبين كل التوجهات المادية.

[اشترك]

2022/11/19

لماذا تزول البركات؟!
قال الله تعالى في كتابه الكريم: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) المائدة 2.

[اشترك]

في استكشافنا لهوية المسلم، وعلاقة هذا المسلم بالإسلام وبالقيم الإسلامية، لابد أن نفهم ما هي القيم التي أكد عليها الدين الإسلامي، والقيم الأخلاقية الأساسية التي تشكل هوية الأمة الإسلامية وعناصر الانتماء الإسلامي.

من أهم الموضوعات التي يمكن أن نستكشفها في هوية المسلم، هو مفهوم التعاون أو مفهوم التصارع، فالإسلام دين قائم على مفهوم السلم، والتسالم، والتعارف، والتقارب فيما بين البشر، وكلما ازداد البشر تقربا وتفاهما وتعايشا، ازداد تقربا من الإسلام، وهذا هو من المقاصد الجوهرية في الدين الإسلامي.

لذلك يمكن القول إن التعاون يعد من أهم المفردات التي تبيّن ماهيّة الإنسان المسلم، حيث ينسلخ هذا الإنسان من أنانيّتهِ ومحوريّتهِ الذاتية، ويدخل في عالم من الجمال، ليس دخولا شكليا فحسب وإنما أيضا دخولا مضمونيا في العمق، بحيث يتماهى في منظومة القيم مع الآخرين، ويتداخل مع المجتمع تداخلا واقعيا سلوكيا شاملا.

إن التعاون كلمة تأتي بمعنى العون، أي المساعدة، أعانه ساعده، عون له مساعد له، أعانه على شيء، التعاون على وزن تفاعل، يعني التعاون فيما بين طرفين كل واحد منهما يكون عونا للآخر، في بعض النصوص تأتي مفردة التعاون وفي نصوص أخرى تأتي بصيغة أعانَ، وهذه المفردة تعطي نفس المعنى، فأعان تشمل هذا وتشمل ذلك (تشمل الطرفين)، كلاهما تشمله كلمة أعان، فيدخل ذلك في مفهوم يجمع بين الطرفين وهو مفهوم التعاون.

التعاون يعني فلسفة قائمة على التعاضد والمساعدة والتوافق، ويتحقق التعاون في الخير، ويتحقق في الشرّ أيضا، فكل ما ينبته المجتمع هو انتاج لما يتعاون فيه ذلك المجتمع ويسير عليه، فقد يتعاون على البر والتقوى، وقد يتعاون على الإثم والعدوان، وهذا يعني انه أما أن يتعاون على البرّ، وأما يدخل في بوابة العدوان والتصارع، وسوف نتناول هذا الموضوع بالتفصيل لأهميته الكبيرة.

صور التعاون المتعددة

أولا لابد لنا أن نتعاون حتى نستطيع أن نتعارف، لأن الإنسان الذي لا يتعاون مع الآخرين يضع حواجز وسدودا بينه وبينهم، فلا يستطيع أن يتعاون معهم، وهناك مستويات مختلفة في التعاون، فلابد للإنسان أن يبدأ عملية التماهي مع الآخر ومع أخيه المسلم، ومن ثم يتطور التعاون إلى مستويات مختلفة تعتمد على مستوى الحكمة والتعقّل والنضج الذي يمارسه في فهم ثقافة التعاون وتطبيقها.

من خلال فهمنا للآية القرآنية التي ذُكِرت أعلاه، تعد هذه الآية من الآيات المفتاحية في القرآن الكريم، فهي تنطوي على أبعاد اجتماعية ونفسية وفلسفية، وفيها أبعاد فقهية أيضا، فهي من القواعد الفقهية التي يعتمد عليها الفقهاء في استنباط قاعدة شرعية، وهو بحث آخر لا يدخل في بحثنا هذا.

لكن هذه الآية الكريمة تعدّ من القواعد الأساسية التي تدخل في بناء المجتمع، وفي بناء الأحكام الشرعية، تفسير هذه الآية القرآنية يعطينا مجموعة صور حول قضية التعاون.

الصورة الأولى: التعاون على البرّ والخير والتسالم.

ما هو الفرق بين البرّ والخير؟، إن الخير هو مفهوم مطلق فيه كثير من المصاديق، أما البّر فهو من مصاديق الخير، ويعني فعل الخير، ولذلك كلمة البر تأتي مع الإحسان، لأن البرّ هو الإحسان، فعملية البر عملية فعلية، ومصداق عملي تطبيقي للخير، لذلك فإن التعاون هو عمل، وجملة (وتعاونوا على البرّ والتقوى) هو عمل، وليس مجرّد مفهوم نضعه أو نستخدمه في نظرياتنا، بل هو عمل حقيقي يتحقق على أرض الواقع.

الصورة الثانية: التعاون على الإثم والعدوان

الإثم يعني الذنوب والمعاصي الكبيرة التي تأتي من تجمع وتراكم ذنوب صغيرة، وبالنتيجة فإن هذا الذنب الكبير يتلازم مع العدوان، لأن الإنسان الذي يتجاوز حدوده يصبح عنده طغيان، فيخرج عن حدود التسالم والسلم، ويبدأ بالاعتداء على الآخرين، ومن هنا تسمى الخمرة إثما، فحين تتجمع هذه الكبائر والمعاصي عند الإنسان تؤدي به إلى ممارسة العنف والعدوان.

وكما أن عمل الخير قائم على التقوى، فالإنسان الذي يقوم بأعمال الخير يتّجه في طريق التحلي بالتقوى، وكذلك تعطي التقوى بعدا قويا للإنسان في عمل الخير، ولا يمكن للإنسان أن يكون متّقيا ما لم يسرْ في أعمال البرّ والإحسان، كذلك الأمر بالنسبة للإثم، حيث يقود الإثم الإنسان إلى العنف، كما أن ارتكاب الآثام تؤدي بالإنسان إلى العنف والعدوان.

الصورة الثالثة: التعاون على ترك الخير وإن لم يتعاون على الإثم

حيث يوجد ناس يتعاونون على ترك الخير بصورة غير مباشرة، ولا يعملون الخير، ويعيشون في ملذّاتهم وأنانيّتهم، فيتّقون الخير، لكنهم في نفس الوقت لا يتعاونون على الإثم، وسوف نناقش هذه الصورة لاحقا.

الصورة الرابعة: التعاون على ترك الإثم وإنْ لم يتعاون على فعل البرّ.

الصورة الخامسة: عدم التعاون على البرّ بالترك والإهمال واللامبالاة.

وهذه الصورة الخامسة شبيهة بالصورة الثالثة، حيث يدعو للتعاون على البرّ لكنه لا يعمل بذلك، ولذلك يوجد لدينا صورتان يمكن أن نقول عنهما بأنهما جيدتان، وبقية الصور سيئة.

الصورة الجيدة الأولى: التعاون على الخير والبرّ والتسالم.

الصورة الجيدة الثانية: التعاون على ترك الإثم وإنْ لم يتعاونْ على البرّ.

بناء المناعة الذاتية والسلوكية

وهذه الصورة بالنتيجة مقدمة لفعل الخير إذا قصد الإنسان ونوى عمل ذلك، بالنتيجة هذا الأمر سوف يقوده نحو الخير وهذا شيء جيد، فالإنسان أولى ببناء نفسه وبناء مناعته الذاتية والسلوكية فيترك الآثام، وعندما يترك الآثام يتوفق فعلا، في التقوى وفي طريق التعاون على البرّ والإحسان.

الصورة الثانية التعاون على العنف والعدوان واضحة، أما الثالثة التعاون على ترك الخير وإن لم يتعاون على الإثم هذا يقوده بالنتيجة إلى الإثم، فمن لا يحث نفسه على فعل الخير حتى لو ترك الإثم وكانت لديه إرادة لترك الآثام، فإنّ أولاده سوف يقعون في ذلك الإثم، وسيكون هناك فراغ، لا عمل خير ولا عمل إثم، وذلك غير ممكن، لذلك فإن الذي يترك الخير ويترك الإثم سوف يقع في الإثم، لذلك لابد أن يملأ الفراغ بفعل الخيرات والتعاون على البرّ حتى لايسقط في دائرة الآثام.

كذلك بالنسبة للصورة الخامسة عدم التعاون بالترك والإهمال واللامبالاة، فهي أيضا تقود الإنسان إلى الآثام، لأن الحياة هي عملية فعلية وجودية، تحتاج إلى إرادة واختيار وفعل من الإنسان، واللافعل يعني معناه الفعل السيّء، وليس معناه الفعل الجيد، بل أن الإهمال واللامبالاة واللامسؤولية، كلها تقود الإنسان نحو الأفعال السيئة، وهذه قاعدة من القواعد المهمة في فهم الآية القرآنية المذكورة سابقا.

لذا لابد للمسلم أن يفهم هذه الصور، لأنه سوف يقع في هذه الصور، ويبرر لنفسه بأنه ليس له علاقة بالآخرين، ويقول أنا أسير في الطريق الصحيح، وأنا غير معني بالمجتمع وقضاياه، لكنه بالنتيجة سوف يقع في المحذور هو وعائلته.

ترسيخ ثقافة التعاون

التعاون الفطري موجود بشكل طبيعي عند الإنسان، فكل إنسان عادي يقوم بهذا النوع من التعاون، لكن بالنتيجة هناك منحدرات خطيرة وتحديات يواجهها الإنسان في حياته، وهذا يتطلب أن يكون التعاون ثقافة وسلوك دائم موجودة في الإنسان، لذلك تركز الآية الكريمة على التعاون والتقوى، لأن التعاون مرتبط بالتقوى، فيصبح ملَكة عند الإنسان، ويصبح قضية أساسية محورية في نفس الإنسان.

المسلم الجوهري جوهره التعاون، هذا هو المقصود من ذلك، فحين نأتي إلى قضية معينة كما تكلمنا في محور اللامبالاة، فبعضهم لا يبالي لكنه أحيانا يساعد الآخرين، في إحدى المرات تكلمت مع أحد الأشخاص لكي يقوم بتأسيس مؤسسات خيرية، ويساعد من خلالها الشباب لإنقاذهم من البطالة، والفقراء في تكوين منازل لهم، وتزويج الشباب والشابات، فكان يقول أنا أتبرّع بمبلغ من المال ولا يعنيني أكثر من هذا. وهو يظن أنه يبرئ ذمته بالتبرع بمبلغ صغير من المال او يوهم نفسه بذلك.

لكن الإنسان المتعاون في حقيقته يدخل في عمق المجتمع، لأن العمل الخيري ثقافة تجسد معنى وجود المجتمع، هو ليس عملية دخول في الأعمال الخيرية فقط، بل العمل الخيري تجسيد للتماسك مع مستويات المجتمع كافة.

لماذا تزول البركات؟

واذا اردنا تفسير لمعنى التعاون نرجع لقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البر والتقوى، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء)، هذا تفسير واضح للآية القرآنية، فإذا لا يتعاون الإنسان على البرّ والتقوى تعاونا استراتيجيا عميقا في المجتمع، فإن البركات تزول، لأنها تأتي للمجموع وليس للفرد فقط.

فالعيش الفردي يؤدي بالنتيجة إلى التفاوت الطبقي، عندما نفتقد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونفتقد للتعاون على البر والتقوى، سوف يصبح المجتمع فئويا بسبب التفاوت الطبقي، وتتكون طبقات مختلفة متصارعة فيما بينها، أحزاب وكتل وجماعات مختلفة، تتصارع فيما بينها.

بالنتيجة لن يكن لهؤلاء ناصر في الأرض ولا في السماء، لأنهم أناس أنانيون، فعندما يتصارع لكي يصعد جماعته فقط على حساب الآخرين، يتصوّر نفسه أنه سوف يكون منتصرا، كلا لن ينتصر، لأن الله تعالى لا ينصره، بل هو مهزوم أصلا داخل نفسه، فالإنسان المستهتر والمتنازع والمتصارع علينا أن نعرف بأنه خاسر دائما وإن كان في ظاهره رابحا، بل هو خاسر في كل الأحوال.

طريق الذنوب المفتوح

الإنسان المتعاون والمشارك مع المجتمع، هو رابح دائما، لأنه إذا لم يتعاون على البرّ والتقوى، سوف يتعاون على الإثم والعدوان، ويكون طريق الذنوب مفتوحا له، والذنوب والآثام طريق سريع للتدمير، وللعنف والعدوان مهما كانت صغيرة وقليلة، إذا تم الاستهانة بها ولم تتم التوبة، حسب قانون التراكم.

خطر الاستهانة بالذنوب

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يحتاج إلى حاضنة، وعدم وجود فاعلية مع هذه القاعدة، لأن المجتمع غير متعاون بل متصارع، فإذا كان الناس متصارعين فكيف يقبلون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لذلك فإن طريق الذنوب مشكلة خطيرة، بعض الأشخاص يستهينون بالذنوب ولا يتوبون من باب الغاية تبرر الوسيلة، أو من باب سوف أتوب بعد فترة من الزمن، هذا كله لا ينفع، لأن قانون التراكم في هذه الحالة يؤدي إلى حالة يصفها القرآن (بالإثم والعدوان) إلى أن تصبح ظاهرة خطيرة جدا في المجتمع.

هناك أمثلة واضحة في المجتمع يمكن ملاحظتها، ومنها الفساد وكيف انتشر في المجتمع، لأن الفساد هو عبارة عن تراكم الذنوب مثل الرشوة، التي تتراكم في المجتمع لتصل إلى مرحلة تدميرية نهائية خطيرة.

قانون التبادل

الشيء الأساسي في قانون التبادل وقوع الامر على سبيل البدل حتما، أما هذا وأما ذاك كما يستنتج من الآية القرآنية ذلك، أي إذا لم نتعاون في الخير سنتعاون على الشر، والإنسان الذي لا يتعاون على الخير فإن طاقاته وموارده كلّها تذهب نحو الشر، مثل المال الموجود عند الإنسان.

إن المال قدرة كبيرة، فإذا لا يصرف المال في الخير، وان كان قد خبأه او جمده في البنوك وأصبحت محايدة، ولكنه سيصرف في النهاية في الشر والعدوان، لذلك هو مسؤولية كبيرة، والتعاون على ذلك مسؤولية أكبر، في النهاية فإن الطاقات الإنسانية في هذا المنعطف سوف تُصرَف في طريق العدوان، والتعادي والتباغض والاقتتال. (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) التوبة 34.

وسائل التواصل وتفجير الصراعات

شبكات التواصل هي تعبير وإفراز عن الواقع الذي نعيشه، ولكنه تعبير متضخم، فالإنسان في بعض الأحيان ليس له القدرة على أن يعبر عن شيء إلا بوجود أداة قوية تعبّر عنه، لذلك فمواقع التواصل هي تعبير قوي عن كل الثقافة التي نعيشها، والأخلاق والسلوكيات الموجودة لدينا، وفي أحيان كثيرة فإن شبكات التواصل تعبّر عن ذلك الخزين من العدوان والصراع الموجود في داخل الإنسان، تتحول إلى طاقة سلبية هائلة من التسقيط والتهم والغيبة والنميمة. لذا هي تعبير هائل عن ذلك المخزون السيّئ في قلب البعض من الناس.

في حين يمكن للإنسان أن يستفيد من هذه الوسائل لإدارة عمل الخير، ومساعدة الفقراء، وقيادة الحملات الجيدة، ومنها تشجيع الرأي العام على التشجير في مواجهة التصحر، أو في مناصرة قضايا الحرية وحقوق الإنسان، كل هذه الأمور جيدة، ولكن التعاون كما ذكرنا في البداية يحتاج إلى نقطة أساسية، لكي يكون منتجا وله مخرجات صحيحة، مدخلات التعاون هو مفهوم التقوى، لأن التقوى تضبط الإنسان، وتُسهم في عملية صياغة الإنسان وبلورته وكبح نوازع الأنانية في نفسه.

التقوى تطرد الأمراض النفسية

التقوى تقلع الأمراض النفسية والأخلاقية من ذات الانسان، مثل التمحور على الذات، والطمع، والحرص، والحسد، بحيث تجعل من الإنسان قابلا ومطواعا للتعاون، ومتفهما له، لذلك فإن التقوى هي جوهر التعاون، (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) الطلاق 2-3.

ان أكبر خطر نواجهه هو الصراعات الموجودة على مستوى العالم، وعدم التعاون لمواجهة وحل التحديات والمخاطر الكبيرة والكوارث الهائلة، لأن كل واحد يفكر في نفسه فقط.

وعدم التعاون بين الدول في مواجهة المشكلات هو سبب ما يحدث في العالم، لأن كل إنسان يفكر في مصالحه الخاصة، ومن يسيء الظن في الآخر يكون غير مستعد للتنازل عن مطالبه، لأن نرجسيته الذاتية قوية جدا، ويتصوّر أنه إذا تنازل سوف يسقط، لذلك فإن التعاون هو المدخل الأساسي لحل المشكلات بأنواعها، سواء المشكلات العائلية أو الاجتماعية، أو المشكلات الموجودة في الدولة أو حتى مشكلات العالم.

المشترك الموجود في داخل العائلة قوي جدا، لكن لماذا لا يكون هناك انسجام وإجماع في داخل الأسرة؟ السبب لأن لكل فرد منهم مدخل فيه أنانية، فلا يخاف الله ولا يخشى العواقب، ولا يخاف مما يأتي، فالأنانية تعمي الإنسان، وتُسْكِر الإنسان وتجعله غافلا، بالنتيجة عندما يكون الإنسان غافلا وسكرانا في غمرة الحياة، وغائصا في سكرة العصبية والعناد والتوتر، وحب الذات والتكبر والتجبّر، فإنه بالنتيجة سيقع في كل هذه المحاذير والصراعات، لاسيما إذا كان يرتكب الذنوب ولا يخشى ذلك.

التقوى منهج لبناء النفس

فكما لاحظنا في الآية القرآنية أن الإنسان المتقي لا يرتكب الذنوب، بل ينزع عن نفسه تلك الأنانية والفردية التي تجعل منه طاغية أمام الآخرين، لذلك ومن يتقي الله يجعل له مخرجا، أي يكون ناجيا من تلك الأزمات والمشكلات.

التقوى هي التي تقود إلى التعاون، لأنها تستخرج كل جوانب الخير والعطاء والتفاعل والتضحية في الإنسان، وتحتوي كل النوازع الذاتية والفردية في إطار جمعي، وتستجمع الطاقات في قنوات وحواضن جيدة حتى تكون مخرجاتها صحيحة، لذلك فإن التقوى هي جوهر التعاون، وجوهر الإنسان المسلم.

يتصور البعض أن التقوى خاصة بالناس الذين ينشغلون بالعبادة فقط، بينما التقوى هي منهج لبناء النفس، وترويض للذات، وبناء الجهاز المناعي النفسي والجسدي، معظم الناس حاليا يأخذون (فيتامينات) ومكملات غذائية، لكي يقوى الجهاز المناعي في الجسم، فلماذا لا يأخذون الفيتامينات التي تقوّي الجهاز الروحي والمعنوي؟

التقوى هو الجهاز المناعي في الإنسان الذي يحميه من السقوط، وفعلا الجهاز المناعي النفسي والروحي هو الذي يجعل الجهاز المناعي الجسمي أقوى، وهو الذي يطور الصحة في الجهاز الجسمي، والتقوى أمر بسيط وليس صعبا، فقط على الإنسان أن يتعوّد اجتناب الذنوب، فالتقوى هي أن يتعلم حالة اجتناب الذنوب حتى تصبح له عادة متكرّسة في داخله، أو كما سميّناها سابقا ملَكَة ثابتة، هذه عملية مهمة في بناء التعاون من خلال التقوى.

تفكيك التعاون بالاستبداد

هناك مشكلتان في عدم تطور مبدأ التعاون في مجتمعاتنا، إن الإنسان يبتعد عن المفاهيم الأصيلة والأساسية بسبب الجهل مثل التعاون والتقوى، وهذه المفاهيم تستدعي معرفةً وفهمًا وحكمةً، لأنها عملية بناء ثقافي وتربوي، الإنسان بطبيعته يستعجل في حياته، ويذهب نحو مصالحه الخاصة كالأكل والشرب وشؤون الحياة الأخرى، بالأخص عندما تحكم الأنظمة الفاسدة تلك المجتمعات فتؤدي إلى فسادها.

هذه الأنظمة الفاسدة تقمع نوازع الخير فتظهر نوازع الشر، علما أن أهم هدف للنظام المستبد هو أن يتفكك المجتمع، فلا يكون المجتمع متعاونا فيما بينه، لأن التعاون يشكلا خطرا على وجود النظام المستبد، لكننا اليوم نعيش في عالم منفتح، فلابد أن نبحث عن الأنظمة والمناهج الصحيحة في حياتنا، حتى نتعلم ونمضي في بناء الحياة الصالحة لأبنائنا، عبر فهم منهجي لقيم التقدم خصوصا التعاون.

الابتعاد عن المفاهيم المغلوطة

في السابق لم يكن عند الناس طرق كثيرة لتربية أولادهم، لكنهم اليوم من خلال الاطلاع والقراءة والاتصال بنظام المعلومات العالمي، سمح للناس بالاطلاع على الكثير من المناهج الموجودة، فلابد للإنسان أن يختار المفاهيم الصحيحة لأولاده، ويبتعد عن المفاهيم المغلوطة التي تعزز الأنانية، والمحورية في نفس الإنسان.

لابد للأب والأم والأسرة والحاضنات الاجتماعية بمختلف أشكالها ومسمياتها أن تتحرك لبناء هذه المفاهيم وهي التعاون والتقوى، لأنهما يشكلان المدخل الصحيح لبناء الانسان السالم والمجتمع المتسالم، وتحقيق الأمن الاجتماعي والأمن الثقافي، وتخليص المجتمع من النزاعات والصراعات، لأن النزاعات والصراعات الآن كامنة في عمق المجتمع، بسبب توارث الأعراف الخاطئة والتمسك بالعادات الخاطئة، مع قضية الاستهانة بارتكاب الذنوب أيضا، سواء كانت ذنوبا صغيرة أو كبيرة، هذه كلها تؤدي إلى عدم قدرة الإنسان بالوصول إلى مفاهيم جيدة في حياته، كالتعاون.

الارتقاء بالمشاركة

إن ثقافة التعاون ترتقي بالإنسان ارتقاءً هائلا، وتُحدِث شعورا عاليا في داخله، ويجد لذة عظيمة في المشاركة والتشارك مع الآخرين، لكن للأسف الشديد أننا نلاحظ بعض الناس يفكر في مشروعه الخاص، ولا يقبل بأن يتعاون مع الآخرين في بناء المشاريع المشتركة، فيتصور أنه بذلك يحقق المجد الذاتي لنفسه، فيقول عنه الناس بأنه صاحب المشروع الفلاني.

لكن هذا الأمر خاطئ لأن المشروع الحقيقي هو الذي يقوم على التعاون، لأنه ليس مشروعا ماديا فحسب، وإنما هو مشروع لبناء الإنسان، في ثقافة العطاء والتضحية التي لا تنحصر في المال فقط، وإنما بإعطاء الذات في مشروع يشمل المجتمع بثقافته التعاونية.

ومن أفضل الطرق لبناء التعاون عند الإنسان، أن يسلم أمره لله سبحانه وتعالى، فيخرج من نفسه، وإذا خرج من نفسه ودخل في المنظومة الإلهية يصبح متعاونا مع الجميع.

 

والبحث في التعاون له تتمة حول فلسفة التعاون...

2022/11/07

أمور سوف نُسأل عنها في «القبر»!
عقد محمد بن يعقوب الكليني باباً في الكافي تحت عنوان (المسألة في القبر ومن يسأل ومن لا يسأل) وأورد تحت هذا العنوان مجموعة من الأحاديث التي تحصر عذاب القبر ونعيمه فيمن محض الكفر أو الإيمان.

[اشترك]

ومثال لذلك عن أبي بكر الحضرمي قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): لا يسأل في القبر إلا من محض الايمان محضا أو محض الكفر محضا والآخرون يلهون عنهم). وعن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنما يسأل في قبره من محض الايمان محضا والكفر محضا وأما ما سوى ذلك فيلهى عنهم). وعن منصور بن يونس، عن ابن بكير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال، إنما يسأل في قبره من محض الايمان محضا والكفر محضا وأما ما سوى ذلك فيلهى عنه) (الكافي، ج ٣، ص٢٣٥)

وأورد العلامة الحر العاملي في كتابه (الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يسأل في القبر إلا من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا، ولا يسأل في الرجعة إلا من محض الإيمان محضا أو محض الكفر محضا، قلت: فسائر الناس؟ قال: يلهى عنه) (ج1، ص 254)

وقد أكد الشيخ المفيد ذلك في اجوبته على المسائل السروية، وقد نقلها عنه العلامة المجلسي في بحاره حيث قال: وقال الشيخ المفيد رحمه الله في أجوبة المسائل السروية حيث سئل: ما قوله أدام الله تأييده في عذاب القبر وكيفيته؟ ومتى يكون؟ وهل ترد الأرواح إلى الأجساد عند التعذيب أم لا؟ وهل يكون العذاب في القبر أو يكون بين النفختين؟ الجواب:

الكلام في عذاب القبر طريقه السمع دون العقل.

وقد ورد عن أئمة الهدى عليهم السلام أنهم قالوا: ليس يعذب في القبر كل ميت، وإنما يعذب من جملتهم من محض الكفر محضا، ولا ينعم كل ماض لسبيله، وإنما ينعم منهم من محض الايمان محضا، فأما ما سوى هذين الصنفين فإنه يلهى عنهم، وكذلك روي أنه لا يسأل في قبره إلا هذان الصنفان خاصة، فعلى ما جاء به الأثر من ذلك يكون الحكم ما ذكرناه..) (بحار الأنوار، ج6، ص 272)

وقد وافق علامة المجلسي الشيخ المفيد بقوله: (اعلم أن الذي ظهر من الآيات الكثيرة والأخبار المستفيضة والبراهين القاطعة هو أن النفس باقية بعد الموت، إما معذبة إن كان ممن محض الكفر، أو منعمة إن كان ممن محض الايمان، أو يلهى عنه إن كان من المستضعفين، ويرد إليه الحياة في القبر إما كاملا أو إلى بعض بدنه كما مر في بعض الأخبار، ويسأل بعضهم عن بعض العقائد وبعض الاعمال، ويثاب ويعاقب بحسب ذلك، وتضغط أجساد بعضهم، وإنما السؤال والضغطة في الأجساد الأصلية، وقد يرتفعان عن بعض المؤمنين كمن لقن كما سيأتي، أو مات في ليلة الجمعة أو يومها أو غير ذلك مما مر وسيأتي في تضاعيف أخبار..)

وبناءً على ذلك فإن السؤال والعذاب والنعيم في القبر خاص بمن محض الإيمان أو محض الكفر ولا يشمل جميع الموتى، وبحسب الروايات فإن الله يرسل ملكين لمن تقع عليه مسألة القبر، يسألانه عن ربه الذي كان يعبده، ودينه الذي كان يدين به، ونبيه الذي أُرسل إليه، وكتابه الذي كان يتلوه، وإمامه الذي كان يتولّاه، وعن صلاته وزكاته وصومه وحجه، فإن أجاب بالحقّ استقبلته الملائكة بالروح والريحان، وبشرته بالجنة والرضوان وفسحت له في قبره مدّ البصر، وإن تردد في الكلام وعجز عن إحكام الجواب، أو أجاب بغير الحقّ، أو لم يدرِ ما يقول، استقبلته الملائكة وبشّرته بالنار.

وعليه فإن المساءلة في القبر وما يتبعها من النعيم أو العذاب، من الحقائق القطعية التي لا يجوز التشكيك فيها، فعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا، المعراج، والمسألة في القبر، والشفاعة) (مستدرك الوسائل، ج6، ص223)

وعن الإمام الباقر عن أبيه عليهم سلام قال: (إذا مات المؤمن شيّعه سبعون ألف ملك إلى قبره، فإذا أُدخل قبره أتاه مُنكَرٌ ونَكِيرٌ، فيقعدانه ويقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيقول: ربّي الله ومحمّد نبيّي والإسلام ديني، فيفسحان له في قبره مدّ بصره. ثمّ قال عليه السلام: إذا مات الكافر شيّعه سبعون ألفاً من الزّبانية إلى قبره، وإنّه ليناشد حامليه بصوتٍ يسمعه كلّ شيء إلا الثّقلان، فإذا أُدخل قبره وفارقه النَّاس أتاه منكر ونكير في أهول صورة؛ فيقيمانه، ثمّ يقولان له: من ربّك؟ وما دينك؟ ومن نبيّك؟ فيتلجلج لسانه، ولا يقدر على‏ الجواب، فيضربانه ضربةً من عذاب الله، يذعر لها كلّ شي‏ء) (بحار الأنوار، ج6، ص222)

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يُسأل الميّت في قبره عن خمس: عن صلاته وزكاته وحجّه وصيامه وولايته إيّانا أهل البيت، فتقول الولاية من جانب القبر للأربع: ما دخل فيكنّ من نقص فعليّ تمامه) (الكافي، ج3، ص241).

2022/11/05

ما يصلح للبهائم لا يصلح للإنسان.. عن الهروب من الواقع إلى «اللهو والعبث»؟!
المسلم وثلاثية العابثين لإنسان الذي لم يُخلَق عبثا مطلوب منه أن لا يعيش عبثا، وينبغي له أن يعقل غاية وجوده، فيكون عمله في ضوء هذه الغاية، والهداية الإلهية تأخذ بيده لتنطلق به في طريق الرزق والصلاح، فالعمل الذي يقوم به الإنسان ينبغي أن يكون له باعث وغاية، وأن يكون إيجابيا، وقد أراد الإسلام أن تكون هذه السمة خطا عاما في تربية الفرد والمجتمع.

[اشترك]

في هذا المقال نريد أن نركز على موضوع متفرع من محور (المسلم بين العبث والغاية) يتعلق بثلاثية منبثقة من العبث وهي (اللهو، اللعب، اللغو) حيث العالم اليوم يعيش عبثا هائلا، بسبب التقدم المادي والتكنولوجي وتغول الرفاه الاستهلاكي، لكن هذا التقدم المادي والتكنولوجي ليس هو العتبة الأساسية أو المدخل الأساسي للعبثية البشرية، بل يكمن في ذلك التفكير الذي نشأ عند بعض مفكري ما بعد الحداثة، الذين فلسفوا لعدم الحاجة الى القيم ولا للغايات ولا للأديان ولا للأخلاق، وبأن مايحتاجه الانسان هو اللذة والمتعة واللهو بما يعبر عن حريته الشخصية وتشكيل وجوده الخاص.

الاستهلاك العبثي

هكذا ينظرون إلى وجود الإنسان في اللذة والمتعة، ولكن لننظر إلى أين وصل هذا العبث بالمجتمع البشري، لقد وصل إلى حد أنه قابع فوق جبال من الأسلحة النووية التي إن انطلقت سوف تدمر البشرية كلها، ولا تبقي لها أثرا، وهذا العبث قابع أيضا في تغيّر مناخي هائل، واحتباس حراري مهول بسبب التصرف الطائش العبثي الذي تقوم به الرأسماليات والأنظمة الفاسدة في العالم، حين تلاعبت بالطبيعة واستهلكت مواردها.

الإنسان وخصوصا المسلم عليه أن لا يسير وراء هذه الثقافة العبثية، وأن يكون مدركا لغايته في الحياة، ومدركا لغايته الإسلامية، ويكون متلبّسا بالتفكير الإسلامي الذي يجعله سائرا في طريق القواعد الإلهية حتى يحميه من السقوط في العبث المدمر لحاضرنا ومستقبلنا، فالتفكير بالمخاطر والعواقب مهم لكي يخرج الإنسان من هذه الحالة.

العبث ظلاميّة في النفس

الطمع بالسلطة هو نوع من أنواع العبث الذي يريده البعض حتى يستمتع بلا غاية، ولكن ثم ماذا، فإذا كان (عمل تذهب لذته وتبقى تبعته) كما قال الإمام علي (عليه السلام)، ثم ماذا بعد اللذة، وبعد هذا العبث، يأتي عبث آخر وآخر... حتى يغرق في دوامة مظلمة ليس لها نهاية، فالعبث المستمر يصطدم بعالم من الظلامية يستفحل في نفس الإنسان، ويستقر في اعماق البشرية التي خرجت عن غايتها الأساسية وانحرفت عنها ودخلت في عالم مظلم، متلبّسة باليأس والإحباط والقلق والشك الوجودي.

الإمام علي (عليه السلام) يقصد أولئك الطامعين بالسلطة في هذه الكلمة الرائعة ويحدد لنا غاياتنا في الحياة، فيقول (عليه السلام): (أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً).

 

غريب هذا الانغماس الكبير واللهفة الكبيرة على المادة كالبهيمة، وعجيب هذا الاهمال والترك، وقد حبانا الله تعالى بالعقل والادراك، والعقل يوجهنا إلى وجود غاية وفهم لطريقة صحيحة في الحياة.

اللهو وهدر الوقت

لقد أصبح الّلهو اليوم نمط حياة منتشر جدا، وتعريف اللهو هو كل فعل يهدر الوقت ولا يفيد الإنسان بشيء، وهو اللعب غير المجدي والأعمال غير النافعة، وإضاعة الوقت في أمور غير مجدية ولا تفيد الإنسان، (كالبهيمة المربوطة، همّها علفها)، فتأكل كل شيء يقع أمامها، لأن البهيمة لا تعرف ماذا تأكل، فكل شيء يكون أمامها تأكله دون أي تفكير بالعواقب.

هذا لا يصح للإنسان لأنه كائن عاقل، يجب أن يكون في حياته التي يعيشها هدف، كل إنسان عليه أن يسأل نفسه من أين بدأت وإلى أين سأنتهي، هذا السؤال يجب أن يكون موجودا عند كل إنسان، لأنه خُلق ومعه العقل لذا عليه أن يستثمر عقله ويعرف هدفه.

