في كل موسم رمضاني تتصدر شاشات التلفزيون مجموعة من برامج المقالب التي تحظى بنسب مشاهدة عالية، خاصة مع اجتماع العائلات حول مائدة الإفطار. لكن ما خفي كان أعظم، إذ أن تلك البرامج التي نراها وسيلة للترفيه والتسلية أصبحت سلاحاً ذو حدين، بل ربما أضحت سماً بطيئاً يسري في عقول أطفالنا ويهدد صحتهم النفسية وسلوكياتهم المستقبلية.
لم تعد برامج المقالب كما عرفناها في الماضي مجرد مزحات بريئة تنتزع الضحكات، بل تحولت إلى مشاهد صادمة تعتمد على الترويع والإفزاع والإيذاء النفسي والجسدي أحياناً. ويشير الدكتور إيهاب ماجد، استشاري الصحة النفسية والعلاج الأسري، إلى أن الأمر تجاوز كونه مجرد تسلية، وأصبح عبارة عن "مشاهد تعذيب مفتعل" تُقدم في قالب كوميدي.
ويطرح الاستشاري سؤالاً جوهرياً: "كيف لنا أن نترك أولادنا يتيهون بين مشاهد التعذيب المقترنة بمحتوى كوميدي مملوء في طياته بالتنمر، والاستمتاع بالتقليل من الشخص؟" سؤال يستحق التأمل من كل أب وأم يسمحان لأطفالهما بمشاهدة هذه النوعية من البرامج.
ما وراء الضحك: أضرار نفسية عميقة
تحمل برامج المقالب العنيفة آثاراً مدمرة على الصحة النفسية للأطفال والمراهقين، وتكمن خطورتها في أنها تتغلغل في عقولهم بشكل تدريجي دون أن يشعر الأهل بذلك. وقد حدد الدكتور إيهاب ماجد عدة مخاطر جسيمة تُهدد أطفالنا نتيجة تعرضهم لهذا المحتوى:
- تطبيع العنف والخوف
يتعرض الأطفال عبر برامج المقالب لمشاهد تصور الخوف والعنف كمصدر للفكاهة، مما يكسر الحاجز النفسي تجاه استهجان العنف. ومع تكرار المشاهدة، يفقد الطفل الإحساس بخطورة هذه السلوكيات ويبدأ في اعتبارها أمراً طبيعياً وربما مرغوباً فيه.
- تشويه مفهوم الفكاهة لدى الطفل
بدلاً من تنمية حس الفكاهة الإيجابي القائم على المواقف اللطيفة والكوميديا البريئة، تُعلم هذه البرامج الأطفال أن الضحك على آلام الآخرين وإحراجهم ومخاوفهم أمر مقبول ومسلي. هذا التشويه يمتد تأثيره إلى علاقات الطفل الاجتماعية ويؤسس لسلوكيات سلبية في المستقبل.
- زرع المخاوف المرضية
يتولد لدى بعض الأطفال، خاصة الأكثر حساسية منهم، شعور بأنهم قد يقعون ضحية لمواقف مشابهة في أي وقت. هذا الخوف يتسلل إلى اللاوعي ويتسبب في قلق مزمن وتوتر دائم، وقد يتطور إلى رهاب من مواقف معينة أو أماكن محددة، مما يُضعف ثقة الطفل بنفسه وبالعالم من حوله.
- تعزيز التنمر والسخرية
تشكل برامج المقالب نموذجاً سلبياً يُقلده الأطفال، فيتعلمون الضحك على خوف الآخرين وألمهم. وتوضح الدكتورة رنا هاني ياسين، أخصائية الصحة النفسية والتربية الإيجابية، أن الأطفال يميلون إلى تقليد ما يشاهدونه، وقد يدفعهم ذلك إلى ممارسة التنمر في المدرسة أو مع إخوتهم وأصدقائهم، معتقدين أنه نوع من المرح المقبول.
- التعرض لمحتوى غير ملائم
غالباً ما تتضمن برامج المقالب مشاهد وألفاظاً غير مناسبة لسن الأطفال، بل قد تتعارض مع القيم الأخلاقية التي يحاول الأهل غرسها في نفوس أبنائهم. ونظراً لأن الأطفال يتقبلون ما يشاهدونه دون تفكير نقدي، فإنهم يتشربون هذه الألفاظ والسلوكيات ويعيدون إنتاجها في حياتهم اليومية.
لماذا يتفاعل الأطفال بشكل مختلف مع هذه البرامج؟
تلفت الدكتورة رنا هاني ياسين الانتباه إلى نقطة محورية: الفرق الجوهري بين كيفية استقبال البالغين والأطفال لهذه البرامج. ففي الوقت الذي يدرك فيه البالغون أن المقلب قد يكون مبالغاً فيه أو مفبركاً، لا يستطيع الأطفال التمييز بين الحقيقة والتمثيل.
وتوضح: "الطفل عندما يشاهد هذه المواقف العنيفة يكون مصغياً للأحداث بكل حواسه، كما بقية أفراد العائلة، ولكن الفرق بينه وبينهم أنه لا يملك القدرة على التمييز والتحليل، بل إنه يتوقع أن سلوك المذيع أو مقدم البرنامج مع الضيف هو السلوك الصحيح، حتى وإن كان عنيفاً أو منافياً للأخلاق".
