كان يقف في سوق المدينة شاب وسيم، يبيع من محصول أرضه الذي بارك الله فيه هذا العام. تألقت بضاعته بين الباعة، وأقبل الناس عليه بإعجاب. لكن بائعاً آخر في الجوار كان يرمقه بنظرات حادة، يكاد يحرقه بها. لم يكن راضياً عن نجاح جاره الشاب، بل كان يتمنى في قرارة نفسه لو أن محصوله يفسد، أو يصاب بآفة، أو تنفر منه القلوب.
وبينما كان الشاب يعد نقوده في نهاية اليوم، شعر فجأة بدوار شديد، وسقط على الأرض مغشياً عليه. هرع الناس إليه، وهمس بعضهم: "أصابته العين... لا شك أن أحدهم حسده على رزقه!"
هذه القصة البسيطة تلخص ظاهرتين اجتماعيتين ونفسيتين عميقتي الجذور في الثقافة العربية والإسلامية: الحسد والعين. فما حقيقتهما؟ وما الفرق بينهما؟ وكيف نقي أنفسنا من شرورهما؟
الحسد في اللغة والاصطلاح
الحسد في أصله اللغوي هو تمني زوال نعمة المحسود وانتقالها إلى الحاسد. وقد عرّفه بعض علماء اللغة بأنه: "أن تغتاظ مما رزقه غيرك، وتود أنه زال عنه وصار إليك". وهذا يعني أن الحسد ليس مجرد الإعجاب بما عند الآخرين، بل هو شعور سلبي عميق يتمنى صاحبه سلب النعمة من الآخر.
هناك أيضاً رأي يقول: إن إرادة زوال نعمة فيها صلاح صاحبها تُعتبر حسداً أيضاً. فإذا تمنيت مثلاً أن يفقد شخص ماله معتقداً أن ذلك سيصلحه، فهذا أيضاً نوع من الحسد وإن كان بنية التصحيح.
الفرق بين الحسد والغبطة
يميز علماء الأخلاق بين الحسد والغبطة. فالغبطة هي أن تتمنى لنفسك مثل ما عند غيرك من النعم، دون أن تتمنى زوالها عنه. كأن ترى شخصاً متفوقاً في علمه، فتتمنى أن تكون مثله متفوقاً، دون أن تتمنى تراجعه أو فقدانه لعلمه.
ولهذا قيل: "الغبطة ألا تغتاظ ولا تود زواله عنه، وإنما تود أن ترزق مثله". والغبطة ليست مذمومة، بل قد تكون محمودة إذا كانت في الخير.
عبّر الشعراء عن الحسد ببلاغة تكشف عمق هذه الظاهرة في المجتمعات البشرية. يقول الشاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ***** فالكل أعداء له وخصوم
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ***** - حسدا وبغيا - إنه لدميم
في هذه الأبيات تشبيه بليغ، حيث شبّه الشاعر الحاسدين بالضرائر (زوجات الرجل الواحد) اللاتي ينظرن إلى الزوجة الجميلة بينهن، فيقلن عن وجهها الجميل إنه قبيح، من شدة الحسد والبغي. وفي هذا إشارة إلى أن الحسد يعمي صاحبه عن رؤية الحقيقة، بل ويقلبها في عينيه.
العين: السهم الخفي
العين في المفهوم الإسلامي هي قوة مؤثرة بالشر لدى بعض الناس، يحصل أثرها حال التعجب من شيء أو صفة. وهي قديمة قِدم البشرية، عرفتها الأمم والحضارات المختلفة.
روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: "إن العين لتدخل الرجل القبر والجمل القدر". وفي هذا الحديث تعبير مجازي بليغ عن قوة تأثير العين، فهي تستطيع أن تؤدي بالإنسان إلى الموت (القبر)، وبالجمل القوي إلى أن يُذبح ويُطبخ (القدر).
الوقاية من العين
نقل عن الإمام الصادق عليه السلام قوله: "العين حق، ولست تأمنها على نفسك ولا منك على غيرك". وهذا يؤكد خطورة العين وضرورة الاحتراز منها، سواء كنت معرضاً للإصابة بها، أو كنت ممن قد يصيب غيره بها دون قصد.
وقد أرشد الإمام إلى طريقة للوقاية، فقال: "فإذا خفت ذلك فقل ثلاثا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله العلي العظيم". وهذا الذكر يجدد في النفس الإيمان بأن كل شيء بمشيئة الله تعالى، وأن القوة كلها لله وحده، فيكون حصناً من الآفات.
الحسد والعين.. التداخل بين المفهومين
رغم الاختلاف في المعنى اللغوي بين الحسد والعين، إلا أن العرف الشعبي جرى على استخدامهما بشكل متداخل، حتى صارا كالمترادفين. فيقال: "فلان حسد فلاناً" بمعنى أصابه بالعين، مع أن الحسد في أصله تمني زوال النعمة.
ويمكن تفسير هذا التداخل بأن العين غالباً ما تنبع من الحسد، فالشخص الحاسد قد تكون لديه قوة في عينه تؤثر فيمن يحسده، فتصيبه بالضرر. ولهذا صار الناس يسمون الإصابة بالعين حسداً، من باب إطلاق السبب على المسبب.