فكر وثقافة
الدنيا فانية: هل يدعونا الدين إلى الكسل والاستسلام للواقع؟!
"الدنيا فانية"، "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"، "وما الدنيا الا متاع الغرور"، سماع مثل هذه المقولات هل يعني أننا يجب أن نستسلم للواقع وننتظر جنات الخلود ونوقف عجلة التغيير لدى المجتمع؟

[اشترك]

إن من الموضوعية الاعتراف بوجود فهم مشوه يقدم مقولات الزهد على أنها استسلام وهروب من تحمل مسؤوليات الحياة، ومن هنا لا يمكننا الدفاع عن التدين الذي يتصور حالة من التنافي التام بين الدنيا والآخرة، ولتقديم مقاربة لواقع التدين وما ينبغي أن يكون عليه، لا بد من البحث عن الإنسان والأديان وعلاقة كل واحد منهما بالأخر.

فهل الأديان وجدت من أجل الإنسان؟ أم وجد الإنسان من أجل الأديان؟ وبعبارة أخرى، هل الدين يسعى لتحقيق شيء للإنسان؟ أم الإنسان هو الذي يسعى لتحيق شيء للأديان؟

وكل واحد من اللحاظين قد يعكس مفهوماً للدين مغايراً للأخر، فالدين الذي يكون محور اهتمامه هو الإنسان؛ لابد ان يراعي طموحات الإنسان، وآماله، وآلامه، محققاً بذلك تداخلاً وتفاعلاً لا يستغني الإنسان عنه، فالإنسان الذي يغفل عن نقاط ضعفه، ولا يلتفت إلى نقاط قوته، بحاجه دائمة لمن يذكره ويعزز ثقته، والدين بهذا الوصف ليس شيئاً غير التذكير والتنبيه (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) . يذكره بعقله وضرورة العمل به (أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، وبأن العلم هو الذي يحقق السمو والتكامل (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)، ويأمره بالأخلاق الفاضلة، والتحلي بالقيم المثلى (عِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً)، وينهاه عن الهوى، والشهوات، وصغائر الامور، (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى). والإنسان في معترك الحياة لا يستغني عمن يدفعه ويأخذ بيده إلى ما فيه صلاحه.

والدين بهذا الوصف ليس صلاحاً للإنسان على مستوى الحياة الدنيا فحسب؛ وإنما أيضاً يفتح له الآفاق لحياةٍ أخرى كان غافلاً عنها، فالإنسان عندما يصبح كاملاً في حدود إنسانيته، لا يكون لكماله معنى إذا أكله التراب وأندثر إلى  الابد، ومن هنا كان هناك ضرورة للدين الذي يحقق للإنسان أملاً في حياة ليس لها حد محدود (قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وبالتالي تصبح كل اهتمامات الأديان هي الإنسان، والدين بهذا المعنى لا يكون ديناً إلا إذا حقق للإنسان قيمة حياتيه وأخرويه.

أما التيارات اللا دينية فلها صورة أخرى لعلاقة الإنسان بالأديان، فهي تصور الدين بوصفه حالة استلاب وتنازل من قبل الإنسان لصالح الأديان، فالإنسان ضمن هذا التصور يتخلى وبمحض إرادته عن عقله من أجل نصوص وحيانية، ويهمل أسباب العلم من أجل إيمانيات غيبية، ويترك دنياه من أجل حياة أخرى موعودة، وهكذا يعيش الإنسان ويموت من أجل الأديان، وبذلك تعلن الأديان انتصارها الابدي على حساب الإنسان.

وقد يرتكز هذا التصور على شواهد من واقع التدين الشكلي، حيث يُسخّر الإنسان فيه كل طاقاته من أجل الحفاظ على مسمى الدين بعيداً جوهره وحقيقته، ولو اكتفينا بواقع بعض الجماعات المسلمة، ومدى تأثير هذا التدين على واقع الإنسان الحضاري، لاجتمعت عندنا شواهد كثيرة تغيّبُ فيها قيمة الإنسان وكرامته، فبعض الخطابات الإسلامية لا تلتفت كثيراً للإنسان كقيمة محورية في الإسلام، فالعقيدة عندهم ليست رؤية معرفية واساساً صلباً لقيم الإنسان الحضارية، وإنما هي مجرد أفكار يجب الإيمان بها حتى لو لم تكن لها انعكاس إيجابي على مستوى الحياة الدنيا، كما أن التشريعات لم تعد الإطار الذي يجعل من سلوكيات الإنسان سلوكيات حضارية، فعندهم انفصلت الأحكام عن قيمها وابتعدت التشريعات عن حِكمها، فأصبحت طقوس فارغة وشكليات لا معنى لوجودها.

هكذا هو حال الوعي الديني عند بعض الجماعات المسلمة، لم يكترث للإنسان وإلى ما يعانيه من جهل ورجعية وتخلف وتبعية، بل قد يلعب هذا الوعي المشوه دوراً سلبياً عندما يبرر الواقع الفاسد ويخدر الناس باسم الدين نفسه، من أجل أن يتعايشون مع مصيرهم ويرضوا بما قسم لهم من عناء، فالكرامة المهدورة، والحقوق المضيعة، والحريات المصادرة، والفقر المستشري، والجهل المُتحكّم، كل ذلك ضريبة الإيمان عندهم، فالدنيا عندهم جنة الكافر والآخرة جنة المؤمن وليس له نصيب من الحياة، أو هكذا يراد لهم أن يفهموا الدين.

ومن هنا فإن البحث عن قيمة للإنسان وفهم الدين ارتكازاً على هذه القيمة هو الكفيل بفضح التدين السلبي في واقع المجتمعات المسلمة، وقد تعرضنا في أجوبة سابقة للكثير من الإشكالات التي تحمل الإسلام مسؤولية التخلف والرجعية في العالم الإسلامي، وسوف نكتفي هنا بالإشارة إلى الفهم الخاطئ لبعض المقولات الدينية مثل "الدنيا فانية". "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". "وما الدنيا الا متاع الغرور".

فالأمر المؤكد أن هذه المقولات لا تعارض مسؤوليات الإنسان اتجاه الحياة وضرورة اعمار الأرض، فهي بالأساس تهدف إلى خلق توازن بين الدنيا والآخرة، فالإنسان بطبعه الغريزي اكثر حرصاً على الدنيا، فمع أن الموت حقيقة حتمية إلا أن الإنسان يميل إلى عدم التصديق به، وقد قال الامام علي (عليه السلام) في ذلك: "ما رأيت حقاً اشبه بالباطل كالموت"، ومن هنا كان الإنسان في حاجة ماسة إلى من يذكره دوماً بحقيقة فناء الدنيا، فوظيفة الدين هي ربط الإنسان بالآخرة، أما الدنيا فلا يحتاج الإنسان إلى من يربطه بها، قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

 فالاهتمام بالجانب المادي للإنسان ضروري ولكن بشرط ألا يكون على حساب الجانب الروحي لديه، فكما يشعر الإنسان بحاجة مادية يشعر كذلك بحاجة روحية، والافراط والتفريط في أي واحد منهما قد يحقق مكسباً في جهة ولكن على حساب خسائر في جهة أخرى، وهكذا يبقى الانسان ضائعاً وفي حاجة ابدية لمن يحقق له توازن الروح والجسد، وهذا لا يتم إلا بفهم الدنيا في إطار الآخرة، فدعوة الدين إلى التعقل يفتح الطريق نحو تفاعل منطقي مع متطلبات الحياة، وتزهيد الدين في الدنيا يفتح الطريق إلى السكينة والانسجام الروحي، ولكي تكتمل هذه النظرة التكاملية لابد من النظر إلى الإنسان بوصفه محوراً وقيمة أساسية للأديان.

وبذلك يصبح التدين هو الإطار الذي تتساوى فيه أهمية الإنسان كمادة وروح، فليس التدين حالة من الجذب الوجداني فقط، وإنما ايضاً حالة من الوعي المرتبط بالحياة والمتفاعل معها، فالمتدين حقاً هو الذي يحقق وعياً بوجوده ووعياً بمحيطه، فيحافظ على سمو روحه وسلامة بدنه وصلاح مجتمعه، أما التدين الشكلي فهو انعكاس لحجم الإحباط الذي عاشه المسلم، ففضل الهروب بدل المواجهة وتزرع بهذا الفهم المشوه الذي يرفع المسؤولية عن كاهله.

2023/03/08

شك في الأحكام ورفض للدين.. هل بيننا ملحدون؟!
وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ.

[اشترك]

يلحظ الناظر في الفضاء العام الإسلامي كلاما حول وجود تشكيك في الأحكام الدينية، أو رفض لبعضها، أو رد لبعض الاعتقادات الإسلامية.

بل ربما تصاعد ذلك إلى التشكيك في أصول الاعتقادات، ويشير هؤلاء إلى تغيير بعض الناس لإسلامهم، والانتقال عنه إلى مثل المسيحية، بل ما هو أكبر وهو عدم الاعتقاد بالله، أو ما اصطلح عليه بالإلحاد. 

في البداية لا بد من التفريق بين مستويات: حالة من اللا التزام الديني المبرر بفكرة التشكيك أو الالحاد: بل يريد الانسان ليفجر أمامه للتهرب من الالتزامات. 

لماذا تحدث الحالة اللادينية؟

١- اليقينيات بالجملة قد تنتج شكا بالجملة: يتصور البعض أن تفاصيل المسائل الاعتقادية هي يقينيات لا بد من الايمان بها جملة واحدة وبنفس المستوى وأن التشكيك في بعض منها مرفوض (على طريقة لعن الله الشاك !!)، مع أنه لا بد من التفريق بين المسائل الأصيلة وبين فروعها.. لا يمكن أن يتساوى الايمان بالله الواحد الأحد، أو الايمان بالنبي محمد، مع الايمان بالرجعة للأئمة! في المستوى الأول من لا يؤمن بها بالتفصيل يصبح غير مسلم، بينما من لم يصل إلى الاعتقاد بالرجعة لا يخرج من الإسلام ولا التشيع! وفي مدرسة الخلفاء لا بد من التفريق بين الايمان بأصل المعاد، وبين الاعتقاد بعدالة كل الصحابة! مثلا أو بأن الميزان يوم القيامة هو مثل موازين الدنيا له كفتان!

أحد الباحثين قال (ومن المسائل المهمة أيضا هي أن طبيعة الخطاب الديني عندنا تدفع الشخص لأن يعتقد أو يفترض بأنه سيوقن بكل شيء، التربية على اليقين (في كل شيء) لها تأثير سلبي، فبمجرد أن يدخل الشك في مسألة تبدأ المسائل كلها تنفرط لأنها بذات الدرجة من اليقينية! وهكذا يصبح الشك أو الارتباك أمام بعض القضايا سببا أو دافعا لأن يشك هذا الشاب في كل شيء، وهذا أمر خطير، عدد من هؤلاء الذين ألحدوا كانت شرارة الإلحاد بالنسبة لهم هو أن إحدى المسائل التي تربوا على أنها مسألة يقينية ومحسومة اكتشفوا أن فيها خلافا شديدًا بين أهل الدين أنفسهم، فشعروا بأنهم كانوا مخدوعين أو أن ما تربوا عليه وغرس في عقولهم كان خاطئاً، وربما كانت هذه المسألة فقهية بسيطة! 

2- تعليلات علمية ونظريات دينية حول الخلق والكون: ابتليت الكنيسة في أوروبا بخوض صراع جاهل مع العلماء الطبيعيين، وأنتج ذلك تراجعا في إيمان الناس.. ولم يحدث في الحالة الإسلامية هذا بنفس المقدار لكون الدين يحث على العلم، إلا أن قسما من علماء الدين أو بعض التراث الديني، قدم للناس نظريات، وسميت بأنها نظريات دينية تامة، ثم جاء العلم الحديث وقدم تخطئة لها، وهذا ما جعل دارسي العلم الحديث يشككون في تلك النظريات (المسماة دينية) ويرفضونها، (مثال مرض الصرع حيث قدم تاريخيا على أنه عارض يحصل بسبب دخول الجن في الشخص، جاء العلم وقدم نظرية تقوم على أساس أنه كهرباء زائدة في البدن وأصبح له علاجاته كما يقول أحد الأطباء: فإن الصرع حالة مرضية مزمنة ناتجة عن زيادة النشاط الكهربائي لخلايا المخ وينتج عنها اختلال في وعي المريض وتصرفاته لمدة مؤقتة تزول من دون إحداث أي تغيرات دماغية بعد زوالها).

وإذا كانت بعض الآراء (الدينية) ترفض فكرة كروية الأرض أو أنها تدور حول نفسها أو حول الشمس أو تؤكد أنها على قرن ثور، فإن العلم الحديث قد رفض هذه الآراء وبرهن على خطئها.. وقد جر هذا إلى التشكيك في قضايا مثل: الملائكة والجنة والنار، والاله وهكذا التفريق بين الحقائق العلمية والنظريات العلمية، وأنه ليس كلما قاله العلماء والعلم في وقت ما هو حقيقة نهائية.

٣- حركة احتجاج اجتماعي أو سياسي أو فاقدة للثقة بالموجود: الاحتجاج على الحكومة الدينية أو الحالة الدينية يأخذ هذا المدى، او الاحتجاج على الشخصيات الدينية أو الاجتماعية أو على الوضع السياسي القائم .. الربط بين الدين وبين رجاله (أثر النماذج السيئة على التدين). 

عالم ينحرف يتبين للناس أنه منحرف.. قال أحد العلماء: "نصف أوزار الملحدين في هذا العالم يحملها متدينون كرّهوا خلق الله في دين الله".

٤- الحيرة أمام أسئلة نظرية: تساؤل عن عدالة الله في الامراض والبلايا والظلم في كل مكان ..الخ  او الأحكام قضايا القصاص والحدود والعقوبات الدنيوية وأمثال ذلك الخمس والضرائب المالية! انفتاح لا محدود على الأفكار قبل مرحلة النضج، نداء لأهل الأفكار ان يتقوا الله في هذا الجيل: البعض منهم يفقد توازنه عندما يعرف بعض الكلمات ويجادل في بعض الثوابت: كما قال عبد السلام ديك الجن " أَتَاني هَواها قبلَ أَنْ أَعْرِفَ الهَوَى فصادَفَ قَلْباً خَالياً فَتَمَكّنَا"، يرافقه دعوة خاطئة إلى اتخاذ الشك منهجا لليقين، لكل شخص! وكأن الكل له استعداد ذلك! 

في العلاجات يمكن القول ما يلي:

أولا: الاحتضان والمناقشة: على المجتمع أن يحتضن المشككين وأن لا يكون عونا للشيطان عليهم! بين توجه العباسيين: صاحب الزنادقة والإعدامات وبين توجه الامام الصادق عليه السلام. 

في توحيد المفضل: إنه لما سمع المفضل من ابن أبي العوجاء، بعض كفرياته، لم يملك غضبه، فقال: يا عدو الله ألحدت في دين الله، وأنكرت البارئ جل قدسه، إلى آخر ما قال له .

فقال ابن أبي العوجاء: يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك، فإن ثبت لك الحجة تبعناك، وإن لم تكن منهم فلا كلام لك، وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام فما هكذا يخاطبنا، ولا بمثل دليلك يجادلنا، ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا، وإنه الحليم الرزين، العاقل الرصين، لا يعتريه خرق، ولا طيش ولا نزق، يسمع كلامنا، ويصغي إلينا، ويستعرف حجتنا حتى إذا استفرغنا ما عندنا، وظننا إنا قد قطعناه، دحض حجتنا بكلام يسير، وخطاب قصير، يلزمنا به الحجة، ويقطع العذر، ولا نستطيع لجوابه ردا، فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه. (الشيخ عباس القمي في الأنوار البهية). الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم قال قال أبو شاكر الديصاني: إن في القرآن آية هي قولنا (الثنوية، يزدان في السماء وأهريمن في الارض) قلت: ما هي؟ فقال: (وهو الذي في السماء اله وفي الأرض اله)، فلم أدر بما أجيبه فحججت فخبرت أبا عبد الله (عليه السلام) فقال: هذا كلام زنديق خبيث إذا رجعت إليه فقل له ما اسمك بالكوفة؟ فإنه يقول فلان فقل له: ما اسمك بالبصرة؟ فانه يقول فلان، فقل كذلك الله ربنا، في السماء اله، وفي الأرض اله، وفي البحار اله، وفي القفار اله، وفي كل مكان اله، قال: فقدمت فأتيت أبا شاكر فأخبرته فقال: هذه نقلت من الحجاز. 

من كان على شبهة فهو يحتاج الى نقاش المتخصصين معه. ونحذر من ان يقوم بهذا العمل غير المتخصص فلا ينفع غيره بل ربما أضر نفسه بتعريضها للشبهات. 

الاستشهاد باحتجاج السيد الطباطبائي على السيد البروجردي في تدريس الفلسفة ... التأكيد على دراسة الفلسفة، والمصالحة مع التوجه التفكيكي. 

في تاريخ المعصومين كان هناك جماعة لكل تخصص مثال هشام بن الحكم فإن له في الفقه والأخلاق خمسة وثلاثين رواية فقط بينما في العقائد والاحتجاج له عشرات الروايات المفصلة. ثانيا: نصيحة بترك منهج التشكيك: من الخطأ ان يفرض على الآخرين الشك والتساؤل الفلسفي بحجة أنه طريق اليقين، في حين أن إدراكات الناس تتفاوت وطرق وصولهم لليقين تتنوع وتتعدد بتعدد أنفاس البشر! على المفكرين الذين يطرحون شبهات هنا وهناك على الملأ العام أن اتقوا الله في أنفسكم أولا، وفي هذا الجيل الناشئ ثانيا .. في أنفسكم فإن إضلال شخص بفكرة باطلة يحمل الانسان مسؤولية قتلها.. ولا ينفعه أن تتغير فيما بعد عقائده.. هذا الولع بالشيء الجديد الصادم والذي لم ينضج عند صاحبه قد يعقبه ندما لا ينقضي.. إذا كانت الكلمة تخرج من فم الانسان فيرتكب بها الحرام (يسفك بها الدم أو ..) تحمل الانسان مسؤولية فما ظنك فيمن يضل جماعة.. ثم قد يرجع إلى رشده.. وإلى الشباب، حقق فيما تقول قدر الإمكان! لا يكن الأمر هكذا بمجرد أن يتبادر إلى ذهنك كلام أو فكرة، تطرحه وكأنه آية منزلة أو سنة محكمة! يكتب شخص مثلا عن مسائل عقدية وهو لم يراجع أدلتها! أو عن قضايا فقهية وهو لا يعرف أوليات الاستنباط! ثم يقول فهم الدين ليس حكرا على رجال الدين! نحن نقول حتى رجال الدين أيضا مخاطبون بالتحقيق قدر الإمكان.

يذكرنا هذا بأشهر الفلاسفة الملحدين في بريطانيا / أنتوني نيوتن فلو ت 2010 / بدأ من عمر الخامسة عشر في التشكيك وبقي هكذا وألف قرابة 30 كتابا في الالحاد، وفي الثمانين من عمره تراجع وألف كتابا، عنوانه: هناك إله there s a god.

واضاف يقول: "إن العلم الحديث يجلى خمسة أبعاد تشير إلى الإله الخالق: الكون له بداية، وخرج من العدم. أن الطبيعة تسير وفق قوانين ثابتة مترابطة. نشأة الحياة، بكل ما فيها من دقة، من المادة غير الحية. أن الكون، بما فيه من موجودات وقوانين، يهيئ الظروف المثلى لظهور ومعيشة الإنسان، وهو ما يعرف بالمبدأ البشرى. العقل، خصوصية الإنسان لقد أصبح لا مفر من اللجوء إلى عالم ما وراء الطبيعة لتفسير قدرات العقل الخارقة. 

ثالثا: الخطباء ومسؤولية الخطاب العلمي: نداء للخطباء ان يتكلموا خارج هذه الاطر. التفريق بين أصول العقائد الدينية وبين ما يصعب توجيهه علميا وبين ما هو غير معقول! التصور ان هذا النمط من الأحاديث سيزيد ايمان الناس: خاطئ! بل قد ينعكس الامر.. إذا كانت القصة التي تورد (ولا نريد أن نأتي بأمثلة) تثير أسئلة فلا ينبغي إيرادها إلا مع التحقيق فيها أو محاولة الإجابة على تلك الأسئلة!

2023/02/22

الزوجة الأولى ترفض.. هل تعدد الزوجات ينافي العدل؟
ورد في قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) [ النساء: ۳ ]، في الآية الشريفة مجموعة تساؤلات:

[اشترك]

أ ـ تعدّد الزوجات رخصة معلقة على خوف عدم القسط ـ وهو العدل ـ في اليتامى، فهل هذا صحيح؟

ب ـ الرخصة المذكورة مستحيلة في آية أخرى: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا ...) [ النساء: ۱۲۹ ]، فكيف جاز والحالة هذه زواج أكثر من واحدة؟

ج ـ معلوم أنّ الله لا يحبّ الظلم لأحد، ومعلوم أيضاً أنّ المرأة الأولى لا ترضى أن يتزوّج عليها زوجها ثانية، وتحسّ بالظلم بل هو الظلم بعينه ـ كلّ إمرأة وكلّ حالة ـ فما هو تفسيركم لموقفها من هذا الحكم؟

د ـ أنا أعرف أنّ هناك حالات تستدعي تعدد الزوجات لمكافحة النقص الحاصل من أثر الحروب، ولكن الآن لا يوجد ما يستوجب ذلك، فهل يعني أنّ تعدد الزوجات مشروط بظروف معيّنة؟

هـ ـ المرأة قد تحتاج في حالات معيّنة اهتمام أكثر من رجل، فكيف يرضى لها الشارع ربع رجل؟

الجواب من سماحة آية الله الشيخ حسن الجواهري:

أ ـ ليس أصل تعدّد الزوجات معلّقاً على خوف عدم القسط في اليتامى بل إنّ نكاح النساء غير اليتامى معلق على خوف عدم القسط في نكاح اليتامى، إذ إنّ الأقوياء من الرجال كانوا يتزوّجون النساء اليتامى طمعاً في أموالهم، يأكلونها ثمّ لا يعدلون فيهنّ، وربما يطلقوهن بعد أكل مالهنّ فلا يرغب بهنّ أحد، وقد نهى القرآن عن هذه الحالة فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [ النساء: ۱۰ ]. فأشفق المسلمون على أنفسهم وخافوا خوفاً شديداً حتّى أخرجوا اليتامى من ديارهم خوفاً من الابتلاء بأموالهم والتفريط فيها.

وقد سأل المسلمون النبي صلّى الله عليه وآله عن هذه الحالة الحرجة فنزلت آية: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ ...) [ البقرة: ۲۲۰ ]، فأجاز لهم أن يؤوهم ويمسكوهم اصلاحاً لشأنهم، ويخالطوهم فإنّهم إخوانهم، ففرّج عنهم.

إذا اتّضح ما تقدّم، فإنّ معنى الآية ـ والله أعلم ـ: اتّقوا أمر اليتامى ولا تبدّلوا خبيث أموالكم بطيب أموالهم، أي لا تعطوهم مالكم الروئ وتأخذوا مالهم الطيّب، ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم حتّى إنّكم إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتيمات، فانكحوا نساء غيرهن.

وأمّا نكاح النساء فهو جائز مثنى وثلاث ورباع سواء كان من اليتيمات مع عدم خوف عدم القسط فيهنّ أو من غيرهنّ مع خوف عدم القسط فيهنّ.

ب ـ إنّ آية النساء رقم « ۳ » يوجد في ذيلها: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً)، ومعنى ذلك أنّ الخوف من عدم العدل بين الزوجات المتعددات يوجب عدم جواز التعدّد وهذا الأمر صحيح، لأنّ العدل المراد هنا هو إعطاء حقوق الزوجات من مسكن ولباس وطعام حسب ما فرضه الله للزوجات وهذا أمر ممكن ومقدور عليه، فإن خاف الزوج من عدم هذا العدل بأن لا يوصل إلى الزوجات ما يلزمهنّ من طعام وكساء ومسكن فلا يجوز له تعدّد الزوجات، وأمّا إذا تمكّن من ذلك ولم يخف من عدم العدل بهذا المعنى فالتعدّد له جائز.

وهذا أمّا يسمّى بالعدل التقريبي العملي الذي لا يوجد فيه ظلم للزوجات ولا تقصير في حقوقهنّ ولا يميل كلّ الميل إلى واحدة ويذر الأخريات معلقات.

وأمّا الآية القائلة: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ...) [ النساء: ۱۲۹ ]، فهي بمعنى أنّ العدل الحقيقي بين النساء وهو اتّخاذ حالة الوسط حقيقة ممّا لا يستطاع للإنسان تحقيقه ولو حرص عليه، فالمنفي هو العدل الحقيقي في هذه الآية، خصوصاً تعلّق القلب بالنساء، فإنّه ليس اختياريّاً فلا يتمكّن أن يحبّ الزوجات بحدّ سواء فهو غير قادر على ذلك، لأنّه ليس اختياريّاً له.

أمّا العدل الممكن الذي اُشير إليه في آية رقم « ۳ » وهو ممكن فهو العدل التقريبي، فإذا أعطى الزوجات حقوقهن الشرعيّة من غير تطرّف فهو قد عدل بينهنّ، فيجوز له أن يتزوّج الثانية والثالثة والرابعة.

والخلاصة: إنّ الآية: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) لا تنفي مطلق العدل حتّى ينتج بانضمامه إلى قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) إلغاء تعداد الزواج في الإسلام كما قيل، وذلك لأنّ ذيل الآية يدلّ على أنّ المنفي هو العدل الحقيقي الواقعي بينما المشرّع لجواز تعدّد الزوجات هو العدل التقريبي: « اعطاء حقوق الزوجات من مسكن وطعام ولباس »، وهو ممكن، فلا تنافي بين الآيتين أصلاً، وذيل الآية هو: (فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ...) [ النساء: ۱۲۹ ]، فإنّ هذا الذيل جاء بعد: (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) مباشرة، فمعنى الآية هو:

۱ ـ إنّ العدل الحقيقي بين الزوجات غير ممكن.

۲ ـ الواجب في العدل بين الزوجات هو التقريبي، أيّ عدم الميل كل الميل الى إحدى الزوجات فيذر الأخرى مثل المعلقة، لا هي ذات زوج فتستفيد من زوجها ولا هي أرملة، فتتزوّج وتذهب لشأنها.

ج ـ إنّ الله لا يحبّ الظلم، ولكن معنى الظلم هو التعدّي على حقوق الآخرين أو أموالهم. ولكنّ الله سبحانه وهو الأعلم بمصالح العباد هو الذي قرر أنّ الزوج له حقّ أن يتزوّج بأكثر من زوجة بشرط أن يعطي حقّ الزوجة من المأكل والملبس والمسكن، والمعاشرة بالمعروف، والمبيت ليلة من أربع ليال عندها، وغيرها من حقوق الزوجيّة، ونفترض أنّ الزوج قد قام بهذه الحقوق كاملة، ولكنّه يحتاج إلى زوجة ثانية، يقوم بحقوقها أيضاً ًكاملة، فلا ظلم ولا تعدّي على حقوق الزوجة الأولى ولا الثانية أصلاً.

نعم المرأة الأولى قد لا ترضى بزواج الزوج ثانية، وقد لا ترضى بزواجه ثانية حتّى إذا كانت هي قد ماتت أيضاً، إلّا إنّ عدم رضاها ليس هو ميزان ظلمها.

خذ إليك هذا المثال: إذا كان زيد الأجنبي لا يرضى بزواج عمرو من هند أو لم ترضَ اُخت عمرو بزواج عمرو من هند، وقد تزوّج عمرو بهند على كتاب الله وسنّة الرسول فهل يكون هذا الزواج ظلماً لزيد؟!! أو ظلماً للأخت؟!! طبعاً لا يكون ظلماً، لأنّه ليس فيه أيّ تعدّي على زيد أو على الاُخت أصلاً، فكذلك زواج الزوج بزوجة ثانية إذا كان قد أعطى حقوق الزوجة الاُولى فهو ليس ظالماً لها، وإن لم ترضَ بهذا الزواج الثاني.

د ـ إن حكم الشارع بجواز تعدد الزوجات حكم عام ليس مختصّاً بحالة معيّنة. نعم قد تفرق بعض الحالات التي تستوجب الزواج الثاني للرجل، مثل الحروب التي تقضى على الرجال وتبقى النساء بحاجة إلى زواج مع قلّة الرجال، وقد يكون الرجل بحاجة إلى زوجة ثانية لقوّة شهوته الجنسيّة بحيث لا تكفيه الواحدة، إلّا أنّ هذه الحالات هي بعض حكمة الحكم الشرعي.

وأمّا علّة الحكم التي بسببها قد شُرّع الحكم فلا يعرفها إلّا الله الذي شرّع الزواج الثاني والثالث والرابع، لأنّه هو الذي خلق هذا البشر وهو العالم بما يحتاج إليه هذا البشر من أحكام قد شرّعها له وأوجب عليه تطبيقها.

هـ ـ نعم المرأة في حالات معيّنة قد تحتاج إلى أكثر من رجل، وهذا أمر ممكن بوجود زوجها وأولادها وإخوتها وأبيها وأعمامها وأخوالها فليس احتياج أكثر من رجل معناه لا بديّة أنّها تحتاج إلى أكثر من زوج في وقت واحد.

ثمّ إنّ احتياجها إلى الزوج ليس معناه أنّ زوجها إذا تزوّج زوجات أخرى ـ أربعة ـ، فهو ربع رجل بل حتّى وإن تزوّج زوجات أربع، فهو رجل كامل يجب عليه تلبية احتياجاتها بالمعروف.

2023/02/22

هل يحق لغير المعصوم تولي السلطة؟ الإمام علي (ع) يجيب..
يقول الامام علي عليه السلام: «وإنَّهُ لابُدَّ لِلنّاسِ مِن أميرٍ؛ بَرٍّ أو فاجِرٍ، يَعمَلُ في إمرَتِهِ المُؤمِنُ، وَيَستَمتِعُ فيهَا الكافِرُ، ويُبَلِّغُ اللّهُ فيهَا الأَجَلَ، ويُجمَعُ بِهِ الفَيءُ، ويُقاتَلُ بِهِ العَدُوُّ، وتَأمَنُ بِهِ السُّبُلُ، ويُؤخَذُ بِهِ لِلضَّعيفِ مِنَ القَوِيِّ؛ حَتّى يَستَريحَ بَرٌّ، ويُستَراحَ مِن فاجِرٍ) ﻧﻬﺞ ﺍﻟﺒﻼغة: 92 ).

[اشترك] 

هل الرواية تدل على مشروعية تولي غير المعصوم السلطة؟ ووجوب طاعته.. وما معنى فجور الأمير في النص أعلاه.. وهل التسليم لهم واجب او يجب الاعتراض على سلوكهم عند اي خطأ ومنكر منهم؟

لقد جاءت هذه الكلمات من أمير المؤمنين (عليه السلام) في معرض الرد على الخوارج الذين قالوا (لا إمرة إلا لله)، فقال رداً عليهم: "كَلِمَةُ حَقٍّ يُرادُ بِها باطِلٌ! نَعَم، إنَّهُ لا حُكمَ إلّا للّهِ، وَلكِنَّ هؤُلاءِ يَقولونَ: لا إمرَةَ إلّا للّه! وإنَّهُ لابُدَّ لِلنّاسِ مِن أميرٍ؛ بَرٍّ أو فاجِرٍ.."، ومن خلال فهم الشبهة التي أراد أمير المؤمنين معالجتها يمكننا أن نفهم المؤدى النهائي لكلامه والغاية التي أراد الوصول إليها.