وفي الآية القرآنية: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ) لقمان 6. أي أن الإنسان الذي ينشغل باللهو كأنه يشتري شيئا بلا فائدة، ويفقد عمره بلا ثمن، فيهدر وقته في الفراغ وفي اللاشيء وفي اللامعنى، فيقوده حديثه ولهوه إلى الضلال فينحرف عن سبيل الله من دون علم بسبب الجهل، فاللاهي يزداد جهلا وانحرافا وضلالة وخسارة في الحياة، ثم ينتهي بالنتيجة إلى المهانة والعذاب في الدنيا والآخرة، لأنه بالنتيجة عندما لا يقدّر نفسه فإنه يهينها.

اللاهون لايشبعون

إن الآية القرآنية التي ذكرناها آنفا أجابت عن هذا الأمر، وأن هذا السلوك هو تضييع للنفس، وتضييع للعمر وخسارة، وجبن وهزيمة في مواجهة تحديات الواقع، واقع الإنسان حين تكون نفسه رخيصة، فيهرب نحو اللهو والعبث، والعجيب في هذا الأمر إن أولئك الذين يهربون من واقعهم باللهو يُصابون باكتئاب شديد، ولا يشبعون، أي لا يحصلون على الإشباع الروحي والنفسي، فيبقى يشعر بالفراغ، ومهما غاص في الملذات فإنه يصل إلى مرحلة معينة يفقد كل شيء، لأن اللهو ليس غاية وإنما عبث.

العبث يصل بالإنسان إلى النهاية السوداء، لذلك فإن هذا الهروب هو هروب وهمي من واقع حقيقي، والإنسان العاقل الذكي، سوف يتصدى لهذا الواقع، ويستغل عمره في عملية بناء نفسه وذاته، أما عكس ذلك فإنه سوف يفشل.

ما هي نتائج السقوط في عالم اللهو؟

هناك نتائج عجيبة غريبة يمكن أن نلاحظها عند كثير من الناس الذين انغمسوا في اللهو وهي:

أولا: الغباء والتفاهة

فكلما يبتعد الإنسان عن الواقع باللهو واللعب والاستغراق في اللذات والمتع، يزداد جهلا ويتضاءل عقلا، وبالنتيجة يصبح تافها، وقد سمّي عصرنا هذا بعصر التفاهة لكثرة الملذات والملهيات، وكلما كثرت اللذات والمغريات يزداد الإنسان تفاهة وغباءً، لأن الإنسان إذا لم يملأ عقله بالأفكار الصحيحة السليمة والجدية والجيدة، فإنه يمتلئ بالتفاهات الفارغة والمضلة والمنحرفة، والمعلومات الخاطئة. لذلك فإن الملتهي أو اللاهي كثيرا يفتقد قواعد التفكير السليم والتعقّل الصحيح.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (اللهو قوت الحماقة) فكلما يتغذى الإنسان باللهو أكثر، يزداد حماقة، لا يستخدم طاقاته بشكل جيد، كالمدمن على الخمر أو المخدرات، فإنه يهرب من الواقع حتى يهرب من مشكلاته، كذلك اللاهي أيضا يغرق نفسه بالجهل هربا من مسؤوليات الوعي والتعلم فيصبح غبيا وأحمقا.

وعن الإمام علي الهادي (عليه السلام) يقول: (الهزل فكاهة السفهاء وصناعة الجهال)، الهزل هو المزاح الذي لا معنى له أو يفتقد للمعنى، وفيه نوع من الاستهزاء والسخرية، والتنابز بالألقاب، فيعتبر نفسه كوميديا فيأنس ويضحك عندما يهزأ بالناس.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (من كثر لهوه استحمق)، و(من كثر لهوه قلّ عقله) أي يتضاءل عقله، لذلك إذا أراد الإنسان أن يبني عقله وينمو ويكبر ويتطور، فإن (أفضل العقل مجانبة اللهو)، لأن (اللهو من ثمار الجهل) فكلما يزداد الإنسان جهلا يزداد فقدانا لغايته، ويزداد لهوا وعبثا في الحياة.

ثانيا: تضييع العمر

عن الإمام علي (عليه السلام): (شرّما ضُيِّعَ فيه العمر اللعب)، ولكن على العكس من ذلك (المؤمن مشغول وقته)، أي ممتلئ بالبر والإحسان والعمل الصالح.

ثالثا: النزاع والصراع

إن سبب النزاعات والصراعات هو اللعب واللهو، لأن اللهو يجعل الإنسان يزداد جهلا ويقلّ حكمة وعقلا، ويصطدم مع الآخرين لأنه يفقد قواعد التعقّل والحكمة.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (أول اللهو لعبٌ وآخره حرب)، فبعض الحكام المتغطرسين المستبدين الطغاة عندهم الحرب لعبة، يتلذذَون بها، كما أن بعض المفكرين أو المثقفين العبثيين وكذلك وسائل الإعلام، يتلاعبون بأفكار وعقول الناس وعواطفهم، فالحياة عندهم لعبة، ويسمونها لعبة الحياة، ويسمون السياسة لًعبة أو قواعد اللعبة، وكل شيء يؤطّرونه في إطار لعبة، وكأنه صراع ومنافسة.

ومنها لعبة الأمم وصراعات الأمم، وهذا هو العبث وفقدان الغاية في الحياة، وكل ما نلاحظه في عالم اليوم هو نتيجة للعبث الأخلاقي، وبالنتيجة البحث عن المتعة، فالهدف بالنسبة لهم المتعة، فيحصلون على الموارد ثم يصرفون ما يكسبونه على المتع، لذلك يُكثّرون من أماكن اللعب واللهو بمختلف الأشكال، حتى يكون وقت الإنسان كلّه مشغول باللهو.

وقد أصبح الإنسان في هذا العصر يعمل كل أيام الأسبوع، ثم يصل إلى عطلة نهاية الأسبوع فيصرف ما كسبه على اللعب واللهو والمتعة.

ربما يحتاج الإنسان إلى نوع من الترويح النفسي لكي يكسر الروتين الذي أمضاه على مدار الأسبوع، بالعمل والجد والكدّ والدراسة، فانه قد يحتاج أحيانا إلى السفر مثلا، وإلى اللذة الحلال واللذة المؤدبة، وإلى المتعة المنضبطة التي تنبع من غاية وتصل الى غاية.

الإنسان الذي يستثمر وقته بالجلوس مع أصدقائه، تارة يجلس معهم جلسة لهو ولغو يقضونها بالتسقيط والتنابز والنميمة، وتارة يخرج معهم بمباحث جميلة مربية ومنبّهة وفيها موعظة، وتارة يسافر، أو يمارس بعض الألعاب الرياضية التي يحتاجها الإنسان جسما وروحا، فيقضي وقته في أشياء جيدة نافعة له.

لماذا أصبح الإنسان كئيبا؟

لكن اللهو أصبح اليوم ثقافة، سلوك متكامل، وأصبح اللهو غاية في الحياة، فغايته مثلا أن يرتاد المطعم ليأكل، أو يمضي وقته في اللعب، وفي المقاهي، أو ينفق كل وقته في شبكات التواصل الاجتماعي بلا فائدة، لذلك نلاحظ أن الإنسان أصبح كئيبا، فكلما ينشغل الإنسان بعالم العبث يصبح أكثر كآبة، وكلما اقترب من الغايات يصبح أكثر سلامة نفسيا.

هذه الكآبة سبّبت للإنسان آلاما نفسية، وإذا أراد أن يتخلص من هذه الآلام يذهب إلى أماكن اللهو لكي يزيح هذه الآلام، وهذا نوع من التغطية على واقعه ومشكلاته الحقيقية، حتى أن الأطباء النفسيين يصفون هذه الأمراض بأنها أمراض الكآبة، حيث يستغرق الإنسان وقته في أشياء معينة يدمن عليها، مثل التسوّق واللهو واللعب وقضاء الوقت في المقاهي والمطاعم.

الإشباع والتناسق مع الغاية

هذا كله نوع من التغطية على الفراغ الذي يعيشه الإنسان في داخله، ولكن لا يحقق النجاح في هذا الأمر ولا يحصل على الإشباع، لأن الإشباع الحقيقي هو إشباع روحي ونفسي، يتحقق من خلال التناسق مع الغاية، فالإنسان المتوازن في حياته وشخصيته، لابد أن يتناغم مع الغايات الأساسية، ويخرج عن حالة العبث، وينقذ نفسه من حالة تضييع الوقت في أشياء غير مجدية لاغية ولا معنى لها، وليس لها مضمون في حياته.

رابعا: الفشل

عن الإمام علي (عليه السلام) قال: (أبعد الناس من النجاح المستهتر باللهو والمزاح)، فعندما يقضي وقته كله بالمزاح واللهو يكون إنسانا فاشلا، لأنه غير جدي في حياته، والنجاح يتحقق كما عنه (عليه السلام): (المؤمن يعاف اللهو ويألف الجد)، فيكون جدّيًا في حياته، وليس بمعنى صارمًا، بل معنى ذلك أنه مستثمر لوقته بشكل جيد يتناغم مع غايته الأساسية.

خامسا: قسوة القلب

من نتائج اللهو انه يبني القسوة في قلب الإنسان ونفسه وفكره، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): (إن الملاهي تورث قساوة القلب وتورث النفاق) فتغيب الأخلاق تماما، ولا توجد محبة ولا تسامح، ولا يوجد تفاهم مع الآخرين، وحين يستغرق الإنسان في العبث فإنه سوف يواجه كل هذه النتائج، ويكون قاسيا، ويصبح إنسانا لا مباليا كما ذكرنا ذلك في محور اللامبالاة سابقا، ومن يكون قلبه قاسيا لا يتفهّم الحياة، ولا يتفّهم الآخرين.

لذلك نلاحظ أن الذين ينشغلون في اللهو واللعب، تكون قلوبهم قاسية جدا، لأنه ليس لهم مبدأ في الحياة، وهناك ازدواجية في شخصياتهم وتعاملهم مع القضايا، فيتباكون على قط مشرد ويغضون البصر عن ملايين الجائعين، وهذا هو معنى النفاق، فمن المهم أن نركز على نتائج اللهو، حتى يتجنب الإنسان الوقوع في هذه النتائج العبثية الخطيرة.

اللغو وفقدان المضمون

هناك ثلاثة مصطلحات تدخل في معنى العبث، (اللهو، اللعب، واللغو)، فاللهو يرتبط بسلوك الإنسان ويعني تضييع الوقت وتضييع العمر، واللعب فقدان الهدف والفائدة في الحياة، واللغو يعني فقدان المضمون والجدوى وفي الآية القرآنية (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) المؤمنون 3.

واللغو منتشر في المجتمع بكثرة، ويتضح ذلك من كثرة الكلام الذي لا فائدة فيه، كالنميمة، الكلام الهذر، الثرثرة الزائدة، حيث يجلس الناس ويغتابون الآخرين، في بعض الأحيان يقول الإنسان كلمة واحدة تحطم أناسا آخرين.

ومعنى اللغو ما لا يعتدّ به من كلام وغيره، ولا يُحصَل منه على فائدة ونفع، لنفترض أنك الآن تدير جلسة ما، وبمجرد أن تبدأ كلامك تتحول الجلسة إلى ثرثرة زائدة، ولغو في أشياء ثانية، والفرار من الكلام الجدي والنافع.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) (في قوله تعالى: (والذين هم عن اللغو معرضون) هو أن يتقول الرجل عليك بالباطل، أو يأتيك بما ليس فيك، فتعرض عنه لله). أي يتّهمك أو يغتابك أو يمارس التسقيط عليك، بما ينتابه من أوهام وحسد.

ما يعنيك وما لا يعنيك

وفي جوهر كلامنا حول هوية المسلم، هو المسلم الغائي، المسلم الذي يعيش الهدف في عمره، وأن يترك ما لا يعنيه يعرض عن اللغو ويذهب في ما يعنيه، فإذا لاحظت أحدهم يغتاب إنسانا آخر عليك أن تبتعد فورا، لأن هذا الموضوع لا يعنيك، بل يسمّم فكرك بمقولات باطلة، مقولات يروجها من في نفوسهم مرض، فزادهم الله مرضا.

وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وعن الإمام علي (عليه السلام): (من اشتغل بما لا يعنيه، فاته ما يعنيه) وهذا هو الذي أشرنا له في قضية ترك الأهم والمهم والعمل بغير المهم أو العمل باللغو الذي هو أسوأ المراتب، فأسوأ المراتب أن يشتغل الإنسان باللغو والكلام الذي لا فائدة منه.

ومهما تكلم الإنسان ضد الآخرين، أو حاول أن يسقّطهم، فإنه لا يفلح، ويبقى مريضا، لأن هذا الأمر هو مرض نفسي، فيبقى يشتعل في داخله، لذلك جاء في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (راحة النفس ترك ما لا يعنيها)، إذن اترك الناس وشأنهم ولا تتدخل في حياتهم، فالأمر لا يعنيك، أحيانا يتدخل أحدهم في بناء بيت وهو لا يمتلك الخبرة في البناء، ومع ذلك تجده يتدخل فيه رغم عدم معرفته ببناء البيت، فيحاول أن يجعل من نفسه مهندسا ويتدخل في البناء إلى أن يؤدي ذلك إلى مشكلة في بناء البيت، وينطبق هذا على أمور أخرى كثيرة.

هناك إنسان لا يمتلك الخبرة ومع ذلك ينصح إنسانا آخر بشيء لا يعرفه، فيقول له مثلا يجب أن تشتري الحاجة الفلانية، فيقوم الشخص بشرائها ثم يكتشف أنها لا تفيده بشيء، وهكذا ألحق ضررا بالشخص لأنه تدخّل فيما لا يعنيه، وليس من اختصاصه.

وعن الإمام الصادق (ع): (إياك والدخول فيما لا يعنيك فتذل). فالكرامة والعزة في السلوك الحكيم الذي يدرك عناصر النجاح والتوفيق، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ترك ما لا يعني زينة الورع)، والذلة والمهانة والفشل للسلوك العابث الذي يستغرق في الجدالات والصراعات اللاغية والامنيات الغبية، وعدم إدراك ما يجب ان يدرك، فمن يتدخل خارج حدوده وقدرته وفهمه ويتحدث فيما لايجب مصيره الفشل، والبعض لايتورع ويقف عنده حدوده ويتسنم موقعا او منصبا فيتسبب بأضرار هائلة قد لايمكن تلافيها.

للأسف أننا اليوم نشعر بوجود تسونامي هائل من اللغو، يضرب المجتمع الفاقد للمضمون، لذلك فإن المجتمع الذي يفقد المضمون، تجده يعيش في مشاكل كبيرة، لأن الكلام كلّه خاطئ وعبثي لا علاقة له بالحقيقة والواقع، فتجد المجتمع كله مستنقع للأخطاء والزلّات والانحرافات بسبب اللغو الذي يمارسه ويستمتع به.

وعن الإمام علي (ع): (لا تقولن ما يوافق هواك وإن قلته لهوا أو خلته لغوا، فرب لهو يوحش منك حرا، ولغو يجلب عليك شرا).

الاعتدال بين الخوف والرجاء

ما هو الكلام المباح الذي لا يندرج ضمن اللغو، ومن يحدد هذا النوع من الكلام؟، الإمام علي (عليه السلام) يحدّد ذلك بقوله: (أفضل المسلمين إسلاما من كان همه لأخراه، واعتدل خوفه ورجاه) الاعتدال طريق للحياة الصالحة، لان غايته آخرته، وحين يفكر بالآخرة سوف يتجنب اللغو واللهو والعبث، لأن الآخرة عنده غاية، فيكون حذرا.

إذا كان الإنسان عنده غاية وهو عاقل ومؤمن وخاشع، فإنه بالنتيجة ينسجم مع غايته، (واعتدل خوفه ورجاه)، أي يكون معتدلا في حياته ولا يكون خائفا إلى درجة تعيق غايته في الحياة، بحيث يكون خوفه قائما على الاعتدال في طريقة منهجية منتظمة، وأن لا يكون في رجائه إفراط، فهو يعيش حياته عابثا مستمرا في لهوه لكنه يرجو من الله أن يغفر له.

اللذة في الاعتدال

لذلك نحتاج إلى التوازن في قضية العبث والله واللغو، ويجب على الإنسان أن لا يُفْرِط ولا يفرِّط، بالطبع أغلب الناس مفْرطين في قضية العبث واللهو واللغو، بينما الإنسان المعتدل يكون سعيدا مستقرا ومرتاحا، ويقضي حياته بسعادة ومتعة ولذة لأنه يعيش التوازن في حياته، واللذة الحقيقية تتحقق في الاعتدال، فالإنسان إذا تناول الطعام وأكل أكلا قليلا فإنه يلتذّ بالطعام، أما إذا أكل طعاما كثيرا فوق طاقته فإنه سوف يُتخَم، وتصيبه الآلام.

فما فائدة اللذة التي تسببت له بالآلام من التخمة، لذا يجب عليه الاعتدال، وأن يأكل بما يتناسب مع حاجته للطعام، وليس مع شهوته وأهوائه، لأن الأهواء تقود الإنسان نحو العبث واللهو واللغو، فالاعتدال منهج حياة، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا).

الاعتدال هو الذي يوصل الإنسان إلى الغاية وإلى الهدف ويجعل حياته منظَّمة متوازنة، ويكون قادرا على إدارة كل ما يجري حوله، ولابد للإنسان أن يعتدل في تقسيم وقته أيضا مثلا للعبادة والدراسة والأعمال التي تنفع الناس، لأن الإنسان كائن اجتماعي ولابد أن يكون له تواصل مع الآخرين كعيادة مريض أو صلة الأرحام، وهي سلوكيات تنضوي تحت مهمات المسلم والمؤمن حقا.

2022/11/01

القُرّاءُ لا يسرقون.. واللصوص لا يقرأون!
سوقُ بيعِ الكتبِ، يشهدُ وجودَه لأولِ مرّة كبائع، بعد أنْ كانَ يشهدُه كقارئٍ ينتقلُ بين بضائعِ الباعةِ الورقيةِ ينتقي منها ما يُلائمُ ذائقته.

[اشترك]

كانَ مُنهَكًا بعض الشيء وهو يُحاولُ ترتيبَ مجموعته بطريقةِ عرضٍ تُشبهُ تلك التي تعارفَ الباعةُ عليها، فكانَ يُقدِّمُ هذا الكتابَ ويؤخِّرُ ذاك حتى استقرَّ رأيُه على شكلٍ معينٍ كانتْ يدُ الزبائنِ تُغيّرُه بينَ حينٍ وآخر، ليُعيدَ هو ترتيبه مرةً أخرى كما كان، وكأنّ نمطَ العرضِ الذي اختارَه هو، يُمثِّلُ الأنموذجَ الذي وقعَ عليه إجماعُ أهلِ السوق.

مضتْ ساعاتٌ ولم يبِعْ من تُراثِ مكتبتِه شيئًا، ورغمَ أنّه جاءَ ليبيعها برغبةٍ منه -ليشغلَ جُزءًا من وقته بعدَ إحالتِه على التقاعد- إلا أنّه في الوقتِ ذاته كانَ لا يعرفُ مشاعره في تلك اللحظةِ التي سيتناولُ بها زبونٌ ما أحدَ تلك الكتبِ ويمضي به بعيدًا حيثُ لا رجعةَ مُقابل شيءٍ من المال.

بينما كانَ مُطرِقًا بشيءٍ من الحزنِ وهو ينظرُ إلى نفائسَ غادرتْ رفوفَ مكتبتِه، واستقرّتْ على رصيفِ الجمعةِ، طرقَ مسامعَه صوتُ زبونٍ وهو يحملُ بيدِه واحدًا منها:

- بكم هذا الكتاب؟

كانَ وقعُ سؤالِ الرجلِ كالصاعقةِ على قلبه، أحسَّ بشعورٍ غريبٍ يشبهُ الشعورَ باقترابِ فراقِ شخصٍ عزيزٍ..

أعادَ الزبونُ سؤاله:

- بكم هذا الكتاب؟

أجابَ بشيءٍ من الحزن:

- بعشرة آلاف.

مدَّ الزبونُ يده إلى جيبه، أخرجَ المالَ وأعطاه إيّاه دونَ أنْ يتفوّهَ بشيء.. تأبّطَ الكتابَ وسارَ بزهو، كانَ يرقبه وينظرُ لكتابه نظرةَ الوداع الأخير؛ فهذا الكتابُ –بالذات- من الكتبِ التي كانتْ له معها ذكرياتٌ جميلة، وفيه ما يُميّزُه عن غيره.. على حين اختفى الزبونُ بكتابه بين المارّة.

صوتُ زبونٍ آخر يُعيدُه من ذكرياته إلى الواقعِ، وكتابٌ آخر يُغادرُ دونَ وداعٍ جعلَه يُتمتِم:

لولا الحياءُ لهاجني استعبارُ.

دارَ في خلدِه أنْ يطلبَ من الزبائنِ أنْ يمنحوه فرصةً لتقبيلِ كُتبِه قبلَ أنْ يمضوا بها إلى مكتباتهم، لكنّه تذكّرَ أنَّ عليه الاعتيادَ على ذلك، وأنْ لا ينسى أنَّ اليومَ الأولَ في كُلِّ مجالٍ يختلفُ عن غيره... هذا ما علّمَتْه الحياةُ إيّاه وهو في عقدِه السابع..

مضتْ ساعةٌ أخرى تناقصتْ معها أعدادُ كتبه.. بدأ يتقبّلُ الأمرَ لكثرةِ ما فقدَ منها، وأصبحَ يُرتِّبُ الأوراقَ النقديةَ بحسبِ الفئاتِ قبلَ أنْ يضعَها في جيبِه، بعدَ أنْ كانَ لا يكترثُ بذلك عندَ الصباح حيثُ رحيل كتبِه الأولى.

نعم، إنّه يتأقلّمُ مع الفراق، وعليه أنْ يتأقلّمَ مع الباعة، فهو مُنذُ الصباحِ لم يتكلّمْ مع أحدٍ منهم.. كانَ ينظرُ إليهم وهم يتحدّثون مع بعضِهم في أمورٍ شتى.. لم يلتفتْ إليه أحدٌ منهم، ولعلّ ذلك بسبب انشغالهم بالبيع، فيومُ الجمعةِ يختلفُ عن غيره.. كانَ يُحدِّثُ نفسَه بذلك وهو يرجو أنْ تكونَ له في الأيامِ القادمةِ علاقةٌ بأحدهم.

صارَ الوقتُ ظهرًا.. وعليه أنْ يتناولَ الغداء، لكن كيفَ سيتركُ بضاعته على الأرضِ دونَ رقيب؟ وهل يُمكنُه أنْ يستعينَ بشخصٍ ما ليُراقبَ له كتبه؟

كانَ يبعدُ عن هؤلاءِ الباعةِ بمسافةٍ لا تسمحُ له بالاختلاطِ بهم، فالمكانُ الذي اختاره لبضاعتِه ليس من الأماكنِ الحيويةِ أو المُتصدِّرةِ في هذا السوق.. وحتى لو وافقَ أحدُهم على أنْ يحرسَ بضاعته فإنّه سيكونُ بعيدًا عنها.. ولو أنَّ الأمرَ يقتصرُ على تناولِ الغداءِ لأمكنه تدبُّر أمره.. لكنّه كانَ بحاجةٍ إلى المزيدِ من الوقتِ لقضاءِ حاجته والوضوءِ والصلاةِ وبعدها تناولِ وجبةٍ سريعة..

لم يكنْ أمامَه سوى خيارين؛ إمّا أنْ يبقى مع بضاعتِه، أو أنْ يتركَها على الرصيفِ ويمضي.

طالَ حديثُه مع نفسِه، ولعلَّ ما يُميّزُ هذا اليومُ أنّه من أكثرِ الأيامِ التي تحدّثَ فيها مع نفسه..

خطرتْ في باله مقولةٌ كانَ قد قرأها في وقتٍ ما، أخذَ يُردِّدُها وهو ينظر إلى كتبه: "القُرّاءُ لا يسرقون، واللصوصُ لا يقرؤون"

وصار يقولُ: نعم.. نعم.. إنّه الواقعُ، فلا هؤلاءِ يسرقون، ولا أولئك يقرؤون..

قرّرَ أنْ يُغادرَ دونَ أنْ يوصيَ أحدًا ويمضي دونَ أنْ يلتفتَ إلى بضاعته، وهو يبني على تلك المقولة قناعاتٍ ثابتةً..

بعد ساعةٍ كانَ قد تناولَ فيها طعامَه وتوضّأ وصلّى، عادَ إلى مكانه، لكنّه فوجئَ باختفاءِ بضاعته.. مشى بضعة خطواتٍ ليتأكّدَ من مكانِها فلعلّه نسيَ أينَ هو بالضبط، لكنّ المكانَ هو هو.. كانَ بعضُ الباعةِ قد غادروا أماكنهم، والمساحاتُ الفارغةُ أصبحتْ كثيرة.. ولا مجالَ حتى لسؤالِ أحدٍ منهم -ممّن بقيَ على الرصيف- فهو لا يعرفُ أحدًا منهم، بالإضافةِ إلى بعدِه عنهم..

لا مجالَ للشكِّ بأنَّ بضاعتَه سُرِقَتْ..

ولكن..

أيُعقلُ أنْ تموتَ قناعتُه بأنَّ القُرّاءَ لا يسرقون؟

أيُعقَلُ أنْ يتلاشى يقينُه بأنًّ اللصوصَ لا يقرؤون.. ولِمَ لا؟..

فهذا الواقعُ يُثبِتُ خلافَ ذلك..

استمرَّ بالحديثِ مع نفسِه، وهو يُعيدُ النظرَ في اعتقادِه بالمقولةِ، وصارَ ينظرُ إلى شيءٍ جديدٍ ينسفُ به اعتناقَ هذه الفكرة..

أصبحَ يبحثُ عن مقولاتٍ أخرى أثبتَ الواقعُ زيفَها وكذبَها، وحالة الفشلِ التي أصابتها عندَ أولِ اختبار..

استغرقَ طويلًا في أفكاره وهو يتكئ على عربةٍ مركونةٍ لبائعٍ جوّالٍ كانَ قد ربطَ عجلاتِها بسلسلةٍ حديديةٍ وقفلٍ كبير.. صارَ ينظرُ لسلسلةِ الحديدِ والقفلِ وهو يتساءلُ بحزن:

- يا تُرى من الذي سرقَ كتبي.. قارئٌ أم لص؟..

وسطَ تساؤلاتِه وحيرته.. صكَّ أسماعَه صوتُ شابٍ كانَ يُناديه من الرصيفِ المُقابلِ في هذا الشارع:

- يا حاج.. يا أستاذ.. يا عمّ..

رفعَ رأسَه وهو ينظرُ إليه قائلًا:

- تتحدّثُ معي؟

أجابَه الشابُ وكانَ يرتدي بدلةَ عمّالِ النظافة:

- نعم يا عمّ.. هل هذه الكتب لك؟..

اقتربَ منها بلهفةٍ.. كانتْ مُبعثرةً، لكنّها كانتْ ما تزالُ فوقَ قطعةِ القماشِ الكبيرةِ التي وضعها تحتها..

- نعم، إنّها لي.. مَنْ جاءَ بها إلى هنا؟

أجابه الشاب:

- نعتذرُ يا حاجّ، لقد طلبَ مِنّا المشرفُ تنظيفَ المكانِ ولم نجدك.. فاضطررنا لنقلِها إلى هنا.. لكن اطمئن إنّها بخير.. كانَ الشابُ يتحدّثُ دونَ أنْ تُفارِقَ الابتسامةُ وجهه..

انحنى على كتبه وهو يهمُّ بإعادةِ ترتيبها.. والتأكُّدِ من سلامتها.. لكنّه عادَ ليقف من جديدٍ يحدثُ نفسَه: - على ما يبدو أنَّ المقولةَ لم تفشلْ في الاختبار، وعليَّ العودةُ للاعتقادِ بها؛ فهذه كُتُبي لم يسرقها قارئٌ، ولم يقرأْها لصّ.

2022/11/01

ودّع الهمّ والغمّ: هل يمنحنا الدين وصفة لـ «السعادة»؟
لم تفرق معاجم اللغة كثيراً بين الهم والغم والحزن، فقيل إن الهم والغم بمعنى وأحد، وقيل أن الهم هو الحزن، والغم هو الكرب والضرر، وقيل إن الهم يكون من أمر يتوقع حصوله، والغم يكون من أمر تم حصوله بالفعل.

[اشترك]

إلا أن التدقيق في هذه الفروقات لا يقودنا إلى مفاهيم منضبطة لهذه الكلمات، ومن هنا يجب الحديث عنها بوصفها كلمات تدل في الجملة على معنى واحد وهو عدم الراحة النفسية، وفي المقابل فإن كلمات الفرح والسرور والسعادة تدل في الجملة أيضاً على معنى واحد وهو الراحة النفسية، ولطبيعة المقابلة بين الشعورين فإن معرفة أسباب أي واحد منها يقود إلى معرفة أسباب ما يقابلها، أي أن معرفة أسباب الحزن يقود إلى معرفة أسباب الفرح، ومعرفة أسباب السرور يقود إلى معرفة أسباب الهم والغم، وعلى ذلك فإن البحث عن أسباب السعادة هو بحث في الاتجاه المعاكس عن أسباب الشقاوة، وبناءً على ذلك يمكن القول إن الإسلام بكل تعاليمه وأحكامه هو إجابة عن السؤال الذي يبحث عن أسباب السعادة والشقاوة؛ لأن الإسلام في حقيقته هو المشروع الذي يحقق للروح الساعدة وللقلب الاطمئنان وللنفس الرضا، وعلى ذلك يجب التعامل مع جميع أوامره ونواهيه على أنها أسباب مباشرة لإزالة كل ما يعكر صفو الإنسان.

وإذا حاولنا تحليل السعادة من جهة كونها شعور نفسي سنجد أنها غير مرتبطة بالظروف والعوامل المادية التي يعيش فيها الإنسان، فقد تجد الفقير أكثر راحة نفسية من الغني، وتجد المريض أكثر توازناً واطمئناناً من السليم والمعافى، وهكذا لا يمكن ربط الشعور النفسي بالظرف المادي فقط، وإنما يجب البحث عن عامل آخر اكثر تأثيراً وتحكماً في حالة الإنسان النفسية، فمثلاً لا يكون العيش في القصر سبباً للراحة النفسية مالم يكن ذلك مقترناً بأمر آخر، فالإمام الكاظم كان أكثر اطمئناناً وانسجاماً نفسياً وروحياً مع أنه كان يعيش في مطامير السجون، بينما هارون كان أكثر قلقاً واضطراباً مع أنه كان يعيش في القصور، ومن هنا يجب أن لا ننظر للدين بوصفه مشروع سعادة في الآخرة فقط وإنما هو مشروع السعادة في الدنيا أيضاً، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) وإذا لم تكن السعادة مرتبطة بالأسباب المادية فقط فإن المعيشة الضنكة لا تعني بالضرورة الحرمان من الوسائل المادية، وبناءً على هذه الآية فإن الابتعاد عن الله هو السبب المباشر لكل ما يصيب النفس من قلق وتوتر، وبمقدار البعد عن الله يكون مقدار الضنك الذي يصيب الإنسان، ومن هنا لا يمكن أن نحكم على المؤمن بأنه معفياً من حالات الهم والغم والحزن، طالما كان الإيمان بين إدبار وإقبال، فالمؤمن لا يصيبه الهم والغم إلا في حالة الغفلة التي يستغلها الشيطان، وقد جزم أمير المؤمن عليه السلام بذلك في قوله: (من قصر في العمل ابتلي بالهم)، وفي المقابل عندما يكون المؤمن قريب من الله تعالى وبعيد عن الشيطان يكون بالضرورة في حالة سكينة واطمئنان، وهذا صريح قوله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وقد أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسر الذي يجنب الإنسان من الهم بقوله: (يا علي، أمان لامتي من الهم: لا حول ولا قوة إلا بالله لا ملجأ ولا منجا من الله إلا إليه)، فالارتباط بالله واستحضاره في القلوب هو السر الذي لا يبقى معه هم وحزن بسبب الدنيا، وبما أن القلب لا يخلو من الغفلة فإن الله جعل الهم والغم كفارة للذنوب التي تصدر منه، وقد فسرت الكثير من الروايات حصول الهم والغم للمؤمن بذلك، فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لا تزال الغموم والهموم بالمؤمن حتى لا تدع له ذنباً، وقال عليه السلام: لا يمضي على المؤمن أربعون ليلة إلا عرض له أمر يحزنه ويذكره ربه)، وعن الحارث بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (إن العبد المؤمن ليهتم في الدنيا حتى يخرج منها ولا ذنب له)، وعليه من كان كثير الهم والغم ودائم الحزن يجب أن يراجع إيمانه وصلته بالله تعالى، وعندها سيكتشف بالضرورة أن هناك خللاً ما.

وقد بينت الروايات طريقة التخلص من الهم والغم الذي يكون بسبب الذنوب وغفلة القلب، حيث أكدت أن معالجة ذلك يكون بالتوبة والاستغفار واستذكار الله تعالى، ومن تلك الروايات قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): (مَن أكثر الاستغفار جعل الله له مِن كل همّ فرجاً، ومِن كل ضيق مخرجاً، ورزقه من حيث لا يحتسب)، روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (يا سفيان! إذا حزنك أمر من سلطان أو غيره؛ فأكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله؛ فإنها مفتاح الفرج، وكنز من كنوز الجنة)، وعنه عليه السلام قال: (وعجبت لمَن اغتم كيف لا يفزع إلى قوله تعالى: ﴿لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فإني سمعت الله عزّ وجلّ يقول بعقبها: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

كما أن روايات أهل البيت (عليهم السلام) لم تهمل الأسباب المادية التي تجلب الهم والغم، فالظروف الصحية والبيئية وأنواع الأكل وغير ذلك لها تأثير مباشر على المزاج النفسي للإنسان، ومن تلك الروايات قول امير المؤمنين (عليه السلام): (غسل الثياب يذهب بالهم والحزن، وهو طهور للصلاة)، وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (الرائحة الطيبة؛ تشد القلب)، وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إن الله تعالى يحب الجمال والتجمل، ويكره البؤس والتباؤس.. فإن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة؛ أحب أن يرى عليه أثرها، قيل: وكيف ذلك؟ قال: ينظف ثوبه، ويطيّب ريحه، ويحسّن داره، ويكنس أفنيته.. حتى أن السراج قبل مغيب الشمس: ينفي الفقر، ويزيد في الرزق).