تشير الأخصائية أيضاً إلى ظاهرة مقلقة تتمثل في أن الأطفال اليوم "أصبحوا أكثر عصبية من ذي قبل، ويعانون اضطراباً وعدم استقرار نفسي، وينعكس ذلك على أدائهم الدراسي". وتحمّل جزءاً من المسؤولية لترك الأطفال فريسة للألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج التلفزيون العنيفة دون رقابة أو توجيه.
مجرمو المستقبل: علاقة العنف المشاهد بالسلوك الإجرامي
تذهب الدكتورة ياسمين محمد المهدي، استشارية التربية الإيجابية وتعديل السلوك، إلى ما هو أبعد من ذلك، محذرة من أن "مشاهدة الأطفال لبرامج المقالب التي تحتوي على جرعات عالية من الإيذاء والتنمر... قد يتسبب برفع مستوى الجريمة لديهم عندما يكبرون".
وتوضح الاستشارية أن الأطفال "يكتسبون الكثير من العادات السيئة التي ترسخت في عقولهم منذ الصغر"، والتي قد تتطور لاحقاً إلى سلوكيات عدوانية وربما إجرامية. كما أن هذه البرامج تترك أثراً نفسياً سلبياً "قد يصيبهم بالأرق والقلق وقلة النوم خوفاً من التعرض لتلك المواقف، وبالتالي يتعرضون للاكتئاب والعزلة والانطواء".
دور الأبوين: من قدوة سيئة إلى حماة للطفولة
يلفت الدكتور إيهاب ماجد الانتباه إلى مسألة غاية في الأهمية: أحياناً تكون البداية من الأبوين أنفسهما. فالأطفال يقلدون آباءهم في متابعة هذه البرامج ويعتبرونها مناسبة لهم طالما أن الوالدين يستمتعون بها.
ولهذا يحث الخبراء الآباء والأمهات على أن يكونوا قدوة حسنة لأطفالهم، وأن يبتعدوا هم أيضاً عن مشاهدة المحتوى العنيف، وأن يكونوا حريصين على اختيار ما يُعرض أمام أطفالهم.
استراتيجيات عملية لحماية الأطفال
تقدم الدكتورة ياسمين المهدي مجموعة من النصائح العملية للآباء والأمهات لمواجهة الآثار السلبية لبرامج المقالب والمحتوى العنيف بشكل عام:
- التوجيه الواعي
يجب على الأهل توجيه أطفالهم لمشاهدة البرامج المناسبة لأعمارهم، والتي تعود عليهم بالفائدة. كما يُفضل مشاركة الطفل في اختيار المحتوى ليستمتع بالمشاهدة ويندمج معها بطريقة إيجابية.
- المناقشة المستمرة
ينبغي الحرص على مناقشة أي محتوى يتعرض له الطفل، وتعليمه التمييز بين الصواب والخطأ، وتوجيه الانتقادات للمحتوى السيئ أمامه، والتأكيد على أن العنف مرفوض وغير مبرر، وأن التنمر غير مقبول حتى لو كان على سبيل المزاح.
- تنظيم وقت المشاهدة
رمضان شهر للعبادة والدراسة وممارسة الأنشطة المختلفة، وليس موعداً للكسل. لذا يجب عدم السماح للأطفال بقضاء ساعات طويلة أمام الشاشات خاصة في الليل، والنوم نهاراً بدعوى التعب من الصيام.
- المشاهدة المشتركة
تؤكد الدكتورة رنا هاني ياسين على "ضرورة الجلوس مع الطفل خلال مشاهدة البرامج التي تقدم أي محتوى أكبر من سنهم، وتعويدهم على التفرقة بين ما يشاهدونه من خيال أو واقع، حتى لا يختلط عليهم الأمر".
- توفير البدائل الهادفة
محاولة توجيه الطفل نحو برامج هادفة تحتوي على علم ومعرفة لتنمية مواهبه وزرع الرغبة في العلم. من المهم أيضاً تشجيع الأنشطة البديلة كالرياضة والقراءة والأنشطة الاجتماعية التي تساعد في تنمية شخصية الطفل بشكل متوازن.
- المراقبة الذكية
تنبه الدكتورة ياسمين المهدي إلى أنه "يجب أن يتم إبعاد الأطفال عن المحتويات الضارة لهم بطريقة ذكية، خاصة أن كل طفل يمكنه بنقرتين أو ثلاث الوصول إلى محتوى الفيديوهات التي قمنا بمنعه عنها". وتقترح استخدام تطبيقات الرقابة الأبوية وتحديد أوقات معينة للمشاهدة مع الحرص على المتابعة المستمرة.
إن شهر رمضان فرصة مثالية لتأسيس عادات إيجابية جديدة في علاقة الأسرة بوسائل الإعلام والترفيه. ومن خلال الانتباه لمخاطر برامج المقالب العنيفة وتبني استراتيجيات فعالة لحماية الأطفال منها، يمكن للأسرة أن تحول شهر رمضان إلى محطة للتنمية الروحية والنفسية والعقلية لأفرادها، خاصة الأطفال.
الأبناء هم الثروة الحقيقية لكل أسرة وللمجتمع بأكمله، ومن واجبنا حمايتهم من كل ما يهدد صحتهم النفسية وسلامة نموهم. وكما تقول الدكتورة ياسمين المهدي: "لا تستهينوا بأي شيء يؤثر في عقول أولادكم وتفكيرهم، خاصة في سن حب الفضول والرغبة في استكشاف كل شيء".
فلنجعل شاشات التلفزيون نافذة للمعرفة والتسلية الهادفة، لا مصدراً للسموم التي تفسد عقول الصغار وتهدد مستقبلهم.