فإذا رجعنا لكلام الخوارج نجد أن مشكلتهم ليست في التردد بين الحاكم البار والحاكم الفاجر، وإنما مشكلتهم مع أصل وجود حاكم يسوس أمر الناس، وفي هذه الحالة يصبح خيار الخوارج في قبال الخيار الآخر وهو خيار وجود حاكم سواء كان باراً أو فاجراً، فالخيارات محصورة في خيارين لا ثالث لهما، الأول: أن يكون الناس بدون نظام وحاكم يسوسهم، والثاني: أن يكون لهم حاكم يسوسهم، والخيار الثاني بطبعه يحتمل أمرين، الأول أن يكون الحاكم باراً، والثاني أن يكون الحاكم فاجراً، وإنكار الخوارج متوجه لكلا الاحتمالين، وعليه لا يمكن الرد على الخوارج بيان فضل الحاكم البار على الحاكم الفاجر، وإنما ببيان فضل الحاكم مطلقاً سواء كان باراً أو فاجراً، وهذا ما فعله أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو لم يكن في مقام بيان شرعية الحاكم، ولا في مقام بيان طرق الوصول إليه، ولا في مقام بيان ترجح خيار على خيار آخر، وإنما كان في مقام بيان ضرورة وجود الحاكم في قبال من يرفض تلك الضرورة.

فالحياة لا يمكن أن تستمر بأي شكل من الاشكال في حالة الفوضى وعدم وجود نظام وحاكم، بينما يمكنها أن تستمر في ظل النظام والحاكم حتى وإن كان فاجراً.

وقد تمت الإشارة في هامش نهج البلاغة إلى كلام شبيه بما ذكرناه، حيث اعتبر كلام امير المؤمنين (عليه السلام): "برهان على بطلان زعمهم أنه لا إمرة إلا لله، بأن البداهة قاضية أن الناس لا بد لهم من أمير بر أو فاجر حتى تستقيم أمورهم، وولاية الفاجر لا تمنع المؤمن من عمله لإحراز دينه ودنياه، وفيها يستمتع الكافر حتى يوافيه الأجل ويبلغ الله فيها الأمور آجالها المحدودة لها بنظام الخلقة وتجري سائر المصالح المذكورة".

وفي المحصلة فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن في مقام إعطاء الشرعية للحاكم سواء كان معصوماً أو غير معصوم وإنما في مقام التأكيد على أن الحياة لا تستقيم بدون حاكم، وعليه ليس في الحديث دلالة على وجوب السمع والطاعة للحاكم الفاجر الذي لا يلتزم بحدود الله، كما لا يحرم الحديث الخروج على الظالم والاعتراض عليه طالما لم يكن الخيار البديل هو الفوضى والبقاء بدون نظام حكم.

2023/02/16

بينها العقل والإجماع.. من يحدد مصادر التشريع؟!
السؤال عن الجهة التي تحدد مصادر التشريع يجب أن يسبقه سؤال عن الجهة التي تمتلك حق التشريع؛ وذلك لأن مصادر التشريع ليست شيئاً مختلفاً عمن له حق التشريع، فالمصادر التي يجب الاعتماد عليها في التشريعات يجب أن تكون ذات صلة مباشرة بصاحب الحق في التشريع.

[اشترك]

 فلو اخذنا الدول والنظم السياسية كمثال نجد أنها تعتمد في تشريعاتها على اللوائح والقوانين الصادرة عن البرلمان الذي تم تفويضه من قبل الشعب، وبذلك يصبح البرلمان وما يتصل به من دوائر ونظم هو المصدر الوحيد لتشريعات الدولة.

 وما هو معلوم بالضرورة لدى المسلمين أن الله تعالى وحده صاحب الحق في التشريع، وما جاء عن طريق الأنبياء والرسل يمثل الطريق الحصري لمعرفة تلك التشريعات، وقد انحصرت تلك التشريعات في الإسلام بوصفه الرسالة الخاتمة.

 ومن هنا أجمعت الامة الإسلامية على أن القرآن والسنة هما مصدرا التشريع الإسلامي.

 ومع وضوح هذا الأمر نجد أن البعض اجتهد في ادخال مصادر أخرى للتشريع غير القرآن والسنة مثل القياس والاستحسان وبقية الأصول الظنية المعتمدة عند أهل السنة والجماعة، وفي ذلك تجاوز واضح على حق الله في التشريع.

 وفي إجابة سابقة حول الاجتهاد الشيعي والاجتهاد السني بينا الفوارق بين مصادر التشريع بين الطرفين، وقد قلنا إن الشيعة لم يحتاجوا إلى إعمال النظر لاستنباط الاحكام الشرعية خارج حدود القرآن والسنة، وبذلك أصبحت مصادر التشريع الأساسية عند الشيعة هي القرآن والسنة.

ولم يثبت عندهم الاجماع كمصدر من مصادر التشريع إلا إذا كان كاشفاً عن رأي المعصوم.

أما العقل وإن جعل مصدراً ثالثاً بعد القرآن والسنة إلا أنهم لم يحتاجوا إليه عملياً في استنباط الاحكام الشرعية، وكل ما هو موجود هو مناقشته أصولياً في باب الملازمات العقلية.

وقد أشار الشهيد الصدر لهذه الحقيقة في مقدمة كتابه الفتاوى الواضحة، حيث قال: (ونرى من الضروري ان نشير أخيرا بصورة موجزة إلى المصادر التي اعتمدنا بصورة رئيسية في استنباط هذه الفتاوى الواضحة، وهي كما ذكرنا في مستهل الحديث عبارة عن الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة بامتدادها المتمثل في سنة الأئمة المعصومين من أهل البيت عليهم السلام باعتبارهم أحد الثقلين الذين امر النبي (ص) بالتمسك بهما ولم نعتمد في شيء من هذه الفتاوى على غير هذين المصدرين.

اما القياس والاستحسان ونحوهما فلا نرى مسوغا شرعيا للاعتماد عليها تبعا لائمة أهل البيت عليهم السلام.

 واما ما يسمى بالدليل العقلي الذي اختلف المجتهدون والمحدثون في أنه هل يسوغ العمل به أو لا فنحن وان كنا نؤمن بأنه يسوغ العمل به ولكنا لم نجد حكما واحدا يتوقف اثباته على الدليل العقلي بهذا المعنى بل كل ما يثبت بالدليل العقلي فهو ثابت في نفس الوقت بكتاب أو سنة، واما ما يسمى بالإجماع فهو ليس مصدرا إلى جانب الكتاب والسنة ولا يعتمد عليه الا من اجل كونه وسيلة اثبات للسنة في بعض الحالات، وهكذا كان المصدران الوحيدان هما الكتاب والسنة ونبتهل إلى الله تعالى ان يجعلنا من المتمسكين بهما ومن استمسك بهما (فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم)) (الفتاوى الواضحة، ج1، ص 15).

والذي يرجع للموسوعات الاستدلالية لفقهاء الشيعة سوف يقف على حضور النصوص في كل بحوثهم الفقهية.

وفي حال عدم وجود النص في المسألة فإن الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام) بينوا الأصول التي يتم الرجوع إليها، وتسمى هذه الأصول بالأصول العملية لأنها تكشف عن الموقف العملي في حال لم يكن في الموضوع نص شرعي، مثل الاستصحاب، والبراءة، والاحتياط، وغيرها، وقد بين الأصوليون الشيعة أن حجية تلك الأصول ليس في كشفها عن الواقع وإنما في نفس طريقيتها المجعولة من قبل الشارع، فينحصر مؤداها في المنجزية والمعذرية.

 فاستنباط الأحكام الشرعية يجب أن يقوم على منهجيات يحددها الشرع بنفسه، فليست كل منهجية أبدعتها العقلية البشرية تكون صالحة في ذلك، وبخاصة الطرق ذات المؤدى الظني.

 لأن حجية الدليل إما أن تكون ذاتية، فلا تحتاج إلى جعل الجاعل، وهي تختص بخصوص العلم الكاشف عن الواقع، فليس بعد كشفه والتعرف عليه شيء، فتكون الحجية حينئذ من اللوازم العقلية التي لا تنفك عنه.

 وإما أن تكون الحجة مجعولة؛ وهي التي لا تنهض بنفسها في مقام الاحتجاج، بل تحتاج إلى من يسندها من دليل عقلي أو شرعي، يقول السيد محمد تقي الحكيم: (وهي إنما تتعلق فيما عدا العلم بالأمارات والأصول إحرازية أو غير إحرازية، أي فيما ثبتت له الطريقية الناقصة التي لا تكشف عن الواقع إلا في حدودٍ ما، أو لم تثبت له لعدم كشفه عنه) (أصول الفقه المقارن ص 32).

 ولعدم تمامية هذه الأصول لكشف الواقع لا يمكن أن تصلح طريقاً لمعرفة أحكام الله إلا في حالة وجود سند شرعي أو دليل عقلي قطعي أمر باتباعها، يقول السيد الحكيم: (ومع كون الأمارات أو الأصول لا تملك الحجية الذاتية بداهة، فهي محتاجة إلى الانتهاء إلى ما يملكها، وليس هناك غير القطع، بجعل الحجية لها من قبل من بيده أمر وضعها ورفعها) (أصول الفقه المقارن ص 32).

 وبهذا نرفع اليد عن العمل بأي طريق لا يكون حجة بذاته أو اكتسب الحجية بدعم الدليل القطعي بوجوب العمل به، وقد حذر الله سبحانه من العمل بالظن إلا ما أذن به، قال تعالى: ﴿آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.

وعليه فإن الضابط في الاجتهاد هو أن يكون قائماً على البحث عن الحكم الشرعي في الكتاب والسنة مستعيناً بالمناهج التي توجب أما القطع بحكم الله وأما الظن المعتمد شرعاً كما دلت عليه النصوص.

2023/02/13

هل يتنافى حساب يوم القيامة مع عذاب القبر؟
إشكالٌ يتمسَّكُ به المُنكرون لعذابِ القبر وهو أنَّ دعوى وجود العذاب في القبر لبعض الكافرين والعصاة يتنافى مع ما دلَّ من الآيات على أنَّ الحساب إنَّما يكون في يوم الحساب، فإيقاعُ العذاب في البرزخ على الكافرين يقتضي أنْ يتقدَّم حسابُهم على يوم القيامة، وهذا يُنافي ما ثبتَ من أنَّ الحساب إنَّما يكون في يوم القيامة.

والجواب هو أنَّ يوم القيامة هو يومُ الحساب الأكبر، ففيه يُحاسب الناسُ على أفعالِهم الخطيرِ منها والحقير قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾(1) وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾(2) لكنَّه ليس في الآياتِ ولا في الروايات ما يدلُّ على انحصار الجزاء على العمل بالآخرة بل إنَّ الكثير من الآيات- وكذلك الروايات- صريحةٌ أنَّ الإنسان قد يلقى شيئًا من جزاء صنيعه الحَسَنِ أو السَيءِ في الدنيا أو عند الموت أو ما بعد الموت وقبل قيام الساعة.

فمن الآيات التي دلَّت على وقوع العذاب والعقوبة في الدنيا جزاءً على سوء العمل قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ / لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (3).

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (4).

ومنها: قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (5).

ومنها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾ (6).

ومنها: قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ (7).

والآيات في ذلك كثيرةٌ جدًّا، وهي صريحةٌ في أنَّ الإنسان قد يلقى شيئًا من جزاء صنيعه السيء في الدنيا قبل يوم الحساب في الآخرة، وفي عرض هذه الآيات ثمة آياتٌ تدلُّ على أنَّ الإنسان قد يُجازى على حُسن صنيعه في الدنيا وله في الآخرى جزاءُ الضعف.

فمِن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (8) لهم نصيبٌ ممَّا كسبوا في الدنيا وأمَّا في الآخرة فيُوفِّيهم أُجورهم.

ومنها: قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (9).

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (10).

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (11) فهذه الآية تدلُّ على جزاء التقوى وجزاء التكذيب في الدنيا.

 

ومن الآيات التي دلَّت على أنَّ الإنسان قد يلقى جزاءَ صنيعه عند الموت قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾(12).

فهذه الآيةُ واضحةُ الدلالة في أنَّ مثل هؤلاء الظالمين يسوؤهم ما يجدونه في غمراتِ الموت من ملائكة العذاب، يتوعَّدونهم بالنكال وعذاب الهوان بل الآيةُ ظاهرةٌ في أنَّهم يتلقَّون العذاب لحظةَ انتقالهم من عالم الدنيا، وهو ما يقتضي أنَّ لهم نحوَ حياةٍ بعد الموت يتلقَّون فيها عذابَ الهَوان كما هو مقتضى مفاد قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.

ومنها: قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (13).

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ (14).

فالكافرون بمقتضى مفاد الآيتين يتلقَّون جزاء كفرهم وجحودهم الضربَ على الوجوه والأدبار عند النزع أو بعد انتقال أرواحِهم من عالم الدنيا.

وبهذه الآيات ومثلها يتبيَّن أنَّ كون القيامة هي يوم الحساب لا يعني أنَّ الإنسان لا يلقى قبلها شيئًا من جزاء عمله الحَسَن أو السَيء، وبذلك تسقطُ دعوى الإنكار لعذابِ القبر استنادًا إلى أنَّ الحساب والجزاءَ مؤجَّلٌ إلى يوم القيامة، فإنَّ هذا المُستند يُناقضُ الكثيرَ من الآيات التي دلَّت على أنَّ الإنسان قد يلقى شيئًا من جزاء صنيعه في الدنيا وعند الموت وكذلك بعد الموت وقبل يوم القيامة كما هو مقتضى مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾(15).

فإنَّ هذه الآية صريحةٌ في أنَّ الشهداء يتلقَّون شيئًا من جزاء عملِهم قبل يوم القيامة فهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.

وكذلك فإنَّ قولَه تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (16) يدلُّ بوضوحٍ على أنَّ آلَ فرعون يَحيق بهم ويحوطهم العذابُ قبل يوم القيامة، فهم يُعرضون على النار صباحَ مساء ثم إذا قامت الساعة أُمر بهم فأُدخلوا أشدَّ العذاب.

الهوامش: 1- سورة الرعد / 33-34. 2- سورة البقرة / 114. 3- سورة الزمر / 25-26. 4- سورة المائدة / 41. 5- سورة فصلت / 16. 6- سورة البقرة / 201-202. 7- سورة نوح / 10-12. 8- سورة الطلاق / 2-3. 9- سورة الأعراف / 96. 10- سورة الأنعام / 93. 11- سورة محمد / 27. 12- سورة الأنفال / 50. 13- سورة محمد / 27. 14- سورة الانفال / 50. 15- سورة آل عمران / 169- 171. 16- سورة غافر / 49- 46.
2023/02/11

لماذا خلق الشيطان؟!
يثار أحيانا سؤال عن سبب خلق هذا الموجود المضل المغوي. وفي الجواب نقول:

[اشترك]

أوّلا: لم يخلق الله الشيطان، شيطانا. والدليل على ذلك وجوده بين ملائكة الله وعلى الفطرة الطاهرة. لكنه بعد تحرره أساء التصرف، وعزم على الطغيان والتمرّد. إنه إذن خلق طاهرا، وسلك طريق الانحراف مختارا.

ثانيا: وجود الشيطان لا يسبب ضررا للأفراد المؤمنين، ولطلاب طريق الحق، في منظار نظام الخليقة. بل إنه وسيلة لتقدمهم وتكاملهم، إذ إن التطوّر والتقدّم يتم من خلال صراع الأضداد.

بعبارة أوضح: قوى الإنسان وطاقاته الكامنة لا تتأهب ولا تتفجر إلّا حينما يواجه الإنسان عدوا قويا. هذا العدو يؤدّي إلى تحريك طاقات الإنسان وبالتالي إلى تقدّمه وتكامله.

الفيلسوف المعاصر «توينبي» يقول: «لم تظهر في العالم حضارة راقية إلّا بعد تعرّض شعب من الشعوب إلى هجوم خارجي قوي. وهذا الهجوم يؤدي إلى تفجير النبوغ والكفاءات، لصنع مثل هذه الحضارة».

المصدر: تفسير الأمثل ج1
2023/02/08

لاستقلال سياسي: الإسلام يحث على الزراعة واستثمار الثروة الحيوانية
على الرغم من انتشار الآلات الإنتاجية في جميع مرافق الحياة، كما هو حاصل في يومنا، إلّا أن الزراعة وتربية الحيوانات تبقى متصدرة لقائمة المنتوجات من حيث الأهمية في حياة الإنسان، لأنّها مصدر الغذاء، ولا حياة بدونه.

حتى أنّ الاكتفاء الذاتي في مجالي الزراعة والثروة الحيوانية يعتبر الدعامة الرئيسية لضمان الاستقلالين الاقتصادي والسياسي إلى حدّ كبير.

ولذلك نرى شعوب العالم تسعى جاهدة لإيصال زراعتها وثروتها الحيوانية لأعلى المستويات مستفيدة من التقدم التقني الحاصل.

والحاجة لأي من هذين الإنتاجين الأساسيين من الخطورة والأهمية البالغة ما يجعل دولة عظمى كروسيا تمديد العوز وتعطي بعض التنازلات السياسية لدول متباينة معها في الخط السياسي العقائدي لاضطرارها لتأمين احتياجاتها!

وأعطت التعاليم الإسلامية أهمية خاصة للإنتاج الحيواني والزراعة بالحث والترغيب لغور غمار هذه العملية المعطاءة.

ونورد هنا (ومن مصادر مختلفة) بعض الرّوايات التي تخص موضوعنا وما جاءت به من تعبيرات جميلة.

١ ـ عن أبي جعفر عليه ‌السلام أنّه قال: «قال النّبي صلى ‌الله‌ عليه ‌وآله ‌وسلم لعمته: ما يمنعك من أن تتخذي في بيتك ببركة؟

فقالت: يا رسول الله ما البركة؟

فقال: شاة تحلب، فإنّه من كانت في داره شاة تحلب أو نجعة أو بقرة فبركات كلّهن».

٢ ـ وروي عن النّبي صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم أنّه قال في الغنم: «نعم المال الشاة».

٣ ـ وفي تفسير نور الثقلين، في تفسير الآيات مورد البحث، روي عن أمير المؤمنين علي عليه‌ السلام أنّه قال: «أفضل ما يتخذه الرجل في منزله لعياله الشاة، فمن كان في منزلة شاة قدست عليه الملائكة مرّتين في كل يوم».

ولا ينبغي الغفلة عن أنّ الكثير من بيوت المدن غير صالحة لتربية الأغنام، والهدف الأصلي من إشارة الرّوايات هو إنتاج ما يحتاج إليه الناس على الدوام ـ فتأمل.

٤ ـ ويكفينا ما قال أمير المؤمنين علي عليه ‌السلام في أهمية الزّراعة: «من وجد ماء وترابا ثمّ افتقر فأبعده الله».

وبديهي انطباق هذا الحديث على الفرد والأمّة معا، فالشعب الذي لديه مستلزمات الزراعة بشكل كاف ومع ذلك يمد يده لطلب المساعدة إلى الآخرين، فهو مبعد عن رحمة الله بلا إشكال.

٥ ـ روي عن النّبي صلى ‌الله‌ عليه‌ وآله ‌وسلم أنّه قال: «عليكم بالغنم والحرث فإنّهما يروحان بخير ويغدوان بخير».

٦- وروي عن الإمام الصادق عليه ‌السلام أنّه قال: «ما في الأعمال شيء أحبّ إلى الله من الزراعة».

٧ ـ وأخيرا نقرأ في حديث روي عن الإمام الصادق عليه ‌السلام ما يلي: «الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيبا أخرجه الله عزوجل، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاما وأقربهم منزلة، يدعون المباركين».

*مقتطف من تفسير الأمثل ج 8
2023/02/01

لماذا يسقط الإنسان في فخ ’الفتنة’ و ’المغالطات’؟
خطبة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، رسمت لنا خطا صحيحا وسليما في التاريخ، حيث أرادت (عليها السلام) أن تضعنا في الطريق المستقيم للتاريخ، عبر توضيح الحقائق.

فهناك صراع دائم بين الحق والباطل، وبين الحقيقة والتضليل، ودائما هناك من يريد ان يستلب الفائدة لنفسه وسلطته ومصلحته وجماعته عن طريق التضليل، والمغالطة هي أهم الوسائل التي يستخدمها البعض في فرض التضليل وتزييف الحقيقة، وجعل الباطل حقيقة، وجعل الواقع وهما، والوهم واقعا.

والمغالطة هي عملية خلق وصناعة حقيقة زائفة عبر مقدمات سليمة، وغير مترابطة فيما بينها، ولكن العقل أو الذهن ينخدع بها، نتيجة لأسلوب المغالط، وطريقته في تزييف الوقائع والحقائق، إضافة إلى ذلك قابلية الطرف الذي تقع عليه المغالطة فينخدع بها.

ولذلك أرادت السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) أن تبيّن الحقيقة صريحة كما هي، وتكشف المغالطات التي وقع كثير من الناس فيها، بسبب ما رسم وما كتب في التاريخ عبر اختلاق المغالطات، لهذا قالت (عليها السلام) في خطبتها من ضمن ما قالته: (أيّها الناس! اعلموا أنّي فاطمةّ! وأبي محمّد أقول عَوداً وبدءاً. ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً)، وقد ذكرنا في مقالنا السابق معنى (غلطا) ومعنى (شططا)، وأوضحنا بعض المفاهيم والأمور المرتبطة بهذه القضية.

لماذا يقع الإنسان ضحية المغالطات؟

في هذا المقال، سوف ندخل في أسباب المغالطات، ولماذا يقوم المغالِط بالمغالطة، ولماذا يقع المغالَط ضحية المغالطات، فبعض المغالطات تحدث عمدا، فيقوم المغالِط من خلال عملية المغالطة في بناء أو صناعة حقيقة زائفة كما ذكرنا هذا من خلال بعض المقدمات.

ولكن في بعض الأحيان، تقع المغالطات نتيجة إلى توهمات الإنسان والفوضى والعشوائية وعدم علمية تفكيره وفقدانه للمنهجية، أو عدم استقرار تفكيره ونفسيته، فيؤدي به ذلك إلى الوقوع في فخ المغالطات.

ومن ضمن أسباب الوقوع في المغالطة، سواء كان مغالِطا أو مغالَطا:

سلسلة الأوهام

أولا- العيش في سلسلة من الأوهام المتلاحقة، والوهم هو تصور زائف وغير حقيقي عن الواقع، مثال ذلك أن الإنسان يتصور أن هذا اللون أزرق لكنه في الحقيقة لون أخضر مثلا، فيكون هذا التصور زائف وغير حقيقي، يحدث كنتيجة لحبه إلى اللون الأزرق، فيتصوره لونا أزرق مع أنه في الحقيقة لون أخضر.

هذا الوهم النابع من نمط داخلي، أو تصوّر داخلي يؤدي به إلى الوقوع في الوهم، أو هو نفسه يخلق الوهم، من أجل إيهام الآخرين وتضليلهم.

الآية القرآنية تقول: (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) يونس36-37.

الظن هنا بمعنى الوهم الذي هو خلاف الحقيقة والواقع، والحق والعلم والأسلوب المنهجي في التفكير، وأكثر الناس هكذا حيث يقعون في الأوهام والظنون تجاه الآخرين، فهناك سوء الظن بالآخرين، سوء الظن بالحياة، وسوء الظن بكثير من الأشياء.

المشكلة أن الإنسان إذا دخل في عالم الأوهام، يصبح أسيرا لها، يبقى يلاحقه وهم بعد وهم، إلى أن يقع في سلسلة كبيرة من الأوهام التي تصبح اغلالا لا يستطيع الخلاص منها.

فهؤلاء أصحاب الظن يحاولون أن يتصوروا ويدركوا العالم والكون ويفهموا الله سبحانه وتعالى عبر عقولهم الصغيرة دون وجود مرجعيات يقينية مسبقة، فيؤدي ذلك الى انتاج ظنون وخيالات وهمية، فيقعون في عالم التيه ويضلون عن الطريق المستقيم.

البحث عن السعادة والاستقرار والأمن

ان الله حقيقة مطلقة، والواقع الموجود، لكن الشيء غير الموجود هو هذا الظن وهذا الوهم الذي يحاول فيه الإنسان أن يقنع نفسه أو يقنع الآخرين بأشياء زائفة.

هذا هو معنى المغالطة التي يقع كثيرون، وبالنتيجة يتيهون وينحرفون عن الطريق المستقيم الذي لابد للإنسان أن يسير فيه حتى يصل إلى غاية السعادة والاستقرار والأمن الذي يحتاجه.

المشكلة التي يعاني منها الفكر الإنساني إنه فكر محدود، وعندما يحاول هذا الفكر المحدود أن يتصدى لقضايا أكبر من حجمه سوف يضيع هذا الفكر، لأن الفكر يحتاج إلى سلسلة منطقية علمية من المقدمات والتفكير المعرفي حتى يستطيع الإنسان أن يصل إلى استنتاجات صحيحة وسليمة في الحياة.

الوقوع في مصائد التضليل

العقل البسيط لا يستطيع أن يتكيف مع استخدام المنطق المنهجي، وانتهاج عالم الأسباب والمسبّبات، فيقع دائما في المصائد والفخاخ التي تنجذب إليها العقول السطحية كما تنجذب الحشرات إلى الضوء، أو إلى النار فتحترق بها، فالإنسان الذي يذهب بفكره بسطحية ومن خلال بصره وحواسه، فإن هذا الإنسان يقع في مصائد التضليل ومصائد المغالطات.

وكثيرا ما رأينا الإنسان الذي لا يمتلك المعرفة وليس عنده وعي، نجده بالنتيجة يقع في سلسلة كبيرة من الأوهام والتضليلات، مثلا إذا رأى شيئا خارج بيته، في الشارع مثلا، بعض القمامة المرمية في الشارع، فسوف يتهم جاره بهذا العمل بشكل مباشر، وهذا يسمى سوء الظن، وعبر هذا الوهم يبني ذلك الإنسان سلسلة من السلوك العدائي تجاه جاره.

مثال آخر، الحالة العنصرية التي يقوم بها البعض، مثلا الغني حين يقف ضد الفقير، باعتباره أنه غني لذلك فهو أفضل من الفقير، لكن هذا وهم، أو مثلا هو من البلد الفلاني لذلك هو أفضل من شخص آخر ينتمي إلى بلد آخر.

الفخ المنطقي

هذه الأوهام تؤدي بالإنسان إلى سلوك غير جيد، فترسّخ العنصرية والكراهية والفئوية تجاه الآخر، وبالنتيجة فإن هذه الأوهام تؤدي إلى مشكلات كبيرة جدا، وما أكثر الأوهام التي أدت إلى كوارث هائلة، على سبيل المثال، قد يأتي أحدهم ويضع خطة اقتصادية في بلده، ويقوم مثلا بتأميم كل الموارد وكل الأراضي، فيصبح الناس بلا ملكية، بالنتيجة ما الذي سيحصل؟

هذا هو الوهم، وهذه النظرية قائمة على وهم، وليست حقيقة، أي أن هذه النظرية لا تنبع من حقيقة، فيتصور صاحب النظرية بأنه إذا حقق المساواة في الملْكية، وأصبح الناس بلا ملكية، فإنه يستطيع أن يحقق العدالة بين الناس، لكن هذا فخ منطقي، وهو خطأ في التفكير، لذلك فإن هذا الوهم أدى إلى كوارث كبيرة في بعض البلدان.

لذلك فإن الوهم يعد مشكلة كبيرة، كما نجد ذلك في بعض الفلسفات التي تنبع من أوهام الفيلسوف، أو المفكر، أدت به إلى صناعة نظرية تضليلية، ثم أصبحت هذه النظرية منهجا كاملا لعدة شعوب، بالنتيجة وقعت هذه الشعوب في حروب وصدامات وصراعات، وفي نتائج كارثية نتيجة لهذه الأوهام.

السقوط في فخ الفتنة

وضمن خطبتها السيدة الزهراء (عليها السلام) في الحوار الذي حصل قالت هذه الكلمة: (ابتدارا زعمتم خوف الفتنة، ألا في الفتنة سقطوا، وإن جهنم لمحيطة بالكافرين)، هذه هي المغالطة، فيأتي صانع الفتنة ليقول خوفا من الفتنة نحن قمنا بهذا الأمر وهو الاستيلاء على فدك.

مفردة ابتدارا تعني بسرعة، وضعوا هذا المفهوم وهذه الفكرة في أذهان الناس لكي ينخدعوا بهذه القضية، باعتبارها طريقا لدرء الفتنة، ويزعمون ذلك بأسلوب المغالطة، فوضعوا مقدمات غير مترابطة يتوهم من يسمعها انها تنتج الصحيح، على سبيل المثال الناس يبحثون عن الأمن والاستقرار، ولا يريدون الفوضى والحرب والصدام، فيأتي الحاكم ويقول له (أنا أحقّق لكم الأمن ومنع وقوع الفتنة بالقوة والقمع، والنتيجة هي الاستبداد).

لكن بالنتيجة هذا الحاكم من خلال القمع والاستبداد ومحاربة الناس ومصادرة آراء الناس، وانتهاك حرياتهم، يصنع الفتنة والمأساة والكارثة، وهذه هي الفتنة الحقيقية، فالحاكم الذي يزعم بأنه يريد أن يخلص الناس من الفتنة بأساليب خاطئة، فانه يخلق الفتنة.

استخدام التضليل لبلوغ اليقين الزائف

فهؤلاء الذين يسلكون طريق الانحراف يقعون في دائرة الكفر والعذاب وجهنم، كما تؤكد ذلك (عليها السلام):

(فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم، أُموره ظاهرة وأحكامه زاهرة وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، قد خلفتموه وراء ظهوركم، أَرَغْبَةً عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلاً، ومن يتّبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).

لأن كتاب الله تعالى هو الحكم، وهو الذي يكشف الحقيقة كونه هو الحقيقة، فلا تغالطوا فـ(عليها السلام) وضَّحت بصراحة كلّ الأمور والقواعد الحاكمة من خلال القرآن الكريم.

وهنا فإن الذي يريد أن يستخدم القرآن الكريم كوسيلة من خلال الفهم الخاص عبر المغالطات، ومن خلال محاولاته لكي يخدع الناس، فإنه بالنتيجة يكون بالضد من القرآن الكريم، لأن القرآن الكريم هو الحكم والحجة، وهو الحقيقة التي من خلالها يتم إثبات الحق وذلك عند قراءته بسلامة وبصحة وبفهم ومعرفة دقيقة، نستكشف الحكم الحقيقي الذي يكون واضحا وصريحا.

حركة التاريخ تكشف الحقائق

هنا تكمن المشكلة التي يقوم بها البعض بصناعة الأوهام، من أجل التضليل والوصول إلى يقين زائف، وحقيقة مصطنعة، وهذه الأوهام تتراكم، وتستمر بالتراكم لتصبح جبالا من الأوهام التي تثقل كاهل الأمة، ومن الصعوبة التخلص من الأوهام، خصوصا الأوهام التاريخية، والأوهام الفكرية، والأوهام الفلسفية، فهي تحتاج إلى عملية إعادة بناء، وإلى وعي عميق ومعرفة جيدة، حتى يتخلص الناس من اغلال المغالطات ومن رواسخ التضليل.

وفي الآية القرآنية: (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) البقرة 9-10.

هذه الآية واضحة في عملية المغالطة وصناعة التضليل، وصناعة الأوهام. فهؤلاء الذين يصنعون الأوهام ويقومون بصناعة المغالطات، هم يريدون أن يصلوا إلى هدف معين، قد يريد أن يصل إلى سلطة أو مال، أو يريد أن يسيطر على الناس، أو يريد أن يبيّن نفسه بأنه في قمة العلم، وإن قوله صحيح وسليم، ولكن مهما فعل هذا الإنسان فهو يخدع نفسه، فالمغالط إنما يخدع نفسه، حيث يوجد في داخله هذا المركب الواهم، فيكون هو واهم وبنيته التفكيرية تختلق الوهم وتصطنع المزيد منه، ولكنهم (يخدعون أنفسهم وما يشعرون).

يتصور أنه من خلال استعماله للمغالطة سوف يخدع الناس، ولكنه سينكشف، لأن التاريخ يكشف الحقائق والتضليلات التي يقوم بها البعض ويفضح مغالطاتهم الزائفة، في حين يتصور صاحب المغالطات أن زيفه لا ينكشف.

الهلوسات والأوهام تتوالد

(في قلوبهم مرض)، وهو الشك والريب، فالإنسان الذي لا يوجد في داخله يقين حقيقي ولا إيمان بالله سبحانه وتعالى، ولا يؤمن بوجود الله تعالى ولا بوجود الثواب والعقاب، ويقين بشكر الله تعالى، فإن هذا الإنسان مريض، أو مصاب بمرض نفسي، ويبقى مرضه يخلق له الأوهام باستمرار.