وقد نصحت بعض الروايات ببعض الأفعال التي تساعد على تحسين الحالة النفسية مثل الاغتسال بالماء، فإنه يعيد النشاط ويذهب عن الإنسان الكدر والهم، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (من وجد همّا فلا يدري ما هو؛ فليغسل رأسه! وقال: إذا توالت الهموم؛ فعليك بلا حول ولا قوة إلا بالله)، وغير ذلك من الروايات التي تنصح ببعض الاكلات التي تساعد على إزاحة الهم والغم مثل قول الأمام الصادق عليه السلام أن العنب الأسود ليذهب غمَك.

2022/10/31

المصائب مُنح الله: لماذا تواجهنا تحدّيات الحياة؟!

عند ذهاب الإنسان إلى أيّ مكان ينبغي أن يتعرف على طبيعة ذلك المكان، وأن يحدّد المهمّة التي جاء إليه من أجلها، حتى يتهيأ ويكيِّف وضعه مع أجواء ذلك المكان، ويتجه إلى إنـجاز تلك المهمّة، حيث تختلف طبيعة الأمكنة والمهام.

[اشترك]

فحين تسافر إلى بلدٍ، تحتاج إلى معلومات أوّلية عنه، لتوفر المستلزمات المناسبة للسفر إليه. كما تحتاج إلى تحديد غرضك من الذهاب إليه، هل هو الدراسة أو التجارة أو العلاج أو السياحة. فقد يستلزم كلّ غرض وسائل وبرامج تختلف عن الغرض الآخر.

بل حتى المواقع التي تذهب إليها، قد تستلزم تهيئًا واستعدادًا خاصًّا لكلّ موقع، فإنّ تهيئك للذهاب لصالة رياضية، يختلف عن تهيئك للذهاب للمسجد، أو لصالة اجتماعات.

وتشبّه كثير من النصوص الدينية وجود الإنسان في الدنيا بالسفر، فهي رحلة، ما تلبث أن تنتهي.

ورد عن الإمام علي عليه السلام: «إِنَّ أَهْلَ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ بَيْنَا هُمْ حَلُّوا إِذْ صَاحَ بِهِمْ سَائِقُهُمْ فَارْتَحَلُوا».

وفي كلمة أخرى عنه عليه السلام: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُهَا كَسَفْرٍ سَلَكُوا سَبِيلاً فَكَأَنَّهُمْ قَدْ قَطَعُوهُ».

معرفة طبيعة الحياة

ورحلة الإنسان في هذه الحياة تتطلب معرفة بطبيعتها، وتهيؤًا واستعدادًا لتحقيق الغرض من هذه الرّحلة، وهذا ما توضحه الرسالات السماوية، ويدركه الإنسان بضميره وعقله السّليم.

وأول ما توضحه الرسالات السماوية هو تبيين طبيعة هذه الحياة للإنسان، فهي رحلة مقرّرة للإنسان من قبل الله تعالى، في بدئها ونهايتها ومقوماتها. وهي رحلة كفاح، وبذل جهد، وليست رحلة راحة واستجمام.

يقول تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾.

أي في مشقة ومعاناة، و (في) تفيد الظرفية، وتعني أنّ الإنسان في هذه الحياة، يعيش في ظرف ووعاء المعاناة والمشقّة، تحيط به كما يحيط الظرف بالمظروف.

إنّها معاناة تبدأ من وقت الولادة، والتكيّف مع الحياة الجديدة، وتستمرّ إلى معاناة الخروج من هذه الحياة.

إنه يعاني من الصّراع في داخل نفسه، بين أهوائه ورغباته المختلفة، ويعاني في وضع جسمه، حيث تعتوره الآلام والأسقام، ويعاني في توفير متطلبات الحياة.

ويعاني في علاقته مع محيطه الاجتماعي، وفي عيشه في أحضان الطبيعة.

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، والكدح: بذل الجهد وتحمّل العناء، فهو كدح مستمرٌّ إلى ملاقاة الله تعالى.

وقد يتصور الإنسان أنّ هناك في الحياة من لا يناله التعب والمشقة، لأنه يرى ظاهر حياتهم، وذلك وهم، فكلّ إنسان يحمل همومه وأتعابه، صحيح أنّها تتفاوت لكنّها تشمل الجميع، العالم والجاهل، والغني والفقير، والحاكم والمحكوم. وفي هذا البلد وذاك البلد.

لا للرؤية التشاؤمية

ورد عن النبي محمد صلى الله عليه وآله «إِنَّ اَللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: وَضَعْتُ اَلرَّاحَةَ فِي اَلْجَنَّةِ وَاَلنَّاسُ يَطْلُبُونَهَا فِي اَلدُّنْيَا فَلاَ يَجِدُونَهَا».

وورد عن الإمام علي بن الحسين السّجاد عليه السلام: «اَلرَّاحَةُ لَمْ تُخْلَقْ فِي اَلدُّنْيَا وَلاَ لِأَهْلِ اَلدُّنْيَا إِنَّمَا خُلِقَتِ اَلرَّاحَةُ فِي اَلْجَنَّةِ وَلِأَهْلِ اَلْجَنَّةِ».

ويقول الشاعر أبو الحسن التهامي (ت: 416 هـ):

طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها          صَفواً مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ

وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها             مُتَطَّلِبٌ في الماءِ جَذوةَ نارِ

لماذا التأكيد على هذه الطبيعة للدنيا؟

هل ذلك لبثّ حالة التشاؤم والضّجر؟

كلّا؛ فالنصوص الدينية لا تصنع رؤية تشاؤمية عن الحياة، بل تتحدّث عن نعم الله التي أفاضها على الإنسان في الحياة.

يقول تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾.

ويقول تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾.

كما تتحدّث آيات القرآن الكريم، عن جمال الكون، وثروات الطبيعة، وتسخير كلّ الإمكانات لخدمة الإنسان.

وإنّما التأكيد على طبيعة المعاناة في الدنيا ليتهيأ الإنسان لمواجهة واقع الحياة، ويستعدّ لتحمّل أعبائها، بإرادة ووعي، حتى لا يسيطر عليه الإحباط واليأس، ولا يعيش في خيال الرغبات والتمنّيات.

التحدّيات طريق لتكامل الإنسان

لماذا قدّر الله تعالى للإنسان أن تكون رحلته في هذه الحياة محفوفة بالمشقّة والمعاناة؟

لأنه تعالى شاء أن تكون الحياة دار امتحان يصقل فيها الإنسان إرادته، ويعتصر فكره، ويفجر قدراته النفسية، وينمّي خبرته ومهاراته.

إنّها الطريق لتكامل الإنسان روحًا وفكرًا وسلوكًا.

وحين يدخل الإنسان إلى قاعة امتحان وتدريب، عليه ألّا يتوقع الترفيه، بل مواجهة تحدّي الأسئلة، والمواقف الصعبة، سواء في الامتحانات العلمية الاكاديمية أو التدريبات الرياضية والعسكرية، أو حتى امتحان رخصة القيادة للسيّارة والطائرة.

وهذا الاختبار والامتحان ليس لتعذيب الإنسان وإيذائه، وإنّما لتربية الإنسان، وزرع التطلّع والطموح للكمال والنجاح في نفسه.

وفي القرآن الكريم والأحاديث نصوص كثيرة تؤكّد على هذه الحقيقة.

يقول تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.

ورد عنه عليه السلام: «لَولا ثَلاثٌ فِي ابنِ آدَمَ ما طَأطَأَ رَأسَهُ شَيءٌ: المَرَضُ، وَالفَقرُ، وَالمَوتُ، كُلُّهُم فيهِ، وإنَّهُ مَعَهُنَّ لَوَثّابٌ».

وجاء عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «اَلْمَصَائِبُ مِنَحٌ مِنَ اَللَّه».

التطلّع إلى الآخرة

كما أنّ صعوبات الحياة وآلامها، تحفّز الإنسان للتطلّع إلى حياة أفضل، تخلو من الصّعوبات والآلام، كما يدفع الظمأ الإنسان للبحث عن الماء، لذلك تتحدّث النصوص الدينية، عن نعيم الجنة، والخلود فيها، لبعص الشوق في نفس الإنسان إليها.

يقول تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾.

ويقول تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ‎﴿٧٠﴾‏ يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ ۖ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ۖ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

ويقول تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا ‎﴿٢٥﴾‏ إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾

ورد عن أَمِيرُ اَلْمُؤْمِنِينَ علي بن أبي طالب عليه السلام فِي صِفَةِ اَلْجَنَّةِ: «دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلاَتٌ، وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ، لاَ يَنْقَطِعُ نَعِيمُهَا، وَلاَ يَظْعَنُ مُقِيمُهَا، وَلاَ يَهْرَمُ خَالِدُهَا، وَلاَ يَيْأَسُ سَاكِنُهَا».

2022/10/26

هل تخافون على الدين من ’التمدّن’ و ’التحضّر’؟!

هل برأيكُم انتشارُ التمدّنِ والانفتاحِ في وسطِ وجنوبِ العراق سيؤثّرُ على عقليّةِ الشابِّ الشيعيّ ناهيكَ عن ضعفِ عقيدةِ بعضِ الشباب.

[اشترك]

إنّنا لا نخشى على إسلامِنا ودينِنا منَ الثقافةِ والعلمِ والتحضّرِ والمدنيّةِ إلى غيرِ ذلكَ منَ الاصطلاحات.  بل العكسُ هوَ الصحيح، فالدينُ الإسلاميُّ دينٌ صحيحٌ قائمٌ على أسسٍ صحيحة، تلتئمُ تمامَ الالتئام معَ القواعدِ العلميّةِ الثابتة.

والدينُ الإسلاميُّ حثَّ في أدلّةٍ كثيرةٍ على ضرورةِ العلمِ والتعلّمِ والتدبّرِ والتأمّلِ في كلِّ شيء.

قالَ تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ وَلَو كَانَ مِن عِندِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلاَفًا كَثِيرًا). (النساء /83).

 وقالَ تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَم عَلَى قُلُوبٍ أَقفَالُهَا) (سورة رسولِ الله م ح م د / 25)

وقالَ اللهُ تعالى: (إِنَّمَا يَخشَى اللَّهَ مِن عِبَادِهِ العُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر/29).

ومضمونُ الآيةِ الأخيرةِ أنَّ العلماءَ هُم أكثرُ الناسِ خوفاً منَ اللهِ تعالى وذلكَ لمعرفتِهم بأنَّ لهذا الوجودِ خالقاً مُدبّرأ، بسببِ ما يرونَه منَ الآياتِ الدالّةِ على وجودِه تباركَ وتعالى.

وقد روى الكُلينيّ رحمَه الله عن أبي عبدِ الله عليهِ السلام أنّه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله: مَن سلكَ طريقاً يطلبُ فيه علماً سلكَ اللهُ به طريقاً إلى الجنّةِ وإنَّ الملائكةَ لتضعُ أجنحتَها لطالبِ العلمِ رضاً به. الكافي الكُلينيّ (1/ 44)

طبعاً لابدَّ منَ التنويهِ إلى أنَّ الأجرَ والثوابَ المُترتّبَ على طلبِ العلمِ إنّما يكونُ لو كانَ لوجهِ اللهِ تعالى.

ومُلخّصُ ما أقولُ إنّنا نخشى على مُجتمعِنا الإسلاميّ وتحديداً جيلَ الشبابِ مِنه، منَ الدعاياتِ المُضلّلةِ، التي تستهدفُ ضُعفاءَ العقولِ ومَن ليسَ له درايةٌ بأساليبِ التضليلِ وطرقِ الحربِ الناعمةِ التي تمارسُها المؤسّساتُ الإعلاميّةُ المُتخصّصةُ بنشرِ الفتنِ والأكاذيبِ المُضلّلة.

2022/10/20

هل الدين طقوس فردية أم منهج حياة؟

 

من الأخطاء التي وقعت فيها بعض القراءات الدينية هي تقديمها للدين وكأنه ليس له علاقة بالهموم الحياتية للإنسان، وقد تمظهر ذلك في كثير من الاتجاهات التي حصرت الدين في جانب الاعتقاد الشخصي والطقوس الفردية.

[اشترك]

 بل تطرفت بعض الاتجاهات التي عارضت أي فهم ديني يسعى لتطوير حياة الإنسان وإعمار دنياه، والسبب في ذلك هو الفهم المشوه الذي صور الدين بوصفه خطاب لآخرة الإنسان ولا علاقة له بدنياه، وهذا خلاف حتى للتقييم الأولي الذي يقودنا للقول إن الدين الذي لا يكون صالحاً في الدنيا لا يكون صالحاً في الآخرة، ومن هنا فإن معيار تقييم الدين وفهمه يجب أن ينطلق من فهم الحياة وفلسفة وجود الإنسان فيها، ولا يمكن تحقيق ذلك في ظل تهميش الإنسان وإبعاده عن مسؤولياته في بناء حضارته القيمية، فمن الأخطاء الفاتحة تصوير التقدم، والتنمية، والكرامة، والرفعة، والعزة، وغيرها من القيم الحضارية على أنها مفاهيم شرقية أو غربية، بل الإسلام وجميع رسالات الله لم تأتِ إلا من أجل الارتقاء بالإنسان إلى مستوى يكون فيه مسؤولاً عن تحقيق هذه القيم. 

ومن هنا يمكننا تسجيل ملاحظات على مجمل الخطاب الإسلامي، أو على مستوى الوعي الديني المتاح عند الإنسان المسلم، فالوعي الذي حققه ذلك الخطاب، قد عمل على استبعاد الإنسان كقيمة محورية جاءت من أجلها التشريعات، وكرس الاهتمام بهذه التشريعات بوصفها قيمة في نفسها، مع أن التشريعات لا تكتسب قيمتها بعيداً عن الإنسان، كما أن الإنسان لا يكتسب قيمته إلا من خلال القيم التي تؤكد عليها تلك التشريعات، ومن هنا تنبع خطورة تهميش الخطاب الإسلامي للإنسان كقيمة محورية، وتركيزه على التشريع بوصفها طقوساً مطلوبة لذاتها.

[صلة]

فحقيقة الانتماء للإسلام ضمن الوعي السلفي للدين، لا تتجاوز النظرة القشرية للأحكام والتشريعات، فتحول الإسلام عند بعض التيارات إلي ممارسات ظاهرية تقف عند حدود الشعيرة دون أن تتعداها إلي المضمون والجوهر، فالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وغيرها من العبادات، لا تعدو كونها- ضمن هذا الوعي السطحي- واجبات يثاب عليها الإنسان يوم القيامة، أما على مستوى الحياة الدنيا فليس لها قيمة ملموسة ترتبط بالسلوك الحضاري للإنسان، وقد ساعد في ذلك إهمال البحوث الفقهية التي تبحث عن حِكم الأحكام وقيم التشريعات، مع أن البحث عن ذلك هو الذي ينفتح الباب أمام فهم جديد للفقه يستوعب حاجات الإنسان وطموحاته، وبالتالي فإن الخطاب الإسلامي المتوارث في الجملة، قد عمل على تفريغ الدين من محتواه المتمثل في القيم.

فالإسلام هو الرسالة الخالدة التي جاءت تتويجاً لجهود الأنبياء السابقين، وكون الإسلام خالداً، يدل على شمول الخطاب وتمام التشريع، كما أن الخاتمية تعني قمة ما يريده الخالق للمخلوق، وهذا النوع من التفكير هو الذي يخلق مساحة للتفاعل بين الإنسان ومضامين الدين وحِكم التشريع؛ لأنه نوع من الوعي الباحث عن مراد الله وحِكمته من خلق الإنسان ووجوده، فقيمة الإنسان في ما أراده الشارع للإنسان، وليس في ما أراده من الإنسان، حتى العبادة لا تكون عطاءً من الإنسان بقدر ما هي عطاءٌ للإنسان؛ لأن معناها حقيقةً ليس سلب شيء من الإنسان وإنما تحقيق قيمة له.

والإسلام بهذا المعنى، هو النظام الإلهي الذي يهدف إلى بناء الإنسان وتكامله في كافة المجالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وإذا اردنا أن نلخص فلسفة الإسلام يمكننا أن نقول إنه المبدأ الذي يدفع بالإنسان نحو الأمام في كل ميادين الحياة، وانطلاقاً من هذه البصيرة يمكننا تشكيل معيار لمحاكمة ما هو موجود في الساحة من خطابات إسلامية، فالخطاب الذي يكون معبراً عن حقيقة الإسلام هو الخطاب القائم على رؤية تكاملية للإنسان، ابتداءً من تصوره المعرفي والعقائدي ومروراً بسلوكه العبادي وانتهاءً بدوره الحضاري في الحياة.

2022/10/18

الديمقراطية والإسلام: هل الحق مع الأكثرية؟!

 

لقد استنكرت آيات القرآن الكريم «الأكثرية» من الناس، في حين نرى أنّ «الأكثرية» يقرّرون اليوم صلاح الشيء أو عدمه فهم معيار الحسن والقبح في المجتمع، وهذا يثير علامة استفهام كبيرة.

[اشترك]

وليس الكلام في الآيات التي تذكر الأكثرية مع إضافة ضمير (هم) حيث يكون المراد منها أكثر الكافرين والمشركين وأمثالهم ، بل الكلام حول الآيات التي تذكر عنوان (أكثر الناس) من قبيل : (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ).[1]

(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)[2].

(وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)[3].

(وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)[4].

(فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً)[5].

(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)[6].

ومن جهة أخرى اهتمت بعض آيات القرآن بمنهج أكثرية المؤمنين باعتباره معيارا صحيحا للآخرين، فقد جاء في الآية الخامسة عشرة بعد المائة من سورة النساء: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً).

ونجد في الرّوايات الإسلامية لدى تعارض الرّوايات أنّ أحد المعايير للترجيح هو الشهرة بين أصحاب أئمّة الهدى وأنصارهم وأتباعهم، كما يقول الإمام الصادق عليه السلام: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك، فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه»[7].

ونقرأ في نهج البلاغة : «والزموا السواد الأعظم، فإنّ يد الله مع الجماعة، وإيّاكم والفرقة، فإنّ الشاذّ من الناس للشيطان، كما أنّ الشاذّ من الغنم للذئب»[8].

ونقرأ أيضا في نهج البلاغة: «والزموا ما عقد عليه حبل الجماعة»[9].

وعلى هذا قد يتراءى للبعض تناقض بين هاتين المجموعتين من الآيات والأحاديث.

ومن جهة أخرى يمكن أن يتصوّر مخالفة الإسلام للديمقراطية التي تعتمد على آراء أكثر الناس، وهذا ما رفضه القرآن بشدّة.

ولكن بالتدقيق في الآيات والأحاديث السابقة ومقارنة بعضها ببعض يتّضح المفهوم الحقيقي، وهو أنّ الأكثرية لو كانت من المؤمنين الواعين الذين ينتهجون الحقّ ويرفضون الباطل، لاستحقّوا الاحترام، وحظي رأيهم بالتقدير والقبول.

أمّا إذا كانوا فئة جاهلة أو واعية لكنّها مستسلمة لرغباتها وشهواتها على علم منها، فلا طاعة لها ولا رأي. لأنّ اتّباعها يؤدّي إلى الضلالة والضياع، كما يقول القرآن المجيد.

وعلى هذا الأساس فلو أردنا تحقيق «ديمقراطية سليمة» لوجب السعي أوّلا لتوعية الناس وتكوين جماعة مؤمنة واعية، ثمّ الاستناد على رأي أكثريتهم كمعيار لسلامة الأهداف الاجتماعية، وإلّا فإنّ ديمقراطية الأكثرية الضّالة لا تنتج سوى ضلال المجتمع وجرّه إلى جهنّم.

ومن الضروري التنبيه إلى أننا نعتقد أنّ رأي الأكثرية الواعية المؤمنة إنّما يكون محترما ومقبولا فيما إذا لم يخالف الكتاب والسنّة والأحكام الإلهيّة.

ولجوء الأمم والشعوب في هذا العصر إلى رأي الأكثرية مبعثه انعدام المعيار الموثوق به في قياس ما ينفع المصلحة العامّة وما يضرّها، فهذه المجتمعات لا تستنير بكتاب ربّاني ولا تلتزم رسالة نبي كريم، وليس لديها سوى الرجوع إلى رأي العامّة. وبما أنّ المتسلّطين لا يسعون لتوعية رعاياهم، بل يجتهدون في استدامة غفلة الناس وضآلة اطّلاعهم على ما ينهض بتقدّمهم وازدهار حياتهم، ليتسنّى لهؤلاء الاستمرار في الهيمنة على الناس والعبث بمصيرهم، لذلك جعلوا الأكثرية الكميّة معيارا لإسكات الأصوات المعترضة.

ولو دقّقّنا في وضع المجتمعات المعاصرة والقوانين والأنظمة السائدة، لوجدنا أكثر مصائبهم نابعة من اللجوء إلى ما يسمّى رأي الأكثرية.

فما أسوأ القوانين وأقبح المقرّرات التي جعلتها «الأكثرية»، وما أكثر الفتن والحروب التي اندلعت بسبب رأي الأكثرية الجاهلة، وما أعظم المظالم وأشكال العدوان التي قرّرت الأكثرية صحّتها ومشروعيتها!!

مقتطف من كتاب تفسير الأمثل ج 10

 

الهوامش:
[1] البقرة ، 243. [2] الأعراف ، 187. [3] هود ، 17. [4] يوسف 103. [5] الإسراء ، 89. [6] الأنعام ، 116. [7] وسائل الشيعة ، المجلّد الثامن عشر ، صفحة 72 (كتاب القضاء الباب التاسع من أبواب صفات القاضي). [8] نهج البلاغة ، الخطبة 127. [9] نهج البلاغة ، الخطبة 151.
2022/10/16

السلام الداخلي والتصالح مع النفس وتقبّل الذات.. مفاهيم إيجابية أم سلبية؟!

 

التصالح مع النفس أو التصالح مع الذات من المفاهيم التي يكثر استخدامها بين المهتمين بالتنمية البشرية وتطوير الذات.

ويبدو أن مصطلح التصالح مع النفس يحمل في طياته دلالة إشكالية في حد نفسه، إذا كيف يصبح التصالح مع النفس طريق إلى تطويرها وتنميتها؟ فالظاهر من دلالة المصطلح هو قبول ما عليه النفس من إيجابيات وسلبيات، وبالتالي التعايش معها دون العمل على تغييرها، وهذا المعنى يتناقض تماماً مع أهداف التنمية البشرية وتطوير الذات، ويبدو أن هذه الدلالة الإشكالية هي التي جعلت بعض مدربي التنمية البشرية يتورط في تقديم توصيات قد تتعارض مع توصيات الإسلام حول النفس، مثل إشعار النفس بالخطيئة وعدم التساهل مع الذنوب ومحاسبة النفس ولومها.

 ومن الواضح أن هذا فهم مشوه للمقصود من مصطلح التصالح مع الذات، ففي كتاب «قوة التصالح مع الذات» للدكتورة وفاء محمد مصطفى، خبيرة التنمية البشرية، اعتبرت التصالح والتسامح وجهان لعملة واحدة، فلا يمكن أن يتحقق التسامح الاجتماعي وقبول الآخر من غير أن يتحقق التصالح مع النفس أولاً، الأمر الذي يؤكد أن المقصود من التصالح هو تجاوز سلبيات النفس من خلال التقييم الموضوعي والواقعي لحقيقتها، فمن يرى في نفسه عوامل النقص سوف يرى الآخرين بعين العفو والغفران، ومن يرى فيها عوامل الكمال سوف يكون أكثر عطاءً وحباً ورحمة، فالتصالح يعني التوازن بين الإفراط والتفريط، فلا يستحقر الإنسان نفسه فيقضي على كل عوامل الخير فيه، ولا يرى نفسه بعين العظمة والغرور فيستحقر هو الآخرين.

وعليه فإن لإطار الذي يجب أن يصنف فيه مفهوم التصالح على أنه مفهوم إيجابي هو عندما يكون عاملاً مساعداً على تخليص النفس من مشاعرها السلبية وأمراضها النفسية، وبهذا الطريقة يحفز التصالح النفس نحو النجاح والإبداع بدل أن تظل حبيسة تصوراتها الخاطئة نحو ذاتها ونحو الآخرين، فحتى يعيش الإنسان في جو خالٍ من الأحقاد والعداوات لابد أن ينطلق من تقييم واقعي لذاته، ويبدو أن التحليل النفسي لأكثر المشاكل النفسية والاجتماعية يحمل المسؤولية للنظرة غير المتوازنة للذات، فمثلاً الناس الذين يعيشون حالة من العزلة والانطواء والاكتئاب يحملون في الواقع نظرة خاطئة لذواتهم، فالإنسان الذي لا يجد لنفسه قيمة ولا يثق في قدراته سيفضل الهروب والانطواء على المواجهة والتحدي، وقد تتعاظم هذه الحالة حتى تؤدي إلى أمراض خطيرة نفسياً واجتماعياً، وقد اصطلح على هذه الحالة باضطراب الشخصية الاجتنابية (Avoidant personality disorder).  وسميت بذلك لأن من يعاني منها يسعى جاهداً لتجنب الاحتكاك بالآخرين، ولذا قد يترك العمل أو الدراسة وكل الأنشطة الاجتماعية خوفاً من تقييم الآخرين، والتصالح مع النفس لمثل هذه الحالات يقوم بتشجيعهم على تقييم ذواتهم دون الالتفات لتقييمات الآخرين، فأحياناً يعمل المجتمع والأسرة والتربية على فرض نمط محدد للشخصية، وعندما يجد الإنسان نفسه لا تنسجم مع الشخصية المفروضة عليه، يحصر نفسه بين خيارين، أما أن يكفر بذاته فيصاب بالإحباط والعجز الاستسلام، وإما أن يكفر بالمجتمع فيصاب بحالة من الغرور والتكبر، ومن هنا يجب على الإنسان أن يتصالح مع ذاته ويكتشف نفسه كما هي ليتمكن من بناء حياته التي تناسبه.

وعليه فإن المقصود من التصالح مع النفس هو أن يعيش الإنسان بشخصيته الحقيقية لا بشخصية مزيفة قائمة على النفاق، فيتعامل مع الآخرين بواقعية تنطلق من شعوره العميق بذاته، ولا يعني ذلك الاسترسال مع النفس بحيث يسلم لها زمام المبادرة وإنما يعني  فهمها حتى يسهل ترويضها وقيادتها، فالمعانة التي تواجه الإنسان في الحياة هي انعكاس للمعانة التي يعيشها في الداخل، فمع أن المتصالح يرى كل ما في حياة من كراهية وبغض ونزاع ومشاكل إلا أنه يتسامى عليها، ولا يكون ذلك من موقع الإنكار والتجاهل وإنما من موقع الحِكمة والقوة والاقتدار، فمثلاً عندما يعترف الإنسان بجهلة في قضية ما ويتصالح مع هذه الحقيقة لا يمكن أن يجادل الآخرين ويتخاصم معهم في أمر هو يعترف بجهله فيه، وكذلك لا يمكن للمتصالح مع جهله أن يكره أو يعادي من لا يعرف عنه شيء، وهكذا من يتصالح مع نفسه لا يرى نفسه افضل من الآخرين ولا عرقه ارقي من أعراق الآخرين ولا يمكن أن يعيش في خصومة ونزاع دائم بسبب نظرته المشوهة  لذاته؛ لأنه يعرف قدره ومقداره ويعرف إمكاناته وقدراته كما يعرف نقصه وسلبياته، وعليه من يتعالم مع نفسه بواقعية سوف يتعامل مع الواقع بواقعية اكبر.

ويبدو أن العقبة الكبرى أمام تصالح الإنسان مع ذاته هو المناخ الاجتماعي والثقافي، الأمر الذي يجعل الفرد في حالة من الخداع الدائم لذاته ليكون كما يريده الآخرين لا كما يريد هو أن يكون، وقد ذم الله التقليد والاتباع الأعمى للمجتمعات، وقال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ)، وفي الحديث الشريف: (لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا)، وقد نسب لأمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: (لا تكرهوا أولادكم على آثاركم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم).

وفي المحصلة لا يجوز فهم التصالح مع الذات على أنه توطين النفس على الخطأ والرذيلة وإنما يعني اكتشاف الذات بعمق وفهمها على حقيقتها من غير خداع وتزوير، وإذا حقق الإنسان السلام الداخلي بين متناقضات النفس تمكن من توظيف مواطن قوته كما يتمكن من تدارك مواطن ضعفه.

[اشترك]

2022/10/15

حبس العقل في المختبر: هل يصح البحث عن الظاهرة الدينية في الآثار المادية؟!

 

إن دراسة التاريخ الإنساني لا تنحصر في المناهج المادية القائمة على الحفريات والآثار، فإن كانت هذه المناهج ضرورية وفاعلة في الكشف عن الآثار المادية للحضارات القديمة إلا أنها غير فاعلة في الكشف عن الجوانب الإنسانية لتلك الحضارات.

فمثلاً لا يمكن فهم الحضارة اليونانية من خلال الاكتفاء بما في أثينا من آثار مادية؛ لأن في ذلك تضييع للتاريخ الإنساني الذي كانت تحفل به تلك الحضارة، فالموروث الثقافي للإنسان لا يقل أهمية عن موروثه المادي، فلا يمكن مثلاً البحث عن أفكار افلاطون وارسطو وغيرهم من الفلاسفة في جدران وحصون أثينا، وإنما لابد من البحث عن ذلك بمنهجيات تناسب موروث الإنسان الروحي والفكري والثقافي، ومن المغالطات الكبرى التي وقع فيها بعض المغرورين بمناهج العلوم التجريبية هي تعميم تلك المناهج لتشمل العلوم الإنسانية، وفي ذلك تجاهل واضح للإنسان صاحب القصد والإرادة، فالإنسان ليس مادة مجردة عن الروح والشعور والإدراك حتى تتم دراسته بين جدران المختبر، وإنما هو بنفسه له القدرة على التفكير والاستنتاج بوصفه صاحب عقل وإرادة، فالمعارف التي تعتمد على الفهم والاستنباط، والمفاهيم القائمة على التحليل والاستنتاج، تنتمي إلى المعارف التي يكتسبها العقل عندما يحلق في آفاق الحياة الواسعة، بما لها من تاريخ عريق، وحضارات متنوعة، واجتماع إنساني فاعل ومتفاعل، فحصر العقل وحبسه بين جدران المختبر جريمة في حق العقل والعلم معاً، وعليه لا يمكن رصد الإنسان وتقييمه ضمن إطار مادّي خارجي فحسب، لأنه موجود له (قصد) أي أن سلوكه تحدده دوافع إنسانية داخلية، ولا يمكن الوصول إليها عن طريق الرصد المادي وإدخاله ضمن قانون السببية المادية وقوانين الطبيعة؛ لأن معرفة الظاهرة الإنسانية لا تقوم على الوصف والشرح كما هو الحال في الظاهرة الطبيعية، وإنما تحتاج إلى تعقّلٍ وإدراك وتفهّمٍ يقوم على التعاطف والمعايشة ومن ثم كشف مخزونه الداخلي.

 ويبدو ان التفكير الطفولي الذي كان يطمح في جعل العلوم الإنسانية شبيهة بالعلوم التجريبية هو المسؤول عن هذا الخلل، وقد بدأ هذا النمط من التفكير الحالم مع عصر النهضة، وبنضوج العلوم وتقدم المعرفة بات هذا التفكير مرحلة ساذجة لا يعتد بها أحد، ولذلك أنتهى عصر الفلسفة الوضعية عندما أعلن منظرها الأكبر (سير الفريد آير) "في خمسينات القرن العشرين أن هذه الفلسفة ملأة بالتناقض، بالرغم من أنه قضى السنوات الطوال في معالجة أخطائها. لقد تنبه آير إلى أنه لا يمكننا تطبيق قواعد البحث في العلوم التجريبية التي تعتمد على الحواس (كالكيمياء والفيزياء) على العلوم الإنسانية (كالفلسفة والمنطق والأخلاق). كذلك لا يمكن دراسة المفاهيم الدينية بمقاييس المفاهيم العلمية؛ فلا ينبغي - مثلاً - محاولة فهم مقولة: (إن الله موجود في كل مكان – كلي الوجود-) بمفاهيم المكان في فيزياء نيوتن أو فيزياء آينشتاين. بذلك قام آير بإعلان موت الفلسفة الوضعية المنطقية ودفنها" (عمرو شريف، خرافة الالحاد ص 30)

وعليه من الخطأ البحث عن الظاهرة الدينية من خلال البحث في الآثار المادية، وقد اشرنا في موضوع سابق إلى أن من أهم الدلائل التي تؤكد وجود حدث ما في التاريخ هو تناقله عبر التواتر الاجتماعي، بحيث يظل تأثيره حاضراً جيلاً بعد جيل، ووجود الأنبياء والرسل من هذا القبيل، حيث مازال لهم  حضوراً واضحاً عبر الأجيال إلى يومنا هذا، فوجود اليهود والنصارى والمسلمين واتصالهم التاريخي عبر الأجيال يؤكد بشكل قطعي وجود الأنبياء الذين يمثلون اساساً لأديانهم، وعليه فإن تأثير الأنبياء الملحوظ في مسار التاريخ البشري يؤكد على وجودهم الفعلي في التاريخ، وحينها لا يكون وجود الأثر المادي إلا مجرد حالة حسية لا تشكل إضافة فعلية بالنسبة لما نعلمه من تاريخ الأنبياء بالضرورة، فتاريخهم يمثل موروثاً متكاملاً عقائدياً واخلاقياً وتشريعياً وحضارياً، وبالتالي لا يمكن أثبات كل ذلك من خلال العثور على آثار مادية هنا أو هناك.

