شرعية القتل!

الشيخ صلاح الخاقاني
زيارات:156
مشاركة
A+ A A-

ثمة اعتراض يُدلي به الكثيرون حول ما قام به النبي (صلى الله عليه وآله) من فرض الإسلام على المشركين بعد فتح مكة، واعتبار البقاء على الشرك وعبادة الأصنام جريمة يُعاقب عليها بالقتل.

ومفاد الاعتراض أن المشركين طائفة ذات عقيدة، ولا بد أن تُحترم لما يفرضه الواقع الإنساني من ضرورة الالتزام بالتعددية واحترام العقائد المغايرة؛ فلا يجوز للنبي (صلى الله عليه وآله) إكراههم على اعتناق دينه، فضلاً عن تهديدهم بالقتل.

ويتلخص الرد على هذا الاعتراض في النقاط الآتية:

اشترك في قناتنا ليصلك كل جديد

أولاً: إن عقيدة عبادة الأصنام تعبّر في واقعها الفعلي عن انحطاط هائل في العقل والوجدان الإنسانيين، وهي دافع وانعكاس في الوقت نفسه للواقع الاجتماعي المفزع الذي كان يعيشه سكان الجزيرة العربية من تقاتل، وتناحر، وقبلية، وجهل، وتخلف. وعليه؛ فإن عملية الإصلاح لا يمكن أن تتم في المجتمع الجاهلي إلا بالقضاء على هذه العبادة التي تهوي بعقل الإنسان في مهاوٍ سحيقة، حيث يصنع الصنم من الطين بيده، ثم يضعه عند باب الخيمة في المساء، ليجده في الصباح وقد بالت عليه الكلاب، فينظفه ويعكف على عبادته، معتقداً بقدرته على التحكم بمقادير هذا الكون الشاسع. وهذا ما يؤكده علم الاجتماع الحديث في تعليله للأديان الوثنية القائمة على أساس الطوطم والخرافة بأنها انعكاس لمجتمع متخلف، ولا بد في عملية الإصلاح من حركة تنويرية تقضي على مثل هذه العقائد.

ثم ألا ينطلق الخط الإلحادي الداعي لاجتثاث الدين من فكرة أن العقيدة الدينية تمثل الحاضنة الخصبة لنمو كل ما هو متخلف مما يعيق عملية الإصلاح والتنوير؟

ثانياً: لم يمثل سادة قريش مجموعة دينية تمارس عقيدتها بمعزل عن مكونات المجتمع الأخرى، تحمل لها الاحترام والرغبة في التعايش السلمي لتحظى بعد ذلك بحق الاحترام والتعددية. لقد كانوا، كما تؤكد المصادر التاريخية كافة، طغمة دكتاتورية طاغية تجاهد في سبيل ترسيخ ودعم شريعة الغاب التي سادت المجتمع الجاهلي، وتعيش حالة لا توصف بوصفها طبقة برجوازية تنكر على الأسود والضعيف والفقير كل حق في الحياة. وثورة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لا يمكن أن نَسْلُبَها صفة الثورة الشعبية التي أشعلها الشعب المقهور ضد السلطة الجائرة.

والتاريخ مملوء بآلاف الثورات المماثلة التي لم يتأخر الثائرون فيها -عند انتصارهم- لحظة واحدة عن الاقتصاص من رموز الحكومة الجائرة وإنزال العقوبة بهم. ولم يسجل التاريخ سوى التأييد والانتصار لهؤلاء الثائرين، وإن تجاوزوا في قصاصهم وانتقامهم حدود الإنسانية والحق والعدل. فلم يقل قائل في التاريخ كلمة واحدة عن الثورة البلشفية التي قام الشيوعيون فيها -بعد انتصارهم- بقتل القيصر وعائلته بما فيها من أطفال في مشهد أشبه بحمام دم، أو ما شهدته الثورة الفرنسية -التي يعدها العلمانيون وحَمَلَة هذا الخط المعارض للإسلام عروس الثورات- من مجازر عند انتصارها.

وعلى الرغم من هذا، فقد سجل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) عند انتصاره الساحق صورة لم يماثله فيها قائد على وجه الأرض. لقد دخل مكة منتصراً، وله من القوة العسكرية ما يمكّنه من جعلها أثراً بعد عين، ولكنه لم يُهرق قطرة دم واحدة، ووقف قبالة أعضاء الحكومة المكية المستبدة التي نكلت به وبأصحابه وأذاقتهم ألوان العذاب، لا لشيء إلا لأنهم اعتنقوا عقيدة مغايرة تحمل في أيديولوجيتها معاني الثورة ضد الطبقية والجور؛ وقف قبالتهم ليعفو ويجعل من ذلك الصراع المرير صفحة مطوية، شريطة أن يخرجوا من ضنك عالمهم المعتم إلى أرجاء عالمه الفسيح، المتقوم بدعاوى الخير والإنسانية والعدل، والذي يعيش فيه الناس سواسية كأسنان المشط.

إن الإلزام الذي يقيم بسببه العلمانيون الدنيا ويقعدونها، لم يكن في حقيقته سوى هذا الشرط الذي لم نجده عند قائد في التاريخ.

ثالثاً: لنفرض -رغم كل هذا- أن لمشركي قريش حقاً في احترام عقيدتهم الدينية، ولكنهم تخلوا عن هذا الحق حين أعلنوا للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) استعدادهم لنبذ آلهتهم وكل ما يحملون من معتقدات. "سأل أبو شاكر أبا جعفر الأحول عن قول الله: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ولا أنتم عابدون ما أعبد، ولا أنا عابد ما عبدتم، ولا أنتم عابدون ما أعبد)، فهل يتكلم الحكيم بمثل هذا القول، ويكرر مرة بعد مرة؟ فلم يكن عند أبي جعفر الأحول في ذلك جواب. فدخل المدينة وسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك، فقال: كان سبب نزولها وتكرارها أن قريشاً قالت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، وتعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة. فأجابهم الله بمثل ما قالوا. فقال فيما قالوا تعبد آلهتنا سنة: (قل يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون)، وفيما قالوا نعبد إلهك سنة: (ولا أنتم عابدون ما أعبد)، وفيما قالوا تعبد آلهتنا سنة: (ولا أنا عابد ما عبدتم)، وفيما قالوا نعبد إلهك سنة: (ولا أنتم عابدون ما أعبد، لكم دينكم ولي دين)".

رابعاً: إن عقيدة الأصنام لا تحمل في مضامينها من الأبعاد الفلسفية -هذا إن صح اعتباره بعداً فلسفياً- سوى أنهم كانوا يعبدون الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى. وهنا تبطل العقيدة منطقياً، ولا يبقى لهم مبرر في التزامهم بها حين يأمرهم الله نفسه بألا يتخذوا هذه الأحجار وسيلة تقربهم إليه، بل يعبدوه وفق ما يبيّنه لهم رسوله. لا سيما بعد تسليمهم ببطلان عقيدتهم وعدم قدرتهم على مجاراة ما كان يقدمه النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في مناظراته معهم من حجج دامغة.

مواضيع مختارة