لابد أنكم لاحظتم أن المريض النفسي الذي توجد لديه هلوسة، وهذه الهلوسات الموجودة عند المريض نفسيا تجعله يتصور دائما بأنه عظيم وكبير، وهو شخصية كبيرة، أو يتصور بأن الناس جميعا أعداءه، فهلوسات الإنسان المريض نفسيا تكون هلوساته مستمرة، هلوسة تأتي بهلوسة، وهم يأتي بوهم.

لذا فإن من يعيش مرض الشك والريب والمغالطة قد تجده مصابا بمرض نفسي، ويزداد مرضه، فالمقصود من قوله تعالى (فزادهم الله مرضا)، أن هذه التركيبة التي تنتج بسبب الإنسان لأنه لا يبدأ بمعرفة حقيقية، ولا يفسر الأمور بصورة صحيحة، فإن هذا الإنسان يزداد جهلا تضليلا وتتراكم أوهامه.

فزادهم الله مرضا، وهذه قاعدة في الحياة، بالنتيجة تؤدي هذه الأمراض والأوهام إلى عذاب أليم، (بما كانوا يكذبون) فالكذب خلاف الواقع، والإنسان لا يصل إلى الواقع عبر الكذب ويبقى معاناة الشك، والذي يصل بالإنسان إلى الواقع هو الصدق، فالإنسان لابد أن يكون على يقين في نفسه وفي ذاته حتى يكون صادقا ويصل إلى الواقع الحقيقي وإلى بر الأمان والاطمئنان.

وإلا فإن المغالطة والكذب والتضليل هو مرض يزداد مع مرور الزمن ويجعل الإنسان يعيش في عالم الأوهام، ويزداد هذا المرض إذا لم يقف الإنسان أمامه ويوقفه عند حده.

من مظاهر عالم الأوهام.. التعميم

من النقاط التي نلاحظها في عالم الأوهام، تكمن في بعض السلوكيات التي نلاحظها، ومنها:

التعميم: فإذا قابل أحدهم شخصا أو عدة أشخاص ينتمون إلى منطقة معينة، وكان سلوكهم غير صحيح، فسوف يحدث عنده تفكير وهمي، ويعمم ذلك على الجميع، وليس بصحيح أن يعمم سوء سلوك القلة على الجميع سواء كانوا يسكنون منطقة أو مدينة أو بلدا ما.

وهو من أخطاء الإنسان التي يقع في فخ المغالطة، يعني يضع قاعدة فيقول أن ذلك البلد الفلاني أناسه لصوص، وكل لص سيّئ، لذا فإن أناس ذلك البلد سيّئون، هذا هو التركيب الذي يستخدمه في عملية القياس غير المنطقي، وهو قياس خاطئ، بالنتيجة فهو يستقرئ عن طائفة معينة أو مهنة معينة، بأن هؤلاء فاسدين وهؤلاء سيّئين، لكن هذا الاستنتاج هو نتيجة جزئية يعممها ويجعلها كلية، فإن (الجزئي لا يكون كاسبا ولا مكتسبا) بحسب علم المنطق.

التعميم يمنع من إدراك الحقائق

إن هذا التعميم هو وهم وسوء ظن، لذا لابد أن ينتبه الإنسان ويتجنب التعميم، كونهُ يعدّ مشكلة كبيرة عند كثير من الناس، لأن هذا التعميم يجعل الإنسان لا يدرك الحقائق ولا يفهمها، ولا يصل الى النتائج الصحيحة في عملية المعرفة، لأن المعرفة دقيقة جدا، وتحتاج إلى قواعد وأسس صحيحة ولابد للإنسان أن يكون دقيقا، يعرف السبب، يعرف المسبّب، ويكفّ عن التعميمات المطلقة التي يطلقها كما يشاء.

هناك بعض الناس وبعض السلوكيات تعد من أسباب التخلف الذي تعيشه مجتمعاتنا، وهذا التخلف تقف وراؤه المغالطات التي تنتج من تعميمات غير صحيحة، أو تعميمات يمكن أن نسمّيها (تعميمات مرسلة) يطلقها الإنسان دونما تفكير، لذلك فهي بالنتيجة تؤدي إلى مشكلات بين الناس، سواء في السوق، أو في العمل، أو في المدرسة، وفي الدوائر الرسمية وغير الرسمية، وفي المؤسسات.

فالتعميمات أسلوب أو سلوك خاطئ لابد للإنسان أن يدرك ويفهم أسلوب المعرفة، ويفهم طريقة وأسلوب التعامل مع الآخرين، حتى لا يقع في تعميمات تؤدي به إلى نزاعات أو مشاكل مع الآخرين، أو تدفع به لاتخاذ قرارات غير صحيحة.

التعميم يؤدي إلى اتخاذ قرار غير صحيح وغير سليم في حياتنا، لذلك لابد أن نفهم الأمور ويكون لدينا وعي وإدراك في عملية فهم حياتنا وتاريخنا وعقائدنا من خلال منهج الأسباب والمسبّبات والأساليب العلمية في المعرفة، وعدم الوقوع في المغالطات، وسوف نستكمل المغالطات وأنواعها في مقالنا القادم.

2023/01/31

من المسؤول عن تجديد المناهج العلمية في الحوزة؟
من المسؤول عن فحص وتقييم المناهج العلمية في الحوزة العلمية والنظر في تجديدها مع الوقت؟

الحوزة العلمية هي مسمى عام تندرج تحته جميع المدارس المختصة بتدريس معارف وعلوم أهل البيت عليهم السلام، فهي ليست مؤسسة واحدة تخضع لإدارة واحدة، وإنما هي مجموعة من المؤسسات تخضع كل واحدة منها لإشراف مجموعة من العلماء.

ومع أن الحوزات جميعها تشترك في المواد الدراسية والمراحل التعليمية إلا أنها قد تتباين في اختيار الكتب الدراسية، فمثلاً مادة الأصول في مرحلة المقدمات تختار بعض الحوزات كتاب معالم الأصول لنجل الشهيد الثاني، والبعض الاخر يختار كتاب دروس في علم الأصول للشهيد الصدر، وهكذا يمكن لكل حوزة أن تختار الكتاب المناسب من بين عشرات الكتب التي تصلح في مرحلة المقدمات، أما في مرحلة السطوح العالي فهناك بعض الكتب التي حازت على رضا العلماء ومنز فترة طويلة مثل كتاب فرائد الأصول للشيخ الانصاري، وكفاية الأصول للشيخ الأخوند الخرساني، وفي الفقه كتاب المكاسب للشيخ الانصاري بأقسامه الثلاثة؛ المكاسب المحرمة، والبيع، والخيارات.

وعليه فإن الحوزات لها أعرافها الخاصة التي اكتسبتها بحكم التجربة وتراكم الخبرات، فمثلاً ليس في الحوزات شهادات كما هو الحال في الجامعات، وليس فيها فصول دراسية يتنقل فيها الطالب من فصل إلى فصل آخر، وإنما هناك مراحل علمية يجتازها الطالب تحت الاشراف المباشر للمشايخ والعلماء، وكذلك ليس هناك جهة محددة هي المسؤولة عن فحص المناهج وتقييمها، وإنما العرف العام للحوزات هو الذي يضع الضوابط العامة للمناهج والمواد الدراسية، فالعلم هو القيمة المحورية التي تحكم مسار الحوزات، والكتاب الذي يفرض نفسه بين العلماء هو الذي يكون عليه مدار البحث والتدريس، ففي الفقه والأصول مازالت كتب بعينها متصدرة المشهد الدراسي، وقد يستمر ذلك الحال إلى حين ظهور كتب جديدة تجذب نظر العلماء وتصبح مدار بحثهم واهتمامهم، ولا يعني ذلك أن الحوزة المعاصرة لم تنتج كتباً تستحق التدريس وإنما عرف الحوزة يفرض على الكتاب وقت طويل حتى يصبح مدار البحث والتدريس، وفي المحصلة ليس هناك جهة محددة توصي بتدريس كتاب معين وإنما الكتاب الذي تثبت جدارته وهو الذي يفرض نفسه على جميع الحوزات. 

أما في مرحلة البحث الخارج فإن الطالب يدرس على يد مجتهد، وفي هذه المرحلة لا يعتمد الأستاذ كتاب محدد وإنما يكون الدرس خارج الكتب، ولذلك سميت بمرحلة البحث الخارج، وهي المرحلة التي يتأهل فيها الطالب للاجتهاد فلا تكون آراء العلماء أو ما في الكتب سقفاً لا يمكن تجاوزه، وإنما من حق الطالب المناقشة وابداء الرأي تحت إشراف المجتهد.

2023/01/28

هل الأديان سبب النزاعات والحروب في العالم؟
يتّهم بعض الكتّاب الغربيين الأديان على أنّها هي سبب التفرقة والنزاع بين أفراد البشر، وهي السبب في إراقة الكثير من الدماء، فالتاريخ شهد الكثير من الحروب الدينية، وهكذا سعوا إلى إدانة الأديان واعتبارها من الأسباب المثيرة للحروب والمخاصمات.

وإزاء هذا القول لا بدّ من الانتباه إلى ما يلي:

أولا: أنّ الاختلافات لا تنشأ في الحقيقة بين الأتباع الصادقين لدين من الأديان، بل هي بين أتباع الدين ومخالفيه. وإذا ما شاهدنا صراعا بين أتباع مختلف الأديان فإنّ ذلك لم يكن بسبب التعاليم الدينية، بل بسبب تحريف التعاليم والأديان وبالتعصّب المقيت ومزج الأديان السماوية بالخرافات.

ثانيا: إنّ الدين ـ أو تأثيره ـ قد انحسر اليوم عن قسم من المجتمعات البشرية، ومع ذلك نرى أنّ الحروب قد ازدادت قسوة واتساعا وانتشرت في مختلف أرجاء العالم. فهل أن الدين هو السبب، أم أنّ روح الطغيان في مجموعة من البشر هي السبب الحقيقي لهذه الحروب، ولكنّها تظهر اليوم بلبوس الدين، وفي يوم آخر بلبوس المذاهب الاقتصادية والسياسية، وفي أيّام اخرى بقوالب ومسمّيات أخرى؟! وعليه فالدين لا ذنب له في هذا، إنّما الطغاة هم الذين يشعلون نيران الحروب بحجج متنوّعة.

ثالثا: إنّ الأديان السماوية ـ وعلى الأخصّ الإسلام ـ التي تكافح العنصرية والقومية، كانت سببا في إلغاء الحدود العنصرية والجغرافية والقبلية، فقضت بذلك على الحروب التي كانت تثار باسم هذه العوامل، وعليه فإن الكثير من الحروب في التاريخ قد خمدت نيرانها بفضل الدين، كما أنّ روح السلام والصداقة والأخلاق والعواطف الإنسانية التي ترفع لواءها جميع الأديان السماوية، كان لها أثر عميق في تخفيض الخصومات والمشاكسات بين مختلف الأقوام.

رابعا: أنّ من رسالات الأديان السماوية تحرير الطبقات المحرومة المعذّبة، وكانت هذه الرسالة هي سبب الحروب التي شنّها الأنبياء وأتباعهم على الظالمين والمستغلّين، من أمثال فرعون والنمرود. إنّ هذه الحروب التي تعتبر جهادا في سبيل تحرير الإنسان، ليست عيوبا تلصق بالأديان، بل هي من مظاهر فخرها واعتزازها وقوّتها، إنّ حروب رسول الإسلام صلى‌ الله‌ عليه ‌وآله‌ وسلم مع المشركين من العرب والمرابين في مكّة من جهة، ومع قيصر وكسرى من جهة أخرى، كانت كلّها من هذا القبيل.

*مقتطف من تفسير الأمثل ج 2
2023/01/22

كيف واجه الإسلام ظاهرة ’الرق’؟!
جاء الاسلام وظاهرة الرق متجذِّرة عند عموم المجتمعات الإنسانية، فلم تكن هذه الظاهرة مختصَّة بالمجتمع العربي بل هي في المجتمعات المتحضِّرة آنذاك كالفرس والرومان أكثر شيوعاً.

فكانت العبيد والإماء تُعدُّ من نفائس الأموال إنْ لم تكن هي الأنفس على الإطلاق، ولذلك اعتبر الإسلام عتقَ العبد وتحريره من أعظم القُربات وهو ما يُعبر عن أنَّ العبد في المجتمعات الجاهليَّة كان من الأموال الباهظة الثمن التي يشقُّ على مَن يملكها التخلِّي عنها دون مقابل ويشقُّ على مَن لا يملكُها ابتياعها لغرض العِتق لها.

ولو فرَضَ الإسلام على الناس تحرير ما يملكونه من عبيدٍ وإماء لما كان مثل هذا الفرض من الفروض القابلة للإمتثال نظراً لما يترتَّب على هذا الفرض من مشقَّةٍ بالغة بل ولكان مثل هذا الفرض سبباً للحيلولة دون القبول بالإسلام عند الكثير من الناس، لأنَّ إلغاء ظاهرة الرقِّ بالنسبة لهم يُساوق الإلغاء أو التفريط بمصالحِهم الحيويَّة كالتجارة والزراعة والعمران، فالعبيد كانوا عصَب الحياة في مختلف المجتمعات، على أنَّ الإلغاء لظاهرة الرق يُساوق بنظرهم التخلِّي عن القوة والمنعة وهم أحرص شيءٍ عليها، لأنَّ المجتمعات القبليَّة بل والمجتمعات المتحضِّرة كانت تستطيل بعبيدها وتمتنع بهم، فهم كانوا مادَّة الحرب ووقودها، وبهم كانوا يستكثرون وهم مَن كان يسوس لهم دوابَّهم ومصالحهم وبأيديهم يتمُّ تصنيع السلاح والعتاد، وعلى كواهلهم تُشيَّد الحصون والقلاع.

فلا يسعُ النبيُّ الكريم (ص) الإلغاء لظاهرة الرق مالم يُمهِّد لذلك من خلال التغيير الجذري لنمط حياتهم، ومن خلال التعميق لقيم الإسلام في قلوبِهم بما يُفضي إلى الإيمان الوثيق عندهم بحرية الإنسان أيَّاً كان عِرقه وجنسه، وانَّ الناس سواسية كأسنان المشط وأنَّهم جميعاً ينحدرون من سلالةٍ واحدة، فهم جميعاً لآدم، وآدمُ من تراب، وأنَّه لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى وأنَّ الحسب والنسب والجاه والثروة والقوَّة والكثرة وغيرها من اعتبارات التفاضل عندهم ليست سوى وهمٍ وسراب في المنظور الإسلامي، وأن الإنسان "إما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق"(1)، وأن كلَّ إنسانٍ يُولد حراً ليس لأحدٍ عليه سبيل "متى تعبَّدتم الناس وقد ولدتهم أُمهاتُهم أحرارا"(2) هذه القيم وشبهها يلزم تأصيلُها أولاً قبل الحكم بإلغاء مثل ظاهرة الرقِّ، فحينذاك يكون الحكم بالإلغاء مفضياً لاستئصال هذه الظاهرة.

وليست هذه الظاهرة وحدها التي عمل الإسلام على استئصالها تدريجاً، فالكثير من الظواهر الاجتماعية السائدة في العصر الجاهلي عمل الإسلام على استئصالها أو تذويبها أو تهذيبها بنحو التدرُّج، وذلك من خلال التغيير الممنهج لمنظومة القيم، ومن خلال الاستحداث لأنماط اجتماعية جديدة تتناغم مع القيم التي دأب على تأصيلها والتي تُفضي في المحصلة إلى تذويب الظواهر السيئة التي كانت سائدة بنحو لا ينشأ عنه اختلالٌ في نظام الحياة ولا استيحاشٌ يحول دون القبول بالدين.

فكان المجتمع مثلاً عشائرياً، كلُّ مائتين أو كلُّ ألفٍ أو ألفين من الناس يشكلون مجتمعاً مستقلاً لا شأن له بالعشائر الأخرى إلا بما يحفظ مصالحَه الخاصَّة والضيقة، وكثيراً ما تقتضي مصالحهم المنابذة والحرب والسلب ثم لم ينتبهوا إلا وهم مجتمعٌ واحد يمتدُّ بامتداد الجزيرة العربيَّة المترامية الأطراف وقد ذابت بهدوء في هذا المجتمع الكبير كلُّ الحواجز القبليَّة والطبقية وأصبحت مصالحهم واحدة ومتشابكة بعد ان تأصَّلت فيهم قيمٌ مشتركة، فبعد أن كانوا أشتاتاً متناحرين صاروا إلى نمطٍ من الحياة مبايناً لما كانوا عليه فأصبحوا تحت زعامةٍ واحدة كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمَّى، فقد تحطَّمت بفعل الإسلام وحكمتِه البالغة كل ُّالحدود الجغرافيَّة والقبليَّة والطبقيَّة بعد أنْ وحَّدهم على ثقافةٍ واحدة وجذَّر فيهم قيماً تفضي بطبيعتها إلى هذه الغاية التي كانت مرسومة والتي لم يكن الإسلام بحاجةٍ إلى الإعلان عنها أكثر من حاجته إلى الدفع نحوها بخطىً ثابتة ومتأنية.

وكذلك هو الشأن في ظاهرة الرقِّ فإنَّ قيَم الإسلام وخطاباته وتشريعاته تُفضي في منتهى المطاف -لو رُوعيت- إلى ذوبان هذه الظاهرة إلا أنَّ حالة التراجع التي مُنيَ بها المسلمون لسوء اختيارهم أدَّت إلى أنْ العديد من الظواهر الاجتماعية السيئة التي عمل الإسلام على تذويبها بقيت ماثلة أو عادت كما كانت بعد أنْ انتابها الضمور والانحسار.

فمنظومة القيم التي أصَّل لها الإسلام، ونمطُ الحياة الاجتماعية التي أسَّس لها كان وحدهما كفلين في تذويب ظاهرة الرِقِّ إلى مستوى المحو لهذه الظاهرة وإلغائها من الوجود إلا أنَّ الإسلام لم يكتف بذلك بل وضع عدداً من التشريعات لو رُوعيت لساهمت في التسريع بعملية التذويب لهذه الظاهرة.

فمن التشريعات التي وضعها لذلك انَّه ألغى جميع الوسائل التي بها يتمُّ الاسترقاق قبل الإسلام إلا ما كان في الحروب التي تقعُ بين المسلمين وخصوص الكفار، فمن تمَّ أسره أو إثباته والحرب قائمة قبل أنْ يُسلم فهو رِقٌّ.

وإبقاء هذه الوسيلة مشروعة إنَّما كان لغرض النكاية بالأعداء المحاربين، فهم يعتمدون ذات الوسيلة، إذ انَّ مَن يأسرونه من المسلمين أو يُثبتونه فإنَّهم يسترقُّونه، فكان لا بدَّ من مجازاتهم بجنس صنيعهم.

وبإلغاء الإسلام لوسائل الاسترقاق التي كانت سائدةً في العصر الجاهلي انحسرت هذه الظاهرة إلى حدٍّ كبير في المجتمع الإسلامي، إذ انَّ كثرة الرقيق كان منشؤها النهب والسلب وقطع الطريق والغارات والحروب البينية التي كانت تقع بين القبائل، والمقامرة والاحتيال والغرامات والجنايات والرهن، وكل هذه الوسائل وشبهها أصبحت محرَّمة، وقد اعتمد الإسلام في تصفيتها -مضافاً إلى ما أسَّس له من قيم- على ما فرضه من تشريعاتٍ جنائية تُجرِّم كلَّ مَن اعتمد هذه الوسائل، ووضع تشريعاتٍ لفصل الخصومات ليس منها الاسترقاق وإنَّما كانت من قبيل الديات والغرامات والقصاص والحدود والتعزيرات، وكذلك فإنَّه اعتمد اسلوب النَظْم بالقوة لكلِّ مَن تجاوز هذه التشريعات.

ومن التشريعات التي وضعها لتذويب ظاهرة الرق انَّ كل حرٍّ أولد أمةً فإنَّ هذه الأمة تُسمى أمُّ ولد، فيحرم بيعها وهبتها ثم إذا مات سيدها فإنَّ هذه الأمة تنعتق بنصيب ولدها قهراً.

ومن التشريعات أنَّ كلَّ رجلٍ يملك عبداً أو أمةً فينكِّل به أو بها فإنَّه ينعتق عليه قهراً، وكذلك ينعتق العبد قهراً لو أصابه العمى أو الجذام أو صار مقعداً.

ومن التشريعات في ذلك انَّ كلَّ ولد حرٍّ يُصبح مالكاً بميراثٍ أو غيره لأبيه العبد وإن علا أو امِّه الأمة وإنْ علت فإنَّه ينعتق عليه قهراً، وكذلك ينعتق عليه قهراً كل أولاده ذكورا وإناثا وإن نزلوا، وكذلك جميع محارمه من جهة النسب، وينعتق على المرأة كلا العمودين من الآباء والأمهات إذا ملكت أحدهم بميراث أو غيره.

ومن التشريعات في ذلك انَّ مَن قتل مؤمناً خطأ لزمه مضافاً لدفع الدية إلى أهله أن يُعتق عبداً أو أمةً مؤمنة، وكذلك مَن قتل كافراً بينه وبين المسلمين ميثاق كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(3).

ومن التشريعات في ذلك انَّ مَن ظاهر زوجته فلا يُباح له معاشرتها قبل أنْ يُحرِّر عبداً، فإنْ كان له عبدٌ حرَّره وإلا لزمه شراء عبدٍ وتحريره كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(4).

ومن التشريعات في ذلك أنَّ من أفطر في نهار شهر رمضان على محرم لزمه مضافاً إلى صيام شهرين متتابعين وإطعام ستين مسكيناً أن يعتق رقبة مؤمنة كما هو مذهب جمع من الفقهاء، ومن أفطر على محلَّل لزمته إجماعاً إحدى خصال الكفارة والتي منها تحرير رقبةٍ مؤمنة.

ومَن نذر لله تعالى ثم حنث في نذره أو عاهد الله تعالى ثم حنث في عهده لزمته إحدى خصال الكفارة والتي منها تحرير رقبةٍ كما في معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال: سألته عن رجلٍ عاهد الله في غير معصية ما عليه إنْ لم يفِ بعهده؟ قال: "يُعتق رقبة أو يتصدَّق بصدقةٍ أو يصوم شهرين متتابعين"(5).

وكذلك يجب بنظر المشهور على المرأة التكفير بإحدى خصال الكفارة والتي منها العتق لرقبة إذا جزَّت شعرها أو خدشت وجهها في المصيبة أو شقَّ الرجل ثوبه إذا فقَدَ ولده أو زوجته. كما في رواية خالد بن سدير أخي حنان بن سدير قال: سألتُ أبا عبد الله (ع): "... وإذا شقَّ زوجٌ على امرأته أو والدٌ على ولده فكفارته حنث يمين، ولا صلاة لهما حتى يكفِّرا أو يتوبا من ذلك، فإذا خدشت المرأة وجهها أو جزَّت شعرها أو نتفته ففي جزِّ الشعر عتقُ رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً، وفي الخدش إذ أدميت وفي النتف كفارة حنث يمين.."(6).

ومن التشريعات التي وضعها الشارع في ذلك انَّه جعل التحرير للعبيد أو المساهمة في تحريرهم أحد مصارف الزكاة كما هو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(7)، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ انَّ عتق الرقاب "العبيد" أحد مصارف الزكاة.

وكذلك فإنَّ الشارع حثَّ على قبول المالك بمكاتبة العبد وهو أنْ يأذن له في أنْ يسعى في تحرير نفسه، فيتوافق معه على مقدارٍ من المال فيسعى العبد في تحصيل ذلك المال بالكسب والاستعانة بالمؤمنين والزكوات قال تعالى: ﴿.. وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ﴾(8).

هذا مضافاً إلى الآيات والروايات التي تفوق حد التواتر والتي حثَّت على الإعتاق للعبيد واعتبرته من أعظم القربات لله جل وعلا، فمن الآيات قوله تعالى: ﴿.. وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾(9)، فالآية المباركة اعتبرت الإعتاق للرقاب من من البر وجعلته في سياق الإيمان بالله تعالى وإقامة الصلاة والإيتاء للزكاة.

ومنها: قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ / وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ / فَكُّ رَقَبَةٍ / أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾(10) ومفاد الآية انَّ فكَّ الرقبة من العبودية أحد أسباب النجاة من النار يوم القيامة.

وأما الروايات فمنها معتبرة زرارة عن أبي جعفر (ع)، قال: قال رسول الله (ص): "من أعتق مسلماً أعتق الله العزيز الجبَّار بكلِّ عضوٍ منه عضواً من النار"(11).

ومنها: معتبرة حفص بن البختري عن أبي عبد الله جعفر ابن محمد (ع) أنَّه قال في الرجل يعتق المملوك قال: "يعتق الله عزَّ وجل بكلِّ عضوٍ منه عضواً من النار"(12).

ومنها: معتبرة أبي أسامة زيد الشحام عن أبي عبد الله (ع): "انَّ أمير المؤمنين (ع) أعتق ألف مملوك من كدِّ يده"(13).

فمثل هذه التشريعات وكذلك القيم التي أصَّل لها الإسلام والتي تُشدد على حرمة كلِّ بني الإنسان على اختلاف أعراقهم وانَّه لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى وان الحرية حقٌّ أصيل لكلِّ مولود أيَّاً كان جنسه وعِرقه لا سبيل لأحدٍ عليه كما أفاد ذلك أمير المؤمنين (ع): "متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا"(14).

هذا مضافاً إلى النظام الإجتماعي والسياسي الذي أسَّس له الإسلام والذي يفضي بمقتضى طبيعته إلى عدم ترتُّب أيِّ محذور من إلغاء ظاهرة الرق.

كلُّ ذلك لو تمَّت رعايته لأفضى إلى اضمحلال ظاهرة الرق في زمنٍ قصير من تاريخ الإسلام إلا انَّ جشع الحكام اللذين هيمنوا ظلماً على مقدرات المسلمين وسوء إدارتهم وجهلهم بمقاصد الشريعة أدَّى إلى امتداد هذه الظاهرة المقيتة إلى وقتٍ متأخر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلىِّ العظيم.

 الهوامش: 1- بحار الأنوار -العلامة المجلسي- ج33 / ص600. 2- شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد- ج11 / ص98. 3- سورة النساء / 92. 4- سورة المجادلة / 3. 5- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج22 / ص395. 6- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج22 / ص402. 7- سورة التوبة / 60. 8- سورة النور / 33. 9- سورة البقرة / 177. 10- سورة البلد / 11-14. 11- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج23 / ص9. 12- وسائل الشيعة (آل البيت) -الحر العاملي- ج23 / ص9. 13- الكافي -الشيخ الكليني- ج5 / ص74. 14- شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد- ج11 / ص98.
2023/01/21

من تجربة فرنسا: الدين والمدنية اشتراك في الأصول!
تناغماً مع المنحى الذي سلكه محمد فريد وجدي في كتابه (المدنية والإسلام)، وتواصلاً معه في الدفاع عن العلاقة بين الدين والمدنية، جاء موقف مصطفى الغلاييني في لبنان، الذي شرحه في كتابه (الإسلام روح المدنية) الصادر سنة 1908م، ورجع له مرة أخرى في مقالة له بعنوان (الدين والمدنية) نشرها سنة 1910م في مجلة النبراس التي أصدرها في بيروت.

وينطلق الغلاييني في موقفه من الإشكاليات التي أثيرت في عصره من الأوروبيين مثل اللورد كرومر المندوب البريطاني في مصر، ومن المقلدين لهم حسب قول الغلاييني، وتطرق إلى هذه الإشكاليات في معرض الرد عليها.

من هذه الإشكاليات التي جاءت على لسان كرومر في كتابه (مصر الحديثة)، وأشار إليها الغلاييني في كتابه (الإسلام روح المنية)، قوله: إن الإسلام دين مناف للمدنية، ولم يكن صالحاً إلا للبيئة والزمان اللذين وجد فيهما، وإن المسلمين لا يمكنهم أن يرقوا في سلم الحضارة والتمدن إلا بعد أن يتركوا دينهم وينبذوا القرآن وأوامره ظهرياً، لأنه يأمرهم بالخمول والتعصب، ويبث فيهم روح البغض لمن يخالفهم والشقاق وحب الانتقام، ولأنه أتى بما يناقض مدنية هذا العصر في موقفه من المرأة والرقيق.

وعلى لسان المقلدين لهم، أشار الغلاييني إلى قول هؤلاء أن الدين والمدنية ضدان، وإن من تمسك بأصول الدين فقد بعد عن التمدن، لأن الدين عقبة في سبيل ترقي الأمم، فأية أمة تريد النهوض إلى المجد والارتفاع إلى العلى فعليها ترك الدين السماوي والتمسك بدين المدنية الحديثة، وأقرب دليل هي فرنسا، تلك الدولة التي لم تبلغ ما بلغته إلا بعد أن نبذت الدين ظهرياً ونفت رجاله من بلادها.

وأمام هذه الإشكاليات ورداً عليها، طرح الغلاييني جملة من الأفكار والتصورات التي تشرح طبيعة موقفه في العلاقة بين الدين والمدنية، ومن أبرز هذه الأفكار والتصورات، مايلي:

أولاً: إن أصول الدين ومبادئه السامية هي أصول المدنية الصحيحة ومصادرها العذبة، فما من تقدم يرى، ولا من تمدن يشاهد إلا وترى لهما آثاراً في الأصول الدينية، يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها.

ثانياً: لنفرض أن الدين لا يأمر بشيء من المدنية، فهل فيه ما يخالفها ويناقضها؟ إن جواب من عرف الدين الإسلامي حقيقة هو بطبيعة الحال: كلا. أما القول إن فرنسا ترقت بعد أن تركت الدين الذي كان حاجزاً دون ترقيها، فليس عليه أثارة من العلم والنقد الصحيح. إذ هذه إنكلترا متدينة، وهذه ألمانيا متدينة، فهل هما متأخرتان أم هما قد بلغتا أشواطاً من التقدم والرقي لم تبلغها فرنسا، تلك الدولة التي لا دين لها؟ وإن كان ترك الدين هو السبب الوحيد للترقي، فلم نر فرنسا متأخرة عن الدول المتدينة.

ثالثاً: إن الإسلام دين يرافق العقل جنباً إلى جنب، ويمشي مع المدنية في طريق واحدة، ويصافح الإنسانية يداً بيد. فهو من ناحية قد رفع منار الحقيقة على ذروة لا تنال، ومن ناحية ثانية قد نهض بالإنسانية وأقام بناءها على أساس من العدل والمساواة والأخلاق والتربية والسياسة المثلى، مما يصلح لكل زمان ومكان وكل أمة. ولقد خلص هذا الدين الإنسانية من عقيدة الشرك وتكثير الأرباب، وأزال عنها برقع الخرافات المضللة، وكسر عن عقول البشر قيود الأوهام، ونجاهم من فساد الأخلاق.

رابعاً: إن أوروبا تدين برقيها وتمدنها لما اكتسبته من تآليف علماء الإسلام وآرائهم، التي اقتبسها الأوروبيون بعد الحروب الصليبية، فأفادوا مما فيها من علوم وفنون واكتشافات وتجارب، أصلحوا بعض ما فيها من الخطأ، وطوروا باقيها على نحو ولد المدنية الحديثة.

خامساً: إن الطابع التمديني في الإسلام، يتجلى بصورة خاصة في التصور الراقي للتوحيد الإسلامي، وفي الإشارات القرآنية إلى المسائل العمرانية والكونية، وفي تأكيده لمبادئ العدل والمساواة بين الأفراد، وفي نظامه الأخلاقي والسياسي الضامن لسعادة الجماعة والفرد.

وكم نحن بحاجة اليوم لهذا الخطاب الذي يبحث عن التمدن، ويفتش عن التقدم، ويجعل من العمران مسلكا ومسارا، بدل الانشغال بالأمور التي تقسم الأمة، وتنشر الكراهية بين المسلمين، وتشجع نزعات التعصب، ويبقى السؤال متى نوقف هذا الانحدار!