ومع ذلك فقد أثبتت دراسات الانثروبولوجيا ملازمة الأديان لكل الحضارات الإنسانية، يقول المؤرخ وكاتب السير والناقد اليوناني الكبير بلوتارك الخيروني (46 – 120م) الذي كان له أثر في كثير من الفلاسفة والأدباء من بينهم شكسبير: (لقد وُجِدت في التاريخ مدنًا بلا حصون، ومدنًا بلا قصور، ومدنًا بلا مدارسَ، ولكن لم توجد أبدًا مدن بلا معابد" (القرضاوي، وجود الله، ص 22). ويقر بذلك أيضا الفيلسوف الفرنسي الكبير هنري برجسون، والحاصل على جائزة نوبل للآداب سنة1927 في كتابه (أصلا الأخلاق والدين): "لقد وُجدت وتوجد جماعاتٌ إنسانية بدون علومٍ، وفنونٍ، وفلسفاتٍ، ولكنَّه لم توجد قطّ جماعةٌ بغير ديانة"" (الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، الدكتور محمد عبد الله دراز ص 83)

وعليه فإن الدين ظاهرة مرافقة للإنسان لم تنفصل عنه في جميع مراحله التاريخية، والسبب في ذلك أن الإنسان مضطر في عمق كيانه لمعرفة من أوجده، كما أنه مهموم بمصير الحياة ومستقبلها المجهول، الأمر الذي حتم عليه التطلع إلى الغيب والبحث خارج حدود المادة، وهذا النوع من الوعي المتسامي عن المادة والمترفع عن الحس، يمثل جانب الإشراق في الإنسان، يقول بارتيلمي سانت هيلير: هذا اللغز العظيم الذي يستحدث عقولنا: ما العالم؟ ما الإنسان؟ من أين جاء؟ من صنعهما؟ من يدبرهما؟ ما هدفهما؟ كيف بدءا؟ كيف ينتهيان؟ ما الحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب يقود عقولنا في أثناء عبورنا في هذه الدنيا؟ أي مستقبل ينتظرنا بعد هذه الحياة؟ هل يوجد شيء بعد هذه الحياة العابرة؟ وما علاقتنا بهذا الخلود؟ هذه الأسئلة لا توجد أمة، ولا شعب، ولا مجتمع، إلا وضع لها حلولاً جيدة أو رديئة، مقبولة أو سخيفة، ثابتة أو متحولة.

فالحقيقة التي لا يرتاب فيها منصف تؤكد بأن واقع الإنسان وتاريخه المتطاول لم يخل من الأديان، وهذا خلاف الإلحاد الذي يعد مساراً معاكساً لتاريخ الإنسان وفطرته المتدينة، ومن هنا لم يجد الإلحاد طريقاً لتبرير موقفه إلا بتقديم تفسيرات مشوهة لنشوء الأديان، ولذا سعى إلى التقليل من أهمية الأديان بالقول بإنها وجدت لتسد الفراغ الذي احدثه جهل الإنسان بظواهر الوجود، ولو صح هذا الزعم لتخلى الإنسان عن الأديان في عصر العلوم والمعارف وهذا ما لم يحصل، فالأديان وفق هذه النظرة لابد أن تكون حالة طارئة سريعاً ما يتخلى عنها الإنسان كلما ازداد علمه، وهذا ما يكذبه الواقع فالإنسانية ظلت متمسكة بأديانها وهي في قمة تقدمها العلمي، يقول الدكتور ماكس نوردوه عن اصالة الشعور الديني: (هذا الإحساس أصيل يجده الإنسان غير المتمدن كما يجده أعلى الناس تفكيراً وأعظمهم حدساً، وستبقى الديانات ما بقيت الإنسانية، وستتطور بتطورها، وستتجاوب دائماً مع درجة الثقافة العقلية التي تبلغها الجماعة) (عبد الله دراز ص 87) ويقول أرنست رينان في تاريخ الأديان "إنَّ من الممكن أن يضمحلَّ كلُّ شيء نحبُّه، وأن تبطل حريَّة استعمال العقل والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن يَنمحي التديُّن، بل سيبقى حجَّة ناطقة على بطلان المذهب المادِّي، الذي يريد أن يحصر الفكرَ الإنساني في المضايق الدنيئة للحياة الأرضيَّة" (عبد الله دراز ص 83).

ويقول معجم (لاروس) للقرن العشرين: إن الغريزة الدينية: مشتركة بين كل الاجناس البشرية، حتى أشدها همجية، واقربها إلى الحياة الحيوانية.. وان الاهتمام بالمعنى الإلهي وبما فوق الطبيعة هو إحدى النزعات العالمية الخالدة للإنسانية. ويقول: إن هذه الغريزة الدينية لا تختفي، بل لا تضعف ولا تذبل، إلا في فترات الإسراف في الحضارة وعند عدد قليل جداً من الأفراد.

وفي المحصلة لا يمكن إنكار الأديان بحجة عدم توافقها مع المناهج التجريبية، كما لا يمكن إنكار الأنبياء بحجة عدم العثور على آثارهم المادية، وذلك لأن الدين خطاب للإنسان بوصفه روح وعقل لا بوصفه مادة، ولذلك فإن المسار الذي تتحرك فيه مناهج العلوم التجريبية يختلف عن المسار الذي تتحرك فيه العلوم والمعارف الدينية.

[اشترك]

2022/10/13

هل الحجاب فريضة دينية أم موروث اجتماعي؟!
يبدو أن كثيراً من الأوساط قاربت موضوع الحجاب بوصفه حالة اجتماعية، والسبب في ذلك أن الثقافة المجتمعية في نظرهم هي العامل الحاسم في تحديد ما يلبسه الرجال والنساء وليس الدين.

ونحن بدورنا لا يمكننا التنكر على كون الموروث الثقافي هو العامل الأكثر تأثيراً في ذلك، فكل أمة لها طريقتها التي تميزها عن الأمم الأخرى سواءً في ملبسها أو مأكلها أو مسكنها، بل المجتمع هو الذي يفرض على الرجال ما يلبسونه كما يفرض على النساء، ولا يمكن التمرد على هذه السلطة المجتمعية بحيث يستطيع الرجل أن يلبس ملابس النساء أو تلبس المرأة ملابس الرجال، ومع ذلك فإن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يتعارض مع ضرورة ستر المرأة لزينتها ومفاتنها، ومن أنكر الحجاب في الإسلام وقع ضحية المغالطة التي صورت ضرورة الستر ونوع الستر وكأنهما قضية واحدة، وهذه مغالطة لأن ضرورة الستر لها علاقة بالجانب الفطري والديني بينما نوع الستر له علاقة بالجانب الحضاري والاجتماعي، ولكي يتضح الأمر لابد من مناقشة كل مسألة بشكل منفصل عن الآخر.

أولاً ضرورة الستر: أن الكلام عن نوع اللباس وشكله يأتي بعد التسالم على أن هناك عورة يجب سترها، وقد سعى الإنسان منذ أن وجد على هذه الأرض إلى ستر عورته، الأمر الذي يؤكد على وجود دافع فطري لذلك، وإلا من الذي هدى البشرية وأرشدها لستر عورتها على امتداد التاريخ؟

ومن هنا يمكننا التأكيد على وجود دافع عقلي وفطري يوجب على الإنسان ستر عورته، وتبقى هناك مساحة للاختلاف في تحديد المقدار الذي يجب ستره بالنسبة للمرأة أو الرجل، ومن هذه الزاوية يأتي دور الدين لبيان حدود ذلك، لأن الدافع العقلي والفطري بعيداً عن أي اعتبار آخر لا يتجاوز حدود المقدار المتيقن من العورة، ولذلك نجد المجتمعات البدائية أكتفت فقط بستر العورة المغلظة دون غيرها، أما الدين وبوصفه مشروعاً يستهدف جوانب متعددة من حياة الإنسان مثل نزاهة المجتمع وطهارته لابد أن يكون له نظرة خاصة تراعي مقومات ومعوقات ذلك المشروع، فهو لا ينظر لعورة المرأة بوصفها سوءة يجب سترها، فهذا المقدار تكفل به الجانب الفطري والعقلي، وإنما ينظر للمرأة بوصفها أحد العناصر المهمة في مشروعه الإنساني، ولذلك نجد إن الإسلام ميز أولاً ما بين عورة الرجل وعورة المرأة، ففي حين اكتفى بستر العورة المغلظة بالنسبة للرجال، لم يكتفي بذلك بالنسبة للنساء، والسبب في ذلك أن جسم المرأة له خصوصية أخرى وهي أنه يعد زينة في عيون الرجال، ومن هنا أمرها الشارع بحجب جسمها حفاظاً لها من نظرات الطامعين، وحفاظاً على طهارة المجتمع وعفته،  ومن هذه الزاوية نتفهم بحوث الإسلاميين التي تدافع عن فلسفة الحجاب واهميته بالنسبة لكرامة المرأة أولاً، وبالنسبة لأمن المجتمع ثانياً.

 والناظر لآيات الحجاب يجد أنها لم تتحدث عن العورة وإنما تحدثت عن الزينة، فستر العورة أمر مفروغ منه عقلياً وفطرياً، ولذا من الطبيعي التركيز على حيثية أخرى يراها الدين ضرورية ولا تلتفت لها الثقافة المجتمعية، قال تعالى: (وَليَضرِبنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ)، وبذلك يكون الإسلام حرم على المرأة أبدأ زينتها، وتدخل الإسلام في تحديد ما يجب على المرأة تغطيته أمر متوقع وضروري في نفس الوقت؛ لأن إيكال ذلك للعرف والثقافة المجتمعية فيه ضياع لكثير من القيم الأخلاقية التي يراعيها الإسلام ويهملها العرف، فالإسلام بوصفه مشروع للإنسان لا يكتفي بالحياة التقليدية القائمة على العادات والتقاليد، وإنما يعمل على بناء الفرد والمجتمع بالشكل الذي تتحقق معه فلسفة خلق الإنسان ووجوده في هذه الحياة.

ومن خلال ما تقدم يتبين إن وظيفة الإسلام منحصرة في بيان المقدار الذي يتم ستره، أما كيف وبأي وسيلة؟ وما هو شكل الحجاب؟ فإن الإسلام لم يتدخل في كل ذلك.

ثانياً: أن وظيفة العرف والثقافة المجتمعية هي تحديد نوع وشكل اللباس الذي تستر به المرأة جسمها، والإسلام لم ينازع في هذه الحقيقة فحسب، وإنما أوكل للعرف في أكثر الأحيان تحديد موضوعات الأحكام الشرعية، وبهذا تنكشف المغالطة التي تسوق للثقافة المجتمعية بوصفها المسؤولة عن تحديد لباس المرأة وليس الدين، وطبيعة المغالطة هي الاعتماد على فكرة صحيحة ولكن في غير موردها الصحيح، فالدين لم ينازع العرف في ما يجب على المرأة أن تلبس وإنما حدد المساحة التي يجب أن تغطيها، وعليه فإن المرأة في الإسلام حرة تلبس ما تشاء ولكن بشرط أن يغطي زينتها وأن لا يكون لباسها زينة في حد نفسه، وهذا المقدار من التدخل حق تكفله طبيعة القوانين لأي مشرّع، فإذا كان من حق المشرع الفرنسي تشريع قانون يمنع المرأة من الحجاب لأنه يتعارض مع مشروعها العلماني، فكذلك من حق الإسلام أن يشرع الحجاب لأنه يتكامل مع مشروعه الإسلامي، وكما أن المشرع الفرنسي لم يكتفي بما تفرضه الثقافة المجتمعية من مقدار ما يجب تغطيته، كذلك لم كتفي المشرع الإسلامي بالثقافة المجتمعية في تحديد المقدار الذي يجب تغطيته.

وفي المحصلة إن الإجابة على السؤال هل الحجاب فريضة دينية أم موروث اجتماعي؟ لا يمكن الإجابة عنه بإثبات أحد الطرفين ونفي الآخر، وإنما تحمل الإجابة كلا البعدين، فشكل الحجاب وكيفيته موروث اجتماعي، بينما المقدار الذي يجب ستره وتغطيته فريضة دينية.

[اشترك]

2022/10/11

اسطوانة مشروخة: الأحكام الشرعية لا يمكن تطبيقها!
هنالك سؤال نَخافُ أن نُبيّنَهُ أو نَطرحَهُ، وهو: هذه المَنظومة الكامِلَة للأحكام، أحكام العِبَادات والمُعامَلات والجِهاد والأمر بالمَعروف والنَّهي عَن المُنكر هل يُمكن تَطبيقها علىٰ أرض الواقع كلّها، وليس تشريع فقط؟

نَحنُ عِندَما نَكون في مَشاكِل ومُجتَمع غير مُتَقَبِّل هذه الأحكام، نَشعر أنه لا يُمكن تَطبيق هذه الأحكام ولِهذا الكثير مِن الأُخوة والأخوات في الجَامِعات يَقولون: هنالك أشياء في التَّشريع غير مُراعية أمور التَّطبيق، لذلك لا يمكن تَطبيقها كلّها، يجب أن نَتنازل عَن بعضها. ونَفس هذا الاعتِراض نَجِده في الأسواق والمُؤسسات وفي كلّ مجالات الحياة.

وهذا الشُّعور بأن هنالك مَوانع في مَجال تَطبيق الأحكام الشَّرعية، هذا الشُّعور النَّفسي، شَيئاً فشَيئاً يُبرر لَنا عدم الإلتزام الدِّيني، وهذه مُشكلة تَجر الإنسان إلىٰ العصيان مِن حيث لا يَشعُر. يُبَرر لنفسه أنه هذا لا أستطيع الالتزام به وهذا المُجتمع لا يَلتزم به ويُبرر لِنفسه أنه لا يُمكن تَطبيق الأحكام في مَجالِه، وشيئاً فشيئاً يُصبح كمَن لا يَلتزم بالدِّين.

هذه المُشكلة النّفسية حلها أن يُذَكر الانسان نَفسه بهذه النقاط الثلاثة:

١- أن المُشَرِّع لِهذه الأحكام هو الخَالِق والخَالِق هو المُشَرِّع وليس جهة أخرىٰ، يَعرف قُدراتنا، بَصِير بما نَصنَع، والظرُوف التي نَعَيشُها، وحكيم لما شَرّع هذه الأحكام بقُدَرته أعطانا قُدرة، اختيار، ويَعرف أني قَادِر علىٰ تَنفيذها، «لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَها»، فكلنا قادرون علىٰ أداء التكاليف.

٢- «فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ»، الله عَزّ وجَلّ شَرَّع هذه المَنظومة الكامِلة مِن الأحكام فَائدتها وأرباحها كلّها لك.

٣- هناك ثُلَّة طَيبَة ولَيست بقَليلة أدتْ هذه الأحكام في حَياتنا الدَّنيويَّة، علىٰ رأسهم مُحمَّد وآل مُحمَّد صَلوات الله عَلَيهم.

هنالك أعذَار تَقول هَؤلاء أئمَة وهؤلاء مَعصُومُون لذلك كانوا قَادِرين علىٰ تطبيق الأحكام، وهذا تَفكير خاطىء وجداً مُهَدِّم للعَقيدة، هل أهل البيت كانوا مُجبَرين علىٰ العبادات، أبداً!

مَنزلة رَسول الله (صَلّىٰ عَلَيهِ وآله) كانت عَالية عِند الله عَزّ وجَلّ لإنه مُختار وباختياره اختار طاعَة الله عَزّ وجلّ وهذا هو فَضْله، عاشَ أهلُ البيت ظروفاً قَاسيَة ليس هناك أقسىٰ منها ورُغم مَظلوميَّتهم طَبَقوا أحكام الله عزّ وجلّ، مَريضُهم مُلتَزم، سَجينُهم مُلتزم، في لَحظات التَّضحية والغُربة كان يَلتزم، هؤلاء حُجَة علينا.

هذه أهمية التَّأسي حينَ يقول القرآن «لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»

وعندنا عُلَماء وعندنا مِن الصَّالِحين اِستَطاعوا الالتِزام بهذه الأحكام وتَفاصيلها مِن واجباتها ومُستحباتها إلىٰ تَرك مُحرماتها. 

المُشكلة إذاً لَيس في الأحكام ولا شروط الزمان والمكان.

 الخُلاصة: أنَّ هذه القَضية نَفسيَّة تُسَيطر علينا، الله الله في تَربية النَّفس علىٰ الالتزام بالأحكام وتَقويَة النَّفس، الخالق مَنحني قُدرة وعَالِم بقدرتي، الالتزام في مَصلحتي، عندنا أُسوة وقدوة في التطبيق،

ونحتاج إلىٰ الدعاء وتَسديد مِن الله عزَّ وجلَّ، الإمام زَينُ العابدين علمنا أن نَطلب مِن الله أن يُسددنا لِتطبيق أحكامه.

*مُقتطفات مِن محاضرة السَّيّد عَمار الحُسَينيّ - قرّرها: آيات الحسيني

  مَركز طيبة للفكر والمَعرِفة

 ١٠ ربيع الأول ١٤٤٤هـ | ٢٠٢٢.١٠.٧

[اشترك]

2022/10/09

كتب في المطاعم العراقية!

بعض الأماكن العامة من المطاعم أو الأماكن الترفيهية حينما تريد إضافة سِمة الثقافة عليها تضع مكتبة صغيرة أو رفوف معدودة تُسطّر عليها كتب وكتيبات وربما بعض المجلّات ليُسحر بها القرّاء والمولعين بالكتب، وهذه بحد ذاتها ظاهرة حضارية وصحيّة وتبعث على السرور.

[اشترك]

لكن حينما ندقق في نوعية الكتب المُختارة نجدها من الفئة التي حصلت على شهرة دون أن يكون فيها غزارة علم، ولا نفع يُذكر.

وهذه الكتب تمثل أولى المطالعات لكثير من القراء وأولى مصادرهم، وتشتهر كذلك في مواقع التواصل وفي قوائم اقتراحات الكتب وللمبتدئين بالقراءة، رغم أن هناك الكثير من الكتب غيرها التي ينبغي البدء بها، وأن تكون الأساس الذي تُبنى عليه باقي القراءات، بحسب العطش المعرفي لكل شخص.

لو فكّرنا في الكتب الغنيّة الموجودة وكثرتها، لما امتلكنا وقتاً كافياً لقراءة غيرها أو الأدنى منها.

2022/10/09

هل البحث في الإمامة ’ نبش’ في الخلافات التاريخية؟
يمكن تفهم هذا السؤال وتبريره إذا انطلقنا من كون الإمامة قيادة سياسية محكومة بظرفها التاريخي، ولا يمكن فهمه وتبريره إذا انطلقنا من كون الإمامة تمثل الامتداد الديني لوظيفة النبي والرسالة.

[اشترك]

وعليه فإن هناك جانبان في بحث الإمامة، الجانب الأول تاريخي وهو ما يتعلق بالقيادة السياسية والاجتماعية للظرف التاريخي الذي كان فيه الإمام، والجانب الثاني هو الجانب الديني والرسالي وهو ما يتعلق بالمرجعية والقيادة الدينية، فإن كان الأول محكوم بالظرف التاريخي فإن الثاني باقي ببقاء الدين والرسالة، وهذا ما نص عليه الحديث المتواتر بين جميع الطوائف الإسلامية وهو قول النبي (صلى الله عليه وآله): (إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) فخلافة النبي في هذا الحديث تشمل كلا البعدين القيادة السياسية والقيادة الدينية، وبذلك لا يكون بحث الإمامة في هذا العصر بقصد تغيير ما وقع بالفعل في التاريخ لكونه أمراً مستحيلاً بالبداهة، وإنما يكون بحثاً عن مسؤولية المسلم المعاصر في تحديد مرجعيته الإسلامية وقياداته الدينية، وهذا أمر لا يمكن لمسلم الاستغناء عنه بالضرورة.

ومما لا يخفى على الجميع أن الأمة الإسلامية انقسمت إلى شيعة وسنة، ولكل مذهب منظومته الإسلامية الخاصة عقائدياً وفقهياً وحتى فكرياً، ولكي يتم فهم هذا التباين لابد من البحث عن أسبابه التاريخية، وبذلك لا يكون بحث الإمامة مجرد بحث تاريخي منفصل عن واقع المسلم المعاصر، بل هو بحث حاضر في جميع الخيارات الإسلامية التي يتعامل معها المسلم بشكل يومي.

ويبدو أن الدافع خلف هذا السؤال هو العمل على إيقاف الاصطفاف المذهبي والصراع الطائفي من خلال إيقاف البحث في الخلافات التاريخية، إلا أن ذلك لا يعد خياراً صحيحاً للقضاء على الطائفية التي مزقت الأمة وأضعفتها، فلو قمنا برصد ما يقال لتأجيج الخلاف بين التوجهين نجده يرجع بشكل مباشر الى موقف الشيعة من الخلافة والخلفاء الذين هم في نظر الشيعة قد تعدوا على حق أهل البيت(عليهم السلام)  في الإمامة والقيادة، وفي نظر السنة يمثلون شخصيات مقدسة لا يفهم الإسلام إلاّ من خلالهم، وبالتالي ما تعانيه الأمة اليوم من انقسام يرجع الى الانقسام الذي حدث بعد سقيفة بني ساعدة وما أعقبها من حروب في الجمل وصفين والنهروان وغيرها، وعليه لا يمكن النظر لتلك الحوادث التاريخية كحوادث منفصلة عما نعيشه اليوم، أو نعتبرها بعيدة عن ما يؤثر على خياراتنا السياسية والثقافية، بل أصبح واقعنا صورة أخرى عن تاريخنا، وبالتالي من يحاول أن يتجاوز تلك الفترة التاريخية بالقول: (حرب سلمت منها سيوفنا فلتسلم منها السنتنا)، لا يمكنه تقديم مساهمة حقيقية؛ طالما فهمنا للإسلام اليوم، إما قائم على تقديس الخلفاء واستلهام الشرعية من تجربتهم التاريخية، أو قائم على الوقف ضد الخلفاء وكل القيادات الدينية التي فرضت تاريخياً، ومحاولة حل الأزمة الطائفية من خلال تجاوز تلك الفترة ونسيانها، أشبه بالحكم على السنة والشيعة بالتنازل عن فهمهما للإسلام والتنصل عنه، فالإسلام في المنظور الشيعي يرتكز على الحق الإلهي والشرعي لإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، وبالتالي يقوم على رفض كل الخيارات التي لا تقوم على هذا الأساس، والإسلام في المنظور السني يعتقد إنَّ صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله)  وكل ما أنجزوه في التاريخ يمثل الفهم الأصيل للإسلام، وبكلا الفهمين لا يمكن أن تقبل الدعوى القائمة على تناسي أو تجاهل ما جرى في التاريخ، فتلك الدماء التي سفكت في التاريخ هي ذاتها الدماء التي تسفك اليوم، وهذا الصراع الراهن هو امتداد لذلك الصراع.

ويبدو أن العقدة الكبرى امام الوضع الثقافي المتحكم في الوسط الإسلامي، هو هيمنة التاريخ الذي مازال يتحكم في خياراتنا المعاصرة، فما دام أهل السنة ينظرون الى التاريخ كهوية إسلامية يؤدي الانفكاك عنها انَّفكاك عن الإسلام، وما دامت خيارات الأمة السياسية مستمدة من واقع التجربة التاريخية، وما دام الموقف من الحاكم محكوم برؤية دينية مستمدة من التاريخ أيضاً، لا يمكن ضمن هذه الهيمنة التاريخية أن نتأمل في صنع واقع تمليه علينا قناعاتنا وخياراتنا التي تفرضها علينا ضرورات الحياة الراهنة، ولا يمكن أن تحلم الأمة بمستقبل تتمتع فيه المنطقة بالاستقرار والتنمية، ولذلك من الضروري أن تكون هناك مواجهة تفتح فيها ملفات التاريخ من جديد، ودراستها ضمن السياق الذي تفرضه الضرورة المنهجية والأكاديمية بدون تحامل او تقديس، وحينها سوف تتمكن الأمة من تحقيق وعي خاص للإسلام، تكون قد ساهمت في صنعه وليس مجرد واقع موروث. وما لم تنجز الأمة هذه المهمة، سوف تستمر الأنظمة باللعب على هذه الاختلافات، فما لم نستطع أن نحسم الصراع التاريخي لا يمكن أن نحسم ما يجري في العراق وسوريا وغيرها من مواقع الاحتكاك الشيعي السني.

ومن هنا فإنَّ خيار الهروب من مواجهة التاريخ والتعفف عن تقييم ما وقع بين الصحابة، هو خيار خادع ومراوغ يتستر بالورع عما وقع بين الصحابة؛ وفي المقابل لا نجد هذا التورع فيما يقع اليوم بين المسلمين من صراع، فلا دمائهم سلمت من سيوفهم، ولا ألسنتهم كفت عن صب الزيت على النار، من تحريض وتكفير وإباحة دماء وأعراض، ومازالت تلك السيوف مشهورة في وجه بعضنا البعض، ولم تسلم الألسن من خلال هذا الضخ الإعلامي والتحريض الذي دخل كل بيت عبر شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي.

فمن يعتقد إنَّ بحث الإمامة قضية تاريخية فهو واهم؛ لإنَّ مواقف المسلمين الراهنة ليست سوى انعكاس لمواقفهم اتجاه ما دار في التاريخ، فالنظرة الموضوعية تقودنا حتماً للاعتراف بوجود تباين بين الشيعة والسنة، وهذا التباين لا ينتمي الى ثقافة تشكلت في القرن الواحد والعشرين، وإنَّما تمتد بجذورها الى تلك الثقافة التي بدأت بوادرها تتشكل في السقيفة، ثم في الثورة على عثمان، الى أن تباينت الخطوط وتمايزت في صفين، فثقافة الإنسان المسلم اليوم هي ذاتها ثقافة المسلم الذي كان في التاريخ، فالجميع ابناء الماضي الذي لا يمكن الهروب منه أو التستر عليه.

والاعتراف بهذه القضية يمثل الخطوة الأولى لفض الاشتباك الحاصل، ومن أجل نزع فتيل الأزمة بين جناحي العالم الإسلامي -الشيعة والسنة- لا بد أن ينزع سبب الخلاف بينهما من الأساس، وذلك لا يكون إلا من خلال البحث التاريخي الذي ينصف الإمام علي وأهل البيت (عليهم السلام) من خصومهم الذين حرفوا مسار الرسالة.

وبالجملة يمكننا إرجاع التباين المذهبي، والعقدي، والسياسي، بين الشيعة والسنة، الى التباين الذي حصل في التاريخ، ومازالت معالم هذا الصراع تتجذر كل يوم أكثر مما مضى، وقد حاول كل من الشيعة والسنة الدفاع عن رؤيتهم التاريخية وخياراتهم العقائدية والفقهية، وقد أُلفت كتب كثيرة في هذا الشأن، وبرغم ما وقع على الشيعة من تهميش واستبعاد، إلاّ إنَّهم قد تمكنوا من توضيح خياراتهم والدفاع عنها في عشرات الكتب التي كان لها الدور الكبير في توضيح الحقائق وكشف ما وقع في التاريخ من تزييف وانحراف.

2022/10/06

من السفارة إلى ’ مرجعية الفقهاء’.. الإمام العسكري يؤسس لـ ’ عهد جديد’!
نرفع أحرّ العزاء لمقام مولانا الإمام الحجةِ بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف) بمناسبة ذكرى استشهاد والده الإمام الحسن العسكري (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم).

 [اشترك]

الفصل الجديد: مرجعيّة الفقهاء

ونستثمر هذه المناسبة لنقرأ روايةً وردت عن الإمام العسكري (عليه السلام) أسَّس بها -وبمثلها- لفصلٍ جديد، وهي قوله (عليه أفضل الصلاة والسلام): "وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فإلى العوام أن يقلدوه"(1).

بهذه الكلمات وبمثلها أسَّس الإمام العسكري (ع) لفصلٍ جديد، هو مرجعية الفقهاء.

مرحلتي عصر الغيبة:

لقد كان الشيعة في عصر الظهور إذا ما انتابهم أمرٌ أو طرأَ لهم طارئ، أو وقعت قضية فإنَّهم يلجأون إلى الإمام الظاهر ليتعرَّفوا منه على وجه الحق، وليتعرَّفوا منه على ما هو الحكم الإلهي في هذه القضية أو تلك، فكان الإمام هو الموئل، وهو الملجأ، وهو المرجع في شؤون الدنيا وشؤون الدين، إلا أنَّ العناية والحكمة الإلهيّة قد اقتضت أنْ يغيب الإمام المعصوم بعد الإمام العسكري (ع)، لتبدأ مرحلةٌ جديدة في تاريخ الرسالات، وهي عصر الغيبة وقد مُرْحِلت هذه الحقبة بمرحلتين:

المرحلة الأولى: هي مرجعية النواب والسفراء.

المرحلة الثانية: هي مرجعية الفقهاء -دون تعيين وتشخيص وتحديد-.

وعُبِّر عن المرحلة الأولى بزمن الغيبة الصغرى، وعن المرحلة الثانية -والتي لا زالت إلى يومنا وإلى أن يقوم الإمام القائم (عج)- عُبّر عنها بزمن الغيبة الكبرى.

المرحلة الأولى: النيابة الخاصّة (الغيبة الصغرى)

الغيبة الصغرى كانت توطئةً وتمهيدًا للمرحلة الثانية، إذ لا يسع الناس ولا يسع الشيعة أن ينفصلوا انفصالاً تامَّاً عن إمامهم، بل لا بد مِن توطئة، ولا بدَّ من تمهيد، ولابدَّ من تهيئة -تهيئة النفوس، وتهيئة الأفهام، وتهيئة الظروف- كلُّ ذلك هو منشأ تقسيم عصر الغيبة إلى زمن الغيبة الصغرى، وزمن الغيبة الكبرى. ففي الغيبة الصغرى لم يكن الإمام منفصلاً عن قاعدته وعن شيعته انفصالاً تامَّاً، فقد كان بينه وبينهم وصلةٌ، وهم السفراء الأربعة (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين)، فبمجرد أن اضطلع الإمام الحجَّة (عج) بدور الإمامة بدأ عصر الغيبة، وعيّن الإمام سفيره الأول ليكون حلقة وصلٍ بينهُ وبين شيعته، وهو عثمان بن سعيد العمري(2)، ثم لما أنْ مضى إلى ربَه صدر توقيع شريف من الإمام الحجة (ع) يأمرُ فيه شيعته بأن يرجعوا إلى محمد بن عثمان بن سعيد العمري(3)، وهو السفير الثاني، ثم لمَّا أنْ رحل إلى ربِّه وبعد أن قام بدوره أحسن قيام، فكان هو -وكذلك وأبوه قبله- موئلاً ومرجعاً للشيعة، تقصده الشيعة من جميع أقطار الحواضر الإسلامية ترفعُ إليه قضاياها ومشكلاتها ومسائلها.

بعد أنْ رحل إلى ربِّه نهضَ بأعباء السفارة بأمرٍ من مولانا الحجَّة (عج) الشيخ حسين بن روح النوبختي(4) -قدس الله نفسه الزكية، وظلَّ حقبةً من الزمن يُمارس دوره، ويقوم به أحسن قيام، ثم لمَّا أنْ رحل إلى ربَه أوصى -بأمرٍ من الإمام الحجَّة (عج)- أن يليَ شأن السفارة والنيابة الخاصَّة الشيخ علي بن محمد السمري(5) -قدس الله نفسه الزكية-، ولم يمكث طويلاً، حيث لم تتجاوز مدة نيابته الثلاث سنوات، وحين قرب أجلُه خرج توقيعٌ شريف من مولانا الإمام الحجة (ع) كان فيه إنَّه من حين وصول هذا الكتاب إلى ستة أيام قادمة يموت السمري فالتوقيع الشريف قد اشتمل على تحديدٍ دقيق ليوم وفاة السمري؛ ليتوثَّق الشيعة من كون هذه الرسالة صادرة من الإمام(ع)، وكل رسائله كانت تشتمل على مثل هذه الأمور ليتوثق الشيعة من صدورها من الإمام الحجَّة-، وورد في هذا الكتاب أنَّه عندما يرحل هذا العبد الصالح إلى ربِّه تنقطع النيابة والسفارة، فمن ادَّعى المشاهدة قبل الصيحة، وقبل خروج السفياني فهو كذاب مفتر(6). وبهذا الخطاب، وبهذا التوقيع الشريف انقطعت السفارة والنيابة الخاصة، وبدأت مرحلةٌ جديدة، وفصلٌ جديد هو مرجعية الفقهاء.

فبعد أن كانت النيابة خاصة أصبحت النيابة عامة، ففي عصر الغيبة الصغرى كان يتم تحديد النائب للإمام (ع) في رجل بعنوانه، وبشخصه، ثم لما انتهى عصرُ الغيبة الصغرى أصبحت النيابة تُعرف بمجموعة من الضوابط، فإذا ما توفَّر عليها أحد -أيَّاً كان جنسه، وعرقه، ولغته، وموقعه الاجتماعي- فإنه يكون الموئل والمرجع لشيعة آل محمد (صلى الله عليهم أجمعين)، وهذا هو معنى قول الإمام (ع): "وأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه .."(7).

فهي ضوابط عامَّة يمكن انطباقها على أيِّ أحدٍ بقطع النظر عن هويته أو قل هي ملكات، إذا توفَّر عليها أحدٌ كان له منصب النيابة العامة للإمام الحجة(ع)، وكان له منصب المرجعية الدينية، وهي أن يكون: فقيهًا، صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه. فكلُّ من اشتمل على هذه السمات -بمستوى المَلَكَة- فهو المرجع.

وهنا نتحدث عن هذه الصفات بشيءٍ من التفصيل، ونبدأ بالصفة الأولى ونُرجئ الباقي إلى ما بعد:

الصفة الأولى.. الفقاهة: "وأما مَن كان من الفقهاء"، مفاد هذه الفقرة هو انَّ أحدًا لا يتأهَّل لمقام المرجعية حتى يكون فقيهاً، فلا يكفي أن يكون ورعاً، تقياً، زاهدًا، عاقلاً، حكيماً، فكلُّ ذلك لا بدَّ من توفُّره، ولكن قبلها يلزم أن يكون الرجلُ الذي تُناط به المرجعية فقيهاً.

