اللذة القصوى!

الشيخ صلاح الخاقاني
زيارات:600
مشاركة
A+ A A-

يمكننا القول بأن اللذة هي الغاية القصوى التي يجتمع حولها أفراد النوع الإنساني برمته، فكل مايبدر من الإنسان في عمله  وانشغاله وتطلعاته ينتهي بالنتيجة الى أنه سعي إلى اللذة كهدف أعلى.

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

وإذا ما طالعَنا الواقع الانساني، منذ فجر البشرية، باختلاف دائم في  أعمال الناس وانشغالاتهم وتوجهاتهم، فمرد ذلك الى اختلاف في تصور مفهوم اللذة وحقيقتها، بدءا من اللذة الحسية التي يحرص البعض على نيلها واعتبارها قيمة أعلى في الحياة، مرورا بالعلم والمعرفة التي يجد فيها البعض قيمة أعلى وسبيلا موصلا للذة ـ في ذاتها ( لذة المعرفة والاكتشاف) أو أنها الاداة لخدمة البشرية وإصلاح حالها ـ ، أو أن اللذة تكمن في مفهوم القوة والنزوع الى السلطة، أو يرتد البعض الى شعور عنصري فيحسب اللذة في هيمنة قبيلته أو عرقه أو شعبه هو اللذة، وغير ذلك الكثير من التصورات والتوجهات.

والحال أننا إزاء حالتين من اللذة، لذة صادقة وأخرى مزيفة.. والفرق بينهما هو أن الاولى حقيقية خالية من الألم والثانية تستبطن الألم أو تؤدي اليه، ومشكلة البشرية تكمن في اعتمادها العقل البشري المتوضع كدليل للوصول الى اللذة، في حين أن تموضع العقل بالانساني دائما مايقود الى اللذة المزيفة. فأنصار العلم حين أطلقوا لرؤاهم العنان، بُعيد الانتصار على الكنيسة المستبدة، ظنا من أنهم يلمسون حقيقة اللذة الكامنة في مسعاهم بالمنجز العلمي والتطور التكنلوجي الذي غيّر وجه الحياة البشرية، لم تلبث الانسانية أن اكتشفت مقدار الالم الناتج في ذلك المسعى في السلاح المتطور الفتاك والسعار اللاإنساني في استخدام الالة كوسيلة لاستغلال الانسان لأخيه الانسان.

المنجزات الفلسفية التي جرّت على الانسانية كمّاً لاحد له من اللذة المزيفة، بدءا بغرغايوس السفسطائي الذي قال بمبدأ الانسان معيار كل شيء، ثم لم ينحصر ذلك الـ (الكل شيء) على المعرفة بل تعداه الى القيم، وصار الانسان هو المحدد للقيمة الاخلاقية، فحين يغتصب الاول ما بحوزة الآخر يُنظر الى الأمر من زاوية الخير المستحصَل للأول، وعلى الآخر اللجوء الى المحكمة التي تعتمد في قرارتها على الفكر السفسطائي والتي تعطي الحق للأشد في الجدل.

إن من خصائص اللذة الصادقة هي أنها شاملة للنوع البشري عامة لكونها خالية من وجود أي ألم، فالطاغية المستبد الذي يحسب أن ماهو فيه من القوة والسلطة لذة قصوى، فهو علاوة على الألم الذي يتعايش معه والناجم من قلقه الدائم على سلطته واضطراره في الذود عنه الى ارتكاب اشياء لايرغب بها وتأزمات نفسية هائلة، كثيرا مانراها في شخصيات الطغاة، علاوة على هذا فإن الرعية المضطهدة تكون غارقة بألم كبير.

ولاشك هنا من أن ما نراه في الواقع الانساني من سعي ـ قائم على اختلاف دائم في  اعمال الناس واشتغالاتهم وتوجهاتهم ـ خلف اللذة المزيفة، هو ناتج عن الجهل الناجم عن التموضع، وكما قال سقراط " الخطيئة هي الجهل"  . فإذا ما انتفى الجهل سيتوحد الناس بتوجه واشتغال واحد نحو اللذة الصادقة.

مواضيع مختارة