2023/01/15

الغناء حرام ويد السارق تُقطع.. ألا ينافي الدين فطرة الإنسان؟!
كيف يعقل انحراف الدين عن الفطرة مثل تعارض قانون العقوبات الإسلاميّ مع مقتضيات الفطرة كقطع يد السّارق ورجم الزاني المحصن، وكذلك منافاة الفطرة لبعض الأحكام الشرعيّة مثل حرمة الغناء والرّسم وبعض الفنون ووجوب الحجاب على المرأة المنافي للحرّيّة التي هي حقّ فطريّ. ملخّص الإجابة:

التفسير الخاطئ للفطرة قد يجعل البعض يتصوّر نوعاً من التعارض بين الفطرة وبين الأحكام الشرعيّة.

بينما المقصود من الفطرة الدينيّة هي الفطرة الموجودة في الإنسان دون الحيوان، وهي الحقائق التي يجدها الإنسان في عمق وجدانه بوصفه كائناً عاقلاً ومدركاً لحكم الأشياء.

وهذا بخلاف الفطرة بمعنى الغريزية التي هي مشترك بين الإنسان والحيوان.

وما ذكره السائل من أمثلة قد يتعارض مع غريزة الإنسان الحيوانيّة ولكنّه لا يتعارض مع الفطرة الإنسانيّة، فالحدود الشرعيّة، وحرمة الغناء، ووجوب الحجاب، كلّها أحكام تستهدف الكمال الروحيّ للإنسان، وذلك من خلال تكوين بيئة طاهرة ومجتمع عفيف يسمح للإنسان بتكامله الروحيّ والمعنوي.

تفصيل الإجابة:

يبدو أنّ السائل اشتبه عليه معنى الفطرة فتصوّر وجود تعارض بينها وبين بعض الأحكام الشرعيّة.

ولرفع هذا الاشتباه لابدّ من تمييز الفطرة الدينيّة عن المعنى العامّ للفطرة.

فكلّ ما جبل عليه الإنسان يسمّى فطرةً بمعناها العام، وهي بالتالي تشمل كلّ ما يميّز الإنسان في بعده التكوينيّ.

فالإنسان ككينونة واحدة عند جميع البشر يمتاز بخصائص روحيّة تميّزه عن بقيّة المخلوقات.

فوعيه لوجوده وتعقّله لبقيّة المخلوقات وتحرّكه في إطار الغاية والحكمة يجعل منه مخلوقاً ذو تطلّعات تتجاوز البعد المادّيّ والغريزي.

وبذلك يكتسب الإنسان نوعاً خاصّاً من الفطرة مضافاً للفطرة الغريزيّة التي تشاركه فيها بقيّة الحيوانات.

وهنا تبرز أهميّة الدين بوصفه الخطاب الذي يحرّك الإنسان نحو تحقيق تلك التطلّعات الروحيّة. 

ولكي نميّز بين الفطرة بمعناها العامّ وبين الفطرة الدينيّة لابدّ أن نميّز بين الدوافع المادّيّة والغريزيّة، وبين الدوافع الروحيّة والمعنويّة.

وهذا ما لم يلتفت إليه السائل حيث استخدم الغريزة والفطرة بمعنىً واحد!

فالإنسان بوصفه مركّباً من روح وجسد له نوعان من الحاجات، مادّيّة تلبّي حاجة الجسد، ومعنويّة تلبّي حاجة الروح، والفطرة بمعنى الخلق والتكوين تشمل كلا الحاجتين.

إلّا أنّ الفطرة الدينيّة مرتبطة بالحاجات الروحيّة دون المادّيّة.

فالحاجة إلى الطعام والشراب والنوم وغيرها تسمّى غرائز.

أمّا حاجة الإنسان إلى الكمال وتعلّقه بالقيم والأخلاق وسعيه نحو السعادة له علاقة بالحاجات الروحيّة وهي ما نطلق عليه الفطرة الدينيّة.

وما يميّز الحاجات الروحيّة أو الفطريّة، عن الحاجات المادّيّة أو الغريزيّة، هو أنّ حاجات الفطرة لا تعرف الحدّ والشبع بخلاف حاجات الغرائز.

فمهما كانت حاجة الإنسان للطعام والشراب وغير ذلك فإنّ مقداراً قليلاً منها يكفيه.

بينما تطلّعه الروحيّ والمعنويّ ليس له حدّ يقف عنده، وبهذا، يمكننا تفسير حالة التجاوز والارتقاء والتسامي الموجودة عند البشر، وإلّا لماذا ينزع البشر إلى مثل أعلى؟، ولماذا يهوى المقدّس والمتعالي؟، ولماذا يتجاوز ذاته للوصول إلى ما هو أعلى؟، وما الذي يجعل التاريخ البشريّ في تطوّر دائم نحو ما هو أفضل؟ فالحالة الوجدانيّة التي تشعر بضرورة التكامل وبوجود المتعالي، لهي أقرب دليل على فطرة الإنسان وتطلّعه الرّوحي.

وإذا انطلقنا من التمييز السابق سيتّضح معنى التطابق بين الدين والفطرة؛ وذلك لأنّ الدين ليس شيئاً آخر غير دعوة الإنسان لتحقيق تطلّعاته الروحيّة، فالإنسان متديّن بطبيعته الروحيّة التي تعشق القيم وتتطلّع للكمال، فكلّ أمر يحكم به الشرع يحكم به العقل الفطريّ بالضرورة، والعكس بالعكس.

ولا سبيل لإشباع تلك الفطرة وتحقيق ذلك التطلّع غير اتّصال الإنسان بالغيب، فمن دون الإيمان بالله مصدر الكمال والجمال لا يكون ذلك التطلّع مفهوماً.

وهذا ما صرّح به أئمّة أهل البيت بقولهم (أوّل الدين معرفته) فمن دون تلك المعرفة لا يجد الإنسان سبيلاً لكماله.

وبذلك يمكننا أن نؤكّد أنّ عشق الإنسان للقيم وتطلّعه للكمال نابع من الإيمان الفطريّ بالله وبأسمائه الحسنى، ومن هنا كان كمال الإنسان عن طريق الاتّصال بالله ومن ثمّ التخلّق بأخلاقه، فأعظم ما يتطلّع له الإنسان هو تجاوز الأنانيّات الضيّقة والتحوّل إلى حالة أسمى وأرفع، وذلك لا يكون إلّا بعد الإيمان بالله وبأسمائه الحسنى.

ولسان الروايات صريح في كون الفطرة هي التوحيد ومعرفة الله تعالى:

فعن زرارة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: ﴿فطرت الله الّتي فطر النّاس عليها﴾ قال: فطروا على التوحيد. 

وقال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله: ﴿حنفاء لله غير مشركين به﴾ ما الحنيفيّة؟، قال: هي الفطرة التي فطر الناس عليها، فطر الله الخلق على معرفته) 

والنصوص في هذا الشأن كثيرة.

وإذا كانت معرفة الله فطريّةً فإنّ كلّ القيم التي تتجلّى من تلك المعرفة تكون فطريّةً بالضرورة؛ لأنّ مصدر كلّ القيم التي يقدّسها الإنسان ويتطلّع إليها تعود إلى أسماء الله الحسنى.

وقد أشرنا للرّابط بين القيم وبين الأسماء الحسنى في إجابات سابقة، فكلّ اسم من أسماء الله الحسنى يمثّل قيمةً فطريّةً يتطلّع الإنسان لتجسيدها.

والقرآن الكريم بما فيه من معارف وتشريعات يرتكز على الأسماء الحسنى بوصفها الأساس لعبادة الله تعالى، (وللّه الأسماء الحسنىٰ فادعوه بها).

فالدين بكلّ أحكامه الشرعيّة يستهدف تحريك الإنسان نحو العمل طبقاً لتلك القيم الفطريّة، ومن هنا لا يجوز تقييم التشريعات الإسلاميّة بمعايير المصلحة التي تفرضها الطبيعة الغرائزيّة للإنسان، وإنّما يجب تقييمها وفهمها بمعايير القيم الفطريّة.

وممّا لا شكّ فيه أنّ الإنسان مخلوق له كرامة وقيمة، إلّا أنّ قيمته وكرامته لا تستمدّ من واقع كونه جسداً مادّيّاً، وإنّما يستمدّها من جانبه الروحي الذي يحقّق له إنسانيّته.

فالإنسان يكتسب قيمته من خلال سلوكه الاختياريّ، وهو بدوره لا يكون ذو قيمة ما لم يرتكز على قيمة معنويّة وروحيّة، ولذا لا يكتسب الإنسان قيمةً لأنّه يأكل أو يشرب أو يتزوّج، وإنّما يكتسب قيمةً إذا كان عالماً أو رحيماً أو محسناً أو كريماً أو غير ذلك من القيم الأخلاقيّة.

ومن هنا يجب أن نفرّق في مقاربتنا للأحكام الشرعيّة بين المعايير التي تفرضها طبيعتنا الغرائزيّة وبين المعايير التي تفرضها طبيعتنا الروحيّة والفطريّة.

فمثلاً:

قطع يد السارق أو حتّى سجنه يتنافى مع الدافع الغريزيّ للإنسان، لأنّ ذلك بالضّرورة يمثّل نوعاً من الحرمان والنقصان لمتطلّبات الجسد، ويبدو أنّ ذلك هو السبب الذي دفع السائل إلى القول بوجود تناف بين الفطرة وقطع يد السارق.

إلا أنّه لم يلتفت إلى أنّ قيمة الإنسان في حاجته الروحيّة قبل حاجته المادّيّة، وعند التعارض بين الحاجتين فإنّ الحاجة الروحيّة والفطريّة مقدّمة على الحاجة المادّيّة والغرائزيّة، فيجب المحافظة على الجسد إذا لم يتعارض ذلك مع المحافظة على الرّوح، أمّا في حال استحكام المعارضة فإنّه يضحّى ببعض الجسد أو كلّه في سبيل المحافظة على قيمة الإنسان كروح وكمعنى وكقيمة، وإلّا كيف نفهم تقدّم الإنسان في ساحات القتال حتّى يقتل في سبيل الدفاع عن وطنه مثلاً؟ فالإنسان من أجل الدفاع عن حرّيّته وكرامته واستقلاله يقدّم جسده فداءً لتلك القيم.

وكذلك الحال في الحدود الشرعيّة سواء كانت جلداً أو قطعاً أو قصاصاً فإنّها تستهدف الحفاظ على مجموعة من القيم الروحيّة التي يجب أن تسود في المجتمع.

وقد فصّلت مجموعة من البحوث الحكمة من تلك التشريعات.

ولم نفهم مخالفة حرمة الغناء والموسيقى للفطرة كما أشار السائل، بل هي واضحة في كونها مخالفةً للفطرة التي تنشد الكمال، فالترفيه والمرح واللهو والترف وكلّ ذلك يسير في الاتّجاه المعاكس لكمال الإنسان.

وعليه فإنّ الغناء والموسيقى وكلّ أدوات اللهو تمثّل حاجةً شهوانيّةً ترضي هوى الإنسان ولا ترضي فطرته.

أمّا الفنون الأخرى التي لم ترد نصوص بحرمتها فهي مسموح بها في الحدود التي لا تحجب الإنسان عن تطلّعاته الروحيّة والفطريّة. 

أمّا وجوب الحجاب ومخالفته للحرّيّة فقد فصّلنا في أجوبة سابقة فلسفة الحجاب وكيف يمثّل الحجاب ضرورةً فطريّةً تستهدف عفّة المجتمع وطهارته.

2023/01/15

لماذا يغيب المنتج الثقافي في العراق؟

الثقافة هي الأساس لحل المشكلات وغيابها أساس لكل الأزمات، والثقافة الإيجابية تحقق التقدم في الأمم، ويلاحظ ذلك التقدم من ناحية الإنتاج الثقافي كما ونوعا.

البعض يقول إن الثقافة هي سلعة كمالية، ليس لها قيمة أولية في بناء المجتمع، لكن الثقافة هي الأساس وهي عمق المجتمع، والعقل الأساسي الذي يحرك المجتمع، ولكنه مخفي غير واضح وغير مرئي بشكل مباشر.

وإذا لاحظتم ذلك من خلال قراءة التاريخ المعاصر حيث يؤكد أن بعض الكتاب والأدباء والمفكرين أثرّوا في مسيرة أمة كاملة، من خلال كتاباتهم، كما نلاحظ ذلك على سبيل المثال في كتابات شكسبير في المسرح البريطاني وكيف أثر على نهضة بريطانيا الثقافية التي لا تزال آثارها موجودة حتى الآن، وكذلك نلاحظ تأثير رواية البؤساء لفيكتور هيجو ومدى تأثيرها في الثورة الفرنسية وكذلك بالنسبة لجان جاك روسو، وكذلك تشارلز ديكنز في روايته أوليفر تويست أو قصة مدينتين، وكيف أثر ذلك على التفاوت الطبقي في بريطانيا.

في الجانب المقابل حول التأثير السلبي نلاحظ ذلك في كيفية تأثير كتابات فريدرك نيتشة باندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، كأساس أيديولوجي وفلسفي لثقافة أمة أخذت تحارب تحت سطوة الدكتاتور، لذلك فإن الكاتب والكتابة مؤثران على بناء الأمة.

أما غياب المنتج الثقافي في العراق فيعود إلى ثلاثة أسباب:

أولا: النظام الاستبدادي الشمولي

ثانيا: الحروب، وقد أدت إلى تآكل المؤسسات والبنى التحتية التي تحرك وتبني الثقافة، مثل المدارس، والجامعات، وأنا أتذكر جيدا كيف تعلّمنا أساليب الكتابة في المدرسة من خلال كتابة الإنشاء، وكذلك النحو وقواعد اللغة العربية، وكيف كانت المدرسة كحاضنة ثقافية أساسية، لكن لو سألنا هل المدارس اليوم تمتلك القدرة على البناء الثقافي أو على بناء أناس منتجين ثقافيا؟، كلا بالطبع لأن أبسط القضايا كالنحو والإملاء والكتابة غير موجودة. لذلك كما أتصور فإن المنتوج الثقافي هو الأساس في تقدم الأمة أو تخلّفها.

ثالثا: طغيان العامل الاستهلاكي والمادي

فكلما ازداد الطغيان المادي الاستهلاكي تتسطّح الثقافة إلى حد بعيد، وتصبح شكلية لاسيما مع سيطرة شبكات التواصل الاجتماعي في عالم اليوم.

فإذا أردنا أن نتحرك على تعزيز الإنتاج الثقافي، فهذا هو الذي سيؤدي إلى عملية التغيير والإصلاح في المجتمع، فأي تغيير سياسي وحتى التغيير الاقتصادي لا يمكن إذا لم يكن هناك تغيير ثقافي، فحين يظهر لدينا مجموعة من الكتاب وعلى مستوى راقٍ ويقدمون إنتاجا ثقافيا للمجتمع فإننا سنذهب نحو التغيير الجيد، لأن المجتمع قائم على إنتاج الأفكار وليس الانتاج الرومانسي أو الجمالي، أو الإنتاج الممتع والمرفِّه.

في بعض الأحيان يكون الأدب مرفِّها للإنسان، لكن الأدب في نفس الوقت مؤثر في بناء سلوك الإنسان وفي بناء جودة الحياة، وتحسين مستوى الحياة للفرد والمجتمع، فيحتاج الأمر إلى مجموعة من الكتاب يقدمون كتابات جيدة وراقية، لكنني أتصوّر أن هذا الهدف الآن صعب جدا، ولكن مع وجود المؤسسات الجيدة التي تستطيع أن تقدم أدباء وكتّابا جيدين سوف تتكون لدينا بعض الحركات الإصلاحية التي تؤدي إلى التغيير الاقتصادي والسياسي أيضا.

فطالما لا تتغير العقلية الموجودة عند الإنسان ولا يقرأ، فلن يحدث التغيير، والإعلام الموجود اليوم، سواء كان إعلاما صحفيا أو الإعلام الموجود في شبكات التواصل الاجتماعي هو تسطيحي مضلِّل يؤدي إلى تهشيم وتحطيم الثقافة وكل أنواع السلوك الجيد في المجتمع، لذلك من الضروري أن تكون لدينا دورات ثقافية في بناء وتربية الكتّاب والمؤلفين والادباء والمثقفين على الابتكار والابداع في الإنتاج الثقافي الجيد حتى نستطيع أن نحقق نهضة تغييرية في المجتمع.

2023/01/07

هل خلق الله الكون والكائنات دفعة واحدة أم على مراحل؟

إنّ الله سبحانه لم يخلق الكون والكائنات دفعة واحدة، بل كان نظام خلقه لها على أساس خلق الشيء على سُننٍ ثم تطويره وفق تلك السُنن حتى يبلغ الغاية المنظورة.

[اشترك]


كما في خلق الإنسان من نطفة ملقّحة ليكون جنيناً ثم ينمو حتى يكمل ويولد مكتملاً مجهّزا بالأدوات التي يحتاجها.


وكذا في خلق السموات والأرض، حيث ورد في القرآن الكريم أنّه سبحانه خلقها في ستة أيام، والمراد باليوم التعبير عن المرحلة الزمنية ـ كما ورد في استعمالات العرب ـ، وقد تكون طويلة جداً، كما في قوله تعالى: [وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ]؛ فيكون عدد الأيام إشارة إلى عدد المراحل التي ترسمها الحوادث الكونية العظيمة.


وقد يكون هذا النحو من الخلق ــ وهو خلق شيء يبدو غير ذي شأن وتنميته وفق سنن عبّئت فيه حتى يكون مثالاً رائعاً ـ أدلّ على القدرة على الإبداع، فقد يمارس المرء مباشرة عملاً وقد يصنع آلةً على نظام ينتج ذلك العمل وهذا أبلغ دلالةً على القدرة، ومن ثَمَّ نبّه في الآيات الشريفة على قدرة الخالق على إخراج شيء بديع ومتقن من شيء يسير كما قال تعالى:[ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ]."

المصدر: كتاب منهج التثبت في شأن الدين
2023/01/05

في عصر الثقافة والتكنولوجيا.. هل انتهى زمن الإسلام؟!
هل الإسلام بشريعته يفي بإسعاد هذه الحياة الحاضرة؟

[اشترك]

ربما يقال : هب أن الإسلام لتعرضه لجميع شئون الإنسانية الموجودة في عصر نزول القرآن كان يكفي في إيصاله مجتمع ذاك العصر إلى سعادتهم الحقيقية وجميع أمانيهم في الحياة لكن مرور الزمان غير طرق الحياة الإنسانية فالحياة الثقافية والعيشة الصناعية في حضارة اليوم لا تشبه الحياة الساذجة قبل أربعة عشر قرنا المقتصرة على الوسائل الطبيعية الابتدائية فقد بلغ الإنسان إثر مجاهداته الطويلة الشاقة مبلغا من الارتقاء والتكامل المدني لو قيس إلى ما كان عليه قبل عدة قرون كان كالقياس بين نوعين متباينين فكيف تفي القوانين الموضوعة لتنظيم الحياة في ذلك العصر للحياة المتشكلة العبقرية اليوم؟ وكيف يمكن أن تحمل كل من الحياتين أثقال الأخرى.

والجواب : أن الاختلاف بين العصرين من حيث صورة الحياة لا يرجع إلى كليات شئونها ، وإنما هو من حيث المصاديق والموارد وبعبارة أخرى يحتاج الإنسان في حياته إلى غذاء يتغذى به ، ولباس يلبسه ، ودار يقطن فيه ويسكنه ، ووسائل تحمله وتحمل أثقاله وتنقلها من مكان إلى مكان ، ومجتمع يعيش بين أفراده ، وروابط تناسلية وتجارية وصناعية وعملية وغير ذلك ، وهذه حاجة كلية غير متغيرة ما دام الإنسان إنسانا ذا هذه الفطرة والبنية وما دام حياته هذه الحياة الإنسانية ، والإنسان الأولي وإنسان هذا اليوم في ذلك على حد سواء.

وإنما الاختلاف بينهما من حيث مصاديق الوسائل التي يرفع الإنسان بها حوائجه المادية ومن حيث مصاديق الحوائج حسب ما يتنبه لها وبوسائل رفعها.

فقد كان الإنسان الأولي مثلا يتغذى بما يجده من الفواكه والنبات ولحم الصيد على وجه بسيط ساذج ، وهو اليوم يهيئ منها ببراعته وابتداعه ألوفا من ألوان الطعام والشراب ذات خواص تستفيد منها طبيعته ، وألوان يستلذ منها بصره ، وطعوم يستطيبها ذوقه ، وكيفيات يتنعم بها لمسه ، وأوضاع وأحوال أخرى يصعب إحصاؤها وهذا الاختلاف الفاحش لا يفرق الثاني من الأول من حيث إن الجميع غذاء يتغذى به الإنسان لسد جوعة وإطفاء نائرة شهوته.

وكما أن هذه الاعتقادات الكلية التي كانت عند الإنسان أولا لم تبطل بعد تحوله من عصر إلى عصر بل انطبق الأول على الآخر انطباقا ، كذلك القوانين الكلية الموضوعة في الإسلام طبق دعوة الفطرة واستدعاء السعادة لا تبطل بظهور وسيلة مكان وسيلة ما دام الوفاق مع أصل الفطرة محفوظا من غير تغير وانحراف وأما مع المخالفة فالسنة الإسلامية لا توافقها سواء في ذلك العصر القديم والعصر الحديث.

وأما الأحكام الجزئية المتعلقة بالحوادث الجارية التي تحدث زمانا وزمانا وتتغير سريعا بالطبع كالأحكام المالية والانتظامية المتعلقة بالدفاع وطرق تسهيل الارتباطات والمواصلات والانتظامات البلدية ونحوها فهي مفوضة إلى اختيار الوالي ومتصدي أمر الحكومة فإن الوالي نسبته إلى ساحة ولايته كنسبة الرجل إلى بيته فله أن يعزم ويجري فيها ما لرب البيت أن يتصرف به في بيته وفيما أمره إليه ، فلولي الأمر أن يعزم على أمور من شئون المجتمع في داخله أو خارجه مما يتعلق بالحرب أو السلم مالية أو غير مالية يراعي فيها صلاح حال المجتمع بعد المشاورة مع المسلمين كما قال تعالى : ( وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ ) : « آل عمران : ١٥٩ » ، كل ذلك في الأمور العامة.

وهذه أحكام وعزمات جزئية تتغير بتغير المصالح والأسباب التي لا تزال يحدث منها شيء ويزول منها شيء غير الأحكام الإلهية التي يشتمل عليها الكتاب والسنة ولا سبيل للنسخ إليها ولبيانه التفصيلي محل آخر.

*مقتطف من تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي ج 4
2023/01/02

حكم مؤبّد.. هل يُخلّد «القاتل» و «الزاني» في النار؟!
رُوي عن الإمام موسى بن جعفر (ع) أنَّه: "لا يخلِّدُ اللهُ في النار إلا أهلَ الكفر والجُحود وأهلَ الضلال والشرك .." ألا تُنافي هذه الرواية قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾(1) فلو أنَّ رجلًا من أهل الإيمان قتل مؤمنًا متعمِّدًا فإنَّ جزاءه -بمقتضى الآية- الخلود في النار، ولكنَّ الرواية ذكرت أنَّه لا يخلُدُ في النار إلا أهل الكفر، فكيف نوفِّق بين الآية والرواية؟

العذاب منقطع عن أصحاب الكبائر:

الرواية المذكورة أوردَها الشيخُ الصدوق في كتاب التوحيد بسندٍ صحيح عن محمد بن أبي عمير، قال: سمعتُ موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: "لا يُخلِّدُ اللهُ في النار إلا أهلَ الكفرِ والجُحود وأهلَّ الضلال والشرك .."(2).

والروايات الدالَّة على أنَّ العذاب منقطعٌ عن المؤمنين من أهل الكبائر وأنَّ المؤمن لا يخلُد في النار للأبد، الروايات في ذلك مستفيضة بل لعلَّها متواترةٌ إجمالًا، ولذلك أجمعت الإماميَّةُ على أنَّ أهل الكبائر من أهل الإيمان لا يُعذَّبون في النار إلى الأبد، نعم قد يمكثون فيها طويلًا كلٌّ بحسب ما اجترحه من الكبائر ثم ينقطعُ عنهم العذاب ويخرجون من النار.

وأمَّا الآيات التي ظاهرها بدْوًا خلود بعض أهل الكبائر من المؤمنين في النار فهي ثلاثُ آيات:

الأولى: هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾(3).

والثانية: هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾(4).

والثالثة: هي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إلى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(5).

فالذين أفادت الآياتُ الثلاث أنَّهم سيخلَّدون في النار هم ثلاثة أصناف من العصاة وهم مَن يقتل مؤمنًا متعمِّدًا، والزناة، والذين يأكلون الربا، فلو سلَّمنا بظهور الآيات الثلاث في خلود هؤلاء الأصناف الثلاثة في النار أبدَ الآبدين فإنَّ مقتضى الجمع العرفي -بين الروايات المستفيضة القاضية بانقطاع العذاب عن أهل الكبائر من المؤمنين وبين الآيات الثلاث- هو البناء على أنَّ أهل الكبائر من المؤمنين لا يخلُد أحدٌ منهم في النار للأبد عدا هؤلاء الأصناف الثلاثة المذكورة في الآيات الثلاث، وعليه فلا تنافي بين ما دلَّ على انقطاع العذاب عن أهل الكبائر من أهل الإيمان وبين الآيات الثلاث، لأنَّ غاية ما تقتضيه الآياتُ الثلاث هو استثناءُ الأصناف الثلاثة من عموم ما دلَّ على انقطاع العذاب عن أهل الكبائر من أهلِ الإيمان.

كلمة الخلود تُستعمل في المكث الطويل:

هذا بناءً على ظهور الآيات الثلاث في خلود الأصناف الثلاثة في النار للأبد لكنَّه يُمكن أنْ يقال إنَّ الآيات الثلاث ليستْ ظاهرةً في الخلود الأبدي للأصناف الثلاثة في النار، فإنَّ كلمة الخلود بمختلف اشتقاقاتها كما تُستعمل في البقاء المؤبَّد الذي لا انقطاع له ولا زوال كذلك تُستعمل في المكث الطويل المتمادي في الطول بل قد يُقال إنَّ الأصل اللُّغوي لكلمة الخلود هو أنَّها وُضعت لإفادة المكث الطويل كما أفاد ذلك الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن قال: "وأصلُ المُخَلَّد: الذي يبقى مدّةً طويلة، ومنه قيل: رجلٌ مُخَلَّد لمَن أبطأ عنه الشيب، ودابَّةٌ مُخَلَّدَة: هي التي تبقى ثناياها حتى تخرجَ رباعيتها، ثم استُعير للمبقيّ دائمًا"(6).

ولذلك تُسمى الأثافي وهي الأحجار التي تُوضع عليها القدور للطهي تُسمَّى الخوالد وذلك لطول بقائها، ولأنَّها تبقى بعد فناء الديار ودروس الأطلال، وكذلك وتسمَّى الجبال والصخور والحجارة خوالد، وهكذا فإنَّ: "كلَّ ما يتباطأ عنه التغيير والفساد تصفه العربُ بالخلود، كقولهم للأثافي: خوالد، وذلك لطول مكثها لا لدوام بقائها"(7).

ولعلَّه لذلك يُسمَّي العرب بعض أولادهم "خالدًا" تفاؤلًا بطول بقائه رغم عدم بقائه للأبد، ومن ذلك قولهم للسلطان: "خلَّد اللهُ ملكك" فإنَّ مقصودهم من ذلك هو الدعاءُ له بطول البقاء والمكث في المُلك وليس الدوام، ولعلَّ ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ﴾(8) فإنَّ أحدًا لا يتوهَّم الخلود للأبد في الدينا فهو إذن يحسبُ أنَّ ماله يُؤمِّن له المكث الطويل، وكذلك هو معنى قوله تعالى على لسان هود (ع) يخاطب قومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ / وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾(9) فهم إنَّما يتَّخذون المصانع طمعًا في البقاء الطويل وليس الدائم المؤبَّد.

وعليه فأقصى ما تدلُّ عليه الآياتُ الثلاث هو أنَّ الأصناف الثلاثة -الذين توعَّدهم الله تعالى بالخلود في النار- سوف يمكثون طويلًا في النار جزاءَ ما اجترحوا ولكنَّها لا تدلُّ على بقائهم في النار إلى الأبد، وبذلك لا تكونُ هذه الآيات منافيةً لما دلَّ على انقطاع العذاب عن أهل الكبائر من أهل الإيمان.

ومع عدم القبول بأنَّ لفظ الخلود موضوعٌ في الأصل اللغوي لإفادة معنى المكث الطويل فلا أقلَّ من عدم إحراز أنَّه موضوع لإفادة البقاء المؤبَّد، فهو إذن مستعملٌ في المعنيين، فإنْ قامت القرينة على إرادة أحدهما وإلا كان المراد مُجمَلًا، ولهذا لا تكون الآياتُ دالَّةً على الخلود الأبدي للأصناف الثلاثة من أهل الإيمان.

الخلود الأبديُّ للكافرين في النار مستفادٌ من غير كلمة الخلود:

قد يُقال إنَّه بناءً على ذلك لا تكونُ الآياتُ التي دلَّت على خلود الكافرين في النار وعلى خلود أهل الجنَّة في النعيم صالحةً لإثبات البقاء المؤبَّد، وعليه فإنَّ الكافرين سوف ينقطعُ عنهم العذاب، وكذلك فإنَّ أهل الجنَّة سوف لن يكونوا منعَّمين فيها إلى الأبد، لأنَّه إنَّما علمنا ببقائهم للأبد من طريق الآيات التي أخبرت عن خلود الكافرين في النار وخلود أهل الجنَّة في النعيم.

والجواب إنَّ استفادة البقاء المؤبَّد للكافرين في النار ولأهل الجنَّة في النعيم لم يتم من طريق الآيات التي اقتصرت على الإخبار عن خلود الكافرين في النار وخلود أهل الجنَّة في النعيم بل استُفيد ذلك من الآيات التي وصفت الخلود بالمؤبَّد كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾(10) وكقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾(11) فبقرينة التأبيد علمنا أنَّ المراد من الخلود هو الدائم غير المنقطع، فالدوام لم تتم استفادته من حاقِّ اللفظ لكلمة ﴿خَالِدِينَ﴾ وإنَّما استُفيد من وصف الخلود بالمؤبَّد، وكذلك استُفيد من مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾(12) ومن مثل قوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾(13) أي غير مقطوع، ومن مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾(14) وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾(15) فالآيتان نفت عنهم الخروج من النار وأفادت الآيةُ الثانية أنَّ لهم عذابًا مقيمًا أي دائمًا، هذا مضافًا إلى الروايات المستفيضة بل المتواترة التي أفادت أنَّ أهل الجنَّة يظلُّون كذلك في النعيم إلى الأبد، وأنَّ الكافرين يظلُّون في العذاب إلى أبد الآبدين، فالخلود الأبدي لأصحاب الجنَّة في النعيم وللكفار في النار يمكن إثباته بالآيات والروايات حتى بناءً على تفسير الخلود بالمكث الطويل.

قرينةٌ أخرى على نفي الخلود الأبديِّ لمرتكبي الكبائر:

ثم إنَّه لو سلَّمنا أنَّ كلمة الخلود ظاهرةٌ عرفًا في الدوام والبقاء المؤبَّد فإنَّ هذا الظهور إنَّما يستقرُّ في فرض عدم قيام القرينة على إرادة خلافه وأمَّا عند قيام القرينة على خلافه فالظهور يكون تابعًا لما تقتضيه القرينة، وهنا قرينةٌ -أفادها عددٌ من العلماء- تقتضي عدم الخلود الأبدي لأهل الكبائر من أهل الإيمان في النار، وهي ما دلَّت عليه الآياتُ والروايات من استحقاق المؤمنين للثواب على الطاعات وأنَّ المعاصي لا تُحبِط الطاعات -كما هو مذهب الإماميَّة- ولا تحول دون استحقاق فاعلها للمثوبة، فمِن الآيات الدالَّة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾(16)

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾(17) وقوله تعالى: ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾(18) وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾(19) وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾(20) وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(21) والآيات في ذلك كثيرة، وهي واضحةٌ في أنَّ الله تعالى قد وعدَ المؤمنين المثوبة في الآخرة على عمل الصالحات سواءً كانوا ممَّن عملوا بالمعاصي كما هو الغالب على العباد أو لا، فكلُّ مَن عمِل بالطاعات فهو موعود من الله جلَّ وعلا بالمثوبةِ والجزاء الأوفى لا يُنقصه مِن عمله شيئًا ولا يُضيِّع أجره بل له الحسنى على إحسانه وزيادة، فذلك هو وعدُ الله تعالى لعباده المؤمنين، والله جلَّ وعلا لا يُخلفُ وعده ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾(22).