من هو الفقيه؟

الفقاهة -بنحو الاجمال-: هي مَلَكة يقتدر بها الواجد لها على استنباط واستخراج الحكم الشرعي من مصادره -الكتاب وسنة الرسول (ص) وأهل بيته (عليهم أفضل الصلاة والسلام)-. فمَن كان واجداً لهذه الملكة، وكان قادراً على استنباط الأحكام الشرعية من مظانَّها ومصادرها فهو الفقيه.

مؤهلات الفقيه:

بطبيعة الحال لا يتيسر لكلَّ أحد أن يتعرَّف على الحكم الشرعي بمجرد ملاحظته للكتاب، وليس كُلُّ مَنْ اطلع على سُنَّة الرسول (ص) وما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) يكون قادراً على التعرُّف على الحكم الشرعي منها، بل يتعيَّن عليه أن يتوفر على عددٍ من المؤهلات، وعندئذٍ يكون قادراً على الاستنباط. لذلك يذكر الفقهاء أنه يحتاج مَن يريد أن يصل إلى مرتبة الفقاهة إلى أن يستوعب مجموعة من العلوم، ويكون عارفاً بها معرفةَ المتخصِّص، ومعرفة ذي الملكة فيها، ومن تلك العلوم:

أن يكون عارفاً باللغة العربية بجميع شعبها، محيطاً بدقائقها، فلا بد أن يكون عارفاً بالنحو، والصرف، والبلاغة، والبيان، وعلم المعاني، ولابد أن يكون عارفاً بضوابط أهل المحاورة من أهل اللغة، وكيفية استظهار المعنى من النص. هذا هو العلم الأول، بشُعبه، وعلى ما هو عليه من عمقٍ ودقة. ولابد أن يكون أيضاً عارفاً بعلم المنطق، وضوابطهِ وقواعده.

ومن العلوم التي يجب أن يكون واجداً لها هو علم الرجال، وهو علم واسع، يشتمل على كليات وضوابط، وعلى خصوصيات تتم مراجعتها من خلال ملاحظة كتب الجرح والتعديل، والكتب التي تصدت لبيان طبقات الرجال، وأحوالهم، وشؤونهم، وتواريخهم. وكذلك علم الدراية والحديث، وهو علم يُبحَثُ فيه عن متن الحديث وسنده ويتميَّز به الحديث المقبول من الحديث المردود.

وثمة علم آخر، وهو علم التفسير، فلا بدَّ أن يكون عارفاً بتفسير كتاب الله تعالى، وبما هو مشتمل عليه من الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمجمل، والمبيّن والمتشابَه، وأسباب النزول.

كذلك يجب أن يكون عارفاً بعلمٍ هو من أدقُّ هذه العلوم وأوسعها، وهو علم الأصول، وأن تكون معرفته بعلم الأصول -أصول الفقه- معرفة ذي الرأي والملكة. ولابد مضافًا إلى كلَّ ذلك من الإحاطة بالفروع الفقهية على سعتها.

كل هذه العلوم إذا ما توفر عليها أحدٌ -أياً كان فلا شأن لنا بلغته، وبجنسه، وبعرقه، وبموقعه- فإنَّه يكون فقيهاً، لكنه قد لا يكون مرجعاً، فالمرجعية أيضاً تحتاج إلى أن يتوفر على بقيَّة الصفات التي أفادها الإمام العسكري (سلام الله تعالى عليه).

لماذا يجب أن يتعين على الفقيه أن يكون واجداً لكلِّ هذه العلوم؟

باختصار شديد: الجهد الجهيد الذي يبذله طالب العلم في تحصيل هذه العلوم تكون نتيجته هي القدرة على فهم كتاب الله، وسنة رسوله (ص)، وكلمات أهل البيت (ع). فما لم يكن عارفًا بهذه العلوم فإنَّ فهمه لمصدري التشريع لن يكون تامًا، وهذه العلوم تسترعي من طالب العلم أن يقضي عمره الطويل ليصل إلى هذه المرتبة، وهي مرتبة فهم كتاب الله وسنة نبيِّه (ص) وكلام أهل البيت (ع).

والعجيب "وإن عشتَ أراكَ الدهرُ العجيبَ" أن يأتي أحدهم قد قرأ مجلة، وقرأ جريدة، وقرأ كتابًا من هنا وكتابًا من هناك ثمَّ يُفتي ويستظهر، ويقول هكذا أفهم، وهذا رأيي، وهذه وجهة نظري!! فأيُّ فرقٍ بين هذا وبين مَن يتصدى لتشخيص الأمراض ووصف الدواء وهو لا يُحسن من الطب إلا بمقدار ما قرأه في الصحف والكتب المتداولة في الأسواق، فكما يعدُّ المتصدِّي لذلك على غير أهلية متقمَّصًا لغير ردائه بنظر العقلاء، ويعدُّ مَن يقبل بتشخيصه ووصفه للدواء سفيهًا بنظر العقلاء فكذلك ينبغي أنْ يُعدّ من يدعي فهم كتاب الله وسنة نبيِّه (ص) على غير أهلية.

ومع الأسف فإنَّ هناك الكثير من هؤلاء، مِمَّن يتصدى ويقول هذا رأيي، وهذا ما أفهمه وتلك هي من مهازل هذا الزمن.

تنويه:

وقبل أنْ نختم الحديث نريد أن نشير إلى أمرٍ كثيراً ما يتداوله الناس، وهو لماذا لا يُفتي الفقهاء بكذا؟ ولماذا يحرم الفقهاء هذا؟ ولماذا يحللون ذاك؟ ولو كنتُ فقيهاً لأبحتُ كذا، ولحرّمت كذا!

كثيراً ما يصدر هذا من الناس، وهو ناشئ عن جهلهم بواقع حال المسألة، وما هي المساحة التي يستطيع الفقيه أن يتحرَّك في إطارها، فالفقيه ليس له أن يفتي من رأيه، أو أن يُحَكِّم ذوقه، أو فهمه، فالفقيه ما هو إلا مُعرِّف للناس بمفادات الكتاب والسنة وكلام أهل البيت (عليهم السلام)، فليس له أن يُفتي بما يستحسنه أو يستحسنه الناس، فكلُّ ما يصدر عن الفقهاء إنَّما هو مقتضى ما فهموه من المصادر التشريعية، وليس لهم أن يُفتوا بغير ما تقتضيه ضوابط الفهم لمصادر التشريع.

الهوامش:

1- وسائل الشيعة ج27 / ص131 / كتاب القضاء باب 10 من أبواب صفات القاضي / ج20.

2- لاحظ الغيبة -الشيخ الطوسي- ص353.

3- لاحظ الغيبة -الشيخ الطوسي- ص359.

4- الغيبة -الشيخ الطوسي- ص367.

5- الغيبة -الشيخ الطوسي- ص393.

6- الغيبة -الشيخ الطوسي- ص395.

7- وسائل الشيعة ج27 / ص131.

2022/10/05

ما هي شروط الخلافة الإسلامية في التصور الشيعي؟!
درج استخدام الخلافة الإسلامية كمصطلح للإشارة لنظام الحكم بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله)، حيث كان يسمى من يتصدّى لإدارة شؤون المسلمين بعد رسول الله بالخليفة، وعليه فإن الخلافة الإسلامية ضمن هذا التصور ليس لها شروط خاصة غير أن يكون الخليفة من قريش، فكل من تهيئت له الظروف وتمكن من بسط نفوذه أصبح خليفة المسلمين وأمير المؤمنين.

[اشترك]

وقد عاشت الأمة بالفعل تحت إدارة قريش وفي ظل الخلافة الإسلامية تسعمئة سنة، وفي هذه الفترة اكتسبت الأمة وعيها الديني وتشكلت مفاهيمها الإسلامية، ولم يكن من المسموح أبداً لهذه الأمة أن تفكر خارج حدود السلطة الحاكمة، فكانت البيعة للخليفة فرض، والسمع والطاعة له واجب، ومن خرج على ذلك قتل بسيف الإسلام، كما حدث لأهل المدينة من مجازر واستباحة للحرمات، وكما هدمت الكعبة على رؤوس المسلمين، وكما قتل الحسين بن علي (عليه السلام) في كربلاء، وقتل الكثير من كبار الصحابة صبراً أمثال حجر بن عدي وسعيد بن جبير وآخرين، فلم ينعم المسلمون طوال هذه الفترة الطويلة بإسلامهم دون أن يكون على رأسهم خليفة يسوسهم وحاكم يتسلط عليهم، فتشبعت الأمة بذلك وربيت عليه ودرجت فيه حتى أصبح الحالمون بحكم الإسلام اليوم لا يرون سوى تلك الصورة التي حشيت بها كتب التراث وتفنن العلماء والفقهاء في نسج التبريرات الثقافية والفكرية لها، فبات من الصعب على المسلم أن يقارب الخلافة في التاريخ مقاربة سياسية بعيدة عن الدين والعقيدة، برغم إنَّ مجريات الاحداث السياسية تدل على أن الخلافة كانت فعلاً سياسياً بامتياز، فلم تكن سقيفة بني ساعدة- وهي الخطوة الأولى في مشروع الخلافة- ولا آخر حكام بني العباس، يمثل فعلاً دينياً له علاقة بجوهر الإسلام وتعاليمه، إنَّما هي السياسة التي مورست بكل أشكالها وأدبياتها.

وعليه فإن التقييم العام للمسار السياسي للإسلام يقودنا إلى وجود تصورين، الأول: يمثل الرؤية السياسية داخل المدرسة السنية. والثاني: يمثل المدرسة الشيعية. حيث يعتقد السُنة إنَّ ما أُنجز ووقع بالفعل من خيار سياسي بعد وفات رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمثل الرؤية السياسية في الإسلام، ولذلك تموضع الفكر السُني وبنى تفكيره العقدي والسياسي بما يتماشى مع واقع الخلافة تاريخياً، وأصبح الحاكم يتمتع بقداسة خاصة يكتسبها من كونه خليفة رسول الله أو امير المؤمنين، وتم ربط ذلك بالعقيدة الإسلامية حيث يتهم بالردة كل من يخالف الخلفاء، ومازالت الأمة تتوارث هذه القداسة الى درجة أصبحت خط الدفاع الأول عند السنة، ولا يحق للمسلم مجرد البحث أو التقييم لهذه التجربة، فمن الممكن أن يتهاون أهل السنة مع اليهود والنصارى حتى وإن كانوا يشككون في أصل الإسلام، إلا أنهم لا يتهاونون أبداً مع الشيعة، والسبب في ذلك هو التشكيك الذي يتبناه الفكر الشيعي لتلك التجربة التاريخية ومدى مصداقية تمثيلها للإسلام، فالرؤية الشيعية تعمل على زعزعة الإسلام الذي عملت الخلافة الإسلامية على تصويره، فعدم قبول الشيعة لخلافة أبي بكر وعمر وعثمان هي السبب الحقيقي وراء تكفير الشيعة واخراجهم عن دائرة الإسلام.

أما الرؤية السياسية الشيعية فقد كانت تسير عكس الواقع المفروض على المجتمع الإسلامي تاريخياً، وقد قدمت تصورها الخاص الذي ينطلق من فكرة الإمامة القائمة على النص والتعيين، والبعد العقدي لهذه الفكرة هو إنَّه لا يمكن صناعة نظام للحكم ومن ثم فرضه بوصفه تعبيراً عن إرادة الله طالما لم يكن بأمر الله وتعيينه، وعليه فشرط الخلافة الإسلامية في التصور الشيعي يقوم على ركيزة واحدة وهي أن الخليفة هو الامام المعصوم الذي يقوم الله ورسوله بتعيينه وتنصيبه، ومن هنا يعتقد الشيعة إنَّ إمامة أهل البيت التي نص عليها القرآن وأكد عليها الرسول هي الامتداد الحقيقي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبالتالي يمكننا القول إنَّ الرؤية السياسية عند الشيعة كانت سابقة لما حدث وأُنجز في الواقع التاريخي من نظام سياسي، بل انطلقت من النص لفهم المسار السياسي للرسالة، فضمن حدود هذه الرؤية انفتحت على الواقع التاريخي ببصيرة نقدية حاكمت  كل التجارب التي قد تتصادم مع هذه الرؤية، ومن أجل ذلك لم يتساهل التشيع مع سقيفة بني ساعدة كخيار يتحكم في مسير الرسالة، وجاهر أئمة الشيعة برفضهم لتلك الخلافة، فأمير المؤمنين (عليه السلام)، امتنع عن بيعة الخليفة الأول أبي بكر نحو ستة أشهر بحسب رواية البخاري ومسلم، وعندما جاءته الفرصة الأولى، وعرض عليه عبد الرحمن بن عوف الخلافة، بشرط أن يسير بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر، لم يقبل ولو ظاهرياً ومجاملة، وأعلن رفضه المدوّي بقوله: كتاب الله وسنة الرسول نعم، أما سيرة الشيخين فلا.

ومن هنا يمكننا الجزم بإنَّ الخيار الذي تسلم زمام الأمور، وانقاد له الواقع السياسي للأمة، ولَّد تصوراً وفهماً خاصاً للإسلام، يتباين في كثير من الموضوعات والعناوين مع التصور الذي أنتجه الخيار الثاني وهو خيار المعارضة والانتصار لحق أهل البيت في القيادة والحكم، ومن أهم الملامح التي امتاز بها الخيار الإسلامي الذي اصطف مع السلطة هو التأقلم مع أي نظام سياسي والتبرير لأي حاكم، وقد اكتسب هذه الميزة من نظرته المثالية للتاريخ برغم ما حدث فيه من تناقضات وتباينات، حيث لم يعترفوا بأي فوارق بين الإسلام الذي يتبناه الإمام علي والحسين (عليهم السلام)، وبين الإسلام الذي يتبناه معاوية ويزيد، فالاعتراف بهذا التباين هو نوع من الاصطفاف مع اتجاه ضد الاتجاه الآخر، ومع إنَّ أهل السنة قد ناصروا بالفعل خط الخلفاء ولم يسمحوا بنقدهم والتعرض لهم، إلاّ إنَّهم في الوقت نفسه قد تعاطفوا مع أهل البيت لما لهم من مكانة خاصة عند رسول الله، ولذلك حاولوا التنكر على وجود أي نوع من أنواع الصراع بين علي وأصحاب السقيفة، ولم يسمحوا لأنفسهم أو لغيرهم الحديث او التعرض للحروب التي دارت بين علي وبعض الصحابة بوصفها فتنة يجب الإمساك عن التعرض لها، ومن هنا كانت كربلاء ضرورة ملحة لهز ضمير الأمة وتنبيهها لواقع الإسلام الذي تعمل السلطة على تزييفه.

ومن هنا فإن الخلافة الإسلامية في التصور الشيعي هي حق خاص لأهل البيت (عليهم السلام)، حيث يعتقد الشيعة بإنَّ مسؤولية الإمامة وقيادة الأمة بعد وفاة رسول لله مسؤولية تحددها النصوص الدينية، ومن هنا انطلق هذا الخيار في فهمه للإسلام من واقع النص المتمثل في القرآن وأحاديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) التي أمرت الأمة بضرورة الرجوع إلى أهل البيت، كما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحديث المتواتر عند السنة: أني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فتمسك الشيعة بإمامة أهل البيت وانقطعوا لهم، بوصفهم النخبة المسؤولة عن الرسالة وهمومها المستقبلية، وقد أعدهم الرسول الاكرم وأشرف على تأهيلهم للقيام بهذا الدور، وبيّن فضلهم ومكانتهم للأُمّة، فطهرهم الله من الرجس دون غيرهم، وأوجب على الأمة مودّتهم.

وقد كان لهذا التصور رؤية سياسية معاكسة، فبينما تبنت السلطة السياسية الخيار السني وهو بدوره تأقلم معها واحتمى بها، وجد هذا الخط نفسه بسبب فهمه للإمامة في حالة من المعارضة وعدم الاعتراف بكل الأنظمة التي حكمت وما زالت، ومن هنا كانت علاقاته متوترة مع كل الأنظمة التاريخية، وفي الفترات التي كانت تشهد العلاقة نوع من التهدئة كان الشيعة يشكلون نظامهم الخاص داخل تلك الدول التي تغض الطرف عنهم خوفاً من تمردهم، وانعكس هذا التباين بين الخطين في أدبياتهم الثقافية ورؤيتهم العقائدية ونظمهم الاجتماعية، فالمجتمع السني ينتظم ضمن هيكلية الدولة وإداراتها من منطلق شرعي قائم على وجوب السمع والطاعة للحاكم، كما تتبنى الدولة إدارة الشؤن الدينية، من تعيين مفتي عام، ووزيراً للأوقاف والحج، وديواناً للزكاة، مضافاً لبناء المساجد، ورعاية المدارس والمعاهد الدينية، وتعيين الخطباء وتحديد ما يقولونه من خطب الجمعة والأعياد، وما زال هذا الوضع الذي امتد منذ أيام الخلافة وإلى الآن.

أما المجتمعات الشيعية فتعيش ضمن إطار خاص، لا يعترف بشرعية الدولة، ولا يدين لها بالسمع والطاعة، لو حصل ذلك لا يكون مبرراً برؤية شرعية، وإنَّما بحسب ما يقتضيه الظرف السياسي، وبخاصة في حالات الإكراه والخوف. وقد عاش الشيعة هذا الوضع المضطرب منذ التاريخ وإلى الآن وقدموا الكثير للحفاظ على هذه الخصوصية.

ولكي تكتمل رؤية الشيعة حول الإمامة والخلافة نورد رواية طويلة عن الإمام الرضا (عليه السلام) تبين معنى الإمامة ووظيفتها واهميتها، ففي الكافي للكليني، وعيون أخبار الرضا للصدوق عن عن عبد العزيز بن مسلم قال: كنا في أيام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو، فاجتمعنا في مسجد جامعها، في يوم الجمعة في بدء مقدمنا، فأدار الناس أمر الإمامة وكثرة اختلاف الناس فيها، فدخلت على سيدي ومولاي الرضا (عليه السلام) فأعلمته ما خاض الناس فيه ، فتبسم (عليه السلام) ثم قال: يا عبد العزيز جهل القوم وخُدعوا عن أديانهم، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يقبض نبيّه حتى أكمل له الدين، وأنّزل عليه القرآن فيه تفصيل كلّ شيء بيّن فيه الحلال والحرام والحدود والأحكام وجميع ما يحتاج اليه الناس كملاً – أي تاماً كاملاً – فقال عَزّ وجَلّ:(مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ)، وأنّزل في حجّة الوداع وهي آخر عمره(صلى الله عليه وآله) (اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلاَمَ دِينًا)

وأمر الإمامة من تمام الدين، ولم يمضِ (صلى الله عليه وآله) حتّى بيّن لاُمّته معالم دينهم وأوضح لهم سبيلهم، وتركهم على قصد سبيل الحق، وإقام لهم علياً (عليه السلام) علماً وإماماً، وما ترك شيئاً تحتاج اليه الأمة إلاّ بيّنه، فمن زعم إنَّ الله لم يكمل دينه فقد ردّ كتاب الله عَزّ وجَلّ، ومَن ردّ كتاب الله تعالى فهو كافر.

هل يعرفون قدْر الإمامة، ومحلها من الأمة فيجوّزون فيها اختيارهم، إنَّ الإمامة أجل قدراً وأعظم شأنا وأعلى مكاناً وأمنع جانباً وأبعد غوراً مِن إنَّ يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم أو يقيموا إماماً باختيارهم.

إنَّ الإمامة خصَّ الله بها إبراهيم (عليه السلام) بعد النبوة، والخِلّة مرتبة ثالثة وفضيلة شَرّفَهُ بها وأشاد بها ذكره، فقال عَزّ وجَلّ:(أني جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، فقال الخليل (عليه السلام) سروراً بها:(وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)، قال الله عَزّ وجَلّ: (لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).

فأبطلت هذه الآية إمامة كل ظالم إلى يوم القيامة، وصارت في الصفوة، ثم أكرمه الله عَزّ وجَلّ بإنَّ جعلها في ذريته أهل الصفوة والطهارة، فقال عَزّ وجَلّ: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاً جَعَلْنَا صَالِحِينَ(72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا البهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإقام الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكانوا لَنَا عَابِدِينَ).

فلم تزل في ذريّته يرثها بعض عن بعض قرناً فقرناً حتى ورثها النبي (صلى الله عليه وآله) فقال الله عَزّ وجَلّ: (إنَّ أولى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَالله وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)، فكانت له خاصة فقلّدها علياً بأمر الله عَزّ وجَلّ على رسم ما فرضها الله، فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله عَزّ وجَلّ: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ).

فهي في ولد علي خاصة إلى يوم القيامة إذ لا نبيّ بعد محمّد (صلى الله عليه وآله)، فمن أين يختار هؤلاء الجهال؟

إنَّ الإمامة هي منزلة الأنبياء وارث الأوصياء، إنَّ الإمامة خلافة الله عَزّ وجَلّ، وخلافة الرسول ومقام أمير المؤمنين وميراث الحسن والحسين.

إنَّ الإمامة زمام الدين، ونظام المسلمين، وصلاح الدنيا، وعزّ المؤمنين.

إنَّ الإمامة أسُّ الإسلام النامي وفرعه السامي.

الإمام الدال على الهدى والمنجي من الردى، بالإمام تمام الصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد وتوفير الفيء والصدقات وإمضاء الحدود والأحكام، ومنع الثغور والأطراف، الإمام يُحل حلال الله ويحرّم حرام الله ويقيم حدود الله ويَذبّ عن دين الله ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، والحجة البالغة، الإمام كالشمس الطالعة للعالم وهي بالأفق بحيث لا تنالها الأيدي والأبصار، الإمام البدر المنير والسراج الزاهر والنور الساطع والنجم الهادي في غياهب الدجى والبيد القفار ولجج البحار، الإمام الماء العذب على الظماء والدال على الهدى والمنجي من الردى، والإمام النار على اليفاع – اليفاع ما أرتفع من الأرض – الحار لمن اصطلى به والدليل في المهالك، ومَن فارقه فهالك، الإمام السحاب الماطر والغيث الهاطل، والشمس المضيئة والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، والعين الغزيرة والغدير والروضة، الإمام الرفيق والولد الرقيق والأخ الشفيق، ومَفزع العباد في الداهية، الإمام أمين الله في أرضه وحجّته على عبادهِ وخليفته في بلاده، الداعي إلى الله والذاب عن حَرم الله، الإمام المطهر من الذنوب المبرّأ من العيوب، مخصوص بالعلم موسوم بالحلم نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد له بدل ولا له مثل ولا نظير، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه له ولا اكتساب بل اختصاص من المُفَضّل الوهاب.

فمن ذا الذي يبلغ معرفة الإمام ويمكنه اختياره؟ هيهات هيهات ضلّت العقول وتاهت الحلوم حارت الألباب وَخَسِئت العيون وتصاغرت العظماء وتحيّرت الحكماء وتقاصرت الحلماء وحصرت الخطباء وجهلت الألباب وكلّت الشعراء وعجزت الأدباء وعييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه أو فضيلةٍ من فضائله فاقرّت بالعجز والتقصير، وكيف يوصف بكلّه أو ينعت بكنهه، أو يفهم شيء من أمره، أو يوجد مَنْ يقام مقامه، ويغني غناه، لا، كيف وإنَّى وهو بحيث النجم من أيدي المتناولين ووصف الواصفين.

فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول عن هذا؟ وأين يوجد مثل هذا؟ أظنّوا إنَّ يوجد ذلك في غير آل الرسول؟ كَذّبتهم والله أنفسهم ومنّتهم الباطل، فارتقوا مرتقىً صعباً دحضاً، تزّل عنه الى الحضيض أقدامهم، راموا إقامة الإمام بعقول بائرة ناقصة، وآراء مُضِلّة، فلم يزدادوا منه إلاّ بعداً: (قَاتَلَهُمْ الله إنَّى يُؤْفَكُونَ)، لقد راموا صعباً وقالوا إفكاً، و(ضَلُّوا ضَلاَلاً بَعِيدًا)، ووقعوا في الحيرة، إذ تركوا الإمام عن بصيرة (وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَإنَّ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكانوا مُسْتَبْصِرِينَ).

ورَغِبوا عن اختيار الله واختيار رسوله إلى اختيارهم، والقرآن يناديهم (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كان لَهُمْ الْخِيَرَةُ سُبْحَإنَّ الله وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

وقال عَزّ وجَلّ: (وَمَا كان لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا إنَّ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا).

وقال عَزّ وجَلّ: (مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا يَخَيَّرُونَ * أَمْ لَكُمْ إيمان عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ * سَلْهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ(40) أم لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إنَّ كانوا صَادِقِينَ).

وقال عَزّ وجَلّ: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، أمْ (طُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ)، أمْ (قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ * إنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ الله الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ)، و(قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا)، بل هو (فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَالله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

فكيف لهم باختيار الإمام؟ والإمام عالم لا يجهل، وراعٍ لا ينكل، معدن القدس والطهارة والنسك والزهادة والعلم والعبادة، مخصوص بدعوة نسل المطهرة البتول، لا مغمزّ فيه في نسب، ولا يدانيه ذو حَسَبْ، فالنسب من قريش، -وفي نصٍ-: فالبيت من قريشٍ والذروة من هاشم والعترة من آل الرسول والرضا من الله عَزّ وجَلّ، شرف الأشراف والفرع من عبد مناف، نامي الحلم، مُضْطلَعْ بالإمامة عالم بالسياسة، مفروض الطاعة، قائم بأمر الله عَزّ وجَلّ، ناصح لعباد الله، حافظ لدين الله.

إنَّ الأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم يوفّقهم الله ويؤتيهم من مخزون علمه وحكمه ما لا يؤتيه غيرهم، فيكون علمهم فوق كلّ علم أهل زمانهم – فإنَّظر – في قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ إنَّ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَ إنَّ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).

وقوله عَزّ وجَلّ: (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَ أولوا الأْلْبَابِ)، وقوله عَزّ وجَلّ في طالوت: (إنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

وقال عَزّ وجَلّ لنبيّه (صلى الله عليه وآله): (وَكان فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيمًا).

وقال عَزّ وجَلّ في الأئمة من أهل بيت نبيّه وعترته وذّريته: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا).

وإنَّ العبد إذا اختاره الله عَزّ وجَلّ لأمُور عباده شرح الله صدره وأودع قلبه ينابيع الحكمة وألهمه العلم إلهاماً فلمْ يعي ""أي يعجز"" بعده بجواب، ولا يحيد فيه عن الصواب وهو معصوم مؤيد موفق مسدد، قد أمِنَ الخطايا والزلل والعثار، يخصه الله بذلك ليكون حجته على خلقه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم). (أصول الكافي، الكليني، ج 1 ص 489).

2022/09/21

هل يرى ويسمع الميت أهله عند زيارتهم لقبره؟
لا شك في أن الميت يسمع كلام من تكلم معه سواء كان المتكلم معه أهله أم غيرهم وسواء كان الميت مؤمنا أم كافرا، فقد ورد ذلك في كثير من الأخبار التي سأتعرض الى ذكرها في الختام.

[اشترك]

وسيتضح الجواب أكثر لو فهمنا حقيقة الموت.

 فهل الموت نهاية الإنسان ام هو بداية لحياة جديدة تختلف عن الحياة الدنيا؟.

إن حقيقة الإنسان وجوهرة في روحه لا في بدنه الفاني، والموت يمثل عملية انتقال الروح من عالم الدنيا والمادة إلى عالم آخر نسميه بعالم البرزخ.

وعالم البرزخ هو العالم الذي تحل فيه أرواح البشر بعد ترك هذه الدنيا، فتدخل أجساماً لطيفة سامية عن آثار هذه المادّة القذرة، إلاّ أنّها على شكل أجسامنا، ويقال لكلّ منها (الجسم المثالي) وهو ليس مجرداً تمام التجريد، ولا هو ماديّاً محضاً. إنّه يمتاز بتجرّد برزخي معيّن، وشبّهه بعضهم بما عليه الروح في أثناء ما يراه النائم، إذ تسرّ الروح رؤية النعم، وتعذّبها مشاهدة المناظر المؤلمة، ولذلك أثّر في جسمنا هذا، إذ نبكي عند رؤية حلم مزعج، ونفزع مذعورين من هول ما نرى، أو نضحك من أعماقنا من طرافة ما نحلم به في نومنا. تفسير الأمثل - مكارم الشيرزي (ج10/ص512)       

قال تبارك وتعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الزمر:42).

وواضح من الآية المباركة أن الموت هو عملية استيفاء وقبض وليس إعدام وإفناء.

ومعنى ذلك أن روح الإنسان تبقى حية بعد موته وخروجها من البدن ودخولها عالم البرزخ، ولازم ذلك أن العقل والإدراك لا زالا موجودين.

قال تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس:26ـ27)

فان الآية صريحة ان التمني كان في عالم البرزخ، لأنه لو كان في عالم الاخرة لما كان من معنى للتمني لان قومه قد علموا جزما.

اذن هنالك إدراك وعقل للموتى في عالم البرزخ وهم يسمعون كلامنا جزما وقد دلت الاخبار على ذلك.

فقد روى الشيخ عن عقبة بن خالد قال: سألت ابا عبد الله(ع) ... ثم مررت بقبور الشهداء فاقمت عندهم فقلت:(السلام عليكم يا أهل الديار انتم لنا فرط وانا بكم لاحقون). تهذيب الاحكام - الشيخ الطوسى (ج6/ص17)

ولازم السلام ان المُسلَّم عليهم وهم الموتى يسمعون السلام، والا لم يكن من معنى للسلام على موجود لا يسمع ولا يدرك السلام.

  وروى الحميري عن الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، في السلام على أهل القبور: "" السلام عليكم يا أهل الديار من قوم مؤمنين ورحمة الله وبركاته، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، رحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، وإنا لله وإنا إليه. قرب الاسناد للحميري (ج7/ص14)

وروى الطبري ان رسول الله صلى الله عليه واله وقف على القليب يوم بدر فقال : « يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا أبا جهل بن هشام ، يا فلان ، يا فلان ، والذي نفس محمد بيده ، إنهم يسمعون كلامي الآن ».  مسند عمر بن الخطاب من تهذيب الآثار للطبري (ج2/ص487)

وهنا يقسم رسول الله صلى الله عليه واله وهو الصادق المصدق بان الموتى يسمعون كلام من سلم عليه، حتى انه صلى الله عليه واله قل لبعض من معه حينما سأله عن هؤلاء الموتى هل يسمعون السلام قال: (ام انت باسمع منهم لكلامي).

قال ابن عربي: 

وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قِيلَ لَهُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ: أَتُكَلِّمُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا؟ فَقَالَ: مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ» أحكام القرآن لابن العربي ط العلمية (ج2/ص384)   

وغيرها من الروايات الكثيرة التي حرص أئمة الهدى عليهم السلام تأديب شيعتهم على كيفية زيارة الموتى وان يسلموا عليهم بقولهم ( السلام عليكم يا اهل الديار ...) .

ولا شك ان هذا السلام ليس المعني به خصوص القبور القريبة من الزائر بل جميع الموتى الموجودين في المقبرة وان بعدوا وهذا دليل على انهم يسمعون بأرواحهم العاقلة وان عالم البرزخ يختلف عن عالمنا فهو خارج عن قانون الزمان والمكان.

ويشهد لذلك أيضاً جواز السلام والدعاء بصوت منخفض بل وان أضمر السلام، لعدم اشتراط رفع الصوت وإيصاله للجميع أو التنقل وإعادة السلام والدعاء ليشمل جميع أموات تلك المقبرة.

اما ما يرجع الى الرؤية، وان الموتى يرون من زارهم، فلم اعثر على رواية تؤيد هذا المعنى في كتب الفريقين.

2022/08/30

الموت في الحوادث.. هل هو من الأجل وهل يتقدّم ويتأخر؟!
يتعرض بعض الناس إلى حوادث مثل حوادث سيارات وقتل متعمد وما إلى ذلك هل لهذه الحوادث تأثير بتقديم الأجل أو تأخيره. هل كل هذه مكتوبة على الإنسان؟ واذا كانت مكتوبة فكيف يحاسب القاتل لأنه قتل؟

[اشترك]

النقطة الأولى: لكل إنسان أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف.

والأجل المحتوم: فهو الذي في علم الله وأم الكتاب، وهو غير قابل للزيادة والنقصان، وإليه الإشارة في قوله تعالى: {وإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.} والمراد هنا الأجل المحتوم.

وأما الأجل الموقوف: ويسمى بالمعلق أيضاً، وهو المكتوب في لوح المحو والإثبات، ومن المعلوم أنه قابل للتغيير والتبديل، بالتقديم والتغيير.

والدليل على وجود أجلين: الآيات والأحاديث:

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام 2]

روى الكليني بسند موثق عن حمران، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: {قضى أجلا و أجل مسمى عنده} قال: هما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف. (الكافي للكليني: 1 / 147).

وروى العياشي عن حسين عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله: {قضى أجلا وأجل مسمى عنده } قال: الأجل الأول هو ما نبذه إلى الملائكة والرسل والأنبياء، والأجل المسمى عنده هو الذي ستره الله عن الخلايق. (تفسير العياشي: 1 / 355).

وغيرها من الروايات الناصة على تعدد الأجلين.

وقال تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [فاطر 11]

فالعمر قابل للزيادة والنقصان بنص الآية الكريمة، ويدل عليه الروايات:

روى الكليني بسند صحيح عن إسحاق بن عمار قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلا صلة الرحم، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولا للرحم، فيزيد الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة، ويكون أجله ثلاثا وثلاثين سنة، فيكون قاطعا للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة، ويجعل أجله إلى ثلاث سنين. (الكافي للكليني: 2 / 153).

قال المجلسي معلقاً على فقرة: "ما نعلم شيئاً يزيد في العمر إلا صلة الرحم": ولعله محمول على المبالغة، أو هي أكثر تأثيرا من غيرها، وزيادة العمر بسببها أكثر من غيرها، أو هي مستقلة في التأثير وغيرها مشروط بشرائط، أو يؤثر منضما إلى غيره، لأنه قد وردت الأخبار في أشياء غيرها من الصدقة والبر وحسن الجوار وغيرها أنها تصير سبباً لزيادة العمر. (مرآة العقول: 8 / 373).