وعليه فإمَّا أنْ يُثيب اللهُ المؤمنين على طاعاتهم فيُدخلهم الجنَّة فإذا استوفوا أجورهم أخرجهم منها وأدخلهم النار جزاءَ ما اجترحوه من كبائر الذنوب وهذا منافٍ لما ثبتَ بالضرورة من أنَّ مَن يدخل الجنَّة فإنَّه لا يخرجُ منها، وإمَّا أنْ يُدخِلهم النار أولًا ليستوفوا جزاءَ ذنوبهم ثم يُخرجهم منها ويُدخلهم الجنَّة ليستوفوا جزاء طاعاتِهم، وهذا هو المتعيَّن، إذ لو كانوا مخلَّدين في النار لكان مقتضى ذلك هو ضياع ما استحقُّوه -بوعد الله- من مثوبةٍ على طاعاتهم، وقد ثبت بالآيات أنَّ الله تعالى لا يُضيع عمل عامل فيتعيَّن البناء على عدم خلودهم الأبدي في النار، وبذلك يثبت أنَّ الخلود الذي عنته الآياتُ الثلاث ليس هو الخلود الأبدي وإنَّما هو المكث الطويل في النار.

وخلاصة القول:

إنَّ الآيات الثلاث لا تدلُّ على الخلود الأبدي للأصناف الثلاثة من المؤمنين وبذلك فهي لا تُنافي ما دلَّ على عدم الخلود الأبدي لمرتكبي الكبائر من المؤمنين، نعم البناء على عدم الخلود الأبدي لأصحاب الكبائر من المؤمنين في النار لا يشملُ -ظاهرًا- مَن كان إيمانه بالانتماء دون الحقيقة، فمثلُه يكون خارجًا عن حيِّز المؤمنين ويحشره اللهُ تعالى يوم القيامة في زمرة أهل الكفر والضلال المستوجبين للخلود الأبديِّ في النار. نستعيذُ بالله تعالى من النار.

الهوامش: 1- سورة النساء / 93. 2- التوحيد -الشيخ الصدوق- ص407. 3- سورة النساء / 93. 4- سورة الفرقان / 68. 5- سورة البقرة / 275. 6- مفردات ألفاظ القرآن -الراغب الأصفهاني- ص292. 7- مفردات ألفاظ القرآن -الراغب الأصفهاني- ص291. 8- سورة الهمزة / 3. 9- سورة الشعراء / 128-129. 10- سورة الأحزاب / 64-65. 11- سورة النساء / 57. 12- سورة الكهف / 107-108. 13- سورة هود / 108. 14- سورة البقرة / 167. 15- سورة المائدة / 37. 16- سورة الزلزلة / 7. 17- سورة الكهف / 30. 18- سورة آل عمران / 195. 19- سورة الحجرات / 14. 20- سورة يونس / 26. 21- سورة النحل / 97. 22- سورة التوبة / 111.
2022/12/28

ما معنى التجديد في الدين؟
المقصود من التجديد هو جعل الخطاب الإسلامي مواكباً لمقتضيات الظرف الزماني، فصلاحية الإسلام لكل زمان ومكان تستدعي مواكبة الخطاب لما يحصل في الحياة من متغيرات.

[اشترك]

وعليه لا يعني التجديد تغيير ثوابت الإسلام وإنما يعني إخضاع متغيرات الحياة لتلك الثوابت، فالتكامل بين العقل والوحي هو الذي يجعل الإسلام مهيمناً على متغيرات الحياة، فالعقل هو المسؤول عن فهم قيم الدين وحِكمه، وبالتالي ينضبط العقل بهذه الحِكم ويسترشد بهذه القيم في ملاحقته للواقع، فبدون الوحي المذكِّر بهذه القيم تغيب الضوابط التي تحدد مسار العقل، وبدون العقل تصبح هذه القيم حالة مثالية ليس لها علاقة بالواقع، فالعقل هو الذي يكتشف الواقع المتغير، وبالتالي يمكنه إرجاع تلك المتغيرات إلى القيم التي يذكِّر بها الوحي، وهذه التكاملية بين الوحي والعقل هي التي تمنح الدين حالة الاستمرار، بحيث تجعله في حالة من التطور الدائم المواكب لكل جديد، وعليه فإن التجديد ليس ضرورة تفرضها الظروف فحسب وإنما حقيقة تفرضها طبيعة الرسالة الخاتمة أيضاً.

والتطوير هنا ليس أكثر من الدعوة للعمل بالعقل كما طلب القرآن وأكّد عليه، ولا يمكن أن نفهم ذلك التأكيد إلا من أجل خلق حركة تجديدية، بحيث تشمل كل مناهج وطرق العمل بالشريعة وفقاً للضرورات التي يكتشفها العقل، ومن هنا فإن دعوة القرآن إلى العقل هي دعوة صريحة إلى التطوير، وبتعبير آخر: إنها دعوة إلى ضرورة فهم الشريعة وتطبيقها في إطار العقل الذي تدعو الشريعة ذاتها إليه، بل القرآن الكريم كله إثارة للعقل وتطهير للقلب ليكون الإنسان أكثر اقتداراً على إدارة الحياة.

وعليه فإن العقل يمثل محور أيِّ عمل تجديدي ضمن الرؤية القرآنية، ولذلك أكّد عليه الشرع في أمره المباشر بضرورة التعقل، ولم يشكك أبداً في أحكامه، والتطور الذي هو سنة الله في الحياة البشرية، لابد أن يكون ضمن هدى العقل، فإذا تطورت الظروف وأمر العقل بتطبيق أمر مختلف عما كان سابقاً فيجب اتّباعه.

ولم يأمر القرآن بالتقدم والتطور فحسب وإنما قدم معالجات لكل العقبات التي تواجه تلك المسيرة، مثل (تقديس الآباء وتراثهم، وتقليد المجتمع الفاسد والخشية منه، ومن السلطات الطاغية، وغير ذلك من الاصنام والعادات الفاسدة)، وبالتالي عمل الإسلام على تحطيم كل صنم يقدَّس من دون الله أيّاً كان اسمه وصورته.

كما لم يكتفِ القرآن بالتأكيد على ضرورة مراعاة الواقع عندما أمره بالتعقل والتدبر، وإنما ذكَّر ببعض النماذج، التي يتدخل فيها الظرف في تحديد الحكم الشرعي، ونضرب لذلك بعض الأمثلة:

1-      الأخذ بالأحسن، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ﴾، وقال: ﴿وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً﴾.

ومعروف أن الأحسن يخضع للمتغيرات، فما هو الأحسن في حالة، قد لا يكون الأحسن في حالة أخرى، ولعله لذلك أمر باتّباع الأحسن وترك الحسن الذي قد يتنافى والظروف المستجدة، والذي يظهر من السياق في الآية الثانية، أن المقياس لمعرفة الأحسن أمران:

الأول: الأحسن بالنظر إلى سائر الأدلة، فقد يكون للقول الواحد أكثر من معنى محتمل، فعلينا أن ننظر أي معنىً يتوافق أكثر فأكثر مع روح الشريعة، وعرف المتشرعة، وبتعبير أدق: مع سائر النصوص الدينية، لأن الله سبحانه يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ﴾، فعرفنا أن هداية الله لهم، جعلتهم يختارون الأحسن، فإذاً هم كانوا يستفيدون من هدى الله في تقييم القول ومعرفة أحسنه.

الثاني: نور العقل، والذي يهدي صاحبه إلى الأحسن بالنسبة إلى نفسه في ضعفها وقوتها، إقبالها وإدبارها، أو بالنسبة إلى ظروفه ومجتمعه، وهكذا، لأن الله سبحانه قال في ختام الآية: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ﴾.

2-      اتّباع المعروف والبعد عن المنكر، قال سبحانه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾، والعرف والمعروف، قد لا يكون في كل الظروف واحداً، بل يتغير ضمن مجموعة عوامل يهتدي إليها العقل، وكذلك النكر والمنكر، وقد أفتى فقهاء الإسلام في موارد شتى، وانطلاقاً من هذه الآيات، بضرورة رعاية العرف، وما العرف إلا ما اهتدى إليه الناس بعقولهم، وفي إطار ظروفهم المتغيرة

3-      لقد بعث الله رسوله إلى الناس ليتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة، فقال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

والسؤال: ماهي الحكمة؟، أليست هي معرفة أصول العلم، ومبادئ الفقه التي يعرف الإنسان بها حكم كل حادثة وواقعة؟، وهذا يعني أن الحياة تتطور والشريعة خالدة، لأنها تعطي المؤمنين الحكمة التي تؤهلهم لمعرفة أحكام الشريعة، أنى تطورت الحياة.

وفي المحصلة إن إثارة نصوص الإسلام للعقل، ومخاطبته للعقلاء، ورفع حجب الشهوات، وتنمية الإرادة، كل ذلك يقصد منه العمل بما يقتضيه العقل والعلم، وبما يكشفان من حقائق الحياة وواقعياتها، فإن كانت الحقائق ثابتة عملنا وفقها، وإذا كانت متغيرة عملنا وفقها أيضاً.

2022/12/24

هل يمكن للإنسان أن يكون متديناً دون الالتزام بالأحكام الشرعية؟
التدين كلمة مشتقة من الدين وهي تعني الطاعة والتسليم والخضوع والتذلل والعبودية، وفي الاصطلاح الإسلامي تعني الإيمان والعمل بكل ما جاء به النبي محمد (صلى الله عليه وآله) من عقائد وتشريعات.

[اشترك]

ولا يتحقق التدين الواقعي إلا باستسلام القلب والجوارح وخضوعها لله عز وجل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، فقد نصت الآية على اقتران الإيمان بعمل الصالحات فلا يكون الإنسان مؤمناً وهو تارك للصلاة ومانعاً للزكاة، ولذلك توعد الله تعالى تارك الصلاة والزكاة بنار جهنم حيث اخبر عن مصيرهم يوم القيامة بقوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)، وقال تعالى: (فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا)، ولم يتوعد الله تارك الصلاة فقط بل توعد المصلي المستهين بصلاته، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)، وعليه لا يستقيم التدين ولا يكون الإنسان مؤمناً ولا يتصف بالإسلام دون الالتزام بالفرائض والعبادات، ففي الحديث عن أبي الصباح الكناني، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): من شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمّـداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمناً؟ قال: فأين فرائض الله؟. قال: وسمعته يقول: كان علي (عليه السلام) يقول: لو كان الإيمان كلاماً لم ينزل فيه صوم ولا صلاة ولا حلال ولا حرام. قال: وقلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّ عندنا قوماً يقولون: إذا شهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّـداً رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو مؤمن. قال: فلمَ يضربون الحدود، ولمَ تقطع أيديهم؟! وما خلق الله عزّ وجلّ خلقا أكرم على الله عزّ وجلّ من المؤمن، لأنّ الملائكة خدّام المؤمنين، وأنّ جوار الله للمؤمنين وأنّ الجنّة للمؤمنين، وأنّ الحور العين للمؤمنين. ثمّ قال: فما بال من جحد الفرائض كان كافراً؟»

وقد أجمعت الأمة على كفر من أنكر ضرورات الدين؛ لأن ذلك يستلزم إنكار الرسالة وتكذيب القرآن، فعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر"، وعنه (صلى الله عليه وآله): "ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا أن يترك الصلاة الفريضة متعمداً أو يتهاون بها فلا يصليها".

هناك خلاف بين الفقهاء حول منكر الضرورة هل إنكاره يعد سبباً بنفسه للكفر أم أنه سبب لاستلزامه إنكار الرسالة وتكذيب القرآن؟ يقول السيد الخوئي في كتاب الطهارة: "وهل هناك أمر آخر يعتبر الاعتراف به في تحقق الإسلام على وجه الموضوعية ويكون إنكاره سببا للكفر بنفسه؟ فيه خلاف بين الأعلام فنسب في مفتاح الكرامة إلى ظاهر الأصحاب أن إنكار الضروري سبب مستقل للكفر بنفسه وذهب جمع من المحققين إلى أن إنكار الضروري إنما يوجب الكفر والارتداد فيما إذا استلزم تكذيب النبي صلى الله عليه وآله وإنكار رسالته كما إذا علم بثبوت حكم ضروري في الشريعة المقدسة وأن النبي - ص - أتى به جزما ومع الوصف أنكره ونفاه، لأنه في الحقيقة تكذيب للنبي - ص - وإنكار لرسالته وهذا بخلاف ما إذا لم يستلزم إنكاره شيئا من ذلك كما إذا أنكر ضروريا معتقدا عدم ثبوته في الشريعة المقدسة وأنه مما لم يأت به النبي - ص - إلا أنه كان ثابتا فيها واقعا بل كان من جملة الواضحات فإن انكاره لا يرجع حينئذ إلى إنكار رسالة النبي فإذا سئل أحد - في أوائل إسلامه - عن الرباء فأنكر حرمته بزعم أنه كسائر المعاملات الشرعية فلا يكون ذلك موجبا لكفره وارتداده وإن كانت حرمة الرباء من المسلمات في الشريعة المقدسة لعدم رجوع إنكارها إلى تكذيب النبي - ص - أو إنكار رسالته ومما ذكرناه يظهر أن الحكم بكفر منكر الضروري عند استلزامه لتكذيب النبي - ص - لا تختص بالأحكام الضرورية لأن إنكار أي حكم في الشريعة المقدسة إذا كان طريقا إلى إنكار النبوة أو غيرها من الأمور المعتبرة في تحقق الإسلام على وجه الموضوعية فلا محالة يقتضي الحكم بكفر منكره وارتداده، هذا وعن شيخنا الأنصاري (قدس) التفصيل في الحكم بارتداد منكر الضروري بين المقصر وغيره بالحكم بالارتداد في الأول لإطلاق الفتاوى والنصوص دون غيره إذ لا دليل على سببية إنكاره للارتداد وعدم مبغوضية العمل وحرمته في حقه، وما لم يكن بمبغوض في الشريعة المقدسة يبعد أن يكون موجبا لارتداد فاعله وكفره".

وبعيداً عن هذا التفصيل الفقهي فإن الأمر المسلم به والمجمع عليه عند جميع المسلمين لا يعد الإنسان مسلماً متديناً ما لم يؤدي ما عليه من فروض وواجبات، ولم يخالف الصوفية في ذلك، فحتى لو اختلفنا مع التصوف في مناهجه إلا أنه لا يجوز اتهامهم بما ليس فيهم، فعلماء التصوف وأئمتهم يصرحون بأن العبد لا يكون عارفاً إلا من خلال الالتزام بالشريعة، يقول سهل بن عبد الله التستري المُتوفَّى سنة ٢٧٣ أو سنة ٢٨٣: «ما من طريق إلى الله أفضل من العلم (يعني العلم بالشرع)، فإن عدلت عن طريق العلم خطوة تهت في الظلمات أربعين صباحًا» ويقول أبو سعيد الخراز المُتوفَّى سنة ٢٧٧: «كل باطن يخالف ظاهرًا فهو باطل» ويقول أبو بكر الزقاق الكبير، وكان من أقران الجنيد: «كنت مارًّا في تيه بني إسرائيل فخطر ببالي أن علم الحقيقة مباين للشريعة، فهتف بي هاتف من تحت الشجرة: كل حقيقة لا تتبعها الشريعة فهي كفر» ويقول الغزالي في الاحياء:  «من قال إنَّ الحقيقة تُخالف الشريعة والباطن يخالف الظاهر، فهو إلى الكفر أقرب، وكل حقيقة غير مقيَّدة بالشريعة فغير محصولة. فالشريعة جاءت بتكليف الخلق، والحقيقة إنباء عن تصريف الحق. فالشريعة أن تَعبده، والحقيقة أن تَشهده، والشريعة قيام بما أمر، والحقيقة شهود لما قدر وأخفى وأظهر».

 وقد أنكر الصوفية على من ادعى سقوط الشريعة وتحلل عن العبادات المفروضة، ففي كتاب (تلبيس إبليس) يقول جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي المُتوفَّى سنة ٥٩٧: «وقد أخبرنا ابن ناصر بإسناد عن أبي عبد الرحمن السُّلَمي قال: قيل لأبي نصر النصر اباذي إن بعض الناس يُجالس النسوان ويقول: «أنا معصوم في رؤيتهن» فقال: «ما دامت الأشباح قائمة فإن الأمر والنهي باقيان، والتحليل والتحريم مُخاطَب بهما» وقال أبو علي الروذبادي وسُئل عمن يقول: «وصلت إلى درجة لا يؤثر فيَّ اختلاف الأحوال.» فقال: «وقد وصل ولكن إلى سقر» وبإسناد عن الجريري يقول: سمعت أبا القاسم الجنيد يقول لرجل ذكر المعرفة فقال الرجل: «أهل المعرفة بالله يصلون إلى ترك الحركات من باب البر والتقرب إلى الله عز وجل» فقال الجنيد: «إنَّ هذا قولُ قومٍ تكلموا بإسقاط الأعمال، وهذه عندي عظيمة، والذي يَسرق ويزني أحسن حالًا من الذي يقول هذا، وإن العارفين بالله أخذوا الأعمال عن الله وإليه رجعوا فيها، ولو بقيت ألف عام لم أنقص من أعمال البر ذرة إلا أن يُحال بي دونها؛ لأنه أوكد في معرفتي به وأقوى في حالي». وبإسناد عن أبي محمد المرتعش يقول: سمعت أبا الحسين النوري يقول: «من رأيته يدَّعي مع الله عز وجل حالة تخرجه عن علمٍ شرعي، فلا تقربَنَّه، ومن رأيته يدَّعي حالة باطنة لا يدلُّ عليها ويشهد لها حفظ ظاهر، فاتَّهِمْه في دينه.».

2022/12/14

كيف يستطيع ملك الموت قبض آلاف الأرواح في وقت واحد؟
جاء في الآيات والروايات المتعددة أن روح الإنسان تُقبض عند موته على يد ملك اسمه عزرائيل ونتيجة الموت يطرح هنا هذا التساؤل:

[اشترك] 

عندما ينتهي عمر آلاف البشر في نفس اللحظة وفي أماكن متباعدة من العالم من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب. 

أولاً: كيف يستطيع عزرائيل التواجد في نقاط العالم الأربع في نفس الوقت؟ ثانياً: حتى لو كان هؤلاء في منطقة واحدة كما حصل في القصف النووي الأميركي لليابان فكيف يستطيع عزرائيل أن يقبض روح كل واحد منهم على حدة وفي نفس الوقت؟. 

إذا كان القابض لأرواح البشر هو ملك واحد اسمه عزرائيل، فكيف يمكن له وهو واحد أنْ يقبض أرواح الآلاف اذا ماتوا دفعة واحدة، خصوصاً إذا كانوا في أماكن متباعدة؟

إنّ القابض للأرواح ليس عزرائيل لوحده، بل هنالك مجموعة من الملائكة تعينه على ذلك، مع أنّ الإشكال المذكور يأتي في عالم الماديات وما تحكمها من قوانين الزمكان، هذا بالإضافة إلى إمكان أنْ يكون تأثير ملك الموت في قبض الأرواح كتأثير الشمس الواحدة على الموجودات المتعددة. 

أولاً: إن القابض للأرواح هو الملك المقرب عزرائيل (عليه السلام) وهذا ثابت لا لبس فيه، قال تعالى: (  قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ )(1) غير أنّ عزرائيل لا يمارس ذلك بالإستقلال عن الله عزَّ وجلّ بل إنّما هو بأمر الله تبارك وتعالى، ولأجل ذلك نُسب الموت إلى الله تعالى في القرآن، يقول سبحانه: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )(2).

ثانياً: إنّ ملك الموت الذي نسب إليه قبض الأرواح لا يُمارس القبض لوحده، بل هنالك من يعينه على هذه المهمة، وإلى ذلك أشار الله عزَّ وجلّ في كتابه الكريم بقوله تعالى: (َهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ )(3).

وروى الصدوق عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) حيث قال: (وسئل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عزَّ وجلّ: ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) وعن قول الله عزَّ وجلّ: ( قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ) وعن قول الله عزَّ وجلّ: ( الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ) و ( الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ) وعن قول الله عزَّ وجلّ: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا) وعن قوله عزَّ وجلّ: (وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ) وقد يموت في الساعة الواحدة في جميع الآفاق ما لا يحصيه إلا الله عزَّ وجلّ فكيف هذا؟ فقال: إنّ الله تبارك وتعالى جعل لملك الموت أعواناً من الملائكة يقبضون الأرواح بمنزلة صاحب الشرطة له أعوان من الإنس ويبعثهم في حوائجه فتتوفاهم الملائكة ويتوفاهم ملك الموت من الملائكة مع ما يقبض هو ويتوفاها )(4).

ثالثاً: لو سلمنا بأنّ الذي يقبض الأرواح كلها وفي آنٍ واحد هو ملك واحد وهو عزرائيل ( عليه السلام )، غير أنّ ما أورد من الإشكال لا يرد عليه إذا عرفنا أنّه قد اودعه الله قوة خارقة، وحركة فوق الزمان والمكان، فكلنا يعلم بأن قانون الزمان والمكان إنّما يحكم عالم المادة، وكلما ابتعدنا عن عالم المادة وتحررنا منها، كلما تخلصنا من الزمان، وهذا ما أقرّته أحدث النظريات الحديثة كالنظرية النسبية لإينشتاين.

رابعاً: ألا يمكن أنْ يكون تأثير ملك الموت في قبض الأرواح كتأثير الشمس التي ترسل بضوئها ودفئها إلى كل ما طلعت عليه مع أنها واحدة؟

وصفوة القول:

إنّ القابض للأرواح ليس ملك الموت لوحده بل هنالك ملائكة كثر يساعدونه على ذلك.

إنّ الإشكال المذكور جاء نتيجة لإنغلاق أذهاننا على عالم المادة المحكوم بالزمكان، وأما إذا تحررنا قليلاً عن هذا العالم فإنّ الإشكال سوف يتبدد.

إنّ تأثير ملك الموت في قبض الأرواح من الممكن أنْ يكون كتأثير الشمس في الموجودات مع وحدة الشمس وكثرة الموجودات.

الهوامش: 1- سورة السجدة / ايه 11 2- سورة الزمر / ايه 42 3- سورة الانعام / ايه 61 4- من لا يحضره الفقيه للشيخ الصدوق / ج 1 / باب غسل الميت / ح 368
2022/12/13

سماحة الشيخ والسيد.. من أين حصل رجل الدين على هذا اللقب؟!
من التسميات التي تطلق على عالم الدين ويعرف بها على نطاق واسع، تسمية السماحة فيقال له صاحب السماحة، وتكاد هذه التسمية تختص بهذه الفئة من الناس، وتتفرد بها عن باقي الفئات الأخرى.

[اشترك] 

هكذا جرى العرف في الوسطين الديني والاجتماعي، وبين كافة المذاهب الإسلامية تقريبا، فحينما يقال صاحب السماحة يستبق إلى الذهن ابتداء صورة عالم الدين، في دلالة على تطابق الوصف والصورة من الناحية العرفية.
هذه التسميات لا تحصل غالبا بمحض الصدفة، أو بحسب مجريات العادة، وهي لا تأتي من فراغ أو من دون مناسبة، ولا تظهر فجأة من دون مقدمات، وليست هي تسميات بلا معنى أو تفتقر إلى قوة المعنى، كما أنها ليست مجرد أوصاف وألقاب شكلية، جاءت بقصد التعظيم، وتحصيل درجة من درجات التفاضل، أو من أجل الوجاهة الدينية والاجتماعية.
وإذا كنا لا نعلم على وجه التحديد متى بدأ استعمال هذه التسمية زمنا وتاريخا، مناسبة وحالة، إلا إننا نعلم على وجه اليقين من أين جاءت هذه التسمية، فهي قد جاءت من وصف الشريعة التي وصفت في الحديث النبوي الشريف بالحنيفية السمحة.
واستنادا إلى هذه الأحاديث النبوية الشريفة مع آيات قرآنية تتصل بها، اعتبر الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية)، أن السماحة هي أولى أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها، واستنادا إلى هذا الرأي فإن السماحة كذلك هي أولى أوصاف عالم الدين ومن أكبر مقاصده.
هذا التلازم بين كون السماحة هي أولى أوصاف الشريعة، وكونها أولى أوصاف عالم الشريعة أو عالم الدين، هو تلازم جديد يمكن التسليم بصحته، ولوجاهته يمكن التمسك به، والدفاع عنه، وإعطاؤه فرصة الشياع في مجالنا التداولي، فهو لا يخلو من طرافة في المعنى.
وكحال كثير من التسميات التي يجري تداولها في مجالاتنا الفكرية والدينية والاجتماعية وغيرها، لكن من دون أن نعطي أنفسنا فرصة التأمل فيها، ووضعها في دائرة البحث الاستكشافي، للتبصر في حكمتها، وبيان حقلها الدلالي.
وهذا ما يصدق على تسمية صاحب السماحة التي لم نتوقف عندها فحصا وتبصرا واستكشافا، مع كثرة استعمالها وشياعها الواسع، الوضع الذي عرضها على ما يبدو للرتابة، وأفقدها عنصر الدهشة، الدهشة التي فقدناها غالبا في حياتنا الفكرية، وفقدنا معها قوة الخيال، وعظمة التأمل، وبهجة الفكر، ومحبة الاستكشاف، حصل ذلك نتيجة ما أصابنا من جمود فكري، وتراجع حضاري.
والسؤال لماذا حصل هذا الاقتران بين السماحة وعالم الدين إلى درجة التفرد بهذه الصفة؟
هل حصل ذلك لأن عالم الدين ظهر بهذه الصفة، وطغت عليه حتى عرف بها، وحين أطلقت عليه جاءت من باب الإعلام والإخبار؟ أم هي دعوة ملحة ومستمرة لعالم الدين لأن يتصف بهذه الصفة، وحين أطلقت عليه جاءت من باب التذكير والتنبيه؟ أم لأن السماحة حسب قول الشيخ ابن عاشور هي أولى أوصاف الشريعة فلا بد أن تكون بالتبع أولى أوصاف عالم الشريعة؟
هذه التقديرات الثلاثة هي تقديرات واردة ومتصورة، وعند النظر الاستكشافي يمكن الإشارة إلى الدلالات الآتية:
أولا: إن من يقترب من الشريعة تعلما وتخلقا يكون قريبا من صفة السماحة، متنبها لهذه الصفة أو غير متنبه لها، فالشريعة بطبيعتها تخلق في من يقترب منها صفة السماحة بشعور منه أو من دون شعور، تخلقا يكون ظاهرا ومتجليا، لكن ليس بصورة فورية وفجائية، وإنما بصورة تدريجية، حتى تصل إلى درجة يعرف بها فيقال له صاحب السماحة، وفي هذه الحالة يكون الوصف حاكيا عن المصداق ومصدقا له، فالصفة هي صفة مصداقية.
ثانيا: إن عالم الدين يعرف بصفة السماحة قبل وأكثر من أية صفة أخرى، وبهذا المعنى فإن عالم الدين الحقيقي هو صاحب سماحة يعرف بها علما وتخلقا، يعرف بها لا في مكان دون آخر، ولا في زمان دون آخر، ولا في حال دون آخر، ولا مع ناس دون ناس، وإنما يعرف بها بصورة دائمة ومستمرة في كل مكان وزمان وحال، ومع الناس كافة بلا فرق بينهم ولا تمايز لا من جهة العرق والقوم، ولا من جهة اللغة واللسان، ولا من جهة المذهب والطائفة، ولا من جهة الثروة والجاه.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن كل عالم دين يفترض فيه أن يكون صاحب سماحة، ولكن هل كل عالم دين هو صاحب سماحة فعلا!
بالقطع والتأكيد ليس كل عالم دين هو صاحب سماحة، وهذا ما يعرفه علماء الدين عن أنفسهم قبل غيرهم قديما وحديثا، فالسماحة هي معيار يعرف بها عالم الدين الحقيقي دون سواه، وفي هذه الحالة يكون الوصف حاكيا عن المعيار، فالصفة هي صفة معيارية.
ثالثا: إن إطلاق صفة السماحة على عالم الدين تجعل منه أن يكون متنبها لهذه الصفة، ومتبصرا بها دائما وبلا توقف، لكي يصبح مشعا بهذه الصفة، ومصدر اشعاع لها، يفيض بها دوما وبلا توقف شخصا وفكرا، قولا وعملا، صمتا وكلاما، وبشكل يشعر بها كل من يقترب منه، ويتلمسها كل من يتصل به، ويتأثر بها كل من يتواصل معه القريب والبعيد، المتفق والمختلف.
الحال الذي يجعل عالم الدين أكثر من غيره تنبها لهذه الصفة، وأكثر من غيره تمسكا بها، وأكثر من غيره دفاعا عنها، وأكثر من غيره كذلك فيضا واشعاعا لها بين الناس كافة، وبهذا الحال يكون عالم الدين إنما يدافع عن ذاته وصورته ورمزيته، ولكي يظهر بمظهر جمالي بهيج يبهج الناس كافة.
وفي هذه الحالة يكون الوصف حاكيا عن التخلق، ومصدقا له، فالصفة هي صفة تخلقية.
لكن هذه الصورة انقلبت عند البعض قديما وحديثا، فوجدنا من ينتسب إلى شريحة علماء الدين وينشر الكراهية بين الناس، ويبث الأحقاد والضغائن والبغضاء، وحتى التعصب والتطرف والتحجر والتنازع، ووصل الحال بالبعض إلى دعوة الناس للعنف والتكفير والإرهاب

2022/12/13

لا حياة بلا إيمان: هل فشل العلم في ضبط القوة في العالم؟
من الواضح أن مشكلة العالم تكمن في صراعه الوحشي حول المادة، وقد ساهم التطور العلمي والتقدم التكنلوجي على تأجيج هذا الصراع وجعله أكثر وحشية ودمار، فالمؤكد أن الحضارة المعاصرة لا تعاني من نقص في التقدم العلمي والتكنلوجي ولكنها تعاني من نقص حاد في الاخلاق.

[اشترك]

الأمر الذي يجب أن يقود العقلاء إلى ضرورة إيجاد علاقة تكاملية بين الدين والعلم، ويبدو أن العلاقة المتوترة بين أنصار العلم وأنصار الدين هي التي خلقت رؤية ضبابية حول طبيعة العلاقة بينهما، فلا التطرف العلماني الذي يسعى لاستبعاد الدين، ولا التطرف الديني الذي يعزل الدين عن العلم، يقدمان تصوراً موضوعياً حول علاقة الدين بالعلم.

وعليه فإن الإجابة على سؤال السائل: (من الأقدر على ضبط القوة العسكرية والتكنولوجية في العالم.. الدين أم العلم؟) تتوقف على إيجاد مقاربة تجمع بين الدين والعلم في رؤية تكاملية واحدة، ويبدو أن الظروف الآن باتت مناسبة لإقناع العالم بضرورة الدين وإقناع المتدينين بضرورة العلم، ففي بداية تشكل الحضارة الحديثة وفي عصر النهضة بالتحديد شهدت أوربا موجة عارمة من الألحاد باسم العلم، ففي كتاب (العلم والدين في الفلسفة العاصرة) يقول إميل بوترو: "وذلك أن العلم كان ينادي بالحتمية التي تعني أنه إذا توافرت الشروط والأسباب تحتم وقوع النتائج. وبناء على ذلك يكتفي العالم بنفسه، ولا حاجة به إلى علة أخرى خلاف وجود المادة وحركتها وتطورها وسيرها في طريقها المحتوم".

وبالمقدار الذي كان رجال الدين مسيطرون على أوروبا ويقيمون محاكم التفتيش التي تلاحق العلماء، بنفس هذه السطوة أصبح رجال العلم يحاصرون رجال الدين بعد عصر النهضة، فشنوا حربهم على الدين تسخيفاً وتجهيلاً به إلى أن تم عزله عن الحياة.

ومع تسليمنا بالمساهمات الكبرى لرجال العلم في تحقيق نهضة علمية واسعة، إلا أنه يبدو أن تفسير الكون والإنسان برؤية تجريبية أحادية نوع من الإفراط، يؤدي إلى تفريط في جانب آخر تضيع معه الكثير من الحقائق.

فهل كل الظواهر وبخاصة الإنسانية منها خاضعة للتجربة؟

 ألم يعجز العلم بالفعل أمام كثير من الظواهر الإنسانية؟

 فمن الضروري فتح مسار العلم أمام العقل التحليلي والتأملي، فمظاهر الحياة والوجود أوسع من أن تحيط بها مختبرات التجربة، والأديان وإن كانت تنتمي للمطلق والمقدس إلا أنها تمثل حاجة أصيلة للإنسان لا يصح اهمالها بالمرة، والقوانين الحتمية التي أعتمدها رجال العلم تغطي بعض الجوانب، وتبقى كثير من الجوانب تتحكم فيها الاحتمالية، الأمر الذي يمكن فهمه في إطار وجود قوة خارج الطبيعة لها إرادة وتدخل، ولذلك في بداية القرن العشرين بدأ العلم يتواضع ويعترف بعدم قدرته على تفسير كل شيء، يقول إميل بورت في نفس الكتاب: ""منذ صدر القرن العشرين بدأ يرى أن الحتمية غير ضرورية، وأن القانون الذي يحكم العالم هو قانون الاحتمالات، وبذلك أنفسح المجال للقول بقوة عليا تسير العالم خارج نفسه""

والقول بوجود هذه المساحة لا يعني رجوع الدين بمقولاته الكنسية، فقد أصبح العقل الإنساني أكثر صرامة بعد عصر العلم، فما كان يمثل يقينيات دينية تعارف وتعاهد عليها البشر لم تعد تقنع أحداً، ومن هنا يتعاظم التحدي أمام الأديان لتقديم مقاربات تتكامل بالعلم والعقل معاً، فعجز العلم أمام كثير من الأسئلة لا يعني قبوله يقينيات الأديان بدون سؤال وحوار.

ويبدو أن الوصف السلبي للأديان الذي بدأ في عصر النهضة كان متأثراً بالجو الثقافي الذي كان سائداً، فافتتان الإنسان في عصر النهضة بالعلم، وما توصل إليه من حقائق، وما أبدعه من مناهج في المعرفة، واصطدام كل ذلك بالكنيسة التي وقفت وبكل قوة أمام عجلة التقدم والتطور العلمي، كان سبباً كافياً لوصف الدين بتلك الأوصاف. وفي المقابل فإن الهيمنة التاريخية للكنيسة وتحكمها في المجتمع جعل من الطبيعي أن تتخذ موقفاً سلبياً من الحركة العلمية خوفاً على موقعها، وذلك أصبح عصر النهضة بداية لمرحلة جديدة تأزمت فيها العلاقة بين الدين والعلم، وبدأ عصر العولمة كخيار ثقافي وسياسي واقتصادي ومازال يهيمن على المشهد الإنساني.

وقد تسرب هذا النقاش إلى الساحة الإسلامية، وزاد من حالة الاصطفاف بين التيارات العلمانية والدينية، وما يؤسف له أن التيارات العلمانية عملت على محاكمة الإسلام بنفس عقلية عصر النهضة في ازمتها مع الكنيسة، في حين أن التأكيد على أهمية العلم لا يعني ابداً عدم أهمية الدين، والعكس صحيح أيضاً، ومع ذلك لا يمكن أن تستقيم هذه المعادلة إلا إذا كان الدين والعلم كليهما يحققان تكاملاً لا يستغني عنه الإنسان، ويبدو أن المقاربة المتفهِمة للعلاقة الجدلية بين الروح والبدن في الإنسان، هي ذاتها المقاربة التي تتفهم جدلية العلاقة بين الدين والعلم، فما يحققه العلم للإنسان لا يمكن أن تحققه الأديان، والعكس صحيح، فكليهما يخدمان شيء واحد وهو الإنسان المركب من روح ومادة.

ومن هنا كانت المقاربة المطلوبة هي التي ترسم نقاط الالتقاء بين الدين والعلم، ولا يتم ذلك بمجرد جعل مقولات الدين مقولات معرفية عقلية، وإنما بجعل غايات العلم أيضاً غايات دينية، والذي يميز الديني عن اللا ديني ليس مجرد نسبته الى المقدس، وإنما الذي يميزه كونه قيمة أو ليس بقيمة، والمقدس نفسه لا يكون مقدساً إلا بمقدار ما يحمله من قيم، والإنسان لم يتطلع الى الغيب إلا لكونه مصدراً يستلهم منه قيم الحق والجمال، فقيمة العلوم بما تحمله من قيم ومكاسب حياتية للإنسان، وقيمة الدين في دعوته لتلك القيم.

والذي يحكم كل هذه المعادلة هو الإنسان بوصفه محوراً للدين ومحوراً للعلوم أيضاً، وأهمية الدين تعود إلى تذكير الإنسان بالقيم التي تجعل منه كائن له قيمة، ومن نفس هذه الزاوية يكون الدين مهماً في مجال تطور العلوم لأنه يشكل الضمانة الأخلاقية لذلك التطور، وهكذا تكون اللحظة التي نتساءل فيها عن أهداف العلوم وغاياتها هي اللحظة التي تقربنا من الدين، واللحظة التي يكون فيها الإنسان متديناً يكون فيها قريباً من الحياة؛ لأن القيم لا يكون لها معنى إلا من خلال تفاعلها مع الواقع الحياتي للإنسان.

 فالنظر الى الدين بوصفه قيم ينتهي إلى العلم؛ لأن القيم لا يمكن أن ترتبط بالواقع إلا إذا استعانت بالعلوم، والنظر إلى العلوم بوصفها قيم يقربها من الدين، وكل ذلك يكون مفهوماً إذا كان هدف الأديان هو أعمار الحياة وتطوير الإنسان في إطار القيم، وهو الأمر الذي يحتاج إلى تأصيل في قبال الرؤية التي تصور الأديان وكأنها وجدت من أجل عالم آخر غير عالم الدنيا.

 وفي الإسلام قد نجد ما يعين على تلك النظرة، حينما يدعو القرآن إلى الحياة وإلى العلم وإلى التعقل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً﴾. وقال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وقال: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. وهي دعوة تجعل العلم بلا سقف يقف عنده.

 فالدين هو الذي يعزز مسيرة العلم، والعلم هو الذي يعزز مسيرة الإنسان، ومن هنا فإن الدين الذي يجب أن نفهمه لابد أن يكون إطاراً تنتظم فيه كل قيم الكمال والجمال، كما أن العلوم التي يجب أن تسود هي العلوم التي تراعي تلك القيم، وإلا أصبح ضرره أكثر من نفعه كما هو واقع الحال اليوم.

يقول أينشتين: "لا أتصور العلم دون إيمان عميق. ويمكن تشبيه الموقف بصورة مجسدة: العلم دون الدين أعرج، والدين دون العلم أعمى".

ويقول البروفيسور هوستن سميث أستاذ الفلسفة وعلوم الأديان في العديد من الجامعات الأمريكية: ""تعود أسباب الأزمة التي يمر بها العالم وهو يدخل الألفية الجديدة إلى أمور أعمق من طرق تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية. إن الشرق والغرب يعانيان – كل بطريقته – من أزمة واحدة مشتركة سببها الحالة الروحية للعالم الحديث، فقد اتسمت هذه الحالة الروحية بفقدان اليقين الديني وفقدان الإيمان بالسمو والتعالي على الوجود المادي بآفاقه الرحبة الواسعة. وطبيعة هذا الفقدان غريبة، لكنها – في النهاية – منطقية ومتوقعة. مع تدشين عصر النظرة العلمية البحتة، وبدأ احساس البشر بأنهم أصبحوا يمتلكون أسمى المعاني في العالم ويعرفون مقاييس ومقادير كل شيء، بدأت المعاني في الانحسار، وأخذت مكانة الإنسانية تتضاءل. لقد فقد العالم بعده الإنساني وبدأنا نفقد السيطرة عليه""

ويتضح من كل ذلك أن الحياة لا يمكن أن تستقيم ويستقر أمرها مالم تتكامل العلاقة بين العلم والدين، فالآلة العسكرية المتعاظمة أصبحت تشكل خطر حقيقي يهدد الحياة الإنسانية، والسبب في ذلك يعود إلى أنها قوة غير أخلاقية ولا تحكمها القيم، ومن هنا لابد أن يتدخل الدين لضبط جموح هذه القوة المتهورة.

2022/12/12

كيف نستخدم القرآن الكريم في فهم واقعنا المعاصر؟
إذا نظرنا إلى التراث الإسلامي، في تعاطيه مع النص القرآني، نجد تبايناً منهجياً تكشف عنه بشكل واضح كتب التفسير.

[اشترك]

فبين من رآه مصدراً لغوياً فراح يتفنن في إعرابه وبيان صوره الفنية والبلاغية، وبين من رأى فيه كتاباً تاريخياً يتناول قصص الأقدمين وحضارة الماضين وهكذا، كتاب لغز وإشارة، كتاب فقه وأحكام، اجتماع، سياسة، طبيعة - وبالتالي المخزون المعرفي الذي يمتلكه المفسر، هو الذي يحدد نوع تفسيره، يقول دكتور منيع عبد الحليم أستاذ علوم القرآن في الأزهر: «واختلفت أنظار المفسرين وطرقهم ومناهجهم في التفسير تبعاً لاختلاف مشاربهم، فمنهم من غلبت عليه النزعة الفكرية العقائدية فتوسع توسعاً كبيراً في شرح الآيات المتصلة بهذه المعاني، ومنهم من غلبت عليه النزعة الفقهية الشرعية فتوسع توسعاً كبيراً في هذه النواحي وهكذا من توسع في القصص والأخبار ومن توسع في الأخلاق والتصوف والمواعظ وآيات الله في الأنفس والآفاق وغير ذلك»، وهذا لا يعني عدم الاعتراف بالجوانب المضيئة التي تكشف عنها هذه التفاسير، ولكننا نبحث عن المعرفة التي تمثل شمولية وصلاحية الفكر الإسلامي.

 إن جذر المشكلة يرتكز على الخلط الذي وقع بين معنى التفسير والتأويل، ففي فهم السلف لم يكن هناك تفريق بين المعنيين، يقول محمد هادي معرفة: «كان التأويل في استعمال السلف مترادفاً مع التفسير، وقد دأب عليه أبو جعفر الطبري في جامع البيان»، وهذا المعنى المترادف أهمل آليات التأويل الخاصة، ولم يجعل لها مميزات تجعل من التأويل مكملاً للتفسير، أو حلقة أخرى تؤسس لبناء معرفي اهتم به النص وأهمله التفسير، وبالتالي حصر الاستفادة من القرآن ضمن إطار الفهم الظاهري الذي ينتجه التفسير فوت على الفكر الإسلامي مكتسبات كانت يمكن أن تساهم في حل معضلاته المعرفية.

 وأما البعد الآخر للمعنى التراثي للتأويل، فقد أكتسب معنياً سلبياً واعتبر نوعاً من أنواع التفسير بالرأي، وخاصة بعد أن بدأت تتكرس في الأمة سلطة السلف، التي تحصر الاستفادة من النص ضمن المنقول من أقوال الصحابة، وحينها أصبح التأويل سلاحاً يحارب به أصحاب المدارس العقلية، الذين صنفوا بأنهم أصحاب تأويلات، يقول نصر حامد أبو زيد «وليس هذا المسلك في الفكر الديني الرسمي في الحقيقة مغايراً لمسلك الاتجاهات الرجعية في التراث التي وصمت بدورها كل التأويلات المناقضة لتأويلاتهم بأنها تأويلات -فاسدة -أو مستكرهة - وأنها في أحسن الأحوال تفسير بالرأي المذموم والمنهي عنه من الرسول والصحابة. وقد تم تصنيف أصحاب هذه التأويلات بأنهم من أهل البدع وذلك في مقابل أهل السنة والجماعة وهو تصنيف يستهدف مصادرة الفكر النقيض ومحاصرته وحبسه في دائرة الكفر في مقابل الصدق والإيمان الذي يومئ إليه مفهوم أهل السنة»، وبهذا المفهوم حوصرت كل العقليات الإسلامية، التي حاولت تفعيل النص بمعطى عقلي، وأعطي في المقابل التفسير حيزاً استوعب فيه الحدود التي يتحرك فيها التأويل، وذلك إما أن يجعلوا للتأويل معنى مرادفاً للتفسير، وإما أن يصنف عملاً بالرأي وخروجاً عن الدين.

وكل ما يمكن تأكيده هنا هو أن القرآن ينطلق من حقائق تمثل للإنسان هدى وبصائر، وتمتاز هذه البصائر بكونها هي القيم الأساسية للدين، ومن المؤكد أيضاً بأن الله فطر الإنسان على هذه القيم، التي هي في الأساس انعكاس لأسماء الله الحسنى في واقع الإنسان، فحقيقة الإنسان وسر وجوده نابعةٌ من أسماء الله الحسنى، وإن قيمته بمقدار ما يحمله من تلك الأسماء كما أشرنا في أجوبة سابقة.

وإذا اتضحت كل هذه الحقائق لابد حينها أن نعرف أن لغة القرآن لابد أن تكون قائمة على إثارة الفطرة وتنبيه الإنسان لواقع تلك القيم التي يجدها في نفسه، ولغة التذكير والتنبيه هي اللغة الميسورة التي يمكن أن تتسرب إلى وجدان كل إنسان وتهزه من الداخل حتى تتساقط كل الحجب التي تمنعه من رؤية معاني الكمال في نفسه، وبذلك نكتشف أن للقرآن ظهراً وهو عوامل التنبيه للحقائق التي تقع في باطنه، فظهر القرآن حكم وباطنه علم، والعلم ليس شيء آخر غير جوامع الكلمة وأصول الحِكمة، والوصول إليه يكون من خلال العبور من الظاهر إلى الباطن، وهذا ما يحققه التأويل فظاهر القرآن تنزيل وباطنه تأويل، والتدبر في القرآن هي الآلية التي يرتكز عليها التأويل للوصول إلى باطن النص، ولذلك أرى من الضروري تطبيق هذه النتائج على الروايات التي تحدثت عن التأويل والوظيفة التي يقوم بها.

وهنا نشير إلى ملاحظة، وهي أن التأويل الذي أهمل في الفهم القرآني أو استبعد عند البعض قد تكرر في القرآن سبع عشرة مرة، في حين أن كلمة تفسير لم ترد سوى مرة واحدة، مما قد يفهم منه تجذيراً لهذا المصطلح في نفسية هذه الأمة، أو إشارة لما يمكن أن يحمله من دلالات جديرة بالوقوف والتأمل فيها، كما لا بد أن نفهم التأويل ضمن الإطار الذي وصف فيه القرآن نفسه بمعنى أنه كتاب حكمة وبصائر فلا يتجاوز التأويل هذا الوصف، قال تعالى ﴿ذَلِكَ مِمّآ أَوْحَىَ إِلَيْكَ رَبّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ وقال: ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلاُبَيّنَ لَكُم بَعْضَ الّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، فقرآن بصائر لأننا نبصر به الحياة، قال تعالى: ﴿قَدْ جَآءَكُمْ بَصَآئِرُ مِن رّبّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾، وقال: ﴿هَـَذَا بَصَآئِرُ مِن رّبّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، وقال: ﴿بَصَآئِرَ لِلنّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لّعَلّهُمْ يَتَذَكّرُونَ﴾.

إذا رصدنا كلمة التأويل في الآيات والروايات، يمكننا أن نفهم أن للتأويل معنيين:

 المعنى الأول: يمثل حركة من الظاهر إلى الباطن.

 والمعنى الثاني: من الباطن إلى الواقع وضبط المتغير.

 وكلاهما يشكلان حقيقة واحدة وهي فهم النص وتطبيقه، وبالتالي نعتقد أن التأويل هو الطريق الرابط بين ظاهر الحدث والبنية المحركة لهذا الحدث، فكل حركة على مستوى الظواهر الكونية، أو السلوك الإنساني، تتحرك وفق بنية تحتية تكون بمثابة المحرك للظواهر، فالظاهرة الكونية تتحرك وفق سنن الله في الطبيعة، كما أن السلوك الإنساني على مستوى الإرادة والاختيار، يتحرك وفقاً للغايات، والأهداف، والغرائز، والقيم، وكذا النص يحمل بنية تحتية تمثل الحكمة الباعثة لتشكل النص، فالباطن المقصود بالتأويل هو بمعنى السنة أو الأصل أو الحِكمة الذي يرجع إليها الظاهر، وليس مطلق الباطن.

وإذا رجعنا للبنية اللغوية لكلمة (تأويل) نجدها مأخوذة من (الأول) وهو الرجوع والعودة إلى الأصل ومن هنا (أول) الشيء رجع إلى أسبابه وعلله الحقيقية.

والروايات التي جاءت في هذا الصدد يمكننا تقسيمها كالآتي:

1- روايات تبين أن للقرآن ظهراً وبطناً. جاء في الكافي عن الصادق عن آبائه قال: «قال رسول الله في حديث طويل يصف فيه القرآن ويقول: وله ظهر وبطن فظاهره حكم وباطنه علم». تبين هذه الرواية بأن علوم القرآن ومعارفه هي مستبطنة في النصوص، وهو ما يعبر عنه بالباطن، كما أن له ظهر وهو الأحكام.

2- روايات تبين أن بطن القرآن هو التأويل، «فقد جاء في تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار، قال سألت أبا جعفر عن هذه الرواية ما في القرآن آية إلا ولها ظهر وبطن. ماذا يعني بظهر وبطن؟ قال: ظهره تنزيل وبطنه تأويل..» فهذه الرواية تؤكد أن عملية التأويل هي التحرك نحو الداخل لاكتشاف بطن القرآن.

3- روايات تبين أن التأويل هو معرفة السنن، ففي تكملة الرواية السابقة يقول الإمام: «ظهره تنزيل وبطنه تأويل منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجرى كما تجري الشمس والقمر». فتؤكد هذه الرواية على أن شمولية القرآن واستمراريته تتحقق وفق عملية التأويل، فهي التي تجعل النص يحتمل خاصية الجري والانطباق.

4- روايات تبين أن هذا البطن الذي لا يدرك إلا بالتأويل هي الحِكم والقيم التي ترتكز عليها الأحكام، فهي الوحيدة التي تعطي النص خاصية الجري والانطباق، فلا يمكن تصور اتساع الأحكام الجزئية إلى أكثر من مصاديقها المشخصة بها، «جاء في المعاني عن حمران بن أعين قال: سألت أبا جعفر عن ظهر القرآن وبطنه فقال: ظهره الذين نزل فيهم القرآن، وبطنه الذين عملوا بأعمالهم يجري فيهم ما نزل في أولئك». فعالجت هذه الرواية إشكالية حصر النص بزمان نزول الوحي أو أي زمان آخر، وإنما جعلت للنص خاصية يمكن أن يكون مستوعباً بها كل زمان ومكان، وبالتالي يكون التأويل هو الآلية التي تعطي النص استمراريته، باكتشاف العلة والحكمة التي تكون قاسماً مشتركاً لكل الأزمان، وبالتالي نكون قد خلصنا إلى أن التأويل هو حركة إلى باطن النص، وأن الباطن هو العلة والسبب الموجب للظاهر، ثم تأتي الخطوة الثانية وهي رصد العقل للواقع المعاصر ومن ثم ضبط حركه وفقاً لما تم كشفه من القيم القرآنية.

ولكي نفهم كيف نتعاطى مع القرآن لابد من فهم هدف القرآن، وتحديد الهدف هو الذي يرسم الطريق الموصل إليه، والحَكيم لابد أن يرسم أقصر الطرق للوصول للأهداف التي يرتجيها، وإذا كانت هداية الإنسان وإبصاره طريق الحق لا تكون إلا بالكشف عن قيم الكمال والجمال له، وإذا كانت هذه القيم هي حقائق فطرية أودعها الله في وجدان كل إنسان، وإذا كان الإنسان يغفل عن هذه القيم الفطرية ويجهلها بسبب شهوات الغرائز وضغوط الحياة، حينها لابد أن يكون الطريق هو تذكيره وإثارته حتى ينتبه لواقع تلك الحقائق الفطرية، ومن هنا لم يبدع القرآن وسيلة غير التذكير والتنبيه ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ ولغة التذكير لابد ان تكون واضحة جلية لكل إنسان ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.

أما التعقل والتفكر فهو نتيجة طبيعة عندما يثار عقل الإنسان وتنكشف عنه حجب الجهل والهوى، فينطلق للتعرف على بواطن النص بما فيه من حِكم، وينطلق لمعرفة آيات الوجود بما فيها من سنن، وكل ذلك يتحقق عبر التوحيد الذي يتجلى عبر أسماء الله الحسنى التي تنعكس في الوجود سنناً وفي القرآن قيماً.    

وعليه فإن المساحة التي يبدع فيه العقل المسلم هي مساحة التأويل وهي الكشف عن حِكم النص وأصول الحِكمة وجوامع العلم، أما التفسير فيتحرك في دائرة ظواهر النص الذي هو أحكام مترتبة على تلك الحقائق الباطنية، ومهمة التفسير هي إظهار ظواهر النصوص بالشكل الذي يتجلى فيه النص كتذكرة وتنبيه.

2022/12/12

هل خلقنا الله لنأكل ونشرب ونموت؟!
إنّ من بين الأدلّة المطروحة لإثبات المعاد والعالم الآخر هي «مطالعة نظام هذا العالم» أو بتعبير آخر : إنّ دراسة «النشأة الأولى» شاهد على وجود «النشأة الاخرى».

[اشترك]

ومن الضروري إيضاح ذلك بنحو أوسع هنا.

فمن جهة نرى عالم الوجود بهذه السعة والعظمة والتنظيم المدهش ، حتّى اعترف كبار العلماء بأنّ أسرار العالم بقدر يقف الإنسان عاجزا إزاءها ، فإنّ معلوماته مهما كانت لا تشكّل سوى صفحة من كتاب كبير جدّا. بل إنّ معلوماتنا عن هذا الوجود ما هي إلّا «ألف باء» لهذا الكتاب العظيم التأليف والأسرار.

فكلّ واحدة من هذه المجرّات العظيمة تضمّ مليارات من الكواكب ، وعدد المجرات والفواصل بينها كبير بدرجة تثير الدهشة حين حساب المسافة بينها بسرعة الضوء ، علما بأنّ سرعة الضوء تبلغ ثلاثمائة ألف كيلومترا في الثّانية.

والدقّة المستخدمة في بناء أصغر وحدة من هذا العالم هي ذاتها التي استخدمت في أوسع بناء فيه.

والإنسان ـ بحسب علمنا ـ أكمل المخلوقات التي نعرفها في الوجود ، وهو أسمى نتاج لهذا العالم ، ومن جهة أخرى يلاقي الآلام والمشاكل الكثيرة خلال عمره القصير حتّى يبلغ أشدّه!! فما يكاد ينهي مرحلة الطفولة بآلامها ومشاكلها ويتنفّس الصعداء منها حتّى يدخل مرحلة الصبا والشباب بتقلّباتها الشديدة المدمّرة.

وما يكاد يثبت قدميه بعد في هذه المرحلة حتّى تدهمه مرحلة جديدة مفعمة بألوان الأذى وأنواع المصاعب ، هي مرحلة الكهولة والشيخوخة ، فيتّضح له مدى ضعفه وعجزه.

فهل يصدق أن يكون هدف هذا الكائن العظيم الأعجوبة في الخلق ، الذي يسمّى الإنسان ، يأتي هو أن إلى هذا العالم ليقضي عددا من السنين ، وليمرّ بكلّ هذه المراحل بما فيها من آلام ومصاعب ، وليأكل مقدارا من الطعام ويلبس لباسا وينام وينهض ثمّ يموت وينتهي كلّ شيء. وإذا كانت هذه هي الحقيقة ، ألا يعني هذا عبثا؟

أتكون كلّ هذه التشكيلات العظيمة من أجل غاية دنيئة كالأكل والشرب والنوم؟

افرضوا بقاء نوع الإنسان ملايين السنين في هذه الدنيا ، وتتعاقب الأجيال ، وترتقي العلوم الماديّة فتوفّر أفضل المأكل والملبس والمسكن وأعلى مستوى من الرفاهية للبشر ، أتكون تشكيلات الوجود كلّه من أجل هذه المقاصد الدنيا؟

وعلى هذا فإنّ دراسة هذا العالم العظيم لوحده دليل على كونه مقدّمة لعالم أوسع يمتاز بالدوام الخالد ، ويعطي الإيمان به حياتنا معناها اللائق بها ، ويخلصها من التفاهات. ولهذا لا نستغرب من تصوّر الفلاسفة الماديّين الذين لا يعتقدون بالقيامة والآخرة أنّ هذا العالم تافه لا هدف له.

ولو كنّا نحن نعتقد بمثل هذا فحسب لاتّجهنا نفس اتّجاههم.

ولهذا نؤكّد أنّه إذا كان الموت نقطة النهاية فخلق الوجود يصبح أمرا تافها ، لهذا نقرأ في الآية (٦٦) من سورة الواقعة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ)؟!

*مقتطف من تفسير الأمثل ج ١٠ ص ٥٣١
2022/12/11

كيف تميّز بين الحق والباطل؟
كل الأفكار والقناعات التي يؤمن بها الإنسان إما أن تكون نابعة من العقل والعلم، وإما أن تكون نابعة من الهوى والشهوات.

[اشترك]

ومع أن هناك مساحة واسعة من المباحات التي لا يكون الميزان فيها قائماً على الحق والباطل، إلا أن الاتجاه العام لأفكار الإنسان وقناعاته تتباين بين كونها حقاً وعلماً، وبين كونها باطلاً وأهواء وشهوات، فأحياناً قد يتفق أن تهوى النفس الحق لا لكونه حقاً، وإنما لكونه يمثل مصلحة للنفس ضمن ظرف معين، وسرعان ما تنقلب عليه النفس إذا تبدلت الظروف وتغيرت المصالح. وعليه فإن خيارات الإنسان ليست علمية فقط وإنما نفسية أيضاً، وليس بالضرورة أن تكون كل الأمور متضحة دائماً للإنسان، أو أن خيارات الإنسان منحصرة بين الأبيض والأسود، فقد لا يحصل للإنسان العلم في بعض الأمور، حتى لو طلبه واجتهد في تحصيله، كما أن النفس أحياناً تحتار في تحديد ما يصلحها وتختلط عليها الأمور فتصبح مضطربة ومترددة، وبالتالي ليس بالضرورة أن كل ما يصيب الإنسان من شك وتردد له علاقة بالعلم والتعقل، وإنما قد يكون بسبب حيرة النفس في تحديد رغباتها واختيار شهواتها. ولذا من الضروري الوقوف على أسباب هذا الارتياب وتحديد مصدره.     

وفي المحصلة هناك قوتان تتنازعان الإنسان تمثل الأولى الإيمان والثانية الكفر، قال تعالى: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا}.

وبما أن الإيمان نظام من المعارف والأفكار، كذلك الكفر أيضاً نظام من المعارف والأفكار، والفرق بينهما أن الأول نابع من الحق والهدى، والثاني نابع من الباطل والضلال، وفلسفة رسالات الله قائمة على التمييز بين الاتجاهين والتأكيد على خيار الحق ونبذ خيار الباطل، وفي المقابل هناك الشيطان الذي يحرك الغرائز ويزين الشهوات.

ومع أن الحق والباطل بينهما تباين كبير، إلا أنهما يختلطان كثيراً عند الإنسان بحيث يصعب عليه التمييز بينهما، ولذا من الضروري إيجاد معيار لتحقيق هذا التمايز. وقد أشار القرآن إلى معيارين أحدهما عام يمثل مشتركاً بين جميع البشر، والثاني خاص يمثل الموقف الشخصي لكل إنسان. أما الأول: فهو محاكمة الفكرة علمياً وذلك من خلال الكشف عن مصدرها وأدلتها والطرق الموصلة لها. أما الثاني: فهو المسؤولية الفردية والشعور الداخلي لكل إنسان.

المعيار العام:

 قال تعالى: {وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

هناك فكرة قائلة بأن الجنة لا يدخلها إلا يهودي أو نصراني، وعليه كيف يمكن أن نكشف عن مدى صحة هذه الفكرة؟ وهل هي نابعة من العلم أم نابعة من هوى النفس؟ المعيار الذي طرحته الآية هو المطالبة بالبرهان على هذه الفكرة {قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، والبرهان هو الدليل الذي يجعل الإنسان مسلماً بمطابقة الفكرة للواقع، فإذا تحصل البرهان علمنا أن الفكرة نابعة من العلم وليس الهوى. وفي هذه الآية نجد أنها حددت مصدر الفكرة بوضوح عندما قالت {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} أي أنها مجرد تمنيات ورغبة نفسية. وقد فصلت آيات أخرى مشكلة التمني في توليد قناعات الإنسان، وكيف ميز الله بين الأفكار النابعة من الحق وبين الأفكار النابعة من الأمنيات، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ}. تحدثت الآية الأولى عن دور الشيطان وكيف يلقي وساوسه في أمنيات البشر، ولا ينجو من ذلك إلا من عصمه الله، ولذا نجد أن الله ينسخ ما يلقيه الشيطان للرسول ثم يُحِكم آياته. وبعد ذلك تتحدث الآية الثانية عن استغلال الشيطان للقلوب المريضة التابعة للهوى، وكيف أنه يزين لها الأفكار الضالة ليفتنهم ويضلهم عن الهدى. ثم تنتقل الآية الثالثة لتتحدث عن العلم وذلك من أجل التمييز بينه وبين أفكار النفس ووساوس الشيطان، فتتحدث عن الذين أوتوا العلم كيف أنهم يعلمون أنه الحق من ربهم، وكيف تسلم قلوبهم له، {فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ}، حيث لا يمكن للإنسان أن يستغني عن هداية الله لمعرفة الحق لأنه هو الذي يهدي إلى الصراط المستقيم، ثم تعود الآية الرابعة من جديد لتبين الحالة النفسية التي تصيب من اتبع هوى النفس ورفض الإقرار بالحق {وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ} ولا سبيل لكشف الستار عن قلوبهم إلا بأن تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم.

 والنتيجة المتحصلة من هذه الآيات هو أن الأمنيات وما تهواه النفس هو مصدر كل الأفكار والمعتقدات الضالة، والمعيار الذي وضعته الآيات للتمييز بين أفكار النفس وأفكار العقل هو البرهان.

وغير ما تقدم هناك الكثير من الآيات التي جعلت البرهان هو المعيار العام للتمييز بين الأفكار، مثل قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ * أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ}، وقال تعالى: {وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}. وقال تعالى: {أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، وقال تعالى: {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}.

المعيار الخاص:

والمقصود به هو شهادة الإنسان على نفسه وإقراره بالحق في عمق وجدانه، فمهما تحايل الإنسان على الآخرين لا يمكنه التحايل على ما تسر به نفسه {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ. وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ}، وعليه فإن المعارف والأفكار والمعتقدات هي مسؤولية فردية قبل أن تكون مسؤولية أمة ومجتمعات، وقد أشارت الكثير من الآيات لعلم الإنسان بالحق في قرارة نفسه مع ذلك فضل الباطل لهوى في نفسه. قال تعالى: {يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. يعلمون بالحق إلا أنهم يكتمونه ويلبسونه بالباطل لهوى في أنفسهم. وقال تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. وقال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ}. وغير ذلك من الآيات الكاشفة عن محكمة الضمير عند كل إنسان، حيث تجعله مسؤولاً عن الحق الذي يراه في قرارة نفسه. وقد فصلت لنا آيات أخرى سبب ميل الإنسان إلى الباطل مع علمه بالحق، وقد أرجعت كل ذلك إلى هوى النفس، قال تعالى: {لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إليهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ}.