ومن الأشياء التي تصير سبباً لزيادة العمر: زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) حيث روى ابن قولويه بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: مروا شيعتنا بزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، فان إتيانه يزيد في الرزق ويمد في العمر ويدفع مدافع السوء، واتيانه مفترض على كل مؤمن يقر للحسين بالإمامة من الله. (كامل الزيارات لابن قولويه، ص284).

وروى البخاري بسنده عن أنس بن مالك قال سمعت رسول الله (ص) يقول: من سره ان يبسط له رزقه أو ينسأ له في اثره فليصل رحمه. (صحيح البخاري: 3 / 8).

ويُنسَأ: أي: يؤخر، في أثره: أي: في أجله. (لاحظ فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 10 / 348، شرح صحيح مسلم للنووي: 16 / 114).

قال الحافظ ابن حجر: وعند أحمد بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعا: صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار. (فتح الباري: 10 / 348).

قال ابن تيمية: والأجل أجلان "" أجل مطلق ""يعلمه الله "" وأجل مقيد ""وبهذا يتبين معنى قوله (ص) من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه.  فإن الله أمر الملك أن يكتب له أجلا وقال : "" إن وصل رحمه زدته كذا وكذا ""  والملك لا يعلم أيزداد أم لا؛ لكن الله يعلم ما يستقر عليه الأمر فإذا جاء ذلك لا يتقدم ولا يتأخر. (مجموع الفتاوى لابن تيمية: 8 / 517).

 الخلاصة: هذه الروايات ناصة على تعدد الأجل.

النقطة الثانية: الحوادث التي تمرّ على الإنسان مكتوبة مقدّرة، يعلمها الله تعالى، ولكن لا تدلّ على الجبر والخروج عن المسؤولية، فالله عالم بأنّ فلاناً سيقتل فلاناً ظلماً وعدواناً، علم الله تعالى ليس هو سبب وعلة القتل، فإنّ علة وسبب القتل هو إرادة القاتل، وليس الله، فالقتل معلول لإرادة واختيار القاتل، وليس معلولاً لعلم الله تعالى.

ومن هنا ما دام أنّ القاتل هو الذي أقدم على القتل باختياره وإرادته، فهو محاسَبٌ ومسؤول عن جريمته.

وسأذكر مثالاً يقرّبُ الفكرة، فلو علم الأستاذ أنّ زيداً سيرسب هذه السنة، وأنّ سعيداً سينجح، ومع ذلك لم يقصّر معهما، قام بوظيفته تجاههما من شرح الدرس والإخبار بموعد الامتحان، ولكن مع ذلك لم يهتم زيد بالدراسة، فرسب، وسعيدٌ انشغل بالدراسة والحفظ، فنجح.

السؤال: هل علم الأستاذ برسوب زيد سبب لرسوبه؟! أم أنّه بإرادته واختياره لم يهتم بالدراسة، فرسب؟

هل علم الأستاذ بنجاح سعيد سبب لنجاحه؟! أم أنه بإرادته واختياره درس وتعب، فنجح؟!

وعليه: فعلم الله كاشف عن المعلوم، وليس علةً للمعلوم.

2022/08/27

لماذا قُسّم الدين إلى ’ فروع وأصول’ وما علاقته بـ ’ ضروريات الدين’؟!
لا وجود لمنشأ شرعي لتقسيم الدين إلى أصول وفروع، فالدين في لسان النصوص مجموعة من الحقائق المتجانسة والمتكاملة دون تفريق بين أصل وفرع، ومع ذلك لا ضير من قبول هذا التقسيم على نحو الاصطلاح العلمي طالما لم تترتب عليه لوازم فاسدة.

[اشترك]

فهناك بعض الفوارق التي استدعت العلماء لتقسيم المعارف الدينية إلى أصول وفروع، فما كان منها متعلقاً بالجانب  العملي والتشريعي أعتبر من الفروع، وما كان متعلق بجانب الاعتقاد القلبي والدليل العقلي اعتبر من الأصول، وقال بعضهم أن الفروع هي ما اشترك في اثباتها العقل والنقل، والأصول هي ما استقل بها العقل، وبذلك اعتبرت العقائد من الأصول بينما أعتبر الفقه من الفروع، وقد يترتب على ذلك بعض الآثار التي لا يمكن قبولها بإطلاقها، مثل القول إن الجاهل بالأصول غير معذور بالمطلق بينما يكون معذوراً بجهله في الفروع، فإن صح ذلك في بعض المسائل الاعتقادية إلا أنه لا يصح في جميع مسائل العقيدة، فلازم ذلك أن الجاهل بمسألة مثل عذاب القبر ونعيمه أعظم من الجهل بمسألة الصلاة والحج والصيام وهذا ما لا يمكن اثباته بالأدلة الشرعية، ومن هنا يمكن قبول ذلك في بعض الأصول الاعتقادية مثل التوحيد والنبوة والميعاد فإن المنكر لها خارج عن الإسلام جاهلاً كان أم غير جاهل، بينما من ينكر العدل والإمامة لا يكفر بذلك مع أنها من الأصول عند الشيعة، وفي المقابل من ينكر ضرورة كالصلاة لا يكون معذوراً بالمطلق، فمثلاً هناك بعض القرآنيين الذين لا يعترفون بسنة النبي وتجدهم يجاهرون بعدم اعترافهم بالصلاة والصوم والحج بالشكل الذي تعارف عليه المسلمين فإن مثل هؤلاء لا يمكن اعذارهم بحجة أنهم لم ينكروا اصلاً من الأصول، ومن هنا يجب الاشتراط لقبول هذا الاصطلاح عدم التفريق بين حقائق الدين من جهة القبول والانقياد والتصديق، فلسان النصوص لم يفرق من هذه الجهة بين أصل وفرع، ولذلك ذهب بعضهم إلى معيار آخر للتمييز بين الأصل والفرع، مثل الشيخ المفيد في أوائل المقالات حيث يقول: إن كان لشخص أو جماعة آراء شاذة قليلة في أمور من فروع الدين أو في جزئيات أصول الدين لا في أصلها بحيث لا يلزم إنكار ضروري الدين فهم ليسوا من أصحاب البدع، وإن كان لهم آراء مخالفة في فروع الدين أو أصوله في الأمور الضرورية، فهؤلاء من أصحاب البدع سواء صدق عليهم اسم فرقة من الفرق الموجودة أو لا.

 كما أن الريشهري في كتابه القيادة في الإسلام وضع معياراً أخر للتفريق بين الأصل والفرع حيث يقول: إذا كان لعقيدةٍ أو عملٍ دورٌ أساس مهمّ في بثّ القيم الإسلامية في المجتمع- بحيث إنّ الإسلام يفقد مفهومه الحقيقي بدون ذلك- فإنّ تلك العقيدة أو العمل هما من الأصول الأساسية لهذا النظام الربّانيّ، وإذا لم يكن لهما مِثلُ هذا الدَّور فهما من فروع الدين.

2022/08/20

العقل الباطن وخوارق اللاشعور.. هل للعقل ’ سلطة خارقة’؟!
العقل الباطن أو العقل اللا واعي مصطلح خاص بعلم النفس والطب النفسي، وبذلك يعتبر من المصطلحات الحديثة التي لا وجود لها في النصوص الدينية، وعليه فإن الطريق الوحيد لمعرفة رأي الشرع هو الرجوع إلى المحكمات الإسلامية، ومن ثم النظر إلى مدى التوافق والتعارض بينها وبين هذا المصطلح، ولتحقيق ذلك لابد من الوقوف أولاً على مفهوم المصطلح وثانياً على تطبيقاته الخارجية.

[اشترك]

هناك معاني للعقل الباطل يمكن قبولها لعدم تعارضها مع الشرع وهناك معاني أخرى لا يمكن قبولها أو على الأقل يجب التحرز منها، فقد جاء في تعريف العقل الباطن في (موسوعة ويكيبيديا): (هو مفهوم يشير إلى مجموعة من العناصر التي تتألف منها الشخصية، بعضها قد يعيه الفرد كجزء من تكوينه، والبعض الآخر يبقى بمنأى كليٍّ عن الوعي، وهناك اختلاف بين المدارس الفكرية بشأن تحديد هذا المفهوم على وجه الدقة والقطعية، إلا أن العقل الباطن على الإجمال هو: كناية عن مخزن للاختبارات المترسِّبة بفعل القمع النفسي، فهي لا تصل إلى الذاكرة، ويحتوي العقل الباطن على المحركات والمحفزات الداخلية للسلوك، كما أنه مقر الطاقة الغريزية الجنسية والنفسية، بالإضافة إلى الخبرات المكبوتة، القوانين الحاكمة). وجاء في "الموسوعة العربية العالمية": (اللاوَعْي مصطلح في علم النفس لوصف العمليات العقلية والأفكار والتصورات والمشاعر التي تدور في عقول الناس دون إدراك منهم).

ويبدو أن مدرسة التحليل النفسي لسيغموند فرويد شكلت البدايات الأولى لهذا المصطلح، حيث حمّلت هذه المدرسة اللا شعور مسؤولية الوضع النفسي، أي ما نراه من سلوك واعي هو تعبير عما لا نراه من سلوك لا واعي في الباطن، ومع أن هذه المدرسة امتلكت قدرة تحليلية مقدرة إلا أنها لا تعكس رؤية فلسفية شاملة لها القدرة على تفسير كامل للإنسان؛ وذلك لكونها غفلت عن الجانب الروحي والفطري واختصرت الإنسان في مجموعة من الغرائز البدائية، وبخاصة الغريزة الجنسية التي أرجع إليها فرويد كل الأسباب المؤدية للاضطرابات النفسية، وفي ذلك إهمال واضح لعوامل البيئة والثقافة وجميع مؤثرات المحيط الذي يعيش فيه الإنسان، وقد التفت العلماء لهذا القصور فعملوا على تطوير المدرسة التحليلية بحيث تستوعب جميع هذه الأسباب، ولذا اعتبر روادها الجدد إن المشكلة النفسية تعود إلى خليط بين الثقافة واللا شعور، واعتقد آخرون أن المحرك الأساس للازمات النفسية هو الثقافة والتنشئة الاجتماعية، وهكذا بدأ علم النفس التحليلي يوسع دائرة الأسباب كما يوسع تبعاً لذلك أساليب العلاج، فكان من الطبيعي أن تصبح تقوية الروح والإرادة الإنسانية من العوامل المهمة لعلاج الأمراض النفسية، وبذلك تجذرت مدرسة جديدة قائمة على العلاج بالمعنى، أي تحفيز النفس الإنسانية بمعاني إيجابية وبنظرة متفائلة للحياة، وقد ظهر ذلك بشكل واضح في اتجاهات التنمية البشرية، أو ما يسمى بالبرمجة اللغوية العصبية، ومما لا شك فيه أن هناك ثمار إيجابية لهذا العلم إذا تم توظيفه في حدود الضوابط العقلية والشرعية، وهذا بخلاف بعض التوجهات المادية التي صورت العقل الباطن وكأنه إله له قدرات مطلقة، فهو الرزاق وهو الشافي وهو المتحكم في جميع العمليات الحيوية في الجسم، وهو الذي يجعل الإنسان سليماً أو مريضاً، سعيداً أو تعيساً، غنيّاً أو فقيراً، وهذا ما لا يمكن قبوله والتسليم به، وقد أشار السائل في سؤاله لهذا المعنى بقوله: (خوارق اللا شعور أو قوة العقل الباطن) فليس هناك خوارق لقوانين الطبيعة ولا وجود لقوة باطنية يمكنها أن تتجاوز السنن الكونية وما قدره الله للإنسان، وكل ما يمكن قبوله من هذا العلم هو التطبيقات العلمية التي يشهد بها العقل وتصدقها التجارب الصحيحة، فمثلاً قانون الجذب الفكري الذي تتحدث عنه البرمجة اللغوية العصبية لا يمكن التسليم بكونه مسؤولاً عن كل ما يصيب الإنسان، فقوة العقل الباطن لا يمكن أن تكون صاحبة الأقدار، ولا يعني ذلك أننا نتجاهل تأثير التفكير الإيجابي وإنما نتحرز أن يمنعنا ذلك من الإيمان بقدرة الله وتقديره، فالله هو من يقدر حياة الإنسان وليس الكون أو مجرد القوى الخفية، ومن المؤكد أن إيماننا بقدرة الله وتقديره لا تتعارض مع التفاؤل والعمل إلا أن النتيجة النهائية تبقى بيد الله ومشيئته وليس مجرد التفكير العميق يجذب بذاته ما يفكر فيه الإنسان استقلالا عن تقدير الله، فمثلاً لو كان التفكير في الغني أو في الصحة أو في الخلود يجعل الإنسان حتماً غنياً ومعافى وخالداً شاء الله ذلك أو لم يشاء قدر الله ذلك أو لم يقدره لكان الإنسان هو الإله ولكان خالداً ابداً في هذه الحياة.

وكذلك من المفاهيم التي لا يمكن قبولها هو تصوير قدرة خاصة للعقل الباطن تمكنه من التواصل مع الوعي الكوني، فيكون بذلك مصدراً لمعارف خاصة وعلوم غيبية، ومثل هذا الاعتقاد مما لا شك فيه يؤدي إلى الانحراف الفكري والعقائدي.

وفي المحصلة أن أصل وجود عقل باطن وإن له تأثير على سلوك الإنسان لا يتعارض مع الشرع، طالما كان ذلك التأثير ضمن السنن والقوانين التي يعترف بها العقل الواعي، وما لا يمكن قبوله هو الإيمان بالعقل الباطن الذي تنتفي معه إرادة الإنسان، أو الاعتقاد بأن العقل الباطن له سلطة خارقة تنتفي معها سلطة الله وقدرته، وقد يظهر ذلك في بعض كلمات بعض التوجهات المادية فيجب الانتباه لها والتحرز منها.

2022/08/11

كيف تنطق جوارحنا لتشهد يوم القيامة؟!
ذكروا في كيفية إنطاق اللّه تعالى الجوارح للشّهادة بأعمال صاحبها يوم القيامة أقوالاً وهي:

[اشترك]

أوّلاً: إنّ اللّه تعالى يبني الجوارح هناك على بنية يمكنها النّطق من جهتها، فتكون هي بنفسها ناطقة، كما جعل سبحانه وتعالى اللّسان في دار الدّنيا كذلك.

الثّاني: إنّ اللّه تعالى يوجد فيها كلاماً يتضمن الشهادة بما قامت به من أعمال، فيكون المتكلّم في الواقع والحقيقة هو اللّه تعالى دونها، ولكن أضيفت الشّهادة إليها مجازاً.

الثّالث: إنّ اللّه تعالى يجعل في الجوارح علامات وحالات تقوم مقام النّطق بالشّهادة، وتدلّ على الفرق بين الأعمال الصّالحة والأعمال السّيئة. فسمّي ذلك شهادة مجازاً.

هذه هي الأقوال المشهورة الّتي ذكرها المفسّرون والمحدّثون في كيفية شهادة الجوارح(1).

وبهذه الأقوال وشبهها فسّروا شهادة السّماء والأرض ونحو ذلك.

سائر الشّهود

وهناك في يوم القيامة شهود آخرون يشهدون للنّاس أو عليهم بأعمالهم، جاء ذلك في الكتاب والسّنة:

فمنهم: الرّسول صلّى اللّه عليه و آله (1) ومنهم الأئمّة المعصومون عليهم الصّلاة والسّلام(2)

ومنهم: القرآن الكريم (3)

ومنهم: الملائكة (4)

ومنهم: العباد المؤمنون من كلّ أمة(5)

ومنهم: البقاع(2)

ومنهم: الّليالى والأيام...(3).

إلى غير ذلك... فإنّ للّه تعالى على كلّ عبد من عباده رقباء من خلقه، يحفظون أعماله، ويحصون أفعاله... فهو تعالى يستشهد بهم على عباده في أعمالهم، ثمّ يحاسبهم ويجازيهم بعد إتمام الحجّة عليهم، لئلاّ يكون للنّاس على اللّه حجّة... .

(1) قال الطبرسي رحمه اللّه في قوله سبحانه: فكيف: أي فكيف حال الأمم وكيف يصنعون إذا جئنا من كلّ أمّة من الأمم بشهيد وجئنا بك يا محمّد على هؤلاء يعني قومه شهيداً ومعنى الآية أنّ اللّه تعالى يستشهد يوم القيامة كلّ نبيّ على أمّته فيشهد لهم وعليهم ويستشهد نبيّنا على أمّته; وقال الصّادق عليه السّلام: لكلّ زمان وأمّة إمام، تبعث كلّ أمّة مع إمامها. بحار الأنوار 7 / 307 ـ 308 وكذا في الصفحة 313، الرّقم 5، وفي رواية أمير المؤمنين عليه السّلام: والشهداء هم الرّسُل عليهم السّلام.

(2) في رواية أبي بصير عن أبي عبداللّه عليه السّلام في قول اللّه تبارك وتعالى (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ) قال: نحن الشهداء على النّاس بما عندهم من الحلال والحرام وما ضيعوا منه. بصائر الدرجات: 102، الرّقم 1، وكذا عن الثمالي قال: قال أبو عبداللّه عليه السّلام: نحن الشهداء على شيعتنا، وشيعتنا شهداء على الناس وبشهادة شيعتنا يجزون ويعاقبون. بحار الأنوار 7 / 325، الرّقم 19 عن كتاب فضائل الشيعة: 13، الحديث السّادس عشر.

(3) عن أبي جعفر عليه السّلام: يا سعد تعلّموا القرآن فإنّ القرآن يأتي يوم القيامة في أحسن صورة نظر إليها الخلق والناس صفوف عشرون ومائة ألف صف... فيقول اللّه تبارك وتعالى: كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا ربّ منهم من صانني وحافظ عليّ ولم يضيع شيئاً ومنهم من ضيعني واستخف بحقّي وكذب بي وأنا حجتك على جميع خلقك، فيقول اللّه تبارك وتعالى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لاُثيبنّ عليك اليوم أحسن الثواب ولاُعاقبنّ عليك اليوم أليم العقاب... الكافي 2 / 596 ـ 597، حديث 1.

(4) إذا جمع اللّه الخلق يوم القيامة دفع كلّ انسان كتابه فينظرون فيه أعمالهم فينكرونها فيقولون ما عملنا منها شيئاً فتشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم أعمالهم، فقال الصّادق عليهم السّلام: فيقولون للّه: يا ربّ هؤلاء ملائكتك يشهدون لك، ثمّ يحلفون باللّه ما فعلوا من ذلك شيئاً وهو قول اللّه: (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللّهُ جَميعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ) وهم الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السّلام. فعند ذلك يختم اللّه على ألسنتهم... تفسير القمي 2 / 264.

(5 ـ 3) في شهادة اليوم في يوم القيامة: عن أبي عبداللّه عليه السّلام قال: ما من يوم يأتي على ابن آدم إلاّ قال ذلك اليوم: يابن آدم أنا يوم جديد وأنا عليك شهيد فافعل بي خيراً واعمل فيّ خيراً أشهد لك يوم القيامة، فإنّك لن تراني بعدها أبداً.

وفي شهادة الليل يوم القيامة: عن أبي عبداللّه عن أبيه عليهما السّلام قال: الليل إذا أقبل نادى مناد بصوت يسمعه الخلائق إلاّ الثقلين: يابن آدم، إنّي على ما في شهيد فخذ منّي، فإنّي لو طلعت الشّمس لم تزدد في حسنة ولم تستعتب في من سيئة، وكذلك يقول النّهار إذا أدبر اللّيل. بحار الأنوار 7 / 325، الرّقم 20 و 21.

وأيضاً في حديث طويل قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم:... والبقاع التي تشتمل عليه شهود ربّه له أو عليه، واللّيالي والأيّام والشّهور شهوده عليه أوله، وسائر عباد اللّه المؤمنين شهوده عليه أوله، وحفظته الكاتبون أعماله شهود له أو عليه، فكم يكون يوم القيامة من سعيد بشهادتها له، وكم يكونوا يوم القيامة من شقي بشهادتها عليه... فاعملوا ليوم القيامة وأعدوا الزّاد ليوم الجمع ـ شهر اللّه الأعظم ـ شهدت له هذه الشهور يوم القيامة... وينادى مناد: يا رجب وشعبان ويا شهر رمضان، كيف عمل هذا العبد فيكم؟ وكيف كانت طاعته اللّه عزّوجلّ؟ فيقول رجب وشعبان وشهر رمضان: يا ربّنا ما تزوّد منّا إلاّ استعانة على طاعتك، واستمداداً لمواد فضلك، ولقد تعرض بجهده لرضاك، وطلب بطاقته محبتك... بحار الأنوار 7 / 315 ـ 316، الرّقم 11.

*آية الله السيد علي الحسيني الميلاني

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش: (1) أنظر: التبيان 9 / 117 ـ 119 ومجمع البيان 9 / 15 ـ 17، والبحار 7 / 310.
2022/07/11

أحداث دمويّة في الشرق الأوسط.. هل لحروب المسلمين أهداف؟!
إن واقع المسلمين في هذه الأيام واقع سيئ جداً لا يحسدون عليه، فإن الفتن متفشية في العديد من البلاد الإسلامية كفلسطين والشام والعراق وباكستان والصومال ومصر وليبيا وتونس واليمن وغيرها، وفي هذه الحروب كثر فيها سفك الدماء، وهتك الأعراض، وإتلاف الأموال ونهبها بالنحو الذي يُحدِّث التاريخ أنه كان يَحْدُث مثله في الحروب الهمجية البربرية، حتى تشكّلت عند غير المسلمين في جميع أنحاء العالم صورة سيئة سوداء قاتمة عن ثقافة المسلمين في الحرب، أحدثتها هذه النزاعات الدموية المشتعلة في الشرق الأوسط.

[اشترك]

إن ثقافة الحرب في الإسلام يجب أن تؤخذ من أقوال النبي (ص) ومن أقوال الأئمة الأطهار عليهم السلام، ومن سيرهم المباركة التي جسدت حقيقة ثقافة الحرب في الإسلام، وأما ما تقوم به الجماعات الإسلامية التي تطلق على نفسها جماعات جهادية، فإنه بعيد كل البعد عن تعاليم الإسلام.

وعليه، فلا بد أن نلقي الضوء على أقوال وسير المعصومين عليهم السلام؛ لتتجلى لنا ملامح الخطوط العامة لثقافة الحروب في الإسلام، وهذه الملامح تتضح بعدة أمور:

1- الحروب في الإسلام هادفة:

الحروب في الإسلام حروب هادفة، وليست حروباً عبثية من أجل سفك الدماء والإخلال بأمن المسلمين، فإن من الأهداف السامية للحروب التي وقعت في زمان النبي (ص) الدعوة إلى الإسلام، ورفع الظلم، وبسط العدل، وإحياء النفوس الميتة، ولم يكن من أهدافها: السيطرة على المناطق، والهيمنة على البلاد الأخرى.

وحينما فتح رسول الله مكة نادى خالد بن الوليد: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة» فأمر رسولُ الله أميرَ المؤمنين (ع) أن يأخذ منه الراية وينادي: «اليوم يوم المرحمة، اليوم تؤوى الحرمة».

وأهداف الحروب الإسلامية عند المعصومين يسيرة التحقق وليست بالعسيرة، فبمجرد إعلان الخصم الدخول في الإسلام ولو ظاهراً عن طريق النطق بالشهادتين، أو دفع الجزية ممن يرفض الدخول الإسلام تنتهي الحرب، علماً أن الجزية هي بمثابة التأمينات الاجتماعية في وقتنا الحالي، التي تؤخذ لحفظ حقوق الكفار في حال ضعفهم وشيخوختهم، مع ضمان حفظ حياتهم وأموالهم وكرامتهم، فيكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين.

ولكن حينما ننظر إلى حال الحروب المشتعلة في هذا العصر بين المسلمين، كالحروب الحاصلة في الشام على سبيل المثال، فإننا نلاحظ عبثية هذه الحرب، وعدم وجود أهداف حقيقية لها؛ لأن هؤلاء المحاربين الذين يصرّحون بأن هدفهم الأساس هو إسقاط النظام لم يتمكنوا من تحقيق هذا الهدف على مدى سنوات، كان نتيجتها أن أُزهقت فيها آلاف النفوس، وخربت بها بلاد الشام، وبات واضحاً للجميع أنهم لا يتمكنون من تحقيق هذا الهدف، ومع ذلك لا زالوا مستمرين في هذه الحرب، وحتى مع فرض إمكانية إسقاط النظام فإن جماعات المعارضة المسلحة الذين يتحاربون مع بعضهم لهم أهداف أخرى متضاربة فيما بعد سقوط النظام، فمنهم من يريد إقامة حكومة إسلامية، ومنهم من يرفض قيام مثل هذه الحكومة، وهذا يعني أن الحرب ربما تبقى قائمة حتى في حال سقوط النظام الحالي.

2- عرض أهداف الحرب على الخصم والقبول باختياراته:

من آداب الحروب في الإسلام أيضاً عرض أهداف الحرب على الخصم، وتوضيح الخيارات المتاحة له، والقبول بما يختار. فمن الوصايا التي وردت عن رسول الله  في الحرب أنه قال: « إذا لقيتم عدواً للمسلمين فادعوهم إلى إحدى ثلاث، فإن هم أجابوكم إليها فاقبلوا منهم، وكفوا عنهم: ادعوهم إلى الإسلام، فإن دخلوا فيه فاقبلوه منهم وكفوا عنهم، وادعوهم إلى الهجرة بعد الإسلام، فإن فعلوا فاقبلوا منهم وكفوا عنهم، وإن أبوا أن يهاجروا، واختاروا ديارهم، وأبوا أن يدخلوا في دار الهجرة، كانوا بمنزلة أعراب المؤمنين، يجري عليهم ما يجري على أعراب المؤمنين، ولا يجري لهم في الفيء ولا في القسمة شيء، إلا أن يهاجروا في سبيل الله، فإن أبوا هاتين فادعوهم إلى إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أعطوا الجزية فاقبل منهم وكفّ عنهم، وإن أبوا فاستعن الله عز وجل عليهم، وجاهدهم الله حق جهاده». (الكافي 5/29).

ونحن نلاحظ اليوم أن الجماعات المسلحة التي تطلق على نفسها منظمات إسلامية أو جهادية، إذا ظفروا بالشيعي قتلوه شر قتلة، ولم يقبلوا منه قولاً، حتى ولو تبرأ من التشيع! مع أن التعاليم الإسلامية مخالفة لهذا السلوك تماماً، فإنها تحث على الكف حتى عن الكافر بمجرد أن ينطق بالشهادتين وإن كان كاذباً.

3- عدم البدء بالحرب:

من آداب الحرب في الإسلام عدم البدء بالحرب، فلا بد عندما يلتقي الجيشان من الوعظ والتذكير والنصيحة والإرشاد، وإقامة الحجة عليهم، والعمل على الحيلولة دون وقوع الحرب، كما فعل الإمام الحسين (ع)  يوم عاشوراء فإنه وعظ وذكر وحذر وبين لهم مغبة عملهم وقبح صنيعهم، وكذلك صنع أمير المؤمنين  في حروبه كحرب الجمل حينما ذكّر الزبير بأن النبي أخبره أنه سيقاتل أمير المؤمنين وهو ظالم له، وهذا خلاف ما نشاهده اليوم من الجماعات المسلحة مثل داعش وغيرها، الذين يشنون الغارات على الآمنين من دون سابق إنذار.

بل إن أمير المؤمنين (ع) في حرب النهروان بالرغم من أنه وعظ الخوراج، وأرسل إليهم عبد الله بن عباس رضوان الله عليه الذي أقام عليهم الحجة، فرجع منهم قوم عما كانوا عليه، إلا أنه لم يبدأ المعاندين منهم بقتال، وقال لأصحابه: لا تبدؤوهم بقتال إلا أن يحدثوا حدثاً. وكذلك صنع الإمام الحسين في يوم عاشوراء حيث لم يبدأ بقتال بعد أن وعظ القوم وأقام عليهم الحجة، إلا بعد أن رشقوا خيامه بالسهام، فقال لأصحابه: قوموا يرحمكم الله، هذه رسل القوم إليكم.

4- عدم قتال المسلمين:

فإن المسلم لا يجوز قتاله ولا استباحة دمه بأي مبرر، والمسلم هو كل من نطق بالشهادتين، فإن كل من نطق بالشهادتين حقن دمه وماله وعرضه. والاختلاف في المذاهب لا يسوّغ القتال ما دام المسلم يشهد الشهادتين، إلا في أحوال خاصة مذكورة في كتب الفقه، كما لو كان المسلم باغياً، ومع ذلك فإن محاولة الإصلاح بين الطائفتين المتنازعتين يجب أن تسبق قتال الطائفة الباغية حتى ترجع عن بغيها، قال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّـهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).

5- عدم قتل الأبرياء والآمنين العزل:

في الحروب الإسلامية لا يجوز قتل الأبرياء كالنساء والأطفال والشيوخ، بل حتى الشباب الذين ألقوا سلاحهم وتجنبوا القتال إلا لضرورة ملحة، وقد ورد عن النبي  في وصاياه في الحروب أنه قال: (ولا تقتلوا وليدا، ولا متبتلاً في شاهق). وأما الجماعات الإرهابية في وقتنا الحاضر فقد وصل بها الطغيان إلى أنها تترصد المسلمين من أجل اغتيالهم بالجملة وهم يؤدّون الصلاة في مساجد الله، فأي مسوّغ أجاز لهذه الجماعات التي تطنطن باسم الإسلام أن ترتكب مثل هذه الجرائم الشنيعة؟

6- عدم قتل النساء والأطفال خصوصاً:

من ملامح الحروب الإسلامية أيضاً عدم جواز قتل النساء والأطفال حتى لو كانوا محاربين. فلو أن حرباً قامت بين المسلمين والكافرين، وكان في جيش الكافرين مقاتلون من النساء والأطفال، فالواجب حينئذ تجبنهم وعدم مقاتلتهم، وفي حال الاضطرار إلى ذلك يجب الاكتفاء بالدفاع عن النفس وعدم قصد قتل النساء والأطفال مهما أمكن، وفي حال الظفر بطفل مسلح أو امرأة مسلحة يكفي أخذ السلاح منهم، ولا يجوز قتلهم.

وقد روى الشيخ الكليني (قدس سره) في كتاب (الكافي) عن حفص بن غياث أنه سأل أبا عبد الله  عن النساء كيف سقطت الجزية عنهن ورفعت عنهن؟ فقال: لأن رسول الله  نهى عن قتال النساء والولدان في دار الحرب إلا أن يقاتلوا، فإن قاتلت أيضاً فأمسك عنها ما أمكنك ولم تخف خللاً، فلما نهى عن قتلهن في دار الحرب كان في دار الإسلام أولى، ولو امتنعت أن تؤدي الجزية لم يمكن قتلها، فلما لم يمكن قتلها رفعت الجزية. (الكافي 5/29).

ومن المسائل التي يذكرها العلماء في كتبهم الفقهية، أن يتترس الكفار بالنساء والصبيان في الحرب، فهل يجوز للمسلم أن يقتل النساء والأطفال الذين جعلهم الكفار تروساً بشرية، أم لا؟

لقد أفتى الفقهاء أنه إذا لم يلتحم الجيشان، وأمكن الكف عنهم فليُكف عنهم، وأما إذا التحم الجيشان فإن أمكن قتل الكافر دون النساء والصبيان فليقتل الكافر، وليجهد المسلم في تجنب النساء والأطفال، وإن لم يمكن ذلك وجب قتل الكفار ولكن من دون أن يقصد النساء والأطفال.

7- عدم استخدام الأساليب القذرة:

ورد عن رسول الله (ص) من وصاياه في الحروب أنه قال: ((اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، وقاتلوا من كفر بالله، ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثّلوا..)). والملاحظ في حروب الجماعات التي تسمى بالجهادية الإسلامية أنهم يغالون في التمثيل بالجثث بعد القتل بأبشع الطرق، كقطع الرؤوس ووضعها على صدور القتلى، بل اللعب بالرؤوس المقطوعة، وتشويه جثث القتلى بالرصاص، وهذا مخالف للتعاليم النبوية الصريحة التي تؤكد على النهي عن التمثيل بالجثث، فقد روي عن رسول الله  أنه قال: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور. (نهج البلاغة: 445).

ومن الأساليب القذرة في الحروب أيضاً منع الماء عن الخصم، ومن المعروف عن الأمويين أنهم يستخدمون هذا النوع من الأساليب في حروبهم، فقد صنعوا ذلك مع أمير المؤمنين (ع) في صفين، ومع الإمام الحسين (ع) ونسائه وأطفاله في كربلاء، لكن التاريخ يحدثنا أن أمير المؤمنين  في حرب صفين لما مُنع جيشه من الماء، ثم استولى على الماء قال له بعض أصحابه: نمنعهم من الماء كما منعونا، إلا أن أمير المؤمنين أبى ذلك، وجعل الماء بينه وبين خصمه، يشرب منه الجميع.

8- عدم إتلاف الممتلكات:

ورد عن رسول الله (ص) من وصاياه في الحروب أنه قال: (ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً)، وفي بعض الروايات قال: (ولا تهدموا داراً).

وهذه الروايات وأمثالها تشعر بأن الهدف من الحرب هو قتال المقاتلين فقط، وليس من أهداف الحرب تخريب ممتلكات الخصوم.

9- ما بعد النصر في الحرب:

عادة ما تخلف الحروب بعد انتهائها وانتصار أحد الجيشين كثيراً من القتلى والجرحى والهاربين، والتعامل الصحيح مع هؤلاء يكون بترك الهاربين منهم وعدم تتبعهم، ومعالجة جرحاهم، والكف عمن ألقى السلاح منهم، فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع)  أنه نادى في جيشه بعد أن انتصر في يوم الجمل وانهزم القوم: (لا تجهزوا على جريح، ولا تتبعوا مدبراً، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن)، وهو نفس النهج الذي انتهجه رسول الله في فتح مكة.