وفي المحصلة يمكننا أن نقول إن الأفكار الصادرة من النفس والتمنيات تسمى في المصطلح القرآني بالظنون، ومهما بلغت النفس من الدقة في تحديد ما يخدم هواها لا يصبح علماً؛ لأنه مجرد اندفاع نفسي تحركه الأهواء والتمنيات، قال تعالى: {... إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ Q أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} . وقد ربطت هذه الآية بين الظن وما تهوى الأنفس، حيث يبدو أن الواو هنا تفسيرية، أي أن الظن هو ما تهوى الأنفس وليس شيئاً آخر غير هوى النفس، ثم تأتي الآية الثالثة لتربط كل ذلك بالتمني {أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ} لتؤكد مسؤولية التمني في إنتاج الظنون. وتتفاوت هذه الظنون في قربها أو بعدها عن الحق، فقد تهوى النفس أحياناً الحق لا لكونه حقاً وإنما لكونه يحقق مصلحة لها، وفي هذه الحالة يكون الظن مطابق للواقع، ومع ذلك لا يعد علماً؛ لأن مصدره الأهواء وما تتمناه النفس.

2022/12/07

محاولات يائسة للإلحاد: الدين ليس المصدر الوحيد للأخلاق!
هناك أزمة يعشيها الإلحاد في إيجاد تبريرات للأخلاق بعيداً عن الإيمان بالله، ولذا نجده يسعى جاهداً التشكيك في مصدرية الأديان للأخلاق.

[اشترك]

إلا أن كل ذلك يعد محاولات يائسة لا تخرجه من ورطة المادية العمياء، فالقيم الأخلاقية لا تنتمي إلى الطبيعة وعالم المادة، فالحق، والخير، والعدل، والإحسان، والرحمة... وغيرها من القيم ليست صفات موجودة في المادة، بل غير موجودة حتى في الإنسان بوصفه مادة تحركه أعصاب غير واعية، فمع تحكم هذه النظرة كيف يمكن أن نوجد تفسيراً مختبرياً وتشريحياً لهذه القيم الأخلاقية عند الإنسان؟

فمن المستحيل ثبوتاً وإثباتاً أن يكون هناك قيم أخلاقية تتصف بالإطلاق دون الإيمان بوجد إله يكون مصدراً لهذا الإطلاق، وهذا ما تنبه إليه الكثير من فلاسفة الإلحاد، "وقد أدرك الفيلسوف الوجودي الملحد والشرس، (جون بول سارتر)، مبلغ الإحراج الفكري في مسألة أصل التمييز الأخلاقي بين الخير والشر، ولذلك قال: يجد الوجودي حرجًا بالغًا في ألّا يكون الله موجودًا، لأنه بعدم وجوده تنعدم كلّ إمكانية للعثور على قيم في عالم واضح. لا يمكن أن يكون هناك خير بدهي لأنّه لا يوجد وعي لانهائي وكامل من الممكن التفكير فيه. لم يُكتب في أيّ مكان أنّ الخير موجود، ولا أنّ على المرء أن يكون صادقًا أو ألّا يكذب".

ومن هنا نجد أن ريتشارد دوكنز يتسق مع إلحاده ويلتزم بمآلاته، فيرفض صبغ الوجود ككلّ بأي صفة قيمية على الإطلاق، فيقول مقرّا بمشكلة النسبية الأخلاقية: "في هذا العالم لا يوجد شر ولا يوجد خير، لا يوجد سوى لامبالاة عمياء وعديمة الرحمة". ويقول أيضاً: إنّه من العسير جدًا الدفاع عن الأخلاق المطلقة على أسس غير دينية".

 أمّا الباحث الأميركي اللا أدري ديفيد برلنسكي فيوضّح مقولة دوستويفسكي: "إذا كان الإله غير موجود فكلّ شيء مباح". يقول شارحا: "فإذا لم تكن الواجبات الأخلاقية مأمورة بإرادة الله، ولم تكن في الوقت ذاته مطلقة، فإن (ما ينبغي أن يكون) هو ببساطة ما يقرّره الرجال والنساء. لا يوجد مصدر آخر للحكم. هل هذه إلا طريقة أخرى للقول بأنه طالما أن الإله غير موجود، فكل شيء مباح؟".

وقد أشاد داروين نفسه بالدور الفعال للإيمان بالمعبود حيث يقول: "وبالنسبة للأعراق الأكثر تمدناً، فإن الإيمان الراسخ بالوجود الخاص بمعبود، مطلع على كل شيء قد كان له تأثير فعال، على التقدم الخاص بالأخلاق".

ومن جهة أخرى فإن الاكتفاء برصد هذه القيم الأخلاقية من واقع الحياة الاجتماعية، يتضمن اعترافاً بوجود بُعدٍ غير مادي يتطلع له الاجتماع الإنساني؛ لبداهة وجود هذه القيم الأخلاقية عند الإنسان والمجتمع، ولبداهة كونها غير مادية، وهذا ما لا يمكن أن ينسجم مع التفكير الإلحادي.

 وقانون الانتخاب الاجتماعي الذي جاء على وزن قانون الانتخاب الطبيعي لا يشكل حلاً بقدر ما يشكل خدعة وتحايل، فالتطور الذي يحدث في الكائنات الحية بحسب النظرية الداروينية يقوم على بقاء الأجدر والأقوى والأصلح، وهو طرح يمكن تفهمه ضمن إطار المادة غير الواعية، ولكن كيف يمكن فهمه واستيعابه ضمن الحياة العاقلة والمريدة؟ وحركة الإنسان والمجتمع حركة واعية تقوم على التطلع نحو الكمال الذي قد يكون فيه التضحية بالذات من أجل العدل والحرية والكرامة، الأمر الذي يجعلها تقع على العكس تماماً من الأنانية المحضة التي يقوم عليها الانتخاب الطبيعي.

فالاستجابات العصبية، والسلوكيات الغرائزية، عملية غير واعية، قد نجدها في بعض السلوكيات التي يمارسها الإنسان كما يمارسها الحيوان، أما السلوك الحر القائم على الوعي والإرادة والقدرة على الاختيار والتمييز فهو حتماً مختلف عن الحالة الغرائزية.

والعمل على تطبيق قانون البقاء للأصلح اجتماعياً سوف يؤدي إلى أثار مدمرة للوجود الإنساني، فتمييز البشر بحسب الجينات الوراثية يفتح الطريق أما صراع عرقي تنقلب معه كل المفاهيم الأخلاقية إلى مفاهيم لا أخلاقية، فيصبح الخير شر، والعنصرية فضيلة، العدل ضعف، والظلم قوة، والإنصاف سخف، والرحمة جهل، وهكذا تكون الحقوق فقط للأقوى والأكثر صموداً.

والنتيجة المتحصلة من هذا التمايز العرقي؛ هو منح العرق المتحضر منها الحق في القضاء على العرق الهمجي، ضمن قانون البقاء للأصلح والانتقاء الطبيعي، حيث يقول فيه: "في مرحلة مستقبلية معينة، ليست ببعيدة، سوف تقوم الأعراق البشرية المتحضرة على الأغلب بالقضاء على الأعراق الهمجية واستبدالها في شتى أنحاء العالم." ولهذا النمط من التفكير نجد عالم التاريخ الأمريكي توماس ناب thomas knapp من جامعة لويال يقول: " كان الناس ينتظرون الحرب قبل عام 1914م بمنتهى الشغف، وكانوا يتمنون قيام الحرب، وكان الدافع لسيطرة هذا الفرح عليهم هو سيطرة الداروينية الاجتماعية على الناس في تلك الفترة حيث طُبقت في مدارس أوروبـا، فهي ترى الحرب دافعـا للرقي للأقوى ودافع للنشاط".

وفي المحصلة لا يمكن للإلحاد بحسب فلسفته المادية أن يتحدث عن الأخلاق والطريق الحصري لفهم الأخلاق كحقيقة لها وجود في حياة الإنسان هو الإيمان بالله بوصفه مصدر كل كمال وجمال.

 

2022/12/06

تجديد الخطاب الإسلامي.. تحليل وتركيب
يتزايد الحديث في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى عن مقولة تجديد الخطاب الإسلامي، المقولة التي تتعدد حولها وجهات النظر وتختلف، بين من يدافع عنها، ويدعو لها، وبين يتحفظ منها، ولا يتحمس لها، وبين من يظهر عليه التردد نحوها، ويتعامل معها باعتبارها مقولة ملتبسة، تفتقد إلى وضوح ضوابط المنهجية، وغموض في طبيعة المقاصد والغايات.

[اشترك]

والذي أراه إننا بحاجة إلى قراءة معرفية لهذه المقولة، بحيث نفهم ما نريد منها على وجه التحديد، وفحص ما يحيط بها من محاذير والتباسات.  وفي هذا النطاق سوف أقدم قراءتي التي استقل بها في هذا الشأن، وهي حصيلة نظر مستفيض، وحصيلة متابعة واشتغال لهذا الحقل. وتتحدد هذه القراءة من جهتين، من جهة تفكيكية يكون النظر فيها بقصد تحليل عناصر ومكونات تلك المقولة. ومن جهة تركيبية يكون النظر فيها بقصد تحديد المعنى العام والكلي لتلك المقولة. الجهة الأولى: تفكيك عناصر المقولة.

أولاً: (تجديد) هذه الكلمة ناظرة إلى الآلية، والطريقة التي بإمكانها أن تحقق فعل التجديد، ليكون للتجديد المعنى الناجز والمتحقق. وبالتالي فإن البحث هنا هو في المنهجية، بمعنى ما هي المنهجية التي من خلالها نصل إلى التجديد ليتحقق بالفعل، وليكون المعنى له نسبة خارجية.

ثانياً: (الخطاب) هذه الكلمة ناظرة إلى طبيعة المجال الذي يتوجه إليه فعل التجديد، وهذا المجال هو بنية النص المتصل والمتفاعل بشرائط ومكونات الزمان والمكان والحال، أو ما يطلق عليه جمعا وتركيبا بمفهوم العصر.

ثالثاً: (الإسلامي) هذه الكلمة ناظرة إلى مرجعية الخطاب، وهذه المرجعية يقصد بها مجموع القواعد والأصول والثوابت التي يرجع إليها ذلك الخطاب، ويستند عليها، ويتقوّم بها. وبالتالي فهي ناظرة إلى محددات وجوهر التجديد.

وعلى ضوء هذه المحددات نستخلص النتائج التالية:

التجديد هو بحث عن الجانب المنهجي، ما هو المنهج أو المنهجية؟.

والخطاب هو بحث عن الجانب المعرفي، بمعنى تكوين المعرفة بهذا الخطاب المستهدف في عملية التجديد. والإسلامي هو بحث عن الجانب المرجعي، بمعنى تكوين المعرفة بأصول هذه المرجعية وقواعدها ومصادرها.

التجديد هو بحث عن المنهج، والسؤال ما هو هذا المنهج؟ والجواب أن محددات هذا المنهج في أمرين، الأول هو الموضوع والمقصود به الخطاب. والثاني هو الإطار العام أو الإطار المرجعي والمقصود به الإسلامي.

الخطاب هو الجانب المتغير، والإسلامي هو الجانب الثابت. ولا ينبغي أن ينفصل المتغير عن الثابت، كما لا ينبغي أن يفتقد الثابت إلى المتغير. فالثابت يعطي المتغير عنصر النظام الذي يحفظه من الفوضى والانفلات، والمتغير يعطي الثابت عنصر المرونة والحركة الذي يحفظه من التوقف والجمود.

الإسلامي هو المحدد والضابط لما هو التجديد، ولما هو الخطاب. بمعنى أن لا يقود التجديد إلى خطاب غير إسلامي أو لا يتوافق مع الإسلام، وهذا هو المعيار الرئيسي والثابت في تحديد واختيار المنهج. كما أن الخطاب المستهدف في عملية التجديد هو خطاب يتصل بمرجعية الإسلام، وإذا لم يتصل بهذه المرجعية، أو لا ينتمي إليها فهو خارج عن مجال البحث.

هذا من جهة تفكيكية، وأما من جهة تركيبية، يمكن القول بأن مقولة تجديد الخطاب الإسلامي تتحدد في نسقين، النسق الفكري الذاتي، والنسق الفكري الموضوعي. وبحسب النسق الأول فإن مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يعني محاولة اكتشاف ما يمكن أن يقوم مقام الحداثة في الفكر الغربي. على أن يكون هذا الاكتشاف من داخل المرجعية الإسلامية وبعيدا عن الاستلاب. وهذا المعنى له ثلاثة عناصر:

تغليب النزعة المعاصرة على النزعة التراثية القديمة، للتخلص من إشكالية الاحتباس في الماضي، وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع ذاته.

اكتساب القدرة على مواكبة العصر وشروطه ومقتضياته، للتخلص من إشكالية الانغلاق، وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع عصره.

اكتشاف مفهوم التقدم والتأكيد عليه، للتخلص من إشكالية الجمود، وهذا يرتبط بعلاقة الخطاب مع ذاته وعصره معاً.

وأما بحسب النسق الموضوعي فإن مفهوم تجديد الخطاب الإسلامي يعني محاولة تحديد صورة لهذا الخطاب تكون مفارقة ومغايرة عن حالتين، عن حالة الجمود والتحجر في الحالة الأولى، وهي حالة داخلية متوارثة من عصور الانحطاط والتخلف. وعن حالة التبعية والاستلاب في الحالة الثانية، وهي حالة خارجية متوارثة من عصور الهزيمة والسيطرة الغريبة. فالجمود والتحجر لا يحمي هوية، ولا يحفظ تراثاً، ولا يصنع تجديداً بالتأكيد. والتبعية والاستلاب لا تخلق حداثة، ولا تبني تقدماً، ولا تصنع تجديداً بالتأكيد. وتجديد الخطاب الإسلامي هو تعبير عن نقد ومفارقة لتلك الحالتين، والعمل على بلورة نموذج ثالث يتواصل مع التراث ولا ينغلق عليه، ويتواصل مع العصر ولا ينسحق به. وهذا يعني أن التجديد هو في الرؤية الفكرية والمنطق الفكري للخطاب الإسلامي، وليس في العبادات أو العقائد أو الأخلاق، لأن المشكلة ليس في العقيدة، وإنما في الفكر، وليس في الدين وإنما في الفهم البشري المتكوّن حول الدين.

2022/12/04

حقوق الإنسان في الإسلام
نشاء مصطلح حقوق الإنسان وتطور ضمن الثقافة الغربية، ولذلك لا يمكن اعتماد المصطلح وتعميمه دون الوقوف على دلالته المفهومية، فالكلمات وإن كانت واضحة الدلالة إلا أن الخلفية الفلسفية والايدلوجية تفرض عليها معاني ودلالات خاصة.

[اشترك]

فمع وضوح كلمتي الحقوق والإنسان إلا أنهما من الكلمات الأكثر عرضة للشحن الايدلوجي والثقافي، ومن هنا كان من الضروري الوقوف على الخلفية الثقافية المنتجة لهذا المصطلح، وبخاصة إذا علمنا أن مفهوم حقوق الإنسان تشكل في أحضان النظام الليبرالي، والذي نشاء بدوره في أحضان فلسفة عصر النهضة التي أعلت من قيمة الفرد باعتباره أسبق من المجتمع وأسمى منه، فالإنسان كفرد هو القيمة القائمة بذاتها، والقانون المستمد من الطبيعة هو الذي يمنح الإنسان هذه القيمة الفردية، وعليه فإن مفهوم الحقوق مستمد من القانون الطبيعي، ومفهوم الإنسان مستمد من الإنسان الطبيعي ذو البعد الواحد وهو البعد المادي، والإنسان ضمن هذا الوصف مكتفي بذاته حيث يشكل من نفسه المرجع والمعيار لكل شيء، وبالتالي ليس أمامه أي حدود أو قيود تاريخية أو اجتماعية أو أخلاقية أو ثقافية فهو يعيش في الزمان الطبيعي ولا يعيش في الزمان الإنساني الذي تحكمه القيم والأخلاقيات.

والإنسان ذو البعد الطبيعي والمادي لا يتم تفسيره بالمعطي القيمي والأخلاقي، إنما يتم تفسيره غرائزياً وبحسب ما تملي عليه حريته الشخصية، حتى أحاسيسه ومشاعره هي في الواقع ليست إلا نتاج للطبيعة المتأصلة فيه، والعقل ضمن هذا التصور فاقد للسلطة وخاضع بشكل دائم لميولات النفس ورغباتها، فالحرية الشخصية المتأصلة في هذه الثقافة تعمل على تحطيم كل القيم والمبادئ الأخلاقية، فلا يسمح للإنسان بالتفكير في المعاني الروحية والبحث عما هو مقدس؛ لأن ذلك يمنع الإنسان من الذوبان التام في جانبه الطبيعي والمادي، وحتى لو تم الحديث عن القيم الأخلاقية فلا يتعدى ذلك الدوافع الطبيعية القائمة على الأنانية والحرص على البقاء والمنفعة، فالأنظمة والقوانين التي يتم التوافق عليها تستهدف في الحقيقة الحفاظ على البقاء المادي للإنسان، وهكذا فالإنسان في هذه الثقافة هو جزء لا يتجزأ من الطبيعة، بخلاف النظرة الدينية التي تجعل الإنسان جزءاً يتجزأ من الطبيعة، فلو استحال على الإنسان مفارقة الطبيعة من خلال بعده الروحي والمعنوي، فحينا سيكون متبدلاً ومتحولاً مثل الطبيعة والمادة، وبذلك تنعدم الثوابت وتتلاشى المشتركات الإنسانية على المستوى المعرفي والأخلاقي.

وعليه عندما تتحدث الثقافة الغربية عن الإنسان كمبدأ أساسي إنما تتحدث عن الإنسان الطبيعي ذو البعد الواحد وهو البعد المادي، أي الإنسان الخارج عن حدود القيم الأخلاقية، الأمر الذي يجعلنا نتأكد من ضبابية الشعارات الإنسانية التي تتبنها الثقافة الغربية، فكيف يمكننا أن نتفهم قيمة إنسانية والإنسان ليس شيئاً خارجاً عن المادة العمياء؟، فعدم الاعتراف بالروح الإنسانية المرتبطة بمصدر الكمال الغيبي لا يبقي معه وجود لأي مبرر للقيم أو الفضائل أو الأخلاق، فالحرية كقيمة إنسانية والديمقراطية والعلمانية والعقلنة والاسس العلمية كل ذلك جاء في إطار النظرة الطبيعية والمادية للإنسان، حيث تتحرك كلها في إطار تكريس الجانب المادي والأناني في الإنسان، ومن هنا تختلف مقاربتنا لهذه القيم عندما ننظر إليها كموحدين ومؤمنين بالله تعالى.

فحقوق الإنسان ليست مجرد مبادئ وقوانين يجب مراعاتها عالمياً وحسب، وإنما هي أيضاً رؤية ثقافة لها تفسيرها الخاص للإنسان والحياة والحقوق، وتعميمها دون مراعاة الفوارق الثقافية لا يخلو من انتهاك لحقوق الإنسان الآخر صاحب التفسير المغاير للإنسان والحياة والحقوق، وعليه فإن الحقوق والإنسان لا يمكن النظر إليهما من زاوية واحدة، وإنما تتعدد الزواية بتعدد الخلفيات المعرفية والثقافية، فمثلاً كارل ماركس وكمناهض للمشروع الليبرالي يرى مقولة حقوق الإنسان مجرد خدعة عالمية، فالمقصود منها ليس مطلق الإنسان، وإنما فقط الطبقة البرجوازية المدافعة عنها، ولهذا نجده يقدم نقدا لاذعا لمقولة حقوق الإنسان من خلال تأكيده على الإنسان المجتمع لا الإنسان الفرد، ومن اجل ذلك رفض ماركس ربط حقوق الإنسان بالطبيعة؛ لأن الطبيعة عنده ماهية مجردة بينما الماهية الإنسانية ليست للفرد المعزول، بل هي في واقعيتها مجموع العلاقات الاجتماعية الناتجة عن صراع الإنسان مع الطبيعة من جهة، وصراع الإنسان مع أخيه الإنسان من جهة ثانية، وعليه فحقوق وحريات هذا الإنسان ليست صفات خاصة بإنسان لا زماني ولا تاريخي، وإنما هي في الواقع صفات لأفراد منخرطين في سيرورة الإنتاج الاجتماعي، فحسب النظرية الماركسية يجب أن لا تفصل حقوق الإنسان عن حالة التطور التاريخي للمجتمع، ففي نظر ماركس لا وجود لحقوق الإنسان إلا ضمن حقوق المجتمع، وقد طرح ماركس على الليبراليين مجموعة من الأسئلة المحرجة فيما يتعلق بالحقوق منها:

ـ ما الحاجة لحق الحرية بالنسبة للذي يوجد في علاقة تبعية كلية لرب المعمل؟

ـ ما جدوى الحق في الملكية بالنسبة لمن لا يملك شيئا؟

ـ ما الحاجة إلى الحق في ضمان الأمن بالنسبة لمن يموت جوعا؟

ـ ما معنى وما قيمة الحقوق الاجتماعية والاقتصادية إذا لم يتعد الأمر إعلانها إلى ضمانها الفعلي عن طريق إقامة شروط اجتماعية واقتصادية تمكن من ممارستها فعليا؟

ـ ما جدوى الحق في العمل بالنسبة للعاطل الذي لا يمكن أن يجد عملا؟

ومن خلال مناقشة ماركس لقضية حقوق الإنسان كما طرحها الفكر الليبرالي يستنتج ماركس أن عقيدة حقوق الإنسان ليست سوى إيديولوجيا تدافع بالأساس عن القيم الأنانية للمجتمع البرجوازي التي تجعل من الإنسان شخصا معزولا عن الآخرين، بينما هو قبل كل شيء موجود اجتماعي لا يمكن أن يحقق ذاته إلا بالجماعة الاجتماعية وداخلها، أي داخل علاقته مع الناس وبهم، وهكذا: فالحق في الحرية الذي يتم تعريفه بأنه هو "الحق في كل ما لا يضر بالآخرين" هو في العمق حق الفرد في عدم الاهتمام بالآخرين، هو حق الفرد في الانطواء على ذاته بشكل أناني ونرجسي، إنه حق العزل والتفرقة والأنانية كما يرى ماركس، حتى حق الملكية ضمن هذه الرؤية ليس إلا حق الفرد في التمتع بممتلكاته الشخصية دون الاهتمام بالآخرين الذين لا يملكون شيئا.

وهكذا يتضح أن حقوق الإنسان في المجتمع الليبرالي الرأسمالي حسب المنظور الماركسي ما هي إلا حقوق في خدمة مصالح الطبقة البورجوازية الرأسمالية، وبذلك فهي حقوق ذات وظيفة إيديولوجية كما أنها حقوق خاصة بالفرد دون المجتمع.

كل ذلك يؤكد على مدى تحكم الخلفيات المعرفية والفلسفية في مقاربة حقوق الإنسان، وعليه من المعيب تعميم هذا المصطلح على الفكر الإسلامي دون الوقوف على فلسفة الإسلام فيما يتعلق بالإنسان من جهة وما يتعلق بفلسفة الحقوق من جهة أخرى، ومن غير المنطقي الاكتفاء بتعديل المصطلح أو اقتراح مصطلح آخر كما حاول بعض المفكرين اقتراح مصطلح (الكرامة الإنسانية) كمصطلح أكثر انسجاماً مع الإسلام من مصطلح الحقوق.

ونحن هنا لا نغفل عن الجهود الكبيرة التي بُزلت في العالم العربي والإسلامي للتأكيد على حقوق الإنسان، فهناك الكثير من البيانات والمواثيق التي صدرت في العالم الإسلامي لحقوق الإنسان مثل: البيان الإسلامي العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1980. وبيان حقوق الإنسان في الإسلام الذي صدر عام 1980.  وإعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام عام 1981. والإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان الصادر بطهران عام 1989. مضافاً للكتابات العديدة التي نظرت لحقوق الإنسان في الإسلام، إلا أن تلك الجهود في معظمها كانت نتاجاً للتفاعل السلبي أو الإيجابي مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ومن هنا نجد محمد مهدي شمس الدين في إطار تقييمه لمنهجية الكتابات الإسلامية حول حقوق الإنسان، يرى أن تلك الكتابات تنطلق في الغالب من ثلاث خلفيات وهي:

أ – الخلفية الأولى: خلفية الروح الدفاعية: فبعض الأبحاث نصبت نفسها للدفاع عن الإسلام أمام من يتهمه بمخالفة احترام حقوق الإنسان. وعليه فهي بمثابة متهم يدافع عن نفسه.

ب – الخلفية الثانية: خلفية التناظر: وتمثلها الأبحاث التي كتبت لبيان احتواء الإسلام على حقوق إنسانية نظيرة لتلك التي تم الإعلان عنها في الغرب أو من قبل الأمم المتحدة، وعليه فالإسلام ليس شاذا في ذلك أو مخالفا عنه

ج – الخلفية الثالثة: خلفية التظلم: وتتمثل في تلك الكتابات التي يأتي بها أصحابها ليعرفوا من خلالها بكل ما يتعرض له المسلمون من ظلم وانتهاك لحقوقهم لا لشيء إلا لأنهم مسلمين، وذلك بالاحتكام إلى حقوق الإنسان كما أعلن عنها دوليا

ويمكن أن يضاف ايضاً بأن الكتابات التي حاولت التأصيل لحقوق الإنسان في الإسلام، انطلقت من الحقوق المنصوص عليها في المعاهدة الدولية ومن ثم بحثت عن مصدر لها في النصوص الدينية، وهذا النوع من البحث يعد بحثاً انتقائياً لا يسلم من الوقوع في التناقض احياً، وقد يضطر البعض لرفض بعض النصوص أو تأويلها بتأويلات غريبة، فمثلاً نجد البعض قد رفض التمييز بين الرجل والمرأة في الميراث، والبعض الاخر اعتبر الحجاب مخالف لحقوق المرأة لكونه مقيداً لحريتها، وهكذا وجد البعض نفسه في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة مع النصوص، والسبب في ذلك هو اهمال الرؤية الشاملة التي تحكم مسار الحقوق في الإسلام، ومن هنا كان من الضروري البحث عن فلسفة الإسلام فيما يتعلق بالإنسان والحقوق بوصفه المسار الذي يرسم خارطة الحقوق في المنظور الإسلامي، فموقف الإسلام من الإنسان هو الذي يحدد المعايير التي تضبط حركة الحقوق والواجبات، ويتم ذلك بمعرفة القيم الكبرى التي تتحكم في الغاية الأساسية من وجود الإنسان، ومن ثم ملاحقة القيم والحقوق المتفرعة التي تصب في خاتمة المطاف في خدمة تلك الغاية المحورية.

ومن الصعب في هذا المقال المحدود الوقوف على كل ذلك، ولذا سنكتفي بالإشارة للملامح العامة لفلسفة الإسلام فيما يتعلق بالإنسان والحقوق، ونضع بعض المعايير التي تشكل الإطار الذي نفهم به الحقوق المفترض مراعاتها وعدم التفريط فيها، ولتكثيف الكلام حول هذه القضايا سنعمل على وضعها في نقاط.

أولاً فلسفة الإنسان في الإسلام:

قيمة الإنسان في نظر الإسلام لا يمكن فصلها عن الخالق، والسبب في ذلك أن قيمة الإنسان ليست في كونه إنسان طبيعي وإنما قيمته في القيم التي يحملها ويتحلى بها، وبما أن الله تعالى هو مصدر تلك القيم فحينها تكون قيمة الإنسان بمقدار ارتباطه بذلك المصدر، وهنا نفهم لماذا أنزلت بعض الآيات قيمة البعض إلى مستوى قيمة الحمار والكلب والانعام؟ والسبب في ذلك هو مفارقة الإنسان للغاية التي وجد من أجلها، ومن تلك الآيات قوله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، وقوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، وقوله تعالى: (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ ۚ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ ۖ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا)، ولا يمكن فهم تلك الاوصاف على أنها مجرد اوصاف اعتبارية، وإنما هي وصف موضوعي يكشف عن القيمية الحقيقية لأصحابها، وفي مقابل ذلك جعل القرآن الإيمان بالله والارتباط به هو الذي يمنح الإنسان القيمة، قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، وقال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا)، وقال تعالى: (أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)، وغير ذلك من الآيات التي تمتدح المؤمنين بالله تعالى.

وعليه فإن الإنسان الطبيعي والمادي ليس ذو قيمة بعيداً عن روحه التي تتحلى بقيم الكمال؛ لأن الروح كحقيقة أصيلة في الإنسان هي التي تعشق الكمال وتسمو إليه، فكمال الروح في العلم، والمعرفة، والكرامة، والشرف، وبقية الفضائل والقيم، أما الجانب الطبيعي في الإنسان فلا يحتاج إلى أكثر من الأكل والشرب والسكن والجنس، وقد وفرت الطبيعة للإنسان كل ذلك حتى عندما كان بدائياً لا يمتاز كثيراً عن الحيوان، ومن هنا فإن حصر الإنسان في جانبه الطبيعي واهمال الروح ضياع للقيمة الحقيقية للإنسان.

ويمكننا أن نؤكد أن عشق الإنسان للقيم وتطلعه للكمال نابع من إيمان الإنسان بالله وبأسمائه الحسنى، ومن هنا كان كمال الإنسان عن طريق الاتصال بالله ومن ثم التخلق بأخلاقه، فأعظم ما يتطلع له الإنسان هو تجاوز الأنانيات الضيقة والتحول إلى حالة أسمى وأرفع، وذلك لا يكون إلا بعد الإيمان بالله وبأسمائه الحسنى، فمحدودية الإنسان من جهة واطلاقية القيم من جهة أخرى تفرض عليه تجاوز الذات والمادة للبحث عن مصدر هذا الإطلاق، فمثلاً العلم كقيمة مطلقة، أو العدل، أو القدرة، أو الرحمة، وغيرها من قيم الكمال، تتضمن أطلاقاً لا يجده الإنسان في عالم المادة ولا يلمسه في واقع الشهود، وفي الوقت نفسه يؤمن باللامحدودية لهذه القيم، فلا يفهم الإنسان هذا الإطلاق إلا إذا تعلق بالله وآمن به، فارتباط هذه القيم بالله عبر أسمائه الحسنى مثل العليم، القدير، الرحيم، وغيرها من الأسماء، يجعل خيار الإنسان محصور في الارتباط بالله من أجل التخلق بأخلاقه.

وبالتالي الإيمان بالله في حقيقته تحديد لمسار الإنسان، فبدل أن يكون مسار الإنسان نحو الذات يكون مساره نحو الله، وقيمة حياة الإنسان بقيمة الهدف الذي يسعى إليه، ومن هنا كانت حياة الإنسان بين مسارين، بين حبه لله وحبه لهواه، أي بين أن تكون حياته لها قيمة وبين أن تكون القيمة هي الأنا والشهوة، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ)، وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)

فإذا كان الإنسان مفطوراً على حب الكمال فهو مفطور قبل ذلك على حب الله تعالى، والإيمان بالله ليس إلا استحضاراً لهذا الحب في القلب، ومن هنا كان أول ما يتفرع من الإيمان هو الحب، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: هل الدين إلا الحب؟! إن الله عز وجل يقول: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) وقال: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلهِ) ومن هنا لا يمكن أن نفهم حقاً للإنسان يتعارض مع محبته لله تعالى، فالحقوق التي لا يكون أساسها الحب تكون وبالاً على الإنسان، قال تعالى: (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ)، وعلى ذلك لا يمكن أن يكون من حقوق الإنسان الكفر أو القيام بما يجعله في حالة من التحدي للخالق سبحانه وتعالى.

ويتفرع من حب الإنسان لله حبه لمخلوقاته التي هي مظهراً لقدرته وجماله، وبذلك تكون الحقوق مشتركة دون تفرقة أو تمييز، فلا يتمتع بها إنسان العالم الأول بينما يحرم منها إنسان العالم الثالث، والضمان لتحقيق ذلك هي الحقوق النابعة من محبة الله ومحبة مخلوقاته، فالجميع خلق لله وليس نتاج الطبيعة وقانون البقاء للأقوى وتمايز الأنواع والأعراق البشرية.

وبذلك يمكننا الجزم بإن هناك إله في وجدان كل إنسان يمثل مطلق الكمال والجمال، ولو لا ذلك لما تطلع الإنسان وتسامى بروحه لذلك الكمال، والله هو الذي تجلى بأسمائه الحسنى في هذا الوجود، وكلما تفكر الإنسان وجد جماله وكماله ظاهراً في كل زاوية من زواية وجوده وحياته، فكل أسم من أسمائه الحسنى هو في الواقع قيمة كمالية للإنسان، فالذي يكسب جسده على حساب روحه حتماً ضاعت منه إنسانيته، ومن هنا كان الكفر بالله هو كفر بالإنسان.

وبذلك يكون التوحيد في نظر القرآن هو الأساس الذي يبني عليه الإنسان رؤيته في الحياة، بحيث لا يمكن إيجاد رؤية لها علاقة بالإنسان اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً وغير ذلك مالم تكن هذه الرؤية ملتفته لطبيعة الإنسان المخلوقة، ومن هنا فإن الانحراف الذي نرصده في بعض التوجهات الفكرية سببه الجهل بحقيقة الإنسان المخلوق لله تعالى، فكون الإنسان جاء إلى الوجود كتعبير عن إرادة الله يشكل الأساس الذي نفهم به قيمة الحياة ومن ثم قيمة الإنسان فيها.

 والإنسان بوصفه مخلوقاً يمتلك إرادة خاصة ينحصر مساره حينها بين السير في الاتجاه الذي يخالف إرادة الخالق، وفي المسار الذي يجعل حياته تتناغم مع تلك الإرادة في حالة من الانتظام الكامل مع سنن الحياة والوجود، قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، وبالتالي مصير الإنسان مرتبط بفهمه لمعنى الحياة، ونقطة البداية لهذا الفهم هو اعتراف الإنسان بخالقه وإيمانه بربوبيته، وحينها يدرك الإنسان أن هناك إرادة إلهية ترسم له أهداف وجوده، والإنسان هو الذي يتحمل مسؤولية إنجاز تلك الأهداف، قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، وهذه الأمانة التي أشفقت منها السماوات والأرض والجبال قد حملها الإنسان لكونه يمتاز عن غيره بالعقل والإرادة، فوجود الإنسان وكرامته رهينة لتحمله لتلك الأمانة التي جعلته مخلوقاً مريداً يسعى للانسجام مع الحِكمة العامة التي يسير عليها كل الوجود، وألا يكون ظالماً لنفسه وجاهلاً بحِكمة خلقه، وفي المحصلة يمكننا القول إن الحياة قائمة على فلسفة تبدأ من معرفة الإنسان بخالقه.

ونستفيد مما تقدم إن الإنسان مخلوق له غاية، وتلك الغاية لا يمكن أن تفهم دون الارتباط بخالق الإنسان والحياة، فالله واسمائه الحسنى هو مصدر القيم والغايات التي خلقت الحياة من أجلها، ومن هنا فإن كل الحقوق والتشريعات تكتسب أهميتها من ارتباطها بتلك الغايات، فلا يكون لوجود القانون مبرر مالم يكن محققاً لقيمة من تلك القيم، ولذلك كانت قيم الدستور ومبادئه تمثل الأساس لجميع القوانين والأنظمة والتشريعات، والأمر نفسه في ما يتعلق بمجمل الحياة الإنسانية، فالحياة بمجملها لها قيم تمثل مرجعاً دستورياً لنظم الحياة وقوانينها، وليس من حق الإنسان أن يرسم حياته بحسب ما تمليه رغباته وشهواته، وإنما يجب أن يبني حياته بما يتفق مع قيم الحياة وغاياتها، وبذلك يمكننا القول إن بداية التفكير في حقوق الإنسان يجب أن تبدأ من معرفة القيم الحياتية بوصفها مرجعاً دستورياً لتلك الحقوق، وبذلك نكون قد مهدنا الطريق للنقطة الثانية وهي فلسفة الحقوق في الإسلام.

ثانياً فلسفة الحقوق في الإسلام؟

أتضح أن الحقوق في الإسلام تستمد جذورها من فلسفة وجود الإنسان، فغايات الحياة وقيمها هي التي تمثل المرجع الدستوري لجميع الحقوق والواجبات، وفي قمة الهرم القيمي يتجلى نور التوحيد، ثم أسماء الله الحسنى، وبعدها يأتي دور الإيمان كصلة بين الحق والخلق، ومن الإيمان تجري روافد الحقوق والواجبات، لأن الإيمان في واقعه هو التسليم للحق، وفي البدء التسليم للحي القيوم الذي به قامت السماوات والأرض، ثم التسليم لأسمائه الحسنى التي تتجلى في الطبيعة سنناً وفي الإنسان مُثلاً وفضائل وقيماً.

والإيمان في واقع الأمر تعبير آخر عن الاعتراف بالحق؛ لأن ثقة العقل بمعارفه هي التي تحقق التسليم بوجود الأشياء وبالتالي الإيمان بما للأشياء من حقيقة وحقوق، فحين تؤمن بوجود شخص لا بد أن تعترف بحقه في الحياة، كما تعترف بحقه في أن يعيش كريماً، وهكذا جميع حقوقه الضرورية والكمالية، فالاعتراف بالآخر هو بداية العلاقة القائمة على الحقوق الموضوعية؛ لأن هذا الاعتراف يعتبر بذرة الحقوق في العلاقة مع الآخر، وهذه هي حِكمة المعرفة وثمرة العقل، فمن دون الإيمان بحقيقة الأشياء وواقعيتها يستحيل التواصل معها والتكامل بها، فكل شيء موجود يعتبر ذا حق، لأننا نعترف به، وبالتالي علينا أن نتكيف معه. فمثلاً الطبيعة موجودة، وحقها الاعتراف بها، فقد نسخرها لمصلحتنا، وهذا حقنا عليها، وقد نحافظ عليها ونرعاها وهذا حقها علينا، لأن اعترافنا بها يستدعي التكيف معها بصورة أو بأخرى. وهكذا تأتي شرعية الحقوق حسب هذه الفلسفة ولكن ليس من باب منفعة الشـيء للذات وإنما من باب الاعتراف بوجوده كشيء موضوعي قائم وله حقوق كما له حقيقة، وبذلك يتحول الإيمان بالله وبخلقه إلى قاعدة الحقوق التي تبنى عليها العلاقة مع الآخر، ومن الواضح أن الإيمان يشمل الإيمان بالغيب والإيمان بالشهود، أي حقوق الله وحقوق الناس.

وإذا رجعنا للقرآن الكريم نجد أن الأساس في العلاقة بين الناس هو اعتراف بعضهم بالبعض الآخر قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) أن التدبر في كلمة تعارفوا يقودنا إلى أن المقصود ليس مجرد المعرفة النظرية كأن نعرف مثلاً أن هناك شعوباً عربية وأسيوية واوربية وغير ذلك، وإنما المقصود المعرفة التي تقود للاعتراف بحقها في الوجود والحياة، ففي الرواية (من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية) فالمؤكد أن المقصود من معرفة امام الزمان هي المعرفة التي يترتب عليها الأثر وليس مجرد المعرفة الذهنية، فمن يعرفه ولا يرتب أثر على تلك المعرفة لا يختلف عمن لا يعرفه بالمرة، وبذلك يكون منظور الحديث من مات ولم يعترف بإمام زمانه مات ميتة جاهلية، وهكذا الحال في هذه الآية، فالاعتراف بالتنوع في الواقع البشري هو الذي يرسم حدود العلاقة فيما بينهم، وقد فصلت هذه الآية بين هذه الحقوق وبين القيمة الحقيقية للإنسان، فقد أكد زيل الآية على أن اكرم الناس عند الله هو المتقي (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وكلمة عند الله تكشف عن أمرين، الأول: أن الله وحده هو العالم بالمتقي حقيقتاً، والثاني: أن ترتب الأثر على هذه القيمة يكون عند الله وليس عند البشر، بالتالي لا يكتسب المتقي حقوق إضافية تزيد على حقوق الآخرين، وإن الحق الذي يناله بسبب التقوى يكون في يوم القيامة وليس في الدنيا، ومع ذلك لا تسقط التقوى من الاعتبار الدنيوي بالمطلق وإنما تتحول إلى معيار لبقية الحقوق فإي شيء يتعارض مع التقوى لا يعد حقاً من الحقوق، بمعنى أن كل فعل يمنع الإنسان من تحقيق هذه القيمة لا يعد حقاً من حقوق الإنسان، وسوف نؤكد على هذا الأمر في النقطة التالية.

ثالثاً العمل الصالح وعدم الفساد كأسس للحقوق:

 الإيمان الذي يعد أساساً للحقوق هو الإيمان الذي يتجلى في السلوك العملي للإنسان، ومن هنا نفهم الربط الوثيق بين الإيمان والعمل الصالح في معظم الآيات تقريباً، قال تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)، وقال: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)، وقال: (وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ)، وقال: (فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَىٰ أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) وغير ذلك من الآيات التي تجعل العمل الصالح ثمرة الإيمان بالله تعالى، وفي المقابل حذر القرآن من الاتجاه الذي يعاكس العمل الصالح وهو الفساد في الأرض، قال تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)، وقال: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)، وقال: (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)، وقال: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، وقال: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ)، وقال: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، وغير ذلك من الآيات التي جعلت الفساد ثمرة الكفر بالله تعالى، وعليه فإن عدم الفساد يعد معياراً ضرورياً لجميع الحقوق، فالإسلام لا يعترف بأي حق يؤدي إلى الفساد، سواءً كان فساداً اجتماعياً مثل حق المثلية أو حق العلاقات خارج إطار الزوجية أو حق المرأة في أن تلبس ما تشأ أو غير ذلك من الحقوق التي تؤدي إلى مفاسد اجتماعية، أو كان فساداً اقتصادياً مثل الحق الذي يجعل الشخص حر في فعل ما يشاء بأمواله مثل نوادي القمار والتعاملات الربوية والسماح للسفهاء أن يفعلوا بأموالهم ما يشاؤون أو غير ذلك من المفاسد المالية، وهكذا فساد البيئة والمناخ الناتج من حق الدول في استهلاك ثروات الأرض وتوظيفها بالشكل الذي يؤثر سلباً على الحياة البيئة على كوكب الأرض، كل تلك الحقوق لا يمكن الاعتراف بها لأنها نوعاً من الفساد المنهي عنه شرعاً.

وبذلك نفهم لماذا ربط القرآن بين قيمة الإنسان وبين التقوى؟ والسبب في ذلك أن التقوى هي التي ترسم حركة الإنسان ضمن إطار العمل الصالح، ومن هنا لا يعترف الإسلام بحقوق للإنسان نابعة من الطبيعة إذا لم تراعي تلك الحقوق غايات الإنسان وأهدافه في الحياة، وهكذا يتضح أن الإسلام له معاييره الخاصة فيما يتعلق بالحقوق فنجده يحرم بعض الحقوق التي تجيزها مواثيق حقوق الإنسان ويحلل بعض الأمور التي تعارضها تلك المواثيق، والسبب في ذلك هو امتلاك الإسلام لرؤيته الخاصة فيما يتعلق بفلسفة الحياة، والإنسان، والحقوق، وبالتالي لا نسلم ببعض الإشكالات التي تثار على حقوق الإنسان في الإسلام مثل حق المرأة في عدم لبس الحجاب او مساواة المرأة بالرجل في الميراث أو حقوق المثليين أو بعض الاعتراضات على بعض الحدود الإسلامية مثل الجلد والرجم والقصاص أو غير ذلك، فإن جميع هذه الإشكالات تهمل النظر في معياري العمل الصالح والفساد في الأرض بوصفهما الضابط لتلك الحقوق، ومع أن هناك الكثير من الكتابات المقدرة في شرح فلسفة الإسلام في كل هذه القضايا، إلا أن فهم معياري العمل الصالح وعدم الفساد في الأرض بوصفهما الضابط للحقوق هما اللذان يرفعان تلك الإشكالات، قال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون)، وما دون ذلك فهي حقوق مباحة يجب توفيرها والمطالبة به.

 

2022/11/29

عمر الأرض ملايين السنين: هل خلق الله الإنسان متأخراً؟!
أولاً: كون الأرض مخلوقة من أجل الإنسان أمر ثابت بالعيان، فالإنسان هو الكائن الوحيد القادر على تسخير الأرض بما فيها من مخلوقات، وليس هناك من المخلوقات التي تسكن الأرض من هو أحق من الإنسان في خلافة الأرض ووراثتها.

[اشترك]

وقد أكد القرآن هذه الأمر في عشرات الآيات مثل قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ)، وقال تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ)، وقال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)، وقال: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ).

ثانياً: هناك نسبية في موضع حساب عمر الأرض، فتارة يتم النظر لتاريخ الأرض من حيث وجودها الفعلي، وتارة يتم النظر إلى تاريخها من يحث وجود الإنسان فيها، والكلام عن قيمة الأرض ودواعي وجودها لا يمكن فهمه من خلال وجودها الفعلي وإنما من خلال وجود الإنسان فيها؛ وذلك لأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعي وجوده ويعي وجود الموجودات من حوله، بل الأشياء لا تكتسب من الوجود إلا بمقدار تموضعها في الوعي الإنساني، وعليه فإن الكلام عن قيمة الأرض يأتي وفقاً لقيمتها بالنسبة لحياة الإنسان، ومن هنا كان من البديهي أن نقول إن الأرض خلقت من أجل الإنسان لكونه الكائن الوحيد الذي يعطي لوجود الأرض قيمتها، فعندما نتساءل من أجل من خلقت الأرض؟ فإن هذا السؤال يتوجه لمن له القدرة على الوعي والاستنتاج، والإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه الإجابة على هذا السؤال، وبالتالي لا وجود لمن هو أولى منه حتى تكون الأرض خلقت من أجله وليس من أجل الإنسان، وعليه فإن وجود الأرض قبل وجود الإنسان لا يؤثر على طبيعة الإجابة على هذا السؤال طالما الإجابة عنه مرتبطة قهراً بوجود الإنسان، ولا يمنع ذلك من وجود حِكمة عند الله تعالى إلا أننا نتكلم عن الحِكمة المرتبطة بوعي الإنسان وإدراكه.

ثالثاً: قد يجيب البعض عن ذلك بوجود بشر قبل آدم (عليه السلام)، ولا يتوقف هذا الأمر على الاعتراف بنظرية التطور الداروينية، كأن يقال إن الله خلق بشراً قبل آدم وأسكنهم الأرض كما خلق آدم، وقد جاء في بعض الروايات إشارة إلى ذلك كما في رواية أمير المؤمنين (عليه السلام) (إن الله خلق ألف آدم قبل آدمكم ........)، ومع وجود مثل هذه الروايات لا يمكن الوصول إلى نتيجة قطعية، لكونها من الأمور الغيبية التي لا يصل فيها الإنسان إلى اليقين لغياب الأدلة والواضحة والصريحة.

 رابعاً: فيما يتعلق باتساع الكون لابد للإنسان أن يعترف بعجزه، فليس بمقدوره أن يحيط علماً بكل شيء وقد قال تعالى: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً)، فما يعلمه الإنسان بالجملة هو وجود ترابط بين جميع أجزاء هذا الوجود وعلى الأقل يعلم بوجود ترابط بين أجزاء المجموعة الشمسية، ولكنه لا يعمل تفصيلاً تأثير هذا الترابط على حياة الإنسان في الأرض.

خامساً: عبادة الله تعالى تمثل الحِكمة من وجود جميع البشر، وليس من شأن كل إنسان أن يضع لنفسه الحِكمة التي تناسبه، وقد تحدثنا في أجوبة سابقة عن فلسفة العبادة والحِكمة منها.

2022/11/28

هل خلق الله الشر في الإنسان؟!
اختلفت وجهات النظر حول الخير والشر في الطبيعة الإنسانية، وهناك نظريات متباينة حول هذه الطبيعة النظرية الأولى ترى إن الشر أصيل في الإنسان وأن الخير طارئ عليه، وقد يميل الاتجاه المتشائم في المسيحية إلى هذا الرأي.

[اشترك]

والنظرية الثانية عكس النظرية الأولى حيث ترى أن الخير هو الأصيل والشر هو الطارئ، فالإنسان بطبعه خيّر إلا أن ظروف الحياة هي التي فرضت عليه النزعة الشريرة، وقد يميل بعض المسلمين لهذه النظرية، وهناك ورقة بحثية مقدمة إلى المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي في مكة المكرمة يوم 2 أبريل 1977م، قدمها الشيخ جعفر شيخ إدريس من السودان، جاء فيها: (نخلص من كل هذا إلى أن الرأي الصواب هو الرأي الثالث القائل بأن الإنسان ذو فطرة خيرة وأن الشر أمر طارئ عليه ومجاف لفطرته. هذا هو الرأي الموافق للواقع الذي نعرفه، والمؤدي إلى نتائج مقبولة، وهو الأمر الذي يقول به الدين الحق)

النظرية الثالثة ترى أن الإنسان يأتي للوجود كالصفحة البيضاء خالياً من عناصر الخير والشر، وفي هذه الحالة يصبح الخير والشر كليهما من الأمور المكتسبة، إلا أن هذه النظرية لا تكون واضحة مالم تكن في طبيعة الإنسان شيء يدفع الإنسان إما للخير وإما للشر، الأمر الذي يعيدنا للسؤال من جديد هل الإنسان بطبعه خيّر أم شرير.

والذي يبدو لنا أن هذه الإجابات وقعت في فخ السؤال الذي افترض أن طبيعة الإنسان مرددة بين كونها خير أو شر، وهذا ما لا يمكن التسليم به لوجود فرق بين قدرة الإنسان على صنع الخير والشر وبين أن تكون الطبيعة الإنسانية بذاتها خير أو شر، ولفهم ذلك يجب أن نسأل:

هل الأشياء هي التي تتصف بالخير والشر أم الأفعال هي التي تتصف بذلك؟

فمثلاً هل السكين هي التي تتصف بالخير أو الشر أم الفعل الذي يتعلق بها هو الذي يتصف بذلك؟ وكذلك الحال في الحشرات مثل العقارب والزواحف مثل الثعابين والحيوانات المفترسة مثل الأسود وغير ذلك من الأمثلة، فإن كل ذلك ليس شراً في طبيعته وجوهره وإنما بعض افعالها هي التي تتصف بالشر، وهذا خلاف وصفنا مثلاً للدم بالنجاسة والماء بالطهارة فإن ذلك يعد وصفاً لذات العين وليس شيء آخر، فلا يقال الفعل الفلاني نجس أو طاهر وإنما يقال العين الفلانية هي النجسة أو الطاهرة، ومن هنا يجب أن لا يتعلق السؤال عن الخير والشر بالإنسان كعين وذات وجوهر، وإنما يجب أن يتعلق بالأفعال الصادرة عن الإنسان.

كما أن حقيقة الإنسان ضمن فلسفة الإيمان بالله هي أن الله خلق الإنسانة قبضة من طين ونفخة من روح، وبالتالي لا يحكم فعل الإنسان ميل واحد، فالإنسان في المنظور القرآني كائن مركب من عقل ومن شهوة، والعقل في الإنسان يمثل مركز القوة والتميز، فمن خلاله يعرف الحق ويتسامى على الأنا وحب النفس، بينما تمثل الشهوة مركز الضعف عند الإنسان، فبها يحب نفسه ويندفع إلى هواه فتكون بذلك مصدراً للأنانية والحرص والطمع والحسد وكل الدوافع الشريرة

وعليه فالإنسان ليس عقلاً مجرداً بلا شهوة، كما أنه ليس شهوة مجردة بلا عقل وبالتالي الإنسان له القدرة على فعل الشر كما له القدرة على فعل الخير ولا يمكننا القول إن الإنسان بعنصره وطبيعته خير أو شر، ومن هنا لا نتفهم السؤال الذي يقول هل خلق الله نزعة الشر في الإنسان؟ لأن الشهوات ليست شرور بذاتها وإنما توظيف الإنسان لتلك الشهوات هو المسؤول من جعلها خير أو شر، فلا وجود لنزعة متأصلة تسمى بنزعة الشر وكل ما هو موجود هو الشهوات التي يمكن أن تكون مصدراً للشرور كما لا يمكن أن تكون، وعليه فإن السؤال الصحيح هو قولنا هل أقدر الله الإنسان على فعل الشر؟ والاجابة على ذلك نعم.

2022/11/22

هل يجب أن يتناغم الدين مع الحياة أم يبقى سجين التاريخ؟!
لا يمكن أن نفهم الدين إلا بوصفه أمل الإنسان لحياة أفضل، وأي فهم لا يعزز قيمة الحياة ولا يدفع الإنسان نحو إعمار الأرض على أساس قيم الحق والفضيلة، هو فهم لا علاقة له بالإسلام ولا يمثل ما أراده الله من كرامة للإنسان.

[اشترك]

أما ما عليه واقع المسلمين من رجعية وتخلف لا يمكن الدفاع عنه أو التبرير له، وما تقوم به التيارات اللا دينية من تهريج حول هذه الصور السلبية فهي ليست إدانة للإسلام بقدر ما هي ادانة للإنسان سوى كان مؤمن أو ملحد لأن الجميع يعيش في هذا التخلف والانحطاط. 
ولكي نقف على الصورة المشرقة للدين لابد أن نبحث عن البداية التي تقودنا إلى تحقيق ذلك، وقد أشار الإمام علي عليه السلام إلى تلك البداية بقوله: (أول الدين معرفته) فمعرفة الله هي التي تحقق لنا فهماً حقيقياً للدين، وأي خلط في هذه المعرفة سوف ينعكس سلباً على معرفتنا بالدين وبالحياة معاً، فالمعرفة النظرية التصورية التي تظل حبيسة الكتب الكلامية هي المسؤولة عما وقع من افراغ للدين عن محتواه الأصيل.
فمن المؤكد أن هناك مساحة فاصلة بين معارف الإسلام وعقائده وبين واقع المسلمين، ولا يمكن تقديم معالجات فاعلة إلا من خلال إعادة الوعي بتلك العقائد، ولا نقصد الوعي الذي يستحضر الأدلة الاثباتية وإنما الوعي الذي يستحضر المحتوي القيمي والثقافي لتلك العقائد، وقد عبر القرآن عن هذا الوعي بالبصيرة، فالعقيدة ليست مجرد معرفة للحقيقة وإنما اتخاذ موقف يقوم على تلك الحقيقة، فالهدف من المعرفة ليس مجرد التعرف على الأشياء، وإنما هو تحديد مسؤولية الإنسان اتجاهها، وعليه يمكن أن يكون الشيء معروفاً للمؤمن والكافر إلا أن المؤمن هو الذي يمتلك فيه البصيرة دون الكافر، ويبدو أن كلمة البصيرة في القرآن هي التي تؤكد على الجانب العملي للعقيدة، ومن خلالها نفهم المقصود من قوله تعالى (وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ)، وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)، وقوله: (أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، وهذا لا يتحقق بمجرد الاعتقاد بوجود إله وإنما بحضور هذه الاعتقاد بشكل ملموس في حياة الإنسان، فالاعتقاد بالله والتسليم له يعني التمرد على كل سلطة أرضية، وبذلك يصبح الإنسان حراً طليقاً لا تقيده شهوة ولا يرهبه طاغوت، قال تعالى: (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) فالإنسان في الحياة أما أن يكون فاعلاً فيها وإما أن يكون منفعلاً بها، والاعتقاد بالله وحده هو الذي يحرر الإنسان من اغلال الحياة وضغوطها، وبذلك يصبح العقل هو المتحكم في خيارات الإنسان، وعندها يكون الإنسان أكثر وعياً لمسؤولياته واكثر قدرة على اعمار الأرض على أساس الحق والفضيلة.
وعليه يجب البحث عن الله الذي تجلى عبر اسمائه الحسنى في الحياة، وتجلى مره أخرى في آيات كتابه وأحكام شريعته، وحينها سوف نرى الكون في الكتاب، ونرى الكتاب في الكون؛ والإنسان هو الكائن الذي يحُدث هذا التلاقي عندما يتحول الكون عنده كتاباً مقروءاً، ويتحول الكتاب بين يديه كوناً متحركاً، والعقل هو الذي يقوم بهذا الدور فعندما يتدبر في آيات الكون سوف يجدها سنناً وحِكماً، وعندما يتدبر في آيات الكتاب سوف تتمثل أمام ناظريه كوناً متحركاً. 
وللتأصيل لهذا الأمر لابد أن نبحث عن جذور الانحراف في الوعي الديني، والمؤثرات التي جعلت الدين صورة جامده غير متفاعلة مع طموح الإنسان وتطلعاته، وربط كل ذلك بمعرفة الله وما تسرب في هذا الحقل من أفكار جعلت معرفة الله مجرد قناعات ذهنية منفصلة عن واقع الحياة، وبهذه الطريقة يمكن الكشف عن التصور المعرفي الذي يستقيم مع العلم والعقل ويحقق التفاعل الإيجابي مع الحياة، حيث لا يمكن أن نتصور أن هنالك ديناً جاء من اجل الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً ثم يأمره بمخالفة العقل، فالدين الذي لا يُعطى فيه العقل حيزاً محورياً لا يكون الإنسان هو المقصود باتباعه.
فإما أن نفهم الدين في الإطار الذي يعزز نقاط القوة عند الإنسان، فيأمره بالعقل والعلم، ويشجعه على تطوير القدرات، ويأمره بالانفتاح على الحياة ببصيرة واعية، وإما أن نفهمه حملاً ثقيلاً يمنع الإنسان من ممارسة دوره في الحياة، وعندها يجب أن لا نوجه اللوم إلى من يتخلى عنه ويبحث عن غيره.
ويبدو أن استبعاد العقل عن الدين هو المسؤول عن وجود نوع من التنافر بين الدين والحياة، وحتى يعود ذلك التناغم لابد من إعادة الاعتبار للعقل لكونه الوسيلة الوحيدة القادرة على فهم الدين والحياة معاً، وبالتالي يجب التأكيد على أن العقل هو البداية لأي تأسيس معرفي، حيث لا يمكن تشكيل وعي حقيقي، يعبر عن مشروع الإسلام ودوره الحضاري إذا استُبعد العقل، أو على الأقل لم يضع العقل في الإطار الذي يجعله منتجاً، وعليه لا يمكن الاعتراف بأي خطاب إسلامي يعمل على عزل الدين عن الحياة.
ومن الواضح إن المسلم المعاصر لم يساهم في إنتاج تصوره الخاص بالإسلام، فمعظم فهمه عبارة عن موروث تاريخي تم انتاجه بعيداً عن شروط الواقع الراهن، ومن هنا ليس من السهل مقاربة الإسلام اليوم بعيداً عن عمقه التاريخي الذي تشكل فيه.
ويبدو أن المسافة التي تفصل بين المسلم اليوم وبين متطلبات الحاضر، والتي ساعدت في تحجيم تفاعله مع ضرورات العصر، ترجع بشكل أساسي إلى الرؤية الثقافية التي وقعت رهينة للتاريخ، فالتفكير الذي لا يكون إلا بالرجوع الدائم إلى الوراء، أو الذي يحاكم الواقع بمعايير الماضي، سيكون عقبة أمام حركة الإنسان وصيرورته.
ولا نتجاهل بهذا الوصف المحاولات الاجتهادية المعاصرة التي سعت إلى جعل الإسلام أكثر انسجاماً وواقعية، إلا إنها جهود محدودة لم تتحول إلى خيار تتبناه كل الأمة؛ بل قد تكون مرفوضة من الإسلام الكلاسيكي الذي يمثل التيار العريض من الأمة، فالوصف الذي نرى أنه أكثر موضوعية وواقعية هو الوصف الذي يعترف بالحضور التاريخي أكثر من حضور الواقع، ولا ينحصر ذلك فيما يتعلق بحجم التراث فحسب، وإنما فيما نجده من نمط تفكيري لا يستطيع مقاربة الواقع إلا بشروط تاريخية. 
وهذا الحضور التاريخي هو المسؤول عن تلك الانقسامات والتباينات بين أبناء الأمة، كما أنه مسؤول ايضاً عن التراجع الحضاري لمعظم المجتمعات الإسلامية، الأمر الذي يجعل إيجاد مقاربة للعلاقة بين الحاضر والتراث من أهم المسؤوليات التي تواجه المسلم المعاصر.  
والتاريخ وإن كان محطة سابقة تجاوزها قطار الزمن، إلا أن ظلاله لا تنفك تلاحق الإنسان في كل المحطات التي تأتي لاحقاً، ومن هنا كان اهمال التاريخ بالمطلق واستبعاده بالمرة يعد خياراً غير مستوعب لحقيقة الإنسان الذي لا يمكن فصله عن ماضيه، وبخاصة في ما يتعلق بالإسلام الذي كانت تجربته الأولى تجربة تاريخية، ومع ذلك فإن الجمود على الماضي واهمال الواقع الراهن يؤدي إلى ضياع حاضر الإنسان ومستقبله.
فهناك فاصل معرفي بين المسلم اليوم والمسلم الأول، وهو فاصل تفرضه طبيعة الإنسان، وطبيعة الواقع المتغير، الأمر الذي يؤدي إلى اختلاف في البنية الثقافية بينهما، وإهمال هذه الخصوصيات شبيه بإعدام الواقع الراهن وتجاوز كل مكوناته.
ومن ذلك يبدو أن الإنسان المسلم بين ثلاث خيارات، الخيار الأول: هو أن يتبنا تديناً عقلانياً يجمع بين النص والعقل، بمعنى أن يعيش الحياة كمسلم متدين ضمن ظرف الواقع الراهن، فيحقق بذلك وعياً إسلامياً أصيلاً يوجد من خلاله الانسجام التام بين الدين والحياة. 
والخيار الثاني: أن يكفر بالإسلام بوصفه فكراً تاريخياً لا يتماشى مع الحياة المعاصرة للإنسان، وهو بالتأكيد خيار باطل لأن الكفر بالإسلام هو كفر بوجود قيمة للحياة من الأساس.
والخيار الثالث: هو الانتصار للإسلام التاريخي ضمن الرؤية السلفية التي لا تسمح بالتواصل العقلي مع متطلبات الحياة العصرية، ويبدو أن ذلك الخيار هو المسؤول عن عدم التناغم بين الدين والحياة، ومع ذلك فإنه خيار تقف خلفه مؤسسات لها إمكاناتها الضخمة. 
وعليه فمن الضروري التأكيد على أن الخطاب الإسلامي المعاصر، بحاجه ماسة لتفعيل دور العقل، وجعله أكثر حضوراً في تشكيل وعينا الراهن بالإسلام، وضرورة العقل ليست فقط من أجل الوعي بالمرحلة وعناوينها المصيرية، وإنما أيضاً ضرورة لفهم الإسلام ضمن عناوينه الكلية. 
وفي المحصلة لا بد أن نعترف بوجود أزمة على مستوى الخطاب الإسلامي بشكل عام، وبالتالي  لابد من تفكيك الإسلام التاريخي بمنهجية واقعية، وبعقلية منطقية، وبروحية علمية، حتى نتمكن من بناء رؤية إسلامية تجعل الإسلام اكثر حضوراً في الحياة، فالتكامل بين الوحي والعقل هو الضمان لتحقيق فهم إسلامي مستوعب لكل قيم الدين وحِكمه، وبالتالي  ينضبط العقل بهذه الحِكم، ويسترشد بهذه القيم في ملاحقته للواقع، فبدون الوحي المذكِّر بهذه القيم تغيب الضوابط التي تحدد مسار العقل، وبدون العقل تصبح هذه القيم حالة مثالية ليس لها علاقة بالواقع؛ لأن العقل هو الذي يكتشف الواقع المتغير، وهو نفسه الذي يقوم بإرجاع تلك المتغيرات إلى القيم التي يذكِّر بها الوحي. 
هذه التكاملية هي التي تمنح الدين حالة الاستمرار، بحيث يصبح في حالة من الانسجام الدائم مع تطورات الحياة، ومن هنا لا يكون الفهم الحيوي للإسلام ضرورة تفرضها الظروف؛ وإنما ضرورة تفرضها طبيعة الرسالة، ولكن ليس بوصفها طبيعة تاريخية، وإنما بوصفها طبيعة ارتبطت بالعقل في اول لحظة التكون.

2022/11/21