ومن أروع المبادئ الإسلامية في الحروب بعد النصر هو التعامل مع الخصوم بالعفو والصفح وعدم التشفي منهم والانتقام.

قال أمير المؤمنين : إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه. (نهج البلاغة: 488).

هذه هي ثقافة الحروب في الإسلام التي جسدها رسول الله (ص) وأمير المؤمنين  والإمام الحسين ، وكل ما يخالف ذلك مما يجري الآن بين المسلمين فضلاً عن ما بينهم وبين أعدائهم من التشويه العظيم لصورة الحرب عند المسلمين، فإن الإسلام بريء من كل هذه التصرفات البربرية التي هي بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام، ولا شك في أن كل هذه التصرفات منبعثة عن أمراض نفسية عند الجماعات الإرهابية، وجهل فاضح بأحكام الإسلام، أو الرغبة في تشويه صورة الإسلام الناصعة، إما بقصد وتعمد أو من دون قصد.

*الشيخ علي آل محسن

2022/07/10

2022/07/05

متى تضيع طرق الحياة؟: عن احتواء ’التوحش’ لدى المجتمعات
في بحثنا عن مفاتيح التقدم والنهضة واستكشاف السلام والتآلف الإنساني في نهج الإمام علي (عليه السلام)، يشكل التعامل مع الناس واحدا من أسس نجاح الأشخاص والقادة المتصدّين للعمل الاجتماعي، وكلما اكتشف الإنسان مهارات التعامل مع الناس، وأجاد استعمالها، حقق لنفسه ولمجتمعه النجاح والتقدم.

[اشترك]

لذا فإن تتبع هذا الفن عند الإمام علي (عليه السلام)، يقدم لنا قواعد رصينة وأمينة يمكن أن نسير في هداها لتحقيق الغايات الدنيوية والأخروية باطمئنان وأمان.

ومن هنا تناولنا مفهوم الإنسان الاجتماعي في منهجيته (عليه السلام)، والجوانب الاجتماعية في هذه المنهجية، للوصول إلى فهم ملامح المجتمعات التي تخرج من عالم الإنسان الاجتماعي.

فالإنسان الاجتماعي يمثل غاية في خلق الإنسان لبناء التكامل الإنساني من خلال الاحتكاك والتواصل الاجتماعي، وعندما نراجع كلمات أهل البيت (عليهم السلام)، وتوصياتهم، ومواعظهم، تجد كمّا كبيرا هائلا من الإرشادات التي توجه حول التواصل والتسامح الاجتماعي.

ومنها فن المعاشرة، المداراة، الحلم، الاحترام، المسؤولية، العفو، كظم الغيظ، وهي قيم تؤسس لبناء الإنسان الاجتماعي، لأنه به يمكن حصد الخير والاستقرار والسلام والتسالم في المجتمع، ولكن عندما يترك الإنسان هذا المبدأ ويترك القيم التي تحيط به وتؤدي به إلى التفاعل والتعاون الاجتماعي، سوف يصبح غير مستأنس بالآخرين، ويدخل في عالم التوحش.

ومن الأمور التي استكشفنا منها مفهوم المجتمعات المتوحشة:

الأول: المجتمعات الوهمية، الفارغة من القيم الإنسانية، حيث يزداد فيها التباعد والتنافر والصراع.

الثاني: العلاقات الاجتماعية المادية التي تقوم على المصالح فقط.

الثالث: الاستغراب الاجتماعي وعدم اندماج الفرد في المجتمع، وافتقاد الروابط الإنسانية والمعنوية.

الرابع: المجتمعات العشوائية التي تفتقد للمناهج في التربية والتعليم والتوجيه والإصلاح.

الخامس: المجتمعات العنيفة العدائية المتوترة المشحونة بالصراعات.

السادس: المجتمعات الغرائزية التي لا تعرف التعقّل وتسيطر عليها الأهواء وتتحكم فيها الغرائز.

السابع: المجتمعات التدميرية التي يتم فيها تفكيك القيم، عبر الشمولية والانصهار تحقيقا لمصالح خاصة، أو أيديولوجيات خاصة تهتم أو تستفرد بعملية الهيمنة على الآخرين، وهذه المجتمعات التدميرية التي تدمر نفسها بنفسها تنقض وتستأصل القيم الأخلاقية والإنسانية الصالحة.

وعندما تستأصل القيم والأعراف الإنسانية الصالحة، سوف تقع في شبكة القيم الفاسدة، أو القيم والسلوكيات المتوحشة وتبتعد عن مهارات التواصل والمعاشرة والمداراة، فتفقد بالنتيجة التفاهم والتعايش مع الآخرين.

التدرّج في بناء الحرية

المجتمعات التدميرية نلاحظها في جانبين: الجانب الاجتماعي المحلي، وهي تلك المجتمعات التي لا تصبر على بناء ذاتها، وبناء التراكم الاجتماعي والقيم الصالحة، فتنقض باستمرار نفسها بنفسها، فمجتمعات الحرية مثلا تقوم على البناء المنهجي تدريجيا عبر التربية المستدامة على ثقافة الحرية، وهذا النوع من التربية خصوصا في مجتمعات كانت تعيش الاستعباد والاستبداد، عملية صعبة جدا، حيث تحتاج إلى حالة صبر وبطء وتدرّج في عملية التثقيف، ولابد أن تكون هناك توعية مستمرة مع استقامة واعية حتى تستوطن ثقافة الحرية في داخل نفس الإنسان وأفراد المجتمع.

ولكن في المجتمعات التي كانت تعيش الاستبداد وتبعت به فإنها تحاول أن تنقض الحرية لأنها تعتقد أن الاستبداد هو الذي يعطي القوة في الهيمنة والسيطرة والغلبة على الآخرين، وأن الاستبداد هو الذي يحقق الأمن والاستقرار والانضباط، لكن هذا الأمر خاطئ جدا.

السبب في نقض الحرية هو عدم الصبر على بناء القيم، فالتربية عملية بطيئة النمو بشكل عام، فكل السلوكيات والقيم الصالحة تحتاج إلى صبر، منذ نعومة أظفار الطفل، الذي يحتاج إلى تربية متواصلة منهجية وفق استراتيجية بعيدة المدى، فيصل إلى عملية قطف الثمار، ويتحول إلى إنسان صالح.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (وَلَا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالِحَةً عَمِلَ بِهَا صُدُورُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَاجْتَمَعَتْ بِهَا الْأُلْفَةُ وَصَلَحَتْ عَلَيْهَا الرَّعِيَّةُ)، فلا تستعجل في عملية نقض السنن الصالحة، عليك أن تصبر حتى تنمو ببطء، فهذه السنن الصالحة تحتاج إلى حماية وتنمية وتربية وعملية صناعة مستمرة.

مساوئ حصد الثمار سريعا

هذا هو جانب المجتمعات المحلية التي تستعجل عملية حصد الثمار السريعة، وبالنتيجة هي تنقض السنن الصالحة باستمرار، وهذا من عناصر التخلف المؤثرة جدا، فالنهضة عملية تحتاج إلى وعي وفهم وتعلم وتعليم في بناء السنن الصالحة، وإلا عندما تنقض السنن الصالحة وتذهب إلى سلوكيات أخرى، فإن النتيجة يصبح المجتمع مجتمعا تدميريا لنفسه ولذاته.

أما في جانب المجتمعات العالمية فإن مجتمعات الحداثة أو تحديث المجتمعات، تحديثا ماديا، بداعي التجديد، فإنه يتم نقض السنن الصالحة، وتدمير القيم الأخلاقية والإنسانية، بداعي التقدم والتطوير، ولذلك تبرز مظاهر مادية ضخمة وسلوكيات متغوّلة تفرّغ الانسان من محتواه المعنوي الحقيقي.

إذا كان ابنك متربّيا على تربية صالحة، فلا داعي أن تغذيه بأفكار سيئة، ومناهج سيئة، وسلوكيات سيئة، وتنقض السنن الجيدة، فسوف يخرج من عالم الإنسانية ويتحول إلى عالم التوحش، في حين أن عالم الإنسانية هو الذي يصنع الألفة والسلام، وعالم السنن الصالحة المتراكمة هو الذي يؤدي إلى الألفة والسلام والإنسانية.

(ولا تنقض سنة صالحة) بل لابد من رعاية هذه السنن الجيدة، على سبيل المثال حالة الكرم واحترام الضيف، هذه من السنن الصالحة، لكن تحوّل الإنسان نحو المادية، وانعزاله عن المجتمع يجعله منعزلا عن الآخرين، فتتحول وتتضاءل هذه السنة الصالحة.

فلابد من التمسك بالسنن الصالحة والقيم الجيدة، لكي يتحقق التقارب الاجتماعي، مثلا صلة الرحم أو مداراة الجيران، أو الأخوّة التي تطرقنا لها سابقا، هذه كلها قيم صالحة لابد من رعايتها حتى تجعل المجتمع إنسانيا، وتجعل الإنسان اجتماعيا، فالسنن الصالحة هي التي تربي المجتمع، أو تعطي المجتمع نضجا تشاركيا سليما يقوده نحو النهضة والتقدم.

لماذا تضمحلّ المجتمعات؟

الثامن: المجتمعات المتفككة والمنشطرة، وهذه من مظاهر المجتمعات المتوحشة، فهي تعيش الصراعات، والصراعات هي وحشية دائما، تؤدي إلى تدمير الإنسان والمجتمع، وإلى الانحرافات، وتؤدي إلى اضمحلال المجتمع وتدمير كل مقومات العيش الصحيح والسليم، لأن الصراعات والحروب خاسرة دائما، ولا يمكن لأي طرف أن يربح، الكل فيها خاسرون.

إن الصراعات الموجودة في حياتنا تدمر عملية البناء الصحيح، وتعود بالإنسان إلى الخلف دائما. فعن الإمام علي (عليه السلام): (وَالْكُفْرُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ عَلَى التَّعَمُّقِ وَالتَّنَازُعِ وَالزَّيْغِ وَالشِّقَاقِ فَمَنْ تَعَمَّقَ لَمْ يُنِبْ إِلَى الْحَقِّ وَمَنْ كَثُرَ نِزَاعُهُ بِالْجَهْلِ دَامَ عَمَاهُ عَنِ الْحَقِّ وَمَنْ زَاغَ سَاءَتْ عِنْدَهُ الْحَسَنَةُ وَحَسُنَتْ عِنْدَهُ السَّيِّئَةُ وَسَكِرَ سُكْرَ الضَّلَالَةِ وَمَنْ شَاقَّ وَعُرَتْ عَلَيْهِ طُرُقُهُ وَأَعْضَلَ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَضَاقَ عَلَيْهِ مَخْرَجُهُ). الكفر في مقابل الإيمان، ومقابل الشكر، والإنسان غير الشكور لنعم الله هو كافر بالنعمة، فهي الحالة المضادة للإيمان والشكر لله سبحانه وتعالى، والمضادة للتقوى.

وهي مضادة لكل عوامل الخير التي تخلق من الإنسان إنسانا متسالما اجتماعيا، فالكفر قائم على أربع دعائم، على التعمّق والتنازع والزيغ والشقاق، فالتعمق في قضايا الدين وغيره موجود في الإنسان الذي يريد أن يعرف كل شيء، ويتعمق في أشياء خارج الحدود التي وضعها القرآن الكريم ورسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأهل البيت (عليهم السلام).

وهذه محاولة لفهم أشياء خارج حدود قدرات الإنسان وادراكه، لذلك يسمى الإيغال أو التعمّق، فيحاول أن يحفر كثيرا، وهؤلاء الذين يحفرون كثيرا لا يصلون إلى شيء دائما، حتى في علم الاجتماع الحديث تُسمى بـ حفريات المعرفة، وفي علم النفس، يحفرون في أعماق اللاوعي الإنساني، وكل هذه بالنتيجة علوم لا توصل إلى النتائج المطلوبة، لأنهم يذهبون إلى أمور خارج حدودهم وقدراتهم المعرفية.

التعمق الفلسفي

التعمّق في العقائد عملية خاطئة مثل هؤلاء الذين يدخلون في عالم الفلسفة، فيحاولون أن يتفلسفوا في قضايا الوجود، ولكن هؤلاء لا يصلون إلى شيء لأنهم يتعمقون خارج إدراكهم، ويؤدي هذا بالنتيجة إلى انحرافهم عن الحق، وخلق قضايا وأفكار منحرفة غير متجانسة مع الواقع. فعنه (صلى الله عليه وآله): (إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباد الله، فتكونوا كالراكب المنبت الذي لا سفرا قطع، ولا ظهرا أبقى).

إن الإيمان بالله وبالدين الإسلامي ومنهج أهل البيت (عليهم السلام)، يقوم على الالتزام بتوجيهاتهم، والإيمان بالعقائد إيمانا إجماليا، مثال على ذلك، أننا نعرف أن الله سبحانه وتعالى هو واحد، لأن لكل معلول علّة، وكل مسبب له سبب، هذا يسمى الاعتقاد الإجمالي الذي يجب يفعله الإنسان، وإذا أراد أن يتعمق أكثر، فإنه قد يدخل في عالم من التيه والضبابية والضلال.

لذلك فإن هذه الفلسفة التي تتعمق في عالم الوجود كثيرا تنحرف، وتصل إلى طريق مسدود، لأنه خارج إدراكهم، فمن تعمّق لم ينب إلى الحق، أي أنه لم يصل إلى الحق ولم يرجع إليه.

الدعامة الثانية من دعامات الكفر (ومن كثر نزاعه بالجهل دام عماه) فالنزاع دائما لا يعبّر عن معرفة، وإنما يعبر عن جهل، فالإنسان الجاهل هو الذي يدخل في النزاعات، حتى لو كان عالما فهو جاهل لأنه دخل في نزاع، فإذا أردت أن تعرف أن هذا الإنسان عالم أم جاهل، أعرفه من خلال هل يدخل في نزاعات أم لا؟

هناك الجدل المريض الذي لا يقبل بالمحاججة العقلانية، وإنما هو محاولة لإثبات الذات، من دون أن تكون هناك موضوعية للعلم، ومن يدخل في الجدل لإثبات الذات، ويعاند على الفكرة التي يؤمن بها، فسوف يتحول الأمر إلى نزاع، وهذا نوع من أنواع الجهل، لذلك فهو (دام عماه) أي أنه يصبح أعمى البصيرة والفهم، خصوصا عندما يتخذ النزاع والجدل منحا تصاعديا.

التعقّل يمنع النزاعات

أما الإنسان الحكيم الواعي الفاهم فلا يدخل في النزاعات لأن الحكمة تمنعه، والتعقّل يمنعه من الدخول في النزاعات وكذلك علمه يمنعه عن ذلك. الحوار والتفاهم هو الطريق الصحيح، وإذا تحول الحوار إلى نزاع أو جدال، فيجب أن يتجنبه ويبتعد عنه.

(ومن زاغ) بمعنى انحرف، فالتعمق والنزاع يؤدي بالنتيجة إلى الانحراف، وقد تكون هناك أسباب ثانية للانحراف، (ومن زاغ ساءت عنده الحسنة وحسنت عنده السيئة) أي أن الموازين تنقلب عنده، فتصبح الحسنة سيئة والسيئة حسنة، وهذا موجود في المجتمعات التدميرية التي تدمّر الحسنات، وتدمر الخير والحق، وتتخذ الباطل والسيئات والشرور سبيلا.

فالإنسان عندما تصبح عنده الحسنة سيئة، والسيئة حسنة، يصبح متوحشا، لأنه يخرج عن قواعد الإنسان الاجتماعي، وهو الإنسان المداري، المتفاهم، الحليم، الرحيم، الليّن، فهذه هي القواعد الجيدة التي تدخل في عملية بناء التسالم والألفة.

(وسكر سكر الضلالة) وهذا يعني أنه زاغ ودخل في عالم الضلالة التي هي عبارة عن وهم كبير، وهذه من المصائب التي يقع فيها هذا الإنسان، إذ يصبح مثل السكران الذي لا يفهم كل شيء، وهو أسوأ من الأعمى.

متى تضيع طرق الحياة؟

(ومن شاقّ) بمعنى حين يدخل الإنسان في عالم الشقاق وعملية الصراع، فتجده منشقّا بشكل دائم عن الآخرين، منشقا، منفردا، خارج عملية التفاعل والتعامل الاجتماعي (وعرت عليه طرقه) فتصبح طرق الحياة غير معبدة له، ويعيش معيشة ضنكا وصعبة، لأنه يتصور إذا دخل في عالم الانفراد لوحده، يستطيع أن يدير حياته بسهولة، وهذا أمر خاطئ، لأن الإنسان الاجتماعي هو الذي يستطيع أن يتعامل مع المجتمع بشكل مرن ومتوازن، فتكون طرقهُ معبّدة، فيستطيع أن يعيش حياته بشكل صحيح (اهدِنا الصراط المستقيم).

(وأعضل عليه أمره وضاق عليه مخرجه) فالنتيجة أن الإنسان غير الاجتماعي تجده في مشكلات دائمة، ويمكن أن نلاحظ هذا الأمر في عالم اليوم، فإذا أردتَ أن تحلل مفهوم الأزمات التي نعيشها اليوم، سواء كانت أزمات مادية أو بيئية أو اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، تربوية، فكلها أزمات نابعة من التوحش الذي يصيب الإنسان للأسباب التي ذكرناه.

لأن هذا الإنسان بالنتيجة يعمل لنفسه ومصالحه وأفكاره الخاصة، ولا يعترف بالآخرين ولا يحترمهم ولا يتعايش معهم، لذا لا يستطيع أن يعيش معهم، الإنسان هو كائن اجتماعي، وهو حالة اجتماعية وبناء اجتماعي، يتكامل مع الآخرين، ويحيى ويتعايش معهم.

التوحّش بالفساد والإفساد

التاسع: المجتمعات الفاسدة والمنحرفة، وهي من علامات التوحش، وهذه المجتمعات تذهب دائما نحو الطغيان، ونحو تدمير المجتمعات، بسبب ضخها للقيم الفاسدة، وتلبسها بالثقافة الدكتاتورية وتشبعها بسلوكيات الإجرام، والاستئثار بالسلطة والمال، هذه هي علامات المجتمع المنحرف، وكل هذا هو توحّش، وخروج عن البناء الاجتماعي المتسالم.

في قول للإمام علي (عليه السلام) لأبي ذر، وهو كلام طويل ولكن نذكر مقطعا منه حول قضية أن الإنسان الذي يعيش الحق يعيش اجتماعيا أنيسا، أما الإنسان الفاسد المنحرف فيعيش متوحشا، بالتالي تلاحظ أن حاله حال الذئب، لكن الذئب لا يُحاسب لأنه يعيش بغريزته، لكن هذا الذئب المنفرد والغاطس في الفساد والضلال والانحراف يوجد عنده عقل، وفكر، وضمير، ولكن رغم كل هذا يعيش الفساد والانحراف فيكون وحشا كاسرا أسوأ من الوحوش التي تعيش في الطبيعة.

يقول الإمام (عليه السلام) لأبي ذر: (وَلَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اتَّقَى اللَّهَ لَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْهُمَا مَخْرَجاً لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ وَلَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ)، فالحق هو الذي يبني الإنسان الاجتماعي والباطل يخلق الإنسان المتوحش، لذلك إذا أراد الإنسان أن يعيش حياة اجتماعية سليمة، وخصوصا القادة والمربين والمعلمين، لابد أن يعلموا أتباعهم وتلاميذهم على إتباع الحق، لأن اتباع الحق هو الذي يجعل من الإنسان اجتماعيا، ويخرجُهُ من دائرة التوحش.

كيف تُصنَع المجتمعات المستأنِسة؟

المجتمعات المتوحشة، نجدها في أشكال مختلفة، عبر وسائل الإعلام، أو الأسواق والشوارع، يمكنك أن ترى التوحش، وهذا التوحش الذي يظهر يعني أننا نفتقد لتلك القيم التي نحتاجها لكي نكون مجتمعا متسالما.

إننا لم نعمل على ترسيخ تلك القيم، ولم نشتغل على تحقيق هذا الهدف في حياتنا، تلك القيم هي مجموع مركّب من بناء قائم على مجموعة قضايا تؤدي إلى نتيجة معينة، ولكن فكر التوحش وسلوكياته الذي يكون في داخل الإنسان وفي أفكاره يؤدي به إلى طريق ظلامي ومن ثم العيش في مجتمعات فوضوية همجية.

هناك عناصر مهمة جدا في بناء الإنسان الاجتماعي حتى نستطيع أن نحقق توليفة صالحة في حياتنا:

أولا: بناء التآلف بناءً شاملا في المناهج وفي التربية، وفي التعليم وفي بناء السلوكيات والتأكيد عليها، في المنابر وفي المدارس والجامعات والحوزات، بناء التآلف صناعة قائمة على منهجية مستدامة، تتمحور حول قيم التقارب، ونبذ قيم التباعد، وهذه نقطة مهمة جدا، أن نستأصل الكراهية ونؤسس إلى ثقافة التقارب والقبول بالرأي الآخر، وإيجاد حالة من التقارب فيما بيننا، ونبذ العنف الذي قد يؤدي إلى حالة من الانفصال والتباعد والتنازع.

عقلنة العلاقات الاجتماعية

ثانيا: العلاقات الاجتماعية العقلانية التي تعتمد على غايات أساسية، ومصالح بعيدة المدى، ولا تعتمد على مصالح آنية مادية، المصالح العقلانية هي تخرج كل أفكار الأنانية والاستفراد ومحاولة الحصول على الأرباح السريعة والطمع، وتذهب نحو عقلنة العلاقات الاجتماعية، والعقلنة في غايات أساسية نحو المستقبل، وهذه العقلانية هي التي تؤسس لمجتمع صحيح، فتبتعد عن الجهل والتطرف والتشدّد والتنازع والتصارع.

العلاقات المعنوية

ثالثا: العلاقات الاجتماعية المعنوية التي تؤدي إلى نمو الإنسان الاجتماعي، بالتقارب المعنوي بين القلوب، من خلال ارتقاء قيم العطاء والتضحية والإيثار عند الإنسان، هذه تجعل حالة الترابط بين البشر قوية، وليست علاقات مصلحية آنية، تنتهي بانتهاء المصلحة، بل هناك إيثار وتفانٍ وهناك تضحية وعطاء مستمر يجعل العوامل المعنوية طاغية ومهيمنة على المجتمع، فيجعل الإنسان الاجتماعي قويا.

إن قوة الإنسان الاجتماعي تنبع من إيثاره وتضحيته وعطائه، أما عندما يفتقد الإنسان الإيثار والتضحية والعطاء، سوف تظهر القيم السيئة، مثل الحسد، التصارع، التخمة، الطمع، التجبر، الفساد، كل هذه الأسباب تؤدي إلى صعود المجتمع المتوحش وهيمنته.

رابعا: أولويات التسالم والمصالحة، تؤدي إلى بناء الإنسان الاجتماعي، السلم أولا وأخير (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) البقرة 208، الدخول للعالم والمجتمع من بوابة السلم، ونبذ النزاعات والحروب.

الإنصاف ميزان العدالة

خامسا: وهي من أهم النقاط لأنها تجمع كل النقاط أعلاه، وهذه النقطة الإنصاف وهو سلوك مطلق لتحقيق الإنسان الاجتماعي، من خلال العدالة والالتزام والتوافق والثقة والاستقرار، وعندما لا يكون الإنصاف موجودا في المجتمع، فلا تكون فيه عدالة، ولا يكون فيه ثقة، بل تظهر فيه كل عوامل النزاع والصراع والتنابذ والتباعد والعنف.

وعن الإمام علي (عليه السلام): (الإنصاف يألف القلوب) وعنه (عليه السلام): (الإنصاف يرفع الخلاف، ويوجب الايتلاف)، لأن الإنصاف هو حالة عملية لتحقيق العدالة، وهو العدل العملي، وهو إنصاف الناس من نفسك، فكما أنت تأخذ حق نفسك، لابد أن تعطي الحق لغيرك، وإذا أخذت حق غيرك فإنك ستأخذ حق نفسك، هذه معادلة مهمة جدا، فالإنسان يكون رابحا دائما في عملية الإنصاف.

وحين تصبح حالة الإنصاف ثقافة عامة في المجتمع، يعيش الإنسان مستقرا، ويحمي حقوقه كما تكون حقوقه محمية، وقمة الإنصاف أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، فعن الإمام علي (عليه السلام): (بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ).

وعنه (عليه السلام) أيضا: (أنصف الناس من أنصف من نفسه من غير حاكم عليه)، أي أنها عملية تنبع من داخله ومن ذاته، ومن دون أي ضغوط خارجية، وهذا انبثاق لكل الخير وانبثاق لكل العدالة في المجتمع.

وعنه (عليه السلام): (لم يتصف بالمروءة من لم يرع ذمة أوليائه، وينصف أعداءه)، الأولياء هم الذين يعيشون معه ويتشاركون في مصائرهم، وهي مسؤولية متبادَلة فيما بين الناس، ويُنصف أعداءه، أي حتى الأعداء لابد أن تنصفهم، وحين تنصف عدوك سوف يثق بك، ويحبك وينزع كل عوامل الخلاف والصراع والتنازع.

هذه هي الدبلوماسية التي نحتاجها، وهي الدبلوماسية الحقيقية الصادقة، وليس الدبلوماسية الكاذبة المعتمدة على الكذب والخيانة والغاية تبرر الوسيلة، وهذه كلها أمور خاطئة لا يقبلها الإمام علي، فحتى عدوك تستطيع أن تجعله صديقا لك إذا كنت منصفا له.

التواصل يرمم جسور التسالم

سادسا: التواصل يرمم جسور التسالم، والجفاء يفسد الإخاء، ويؤدي إلى النزاع، أما التواصل فانه يؤدي إلى بناء الإنسان الاجتماعي، فالتواصل هو المبدأ الأساس في عملية بناء المجتمع الصالح، وأن يبدأ من الإنسان نفسه.

فعن الإمام علي (عليه السلام): (وَبِالنَّصَفَةِ يَكْثُرُ الْمُوَاصِلُونَ)، بمعنى أن الإنصاف يؤدي إلى التواصل، والتواصل يؤدي إلى الإنصاف أيضا.

وعنه (عليه السلام): (الجفاء يفسد الإخاء) وكل هذه العناصر التي ذكرناها من الأخوَّة إلى الإنصاف إلى التواصل تؤدي إلى بناء الإنسان الاجتماعي.

وعنه (عليه السلام): (احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ وعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ والْمُقَارَبَةِ وعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ وعِنْدَ تَبَاعُدِهِ عَلَى الدُّنُوِّ وعِنْدَ شِدَّتِهِ عَلَى اللِّينِ وعِنْدَ جُرْمِهِ عَلَى الْعُذْرِ).

المتوحش لا كرامة له

سابعا وأخيرا: الوحدة الاجتماعية، وهي أهم نقطة في بناء الإنسان الاجتماعي، (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) آل عمران 103. هذه الآية الكريمة تلخّص كل البحث الذي بحثناه حول الإنسان الاجتماعي.

وهناك حديث للإمام علي (عليه السلام) يتكلم فيه عن كيف كان المجتمع موحدا في الإنسانية والاستئناس يعيش الكرامة والعزة والانتصار، وكيف أصبح مجتمعا متصدّعا منشقا متنازعا متوحشا يغرق في الذل والهزيمة والتخلف، فعنه (عليه السلام): (فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانُوا حَيْثُ كَانَتِ الْأَمْلَاءُ مُجْتَمِعَةً وَالْأَهْوَاءُ مُؤْتَلِفَةً وَالْقُلُوبُ مُعْتَدِلَةً وَالْأَيْدِي مُتَرَادِفَةً وَالسُّيُوفُ مُتَنَاصِرَةً وَالْبَصَائِرُ نَافِذَةً والْعَزَائِمُ وَاحِدَةً أَ لَمْ يَكُونُوا أَرْبَاباً فِي أَقْطَارِ الْأَرَضِينَ وَمُلُوكاً عَلَى رِقَابِ الْعَالَمِينَ، فَانْظُرُوا إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ فِي آخِرِ أُمُورِهِمْ حِينَ وَقَعَتِ الْفُرْقَةُ وَتَشَتَّتَتِ الْأُلْفَةُ وَاخْتَلَفَتِ الْكَلِمَةُ وَالْأَفْئِدَةُ وَتَشَعَّبُوا مُخْتَلِفِينَ وَتَفَرَّقُوا مُتَحَارِبِينَ وَقَدْ خَلَعَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِبَاسَ كَرَامَتِهِ وسَلَبَهُمْ غَضَارَةَ نِعْمَتِهِ وَبَقِيَ قَصَصُ أَخْبَارِهِمْ فِيكُمْ عِبَراً لِلْمُعْتَبِرِينَ).

هذه الكلمات المفتاحية تلخص أن كيف يكون الإنسان الاجتماعي، وكيف يكون الإنسان المتوحش، والنتيجة إن المتوحش لا كرامة له.

*الشيخ مرتضى معاش

2022/07/04

حجري وجليدي.. كيف نعرف أنبياء العصور القديمة؟!
من هم أنبياء العصرين الحجي والجليدي؟

[اشترك]

الجواب من سماحة الشيخ معتصم السيد أحمد:

ليس هناك رابط بين العصر الجليدي والعصر الحجري، فالأول يبحث عن تاريخ الأرض والثاني يبحث عن تاريخ الإنسان، فالعصر الجليدي بحسب علماء الجيولوجيا هو فترة من التاريخ كانت تغطي فيه الثلوج مساحات كبيرة من الأرض، وقد توصلوا إلى وجود هذا العصر من خلال البحث في طبقات الأرض وما فيها من صخور ورواسب كيميائية.

بينما ينتمي مصطلح العصر الحجري إلى علم آخر يبحث عن تاريخ الإنسان ومراحل تطوره، وقد وضع هذا المصطلح في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي من قبل الباحث الدنماركي كريستيان جيه تومسن، حيث قسم تاريخ الإنسان بحسب الأدوات التي كان يستخدمها، فكان الحجر هو أول ما استعان به الإنسان لصنع ادواته فسمى هذا العصر بالعصر الحجري، ثم تلاه العصر البرونزي، ومن ثم العصر الحديدي، وعليه فإن موضوعات هذا العلم هو البحث عن الآثار القديمة التي خلفها الإنسان.

ومن الواضح أن علم الجيولوجيا وعلم الآثار لا يبحثان عن وجود الأنبياء فضلاً عن تاريخ كل واحد منهم، ولذلك فهما لا يثبتان أو ينفيان وجود انبياء، وقد اشرنا في مقال سابق عن سبب عدم وجود آثار مادية للأنبياء، وقلنا إن علم الآثار يهتم بكشف البقايا المادية التي تركها الإنسان، والهدف من ذلك هو محاولة التعرف على الشعوب الغابرة والوقوف على المعالم العامة لطريقة حياتهم، وتشمل تلك الآثار المباني والمنحوتات وأدوات الطبخ والصيد وغير ذلك، ومن خلالها يمكن رسم تصور عن نمط الحياة والثقافة الاجتماعية التي كانت حاكمة في تلك الأزمنة، ويهتم هذا العلم بالحضارات الموغلة في القدم لانعدام التاريخ المكتوب الذي يوثق بشكل مفصل تلك الحياة، ومن هنا قد يفتقد علم الآثار أهميته بالنسبة للأحداث التاريخية التي نقلت عبر وثائق مكتوبة، وبخاصة إذا كانت تلك الأحداث ذات دلالات معنوية وليست مادية، ولذا نجد أن من أهم الدلائل التي تؤكد وجود حدث ما في التاريخ هو تناقله عبر التواتر الاجتماعي، بحيث يظل تأثيره حاضراً جيلاً بعد جيل، ووجود الأنبياء والرسل من هذا القبيل، حيث مازال لوجودهم التاريخي حضوراً واضحاً عبر الأجيال إلى يومنا هذا، فوجود اليهود والنصارى والمسلمين واتصالهم التاريخي عبر الأجيال يؤكد بشكل قطعي وجود الأنبياء الذين يمثلون اساساً لأديانهم، وعليه فإن تأثير الأنبياء الملحوظ في مسار التاريخ البشري يؤكد على وجودهم الفعلي في التاريخ، وحينها لا يكون وجود الأثر المادي إلا مجرد حالة حسية لا تشكل إضافة فعلية بالنسبة لما نعلمه من تاريخ الأنبياء؛ فتاريخ الأنبياء يمثل موروثاً متكاملاً عقائدياً واخلاقياً وتشريعياً وحضارياً، وبالتالي لا يمكن أثبات كل ذلك من خلال العثور على آثار مادية هنا أو هناك.

أما لماذا لم تصلنا آثار مادية من الأنبياء؟ فان هذا السؤال يكون مبرر إذا كان دور الأنبياء في الحياة الإنسانية يرتبط بأدوار لها علاقة بالآثار المادية، مثل أن تكون مهمة الأنبياء بناء المدن والحصون وتشييد الحصون، كما هو حال الملوك والسلاطين في الحضارات القديمة مثل الحضارة اليونانية والفرعونية وغيرها من الحضارات، وكل ذلك لم يكن من ضمن اهتمامات الأنبياء، وإنما كانت جهودهم منصبة في اصلاح الإنسان فكرياً واخلاقياً وسلوكياً، وآثار ذلك مازالت حاضرة إلى اليوم، وبالتالي من الخطأ البحث عن الأثر المادي، فالأنبياء في جانبهم البشري والمادي لم يتميزوا عن بقية البشر حتى تكون لهم آثار خاصة، وإنما عاشوا الحياة بشكلها الطبيعي الذي عليه البقية ومن هنا لا نتوقع أن يكون لهم آثار خاصة مثل الحصون والقلاع.

فعدد الأنبياء كما اشارت له النصوص كبير جداً وما تم ذكره بالأسماء محدود جداً، ومن الواضح أن النصوص لم تكشف عن أزمنة وتواريخ الأنبياء، ولا يمتلك الإنسان أدوات أخرى تمكنه من معرفة التاريخ الحقيقي لكل نبي من الأنبياء، وما هو موجود هو اجتهادات المؤرخين والباحثين لوضع تواريخ تقريبية للأنبياء الذين تم ذكرهم في القرآن الكريم، فقال بعضهم أن ما بين آدم ونوح (عليهما السلام) من السّنين ألفا ومئتا سنة، وما بين نوح وهود (عليهما السلام) ثمانمائة سنة، وما بين هود وصالح (عليهما السلام) مئة سنة، وما بين صالح وإبراهيم (عليهما السلام) ستّمئة وثلاثون سنة، وما بين إبراهيم وموسى (عليهما السّلام) سبعمئة سنة، وقيل خمسمئة وخمس وستّون سنة، ثمّ جاء بعد موسى داود (عليه السّلام) وكان بينهما خمسمئةٍ وتسع وسبعون أو خمسمئة وتسع تسعون، وما بين داود وعيسى ألف و ثلاثٌ وخمسون سنة، وقيل ألف وثلاثمئة وست وخمسون، ثمّ كان بعد عيسى (عليه السّلام) خاتم الأنبياء محمّد (صلّى الله عليه وآله) وكان بينهما ستّمئة سنة.

2022/06/27

العقاب والخوف بعد الموت.. لماذا لا يحبّون الله؟!
يتفاوت الناس في دواعي التزامهم بفعل الأعمال الحسنة وترك الأعمال السيئة، فيوجد فيهم من يكفيه إدراك ما ينبغي أن يعمل، وما ينبغي أن يترك ليكون ملتزماً عملاً، وفيهم من يحتاج إلى معزز يشد من عزيمته، والمعزز أمور كثيرة ـ كما ذكر الباحثون في علم النفس التربوي ـ ومن أهمها أمران:

[اشترك]

  1ـ جعل المحبوب تكرمة و تقديراً، وهو ما يعبر عنه بالمعزز الإيجابي.

  2ـ جعل المبغوض عقاباً و إهانة، وهو ما يعبر عنه بالمعزز السلبي.

   ولا نجد في المجتمعات العقلائية نظاماً أو قانوناً عمليّاً لا يصاحبه قانوناً جزائيّاً، وقد ذكر الدكتور فاخر عاقل في كتابه (علم النفس التربوي) أنه يوجد جدل حول فاعلية المعزز السلبي، ومقدار تأثيره، وذكر في ص 203 أن عالمين قاما في سنة 1944 م بتجربة على 124 طالب، وكانت النتيجة أن الطلاب الانبساطيين المتجهين نحو العالم الخارجي كانت نتيجة التقريع فيهم أشد تأثيراً من الثناء والمدح.

إن المشرع في مقام جعل القانون وحث الناس على الالتزام به لا يقوم بجعل قانون فردي لكل فرد، ثم يضع المعزز المناسب من المدح، والثناء، والوعد بالثواب أو التوبيخ، والذم، والوعيد بالعقاب، وإنما هو يجعل قانوناً عاماً ثم يستعمل أساليب التعزيز المختلفة حتى يكون للجميع تأثير على الجميع، فينفعل كل فرد بما يؤثر به.

حكمة أسلوب التعزيز في بيانات الدين

و قد سلك القرآن الكريم أساليب التعزيز المختلفة، فإن من أكمل مراتب الناس في القرآن الكريم مرتبة الالتزام بأحكام الله تعالى حباً له و شكراً، يقول تعالى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُور َّحِيمٌ } سورة آل عمران: آية 31، غير أنه ليس كل الناس يحركم الحب الإلهي، و يؤثر الإيمان فيهم بالحد الأعلى، فكان مقتضى الحكمة التعزيز بالمعزز الإيجابي والسلبي، فجُعل الثواب والعقاب، لأن التشريع يفقد فاعليته في أغلب الناس بدونهما، وإذا لاحظنا محززات القرآن نجد منها أمرين:

   1ـ بيان على الثواب، و نعيم الجنة، و الكون مع الصالحين، وبلوغ الرضوان الإلهي  ويقول {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا، حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا، وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا، وَكَأْسًا دِهَاقًا، لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا، جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا، رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا، يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا، ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا، إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا} سورة النبأ: آية 31 – 36.

  2ـ بيان العقاب، وعذاب النار، والكون مع الطالحين، و البوء بسخط الله تعالى، يقول تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة البقرة: آية ١٩٦ ، و يقول: {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} سورة البقرة آية ٢١١ ، و يقول: { كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ } سورة آل عمران آية: 11. ويقول: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } سورة المائدة آية: 2 ، و يقول: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} سورة المائدة آية 98.و يقول: {إنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا، لِلطَّاغِينَ مَآبًا، لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا، لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا، إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا، جَزَاءً وِفَاقًا، إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا، وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا، كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا، فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا } سورة النبأ آية: 21 – 30.

الروايات الشريفة على منهج القرآن

و الروايات الشريفة الصادرة عن النبي (صلى الله عليه وآله ) وأهل (عليهم السلام) جرت على منهج القرآن في ذكر المعزز الإيجابي والسلبي، فركزت على الثواب والعقاب، وبينت منازل انتقال المؤمن، وكيف تخرج روحه و تستقبله الملائكة، وما يشاهد في القبر وعالم البرزخ، ويوم القيامة في الحساب و عرصته، وفي الجنة، وبينت أيضاً منازل انتقال الظالمين، و ما يواجهون من عقوبات في مراحلهم المختلفة إلى جهنم، ولو لاحظنا ما ذكره العلامة المجلسي (رحمه الله ) في البحار في كتاب (العدل و المعاد) وما أورد فيه من روايات في أبواب مختلفة؛ لوجدنا أن المعصومين(عليهم السلام) اهتموا أيما اهتمام ببيان المعزز السلبي ـ كما اهتموا ببيان المعزز الإيجابي ـ وذلك في روايات تفوق حد التواتر، وبعضها صحيح السند، و سوف أكتفي بذكر بعض الأمثلة:

المثال الأول: ما ذكره في باب ملك الموت وأحواله وأعوانه، وفيه 52 رواية.

المثال الثاني: ما ذكره في باب سكرات الموت وشدائده وما يلحق بالكافر والمؤمن، وفيه 145 رواية .

المثال الثالث: ما ذكره في باب ما يعاين المؤمن والكافر عند الموت، وفيه 173 رواية.

 ومن هذا الباب ما عن بشارة المصطفى: محمد بن أحمد بن شهريار، عن محمد بن محمد النوسي، عن محمد بن علي القرشي، عن جعفر بن محمد بن عمر الأحمسي، عن عبيد بن كثير الهلالي، عن يحيى بن مساور، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر، عن آبائه (عليهم السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: يحيى بن مساور: أخبرنا أبو خالد الواسطي، عن زيد بن علي، عن أبيه (عليه السلام) قالوا: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده لا تفارق روح جسد صاحبها حتى تأكل من ثمار الجنة أو من شجرة الزقوم، وحين ترى ملك الموت تراني وترى علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً (عليهم السلام)، فإن كان يحبنا قلت: يا ملك الموت ارفق به إنه كان يحبني ويحب أهل بيتي، وإن كان يبغضنا قلت: يا ملك الموت: شدد عليه إنه كان يبغضني ويبغض أهل بيتي.

وفي هذه الأبواب وغيرها بيان الفرق بين سكرات موت المؤمن وغيره، والفرق بين ظهور ملك الموت للمؤمن وظهوره لغيره، وهذا موافق للكتاب، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} سورة النساء آية 97. ويقول تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰٓ إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ۙ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَٰرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} سورة الأنفال: آية 30.

وأما المؤمن فيقول تعالى في بين حاله: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أن لَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} سورة فصلت آية30.

توهم يتضح ما فيه مما تقدم

ومن خلال ما تقدم يتضح أن البيان الديني لعقاب الأعمال، و المكروهات المترتبة على الذنوب والمعاصي لحكمة تربوية، فإن النصوص بينت ما يترتب على الإيمان والعمل الصالح، وبينت ما يترتب على ترك الإيمان وما يترتب على العمل الطالح، ووظيفة المربي الديني أن يسير على حكمة التعاليم الإلهية في القرآن، و روايات أهل البيت(عليهم السلام)، فليس من الصحيح أن يقصر الحديث عن ثواب الأعمال و بشرى المؤمن وما يلاقيه من رحمة حال الموت وفي البرزخ ويوم القيامة، أو أن يقصر الحديث عن عقاب الأعمال، و إنذار المجرمين، وما يلاقونه من عقاب و ضيق حال الموت و في البرزخ و يوم القيامة، وإنما ينبغي بيان ما أراد الله بيانه لكي يتحقق لجميع الناس التأثير المرجو من مجمع المعززات التي تؤثر في الناس مع اختلاف مستوى التأثير، فإن على المصلحين أن يقتدوا بالنبيين والرسل، ووظيفتهم (عليهم السلام) لا تقتصر على التبشير بذكر الثواب و النعيم، وإنما من وظيفتهم الإنذار بذكر الحساب والعقاب، قال تعالى: { رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} سورة آية 165..

 فما يتوهمه البعض من أن على المربي الديني أن يقتصر على بيان حب الله ورحمته ولطفه، لأن في هذا تربية للإنسان على محبة الله و عبادة الله تعالى لله فقط ؛ غير صحيح ؛ فإن الله يحب المؤمن المطيع، وبُغض الكافر والظالم والمتمرد، و ينبغي بيان هذا كما ينبغي بيان ذاك، كما أن أساليب التأثير تختلف من شخص إلى آخر، فليس كل الناس يؤثر فيهم حب الله تعالى فقط، أو يمكن أن يبلغوا مرتبة عبادة الأحرار، و يجتازون عبادة العبيد أو التجار، فلا بد من تنوع المعززات في المجتمع، وما أعظم التأثير فيما إذ قيل للمؤمن: إن الله يحبك لإيمانك، فأحبه لكماله و لفضله عليك، ولا تكفر به أو تعصيه، فتخرج من أهل كرامته ومن جعل الجنة مقامه، وتدخل في أهل نقمته ومن جعل الجحيم مستقرة، وهذا ما تبينه النصوص الدينية.

*الشيخ حيدر السندي – أستاذ في الحوزة العلمية 
2022/06/23

ما هي الأمور التي ترفع العذاب عن المذنب؟
هل هناك أشياء غير التوبة تدفع أو ترفع العذاب عن المذنب...؟!

[اشترك]

الجواب من السيد جعفر مرتضى العاملي (ره):

نعم، إن التوبة ترفع العذاب، ومن لوازمها التكفير في الموارد التي تحتاج إلى الكفارة، وقضاء ما يحتاج إلى القضاء، وتصحيح ما يحتاج إلى التصحيح.

والقصاص مع التوبة، والحدّ أيضاً يرفع العذاب..

ومثله الحصول على المسامحة أحياناً من صاحب الحق.. وذلك كما لو كان في ذمته حق مالي نشأ عن إتلاف مال الغير قبل التكليف، فإنه لا يحتاج إلى التوبة وتكفي فيه المسامحة.

ولكن ذلك لا يعني أن لا تكون هناك آثار واقعية على نفس الإنسان من حيث الكدورة والصفاء وغير ذلك، وقد تكون هناك آثار أيضاً على أولاده، أو على غيرهم.

فلا بد من معالجة هذه الآثار في كل موقع بما يناسبه، ليكون ذلك من قبيل الترميم والإصلاح للخلل الحاصل بسبب ذلك الذنب.

*مقتطف من مختصر مفيد.. (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، للسيد جعفر مرتضى العاملي، «المجموعة الثانية»، المركز الإسلامي للدراسات، الطبعة الأولى، 1423- 2002، السؤال (97).
2022/06/19

هل يمكن فصل ’الولاية الدينية’ عن قيادة الأمة؟
فصل الولاية الدينية عن القيادة والإمارة لا يمكن أن يتصور في حق النبي أو الإمام، ولذا لم نرى منذ عصر الرسالة وإلى يومنا هذا أحد أثار اشكالاً من هذه الناحية، فمن ثبتت له الولاية الدينية ثبتت له الولاية السياسية للتلازم الذي لا ينفك بينهما.

فمهمة الأنبياء هي هداية الناس وإقامة القسط والعدل بينهم، ولا يمكن أن يتحقق ذلك مالم يكن للنبي حق القيادة الذي يمنحه كامل السلطات الدينية والسياسية، قال تعالى: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)، فاستحقاق داود للخلافة والحكم كان من جهة كونه نبي ورسول، وبالتالي لا يمكن تجريده من السلطة السياسية إلا إذا تم تجريده من السلطة الدينية، وهذا لا يكون إلا بعد الكفر بالنبوة والرسالة، وعليه فإن فلسفة بعث الأنبياء والرسول تقوم في الأساس على قيادة الناس في ما يصلح دنياهم وآخرتهم، قال‌ تعالی‌: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) والملاحظ أن الآية ربطت بشكل واضح بين انزال الكتاب والميزان وبين انزال الحديد، وهو أمر غير مفهوم مالم لم يكن للحديد علاقة مباشرة بهدف انزال الكتاب والميزان وهو قيام الناس بالقسط، فالكتاب والميزان لا يجدان طريقها للواقع من دون وجود سلطة وقوة تدعمها، ولذا جاء ذكر الحديد في الآية لمنح شرعية القتال واستخدام القوة من أجل إقامة القسط والعدل.

وهنا نسأل كيف يتيسر للنبي القتال وهو لا حق له‌ في‌ التدخل‌ في‌ شؤون‌ الحكم والسياسة؟ بل لم تكتفِ آيات القرآن بإعطاء النبي الحق في القتال وإنما امرت الجميع بالقتال معه وتحت قيادته، قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) فبأي حق وبأي سلطة يقود الناس للحرب والقتال وهو لا يمتلك حق الإمارة والقيادة؟ وقد بين لنا القرآن كيف قاتل داوود جالوت وكيف انتزع منه الحكم والملك، قال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ)، وبذلك يتضح أن سلطة الأنبياء وحاكميتهم تمثل المسار الذي جعله الله لخلافة الإنسان في الأرض، وقد أكدت آيات القرآن على أن أصلحهم ديناً أصلحهم للحكم والخلافة، وذلك عندما ربطت الآيات بين استحقاق الخلافة وبين الإيمان والعمل الصالح، وقال تعالى: (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ)، فاستحقوا خلافة الأرض بعد أن حققوا الإيمان والعمل الصالح، ولكن الذي حدث هو أن البشر لم يسلموا لقيادة الأنبياء وتمردوا على سلطاتهم السياسية فتحكم عليهم الطواغيت والظلمة وقادوهم بالحديد والنار.

ومضافاً للسنة العامة للأنبياء هناك آيات تأمر المؤمنين بضرورة الرجوع للرسول فيما له علاقة بالأمور الإدارية والسياسية، مثل قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا). حيث حددت الآية وظيفة المؤمنين اتجاه القيادة الشرعية وضرورة الرجوع إليها في الأمور المتعلقة بالشأن السياسي والعسكري، وقد عطفت الآية أولي الأمر على الرسول مما يدلل على اشتراكهما في شأن القيادة السياسية.

فالأنبياء والأئمة المعصومين من أهل البيت لهم حق الولاية على الناس، ولذا عندما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينصب علياً خليفة من بعده في يوم الغدير قال: (ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقلنا بلى يا رسول اللّه‏. قال: فمن كنت مولاه فعليّ مولاه اللهم والِ من والاه وعادِ من عاداه) فمن كانت له ولاية على الناس أكثر من ولايتهم على أنفسهم ألا يكون له حق القيادة السياسية؟

وفي المحصلة متى ما ثبتت نبوة نبي، أو إمامة إمام، ثبت له حق الولاية الدينية والسياسية، ومن هنا لم يفرق الإسلام بين المسؤولية الدينية والمسؤولية السياسية، فأوجب طاعة النبي سياسياً كما أوجبها  دينياً، وقد امر رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الأمة بضرورة تقديم الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) والانقطاع إليهم في جميع أمورها، إلا أن الأمة انقلبت عليهم وأزالتهم عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها، وهذا ما حدث بالفعل، حيث لم تعترف الأمة بالقيادة السياسية لأهل البيت، وكانت النتيجة أن تحكم فيهم الطواغيت والظلمة إلى يومنا هذا، مع أن رسول حذرهم من خطورة ذلك حيث قال: (معاشر الناس آمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزل معه من قبل أن يطمس وجوهاً فنردها على أدبارهم أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت، النور من الله فيَّ ثم في علي ثم في النسل منه إلى القائم المهدي. معاشر الناس: سيكون من بعدي أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون، وإنَّ الله وأنا بريئان منهم، إنَّهم وأنصارهم وأتباعهم في الدرك الأسفل من النار، وسيجعلونها ملكاً اغتصاباً فعندها يفرع لكم أيها الثقلان ويرسل عليكم شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران).

 وعندما بويع الإمام علي (عليه السلام) للخلافة بويع بقرار ثوري من عامة الناس الذين خرجوا على عثمان، ولو لم يكن القرار ثورياً يتناسب مع الظرف الثوري الذي أطاح بالحكومة السابقة لما آلت الأمور للإمام علي البتة، فالنخبة السياسية وقيادات الصف الأول هي في العادة من تتحكم في الخيارات السياسية الكبرى، ولو سنحت لها الفرصة واتسع لها الوقت لكانت وجَّهت الجماهير التي تدافعت على الإمام علي (عليه السلام) الى وجهة أخرى، وعندما وضعت هذه القيادات أمام الأمر الواقع بايعوا ولكن سريعاً ما نكثوا بيعتهم ثم ألبوا الجموع البعيدة وساروا بها الى حرب الإمام (عليه السلام) في الجمل وصفين، فأمير المؤمنين (عليه السلام) أصبح خليفة عندما كانت المبادرة في يد عامة الناس، ومن ثم لم يسمحوا له بممارسة دوره في القيادة السياسية فتأمروا عليه حتى اردوه قتيلاً في محراب صلاته.

2022/06/06

لا إكراه في الدين.. لماذا يُعاقب الكافر؟!
يبتني هذا الإشكال على تفسير غير واقعي للحرية، ولكي تتم الإجابة لابد من بيان مفهوم الحرية ولو بشكل عام.

[اشترك]

هناك تفسيران للحرية:

التفسير الأول: هو التفسير الذي يتصور الحرية على أنها مطلق القدرة على الاختيار، فالإنسان الحر هو الإنسان القادر على اختيار ما يحب ويرغب من دون وجود أي سلطة خارجية أو داخلية تمنعه من ذلك، أي أن العامل الوحيد الذي يتحكم في اختيارات الإنسان هو فقط الرغبة والميل الشخصي، فمثلاً إذا أراد الرجل أن يتحول إلى أنثى أو أرادت الأنثى أن تتحول إلى رجل فلهما الحق في ذلك ولا يجوز منعهما بأي سلطة دينية أو أخلاقية أو اجتماعية؛ لأن ذلك من حريتهما الشخصية والحرية تعني أن يختار الإنسان ما يحب ويرغب فيه، وهذا ما تروج له الليبرالية حيث جعلت الحرية الشخصية حرية مطلقة طالما لا تصادر هذه الحرية حرية الاخرين، وبذلك لا يجوز للدين أو العقل أو القيم الأخلاقية أو الأعراف الاجتماعية أن تتدخل في تحديد ما يجب فعله وما يجب تركه، أي أنها حرية لا تعترف بأي معايير للسلوك الإنساني ما عدا الرغبة الشخصية فقط.

والذين أسسوا لهذا المفهوم نظروا للحرية بوصفها مفهوماً مجرداً، ولم ينظروا لها بوصفها حقيقة لها علاقة بالإنسان، فالحرية كمفهوم مجرد تعني أن تتساوى جميع الخيارات في ذات المرتبة، وهي بالتالي لا تعترف بوجود مرجحات موضوعية تفرض على الإنسان خيار دون الخيارات الأخرى، وبمعنى أخر فإن الحرية في مفهومها المجرد حرية لا معيارية؛ لأن المفهوم المجرد للحرية لا يستقيم مع وجود معيار يلزم بفعل دون الفعل الاخر.

وهذا خلاف النظر للحرية ضمن الفلسفة الكلية للإنسان، فالحرية ضمن هذا التصور تعني ضرورة أن يكون هناك خيار أولى من الخيار الاخر، وحينها يتعين على الإنسان اختيار الخيار الراجح دون المرجوح، أي أنه ليس حراً في فعل ما يحب ويشتهي، فإنسانية الإنسان تلزمه بترجيح خيارات على خيارات أخرى، فمثلاً إذا نظرنا للحرية في علاقة الأب بطفله، فتارة نتصورها على أنها حرية مطلقة، وعندها لا يحق للأب ممارسة أي سلطة إلزامية تمنع الطفل مما يرغب فيه، بل يكون حراً في فعل ما يشاء وأكل ما يشتهي حتى لو أدى ذلك إلى ضرره، وتارة ننظر للحرية ضمن إطار رؤية كلية للإنسان، وحينها يجب أن تخدم الحرية الغايات الكبرى للإنسان، ومن هنا لا يجوز أن ينظر الأب لطفله بوصفه مجرد موجود له رغبة، وإنما يجب النظر إليه بوصفه موجود له هدف كلي يجب أن يحققه، وبالتالي هناك جوانب أخرى يجب رويتها في الطفل غير رغبته الشخصية، وعندها لا تكون الضوابط التي تكبح رغبة الطفل متعارضة مع حريته، وإنما يظل الطفل حراً في إطار وجوده كإنسان له غايات، وفي هذه الحالة تفهم الحرية في إطار الشروط العقلانية التي تفرضها فلسفة وجود الإنسان في الحياة، وبذلك نكون قد فرقنا بين الحرية كمفهوم مطلق ومجرد وبين الحرية بوصفها واقعية إنسانية.

فالحرية المجردة التي تسبح في الفراغ والتي لا تواجهها موانع ولا حدود قد لا تكون موجودة حتى في عالم المجردات، وما يقع فيه بعض المندفعين نحو الحرية هو الانطلاق من المفهوم المجرد ومن ثم اسقاطه على الإنسان دون الاكتراث لوجود مساحة فاصلة بين الحرية المجردة وبين الحرية كواقعية إنسانية.

التفسير الثاني للحرية: هو التفسير الذي يجعل الحرية ضمن إطار المسؤولية، أي أن الإنسان الحر هو الإنسان المسؤول عن فعله، وبالتالي ليس من حقه أن يختار ما يحب ويرغب، وإنما يتعين عليه دوماً اختيار ما يمثل الحق والصواب، وتحديد ما هو حق وصواب يكون عن طريق الدين أو العقل أو العلم أو القيم الأخلاقية، ولا يحق للإنسان فعل ما يشاء بشكل عبثي وتبعاً لهوى النفس وشهواتها؛ لأن ذلك فيه تشويه لإنسانية الإنسان وتشويهاً لحريته، فالإنسان لا يعيش في الفراغ ليفعل ما يشاء، ولم يكن هو الذي خالق الأشياء لكي يفعل فيها ما يريد، وإنما يعيش الإنسان ضمن واقع فيه حق وباطل، وخير وشر، وجميل وقبيح، وظلم وعدل، وعلى الإنسان أن يمارس حريته في اختيار الحق على الباطل، والخير على الشر، والجميل على القبيح، والعدل على الظلم، وبهذا الشكل ينتقل الإنسان من كونه كائن أناني وشهواني يتحرك بدون بصيرة حياتية، إلى مخلوق عاقل ومنضبط بمنظومة من القيم الأخلاقية ومتسامي عن رغباته الدونية.

ومسؤولية الإنسان لا تقف عند حدود الجانب السلوكي والاخلاقي فقط، وإنما تتسع لتشمل مسؤوليته اتجاه أفكاره ومعارفه، فليس من حق الإنسان أن يعتقد بما يشاء أو يؤمن بما يحب ويهوى، وإنما يتعين عليه الاعتقاد بما هو حق وصواب، ومن هنا لا يحق له بدعوى الحرية ترجيح الكفر على الإيمان، وإنما يتعين عليه اختيار الإيمان وإلا سيكون مستحقاً للعذاب والمسائلة، فوجود الله من الحقائق الفطرية التي لا ينكرها إلا الجاحد للحقائق الواضحة، قال تعالى: (قالَتْ رُسُلُهُمْ أَ فِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ)، وتدل هذه الآية على أن الشك والارتياب في وجوده سبحانه مما لا يمكن ولا ينبغي لعاقل ارتكابه، لأنه من الحقائق الفطرية التي يلتفت إليها كل إنسان بمجرد تنبيه وتذكريه، والحرية في إطار المسؤولية تعني أن يختار الإنسان الإيمان بالله بوصفه حق وواقع، ومن الطبيعي أن يحاسب الإنسان المسؤول علي خياراته، فمن كفر وجحد بالحق لا بد أن يحاسب ويعذب، قال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) فبما أن الرشد باين ومتمايز عن الغي حينها يجب على الإنسان الالتزام بالرشد وتجنب الغي، ومع ذلك فإن الإنسان بإمكانه أن يتنصل عن مسؤوليته ويختار بهواه الغي على الرشد إلا أنه سوف يحاسب على هذا الاختيار، قال تعال: (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا)، وفوق كل ذلك بعث الله الأنبياء وانزل الرسالات ليذكر الإنسان بضرورة الإيمان به، ويبشره بالنعيم الذي ينتظره إذا هو آمن، ويحذره من العذاب إذا هو كفر وتمرد، فالله لا يعذب الإنسان إلا بعد أن يقيم عليه الحجة ويبين له الطريق، قال تعالى: (مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا). "

2022/06/02

أول ليلة في ’القبر’.. ضغطة وسؤال وجواب!
كتب المرحوم الشیخ عباس القمي في كتابه الشریف «منازل الآخرة»:

[اشترك]

«أحد منازل الآخرة المهولة: القبر، فإنه في كل یوم یقول: أنا بیت الغربة، أنا بیت الوحشة، أنا بیت الدود، ولهذا المنزل عقبات صعبة جداً، ومنازل ضیقة ومهولة، ثم یشیر إلی عدة عقبات، ویقول: العقبة الأولی: وحشة القبر، العقبة الثانیة: ضغطة القبر، والعقبة الثالثة: مسألة منكر ونكیر في القبر».

وقد وردت روایات تصرح بأن منزل القبر صعب جداً، لكنه سهل للمؤمن، وعلی أي حال: في القبر، ظلمة ووحشة، غربة، ضغطة، وأسئلة عقائدیة وسلوكیة صعبة وشاقة للغایة، روي عن أمیر المؤمنين علي (عليه السلام) أنه قال: «يا عباد الله ما بعد الموت لمن لا يغفر له أشد من الموت القبر فاحذروا ضيقه و ضنكه و ظلمته و غربته إن القبر يقول كل يوم أنا بيت الغربة أنا بيت التراب أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود و الهوام و القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار... وإن المعيشة الضنك التي حذر الله منها عدوه عذاب القبر إنه يسلط على الكافر في قبره تسعة و تسعين تنينا فينهشن لحمه و يكسرن عظمه يترددن عليه كذلك إلى يوم يبعث لو أن تنينا منها نفخ في الأرض لم تنبت زرعا يا عباد الله إن أنفسكم الضعيفة و أجسادكم الناعمة الرقيقة التي يكفيها اليسير تضعف عن هذا...». [1]

لكن المهم أن نعرف أولاً: ما سبب ضغطة أو عذاب القبر؟ وثانیاً: أي الأسباب تنجي من ضعطة وعذاب القبر؟ وثالثاً: عن ماذا یسأل في القبر؟ وبأي كیفیة؟

روي عن الإمام الصادق علیه السلام أنه قال: «أیما مؤمن سأله أخوه المؤمن حاجة وهو یقدر علی قضائها ولم یقضها له سلط الله علیه شجاعاً في قبره ینهش أصابعه».[2]

أسباب ضغطة القبر: أما أسباب ضغطة القبر فهي كالتالي:

1- إضاعة النعم الإلهیة.

2- عدم الاحتراز من البول، والاستخفاف به، یعني استسهاله، وعدم رعایة الطهارة والنجاسة.

3- النمیمة.

4- الغيبة

5- ابتعاد الرجل عن أهله.

6- سوء الخلق وغلظة القول مع أهله.

أسباب النجاة من عذاب القبر:

1- قراءة سورة النساء في كل جمعة.

2- المداومة علی قراءة سورة الزخرف.

3- قراءة سورة القلم في الفریضة أو النافلة.

4- من مات بین زوال الشمس من یوم الخمیس إلی زوال الشمس من یوم الجمعة .

5- صلاة اللیل.

6- وضع جریدتین رطبتین مع المیت (تحت أبط المیت الیمنی والیسری).

7- وردت روایات كثیرة في استحباب رش القبر بالماء بعد دفن الميت و إبقاء القبر رطباً مادامت الجریدتین رطبتین، فإن الله یرفع عنه العذاب ما دام القبر رطباً.

8- الصلاة عشر ركعات في اول یوم من رجب ف كل ركعة فاتحة الكتاب مرة و قل هو الله أحد ثلاث مرات. (منازل الاخرة).

9- الصیام 4 أیام من رجب.

10– الصیام 12 یوماً من شعبان .

11- قراءة سورة «تبارك الملك» فوق قبر الميت .

12- أن یقرأ هذا الدعاء إلی جانبه بعد دفن الميت «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ أَنْ لَا تُعَذِّبَ هَذَا الْمَيِّتَ إِلَّا رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ الْعَذَابَ إِلَى يَوْمِ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ»[3]، وروي أنه هذا الدعاء یقرأ ثلاث مرات.

13- صلاة ركعتین في لیلة الجمعة؛ روي عن رسول الله صلی الله علیه وآله أنه قال:«من صلی لیلة الجمعة ركعتین یقرأ فیهما بفاتحة الكتاب وإذا زلزلت الأرض زلزالها خمس عشرة مرة آمنه الله من عذاب القبر ومن أهوال یوم القیامة».[4]

السؤال و الجواب في القبر:

من المسلمات الاعتقادية في المذهب الشيعي: الاعتقاد بالسؤال و الجواب في القبر. روي عن الامام الصادق (ع) قال: «من أنكر ثلاثة أشیاء، فلیس من شیعتنا: 1- المعراج 2- المسائلة في القبر 3- الشفاعة».[5]

ویستفاد من روایات كثیرة: أن الله ینزل علی الانسان بعد الموت ملكین اسماهما ناكر ونكیر أو منكر ونكیر فیسألانه عن أصوله وعقائده، التوحید، النبوة، الولایة، وكیف أنفق ماله، واكتسبه، فإن كان مؤمناً أجاب، فتعمه رحمة الحق ورعایته، وإن لم یكن مؤمناً، صمت ولم یجب، وابتلي بالعذاب الشدید البرزخي في قبره.

وفي روایات أخری: یأتي الملكان منكر ونكیر بهیئة موحشة مرعبة حین یدفن المیت، أصواتهما كالرعد القاصف، وأبصارهما كالبرق الخاطف، فیكون الجواب في تلك الحال صعباً جداً، ولهذا، یستحب تلقین المیت مرتین . روي: « أن الامام علي بن الحسين(ع) كان یعظ الناس ویزهدهم في الدنیا، ویرغبهم في أعمال الآخرة، بهذا الكلام في كل جمعة في مسجد رسول الله صلی الله علیه وآله وحفظ عنه وكتب كان یقول: أیها الناس اتقوا الله وأعلموا أنكم إلیه ترجعون...».[6]

و ورد أیضاً في كلام له علیه السلام إشارة منه إلی مجيء منكر ونكیر إلی المیت في القبر، بشكل مخیف ومرعب، فقال علیه السلام: «أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ مَا يَسْأَلَانِكَ عَنْ رَبِّكَ الَّذِي كُنْتَ تَعْبُدُهُ وَ عَنْ نَبِيِّكَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكَ و عَنْ دِينِكَ الَّذِي كُنْتَ تَدِينُ بِهِ وَ عَنْ كِتَابِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتْلُوهُ وَ عَنْ إِمَامِكَ الَّذِي كُنْتَ تَتَوَلَّاهُ ثُمَّ عَنْ عُمُرِكَ فِيمَا كُنْتَ أَفْنَيْتَهُ وَ مَالِكَ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبْتَهُ وَ فِيمَا أَنْتَ أَنْفَقْتَهُ فَخُذْ حِذْرَكَ وَ انْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ أَعِدَّ الْجَوَابَ قَبْلَ الِامْتِحَانِ وَ الْمُسَائَلَةِ وَ الِاخْتِبَارِ فَإِنْ تَكُ مُؤْمِناً عَارِفاً بِدِينِكَ مُتَّبِعاً لِلصَّادِقِينَ مُوَالِياً لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ لَقَّاكَ اللَّهُ حُجَّتَكَ وَ أَنْطَقَ لِسَانَكَ بِالصَّوَابِ وَ أَحْسَنْتَ الْجَوَابَ وَ بُشِّرْتَ بِالرِّضْوَانِ وَ الْجَنَّةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ الْمَلَائِكَةُ بِالرَّوْحِ وَ الرَّيْحَانِ وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ تَلَجْلَجَ لِسَانُكَ وَ دُحِضَتْ حُجَّتُكَ وَ عَيِيتَ عَنِ الْجَوَابِ وَ بُشِّرْتَ بِالنَّارِ وَ اسْتَقْبَلَتْكَ مَلَائِكَةُ».[7]


الهوامش:  [1] (بحار الانوار، ج6، ص 218، باب 8 - أحوال البرزخ والقبر وعذابه). [2] (بحار، ج 74، ص330). [3] (ثقة الاسلام حاجي نوري، مستدرك الوسائل ج 2 ص 372 باب 49 باب استحباب الدعاء بالمأثور عند...). [4] مصباح المتهجد،ص228. [5] نتائج الأفكار،السید الگلبایگاني،ج1، ص211. [6] الكاف،الكلیني،ج8،ص72،ح29. [7] (الكليني، الكافي ج 8 ص 72 و محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج 6 ص 223 حديث 24).
2022/05/31